Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.
стр. 8331
قَال أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّ: إذَا رَأَيْتَ الرَّجُل يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ؛ لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ أَوْلَى بِهِمْ، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ (١) .
تَنْزِيهُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ :
١٤ - مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَدْ حَكَى الإِْجْمَاعَ عَلَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَْئِمَّةِ.
رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَة قُتِل، قِيل لَهُ: لِمَ؟ قَال: مَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢) ﴾ .
وَهَل تُعْتَبَرُ سَائِرُ زَوْجَاتِ الرَّسُول ﷺ كَعَائِشَةَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْ قَذَفَ وَاحِدَةً مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ هَذَا فِيهِ عَارٌ وَغَضَاضَةٌ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَذًى لَهُ стр. 8332
أَعْظَمُ مِنْ أَذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ بَعْدَهُ قَال تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (١) ﴾ .
وَاخْتَارَ الثَّانِيَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٢) .
تَنْزِيهُ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ:
١٥ - يَتَأَكَّدُ وُجُوبُ تَرْكِ الْمَعَاصِي فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ وَحَرَمِهَا؛ لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ أَشَدُّ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) ﴾ .
قَال مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَاتُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ (٤) .
وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنِ الْقِتَال فِيهَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَال رَسُول اللَّهِ فِيهِ، فَقُولُوا إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا стр. 8333
الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَْمْسِ (١) .
١٦ - وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنْ حَمْل السِّلاَحِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَحِل لأَِحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِل بِمَكَّةَ السِّلاَحَ (٢) .
١٧ - وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنْ دُخُول الْكُفَّارِ. قَال تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا (٣) ﴾
فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يُمَكَّنُ مِنْ دُخُول حَرَمِ مَكَّةَ، لاَ مُقِيمًا وَلاَ مَارًّا بِهِ (٤) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنِ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ لَوْ دَخَل بِتِجَارَةٍ جَازَ وَلاَ يُطِيل (٥) .
تَنْزِيهُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ:
١٨ - يَجِبُ تَنْزِيهُ الْمَدِينَةِ عَنْ إرَادَةِ أَهْلِهَا بِسُوءٍ стр. 8334
فَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْل الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إلاَّ أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ (١) .
وَيَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنِ الإِْحْدَاثِ فِيهَا: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٢) .
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ:
١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى وُجُوبِ تَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ.
فَلاَ يَجُوزُ إدْخَال النَّجَاسَةِ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ أَنْ يَدْخُلَهُ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ جِرَاحَةٌ، وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِخَشْيَةِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بِنَاؤُهُ بِمُتَنَجِّسٍ.
وَلاَ يَجُوزُ الْبَوْل وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل، وَلاَ الْقَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّلاَةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (٣) . стр. 8335
وَاخْتُلِفَ فِي اتِّخَاذِ إنَاءٍ لِلْبَوْل فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ:
فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْمَنْعُ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَائِزٌ إذَا اتَّخَذَهُ الْبَائِتُ لَيْلاً فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ الْبَوْل قَبْل خُرُوجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَتَحْرُمُ الْحِجَامَةُ وَالْفَصْدُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ فِيهِ الْجِمَاعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (١) ﴾ .
وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَمِنَ تَلْوِيثَهُ بِغُسَالَتِهِ، وَلاَ تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْعَالِقَةِ بِالأَْعْضَاءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى عَدَمِ حُرْمَةِ الْفُسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالأَْوْلَى اجْتِنَابُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى التَّحْرِيمِ حَمْلاً لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ.
وَلاَ يَجُوزُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ ﷺ : الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا (٣) . стр. 8336
وَيُكْرَهُ إدْخَال الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ إلَى الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ فَلْيَعْتَزِل مَسَاجِدَنَا (١) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (مَسْجِدٌ وَنَجَاسَةٌ) .
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ دُخُول الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ - عَلَى تَحْرِيمِ دُخُول الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ الْمَسْجِدَ وَتَحْرِيمِ مُكْثِهِمَا فِيهِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ (٢) ﴾ . أَيْ لاَ تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلاَةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ حَالَةَ السُّكْرِ وَالْجَنَابَةِ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِنَا شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَل النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ يَنْزِل لَهُمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بَعْدُ стр. 8337
فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ (١) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ مُرُورِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ مِنَ الْمَسْجِدِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْل سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُويَهْ إِلَى تَحْرِيمِ مُرُورِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ. وَاسْتَدَلُّوا بِإِطْلاَقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدِ التَّحْرِيمُ بِشَيْءٍ فَبَقِيَ عَلَى إِطْلاَقِهِ فَيُفِيدُ تَحْرِيمَ الْمُكْثِ وَالْمُرُورِ.
إِلاَّ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُمَا الْمُرُورُ لِلضَّرُورَةِ كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَال.
وَحَمَلُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ (٢) ﴾ عَلَى الْمُسَافِرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ.
وَالْمُرَادُ بِكَلِمَةِ " إِلاَّ " فِي الآْيَةِ " لاَ " أَيْ: لاَ عَابِرِي سَبِيلٍ. (وَالصَّلاَةُ) فِي الآْيَةِ الْمَقْصُودُ بِهَا حَقِيقَتُهَا لاَ مَوَاضِعُهَا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إذَا اُضْطُرَّ لِدُخُول الْمَسْجِدِ أَوِ الْمُكْثِ فِيهِ لِخَوْفٍ تَيَمَّمَ وُجُوبًا. نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْعِنَايَةِ: مُسَافِرٌ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ وَهُوَ стр. 8338
جُنُبٌ وَلاَ يَجِدُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِدُخُول الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا لَوْ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ تَيَمَّمَ نَدْبًا، فَالْحَنَفِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدُّخُول فِي الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ مُرُورِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. وَالأَْوْلَى عَدَمُ الْعُبُورِ إلاَّ لِحَاجَةٍ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَكَذَلِكَ جَوَازُ مُرُورِ الْحَائِضِ بِشَرْطِ أَنْ تَأْمَنَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ حَرُمَ عَلَيْهَا الْمُرُورُ.
وَبِجَوَازِ مُرُورِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ (١) ﴾ أَيْ لاَ تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلاَةِ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلاَةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا الْعُبُورُ فِي مَوْضِعِ الصَّلاَةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا (٢) стр. 8339
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ (١) .
وَذَهَبَ الْمُزَنِيّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ إِلَى جَوَازِ مُكْثِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا. مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ وَبِأَنَّ الْمُشْرِكَ يَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ، فَالْمُسْلِمُ الْجُنُبُ أَوْلَى، وَبِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الأَْحْكَامِ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ، جَنَابَةٌ، حَيْضٌ) .
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنِ الْخُصُومَةِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ:
٢١ - تُكْرَهُ الْخُصُومَةُ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ، وَنِشْدَانُ الضَّالَّةِ، وَالْبَيْعُ، وَالإِْجَارَةُ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْعُقُودِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُل: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا (٣) стр. 8340
وَفِي رِوَايَةٍ إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك (١) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل بَيْنَ كَرَاهَةٍ وَتَحْرِيمٍ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ) .
تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ:
٢٢ - يُكْرَهُ إدْخَال الْبَهَائِمِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لاَ يُمَيِّزُونَ الْمَسْجِدَ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهُمْ إيَّاهُ. وَلاَ يَحْرُمُ (٢) ذَلِكَ لأَِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى حَامِلاً أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ ﵄ (٣) وَكَذَلِكَ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ (٤) .
وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٌ) . стр. 8341
تَنْشِيفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْشِيفُ لُغَةً مَصْدَرُ نَشَّفَ، يُقَال: نَشَّفَ الْمَاءَ تَنْشِيفًا أَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا. قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: أَصْل النَّشْفِ دُخُول الْمَاءِ فِي الأَْرْضِ وَالثَّوْبِ، يُقَال نَشَفَتِ الأَْرْضُ الْمَاءَ تُنَشِّفُهُ نَشْفًا: شَرِبَتْهُ (١) ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ كَانَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ نَشَّافَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا غُسَالَةُ وَجْهِهِ (٢) يَعْنِي مِنْدِيلاً يَمْسَحُ بِهَا وُضُوءَهُ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالتَّنْشِيفِ أَخْذُ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ مَثَلاً (٣) . стр. 8342
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّجْفِيفُ:
٢ - التَّجْفِيفُ لُغَةً مَعْنَاهُ التَّيْبِيسُ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِنَفْسِ الْمَعْنَى (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّنْشِيفِ وَالتَّجْفِيفِ، أَنَّ التَّنْشِيفَ يَكُونُ غَالِبًا بِتَشَرُّبِ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ أَوْ صُوفَةٍ وَنَحْوِهِمَا، أَمَّا التَّجْفِيفُ فَيَكُونُ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ كَالْمَسْحِ بِالتُّرَابِ، وَالْوَضْعِ فِي الشَّمْسِ أَوِ الظِّل وَمَا إلَى ذَلِكَ، فَالتَّجْفِيفُ أَعَمُّ مِنَ التَّنْشِيفِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - التَّنْشِيفُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
لاَ بَأْسَ بِالتَّنْشِيفِ وَالْمَسْحِ بِالْمِنْدِيل أَوِ الْخِرْقَةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَةَ التَّنْشِيفِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَبِشْرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ стр. 8343
وَعَلْقَمَةَ وَالأَْسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ (١) .
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّنْشِيفِ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ قَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إلَى غُسْلِهِ فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ (٢) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّنْشِيفِ.
وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعْنَا لَهُ مَاءً فَاغْتَسَل، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ فَاشْتَمَل بِهَا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ (٣) .
وَحَدِيثُ سَلْمَانَ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ стр. 8344
فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ (١) .
وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ (٢)
وَحَدِيثُ أَبِي مَرْيَمَ إيَاسِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ مِنْدِيلٌ أَوْ خِرْقَةٌ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ إذَا تَوَضَّأَ (٣) .
وَكَرِهَ التَّنْشِيفَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمِنْدِيل بَعْدَ الْوُضُوءِ (٤) وَلاَ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ وَلاَ ابْنُ مَسْعُودٍ. стр. 8345
وَحُكِيَ كَرَاهَتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْل. وَنَهَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ التَّنْشِيفِ وَتَرْكِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّنْشِيفِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ أَصَحُّ أَقْوَال الشَّافِعِيَّةِ - إلَى أَفْضَلِيَّةِ تَرْكِ التَّنْشِيفِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَل قَالَتْ: فَأَتَيْته بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا فَجَعَل يَنْفُضُ بِيَدِهِ (٢) .
هَذَا إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِخَوْفِ بَرْدٍ أَوِ الْتِصَاقِ نَجَاسَةٍ أَوْ نَحْوِهِ وَإِلاَّ فَلاَ يُسَنُّ تَرْكُهُ. قَال الأَْذْرَعِيُّ: بَل يُتَأَكَّدُ سُنَّةً إذَا خَرَجَ عَقِبَ الْوُضُوءِ فِي مَحَل النَّجَاسَاتِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ وَكَذَا لَوْ آلَمَهُ شِدَّةُ بَرْدِ الْمَاءِ أَوِ الْمَرَضِ أَوِ الْجُرْحِ أَوْ كَانَ يَتَيَمَّمُ أَثَرَهُ أَوْ نَحْوِهَا (٣) . стр. 8346
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَفْضَلِيَّةَ التَّنْشِيفِ وَالتَّمَسُّحِ بِمِنْدِيلٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ (١) .
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (غُسْلٌ، وَوُضُوءٌ) .
تَنْشِيفُ الْمَيِّتِ:
٥ - يُنْدَبُ تَنْشِيفُ الْمَيِّتِ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ قَبْل إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ لِئَلاَّ تَبْتَل أَكْفَانُهُ فَيُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ فَإِذَا فَرَغْت مِنْهَا فَأَلْقِ عَلَيْهَا ثَوْبًا نَظِيفًا (٢) وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي غُسْل النَّبِيِّ ﷺ قَال فَجَفَّفُوهُ بِثَوْبٍ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (ر: تَكْفِينٌ) . стр. 8347
التَنْعِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْعِيمُ مَوْضِعٌ فِي الْحِل فِي شِمَال مَكَّةَ الْغَرْبِيِّ، وَهُوَ حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
قَال الْفَاسِيُّ: الْمَسَافَةُ بَيْنَ بَابِ الْعُمْرَةِ وَبَيْنَ أَعْلاَمِ الْحَرَمِ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ الَّتِي فِي الأَْرْضِ لاَ الَّتِي عَلَى الْجَبَل اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْيَدِ (١) .
وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّنْعِيمُ بِهَذَا الاِسْمِ لأَِنَّ الْجَبَل الَّذِي عَنْ يَمِينِ الدَّاخِل يُقَال لَهُ نَاعِمٌ وَاَلَّذِي عَنِ الْيَسَارِ يُقَال لَهُ مُنْعِمٌ أَوْ نُعَيْمٌ وَالْوَادِي نُعْمَانُ (٢) . стр. 8348
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّنْعِيمِ:
٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ الْمَكِّيَّ لاَ بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ إلَى الْحِل ثُمَّ يُحْرِمُ مِنَ الْحِل لِيَجْمَعَ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ الْحَاجِّ الْمَكِّيِّ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ وَهِيَ مِنَ الْحِل فَيَجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْمَكِّيِّ هُوَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَمْ لاَ (٢) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَل بِقَاعِ الْحِل لِلاِعْتِمَارِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إلَى أَنَّ أَفْضَل الْبِقَاعِ مِنْ أَطْرَافِ الْحِل لإِِحْرَامِ الْعُمْرَةِ الْجِعْرَانَةُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ (٣) . وَلِبُعْدِهَا عَنْ مَكَّةَ، ثُمَّ يَلِي الْجِعْرَانَةَ فِي الْفَضْل التَّنْعِيمُ؛ لأَِنَّ стр. 8349
النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة ﵂ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا (١) .
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَعْدَ التَّنْعِيمِ الْحُدَيْبِيَةَ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَمَّ بِالاِعْتِمَارِ مِنْهَا فَصَدَّهُ الْكُفَّارُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَأَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ أَفْضَل جِهَاتِ الْحِل التَّنْعِيمُ فَالإِْحْرَامُ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ أَفْضَل مِنَ الإِْحْرَامِ لَهَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَذَلِكَ لأَِمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يَذْهَبَ بِأُخْتِهِ عَائِشَةَ إلَى التَّنْعِيمِ لِتُحْرِمَ مِنْهُ (٣) . وَالدَّلِيل الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ - عِنْدَهُمْ - عَلَى الدَّلِيل الْفِعْلِيِّ (٤) .
قَال الطَّحَاوِيُّ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لاَ مِيقَاتَ لِلْعُمْرَةِ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ إلاَّ التَّنْعِيمُ стр. 8350
وَلاَ يَنْبَغِي مُجَاوَزَتُهُ كَمَا لاَ يَنْبَغِي مُجَاوَزَةُ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي لِلْحَجِّ (١) . قَال ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَِهْل مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (٢) .
ثُمَّ قَال الطَّحَاوِيُّ: وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: مِيقَاتُ الْعُمْرَةِ الْحِل وَإِنَّمَا أَمَرَ عَائِشَة بِالإِْحْرَامِ مِنَ التَّنْعِيمِ لأَِنَّهُ كَانَ أَقْرَب الْحِل إلَى مَكَّةَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِهَا أَنَّهَا قَالَتْ: فَكَانَ أَدْنَانَا مِنَ الْحَرَمِ التَّنْعِيمُ فَاعْتَمَرْتُ مِنْهُ. قَال فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّنْعِيمَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ. أَيْ فِي الإِْجْزَاءِ (٣) .
تَنَفُّلٌ
اُنْظُرْ: نَافِلَةٌ. стр. 8351
تَنْفِيذٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْفِيذُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الشَّيْءِ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ.
يُقَال: نَفَذَ السَّهْمُ فِي الرَّمِيَّةِ تَنْفِيذًا: أَخْرَجَ طَرَفَهُ مِنَ الشِّقِّ الآْخَرِ. وَنَفَذَ الْكِتَابُ أَرْسَلَهُ: وَنَفَذَ الْحَاكِمُ الأَْمْرَ أَجْرَاهُ وَقَضَاهُ (١) .
وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالنَّفَاذُ تَرَتُّبُ الآْثَارِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْحُكْمِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ " تَنْفِيذٍ " عَلَى إحَاطَةِ الْحَاكِمِ عِلْمًا بِحُكْمٍ أَصْدَرَهُ حَاكِمٌ آخَرُ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ، وَيُسَمَّى اتِّصَالاً. وَيُتَجَوَّزُ بِذِكْرِ (الثُّبُوتِ) (وَالتَّنْفِيذِ) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا غَالِبًا (٢) .
٢ - وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفَاذِ الْحُكْمِ أَوِ الْعَقْدِ وَتَنْفِيذِهِمَا هُوَ: أَنَّ النَّفَاذَ صِحَّةُ الْعَقْدِ أَوِ الْحُكْمِ وَتَرَتُّبُ آثَارِهِ الْخَاصَّةِ مِنْهُ، كَوُجُوبِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَانْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي، стр. 8352
وَالثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ. أَمَّا التَّنْفِيذُ فَهُوَ الْعَمَل بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ أَوِ الْحُكْمِ وَإِمْضَاؤُهُ بِتَنْفِيذِ عُقُوبَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ مِنَ الْعَاقِدِ طَوْعًا أَوْ بِإِلْزَامٍ مِنَ الْحَاكِمِ. قَال الْفُقَهَاءُ: إنَّ التَّنْفِيذَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، إنَّمَا هُوَ عَمَلٌ بِحُكْمٍ سَابِقٍ وَإِجَازَةٌ لِلْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْحُكْمَ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيل الْحَاصِل وَهُوَ مَمْنُوعٌ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقَضَاءُ:
٣ - الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ (٢) ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّك أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ (٣) ﴾ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالتَّنْفِيذِ أَنَّ التَّنْفِيذَ يَأْتِي بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءُ سَبَبٌ لَهُ
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ، أَوِ الْوَرَثَةِ تَنْفِيذُ وَصَايَا الْمَيِّتِ بِشُرُوطِهَا، وَعَلَى الْحَاكِمِ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ تَنْفِيذُ الْعُقُوبَاتِ عَلَى مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ، стр. 8353
وَعَلَى مَنِ الْتَزَمَ حُقُوقًا مَالِيَّةً بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ أَلْزَمَهُ الشَّارِعُ حَقًّا تَنْفِيذُ مَا لَزِمَهُ مِنْ حُقُوقٍ، وَعَلَى الْحَاكِمِ التَّنْفِيذُ جَبْرًا عَلَى مَنِ امْتَنَعَ عَنِ التَّنْفِيذِ طَوْعًا إذَا طَلَبَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَقَّهُ.
مَنْ يَمْلِكُ التَّنْفِيذَ:
٥ - يَخْتَلِفُ مَنْ لَهُ سُلْطَةُ التَّنْفِيذِ بِاخْتِلاَفِ الْحَقِّ الْمُرَادِ تَنْفِيذُهُ:
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْمُنَفَّذُ عُقُوبَةً كَالْحَدِّ، وَالتَّعَازِيرِ وَالْقِصَاصِ، فَلاَ يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ إلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لأَِنَّ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى الاِجْتِهَادِ، وَالْحَيْطَةِ، وَلاَ يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ وَالْخَطَأُ، فَوَجَبَ تَفْوِيضُهُ إلَى نَائِبِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ؛ وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَكَذَا خُلَفَاؤُهُ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيفَاءٌ) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُل مُسْلِمٍ، تَنْفِيذُ الْعُقُوبَةِ حَال مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ لأَِنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْكُل مَأْمُورٌ بِهِ (٢) .
أَمَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْمُنَفَّذُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَالِيَّةِ، فَالتَّنْفِيذُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَإِذَا امْتَنَعَ بِلاَ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ نَفَّذَهُ الْحَاكِمُ بِقُوَّةِ الْقَضَاءِ بِنَاءً стр. 8354
عَلَى طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (اسْتِيفَاءٌ - وَحِسْبَةٌ) .
الأَْمْرُ بِتَنْفِيذِ حُكْمِ الْقَاضِي:
٦ - إذَا طُلِبَ مِنَ الْقَاضِي تَنْفِيذُ حُكْمٍ أَصْدَرَهُ هُوَ نَفَّذَهُ وُجُوبًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَ ذَاكِرًا أَنَّهُ حُكْمُهُ. أَمَّا إذَا نَسِيَ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ أَنَّهُ حُكْمُهُ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَنْفِيذِهِ لِمَا حَكَمَ بِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ تَنْفِيذُهُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُهُ، أَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا أَنَّهُ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعِلْمِ وَالإِْحَاطَةِ بِالتَّذَكُّرِ فَلاَ يَرْجِعُ إلَى الظَّنِّ؛ وَلإِِمْكَانِ التَّزْوِيرِ فِي الْخَطِّ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُهُ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، وَإِمْضَاءُ الْحُكْمِ، وَقَالُوا: لأَِنَّهُ لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قُبِل، فَكَذَلِكَ هُنَا (٢) .
الأَْمْرُ بِتَنْفِيذِ حُكْمِ قَاضٍ آخَرَ .
٧ - إذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، أَوْ رَأَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ стр. 8355
مِنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَجِبُ نَقْضُهُ، كَأَنْ خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) .
تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ:
٨ - الْوَصِيَّةُ بِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَتَنْفِيذُهَا وَاجِبٌ عَلَى الْوَصِيِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. فَإِذَا أَوْصَى إلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ أَثْبَتَ الاِسْتِقْلاَل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الاِنْفِرَادُ بِالتَّنْفِيذِ. أَمَّا إذَا شَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى التَّنْفِيذِ فَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ، فَإِنِ انْفَرَدَ لَمْ يَصِحَّ التَّنْفِيذُ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِل عَلَى التَّعَاوُنِ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَقِل بِالتَّصَرُّفِ دُونَ صَاحِبِهِ (٢) .
أَمَّا الْوَصَايَا الَّتِي يَجُوزُ تَنْفِيذُهَا وَاَلَّتِي لاَ يَجُوزُ تَنْفِيذُهَا، وَشُرُوطُ الْمُوصِي وَالْوَصِيِّ فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَى مُصْطَلَحِ " وَصِيَّةٌ ".
تَنْفِيذُ حُكْمِ قَاضِي الْبُغَاةِ:
٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا قَاضِيًا مِنْهُمْ، فَرُفِعَ حُكْمُهُ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل نَفَّذَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يُنَفَّذُ مِنْ أَحْكَامِ قَاضِي أَهْل الْعَدْل بِشُرُوطٍ هِيَ: стр. 8356
أ - أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ غَيْرُ ظَاهِرِ الْبُطْلاَنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ فَلاَ يُنَفِّذُ أَحْكَامُ قَاضِيهِمْ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ فَيَتَعَقَّبُ أَحْكَامَهُ، فَمَا وَجَدَ مِنْهَا صَوَابًا مَضَى، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ رُدَّ.
ب - أَلاَّ يَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَ أَهْل الْعَدْل وَأَمْوَالَهُمْ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ لاَ تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ.
ج - أَلاَّ يُخَالِفَ نَصًّا، أَوْ إجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا (١) .
هَذَا مُجْمَل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي تَنْفِيذِ حُكْمِ قَاضِي الْبُغَاةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: بُغَاةٌ.
تَنْفِيذُ حُكْمِ الْمَرْأَةِ:
١٠ - لاَ يَصِحُّ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ: لِقَوْلِهِ ﷺ : لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (٢)
وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهَا (٣) ، لأَِنَّ التَّنْفِيذَ فَرْعُ صِحَّةِ الْحُكْمِ стр. 8357
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ، مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ، فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهَا، وَهِيَ مَا عَدَا الْقَوَدِ، وَالْحَدِّ، فَإِذَا حَكَمَتْ بَيْنَ خَصْمَيْنِ، فَقَضَتْ قَضَاءً مُوَافِقًا لِدِينِ اللَّهِ يَنْفُذُ (١) . وَإِذَا حَكَمَتْ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ، فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى جَوَازَهُ فَأَمْضَاهُ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إبْطَالُهُ (٢) .
وَأَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ، إذَا اُبْتُلِيَ النَّاسُ بِوِلاَيَةِ امْرَأَةٍ، نَفَذَ قَضَاؤُهَا لِلضَّرُورَةِ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي: قَضَاءٌ ".
تَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ:
١١ - لاَ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْقَضَاءَ لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوِلاَيَةِ، وَنَصْبُهُ عَلَى مِثْلِهِ مُجَرَّدُ رِئَاسَةٍ لاَ تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ. وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ إلاَّ إذَا رَضُوا بِهِ (٤) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ تَقْلِيدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْقَضَاءَ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَال كُفْرِهِ، وَيَنْفُذُ عَلَى أَهْل مِلَّتِهِ (٥)
وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ الْقَضَاءِ. стр. 8358
تَنْفِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْفِيل فِي اللُّغَةِ مِنَ النَّفَل وَهُوَ الْغَنِيمَةُ:
يُقَال: نَفَّلَهُ أَعْطَاهُ النَّفَل، وَنَفَلَهُ بِالتَّخْفِيفِ نَفَلاً وَأَنْفَلَهُ إيَّاهُ، وَنَفَل الإِْمَامُ الْجُنْدَ إذَا جَعَل لَهُمْ مَا غَنِمُوا، وَنَفَل فُلاَنٌ عَلَى فُلاَنٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ
قَال أَهْل اللُّغَةِ: جِمَاعُ مَعْنَى النَّفَل وَالنَّافِلَةِ مَا كَانَ زِيَادَةً عَلَى الأَْصْل،
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ زِيَادَةُ مَالٍ عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ يَشْتَرِطُهُ الإِْمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ لِمَنْ يَقُومُ بِمَا فِيهِ نِكَايَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الرَّضْخُ:
٢ - الرَّضْخُ هُوَ الْعَطِيَّةُ الْقَلِيلَةُ، وَفِي الشَّرْعِ عَطِيَّةٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ دُونَ السَّهْمِ لِغَيْرِ مَنْ يُسْهَمُ لَهُمْ، كَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ إذَا قَامُوا بِعَمَلٍ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى الْقِتَال (٢) . стр. 8359
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّنْفِيل، إلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَإِنَّهُ قَال: لاَ نَفْل بَعْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لاَ تَنْفِيل إلاَّ إذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ بِأَنْ كَثُرَ الْعَدُوُّ وَقَل الْمُسْلِمُونَ وَاقْتَضَى الْحَال بَعْثَ السَّرَايَا وَحِفْظَ الْمَكَامِنِ؛ لِذَلِكَ نَفَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ دُونَ بَعْضٍ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْجِهَادِ (٢) .
٤ - وَلِلتَّنْفِيل صُوَرٌ ثَلاَثٌ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَبْعَثَ الإِْمَامُ أَمَامَ الْجَيْشِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَجْعَل لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا يَغْنَمُونَ، كَالرُّبُعِ أَوِ الثُّلُثِ.
ثَانِيَتُهَا: أَنْ يُنَفِّل الإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ بَعْضَ أَفْرَادِ الْجَيْشِ لِمَا أَبْدَاهُ فِي الْقِتَال مِنْ شَجَاعَةٍ وَإِقْدَامٍ، أَوْ أَيِّ عَمَلٍ مُفِيدٍ فَاقَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ شَرْطٍ.
ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَقُول الإِْمَامُ: مَنْ قَامَ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ كَذَا كَهَدْمِ سُوَرٍ أَوْ نَقْبِ جِدَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكُل هَذِهِ الصُّوَرِ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ стр. 8360
الْفُقَهَاءِ (١) .
وَكَرِهَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الصُّورَةَ الأَْخِيرَةَ:
قَالُوا: لأَِنَّ ذَلِكَ يَصْرِفُ نِيَّةَ الْمُجَاهِدِينَ لِقِتَال الدُّنْيَا، وَيُؤَدِّي إلَى التَّحَامُل عَلَى الْقِتَال، وَرُكُوبِ الْمَخَاطِرِ، وَقَال عُمَرُ الْفَارُوقُ ﵁: لاَ تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحُصُونِ، لَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ وَقَالُوا: يَنْفُذُ الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا، إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ الإِْمَامُ قَبْل حَوْزِ الْمَغْنَمِ (٢) .
مَحَل التَّنْفِيل:
٥ - يَجُوزُ التَّنْفِيل مِنْ بَيْتِ الْمَال الَّذِي عِنْدَ الإِْمَامِ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: أَنْ يَكُونَ النَّفَل مَعْلُومًا نَوْعًا، وَقَدْرًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّل مِمَّا سَيَغْنَمُ مِنَ الأَْعْدَاءِ وَتُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ (٣) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ النَّفَل إِذَا كَانَ مِنَ الْغَنِيمَةِ.
فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَكُونُ النَّفَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل стр. 8361
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١) . وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ: لاَ نَفْل إلاَّ بَعْدَ الْخُمُسِ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ إذَا نَفَل الإِْمَامُ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَال، أَمَّا إذَا نَفَل بَعْدَ الإِْحْرَازِ فَلاَ يُنَفِّل إلاَّ مِنَ الْخُمُسِ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ (٤) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَهُوَ حَظُّ الإِْمَامِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ: يَكُونُ مِنْ أَصْل الْغَنِيمَةِ (٥) .
وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُول: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، قَالُوا: وَمَا نُقِل أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ فَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ (٦) .
قَدْرُ النَّفَل:
٦ - لَيْسَ لِلنَّفَل حَدٌّ أَدْنَى فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُنَفِّل الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ أَوْ أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَلاَّ يُنَفِّل أَصْلاً. هَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَلَفُوا: стр. 8362
هَل لِلتَّنْفِيل حَدٌّ أَعْلَى؟ .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّنْفِيل حَدٌّ أَعْلَى، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُنَفِّل السَّرِيَّةَ كُل مَا تَغْنَمُهُ، أَوْ بِقَدْرٍ مِنْهُ، كَأَنْ يَقُول: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ أَوْ لَكُمْ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ، أَوْ قَبْلَهُ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقُول ذَلِكَ لِلْعَسْكَرِ كُلِّهِ، وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُول ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ أَيْضًا (١) .
وَلَيْسَ لِلتَّنْفِيل حَدٌّ أَعْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بَل هُوَ مَوْكُولٌ بِاجْتِهَادِ الإِْمَامِ وَتَقْدِيرِهِ حَسَبَ قِيمَةِ الْعَمَل وَخَطَرِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّل الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إذَا نَفَّل (٢) .
وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ مَوْكُولٌ لاِجْتِهَادِ الإِْمَامِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ تَنْفِيل أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ نَفْل النَّبِيِّ ﷺ : لَمْ يَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ (٤) . стр. 8363
وَقْتُ التَّنْفِيل:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ التَّنْفِيل يَكُونُ قَبْل إِصَابَةِ الْمَغْنَمِ، أَمَّا بَعْدَ إِصَابَةِ الْمَغْنَمِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَخُصَّ الْبَعْضَ بِبَعْضِ مَا أَصَابُوهُ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَأَكَّدَ بِالإِْصَابَةِ وَالإِْحْرَازِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلإِْمَامِ أَنْ يُنَفِّل بَعْدَ الإِْحْرَازِ مِنَ الْخُمُسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْغَانِمِينَ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُنَفَّلُونَ مِنْ أَصْنَافِ الْخُمُسِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ نَفَل إلاَّ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ (١) стр. 8364
تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْقِيحُ: التَّهْذِيبُ وَالتَّمْيِيزُ.
وَالْمَنَاطُ: الْعِلَّةُ (١) .
وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: هُوَ النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِي تَعْيِينِ مَا دَل النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، بِحَذْفِ مَا لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الاِعْتِبَارِ مِمَّا اُقْتُرِنَ بِهِ مِنَ الأَْوْصَافِ، كُل وَاحِدٍ بِطَرِيقِهِ - وَذَلِكَ مِثْل قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلأَْعْرَابِيِّ الَّذِي قَال: هَلَكْتُ يَا رَسُول اللَّهِ - مَا صَنَعْتَ؟ ، قَال: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْتِقْ رَقَبَةً (٢) ، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى كَوْنِ الْوِقَاعِ عِلَّةً لِلْعِتْقِ، وَالتَّعْلِيل بِالْوِقَاعِ وَإِنْ كَانَ مُومًى إلَيْهِ بِالنَّصِّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُفْتَقَرُ فِي مَعْرِفَتِهِ عَيْنًا إلَى حَذْفِ كُل مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الأَْوْصَافِ عَنْ стр. 8365
دَرَجَةِ الاِعْتِبَارِ بِالرَّأْيِ وَالاِجْتِهَادِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْرَابِيًّا، وَكَوْنَهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا، وَأَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَذَلِكَ الشَّهْرَ بِخُصُوصِهِ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ، وَكَوْنَ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً وَامْرَأَةً مُعَيَّنَةً لاَ مَدْخَل لَهُ فِي التَّأْثِيرِ بِمَا يُسَاعِدُ مِنَ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَتَعَدَّى إِلَى كُل مَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا، وَهُوَ مُكَلَّفٌ صَائِمٌ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - إلْغَاءُ الْفَارِقِ:
٢ - إِلْغَاءُ الْفَارِقِ هُوَ بَيَانُ عَدَمِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِمَا اشْتَرَكَا فِيهِ. وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الأَْمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ الثَّابِتَةِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْل فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (٢) فَالْفَارِقُ بَيْنَ الأَْمَةِ وَالْعَبْدِ هُوَ الأُْنُوثَةُ وَلاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي مَنْعِ السِّرَايَةِ، فَتَثْبُتُ السِّرَايَةُ فِيهَا لِمَا شَارَكَتْ فِيهِ الْعَبْدَ أَيْ لِلْوَصْفِ الَّذِي شَارَكَتْ فِيهِ الْعَبْدَ وَهُوَ الرِّقِّيَّةُ (٣) . стр. 8366
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَنَّ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُل الإِْلْحَاقُ بِمُجَرَّدِ الإِْلْغَاءِ، أَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فَفِيهِ اجْتِهَادٌ فِي تَعْيِينِ الْبَاقِي مِنَ الأَْوْصَافِ لِلْعِلِّيَّةِ، قَال الْبُنَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: لاَ يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ الْقَطْعُ بِعِلِّيَّةِ الْبَاقِي بَعْدَ الْفَارِقِ الْمُلْغَى؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمْرًا آخَرَ وَرَاءَهُمَا ثُمَّ قَال: وَالْحَاصِل أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ: كَوْنَ الْفَارِقِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَكَوْنَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ الْفَارِقِ هُوَ الْعِلَّةُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الأَْوَّل ثُبُوتُ الثَّانِي (١) .
غَيْرَ أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّوْكَانِيِّ لِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ يَكَادُ يَكُونُ هُوَ تَعْرِيفُ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، مَعَ ذِكْرِ نَفْسِ الْمِثَال، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ.
قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تَعْرِيفِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ: مَعْنَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالأَْصْل بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، بِأَنْ يُقَال: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ إلاَّ كَذَا، وَذَلِكَ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لَهُ، كَقِيَاسِ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلاَّ الذُّكُورَةَ وَهُوَ مُلْغًى بِالإِْجْمَاعِ إِذْ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ (٢) . стр. 8367
ب - السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ:
٣ - السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ حَصْرُ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لَهَا، كَأَنْ يَحْصُرَ أَوْصَافَ الْبُرِّ فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَيْهِ فِي الطَّعْمِ وَغَيْرِهِ، وَيُبْطِل مَا عَدَا الطَّعْمَ بِطَرِيقِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الطَّعْمُ لِلْعِلِّيَّةِ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَبَيْنَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، أَنَّ الْوَصْفَ فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِهِ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ أَنَّ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ زَعَمَ أَنَّ مَسْلَكَ " تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ " هُوَ مَسْلَكُ " السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ " فَلاَ يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا آخَرَ.
وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ظَاهِرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلاَلَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ إِمَّا اسْتِقْلاَلاً أَوِ اعْتِبَارًا، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ، لاَ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ دُونَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ بَل قَال أَبُو حَنِيفَةَ: стр. 8368
لاَ قِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَأَثْبَتَ هَذَا النَّمَطَ مِنَ التَّصَرُّفِ وَسَمَّاهُ اسْتِدْلاَلاً.
يَقُول الْغَزَالِيُّ: فَمَنْ جَحَدَ هَذَا الْجِنْسَ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ لَمْ يَخْفَ فَسَادُ كَلاَمِهِ.
وَقَدْ نَازَعَ الْعَبْدَرِيُّ الْغَزَالِيَّ بِأَنَّ الْخِلاَفَ فِيهِ ثَابِتٌ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْقِيَاسَ وَيُنْكِرُهُ لِرُجُوعِهِ إلَى الْقِيَاسِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. стр. 8369
تَنَمُّصٌ
التَّعْرِيفُ
١ - النَّمْصُ: هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ،
وَقِيل: هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنَ الْوَجْهِ.
وَالنَّامِصَةُ: هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا أَوْ مِنْ وَجْهِ غَيْرِهَا
وَالْمُتَنَمِّصَةُ: هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا، أَوْ هِيَ مَنْ تَأْمُرُ غَيْرَهَا بِفِعْل ذَلِكَ.
وَالْمِنْمَاصُ: الْمِنْقَاشُ، الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ الشَّوْكُ
وَتَنَمَّصَتِ الْمَرْأَةُ: أَخَذَتْ شَعْرَ جَبِينِهَا بِخَيْطٍ لِتَنْتِفَهُ.
وَانْتَمَصَتْ: أَمَرَتِ النَّامِصَةَ أَنْ تَنْتِفَ شَعْرَ وَجْهِهَا، وَنَتَفَتْ هِيَ شَعْرَ وَجْهِهَا.
وَالنَّمْصُ: رِقَّةُ الشَّعْرِ وَدِقَّتُهُ، حَتَّى تَرَاهُ كَالزَّغَبِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، إلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ النَّمْصَ стр. 8370
بِتَرْقِيقِ الْحَوَاجِبِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَفُّ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْحَفِّ الإِْزَالَةُ
يُقَال: حَفَّ اللِّحْيَةَ يَحُفُّهَا حَفًّا: إِذَا أَخَذَ مِنْهَا وَيُقَال: حَفَّتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا حَفًّا وَحِفَافًا: أَيْ أَزَالَتْ عَنْهُ الشَّعْرَ بِالْمُوسَى وَقَشَّرَتْهُ (٢) .
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَفِّ وَالتَّنَمُّصِ أَنَّ الْحَفَّ بِالْمُوسَى.
ب - الْحَلْقُ:
٣ - الْحَلْقُ هُوَ اسْتِئْصَال الشَّعْرِ بِالْمُوسَى وَنَحْوِهَا، قَال تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (٣) ﴾
وَيُطْلَقُ - أَيْضًا - عَلَى قَطْعِ الشَّعْرِ، وَالأَْخْذِ مِنْهُ (٤) . следующие страницы →