← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَلاَ يُحْكَمُ لأَِحَدٍ مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ ذَا الْيَدِ، وَيُوقَفُ الْعَقَارُ الْمُدَّعَى بِهِ إِلَى ظُهُورِ حَقِيقَةِ الْحَال. (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَيْنًا فِي يَدِهِ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ لَكِنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَخَافَ مِنْ نَقْلِهَا، أَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا أَوْ أَعْيَانًا حَاضِرَةً مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَخِيفَ مِنْ إِقْرَارِهِ بِمَا هُوَ فِي يَدِهِ لأَِوْلاَدِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، وَجَرَى هَذَا فِي بَلَدٍ قَدْ عَمَّ هَذَا بَيْنَهُمْ، وَاشْتُهِرَ هَذَا فِيمَا لَدَيْهِمْ، وَهَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ فِي فِعْل هَذَا فَالْتَمَسَ الْمُدَّعِي الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ خِلاَفًا، وَرَأَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ - أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَاسْتَمَرَّتْ لَهُ عَادَةٌ بِهَا حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَرَأَى غَيْرُهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ هَذَا كَالْمُفْلِسِ إِذَا أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ وَتَحَقَّقَ أَنَّ خَرْجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فَوَاتُ مَالِهِ، وَهُنَاكَ يَتَعَيَّنُ ضَرْبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ عَلَى الأَْصَحِّ، فَهَذَا قَرِيبُ الشَّبَهِ بِهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ مَجْهُولَيْنِ وَطَلَبَ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الدَّاخِل وَبَيْنَهُ إِلَى أَنْ يُزَكِّيَ بَيِّنَتَهُ هَل يُجَابُ إِلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. (٢)

стр. 8577

وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِالتَّوْقِيفِ فِي الدَّعْوَى. (١) وَمِنْ ذَلِكَ تَوْقِيفُ مَال الْغَائِبِ وَالْيَتِيمِ. (٢) وَكَذَلِكَ تَوْقِيفُ قَسْمِ التَّرِكَةِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا بِسَبَبِ الْحَمْل أَوِ الْفَقْدِ (ر: إِرْثٌ) . تَوْقِيفُ الْمُولِي: ٧ - مَنْ آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ وَمَضَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل تَطْلُقُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؟ أَمْ يَقِفُهُ الْقَاضِي، فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ؟ . ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يَقِفُهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ، وَلاَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، قَال أَحْمَدُ: فِي الإِْيلاَءِ يُوقَفُ، عَنِ الأَْكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ يَدُل عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَجَعَل يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَال ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَال سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: كَانَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُوقِفُونَ فِي الإِْيلاَءِ، وَقَال سُهَيْل بْنُ أَبِي صَالِحٍ: سَأَلْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَكُلُّهُمْ يَقُول: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ

стр. 8578

وَإِلاَّ طَلَّقَ، وَبِهَذَا قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُوسٌ. وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) . وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَيْئَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِذِكْرِهِ الْفَيْئَةَ بَعْدَهَا بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، ثُمَّ قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) وَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ. (٣) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ؛ لأَِنَّهُ بِالإِْيلاَءِ عَزَمَ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ إِيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ وَأَكَّدَ الْعَزْمَ بِالْيَمِينِ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفِئْ إِلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفَيْءِ فَقَدْ حَقَّقَ الْعَزْمَ الْمُؤَكَّدَ بِالْيَمِينِ بِالْفِعْل، فَتَأَكَّدَ الظُّلْمُ فِي حَقِّهَا، فَتَبِينُ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُ جَزَاءً عَلَى ظُلْمِهِ وَمَرْحَمَةً عَلَيْهَا، وَلاَ يُوقَفُ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَالْوَقْفُ يُوجِبُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. (٤)

стр. 8579

تَوَكُّلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّوَكُّل فِي اللُّغَةِ: إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالاِعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَالتَّفْوِيضُ وَالاِسْتِسْلاَمُ، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ. يُقَال: وَكَّل أَمْرَهُ إِلَى فُلاَنٍ أَيْ فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِهِ، وَاتَّكَل عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ كَذَلِكَ. وَالتَّوَكُّل أَيْضًا قَبُول الْوَكَالَةِ، يُقَال وَكَّلْتُهُ تَوْكِيلاً فَتَوَكَّل. (١) وَفِي الشَّرِيعَةِ يُطْلَقُ التَّوَكُّل عَلَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَالإِْيقَانِ بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ، وَاتِّبَاعٍ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي السَّعْيِ فِيمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ الأَْسْبَابِ. (٢) حُكْمُ التَّوَكُّل: ٢ - التَّوَكُّل بِمَعْنَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ، وَالاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي كُل الأُْمُورِ وَاجِبٌ، وَمَأْمُورٌ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَفِي سُنَّةِ الرَّسُول ﷺ : قَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 8580

الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ بِالتَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ، وَقَال: تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَال مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٣) . ٣ - أَمَّا التَّوَكُّل بِمَعْنَى جَعْل الْغَيْرِ وَكِيلاً عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِي شُؤُونِهِ فِيمَا يَقْبَل النِّيَابَةَ، فَهُوَ جَائِزٌ وَيَأْتِي بَحْثُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ) . ٤ - وَأَمَّا التَّوَكُّل بِمَعْنَى: الاِعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كُل الأُْمُورِ: فَهُوَ مِنْ أَعْمَال الْقَلْبِ كَالإِْيمَانِ، وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَالتَّفَكُّرِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ ، وَمَحَبَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الرَّذَائِل الْبَاطِنَةِ كَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالرِّيَاءِ فِي الْعَمَل، لاَ يَدْخُل فِي مَبَاحِثِ الْفِقْهِ. وَمَوْطِنُهُ الأَْصْلِيُّ: كُتُبُ التَّوْحِيدِ، وَعِلْمُ الأَْخْلاَقِ. (٤) التَّوَكُّل لاَ يَتَنَافَى مَعَ الأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ: ٥ - ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَمُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ لاَ يَتَنَافَى مَعَ السَّعْيِ وَالأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ، وَمَشْرَبٍ، وَتَحَرُّزٍ مِنَ الأَْعْدَاءِ وَإِعْدَادِ الأَْسْلِحَةِ، وَاسْتِعْمَال مَا تَقْتَضِيهِ سُنَّةُ اللَّهِ الْمُعْتَادَةُ، مَعَ الاِعْتِقَادِ أَنَّ الأَْسْبَابَ

стр. 8581

وَحْدَهَا لاَ تَجْلُبُ نَفْعًا، وَلاَ تَدْفَعُ ضَرًّا، بَل السَّبَبُ (الْعِلاَجُ) وَالْمُسَبَّبُ (الشِّفَاءُ) فِعْل اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكُل مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ، وَقَال سَهْلٌ: مَنْ قَال: التَّوَكُّل يَكُونُ بِتَرْكِ الْعَمَل، فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . (١) وَقَال الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّل أَنْ يُهْمِل الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ كَمَا يَقُول بَعْضُ الْجُهَّال وَإِلاَّ كَانَ الأَْمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ مُنَافِيًا لِلأَْمْرِ بِالتَّوَكُّل. بَل التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ: أَنْ يُرَاعِيَ الإِْنْسَانُ الأَْسْبَابَ الظَّاهِرَةَ وَلَكِنْ لاَ يُعَوِّل بِقَلْبِهِ عَلَيْهَا، بَل يُعَوِّل عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. (٣) وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّل الصَّحِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ. وَبِدُونِهِ تَكُونُ دَعْوَى التَّوَكُّل جَهْلاً بِالشَّرْعِ وَفَسَادًا فِي الْعَقْل. وَقِيل لأَِحْمَد: مَا تَقُول فِيمَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ وَقَال لاَ أَعْمَل شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ رِزْقِي. فَقَال أَحْمَدُ: هَذَا رَجُلٌ جَهِل الْعِلْمَ، أَمَا سَمِعَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : جُعِل رِزْقِي تَحْتَ ظِل رُمْحِي (٤) .

стр. 8582

وَقَال عُمَرُ ﵁: لاَ يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُول اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لاَ تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً. (١) وَقَدْ تَوَاتَرَ الأَْمْرُ بِالأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ فِي الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ الرَّسُول ﷺ . أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ نَاقَتَهُ وَقَال: أَأَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّل، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّل؟ فَقَال ﷺ : اعْقِلْهَا، وَتَوَكَّل (٢) . وَقَال ﷺ : لأََنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ (٣) . وَقَال تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ (٤) وَالْغَنِيمَةُ اكْتِسَابٌ، وَقَال تَعَالَى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَْعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُل بَنَانٍ﴾ (٥) وَالضَّرْبُ عَمَلٌ، وَقَال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٦) وَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 8583

الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١) ، وَقَال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ (٢) . وَأَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِالتَّدَاوِي: وَقَال تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ الشِّفَاءَ (٣) . وَقَال شَارِحُ ثُلاَثِيَّاتِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: وَصَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : بِالْعُبُودِيَّةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ لاَ يُنَافِي التَّوَكُّل: أَيْ تَدَاوَوْا وَلاَ تَعْتَمِدُوا فِي الشِّفَاءِ عَلَى التَّدَاوِي. بَل كُونُوا مُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ ، فَالتَّدَاوِي لاَ يُنَافِي التَّوَكُّل، كَمَا لاَ يُنَافِيهِ رَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَتَجَنُّبُ الْمُهْلِكَاتِ، وَالدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْعَافِيَةِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، وَقَال: وَفِي الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ إِثْبَاتٌ لِلأَْسْبَابِ، وَأَنَّهَا لاَ تُنَافِي التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَلاَ تَشْفِي بِذَوَاتِهَا بَل بِمَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيهَا. (٤) وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ : التَّوَكُّل بِتَرْكِ الأَْعْمَال الْوَهْمِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄

стр. 8584

: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَدْخُل الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَقَال: الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (١) . وَقَال ﵊: لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (&# x٦٦٢ ;) . وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّوَكُّل يَكُونُ مَعَ السَّعْيِ؛ لأَِنَّهُ ذَكَرَ لِلطَّيْرِ عَمَلاً وَهُوَ الذَّهَابُ صَبَاحًا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَهِيَ فَارِغَةُ الْبُطُونِ، وَالرُّجُوعُ وَهِيَ مُمْتَلِئَتُهَا. تُوَلَةٌ اُنْظُرْ: تَعْوِيذَةٌ.

стр. 8585

تَوَلِّي التَّعْرِيفُ: ١ - التَّوَلِّي: مَصْدَرُ تَوَلَّى، وَأَصْلُهُ الثُّلاَثِيُّ: وَلِيَ. وَالتَّوَلِّي يَأْتِي فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: النُّصْرَةُ: وَيُقَال تَوَلَّيْتُ فُلاَنًا أَيِ اتَّخَذْتُهُ وَلِيًّا. (١) وَالاِتِّبَاعُ وَالرِّضَا، يُقَال: تَوَلَّيْتُهُ: أَطَعْتُهُ. (٢) وَالتَّقَلُّدُ. (٣) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤) . قَال أَبُو الْعَالِيَةِ: إِنْ تَوَلَّيْتُمِ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ بِأَخْذِ الرُّشَا. (٥) وَفِعْل الْمَرْءِ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ. قَال تَعَالَى: ﴿

стр. 8586

وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ وَلِيَ وِزْرَ الإِْفْكِ وَإِشَاعَتِهِ. (١) وَالرُّجُوعُ وَالإِْدْبَارُ وَالإِْعْرَاضُ وَالإِْقْبَال: يُقَال: تَوَلَّى إِلَيْهِ أَيْ أَقْبَل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّل﴾ (٢) . وَتَوَلَّى إِذَا عُدِّيَ بِعَنْ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا اقْتَضَى مَعْنَى الإِْعْرَاضِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَوَل عَنْهُمْ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٤) . وَالتَّوَلِّي قَدْ يَكُونُ بِالْجِسْمِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الإِْصْغَاءِ وَالاِئْتِمَارِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٥) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ. وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ فِي تَعَابِيرِ الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّوَلِّي بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ وَمَعَانِيهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَتَوَلِّي الْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ، وَتَوَلِّي الْمَرْأَةِ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَوَلِّي

стр. 8587

الشَّخْصِ الْوَاحِدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَتَوَلِّي الصَّالِحِينَ وَتَوَلِّي الْفَاسِقِينَ. أَوَّلاً: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ: ٣ - الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلاً، وَأَصْلُهُ الاِنْدِفَاعُ عَلَى الأَْلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُل مَاشٍ فِي الْحَرْبِ إِلَى الآْخَرِ زَاحِفًا. (١) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٢) إِلَى أَنَّ التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ قِتَال الْكُفَّارِ حَرَامٌ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي حَضَرَ صَفَّ الْقِتَال أَنْ يَنْصَرِفَ إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَتَدَانَى الصَّفَّانِ؛ لِقَوْل اللَّهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمِ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) نَهَى اللَّهُ تَعَالَى فِي الآْيَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ - فِي الذِّكْرِ هُنَا - عَنِ الْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَمَرَ فِي الآْيَةِ الأَْخِيرَةِ بِالثَّبَاتِ عِنْدَ قِتَالِهِمْ،

стр. 8588

فَالْتَقَى الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى سَوَاءٍ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ عَلَى الْوُقُوفِ لِلْعَدُوِّ وَالتَّجَلُّدِ لَهُ. (١) وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالتَّوَلِّي. إِذَا لَمْ يَزِدِ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿. . . فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. .﴾ (٢) فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحْرُمِ الْفِرَارُ، وَالصَّبْرُ أَحْسَنُ، فَقَدْ وَقَفَ جَيْشُ مُؤْتَةَ وَهُمْ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ فِي مُقَابَلَةِ مِائَتَيْ أَلْفٍ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ الْفِرَارِ الْعَدَدَ لاَ الْقُوَّةَ وَالْعُدَّةَ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا مَال إِلَيْهِ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى اعْتِبَارِ الْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا انْصِرَافُ مِائَةٍ مِنَّا ضُعَفَاءُ عَنْ مِائَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدًا أَقْوِيَاءَ، أَوْ مِائَةُ فَارِسٍ مِنْ مِائَةِ فَارِسٍ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ النَّجْدَةِ وَالْبَسَالَةِ ضِعْفُ مَا عِنْدَهُمْ. وَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ لاَ يَحِل فِرَارُ مِائَةٍ مَثَلاً إِلاَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ. (٣) وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ حَالَةً أُخْرَى يَحْرُمُ فِيهَا الْفِرَارُ، وَهِيَ مَا إِذَا بَلَغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا،

стр. 8589

فَإِنْ بَلَغُوا هَذَا الْعَدَدَ لَمْ يَحِل لَهُمُ الْفِرَارُ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ :. . وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (١) فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْل الْعِلْمِ خَصَّصُوا هَذَا الْعَدَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عُمُومِ الآْيَةِ. (٢) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ إِذَا بَلَغُوا اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، وَمَا لَمْ يَكُنِ الْعَدُوُّ بِمَحَل مَدَدِهِ وَلاَ مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِلاَّ جَازَ، وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَحَل الْحُرْمَةِ أَيْضًا: فِيمَا إِذَا كَانَ فِي الاِثْنَيْ عَشَرَ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَلِكَ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتُلُونَهُمْ جَازَ الْفِرَارُ. (٣) وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: فِي الْخَانِيَّةِ: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا إِذَا كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَر لِقَوْلِهِ ﷺ : لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ. . وَالْحَاصِل: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُغْلَبُ لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ، وَلاَ بَأْسَ لِلْوَاحِدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاَحٌ أَنْ يَفِرَّ مِنِ اثْنَيْنِ لَهُمَا سِلاَحٌ، وَيُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ الْقَوِيِّ أَنْ يَفِرَّ مِنَ

стр. 8590

الْكَافِرَيْنِ، وَالْمِائَةُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ فِي قَوْل مُحَمَّدٍ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنَ الثَّلاَثَةِ وَالْمِائَةُ مِنَ الثَّلاَثِمِائَةِ. (١) وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ التَّوَلِّي عِنْدَ الزَّحْفِ - بِنَصِّ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ - الْمُتَحَرِّفُ لِقِتَالٍ وَهُوَ: الَّذِي يُظْهِرُ الْهَزِيمَةَ وَيَنْصَرِفُ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ فَيَكْمُنُ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَنْصَرِفُ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إِلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَال. . وَذَلِكَ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ وَفُنُونِ الْقِتَال فَلاَ وِزْرَ فِيهِ وَلاَ حُرْمَةَ. وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَتِ الآْيَةُ مِنْ تَحْرِيمِ التَّوَلِّي عِنْدَ الزَّحْفِ الْمُتَحَيِّزَ إِلَى فِئَةٍ وَهُوَ: الَّذِي يَنْصَرِفُ عَنِ الْعَدُوِّ بِنِيَّةِ الذِّهَابِ إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْقِتَال، وَلاَ حُرْمَةَ عَلَى مَنْ يَنْصَرِفُ بِنِيَّةِ التَّحَيُّزِ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ التَّحَرُّفِ أَوِ التَّحَيُّزِ: كَوْنَ الْمُتَحَرِّفِ أَوِ الْمُتَحَيِّزِ غَيْرَ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالإِْمَامِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ وَلاَ التَّحَيُّزُ لِحُصُول الْخَلَل وَالْمَفْسَدَةِ بِهِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْمُتَحَرِّفِ وَالْمُتَحَيِّزِ مَنْ عَجَزَ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لَهُ الاِنْصِرَافَ بِكُل حَالٍ. (٢) وَالْفِرَارُ - التَّوَلِّي - الْمُحَرَّمُ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظَاهِرِ

стр. 8591

الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَإِجْمَاعِ الأَْكْثَرِ مِنَ الأَْئِمَّةِ لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. . . وَفِيهِ وَالتَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ (١) وَهِيَ كَبِيرَةٌ تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ بِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جِهَادٌ، سَيْرٌ) . ثَانِيًا: تَوَلِّي الْقَضَاءِ: ٤ - تَوَلِّي الْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ: فَيَكُونُ وَاجِبًا: إِنْ كَانَ مَنْ يَتَوَلاَّهُ أَهْلاً لِلْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لاِنْفِرَادِهِ بِشُرُوطِهِ، فَحِينَئِذٍ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ التَّقَلُّدُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِخْلاَءً لِلْعَالَمِ عَنِ الْفَسَادِ؛ وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلاَ يُوجَدُ سِوَاهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَغُسْل الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ، وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. وَيَكُونُ مَنْدُوبًا: لِصَاحِبِ عِلْمٍ خَفِيٍّ لاَ يَعْرِفُهُ النَّاسُ، وَوُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَاضِي، وَذَلِكَ لِيُشْهِرَ عِلْمَهُ لِلنَّاسِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ. وَيَكُونُ حَرَامًا: لِفَاقِدِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، رُوِيَ

стр. 8592

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلاً قَضَى بَيْنَ النَّاسِ بِجَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ (١) ؛ وَلأَِنَّ مَنْ لاَ يُحْسِنُهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَدْل فِيهِ فَيَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ فَيَدْفَعُهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَيَكُونُ مَكْرُوهًا: لِمَنْ يَخَافُ الْعَجْزَ عَنْهُ وَلاَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الْحَيْفَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ تَوَلِّيهِ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ الدُّخُول فِيهِ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ (٢) . وَيَكُونُ مُبَاحًا: لِلْعَدْل الْمُجْتَهِدِ الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ الَّذِي يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَهُ وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ مِثْلِهِ. (٣) وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْوِلاَيَاتِ كَالْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ، وَمَا يَتَّصِل بِشُرُوطِ مَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْوِلاَيَاتِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ، وَإِمَامَةٌ) إِلَخْ. ثَالِثًا: تَوَلِّي الْمَرْأَةِ عَقْدَ النِّكَاحِ: ٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَلاَ غَيْرَهَا، أَيْ لاَ وِلاَيَةَ لَهَا

стр. 8593

فِي عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى نَفْسِهَا وَلاَ غَيْرِهَا بِالْوِلاَيَةِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كُلٌّ مِنَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ وَأَنَّهُ الْقَوْل الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ أَخِيرًا عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ (١) وَمِنَ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْوَلِيِّ الذُّكُورَةُ، فَإِنْ تَوَلَّتِ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٢) أَيْ قَائِمُونَ بِمَصَالِحِهِنَّ، وَمِنْهَا وِلاَيَةُ تَزْوِيجِهِنَّ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ تَنْكِيرُ الْوَلِيِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ذُكُورَتِهِ، وَإِرَادَةُ التَّغْلِيبِ فِيهِ مَدْفُوعَةٌ بِحَدِيثِ: لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلاَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا (٣) .

стр. 8594

وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ (١) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الأُْولَى عَنْهُ وَهِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: تَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ عَقْدَ نِكَاحِهَا وَنِكَاحَ غَيْرِهَا مُطْلَقًا إِلاَّ أَنَّهُ خِلاَفُ الْمُسْتَحَبِّ. وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ لِلْفَتْوَى: إِنْ عَقَدَتْ مَعَ كُفْءٍ جَازَ وَمَعَ غَيْرِهِ لاَ يَصِحُّ. وَنُقِل عَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ، اُخْتُلِفَ فِي تَرْتِيبِهَا، فَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَال: لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الْكُفْءِ لاَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا مِنَ الْكُفْءِ وَغَيْرِهِ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَكَذَا الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ

стр. 8595

قَال: وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ الأَْخِيرُ. قَال الْكَمَال: وَرَجَحَ قَوْل الشَّيْخَيْنِ (الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ) وَهُوَ أَنَّ قَوْل أَبِي يُوسُفَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لأَِنَّ الطَّحَاوِيَّ وَالْكَرْخِيَّ أَقْوَمُ وَأَعْرَفُ بِمَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: الأُْولَى: انْعِقَادُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ إِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ كُفْئًا وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ يُجَدِّدُ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. وَالثَّانِيَةُ: رُجُوعُهُ إِلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَاسْتَدَلاَّ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) وَقَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمِ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) ، وَهَذِهِ الآْيَاتُ تُصَرِّحُ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَنْسُوبٌ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَمَنْ قَال لاَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ فَقَدْ رَدَّ نَصَّ الْكِتَابِ.

стр. 8596

وَاسْتَدَل بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا (١) وَبِأَنَّهَا حُرَّةٌ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ فَتَكُونُ لَهَا الْوِلاَيَةُ عَلَى نَفْسِهَا كَالْغُلاَمِ وَلِتَصَرُّفِهَا فِي الْمَال؛ وَبِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ صَحَّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِنْشَاءُ الْعَقْدِ لَمَا صَحَّ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِكَاحٌ) . رَابِعًا: تَوَلِّي طَرَفَيِ الْعَقْدِ: أ - فِي النِّكَاحِ: ٦ - يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَتَوَلَّى شَخْصٌ طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَاحِدٌ بِإِيجَابٍ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُول فِي خَمْسِ صُوَرٍ، كَأَنْ كَانَ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلاً مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ أَصِيلاً مِنْ جَانِبٍ وَوَكِيلاً، أَوْ وَلِيًّا مِنْ آخَرَ، أَوْ وَلِيًّا مِنْ جَانِبٍ وَكِيلاً مِنْ آخَرَ. (٣) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لاِبْنِ عَمِّ الْمَرْأَةِ إِذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا، وَعَيَّنَ نَفْسَهُ لِمُوَكِّلَتِهِ وَرَضِيَتْ بِهِ، أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَزَوَّجْتُك بِكَذَا مِنَ الْمَهْرِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ بَعْدَ هَذَا؛ لِتَوَلِّي ابْنِ الْعَمِّ الإِْيجَابَ وَالْقَبُول، عَلَى أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ وَيَشْهَدُ عَدْلاَنِ عَلَى

стр. 8597

تَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهِ، وَمِثْل ابْنِ الْعَمِّ الْحَاكِمُ وَالْوَصِيُّ وَالْكَافِل وَوَلِيُّ الإِْسْلاَمِ. (١) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَدِّ تَوَلِّي طَرَفَيْ عَقْدِ تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآْخَرِ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الأَْصَحِّ لِقُوَّةِ وِلاَيَةِ الْجَدِّ، وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ لأَِنَّ خِطَابَ الإِْنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ لاَ يَنْتَظِمُ. وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ غَيْرِ الْجَدِّ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلاَ يُزَوِّجُ وَاحِدٌ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ مَوْلِيَتَهُ لِنَفْسِهِ بِتَوَلِّيهِ الطَّرَفَيْنِ بَل يُزَوِّجُهُ بِهَا نَظِيرُهُ فِي دَرَجَتِهِ وَيَقْبَل هُوَ لِنَفْسِهِ فَلاَ وِلاَيَةَ بِهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ زَوَّجَهَا لَهُ الْقَاضِي. (٢) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِل لَهُ نِكَاحُهَا وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ، أَوِ الْمَوْلَى، أَوِ الْحَاكِمُ، أَوِ السُّلْطَانُ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَفِي تَوَلِّيهِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَال لأُِمِّ حَكِيمٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَك إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: قَدْ تَزَوَّجْتُك (٣) ، وَلأَِنَّهُ يَمْلِكُ الإِْيجَابَ وَالْقَبُول فَجَازَ أَنْ يَتَوَلاَّهُمَا.

стр. 8598

الثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يُوَكِّل رَجُلاً يُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا بِإِذْنِهَا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلاً زَوَّجَهُ امْرَأَةً الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ؛ وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالإِْذْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ كَالْبَيْعِ. (١) ب - فِي الْبَيْعِ: ٧ - صَحَّحَ بَعْضُهُمْ تَوَلِّيَ طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعُقُودِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ بَاعَ الْوَصِيُّ أَوِ اشْتَرَى مَال الْيَتِيمِ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ وَصِيَّ الْقَاضِي لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّ الأَْبِ جَازَ لِشَرْطِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ لِلصَّغِيرِ وَهِيَ قَدْرُ النِّصْفِ زِيَادَةً أَوْ نَقْصًا، وَقَالاَ: لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَبَيْعُ الأَْبِ مَال صَغِيرٍ مِنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ بِمِثْل الْقِيمَةِ وَبِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ وَهُوَ الْيَسِيرُ، وَإِلاَّ لاَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَنْقُول. (٢) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَمَنْعُ بَيْعِ الْوَكِيل مَا وُكِّل عَلَى بَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَلَوْ سَمَّى لَهُ الثَّمَنَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لاِحْتِمَال الرَّغْبَةِ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى، فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُهَا فِيهِ أَوِ اشْتَرَاهُ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ جَازَ. (٣)

стр. 8599

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيَصِحُّ التَّوْكِيل فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ وَطَلاَقٍ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، كَالصُّلْحِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالضَّمَانِ، أَيْ يَصِحُّ فِيمَا لَهُ طَرَفَانِ فِيهِمَا مَعًا، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ فِي حَالَةِ طَرَفٍ وَاحِدٍ فِي ذَلِكَ الطَّرَفِ. (١) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ وُكِّل فِي بَيْعِ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ لاَ يَشْتَرِي مَال الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيل وَالْوَصِيُّ مَال الْمُوَكِّل أَوِ الْمُوصَى عَلَيْهِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ. وَالثَّانِيَةِ: أَوْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الأَْبُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال وَلَدِهِ الطِّفْل. (٢)

стр. 8600

تَوْلِيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّوْلِيَةُ لُغَةً مَصْدَرُ: وَلَّى، يُقَال: وَلَّيْتُ فُلاَنًا الأَْمْرَ جَعَلْتُهُ وَالِيًا عَلَيْهِ، وَيُقَال: وَلَّيْتُهُ الْبَلَدَ، وَعَلَى الْبَلَدِ. وَوَلَّيْتُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَيْ جَعَلْتُ وَالِيًا عَلَيْهِمَا. (١) وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ التَّوْلِيَةُ بِإِطْلاَقَيْنِ: أَحَدِهِمَا: مُوَافِقٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَثَانِيهِمَا: تُطْلَقُ عَلَى التَّوْلِيَةِ فِي الْبَيْعِ وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُل سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ لِرَجُلٍ آخَرَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فَإِنْ قَال: وَلَّيْتُك إِيَّاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا أَوْ بِأَقَل؛ لأَِنَّ لَفْظَ التَّوْلِيَةِ يَقْتَضِي دَفْعَهَا إِلَيْهِ بِمِثْل مَا اشْتَرَاهَا بِهِ. (٢) وَعَرَّفَهَا الشَّيْخُ عَمِيرَةُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: بِأَنَّهَا نَقْل جَمِيعِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُوَلَّى بِمِثْل الثَّمَنِ الْمِثْلِيِّ أَوْ عَيْنِ الْمُتَقَوِّمِ (الْقِيَمِيِّ) بِلَفْظِ وَلَّيْتُكَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. (٣)

стр. 8601

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْشْرَاكُ: ٢ - الإِْشْرَاكُ لُغَةً: جَعْل الْغَيْرِ شَرِيكًا، وَاصْطِلاَحًا: نَقْل بَعْضِ الْمَبِيعِ إِلَى الْغَيْرِ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل (أَيْ بِمِثْل ثَمَنِ الْبَعْضِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ كُلِّهِ) . ب - الْمُرَابَحَةُ: ٣ - الْمُرَابَحَةُ لُغَةً: الزِّيَادَةُ، وَاصْطِلاَحًا: نَقْل كُل الْمَبِيعِ إِلَى الْغَيْرِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل. ج - الْمُحَاطَّةُ: ٤ - الْمُحَاطَّةُ لُغَةً: النَّقْصُ. وَاصْطِلاَحًا: نَقْل كُل الْمَبِيعِ إِلَى الْغَيْرِ بِنَقْصٍ عَنْ مِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيْنَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ وَبَيْنَ بَيْعِ التَّوْلِيَةِ وَجَمِيعُهَا مِنْ بُيُوعِ الأَْمَانَةِ. (١) الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: أَوَّلاً: التَّوْلِيَةُ (بِمَعْنَى نَصْبِ الْوُلاَةِ) ٥ - تَوْلِيَةُ إِمَامٍ عَامٍّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَفْصِل فِي أُمُورِهِمْ وَيَسُوسُهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، مُخَاطَبٌ بِهِ أَهْل

стр. 8602

الْحَل وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ حَتَّى يَخْتَارُوا الإِْمَامَ. وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي السَّقِيفَةِ، فَقَالَتِ الأَْنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، دَفَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄. وَقَالاَ: (إِنَّ الْعَرَبَ لاَ تَدِينُ إِلاَّ لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ) . وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا، فَلَوْلاَ أَنَّ الإِْمَامَةَ وَاجِبَةٌ لَمَا سَاغَتْ تِلْكَ الْمُحَاوَرَةُ وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَيْهَا وَلَقَال قَائِلٌ: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لاَ فِي قُرَيْشٍ وَلاَ فِي غَيْرِهِمْ. وَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الدَّوْلَةُ فِي أُمُورِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنْ وُزَرَاءَ وَقُضَاةٍ وَأُمَرَاءِ الْجُيُوشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَمْرَ الدَّوْلَةِ لاَ يَصْلُحُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ إِلاَّ بِتَوْلِيَةِ هَؤُلاَءِ وَأَمْثَالِهِمْ؛ لأَِنَّ مَا وُكِّل إِلَى الإِْمَامِ مِنْ تَدْبِيرِ الأُْمَّةِ لاَ يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَةِ جَمِيعِهِ إِلاَّ بِاسْتِنَابَةٍ. (١) ٦ - وَالإِْمَامَةُ تَنْعَقِدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا اخْتِيَارِ أَهْل الْعَقْدِ وَالْحَل، وَالثَّانِي بِعَهْدِ الإِْمَامِ مِنْ قَبْل. وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ اخْتِيَارِ الإِْمَامِ وَمَنْ يَخْتَارُهُ وَمَا تَنْتَهِي بِهِ الإِْمَامَةُ وَمَنْ يُوَلِّيهِمُ الإِْمَامُ لِمُعَاوَنَتِهِ مِنْ وُزَرَاءَ وَغَيْرِهِمْ وَصِيَغِ تَوْلِيَتِهِمْ تَفْصِيلاَتٌ

стр. 8603

وَشُرُوطٌ مَحَلُّهَا (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى، وَقَضَاءٌ، وَوَزَارَةٌ، وَإِمَارَةٌ. إِلَخْ) . ٧ - تَوْلِيَةُ الْوُزَرَاءِ جَائِزَةٌ شَرْعًا، فَإِنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى ﵇ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَل لَهُ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِهِ ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ (١) فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي النُّبُوَّةِ فَهُوَ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى ﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَك يَا مُوسَى﴾ (٢) وَتَعْيِينُ الْوُزَرَاءِ لِمُسَاعَدَةِ الأَْمِيرِ لاَ بُدَّ مِنْهُ؛ إِذْ إِنَّ الأَْمِيرَ لاَ يَسْتَطِيعُ وَحْدَهُ مُبَاشَرَةَ جَمِيعِ الأُْمُورِ. وَالْوَزَارَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَزَارَةِ تَفْوِيضٍ، وَوَزَارَةِ تَنْفِيذٍ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَزَارَةٌ) . تَوْلِيَةُ الْقُضَاةِ: ٨ - الْقَضَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ فِي أَنَّ الْقِيَامَ بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ أَنْ لاَ يُوجَدَ غَيْرُهُ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ إِلْزَامُهُ بِتَوَلِّيهِ لِئَلاَّ تَتَعَطَّل مَصَالِحُ النَّاسِ. (٤) أَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي يَجِبُ تَحَقُّقُهَا فِيمَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ، وَفِيمَنْ يَمْلِكُ تَوْلِيَةَ الْقَاضِي، وَفِي

стр. 8604

اخْتِصَاصِ الْقَاضِي فَمَحَلُّهَا (١) (مُصْطَلَحِ قَضَاءٌ) . الْوِلاَيَاتُ الأُْخْرَى: ٩ - عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ فِي كُل أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدَّوْلَةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا؛ لأَِنَّ أُمُورَ الدَّوْلَةِ لاَ تَسْتَقِيمُ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِيهَا مَنْ يَقُومُ عَلَى مُبَاشَرَتِهَا. قَال أَبُو يَعْلَى: وَمَا يَصْدُرُ عَنْ الإِْمَامِ مِنْ وِلاَيَاتِ خُلَفَائِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ عَامَّةً فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، وَهُمُ الْوُزَرَاءُ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْتَنَابُونَ فِي جَمِيعِ النَّظَرَاتِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ. الثَّانِي: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ عَامَّةً فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، وَهُمُ الأُْمَرَاءُ لِلأَْقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ. لأَِنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الأَْعْمَال عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ. الثَّالِثُ: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ خَاصَّةً فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، وَهُمْ مِثْل قَاضِي الْقُضَاةِ، وَنَقِيبِ الْجُيُوشِ، وَحَامِي الثُّغُورِ، وَمُسْتَوْفِي الْخَرَاجِ، وَجَابِي الصَّدَقَاتِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الأَْعْمَال. الرَّابِعُ: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ خَاصَّةً فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، وَهُمْ مِثْل قَاضِي بَلَدٍ، أَوْ إِقْلِيمٍ، أَوْ

стр. 8605

مُسْتَوْفِي خَرَاجَهُ، أَوْ جَابِي صَدَقَاتِهِ، أَوْ حَامِي ثَغْرِهِ، أَوْ نَقِيبِ جُنْدِهِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاصُّ النَّظَرِ مَخْصُوصُ الْعَمَل. وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ الْوُلاَةِ شُرُوطٌ تَنْعَقِدُ بِهَا وِلاَيَتُهُ وَيَصِحُّ مَعَهَا نَظَرُهُ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا. (١) الأَْلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلاَيَةُ: ١٠ - وَالأَْلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلاَيَةُ ضَرْبَانِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ. فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ " قَدْ وَلَّيْتُك، وَقَلَّدْتُك، وَاسْتَخْلَفْتُك، وَاسْتَنَبْتُكَ ". فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ انْعَقَدَتْ بِهِ وِلاَيَةُ الْقَضَاءِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْوِلاَيَاتِ، وَلاَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى قَرِينَةٍ. وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَقَدْ قِيل: إِنَّهَا سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ: " قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ " فَإِنِ اقْتُرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ صَارَتْ فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: " فَانْظُرْ فِيمَا وَكَلْتُهُ إِلَيْكَ " وَاحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْكَ ". فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ مُشَافَهَةً فَقَبُولُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ مُرَاسَلَةً، أَوْ مُكَاتَبَةً، جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرَاخِي. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَبُول لَفْظًا، لَكِنْ وُجِدَ مِنْهُ

стр. 8606

الشُّرُوعُ فِي النَّظَرِ، احْتَمَل أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى النُّطْقِ، وَاحْتَمَل أَنْ لاَ يَجْرِيَ؛ لأَِنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّظَرِ فَرْعٌ لِعَقْدِ الْوِلاَيَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ قَبُولُهَا. (١) وَالْكَلاَمُ عَنْ ذَلِكَ مَنْثُورٌ فِي أَبْوَابِ الْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ثَانِيًا: التَّوْلِيَةُ فِي الْبَيْعِ: الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ التَّوْلِيَةِ جَائِزٌ شَرْعًا؛ لأَِنَّ شَرَائِطَ الْبَيْعِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ كَتَجَدُّدِ شُفْعَةٍ عَفَا عَنْهَا الشَّفِيعُ فِي الْعَقْدِ الأَْوَّل، وَبَقَاءِ الزَّوَائِدِ لِلْمُولِّي - بِكَسْرِ اللاَّمِ - وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ جَدِيدٌ، وَلِتَعَامُل النَّاسِ بِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا؛ وَلأَِنَّ مَنْ لاَ يَهْتَدِي إِلَى التِّجَارَةِ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى فِعْل الذَّكِيِّ الْمُهْتَدِي فِيهَا (٢) ، وَلَمَّا أَرَادَ ﵊ الْهِجْرَةَ وَابْتَاعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعِيرَيْنِ، قَال ﵊ وَلِّنِي أَحَدَهُمَا، فَقَال لَهُ هُوَ لَك بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَقَال ﵊:

стр. 8607

أَمَّا بِغَيْرِ شَيْءٍ فَلاَ، فَوَجَبَ الْقَوْل بِجَوَازِهَا. (١) مَا تَصِحُّ فِيهِ التَّوْلِيَةُ: ١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْلِيَةِ فِي بَيْعِ الْمَنْقُول الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ وَجَعَلُوهُ كَالْبَيْعِ الْمُسْتَقِل. (٢) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ التَّوْلِيَةُ فِي الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّهُ قَال: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ، إِلاَّ أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يُقِيلَهُ (٣) . وَشَرْطُهَا قَبْل قَبْضِهِ: اسْتِوَاءُ الْعَقْدَيْنِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَأَجَلِهِ أَوْ حُلُولِهِ وَكَوْنُ الثَّمَنِ عَيْنًا.

стр. 8608

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَتَجُوزُ التَّوْلِيَةُ فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ قَبْل الْقَبْضِ فِيمَا عَدَا الْمَكِيل وَالْمَوْزُونَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَحْتَاجُ فِي قَبْضِهِ إِلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ. (١) مَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ: ١٣ - أ - اشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ الأَْوَّل مَعْلُومًا لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي لأَِنَّ الْعِلْمَ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّ بَيْعَ التَّوْلِيَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى أَسَاسِ الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الثَّمَنَ الأَْوَّل فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ فِي الْمَجْلِسِ وَيَرْضَى بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى افْتَرَقَ الْعَاقِدَانِ عَنِ الْمَجْلِسِ بَطَل الْعَقْدُ لِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ. (٢) ١٤ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ وَلاَّهَا لِشَخْصٍ بِمَا اشْتَرَاهَا بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا لَهُ وَلاَ ثَمَنَهَا أَوْ ذَكَرَ لَهُ أَحَدَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإِْلْزَامِ، وَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَأَى وَعَلِمَ الثَّمَنَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا، أَوْ حَيَوَانًا. وَإِنْ عَلِمَ حِينَ التَّوْلِيَةِ بِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ - الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ - دُونَ الآْخَرِ ثُمَّ عَلِمَ بِالآْخَرِ

стр. 8609

فَكَرِهَ الْبَيْعَ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّ التَّوْلِيَةَ مِنَ المَعْرُوفِ تَلْزَمُ الْمُوَلِّيَ - بِالْكَسْرِ - وَلاَ تَلْزَمُ الْمُولَّى - بِالْفَتْحِ - إِلاَّ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ. ١٥ - ب - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا إِنْ كَانَتِ التَّوْلِيَةُ فِي الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ. وَأَمَّا فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ مُطْلَقًا فَتَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. (١) ١٦ - ج - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ كَالْمَكِيلاَتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، سَوَاءٌ تَمَّ الْعَقْدُ مَعَ الْبَائِعِ الأَْوَّل أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا لاَ مِثْل لَهُ كَالْعَرَضِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّوْلِيَةُ مِمَّنْ لَيْسَ الْعَرَضُ فِي مِلْكِهِ؛ لأَِنَّ التَّوْلِيَةَ بَيْعٌ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ الأَْوَّل مِنْ جِنْسِهِ كَالذَّرْعِيَّاتِ، وَالْمَعْدُودَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى عَيْنِ ذَلِكَ الْعَرَضِ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ عَلَى قِيمَتِهِ، وَعَيْنُهُ لَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ، وَقِيمَتُهُ مَجْهُولَةٌ تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ لاِخْتِلاَفِ أَهْل التَّقْوِيمِ فِيهِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَوْلِيَةً مِمَّنِ الْعَرَضُ نَفْسُهُ فِي مِلْكِهِ وَيَدِهِ. (٢) ١٧ - د - وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ لاَ يَكُونَ الْبَيْعُ

стр. 8610

صَرْفًا حَتَّى لَوْ بَاعَ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ لاَ تَجُوزُ فِيهِ التَّوْلِيَةُ؛ لأَِنَّهُمَا فِي الذِّمَّةِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّوْلِيَةُ، وَالْمَقْبُوضُ غَيْرُ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ. (١) حُكْمُ الْخِيَانَةِ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ: إِذَا ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي التَّوْلِيَةِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ، أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ النُّكُول عَنِ الْيَمِينِ، فَإِمَّا أَنْ تَظْهَرَ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ أَوْ فِي قَدْرِهِ: ١٨ - أ - فَإِنْ ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي صِفَةِ الثَّمَنِ: بِأَنْ اشْتَرَى شَيْئًا نَسِيئَةً ثُمَّ بَاعَهُ تَوْلِيَةً عَلَى الثَّمَنِ الأَْوَّل وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ نَسِيئَةً ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي فَلَهُ الْخِيَارُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ؛ لأَِنَّ التَّوْلِيَةَ عَقْدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الأَْمَانَةِ، إِذْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اعْتَمَدَ عَلَى أَمَانَةِ الْبَائِعِ فِي الإِْخْبَارِ عَنِ الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَكَانَتْ صِيَانَةُ الْبَيْعِ الثَّانِي عَنِ الْخِيَانَةِ مَشْرُوطَةً دَلاَلَةً، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ ثَبَتَ الْخِيَارُ كَمَا فِي حَالَةِ عَدَمِ تَحَقُّقِ سَلاَمَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْعَيْبِ. وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، وَأَمَّا بَعْدَ الْهَلاَكِ أَوِ الاِسْتِهْلاَكِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ، بَل يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ حَالًّا؛ لأَِنَّ الرَّدَّ تَعَذَّرَ بِالْهَلاَكِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَرُدُّ قِيمَةَ الْهَالِكِ وَيَسْتَرِدُّ كُل الثَّمَنِ كَمَا قَال فِيمَا إِذَا اسْتَوْفَى عَشَرَةً زُيُوفًا مَكَانَ عَشَرَةٍ جِيَادٍ وَعَلِمَ بَعْدَ الإِْنْفَاقِ، يَرُدُّ مِثْل الزُّيُوفِ وَيَرْجِعُ بِالْجِيَادِ، وَقَال

стр. 8611

أَبُو جَعْفَرٍ: الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنْ يُقَوَّمَ الْمَبِيعُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِفَضْل مَا بَيْنَهُمَا لِلتَّعَارُفِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الأَْجَل مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِيهِ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُمْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ فِي كُل جُمُعَةٍ قَدْرٌ مَعْلُومٌ. (١) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ ظَهَرَ الثَّمَنُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مُؤَجَّلاً وَقَدْ كَتَمَهُ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي تَأْجِيلَهُ أَخَذَ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلاً بِالأَْجَل الَّذِي اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ إِلَيْهِ، وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فَلاَ يَمْلِكُ الْفَسْخَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ إِلَى الأَْجَل يَعْنِي وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتُهْلِكَ حَبَسَ الْمُشْتَرِيُ الثَّمَنَ بِقَدْرِ الأَْجَل وَهَذَا قَوْل شُرَيْحٍ؛ لأَِنَّهُ كَذَلِكَ وَقَعَ عَلَى الْبَائِعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ بِذَلِكَ عَلَى صِفَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ. (٢) ١٩ - ب - وَإِنْ ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فِي التَّوْلِيَةِ بِأَنْ قَال اشْتَرَيْتُ بِعَشَرَةٍ، وَوَلَّيْتُكَ بِمَا تَوَلَّيْتُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهُ بِتِسْعَةٍ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ

стр. 8612

يَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِالثَّمَنِ الْبَاقِي؛ لأَِنَّ الْخِيَانَةَ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ تُخْرِجُ الْعَقْدَ عَنْ كَوْنِهِ تَوْلِيَةً؛ لأَِنَّهَا بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ، فَإِذَا ظَهَرَ النُّقْصَانُ فِي الثَّمَنِ الأَْوَّل وَلَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ الْعَقْدُ عَنْ كَوْنِهِ تَوْلِيَةً وَصَارَ مُرَابَحَةً، وَهَذَا إِنْشَاءُ عَقْدٍ جَدِيدٍ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ فَيَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ وَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ بِالثَّمَنِ الْبَاقِي. (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْبَائِعَ إِذَا كَذَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَنْ زَادَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ عَلَى مَا هُوَ فِي الْوَاقِعِ سَوَاءٌ عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، فَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ الزَّائِدَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَحُطَّ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ أَوْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ. (٢) وَقَال مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْضَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ عَنِ الثَّمَنِ فَلاَ يَلْزَمُ بِدُونِهِ، وَثَبَتَ لَهُ

стр. 8613

الْخِيَارُ لِفَوَاتِ السَّلاَمَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ كَمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِفَوَاتِ السَّلاَمَةِ عَنِ الْعَيْبِ إِذَا وَجَدَ الْمَبِيعَ مَعِيبًا. وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، أَوِ اسْتَهْلَكَهُ قَبْل رَدِّهِ أَوْ حَدَثَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ كَعَيْبٍ مَثَلاً لَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ مُجَرَّدُ خِيَارٍ لاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ. (١) وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّهُ يَفْسَخُ الْبَيْعَ عَلَى الْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ أَقَل مِنَ الثَّمَنِ حَتَّى يَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنِ الْمُشْتَرِي بِنَاءً عَلَى حَاصِلِهِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحَالُفِ بَعْدَ هَلاَكِ السِّلْعَةِ، أَنَّهُ يَفْسَخُ بَعْدَ التَّحَالُفِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ كَذَا هَاهُنَا. (٢) وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ دَفْعِ الثَّمَنِ الصَّحِيحِ أَوِ الْقِيمَةِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْكَذِبِ. (٣) أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا ظَهَرَ الْحَال بَعْدَ هَلاَكِ الْمَبِيعِ، فَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِسُقُوطِ الزِّيَادَةِ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالشَّاشِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ مُطْلَقًا.

стр. 8614

ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْصَحُّ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ السُّقُوطَ وَعَدَمَهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ فَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ السُّقُوطِ فَهَل لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لاَ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقَدْرِ التَّفَاوُتِ كَمَا يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ (١)

стр. 8615

تَوَهُّمٌ التَّعْرِيفُ: ١ - التَّوَهُّمُ فِي اللُّغَةِ: الظَّنُّ. (١) وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ: تَجْوِيزُ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ تَجْوِيزًا مَرْجُوحًا (٢) وَقَال بَعْضُهُمْ: التَّوَهُّمُ يَجْرِي مَجْرَى الظُّنُونِ، يَتَنَاوَل الْمُدْرَكَ وَغَيْرَ الْمُدْرَكِ. (٣) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - التَّصَوُّرُ: ٢ - التَّصَوُّرُ هُوَ حُصُول صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْل، وَإِدْرَاكُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ. (٤) وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَهُّمِ وَالتَّصَوُّرِ: أَنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، وَتَوَهُّمَهُ لاَ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ؛ لأَِنَّ التَّوَهُّمَ مِنْ قَبِيل التَّجْوِيزِ، وَالتَّجْوِيزُ يُنَافِي الْعِلْمَ. (٥)
следующие страницы →