Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
أَبُو جَعْفَرٍ: الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنْ يُقَوَّمَ الْمَبِيعُ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِفَضْل مَا بَيْنَهُمَا لِلتَّعَارُفِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الأَْجَل مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِيهِ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُمْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ فِي كُل جُمُعَةٍ قَدْرٌ مَعْلُومٌ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ ظَهَرَ الثَّمَنُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مُؤَجَّلاً وَقَدْ كَتَمَهُ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي تَأْجِيلَهُ أَخَذَ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلاً بِالأَْجَل الَّذِي اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ إِلَيْهِ، وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فَلاَ يَمْلِكُ الْفَسْخَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ إِلَى الأَْجَل يَعْنِي وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتُهْلِكَ حَبَسَ الْمُشْتَرِيُ الثَّمَنَ بِقَدْرِ الأَْجَل وَهَذَا قَوْل شُرَيْحٍ؛ لأَِنَّهُ كَذَلِكَ وَقَعَ عَلَى الْبَائِعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ بِذَلِكَ عَلَى صِفَتِهِ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ. (٢)
١٩ - ب - وَإِنْ ظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فِي التَّوْلِيَةِ بِأَنْ قَال اشْتَرَيْتُ بِعَشَرَةٍ، وَوَلَّيْتُكَ بِمَا تَوَلَّيْتُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهُ بِتِسْعَةٍ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ стр. 8612
يَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِالثَّمَنِ الْبَاقِي؛ لأَِنَّ الْخِيَانَةَ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ تُخْرِجُ الْعَقْدَ عَنْ كَوْنِهِ تَوْلِيَةً؛ لأَِنَّهَا بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ، فَإِذَا ظَهَرَ النُّقْصَانُ فِي الثَّمَنِ الأَْوَّل وَلَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ الْعَقْدُ عَنْ كَوْنِهِ تَوْلِيَةً وَصَارَ مُرَابَحَةً، وَهَذَا إِنْشَاءُ عَقْدٍ جَدِيدٍ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ فَيَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ وَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ بِالثَّمَنِ الْبَاقِي. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْبَائِعَ إِذَا كَذَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَنْ زَادَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ عَلَى مَا هُوَ فِي الْوَاقِعِ سَوَاءٌ عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، فَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ الزَّائِدَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَحُطَّ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ أَوْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ. (٢)
وَقَال مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَبِيعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَرْضَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْقَدْرِ الَّذِي سَمَّاهُ عَنِ الثَّمَنِ فَلاَ يَلْزَمُ بِدُونِهِ، وَثَبَتَ لَهُ стр. 8613
الْخِيَارُ لِفَوَاتِ السَّلاَمَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ كَمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِفَوَاتِ السَّلاَمَةِ عَنِ الْعَيْبِ إِذَا وَجَدَ الْمَبِيعَ مَعِيبًا.
وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، أَوِ اسْتَهْلَكَهُ قَبْل رَدِّهِ أَوْ حَدَثَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ كَعَيْبٍ مَثَلاً لَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ مُجَرَّدُ خِيَارٍ لاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ. (١)
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّهُ يَفْسَخُ الْبَيْعَ عَلَى الْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ أَقَل مِنَ الثَّمَنِ حَتَّى يَنْدَفِعَ الضَّرَرُ عَنِ الْمُشْتَرِي بِنَاءً عَلَى حَاصِلِهِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحَالُفِ بَعْدَ هَلاَكِ السِّلْعَةِ، أَنَّهُ يَفْسَخُ بَعْدَ التَّحَالُفِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ كَذَا هَاهُنَا. (٢)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ دَفْعِ الثَّمَنِ الصَّحِيحِ أَوِ الْقِيمَةِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْكَذِبِ. (٣) أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا ظَهَرَ الْحَال بَعْدَ هَلاَكِ الْمَبِيعِ، فَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِسُقُوطِ الزِّيَادَةِ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالشَّاشِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ مُطْلَقًا. стр. 8614
ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْصَحُّ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ السُّقُوطَ وَعَدَمَهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ فَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ السُّقُوطِ فَهَل لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لاَ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ، لَكِنْ يَرْجِعُ بِقَدْرِ التَّفَاوُتِ كَمَا يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ (١) стр. 8615
تَوَهُّمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّوَهُّمُ فِي اللُّغَةِ: الظَّنُّ. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ: تَجْوِيزُ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ تَجْوِيزًا مَرْجُوحًا (٢) وَقَال بَعْضُهُمْ: التَّوَهُّمُ يَجْرِي مَجْرَى الظُّنُونِ، يَتَنَاوَل الْمُدْرَكَ وَغَيْرَ الْمُدْرَكِ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّصَوُّرُ:
٢ - التَّصَوُّرُ هُوَ حُصُول صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْل، وَإِدْرَاكُ الْمَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ. (٤) وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَهُّمِ وَالتَّصَوُّرِ: أَنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، وَتَوَهُّمَهُ لاَ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ؛ لأَِنَّ التَّوَهُّمَ مِنْ قَبِيل التَّجْوِيزِ، وَالتَّجْوِيزُ يُنَافِي الْعِلْمَ. (٥) стр. 8616
ب - الظَّنُّ:
٣ - الظَّنُّ هُوَ الاِعْتِقَادُ الرَّاجِحُ مَعَ احْتِمَال النَّقِيضِ، وَيُسْتَعْمَل أَيْضًا فِي الْيَقِينِ وَ الشَّكِّ .
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْوَهْمَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ مُطْلَقًا
وَقِيل: الظَّنُّ أَحَدُ طَرَفَيِ الشَّكِّ بِصِفَةِ الرُّجْحَانِ
وَقِيل: الظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، الْوَهْمُ: الطَّرَفُ الرَّاجِحُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ. (١)
ج - الشَّكُّ:
٤ - الشَّكُّ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بِلاَ تَرْجِيحٍ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ عِنْدَ الشَّاكِّ
وَقِيل: الشَّكُّ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لاَ يَمِيل الْقَلْبُ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُطْرَحِ الآْخَرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ. (٢)
د - الْيَقِينُ:
٥ - الْيَقِينُ فِي اللُّغَةِ: الْعِلْمُ الَّذِي لاَ شَكَّ فِيهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اعْتِقَادُ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ كَذَا، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ كَذَا، مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ غَيْرَ مُمْكِنِ الزَّوَال. (٣) стр. 8617
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ التَّوَهُّمَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لاَ عِبْرَةَ لَهُ فِي الأَْحْكَامِ، فَكَمَا لاَ يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ اسْتِنَادًا عَلَى وَهْمٍ، لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشَّيْءِ الثَّابِتِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ بِوَهْمٍ طَارِئٍ.
مِثَال ذَلِكَ: إِذَا تُوُفِّيَ الْمُفْلِسُ، تُبَاعُ أَمْوَالُهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ تُوُهِّمَ أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ جَدِيدٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ لِلتَّوَهُّمِ. (١)
وَكَمَا إِذَا ظَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ صَلاَةٍ، وَتَوَهَّمَ شَغْلَهَا بِهَا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ. إِذْ لاَ عِبْرَةَ لِلْوَهْمِ. (٢)
وَيُذْكَرُ التَّوَهُّمُ وَيُرَادُ بِهِ مَا يُقَابِل الْيَقِينَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: " فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَ الْمَاءِ تَيَمَّمَ بِلاَ طَلَبٍ وَإِنْ تَوَهَّمَهُ (أَيْ وَقَعَ فِي وَهْمِهِ: أَيْ ذِهْنِهِ، بِأَنْ جَوَّزَ وُجُودَ ذَلِكَ تَجْوِيزًا رَاجِحًا وَهُوَ الظَّنُّ، أَوْ مَرْجُوحًا وَهُوَ الْوَهْمُ، أَوْ مُسْتَوِيًا وَهُوَ الشَّكُّ) طَلَبَهُ. (٣)
وَقَدْ يُعْمَل بِالْوَهْمِ فِي حَال شَغْل الذِّمَّةِ وَتَوَهُّمِ بَرَاءَتِهَا، وَهِيَ لاَ تَبْرَأُ إِلاَّ بِالْيَقِينِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ: " إِذَا ظَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ стр. 8618
صَلاَةٍ، وَتَوَهَّمَ شَغْلَهَا بِهَا، فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ مَنْ ظَنَّ تَمَامَ صَلاَتِهِ، وَتَوَهَّمَ بَقَاءَ رَكْعَةٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَل بِالْوَهْمِ ". (١)
وَتَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ قَاعِدَةِ " لاَ عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ ". (٢) وَقَاعِدَةِ " لاَ عِبْرَةَ بِالتَّوَهُّمِ " (٣) وَفَرَّعُوا عَلَيْهِمَا مَسَائِل كَثِيرَةً يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِاخْتِلاَفِ الْمَوَاطِنِ، وَلاَ يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ فَيُرْجَعُ إِلَى مَظَانِّهَا فِي كُل مَذْهَبٍ.
قَال صَاحِبُ دُرَرِ الْحُكَّامِ شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ عِنْدَ قَاعِدَةِ (لاَ عِبْرَةَ لِلتَّوَهُّمِ) مَا نَصُّهُ:
يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ كَمَا لاَ يَثْبُتُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ اسْتِنَادًا عَلَى وَهْمٍ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الشَّيْءِ الثَّابِتِ بِصُورَةٍ قَطْعِيَّةٍ بِوَهْمٍ طَارِئٍ.
مِثَال ذَلِكَ: إِذَا تُوُفِّيَ الْمُفْلِسُ تُبَاعُ أَمْوَالُهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ تُوُهِّمَ أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ غَرِيمٌ стр. 8619
آخَرُ جَدِيدٌ، وَالْوَاجِبُ مُحَافَظَةً عَلَى حُقُوقِ ذَلِكَ الدَّائِنِ الْمَجْهُول، أَلاَّ تُقْسَمَ، وَلَكِنْ لأَِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ لِلتَّوَهُّمِ تُقْسَمُ الأَْمْوَال عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَمَتَى ظَهَرَ غَرِيمٌ جَدِيدٌ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُمْ حَسَبَ الأُْصُول الْمَشْرُوعَةِ.
كَذَا إِذَا بِيعَتْ دَارٌ وَكَانَ لَهَا جَارَانِ لِكُلٍّ حَقُّ الشُّفْعَةِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَادَّعَى الشَّفِيعُ الْحَاضِرُ الشُّفْعَةَ فِيهَا يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ إِرْجَاءُ الْحُكْمِ بِدَاعِي أَنَّ الْغَائِبَ رُبَّمَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ. كَذَلِكَ إِذَا كَانَ لِدَارِ شَخْصٍ نَافِذَةٌ عَلَى أُخْرَى لِجَارِهِ تَزِيدُ عَلَى طُول الإِْنْسَانِ فَجَاءَ الْجَارُ طَالِبًا سَدَّ تِلْكَ النَّافِذَةِ بِدَاعِي أَنَّهُ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُ النَّافِذَةِ بِسُلَّمِ وَيُشْرِفَ عَلَى مَقَرِّ النِّسَاءِ فَلاَ يُلْتَفَتُ لِطَلَبِهِ. وَكَذَا لاَ يُلْتَفَتُ لِطَلَبِهِ فِيمَا لَوْ وَضَعَ جَارُهُ فِي غُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ لَهُ تِبْنًا وَطَلَبَ رَفْعَهُ بِدَاعِي أَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَل أَنْ تَعْلَقَ بِهِ النَّارُ فَتَحْتَرِقَ دَارُهُ.
كَذَا: إِذَا جَرَحَ شَخْصٌ آخَرَ ثُمَّ شُفِيَ الْمَجْرُوحُ مِنْ جُرْحِهِ تَمَامًا وَعَاشَ مُدَّةً ثُمَّ تُوُفِّيَ فَادَّعَى وَرَثَتُهُ بِأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ وَالِدُهُمْ مَاتَ بِتَأْثِيرِ الْجُرْحِ فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ. (١) стр. 8620
تَيَامُنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّيَامُنُ مَصْدَرُ تَيَامَنَ إِذَا أَخَذَ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَمِثْلُهُ يَامَنَ.
وَتَيَمَّنْتُ بِهِ مِثْل تَبَرَّكْتُ وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ أَصْل الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَالتَّيَامُنُ: الْبَدْءُ بِالْيَمِينِ فِي الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، وَسَقْيِ الْمَاءِ. . إِلَخْ. وَمِثْلُهُ التَّيَمُّنُ قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: التَّيَمُّنُ: الاِبْتِدَاءُ فِي الأَْفْعَال بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَالرِّجْل الْيُمْنَى، وَالْجَانِبِ الأَْيْمَنِ. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - التَّيَامُنُ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ عَائِشَة ﵂ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طَهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ (٢) . وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي стр. 8621
الْغُسْل:
٣ - تَقْدِيمُ الشِّقِّ الأَْيْمَنِ عَلَى الشِّقِّ الأَْيْسَرِ فِي الأَْغْسَال الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ. فَيَغْسِل الشِّقَّ الأَْيْمَنَ الْمُقْبِل مِنْهُ وَالْمُدْبِرَ، ثُمَّ الأَْيْسَرَ كَذَلِكَ. (١)
الْوُضُوءُ:
٤ - التَّيَامُنُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، مَنْ خَالَفَهَا فَاتَهُ الْفَضْل وَتَمَّ وُضُوءُهُ - فَيَغْسِل يَدَهُ الْيُمْنَى قَبْل الْيَدِ الْيُسْرَى، وَالرِّجْل الْيُمْنَى قَبْل الرِّجْل الْيُسْرَى؛ لِلتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ عَلَى الدَّوَامِ. (٢)
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ (٣) .
مَسْحُ الْخُفَّيْنِ:
٥ - الأَْفْضَل تَقْدِيمُ الرِّجْل الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى стр. 8622
فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ. (١)
التَّيَمُّمُ:
٦ - تَقْدِيمُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ فِي التَّيَمُّمِ سُنَّةٌ. فَيَمْسَحُ يَدَهُ الْيُمْنَى قَبْل الْيَدِ الْيُسْرَى لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵄ قَال: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَال: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُول بِيَدَيْك هَكَذَا، حَتَّى قَال ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ (٢) .
دُخُول الْمَسْجِدِ:
٧ - يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِك الْيُسْرَى (٣) فَيُقَدِّمَ стр. 8623
رِجْلَهُ الْيُمْنَى عِنْدَ دُخُول الْمَسْجِدِ وَالْبَيْتِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلاَءِ وَيُؤَخِّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى. (١)
اللِّبَاسُ:
٨ - يُسْتَحَبُّ الاِبْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ فِي اللِّبَاسِ، فَيُدْخِل كُمَّهُ الأَْيْمَنَ قَبْل الأَْيْسَرِ فِي لُبْسِ الْجُبَّةِ وَالْقَمِيصِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُدْخِل رِجْلَهُ الْيُمْنَى قَبْل الْيُسْرَى فِي لُبْسِ السَّرَاوِيل، وَالنِّعَال، وَالأَْخْفَافِ، وَأَشْبَاهِهَا. (٢) لِحَدِيثِ عَائِشَة ﵂ السَّابِقِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا انْتَعَل أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَال لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَل وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ (٣) .
وَعَنْ حَفْصَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْعَل يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَل شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ (٤) . стр. 8624
الصَّلاَةُ
٩ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي التَّيَامُنُ عِنْدَ التَّسْلِيمِ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ فَيَبْدَأُ بِالاِلْتِفَاتِ إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ. (١) لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْمَنِ وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْسَرِ (٢) .
وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الإِْمَامِ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا مَعَ الإِْمَامِ. (٣)
لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ (٤) .
فَلَوْ وَقَفَ الْمَأْمُومُ الْوَاحِدُ عَنْ يَسَارِ الإِْمَامِ أَدَارَهُ الإِْمَامُ إِلَى الْيَمِينِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَكْمَل رَكْعَةً مِنَ стр. 8625
الصَّلاَةِ وَهُوَ عَنْ يَسَارِ الإِْمَامِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ لَكِنْ لَوْ كَبَّرَ عَنْ يَسَارِ الإِْمَامِ ثُمَّ انْتَقَل إِلَى يَمِينِهِ قَبْل إِتْمَامِ الرَّكْعَةِ صَحَّتْ صَلاَتُهُ. (١)
وَيُسْتَحَبُّ الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الصَّفِّ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً (٢) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ قَال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِل عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ (٣) . وَيُسْتَحَبُّ الصَّلاَةُ فِي مَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا.
الأَْذَانُ:
١٠ - يَبْدَأُ الْمُؤَذِّنُ فِي الأَْذَانِ لِلصَّلاَةِ بِالاِلْتِفَاتِ إِلَى يَمِينِهِ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الأُْولَى وَهِيَ " حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ " ثُمَّ إِلَى الْيَسَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ " حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ " لِفِعْل بِلاَلٍ ﵁ ذَلِكَ. (٤) وَتُقَدَّمُ الأُْذُنُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى عِنْدَ الأَْذَانِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ فَيُؤَذِّنُ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى أَوَّلاً ثُمَّ يُقِيمُ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، وَذَلِكَ لِيَسْبِقَ ذِكْرُ اللَّهِ стр. 8626
تَعَالَى إِلَى مَسَامِعِ الطِّفْل قَبْل أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ (١) ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ طَرْدِ الشَّيْطَانِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُدْبِرُ عِنْدَ سَمَاعِ الأَْذَانِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ (٢) .
غُسْل الْمَيِّتِ:
١١ - يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ غُسْل الْجَانِبِ الأَْيْمَنِ مِنَ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَانِبِ الأَْيْسَرِ، فَيُغَسِّل شِقَّهُ الأَْيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يَحْرِفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ فَيُغَسِّل شِقَّهُ الأَْيْسَرَ كَذَلِكَ. (٣)
لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُنَّ فِي غُسْل ابْنَتِهِ زَيْنَبَ ﵂: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا (٤) .
خِصَال الْفِطْرَةِ:
١٢ - يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيَمِينِ فِي السِّوَاكِ فَيَبْدَأُ بِجَانِبِ الْفَمِ الأَْيْمَنِ قَبْل الأَْيْسَرِ، وَيُمْسِكُ стр. 8627
السِّوَاكَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لاَ الْيُسْرَى (١) لِحَدِيثِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طَهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَسِوَاكِهِ (٢) .
وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي تَقْلِيمِ الأَْظَافِرِ. فَيُقَدِّمُ تَقْلِيمَ أَظَافِرِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى تَقْلِيمِ أَظَافِرِ الْيَدِ الْيُسْرَى، وَأَظَافِرِ الرِّجْل الْيُمْنَى عَلَى تَقْلِيمِ أَظَافِرِ الرِّجْل الْيُسْرَى. (٣)
الْحَلْقُ:
١٣ - يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فَيُقَدِّمُ الشِّقَّ الأَْيْمَنَ عَلَى الشِّقِّ الأَْيْسَرِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَل الْعِبْرَةُ بِيَمِينِ الْمَحْلُوقِ أَوْ بِيَمِينِ الْحَالِقِ؟ .
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِيَمِينِ الْمَحْلُوقِ فَيَبْدَأُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ الشِّقِّ الأَْيْسَرِ. (٤)
وَدَلِيل الْجُمْهُورِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَال لِلْحَلاَّقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ стр. 8628
الأَْيْمَنِ ثُمَّ الأَْيْسَرِ، ثُمَّ جَعَل يُعْطِيهِ النَّاسَ (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَل الْحَلاَّقَ شِقَّهُ الأَْيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَْنْصَارِيَّ ﵁ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَْيْسَرَ فَقَال: احْلِقْ: فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَال: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ (٢) .
وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا عَلَى يَمِينِ الْحَالِقِ وَهُوَ شِقُّ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ الأَْيْسَرِ.
إِدَارَةُ الإِْنَاءِ:
١٤ - يُسَنُّ إِدَارَةُ الإِْنَاءِ عَلَى الأَْيْمَنِ فَالأَْيْمَنِ بَعْدَ الْمُبْتَدِئِ بِالشُّرْبِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ جُلَسَاءُ آخَرُونَ وَأَرَادَ أَنْ يُعَمِّمَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ أَفْضَل مِنَ الذِي عَلَى يَمِينِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَشَرِبَ فَقَال عُمَرُ ﵁: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُول اللَّهِ فَأَعْطَى الأَْعْرَابِيَّ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قَال: الأَْيْمَنَ فَالأَْيْمَنَ (٣) . стр. 8629
وَلِحَدِيثِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَْشْيَاخُ، فَقَال لِلْغُلاَمِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَال الْغُلاَمُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. فَتَلَّهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ (١) .
وَهَذَا الْغُلاَمُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄. (٢)
النَّوْمُ:
١٥ - يُسْتَحَبُّ النَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الأَْيْمَنِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ. آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ (٣) . стр. 8630
وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَْيْمَنِ وَقُل: وَذَكَرَ نَحْوَهُ: وَفِيهِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُول (١) .
وَهُنَاكَ أُمُورٌ يُسَنُّ فِعْلُهَا بِالْيَمِينِ دُونَ الْيَسَارِ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ، مِنْهَا: اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالْمُصَافَحَةُ، وَالأَْكْل وَالشُّرْبُ وَتَفْصِيل كُل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ. (٢) стр. 8631
تَيْسِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّيْسِيرُ لُغَةً مَصْدَرُ يَسَّرَ، يُقَال: يَسَّرَ الأَْمْرَ إِذَا سَهَّلَهُ وَلَمْ يُعَسِّرْهُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ نَفْسِهِ فِيهِ. وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) أَيْ سَهَّلْنَاهُ وَجَعَلْنَا الاِتِّعَاظَ بِهِ مَيْسُورًا.
وَفِي الْحَدِيثِ يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا (٢) وَهُوَ مِنَ الْيُسْرِ، وَالْيُسْرُ فِي اللُّغَةِ اللِّينُ وَالاِنْقِيَادُ، وَيُقَال: يَاسَرَ فُلاَنٌ فُلاَنًا إِذَا لاَيَنَهُ، وَتَيَسَّرَتِ الْبِلاَدُ إِذَا أَخْصَبَتْ، وَالْيُسْرُ وَالْمَيْسَرَةُ الْغِنَى، وَكَذَلِكَ الْيَسَارُ (٣) ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) .
وَمِنْ مَعَانِي التَّيْسِيرِ فِي اللُّغَةِ التَّهْيِئَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٥) أَيْ نُهَيِّئُهُ стр. 8632
لِلْعَوْدِ إِلَى الْعَمَل الصَّالِحِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَال (١) أَيْ تَهَيَّئُوا لَهُ وَتَأَهَّبُوا.
وَمَعْنَى التَّيْسِيرِ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّخْفِيفُ:
٢ - التَّخْفِيفُ لُغَةً ضِدُّ التَّثْقِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ حِسِّيًّا أَمْ مَعْنَوِيًّا، وَالْخِفَّةُ ضِدُّ الثِّقَل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ (٢) أَيْ: قَلَّتْ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ حَتَّى رَجَحَتْ عَلَيْهَا سَيِّئَاتُهُ. وَالْخِفَّةُ خِفَّةُ الْوَزْنِ وَخِفَّةُ الْحَال. (٣)
وَالتَّكْلِيفُ الْخَفِيفُ هُوَ الَّذِي يَسْهُل أَدَاؤُهُ، وَالثَّقِيل هُوَ الَّذِي يَشُقُّ أَدَاؤُهُ، كَالْجِهَادِ.
وَالتَّخْفِيفُ فِي الاِصْطِلاَحِ رَفْعُ مَشَقَّةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِنَسْخٍ، أَوْ تَسْهِيلٍ، أَوْ إِزَالَةِ بَعْضِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (٤) أَيْ إِنْ كَانَ فِيهِ فِي الأَْصْل حَرَجٌ أَوْ مَشَقَّةٌ.
فَالتَّخْفِيفُ أَخَصُّ مِنَ التَّيْسِيرِ إِذْ هُوَ تَيْسِيرُ مَا كَانَ فِيهِ عُسْرٌ فِي الأَْصْل، وَلاَ يَدْخُل فِيهِ مَا كَانَ فِي الأَْصْل مُيَسَّرًا. стр. 8633
ب - التَّرْخِيصُ:
٣ - التَّرْخِيصُ لُغَةً التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيل. وَالاِسْمُ الرُّخْصَةُ. وَيُقَال: رَخَّصَ لَهُ فِي الأَْمْرِ، وَأَرْخَصَ لَهُ فِيهِ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: وَأَرْخَصَ فِي السَّلَمِ (١) أَيْ أَذِنَ فِيهِ. وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الرَّخَاصَةِ، وَهِيَ فِي النَّبَاتِ هَشَاشَتُهُ وَلِينُهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ نُعُومَةُ بَشَرَتِهَا وَلُيُونَتُهَا. وَمِنْهُ الرُّخْصُ لاِنْخِفَاضِ السِّعْرِ، ضِدُّ الْغَلاَءِ؛ لِمَا فِي الرُّخْصِ مِنَ السُّهُولَةِ، وَفِي الْغَلاَءِ مِنَ الشِّدَّةِ.
وَالتَّرْخِيصُ فِي الاِصْطِلاَحِ أَنْ يَجْعَل فِي الأَْمْرَ سُهُولَةً. وَالرُّخْصَةُ تُسْتَعْمَل بِاصْطِلاَحَيْنِ:
الأَْوَّل: الْحُكْمِ النَّازِل بِالْيُسْرِ بَعْدَ الْعُسْرِ لِعُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الأَْوَّل: مَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ. فَالإِْذْنُ فِي السَّلَمِ مَعَ انْعِدَامِ الْمَبِيعِ رُخْصَةٌ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ عَلَى التَّعْرِيفِ الأَْوَّل، стр. 8634
وَلَيْسَ رُخْصَةً عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. وَكَذَا مَا نُسِخَ عَنَّا مِنَ الآْصَارِ وَالأَْغْلاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا رُخْصَةٌ عَلَى الأَْوَّل، لاَ عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْنَا. (١)
ج - التَّوْسِعَةُ:
٤ - التَّوْسِعَةُ مَصْدَرُ وَسَّعَ، أَيْ صَيَّرَ الشَّيْءَ وَاسِعًا، وَالسِّعَةُ ضِدُّ الضِّيقِ، وَالسِّعَةُ الْغِنَى وَالرَّفَاهِيَةُ. وَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَى فُلاَنٍ: أَغْنَاهُ وَرَفَّهَهُ، وَوَسَّعَ فُلاَنٌ عَلَى أَهْلِهِ: أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَنْ سِعَةٍ، أَيْ بِمَا يَزِيدُ عَنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ. (٢)
فَالتَّوْسِعَةُ مِنَ التَّيْسِيرِ، بَل هِيَ أَعْلَى التَّيْسِيرِ.
د - رَفْعُ الْحَرَجِ:
٥ - الْحَرَجُ لُغَةً: الضِّيقُ وَمَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ أَضْيَقُ الضِّيقِ. سُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْحَرَجِ، فَدَعَا رَجُلاً مِنْ هُذَيْلٍ فَقَال لَهُ: مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ؟ فَقَال: الْحَرِجَةُ مِنَ الشَّجَرِ مَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ذَلِكَ. الْحَرَجُ مَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ. (٣) стр. 8635
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْحَرَجُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ فَوْقَ الْمُعْتَادِ. (١)
وَرَفْعُ الْحَرَجِ: إِزَالَةُ مَا فِي التَّكْلِيفِ الشَّاقِّ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ بِتَخْفِيفِهِ، أَوِ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ، أَوْ بِأَنْ يُجْعَل لَهُ مَخْرَجٌ، كَرَفْعِ الْحَرَجِ فِي الْيَمِينِ بِإِبَاحَةِ الْحِنْثِ فِيهَا مَعَ التَّكْفِيرِ عَنْهَا أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل، فَرَفْعُ الْحَرَجِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الشِّدَّةِ، خِلاَفًا لِلتَّيْسِيرِ.
هـ - التَّوَسُّطُ:
٦ - التَّوَسُّطُ فِي الأَْمْرِ أَنْ لاَ يَذْهَبَ فِيهِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ. وَالتَّوَسُّطُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَلاَ غُلُوَّ فِيهَا وَلاَ تَقْصِيرَ، وَلَكِنْ هِيَ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا. وَالتَّوَسُّطُ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تَمِيل إِلَى جَانِبِ الإِْفْرَاطِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلاَ إِلَى جَانِبِ التَّيْسِيرِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَصِل إِلَى حَدِّ التَّحَلُّل مِنَ الأَْحْكَامِ. وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ. فَالتَّوَسُّطُ نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ، وَلَيْسَ مُقَابِلاً لَهُ؛ إِذْ الَّذِي يُقَابِل التَّيْسِيرَ التَّعْسِيرُ وَالتَّشْدِيدُ، أَمَّا التَّوَسُّطُ فَفِيهِ الْيُسْرُ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَمِثَالُهُ يُسْرُ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ؛ إِذْ فِيهِمَا مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّهَا مُعْتَادَةٌ. (٢) стр. 8636
و - التَّشْدِيدُ وَالتَّثْقِيل:
٧ - التَّشْدِيدُ وَالتَّثْقِيل ضِدُّ التَّخْفِيفِ، وَأَصْل التَّشْدِيدِ فِي اللُّغَةِ مِنْ شَدِّ الْحَبْل، وَالشِّدَّةُ الصَّلاَبَةُ وَالْقُوَّةُ. (١)
حُكْمُ التَّيْسِيرِ:
٨ - الْيُسْرُ وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ صِفَتَانِ أَسَاسِيَّتَانِ فِي دِينِ الإِْسْلاَمِ وَشَرِيعَتِهِ، وَالتَّيْسِيرُ مَقْصِدٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ. وَيَدُل عَلَى هَذَا الأَْصْل آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحَادِيثُ نَبَوِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَيْهِ:
فَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ سِعَةُ الإِْسْلاَمِ وَمَا جَعَل اللَّهُ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤) .
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ (٥) أَيِ السَّهْلَةِ اللَّيِّنَةِ، وَقَوْلُهُ إِنَّ هَذَا стр. 8637
الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ (١) وَقَوْلُهُ إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ (٢) .
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ شَرَعَ هَذَا الدِّينَ فَجَعَلَهُ سَمْحًا سَهْلاً وَاسِعًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ ضَيِّقًا (٣) .
وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذَا الْبَابِ، قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ إِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، إِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ أَيْ: الأَْمْرِ الْقَدِيمِ، أَيْ: الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَوْل إِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ: " إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَيْسَرُهُمَا ".
أَنْوَاعُ الْيُسْرِ فِي الشَّرِيعَةِ:
٩ - يُسْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ: стр. 8638
١ - تَيْسِيرُ مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ وَالْعِلْمِ بِهَا وَسُهُولَةِ إِدْرَاكِ أَحْكَامِهَا وَمَرَامِيهَا.
٢ - تَيْسِيرُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ سُهُولَةُ تَنْفِيذِهَا وَالْعَمَل بِهَا.
٣ - أَمْرُ الشَّرِيعَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِالتَّيْسِيرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.
النَّوْعُ الأَْوَّل: تَيْسِيرُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ:
١٠ - اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ حَمَل هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ - أَوَّل مَا حَمَلَهَا - قَوْمٌ أُمِّيُّونَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِكُتُبِ الأَْقْدَمِينَ وَلاَ بِعُلُومِهِمْ، مِنَ الْعُلُومِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْمَنْطِقِ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَغَيْرِهَا، وَلاَ مِنَ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَل كَانُوا بَاقِينَ قَرِيبًا مِنَ الْفِطْرَةِ. وَأَرْسَل اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولاً أُمِّيًّا لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، وَلَمْ يَخُطَّهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ عَرَفَ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَهُ الْكَاتِبُونَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (١) وَقَال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِك إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢) ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، стр. 8639
فَهِيَ لِمَنْ عَاصَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَلِمَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِلْبَشَرِ جَمِيعًا، لَيْسَتْ لِلْعَرَبِ وَحْدَهُمْ، بَل لَهُمْ وَلِمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الأُْمَمِ فِي مَشَارِقِ الأَْرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفِيهِمِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَالْعَالِمُ وَالْجَاهِل، وَالْقَارِئُ وَالأُْمِّيُّ، وَالذَّكِيُّ وَالْبَلِيدُ. فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ الْعَامَّةُ الْخَاتِمَةُ مَيْسُورًا فَهْمُهَا وَتَعَقُّلُهَا وَالْعِلْمُ بِهَا لِتَسَعَ الْجَمِيعَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِهَا عَسِيرًا، أَوْ مُتَوَقِّفًا عَلَى وَسَائِل عِلْمِيَّةٍ تَدُقُّ عَلَى الأَْفْهَامِ لَكَانَ مِنَ الْعَسِيرِ عَلَى جُمْهُورِ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا أَخْذُهَا وَمَعْرِفَتُهَا أَوَّلاً، وَالاِمْتِثَال لأَِوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا ثَانِيًا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَلِي:
أ - تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ:
١١ - جَعَل اللَّهُ الْقُرْآنَ مُيَسَّرَ التِّلاَوَةِ وَالْفَهْمِ عَلَى الْجُمْهُورِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) وَقَال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢) . وَمِنْ تَيْسِيرِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مُرَاعَاةً لِحَال النَّاسِ مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةُ عَلَى النُّطْقِ. وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ قَال: لَقِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جِبْرِيل، فَقَال: يَا جِبْرِيل إِنِّي أُرْسِلْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، إِلَى الشَّيْخِ стр. 8640
وَالْعَجُوزِ، وَالْغُلاَمِ وَالْجَارِيَةِ، وَالشَّيْخِ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ. فَقَال: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِل عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ (١) .
وَيَرْجِعُ تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلتِّلاَوَةِ لِسَلاَسَتِهِ وَخُلُوِّهِ مِنَ التَّعْقِيدِ اللَّفْظِيِّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلْحِفْظِ، فَيُمْكِنُ حِفْظُهُ وَيَسْهُل. قَال الرَّازِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى يُحْفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَيْرَ الْقُرْآنِ.
الثَّالِثِ: سُهُولَةُ الاِتِّعَاظِ بِهِ لِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِي الْقُلُوبِ؛ وَلاِشْتِمَالِهِ عَلَى الْقَصَصِ وَالْحِكَمِ وَالأَْمْثَال، وَتَصْرِيفُ آيَاتِهِ عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثَ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (٢) .
الرَّابِعِ: أَنَّهُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَعْلَقُ بِالْقُلُوبِ، وَيُسْتَلَذُّ سَمَاعُهُ، وَلاَ يُسْأَمُ مِنْ سَمَاعِهِ وَفَهْمِهِ، وَلاَ يَقُول سَامِعُهُ: قَدْ عَلِمْتُ وَفَهِمْتُ فَلاَ أَسْمَعُهُ، بَل كُل سَاعَةٍ يَجِدُ مِنْهُ لَذَّةً وَعِلْمًا. (٣) стр. 8641
وَهَذَا التَّيْسِيرُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْهُورِ النَّاسِ. وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الأَْسْرَارِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَالْعِبَرِ، مَا يَدُقُّ عَنْ فَهْمِ الْجُمْهُورِ، وَيَتَنَاوَل بَعْضَ الْخَوَاصِّ مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ لَهُمْ وَيُلْهِمُهُمْ إِيَّاهُ، يَفْتَحُ عَلَى هَذَا بِشَيْءٍ لَمْ يَفْتَحْ بِهِ عَلَى الآْخَرِ، وَإِذَا عُرِضَ عَلَى الآْخَرِ أَقَرَّهُ. (١)
ب - التَّيْسِيرُ فِي عِلْمِ الأَْحْكَامِ الاِعْتِقَادِيَّةِ:
١٢ - التَّكَالِيفُ الاِعْتِقَادِيَّةُ فِي الإِْسْلاَمِ مُيَسَّرٌ تَعَقُّلُهَا وَفَهْمُهَا، يَشْتَرِكُ فِي فَهْمِهَا الْجُمْهُورُ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ وَمَنْ كَانَ بَلِيدًا، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُدْرِكُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ لَمَا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً؛ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذِ. فَعَرَّفَتِ الشَّرِيعَةُ الأُْمُورَ الإِْلَهِيَّةَ بِمَا يَسَعُ الْجُمْهُورَ فَهْمُهُ، وَحَضَّتْ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَالسَّيْرِ فِي الأَْرْضِ، وَالاِعْتِبَارِ بِآثَارِ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَحَالَتْ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الاِشْتِبَاهُ مِنَ الأُْمُورِ الإِْلَهِيَّةِ إِلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) ، وَسَكَتَتْ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ تَهْتَدِي الْعُقُول إِلَيْهَا.
وَمِمَّا يَدُل عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ مَا يَكُونُ أَصْلاً لِلْبَاحِثِينَ، وَالْمُتَكَلَّفِينَ، كَمَا стр. 8642
لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ لَمْ يَكُونُوا إِلاَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ. وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَال، وَعَنْ تَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِي، عَامًّا فِي الاِعْتِقَادِيَّات وَالْعَمَلِيَّاتِ. (١)
ج - التَّيْسِيرُ فِي عِلْمِ الأَْحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ:
١٣ - رَاعَى الشَّارِعُ الْحَكِيمُ أُمَيَّةَ الْمَدْعُوِّينَ وَتَنَوُّعَ أَحْوَالِهِمْ فِي الْفَهْمِ، فَجَعَل الأَْحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ مِمَّا يَسْهُل تَعَقُّلُهَا وَتَعَلُّمُهَا وَفَهْمُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ بِجَلاَئِل الأَْعْمَال الْعِبَادِيَّةِ، وَقَرَّبَ الْمَنَاطَ فِيهَا بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا، كَتَعْرِيفِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ بِالظِّلاَل وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَزَوَال الشَّمْسِ، وَغُرُوبِهَا، وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢) . وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسِبُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (٣) وَقَال: لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَل وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ стр. 8643
عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ (١) وَلَمْ يُطَالِبْنَا بِجَعْل ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِحِسَابِ مَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي الْمَنَازِل؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ. (٢)
وَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ خُلُوُّ الشَّرِيعَةِ مِمَّا يَسْتَقِل الْخَاصَّةُ بِإِدْرَاكِهِ، وَهِيَ الأُْمُورُ الاِجْتِهَادِيَّةُ، الَّتِي تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الأَْحْكَامِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمُكَلَّفُ، وَتَقُومُ مَقَامَ الأُْسُسِ مِنَ الدِّينِ، ظَاهِرَةٌ لاَ تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ فِي تَطَلُّبِهِ إِلَى بَذْل جَهْدٍ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لأَِهْل الْعِلْمِ الْوُصُول إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ طُرُقِ الاِجْتِهَادِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ:
١٤ - يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ يَتَشَعَّبُ فِيهِ النَّظَرُ شُعْبَتَيْنِ:
١ - الْيُسْرُ الأَْصْلِيُّ، وَهُوَ الْيُسْرُ فِي مَا شُرِعَ مِنَ الأَْحْكَامِ مِنْ أَصْلِهِ مُيَسَّرًا لاَ عَنَتَ فِيهِ.
٢ - الْيُسْرُ التَّخْفِيفِيُّ، وَهُوَ مَا وُضِعَ فِي الأَْصْل مُيَسَّرًا، غَيْرَ أَنَّهُ طَرَأَ فِيهِ الثِّقَل بِسَبَبِ ظُرُوفٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ، وَأَحْوَالٍ تَخُصُّ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيُخَفِّفُ الشَّرْعُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الأَْصْلِيِّ. стр. 8644
الشُّعْبَةُ الأُْولَى: الْيُسْرُ الأَْصْلِيُّ:
١٥ - التَّيْسِيرُ الأَْصْلِيُّ صِفَةٌ عَامَّةٌ لِلشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فِي أَحْكَامِهَا الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي تَلْزَمُ الْمُكَلَّفِينَ. قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّكْلِيفِ بِالشَّاقِّ وَالإِْعْنَاتِ فِيهِ،
وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِأُمُورٍ، مِنْهَا:
١٦ - أ - النُّصُوصُ الَّتِي تُبَيِّنُ ذَلِكَ صَرَاحَةً، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (١) وَمِنْهَا مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي سِيَاقِ بَيَانِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ جَل وَعَلاَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْل وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) . стр. 8645
وَمِنَ الْيُسْرِ الأَْصْلِيِّ إِعْفَاءُ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، مِنْ سَرَيَانِ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ عَلَيْهِمَا، وَإِعْفَاءِ النِّسَاءِ مِنْ وُجُوبِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ تَأَكُّدِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ وُجُوبِهَا عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى كَثِيرٍ مِنَ الاِشْتِرَاطَاتِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَالْحُدُودِ، وَبَعْضِ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَحَقِّ الْقِصَاصِ، وَحَقِّ حَدِّ الْقَذْفِ، فَقَدِ اشْتُرِطَ فِيهَا جَمِيعًا الْبُلُوغُ وَالْعَقْل، وَاشْتُرِطَ فِي حَدِّ الزِّنَى أَرْبَعَةُ شُهُودٍ تَقْلِيلاً لِحَالاَتِ وُجُوبِ الْحَدِّ، تَخْفِيفًا وَتَيْسِيرًا، وَاشْتُرِطَ لِلرَّجْمِ لِشِدَّتِهِ الإِْحْصَانُ تَخْفِيفًا عَنْ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَاسْتُثْنِيَ الْوَلِيُّ الْفَقِيرُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الأَْكْل مِنْ مَال الْيَتِيمِ؛ تَخْفِيفًا عَنْهُ، فَقَدْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ.
١٧ - ب - وَمِنْهَا مَا عُهِدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مِنْ نُصُوصِ التَّكْلِيفِ الصُّوَرَ الَّتِي فِيهَا عُسْرٌ فَيُيَسِّرُهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لِلْوَلِيِّ فِي مُخَالَطَةِ الْيَتِيمِ فِي النَّفَقَةِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنْ أَكْل أَمْوَالِهِمْ وَأَمَرَ بِإِصْلاَحِهَا فَقَال: ﴿وَيَسْأَلُونَك عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (١) ثُمَّ قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٢) فَأَذِنَ فِي الْمُخَالَطَةِ، لأَِنَّ فِي عَزْل نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَحْدَهُ عُسْرًا عَلَى الْوَلِيِّ. وَالْمُخَالَطَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَال стр. 8646
الْيَتِيمِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ كَافِيهِ، بِالتَّحَرِّي، فَيَجْعَلُهَا مَعَ نَفَقَةِ أَهْلِهِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَأْكُل أَكْثَر مِنْ بَعْضٍ فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِصْلاَحًا. ثُمَّ قَال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ﴾ (١) أَيْ بِإِيجَابِ عَزْل نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَحْدَهَا لِيَأْمَنَ الْوَلِيُّ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْهَا (٢) .
وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى هَذِهِ الأُْمَّةِ لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
١٨ - ج - وَمِنْهَا مَا عُلِمَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَفَادَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَكَالِيفَ قَدْ تَشُقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَتَجَنَّبُ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا يَكُونُ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى أَصْحَابِهِ إِذَا اقْتَدَوْا بِهِ فِيهِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَال لِئَلاَّ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضُ بِسَبَبِ سُؤَالِهِمْ. فَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْحَجِّ. أَفِي كُل عَامٍ هُوَ؟ فَقَال: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ (٤) стр. 8647
وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ (١) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْيُسْرَ عَلَى النَّاسِ (٢) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ مَسْرُورٌ طَيِّبُ النَّفْسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَال: إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ دَخَلْتُهَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي (٣) وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ قَطُّ (٤) .
١٩ - د - وَمِنْهَا الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَتِ فِي التَّكْلِيفِ، وَأَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ، وَعَلَى هَذَا لَمْ يَزَل أَهْل الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِي الأُْمَّةِ عَلَى طَلَبِ الْيُسْرِ عَلَى النَّاسِ. стр. 8648
دَرَجَاتُ الْمَشَاقِّ، وَالتَّكْلِيفُ بِهَا:
٢٠ - لَيْسَ مَعْنَى يُسْرِ الشَّرِيعَةِ خُلُوُّ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ مِنْ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ أَصْلاً، بَل إِنَّ التَّكْلِيفَ، مَا سُمِّيَ بِهَذَا إِلاَّ لأَِنَّهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، فَلاَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ التَّكَالِيفِ عَنِ الْمَشَقَّةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى دَرَجَاتٍ:
الدَّرَجَةِ الأُْولَى:
٢١ - الْمَشَقَّةُ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى حَمْلِهَا أَصْلاً، فَهَذَا النَّوْعُ لَمْ يَرِدْ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَصْلاً؛ إِذْ لاَ قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، فَلاَ يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ جَازَ عَقْلاً، وَقِيل يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا وَعَقْلاً. فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مِثْل تَكْلِيفِ الإِْنْسَانِ بِحَمْل جَبَلٍ، وَلاَ كَتَكْلِيفِ مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ الْقِيَامَ أَوِ الْمَشْيَ (١) .
وَهَذَا التَّكْلِيفُ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ السَّابِقَةِ أَيْضًا، بِخِلاَفِ الأَْنْوَاعِ الآْتِيَةِ. وَيُعَبِّرُ الأُْصُولِيُّونَ عَنْ هَذَا بِمَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ (٢) . стр. 8649
الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ:
٢٢ - أَنْ يَكُونَ الْفِعْل مَقْدُورًا عَلَيْهِ، لَكِنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ وَالأَْعْضَاءِ وَمَنَافِعِ الأَْطْرَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
فَالتَّكْلِيفُ بِهَذَا النَّوْعِ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ. وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي بَيَانِ الْمِنَّةِ عَلَى أَهْل الْكِتَابِ بِإِرْسَال مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيَّ الأُْمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمِ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَْغْلاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) وَالإِْصْرُ الْعَهْدُ الثَّقِيل، وَالتَّكَالِيفُ الثَّقِيلَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مَشَقَّتُهَا عَنِ الْمُعْتَادِ. أَيْ مَا عُهِدَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَهْدٍ ثَقِيلٍ.
وَفِي خَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٣) فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: قَال اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْتُ (٤) أَيْ: أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ стр. 8650
دُعَاءَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَوْضِعُ الدَّلاَلَةِ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وَمِنْ تِلْكَ التَّكَالِيفِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي شَدَّدَ بِهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَتَوْا بِخَطِيئَةٍ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّعَامِ بَعْضُ مَا كَانَ حَلاَلاً لَهُمْ قَال تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (١) .
الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ:
٢٣ - الْمَشَقَّةُ الَّتِي تُطَاقُ وَيُمْكِنُ احْتِمَالُهَا لَكِنْ فِيهَا شِدَّةٌ بِحَيْثُ تُشَوِّشُ عَلَى النُّفُوسِ فِي تَصَرُّفِهَا، وَتُقْلِقُهَا فِي الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ.
وَيَكُونُ الإِْنْسَانُ مَعَهَا فِي ضِيقٍ وَحَرَجٍ، فَلاَ يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ لِخُرُوجِ الْمَشَقَّةِ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ.
وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ يَكُونُ فِي الأَْصْل مِنَ الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا فُعِل مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحْصُل مِنْهُ لِلإِْنْسَانِ الضِّيقُ وَالْحَرَجُ، وَلَكِنْ إِذَا تَكَرَّرَ وَدَامَ جَاءَ الْحَرَجُ بِسَبَبِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ. قَال الشَّاطِبِيُّ: وَيُوجَدُ هَذَا فِي النَّوَافِل وَحْدَهَا إِذَا تَحَمَّل الإِْنْسَانُ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ مَا، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الدَّوَامِ يُتْعِبُهُ حَتَّى يَحْصُل لِلنَّفْسِ بِسَبَبِهِ مَا يَحْصُل لَهَا بِالْعَمَل مَرَّةً وَاحِدَةً فِي غَيْرِهِ قَال: وَهَذَا هُوَ следующие страницы →