Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.
стр. 8856
غَيْرَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ أَهْلٌ لِلثَّوَابِ لِمَا لَهُ مِنْ قُدْرَةٍ قَاصِرَةٍ، وَتَصِحُّ عِبَادَتُهُ مِنْ صَلاَةٍ، وَصَوْمٍ، وَاعْتِكَافٍ، وَحَجٍّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ مَا يَعْمَلُهُ، وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّةِ عِبَادَتِهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ (١) وَحَدِيثُ صَلاَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَال: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ (٢) وَحَدِيثُ تَصْوِيمِ الصَّحَابَةِ الصِّبْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. فَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَل النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَْنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ. قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَل لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ. فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِْفْطَارِ (٣) ، وَقَدْ رَجَّحَ الْمَالِكِيَّةُ تَعَلُّقَ النَّدْبِ стр. 8857
وَالْكَرَاهَةِ بِالصَّبِيِّ دُونَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ فَيُشْتَرَطُ لَهَا الْبُلُوغُ، وَذَلِكَ لأَِمْرِهِ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ مِنَ الشَّارِعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ بِالأَْمْرِ أَمْرٌ بِالشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ أَهْلٌ لِلثَّوَابِ؛ لأَِنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا بَعْدَ الْجُنُونِ وَالْمُسْلِمُ يُثَابُ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ: (صَبِيٌّ، جُنُونٌ، أَهْلِيَّةٌ) .
٧ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْكَافِرُ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ ثُمَّ يُسْلِمُ، هَل يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ السَّابِقُ أَوْ لاَ يَنْفَعُهُ؟ وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَمِنْ صِلَةِ رَحِمٍ فَهَل فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ (٢) .
قَال الْحَرْبِيُّ: مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي عَمِلْتَهُ هُوَ لَكَ. وَقَال الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي أَسْلَفَهُ، كُتِبَ لَهُ، لَكِنَّ ابْنَ حَجَرٍ نَقَل عَنِ الْمَازِرِيِّ رِوَايَةً أُخْرَى فِي مَكَانٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ، فَلاَ стр. 8858
يُثَابُ عَلَى الْعَمَل الصَّالِحِ الصَّادِرِ مِنْهُ فِي شِرْكِهِ. . . وَتَابَعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَاسْتَضْعَفَ النَّوَوِيُّ رَأْيَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الثَّوَابِ وَقَال: الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ بَل نَقَل بَعْضُهُمْ فِيهِ الإِْجْمَاعَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا فَعَل أَفْعَالاً جَمِيلَةً كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الإِْسْلاَمِ أَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُدَمَاءِ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْمُنِيرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ (١) .
أَمَّا مَا فَعَلَهُ الْكَافِرُ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ ثُمَّ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا قَال النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ ثَوَابَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ، وَإِنَّمَا يُطْعَمُ فِي الدُّنْيَا بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ (٢) ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآْخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِل بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآْخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا (٣) .
مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَشُرُوطُهُ:
٨ - مِنَ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا أَنَّ الإِْنْسَانَ يُثَابُ - بِفَضْل стр. 8859
اللَّهِ - عَلَى مَا يُؤَدِّي مِنْ طَاعَاتٍ، وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ مَنْدُوبَةً، وَعَلَى مَا يَتْرُكُ مِنْ مُحَرَّمَاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ. يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (١) ﴾ ، وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآْخِرَةِ لَكِنَّ فِعْل الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَتَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ لَيْسَ سَبَبًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ - لِلثَّوَابِ - مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْفِعْل مُجْزِئًا وَمُبْرِئًا لِلذِّمَّةِ وَالتَّرْكُ كَافِيًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْعُهْدَةِ؛ لأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِحُصُول الثَّوَابِ فِي الْفِعْل وَالتَّرْكِ نِيَّةُ امْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. بَل إِنَّ الْمُبَاحَاتِ رَغْمَ أَنَّهَا لاَ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، لَكِنْ إِنْ أُرِيدَ بِهَا الثَّوَابُ بِجَعْلِهَا وَسِيلَةً لِلْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ افْتَقَرَتْ إِلَى نِيَّةٍ (٢) .
قَال الشَّاطِبِيُّ: الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَالأَْدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لاَ تَنْحَصِرُ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٣) ﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، стр. 8860
وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (١) . وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَرَّرَ الْمَشَايِخُ فِي حَدِيثِ. إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى، إِذْ لاَ يَصِحُّ بِدُونِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَةِ وُجُودِ الأَْعْمَال بِدُونِهَا فَقَدَّرُوا مُضَافًا أَيْ حُكْمَ الأَْعْمَال، وَهُوَ نَوْعَانِ: أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَاسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ، وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، وَقَدْ أُرِيدَ الأُْخْرَوِيُّ بِالإِْجْمَاعِ لِلإِْجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لاَ ثَوَابَ وَلاَ عِقَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَسَاقَ ابْنُ نُجَيْمٍ الأَْمْثِلَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي الأَْفْعَال وَالتُّرُوكِ، ثُمَّ قَال: وَلاَ تُشْتَرَطُ لِلثَّوَابِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ، بَل يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِغَيْرِ تَعَمُّدِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى مُحْدِثًا عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ (٢) .
٩ - بَل إِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَل، وَيَكُونُ الثَّوَابُ عَلَى النِّيَّةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً (٣) وَقَوْلِهِ: مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّيَ فِي اللَّيْل فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى стр. 8861
وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ (١)
وَيُثَابُ كَذَلِكَ عَلَى الْعَمَل وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ الْمُنَاسِبَ، فَفِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ الْمُتَصَدِّقِ الَّذِي وَقَعَتْ صَدَقَتُهُ فِي يَدِ زَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ وَسَارِقٍ (٢) . وَحَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَْخْنَسِ الَّذِي أَخَذَ صَدَقَةَ أَبِيهِ مِنَ الرَّجُل الَّذِي وُضِعَتْ عِنْدَهُ وَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (٣) قَال ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ (٤) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ قِيل: إِنَّ الْقُرُبَاتِ الَّتِي لاَ لُبْسَ فِيهَا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى (٥) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِيَّةٌ) .
مَا يُثَابُ عَلَيْهِ الإِْنْسَانُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ:
لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الثَّوَابَ يَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ مِنْ كَسْبِ стр. 8862
الإِْنْسَانِ وَاكْتِسَابِهِ، أَمَّا ثَوَابُ مَا لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:
أَوَّلاً - فِيمَا يَهَبُهُ الإِْنْسَانُ لِغَيْرِهِ مِنَ الثَّوَابِ:
١٠ - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَجْعَل الإِْنْسَانُ ثَوَابَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعِبَادَةُ صَلاَةً، أَمْ صَوْمًا، أَمْ حَجًّا، أَمْ صَدَقَةً، أَمْ قِرَاءَةً وَذِكْرًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ لِظَاهِرِ الأَْدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ (١) ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢) ﴾ وَقَدْ ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْهُ وَالآْخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ (٣) ، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ (٤) . стр. 8863
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْدِلَّةِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (١) ﴾ فَمَعْنَاهُ لاَ يَجِبُ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ، وَفِي الصِّيَامِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خِلاَفٌ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَال الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
١١ - وَاخْتُلِفَ فِي إِهْدَاءِ الثَّوَابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَمَنَعَهُ الآْخَرُونَ.
وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الشَّارِعِ، لَكِنَّ الْحَطَّابَ قَال: التَّصَرُّفُ الْمَمْنُوعُ مَا يَكُونُ بِصِيغَةِ جَعَلْتُهُ لَهُ، أَوْ أَهْدَيْتُهُ لَهُ، أَمَّا الدُّعَاءُ بِجَعْل ثَوَابِهِ لَهُ فَلَيْسَ تَصَرُّفًا بَل سُؤَالٌ لِنَقْل الثَّوَابِ إِلَيْهِ وَلاَ مَانِعَ مِنْهُ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ أَدَاءٌ (ف ١٤) .
(الْمَوْسُوعَةُ ٢ ٣٣٤) .
ثَانِيًا - ثَوَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ:
١٢ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ стр. 8864
الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، لَكِنْ هَل يَحْصُل ثَوَابُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَفْعَل؟
قَال الْفُقَهَاءُ: الثَّوَابُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَحْصُل لِفَاعِلِهِ فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ ثَوَابُ الْفِعْل نَفْسِهِ، وَهُوَ لِفَاعِلِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْفَاعِل فَيَسْتَوِي مَعَ الْفَاعِل فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ، لاَ فِي الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، نَعَمْ إِنْ كَانَ نَوَى الْفِعْل فَلَهُ الثَّوَابُ عَلَى نِيَّتِهِ، قَال بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَحْصُل الثَّوَابُ بِغَيْرِ مَنْ رَدَّ السَّلاَمَ - أَيْ بَعْدَ رَدِّ غَيْرِهِ - إِذَا نَوَى الرَّدَّ وَتَرَكَهُ لأَِجْل رَدِّ الْغَيْرِ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَنُقِل عَنِ الأَْبِيِّ أَنَّ الثَّوَابَ يَحْصُل مُطْلَقًا قَال الزُّرْقَانِيُّ: وَفِيهِ تَعَسُّفٌ (١) .
ثَالِثًا - الْمَصَائِبُ الَّتِي تَنْزِل بِالإِْنْسَانِ هَل يُثَابُ عَلَيْهَا أَمْ لاَ
١٣ - الأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا (٢) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، стр. 8865
وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ (١) .
قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْمَصَائِبُ مِنْ فِعْل الْغَيْرِ، كَفَّرَ بِهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وَأَخَذَ بِهَا مِنْ أَجْرِ غَيْرِهِ، وَحَمَل غَيْرُهُ وِزْرَهُ (٢) كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْمُفْلِسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَصَائِبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: فَهِيَ كَفَّارَاتٌ فَقَطْ، أَوْ كَفَّارَاتٌ وَأُجُورٌ (٣) .
وَقَال الْقَرَافِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْمَصَائِبُ كَفَّارَاتٌ لِلذُّنُوبِ قَطْعًا، سَوَاءٌ أَسَخِطَ، أَمْ رَضِيَ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ صَبَرَ وَرَضِيَ اجْتَمَعَ مَعَ التَّكْفِيرِ الثَّوَابُ، فَالْمَصَائِبُ لاَ ثَوَابَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ، وَالتَّكْفِيرُ بِالْمُصِيبَةِ يَقَعُ بِالْمُكْتَسَبِ وَغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ (٤) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ يُوَازِيهَا، وَبِالرِّضَا يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَابِ ذَنْبٌ عُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يُوَازِيهِ (٥) . стр. 8866
وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مَا وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ مِنْ وَعْدِ الرِّزْقِ، وَوَعْدِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَلَى أَلَمِ الْمُؤْمِنِ، وَأَلَمِ طِفْلِهِ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا مَحْضُ فَضْلٍ وَتَطَوُّلٍ مِنْهُ تَعَالَى لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ (١) .
تَفَاوُتُ الثَّوَابِ:
يَتَفَاوَتُ الثَّوَابُ قِلَّةً وَكَثْرَةً بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي:
أ - مِنْ حَيْثُ الْمَشَقَّةُ:
١٤ - الأَْصْل أَنَّ الْمَشَقَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ، فَإِنَّ الْحَرَجَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَلَكِنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الْجُمْلَةِ مُثَابٌ عَلَيْهَا إِذَا لَحِقَتْ فِي أَثْنَاءِ التَّكْلِيفِ، وَيَخْتَلِفُ أَجْرُ تَحَمُّل الْمَشَاقِّ بِشِدَّةِ الْمَشَاقِّ وَخِفَّتِهَا، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ إِذَا اتَّحَدَا فِي الشَّرَفِ، وَالشَّرَائِطِ، وَالسُّنَنِ، وَالأَْرْكَانِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا شَاقًّا فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي أَجْرِهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّل الْمَشَقَّةِ لأَِجْل اللَّهِ ، فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّل الْمَشَقَّةِ لاَ عَلَى عَيْنِ الْمَشَاقِّ، وَذَلِكَ كَالاِغْتِسَال فِي الصَّيْفِ وَالرَّبِيعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الاِغْتِسَال فِي شِدَّةِ بَرْدِ الشِّتَاءِ، فَيَزِيدُ أَجْرُ الاِغْتِسَال فِي الشِّتَاءِ لأَِجْل تَحَمُّل مَشَقَّةِ الْبَرْدِ، وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِل فِي مَنْ يَقْصِدُ стр. 8867
الْمَسَاجِدَ، وَالْحَجَّ، وَالْغَزْوَ، مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَمَنْ يَقْصِدُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فَإِنَّ ثَوَابَهَا يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْوَسِيلَةِ، وَيَتَسَاوَى مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ بِسُنَنِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَشَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا، فَإِنَّ الشَّرْعَ يُثِيبُ عَلَى الْوَسَائِل إِلَى الطَّاعَاتِ، كَمَا يُثِيبُ عَلَى الْمَقَاصِدِ مَعَ تَفَاوُتِ أُجُورِ الْوَسَائِل وَالْمَقَاصِدِ، وَكَذَلِكَ جَعَل لِكُل خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا الْمُصَلِّي إِلَى إِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ رَفْعَ دَرَجَةٍ وَحَطَّ خَطِيئَةٍ، وَجَعَل أَبْعَدَهُمْ مَمْشًى إِلَى الصَّلاَةِ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَقْرَبِهِمْ مَمْشًى إِلَيْهَا، وَجَعَل لِلْمُسَافِرِينَ إِلَى الْجِهَادِ بِمَا يَلْقَوْنَهُ مِنَ الظَّمَأِ، وَالنَّصَبِ، وَالْمَخْمَصَةِ، وَالنَّفَقَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَقَطْعِ الأَْوْدِيَةِ، وَبِمَا يَنَالُونَهُ مِنَ الأَْعْدَاءِ أَجْرَ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشَقَّاتٌ مُثَابًا عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى مُعْتَادِ التَّكْلِيفِ دَل عَلَى أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لَهُ، وَإِلاَّ فَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا ثَوَابٌ (١) .
ب - تَفَاوُتُ الثَّوَابِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ:
١٥ - مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيل شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، وَتَفْضِيل صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْيَّامِ، وَتَفْضِيل الْعَمَل فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ اللَّيَالِيِ مَعَ مُسَاوَاتِهَا لِقِيَامِ كُل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَتَفْضِيل الثُّلُثِ الأَْخِيرِ стр. 8868
مِنَ اللَّيْل عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَْزْمِنَةِ. وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْكَثِيرُ مِنَ الأَْدِلَّةِ (١) .
مِنْهَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٢) ﴾ .
ج - تَفَاوُتُ الثَّوَابِ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ:
١٦ - تَفَضَّل اللَّهُ بِتَضْعِيفِ الأُْجُورِ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي بَعْضِ الأَْمَاكِنِ، فَجَعَل الصَّلاَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنَ الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الصَّلاَةِ، وَالصَّلاَةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنَ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى، وَالصَّلاَةَ فِي الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى أَفْضَل مِنَ الصَّلاَةِ فِي غَيْرِهِ، وَكَتَفْضِيل عَرَفَةَ، وَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَمُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى، وَمَرْمَى الْجِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْبِقَاعِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى غَيْرِهَا (٣) . يَقُول النَّبِيُّ ﷺ : صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (٤) . стр. 8869
د - تَفَاوُتُ الثَّوَابِ مِنْ حَيْثُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْفِعْل:
١٧ - مِنْ ذَلِكَ الإِْيمَانُ فَإِنَّهُ أَفْضَل مِنْ جَمِيعِ الأَْعْمَال بِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَهُ الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَالْخُلُوصُ مِنَ النَّارِ.
وَصَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلاَةً (١) .
بُطْلاَنُ الثَّوَابِ:
١٨ - لاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَإِجْزَائِهَا وَبَيْنَ بُطْلاَنِ ثَوَابِهَا، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ قَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً مُجْزِئَةً لاِسْتِكْمَال أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا، وَلَكِنْ لاَ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الثَّوَابَ، لِمَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ الَّتِي تُبْطِل ثَمَرَتَهَا فِي الآْخِرَةِ، وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ (٢) .
وَمِنْ ذَلِكَ الرِّيَاءُ فَإِنَّهُ يُبْطِل ثَوَابَ الْعِبَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
١٩ - وَقَدْ يَصِحُّ الْعَمَل وَيَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الثَّوَابَ وَلَكِنْ يُتْبِعُهُ بِمَا يُبْطِل هَذَا الثَّوَابَ، فَالْمَنُّ وَالأَْذَى يُبْطِل أَجْرَ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى (٣) ﴾ يَقُول стр. 8870
ابْنُ الْقَيِّمِ: فَمَثَل صَاحِبِهَا وَبُطْلاَنِ عَمَلِهِ ﴿كَمَثَل صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا (١) ﴾ ، وَمِنَ الْمَعَاصِي مَا يُبْطِل ثَوَابَ الْعِبَادَةِ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لاَ ثَوَابَ لَهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ.
٢٠ - وَالإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ يُبْطِل صِحَّةَ الْعَمَل وَثَوَابَهُ (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكَتْ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (٤) ﴾ .
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (رِدَّةٌ) .
ثَانِيًا:
الثَّوَابُ فِي الْهِبَةِ:
٢١ - الْمَقْصُودُ بِالثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ الْعِوَضُ الْمَالِيُّ، وَالأَْصْل فِي الْهِبَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهَا عِوَضٌ مَادِّيٌّ، لأَِنَّهَا تَبَرُّعٌ وَلَيْسَتْ مُعَاوَضَةً، إِلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْوِيضُ فِيهَا وَتُسَمَّى هِبَةَ الثَّوَابِ، وَهِيَ الْهِبَةُ الَّتِي يَتِمُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا، وَالْعِوَضُ فِي الْهِبَةِ إِمَّا стр. 8871
أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَوْ لاَ:
فَإِنِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ وَكَانَ مَعْلُومًا صَحَّ الْعَقْدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى عِنْدَهُمْ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ لِتَنَاقُضِهِ، فَإِنَّ لَفْظَ الْهِبَةِ يَقْتَضِي التَّبَرُّعَ.
وَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ اعْتُبِرَ بَيْعًا أَوْ كَالْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ. وَيَكُونُ لَهُ أَحْكَامُ الْبَيْعِ فَيَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الْخِيَارِ، وَحَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَحَقُّ الشُّفْعَةِ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اشْتَرَطُوا لإِِسْقَاطِ حَقِّ الرُّجُوعِ التَّقَابُضَ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُغَلَّبَ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ فَلاَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ.
٢٢ - وَإِذَا اشْتُرِطَ الْعِوَضُ وَكَانَ مَجْهُولاً صَحَّ الْعَقْدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ وَمُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. إِلاَّ أَنَّ الْعَقْدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُعْتَبَرُ هِبَةً ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا عَلَى أَصْل مَذْهَبِهِمُ الَّذِي يُجِيزُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلْمَوْهُوبِ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ أَوْ رَدُّ الْهِبَةِ، فَإِذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ أُلْزِمَ الْوَاهِبُ قَبُولَهَا، وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْ كَانَ لِلْوَاهِبِ الرَّدُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بُطْلاَنُ الْعَقْدِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
٢٣ - وَإِنْ وَهَبَ مُطْلَقًا دُونَ تَقْيِيدٍ بِثَوَابٍ أَوْ عَدَمِهِ
стр. 8872
فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ ثَوَابَ إِنْ وَهَبَ الشَّخْصُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، وَكَذَا الأَْعْلَى مِنْهُ فِي الأَْظْهَرِ وَلِنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِي قَصْدِهِ مَا لَمْ يَشْهَدِ الْعُرْفُ بِضِدِّهِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ تَقْتَضِي ثَوَابًا، أَيْ عِوَضًا، وَالْعِوَضُ فِي الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ هُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ أَوْ مَا يُعْتَبَرُ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ عَادَةً (١) .
٢٤ - وَمِنْ أَحْكَامِ هِبَةِ الثَّوَابِ - غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ، وَالْخِيَارِ، وَإِسْقَاطِ الرُّجُوعِ - أَنَّ وَلِيَّ الصَّغِيرِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَال الصَّغِيرِ هِبَةَ ثَوَابٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَاءً يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُعَاوَضَةً انْتِهَاءً، وَالْوَلِيُّ لاَ يَمْلِكُ الْهِبَةَ فَلَمْ يَنْعَقِدْ هِبَةً، فَلاَ يُتَصَوَّرُ صَيْرُورَتُهَا مُعَاوَضَةً يَمْلِكُهَا الْوَلِيُّ كَالْبَيْعِ، وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الأَْبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْبِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَال الصَّغِيرِ هِبَةَ ثَوَابٍ؛ لِثُبُوتِ الْعِوَضِ فِيهَا стр. 8873
فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ، كَالْبَيْعِ (١) .
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (هِبَةٌ - شُفْعَةٌ - خِيَارٌ) . стр. 8874
ثَوَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الثَّوَل دَاءٌ يُشْبِهُ الْجُنُونَ، قَال صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الثَّوَل اسْتِرْخَاءٌ فِي أَعْضَاءِ الشَّاءِ خَاصَّةً، أَوْ كَالْجُنُونِ يُصِيبُهَا فَلاَ تَتْبَعُ الْغَنَمَ وَتَسْتَدِيرُ فِي مَرْتَعِهَا.
وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ: هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْغَنَمَ كَالْجُنُونِ يَلْتَوِي مَعَهُ عُنُقُهَا، وَقِيل هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ فِي ظُهُورِهَا وَرُءُوسِهَا فَتَخِرُّ مِنْهُ، وَالثَّوْلاَءُ مِنَ الشَّاءِ، وَغَيْرِهَا الْمَجْنُونَةُ، وَالذَّكَرُ أَثَوْل (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَال الرَّمْلِيُّ: الثَّوْلاَءُ هِيَ الْمَجْنُونَةُ الَّتِي تَسْتَدْبِرُ الرَّعْيَ وَلاَ تَرْعَى إِلاَّ الْقَلِيل، وَذَلِكَ يُورِثُ الْهُزَال (٢) . стр. 8875
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْهُيَامُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْهُيَامِ أَنَّهُ دَاءٌ يُصِيبُ الإِْبِل مِنْ مَاءٍ تَشْرَبُهُ مُسْتَنْقَعًا، أَوْ هُوَ عَطَشٌ شَدِيدٌ لاَ تَرْتَوِي مَعَهُ بِالْمَاءِ، فَتَهِيمُ فِي الأَْرْضِ وَلاَ تَرْعَى. وَالْوَاحِدُ هَيْمَانُ، وَالأُْنْثَى هَيْمَى
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَيْمَاءِ وَالثَّوْلاَءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُصَابَةٌ بِآفَةٍ تَمْنَعُهَا مِنَ السَّوْمِ وَالرَّعْيِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ عَدَمَ إِجْزَاءِ الثَّوْلاَءِ فِي الأُْضْحِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ خَصُّوا عَدَمَ الإِْجْزَاءِ بِالشَّاةِ دَائِمَةِ الْجُنُونِ الَّتِي فَقَدَتِ التَّمْيِيزَ بِحَيْثُ لاَ تَهْتَدِي لِمَا يَنْفَعُهَا وَلاَ تُجَانِبُ مَا يَضُرُّهَا، أَمَّا الْجُنُونُ غَيْرُ الدَّائِمِ فَلاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ بِالثَّوْلاَءِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا جَوَازَ التَّضْحِيَةِ بِهَا بِمَا إِذَا كَانَتْ تَعْتَلِفُ، أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّوَل يَمْنَعُهَا مِنَ الرَّعْيِ وَالاِعْتِلاَفِ فَلاَ стр. 8876
تَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى هَلاَكِهَا فَكَانَ عَيْبًا فَاحِشًا.
كَمَا قَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَوَازَ التَّضْحِيَةِ بِالثَّوْلاَءِ بِكَوْنِهَا سَمِينَةً (١) . وَلَمْ نَرَ نَصًّا فِي ذَلِكَ لِلْحَنَابِلَةِ. وَلِلتَّفْصِيل: (ر: أُضْحِيَّةٌ) .
ثِيَابٌ
انْظُرْ: لِبَاسٌ، لُبْسٌ. стр. 8877
ثُيُوبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الثُّيُوبَةُ مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ، وَيُقَال لِلإِْنْسَانِ إِذَا تَزَوَّجَ ثَيِّبٌ، وَإِطْلاَقُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَكْثَرُ؛ لأَِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهَا بِوَجْهٍ غَيْرِ الأَْوَّل.
وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِكَلِمَةِ الثُّيُوبَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَقَرِيبٌ مِنَ الثُّيُوبَةِ (الإِْحْصَانُ) لأَِنَّهُ حُصُول الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَكَارَةُ:
٢ - الْبَكَارَةُ هِيَ: عُذْرَةُ الْمَرْأَةِ، وَمَوْلُودٌ بِكْرٌ إِذَا стр. 8878
كَانَ أَوَّل وَلَدِ أَبَوَيْهِ (١) فَالْبَكَارَةُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل ضِدُّ الثُّيُوبَةِ لاَ يَجْتَمِعَانِ وَلاَ يَرْتَفِعَانِ.
ب - الإِْحْصَانُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي الإِْحْصَانِ: التَّزَوُّجُ، وَهُوَ شَرْعًا النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الْمُقْتَرِنُ بِالدُّخُول مَعَ الْبُلُوغِ وَالإِْسْلاَمِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ وَالإِْحْصَانِ أَنَّ الثُّيُوبَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْوَطْءِ بِالزَّوَاجِ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِهِ.
تَحَقُّقُ الثُّيُوبَةِ:
٤ - يَخْتَلِفُ الْمُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِ بَحْثِهَا.
فَبِالنِّسْبَةِ لاِشْتِرَاطِ الْبَكَارَةِ فِي الزَّوَاجِ، وَفِي رَدِّ الأَْمَةِ الْمَبِيعَةِ عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ إِذَا ظَهَرَتْ ثَيِّبًا. وَكَذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ بِالتَّزْوِيجِ، وَالْوَصِيَّةِ لِلْبِكْرِ أَوِ الثَّيِّبِ.
يُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ زَوَال الْعُذْرَةِ مُطْلَقًا بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَيُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ فِي اسْتِئْمَارِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ زَوَال الْعُذْرَةِ بِالْجِمَاعِ فَقَطْ، وَيُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ فِي الرَّجْمِ بِالزِّنَا لِلرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ سَبْقُ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِشُرُوطِهِ. . وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مَوَاطِنِهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَمُصْطَلَحَاتِ: (نِكَاحٌ، وَوَصِيَّةٌ، وَزِنًا (٢)) . стр. 8879
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يَظْهَرُ أَثَرُ الثُّيُوبَةِ فِي الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فِي النِّكَاحِ.
أَمَّا الْكَبِيرَةُ فَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُنْكَحُ الأَْيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مِنَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ (٢) .
وَبِقَوْلِهِ ﷺ : الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا (٣) وَقَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لِلأَْبِ تَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ وَإِنْ كَرِهَتْ (٤) .
وَأَمَّا الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ стр. 8880
وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ وَلاَ يَسْتَأْمِرَهَا، لأَِنَّهَا صَغِيرَةٌ فَجَازَ إِجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ وَالصَّبِيِّ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ الْمُسْتَلْزِمَةِ اسْتِئْمَارَهَا، وَعِبَارَتُهَا فِي الأَْمْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِصِغَرِهَا، وَلأَِنَّ الإِْجْبَارَ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ لاَ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَهَذِهِ ثَيِّبٌ، وَلأَِنَّ فِي تَأْخِيرِهَا فَائِدَةً، وَهِيَ أَنْ تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ لِنَفْسِهَا (٢) .
٦ - وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَنَّ إِذْنَ الثَّيِّبِ النُّطْقُ مِنَ النَّاطِقَةِ، وَالإِْشَارَةُ أَوِ الْكِتَابَةُ مِنْ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ ﵊: الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ (٣) وَلأَِنَّ النُّطْقَ لاَ يُعْتَبَرُ عَيْبًا مِنْهَا.
وَالثَّيِّبُ الْمُعْتَبَرُ نُطْقُهَا هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُل إِذَا كَانَ الْوَطْءُ حَلاَلاً، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. стр. 8881
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي الثُّيُوبَةِ بَيْنَ الْوَطْءِ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ إِذَا كَانَ فِي الْقُبُل، وَأَمَّا إِنْ ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الأَْبْكَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ لِزَوَال الْعُذْرَةِ (١) .
٧ - وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَحْكَامِ الثُّيُوبَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْفَسْخِ، فَرَأَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ الزَّوْجُ بَكَارَةَ الزَّوْجَةِ فَتَبَيَّنَتْ ثَيِّبًا فَلَهُ الْفَسْخُ (٢) ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ بَكَارَةٍ، كَمَا تَكَلَّمُوا عَنْهَا فِي بَابِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْبَيْتُوتَةِ إذَا تَزَوَّجَ ثَيِّبًا وَعِنْدَهُ غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ يَبِيتُ عِنْدَهَا ثَلاَثًا ثُمَّ يَقْسِمُ، وَفِي الشَّهَادَةِ لإِِثْبَاتِ الثُّيُوبَةِ حَيْثُ تُقْبَل شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) . стр. 8882
جَائِحَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَائِحَةُ فِي اللُّغَةِ الشِّدَّةُ، تَجْتَاحُ الْمَال مِنْ سَنَةٍ أَوْ فِتْنَةٍ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَوْحِ بِمَعْنَى الاِسْتِئْصَال وَالْهَلاَكِ، يُقَال: جَاحَتْهُمُ الْجَائِحَةُ وَاجْتَاحَتْهُمْ، وَجَاحَ اللَّهُ مَالَهُ وَأَجَاحَهُ بِمَعْنًى، أَيْ أَهْلَكَهُ بِالْجَائِحَةِ.
وَتَكُونُ بِالْبَرْدِ يَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ إِذَا عَظُمَ حَجْمُهُ فَكَثُرَ ضَرَرُهُ،
وَتَكُونُ بِالْبَرْدِ أَوْ الْحَرِّ الْمُفْرِطَيْنِ حَتَّى يَفْسُدَ الثَّمَرُ (١) .
وَالْجَائِحَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا قَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَتَبِعَهُ أَكْثَرُهُمْ: كُل شَيْءٍ لاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ لَوْ عُلِمَ بِهِ، كَسَمَاوِيٍّ، كَالْبَرْدِ وَالْحَرِّ، وَمِثْل ذَلِكَ رِيحُ السَّمُومِ، وَالثَّلْجُ، وَالْمَطَرُ، وَالْجَرَادُ، وَالْفِئْرَانُ وَالْغُبَارُ، وَالنَّارُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ غَيْرِ سَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ، وَأَمَّا فِعْل السَّارِقِ فَفِيهِ خِلاَفٌ عِنْدَهُمْ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ، أَمَّا إِذَا عُلِمَ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ جَائِحَةً عَلَى قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ وَيَكُونُ جَائِحَةً عِنْدَ غَيْرِهِمْ. стр. 8883
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا كُل مَا أَذْهَبَ الثَّمَرَةَ أَوْ بَعْضَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةِ آدَمِيٍّ، كَرِيحٍ وَمَطَرٍ وَثَلْجٍ، وَبَرْدٍ، وَجَلِيدٍ، وَصَاعِقَةٍ، وَحَرٍّ، وَعَطَشٍ وَنَحْوِهَا (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الآْفَةُ:
٢ - وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عَرَضٌ يُفْسِدُ مَا يُصِيبُهُ، وَهِيَ الْعَاهَةُ، وَالْجَمْعُ آفَاتٌ (٢) .
وَالآْفَةُ أَعَمُّ مِنَ الْجَائِحَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا قَدْ تُتْلِفُ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ أَوْ لاَ تُتْلِفُهُ، وَالْجَائِحَةُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَرَضٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الآْفَةَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَيُقَيِّدُونَهَا فِي الْغَالِبِ بِكَوْنِهَا سَمَاوِيَّةً أَيْ إِنَّهَا لاَ صُنْعَ فِيهَا لآِدَمِيٍّ، وَالآْفَةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطَيْنِ، وَتَكُونُ خَاصَّةً كَالْجُنُونِ (٣) . стр. 8884
ب - التَّلَفُ:
٣ - التَّلَفُ الْهَلاَكُ. يُقَال: تَلِفَ الشَّيْءُ تَلَفًا إِذَا هَلَكَ فَهُوَ تَالِفٌ وَأَتْلَفْتُهُ، وَرَجُلٌ مُتْلِفٌ لِمَالِهِ وَمِتْلاَفٌ لِلْمُبَالَغَةِ (١) . فَالْجَائِحَةُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ.
أَنْوَاعُ الْجَائِحَةِ وَأَحْكَامُهَا:
٤ - الْجَائِحَةُ نَوْعَانِ:
أ - جَائِحَةٌ لاَ دَخْل لآِدَمِيٍّ فِيهَا.
ب - وَجَائِحَةٌ مِنْ قِبَل الآْدَمِيِّ كَفِعْل السُّلْطَانِ وَالْجَيْشِ، وَالسَّارِقِ، عَلَى قَوْل مَنْ جَعَل فِعْل الآْدَمِيِّ جَائِحَةً.
أَمَّا الْقِسْمُ الأَْوَّل: فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَوْنِهِ جَائِحَةً وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
جَائِحَةٌ مِنْ قِبَل الْمَاءِ، وَجَائِحَةٌ مِنْ قِبَل غَيْرِ الْمَاءِ. فَأَمَّا الْجَائِحَةُ مِنْ قِبَل الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَل الْعَطَشِ فَقَدْ قَال مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ: يُوضَعُ قَلِيل ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ شِرْبَ مَطَرٍ أَمْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ قَال ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ شُرُوطِ تَمَامِهَا السَّقْيُ، فَوَجَبَ أَنْ يُوضَعَ عَنِ الْمُشْتَرِي قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا لِمَنْفَعَةِ стр. 8885
الأَْرْضِ الْمُكْتَرَاةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْجَوَائِحِ أَنَّ سَائِرَ الْجَوَائِحِ لاَ تَنْفَكُّ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا، وَهَذِهِ تَنْفَكُّ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا، فَالْمُشْتَرِي دَاخِلٌ عَلَى السَّلاَمَةِ مِنْهَا، وَلَمْ يَدْخُل عَلَى سَلاَمَتِهَا مِنْ يَسِيرِ الْعَفَنِ وَالأَْكْل، وَأَمَّا الْجَائِحَةُ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعَفَنِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْعَفَنِ يَضَعُ كَثِيرَهُ دُونَ قَلِيلِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَائِحَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الآْدَمِيِّينَ كَالسَّرِقَةِ، فَفِيهَا الْخِلاَفُ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ جَائِحَةً، لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَى أَنَسٌ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ (١) وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ جَائِحَةً لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ الْجَائِحَةِ عِنْدَهُمْ (٢) .
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجَائِحَةِ مِنْ آثَارٍ:
أ - أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الزَّكَاةِ:
٥ - جَاءَ فِي الْمُغْنِي: إِذَا خُرِصَ التَّمْرُ وَتُرِكَ فِي رُءُوسِ النَّخْل فَعَلَيْهِمْ حِفْظُهُ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَذَهَبَتِ الثَّمَرَةُ سَقَطَ عَنْهُمُ الْخَرْصُ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا بِهِ، وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا. قَال ابْنُ стр. 8886
الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخَارِصَ إِذَا خَرَصَ الثَّمَرَةَ ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ إِذَا كَانَ قَبْل الْجِذَاذِ؛ وَلأَِنَّهُ قَبْل الْجِذَاذِ فِي حُكْمِ مَا لاَ تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ (١) .
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْجَائِحَةِ بِالآْفَةِ أَوِ التَّلَفِ أَوِ الْهَلاَكِ عَدَدًا مِنَ الصُّوَرِ فِي هَلاَكِ الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَهَلاَكِ النِّصَابِ، أَوْ بَعْضِهِ، وَهَلاَكِ سَائِمَةِ الْبَدَل بَعْدَ الْحَوْل، وَهَلاَكِ الْعَفْوِ، وَبَقَاءِ النِّصَابِ، وَهَلاَكِ الْبَدَل إِنِ اسْتَبْدَلَهُ بَعْدَ الْحَوْل. وَاشْتَرَطُوا فِي الْمَال الَّذِي تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِهَلاَكِهِ أَنْ يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل فَيَهْلَكَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ أَوِ اسْتِهْلاَكٍ قَبْل أَدَاءِ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُمْ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ تَحْقِيقًا لِلتَّيْسِيرِ فَيَسْقُطُ بِهَلاَكِ مَحَلِّهِ.
وَهَذَا هُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال يَسْقُطُ بِهَلاَكِهِ، فَتَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ كَحَقِّ الْمُضَارِبِ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا أَصَابَتِ الثِّمَارَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ بَعْدَ الْخَرْصِ، أَوْ سُرِقَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ أَوِ الْجَرِينِ، فَإِنْ تَلِفَتْ كُلُّهَا بِغَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ بِاتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ لِفَوَاتِ الإِْمْكَانِ. فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابًا زَكَّاهُ، وَعَلَى الْقَدِيمِ لاَ يَسْقُطُ стр. 8887
شَيْءٌ بِالتَّلَفِ بِغَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ؛ لأَِنَّهُ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الزَّرْعَ إِنْ أُصِيبَ بِجَائِحَةٍ بَعْدَ الْخَرْصِ اعْتُبِرَتْ تِلْكَ الْجَائِحَةُ فِي جَانِبِ السُّقُوطِ، فَيُزَكِّي مَا بَقِيَ إِنْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلاَّ فَلاَ، وَالْحَاصِل كَمَا فِي الدُّسُوقِيِّ أَنَّ الْجَائِحَةَ الَّتِي لاَ تُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي لاَ تُوضَعُ عَنِ الْبَائِعِ فِي الزَّكَاةِ، وَمَا تُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي تُوضَعُ عَنِ الْبَائِعِ زَكَاتُهَا.
وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَسْتَقِرُّ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ إِلاَّ بِجَعْلِهَا فِي جَرِينٍ، أَوْ بَيْدَرٍ، أَوْ مِسْطَاحٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ خُرِصَتِ الثَّمَرَةُ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الزَّكَاةِ.
ب - أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الْبَيْعِ:
٦ - أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (٢) وَقَدْ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْبَائِعُ عَنِ الْمُشْتَرِي стр. 8888
لِلثَّمَرَةِ أَوِ الزَّرْعِ ثَمَنَ مَا يُتْلِفُ مِنْهُ الْجَائِحَةُ. فَالْمَبِيعُ إِنْ كَانَ ثَمَرًا أَوْ زَرْعًا، وَأُصِيبَ بِجَائِحَةٍ قَبْل الْقَبْضِ وَبُدُوِّ الصَّلاَحِ، أَوْ بَعْدَهُمَا، أَوْ أُجِيحَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ وَقَبْل الْجِذَاذِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِل مِنْهَا مَا يَلِي:
مَا يُعْتَبَرُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى بَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ لِتَمَامِ صَلاَحِهِ وَلاَ لِبَقَاءِ نَضَارَتِهِ كَالتَّمْرِ الْيَابِسِ وَالزَّرْعِ، فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ؛ لأَِنَّ تَسْلِيمَهُ قَدْ كَمُل بِتَخَلِّي الْبَائِعِ عَنْهُ إِلَى الْمُبْتَاعِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي أَصْلِهِ مَنْفَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ يُسْتَنْظَرُ اسْتِيفَاؤُهَا، فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصُّبْرَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الأَْصْل، وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَقَائِهِ فِي أَصْلِهِ لِحِفْظِ نَضَارَتِهِ أَيْ لِمَعْنًى مُقْتَرِنٍ بِهِ كَالْعِنَبِ، يُشْتَرَى بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِيهِ مَسَائِل اخْتَلَفُوا فِيهَا وَيَجِبُ رَدُّهَا إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ الْمُنْتَقَى عَدَمُ الْحَاجَةِ إِلَى التَّبْقِيَةِ لِتَمَامِ نُضْجٍ أَوْ بُدُوِّ صَلاَحٍ (١) .
مِقْدَارُ مَا يُوضَعُ مِنَ الْجَائِحَةِ:
٨ - ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي تُصِيبُهُ الْجَائِحَةُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: стр. 8889
أَحَدُهَا: ثِمَارُ التِّينِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعِنَبِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنَ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتُّفَّاحِ، فَهَذِهِ يُرَاعَى فِي جَوَائِحِهَا الثُّلُثُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَلِفَ أَقَل مِنْ ثُلُثِ الثِّمَارِ فَلاَ يُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ، وَإِنْ بَلَغَ التَّالِفُ مِنْهَا الثُّلُثَ وُضِعَ عَنْهُ جَمِيعُ الْجَائِحَةِ. وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الثُّلُثُ لأَِنَّ الثُّلُثَ فَرْقٌ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ (١) .
الثَّانِي: الْبُقُول وَالأُْصُول الْمُغَيَّبَةُ مِمَّا الْغَرَضُ فِي أَعْيَانِهَا دُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ:
أَحَدُهُمَا: انْتِفَاءُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِيهَا،
وَالثَّانِيَةُ: إِثْبَاتُ حُكْمِ الْجَائِحَةِ فِيهَا.
فَعَلَى الْقَوْل بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْجَائِحَةِ فِيهَا فَهَل يُعْتَبَرُ فِيهَا الثُّلُثُ أَمْ لاَ؟ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَائِحَةَ تُوضَعُ فِيهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، بَلَغَتِ الثُّلُثَ أَوْ قَصُرَتْ عَنْهُ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ شَيْئًا تَافِهًا، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ لاَ يُوضَعُ مِنْ جَائِحَتِهَا إِلاَّ مَا بَلَغَ الثُّلُثَ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ نَوْعٌ جَرَى مَجْرَى الْبُقُول فِي أَنَّ أَصْلَهُ مَبِيعٌ مَعَ ثَمَرَتِهِ، وَيَجْرِي مَجْرَى الأَْشْجَارِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ ثَمَرَتُهُ، كَالْقِثَّاءِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْقَرْعِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَالْفُول، وَالْجُلْبَانِ، فَهَذَا стр. 8890
النَّوْعُ يُعْتَبَرُ فِي جَائِحَتِهِ الثُّلُثُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَالِكِيَّةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَيْعِ الثَّمَرَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ سَائِرِ الثِّمَارِ، وَقَال أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: الْمَقَاثِئُ، كَالْبَقْل تُوضَعُ الْجَائِحَةُ فِيهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا دُونَ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا نَبَاتٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الثُّلُثُ كَالْبُقُول (١) .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جُزَيٍّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِنَ الثِّمَارِ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً كَالْعِنَبِ، وَالتِّينِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَصَابَتِ الْجَائِحَةُ صِنْفًا مِنْهَا وَسَلِمَ سَائِرُهَا فَجَائِحَةُ كُل جِنْسٍ مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ ثُلُثَهُ وُضِعَتْ، وَإِنْ قَصُرَتْ عَنْهُ لَمْ تُوضَعْ.
وَقَال أَصْبَغُ: يَعْتَبِرُ الْجُمْلَةَ، فَإِنْ كَانَتِ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ الْجَمِيعِ وُضِعَتْ وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .
٩ - وَلَوِ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عِنْدَ بَيْعِ الثَّمَرِ أَنْ لاَ يَضَعَ الْجَائِحَةَ عَنِ الْمُشْتَرِي إِنْ حَصَلَتْ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ شَرْطًا فَاسِدًا وَلَوْ فِيمَا عَادَتُهُ أَنْ يُجَاحَ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ لِنُدْرَةِ الْجَائِحَةِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ. وَإِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ فَلاَ يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ شَيْءٌ. وَقَال أَبُو الْحَسَنِ: стр. 8891
يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ أَيْ لِزِيَادَةِ الْغَرَرِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثِّمَارِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: هُوَ فِي الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّيْءَ التَّافِهَ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنِ الْعَادَةِ وُضِعَ مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ بَطَل الْعَقْدُ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مَا كَانَ يُعَدُّ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلاَ يُوضَعُ عَنِ الْبَائِعِ شَيْءٌ وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَبْلَغِ (الْمِقْدَارُ) وَقِيل ثُلُثُ الْقِيمَةِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ رَجَعَ بِقِيمَةِ التَّالِفِ كُلِّهِ مِنَ الثَّمَنِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَآخَرُونَ، إِلَى أَنَّ الثِّمَارَ الْمَبِيعَةَ تَكُونُ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلاَ يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ (٣) .
قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: إِنَّ الرَّجُل إِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَ فَقَبَضَهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَسَوَاءٌ مِنْ قَبْل أَنْ стр. 8892
يَجِفَّ أَوْ بَعْدَمَا جَفَّ مَا لَمْ يَجُدَّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجَائِحَةُ أَصَابَتْ ثَمَرَةً وَاحِدَةً أَوْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمَال لاَ يَجُوزُ فِيهَا إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَبَضَهَا وَكَانَ مَعْلُومًا أَنْ يَتْرُكَهَا إِلَى الْجِذَاذِ كَانَ فِي غَيْرِ مَعْنَى مَنْ قَبَضَ فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ مَا قَبَضَ، كَمَا يَشْتَرِي الرَّجُل مِنَ الرَّجُل الطَّعَامَ كَيْلاً، فَيَقْبِضُ بَعْضَهُ وَيَهْلَكَ بَعْضُهُ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ فَلاَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَيَضْمَنُ مَا قَبَضَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِذَا قَبَضَ الثَّمَرَةَ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ قَطَعَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا، فَمَا هَلَكَ فِي يَدَيْهِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ لاَ مِنْ مَال الْبَائِعِ، فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَال يَضْمَنُ الْبَائِعُ الثُّلُثَ إِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَأَكْثَرُ، وَلاَ يَضْمَنُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَاهَا بَيْعَةً وَاحِدَةً وَقَبَضَهَا قَبْضًا وَاحِدًا (١) .
١٠ - فَخُلاَصَةُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا تَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: وَضْعُ الْجَائِحَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الثِّمَارِ وَفِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ стр. 8893
رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا عَلاَمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ؟ (١) .
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (٢) . فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الْجَوَائِحَ حَدِيثَا جَابِرٍ هَذَانِ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مَبِيعٌ بَقِيَ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، بِدَلِيل مَا عَلَيْهِ مِنْ سَقْيِهِ إِلَى أَنْ يَكْمُل، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْهُ أَصْلُهُ سَائِرُ الْمَبِيعَاتِ الَّتِي بَقِيَ فِيهَا حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ هَذَا الْمَبِيعِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْبُيُوعِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ، وَالْمَبِيعُ لَمْ يَكْمُل بَعْدُ، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ.
الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وَضْعِ الْجَائِحَةِ مُطْلَقًا: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ. وَاسْتَدَلُّوا بِتَشْبِيهِ هَذَا الْبَيْعِ بِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، وَأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي هَذَا الْمَبِيعِ هُوَ الْقَبْضُ. وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعَاتِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَمِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ أَيْضًا حَدِيثُ стр. 8894
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: أُجِيحَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا وَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (١) قَالُوا فَلَمْ يَحْكُمْ بِالْجَائِحَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْرَهُ ﷺ إِيَّاهُمْ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ وَأَمْرَ غُرَمَائِهِ بِأَخْذِ مَا وَجَدُوا لاَ يَدُل عَلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ تُوضَعُ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَالأَْخْذِ فَيَكُونُ الأَْمْرُ مَحْمُولاً عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، أَوْ فِيمَا بِيعَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ (٢) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: التَّفْرِيقُ، فَيُوضَعُ الثُّلُثُ وَمَا زَادَ عَنْهُ، وَلاَ يُوضَعُ أَقَل مِنْهُ، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ (٣) .
أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الإِْجَارَةِ:
١١ - لَوِ اكْتَرَى أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ فَلاَ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الأُْجْرَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ стр. 8895
وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِيمَا قَبَضَهُ مِنَ الأُْجْرَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُؤَجِّرُ قَبَضَهَا فَلَهُ طَلَبُهَا؛ لأَِنَّهَا تَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ انْتَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ.
وَلَوْ فَسَدَتِ الأَْرْضُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ بِجَائِحَةٍ ثَبَتَ الرَّدُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ أَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الإِْجَارَةَ أَجَازَهَا بِجَمِيعِ الأُْجْرَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِأُجْرَةِ بَاقِي الْمُدَّةِ وَاسْتَقَرَّتْ أُجْرَةُ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الأَْصَحِّ، وَيُوَزِّعُ الْمُسَمَّى عَلَى الْمُدَّتَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لاَ بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ. وَجَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الأَْجْوِبَةِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ بُسْتَانًا أَوْ أَرْضًا وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ إِذَا أُتْلِفَ الثَّمَرُ بِجَرَادٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الآْفَاتِ السَّمَاوِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ صُورَةً الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً فَيَحُطُّ عَنْهُ مِنَ الْعِوَضِ بِقَدْرِ مَا تَلِفَ مِنَ الثَّمَرَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا لِعُمُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الأَْمْرُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (١) . أَيْ لأَِنَّهُ شِرَاءٌ لِلثَّمَرَةِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ إِجَارَةً وَمُسَاقَاةً (٢) .
أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الْغَصْبِ:
١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ следующие страницы →