← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ أَيْ لِزِيَادَةِ الْغَرَرِ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثِّمَارِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: هُوَ فِي الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّيْءَ التَّافِهَ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنِ الْعَادَةِ وُضِعَ مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ بَطَل الْعَقْدُ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مَا كَانَ يُعَدُّ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلاَ يُوضَعُ عَنِ الْبَائِعِ شَيْءٌ وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَبْلَغِ (الْمِقْدَارُ) وَقِيل ثُلُثُ الْقِيمَةِ، فَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ رَجَعَ بِقِيمَةِ التَّالِفِ كُلِّهِ مِنَ الثَّمَنِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَآخَرُونَ، إِلَى أَنَّ الثِّمَارَ الْمَبِيعَةَ تَكُونُ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلاَ يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ (٣) . قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: إِنَّ الرَّجُل إِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَ فَقَبَضَهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَسَوَاءٌ مِنْ قَبْل أَنْ

стр. 8892

يَجِفَّ أَوْ بَعْدَمَا جَفَّ مَا لَمْ يَجُدَّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجَائِحَةُ أَصَابَتْ ثَمَرَةً وَاحِدَةً أَوْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمَال لاَ يَجُوزُ فِيهَا إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا قَبَضَهَا وَكَانَ مَعْلُومًا أَنْ يَتْرُكَهَا إِلَى الْجِذَاذِ كَانَ فِي غَيْرِ مَعْنَى مَنْ قَبَضَ فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ مَا قَبَضَ، كَمَا يَشْتَرِي الرَّجُل مِنَ الرَّجُل الطَّعَامَ كَيْلاً، فَيَقْبِضُ بَعْضَهُ وَيَهْلَكَ بَعْضُهُ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ فَلاَ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَيَضْمَنُ مَا قَبَضَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِذَا قَبَضَ الثَّمَرَةَ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ قَطَعَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا، فَمَا هَلَكَ فِي يَدَيْهِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ لاَ مِنْ مَال الْبَائِعِ، فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَال يَضْمَنُ الْبَائِعُ الثُّلُثَ إِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَأَكْثَرُ، وَلاَ يَضْمَنُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَاهَا بَيْعَةً وَاحِدَةً وَقَبَضَهَا قَبْضًا وَاحِدًا (١) . ١٠ - فَخُلاَصَةُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا تَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَضْعُ الْجَائِحَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الثِّمَارِ وَفِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ. وَاسْتَدَلُّوا بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ

стр. 8893

رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ بَاعَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا عَلاَمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ؟ (١) . وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (٢) . فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الْجَوَائِحَ حَدِيثَا جَابِرٍ هَذَانِ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مَبِيعٌ بَقِيَ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، بِدَلِيل مَا عَلَيْهِ مِنْ سَقْيِهِ إِلَى أَنْ يَكْمُل، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ مِنْهُ أَصْلُهُ سَائِرُ الْمَبِيعَاتِ الَّتِي بَقِيَ فِيهَا حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ هَذَا الْمَبِيعِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْبُيُوعِ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ، وَالْمَبِيعُ لَمْ يَكْمُل بَعْدُ، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ مُخَالِفًا لِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ. الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وَضْعِ الْجَائِحَةِ مُطْلَقًا: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ. وَاسْتَدَلُّوا بِتَشْبِيهِ هَذَا الْبَيْعِ بِسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، وَأَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي هَذَا الْمَبِيعِ هُوَ الْقَبْضُ. وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعَاتِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَمِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ أَيْضًا حَدِيثُ

стр. 8894

أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: أُجِيحَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا وَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (١) قَالُوا فَلَمْ يَحْكُمْ بِالْجَائِحَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْرَهُ ﷺ إِيَّاهُمْ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ وَأَمْرَ غُرَمَائِهِ بِأَخْذِ مَا وَجَدُوا لاَ يَدُل عَلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ تُوضَعُ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَالأَْخْذِ فَيَكُونُ الأَْمْرُ مَحْمُولاً عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، أَوْ فِيمَا بِيعَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ (٢) . الْقَوْل الثَّالِثُ: التَّفْرِيقُ، فَيُوضَعُ الثُّلُثُ وَمَا زَادَ عَنْهُ، وَلاَ يُوضَعُ أَقَل مِنْهُ، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ (٣) . أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الإِْجَارَةِ: ١١ - لَوِ اكْتَرَى أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ فَلاَ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الأُْجْرَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ

стр. 8895

وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِيمَا قَبَضَهُ مِنَ الأُْجْرَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُؤَجِّرُ قَبَضَهَا فَلَهُ طَلَبُهَا؛ لأَِنَّهَا تَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ انْتَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ لَمْ يَنْتَفِعْ. وَلَوْ فَسَدَتِ الأَْرْضُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ بِجَائِحَةٍ ثَبَتَ الرَّدُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ أَجَازَ الْمُسْتَأْجِرُ الإِْجَارَةَ أَجَازَهَا بِجَمِيعِ الأُْجْرَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِأُجْرَةِ بَاقِي الْمُدَّةِ وَاسْتَقَرَّتْ أُجْرَةُ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الأَْصَحِّ، وَيُوَزِّعُ الْمُسَمَّى عَلَى الْمُدَّتَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لاَ بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ. وَجَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الأَْجْوِبَةِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ بُسْتَانًا أَوْ أَرْضًا وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ إِذَا أُتْلِفَ الثَّمَرُ بِجَرَادٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الآْفَاتِ السَّمَاوِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ صُورَةً الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً فَيَحُطُّ عَنْهُ مِنَ الْعِوَضِ بِقَدْرِ مَا تَلِفَ مِنَ الثَّمَرَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا لِعُمُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الأَْمْرُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (١) . أَيْ لأَِنَّهُ شِرَاءٌ لِلثَّمَرَةِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ إِجَارَةً وَمُسَاقَاةً (٢) . أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الْغَصْبِ: ١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ

стр. 8896

رَدَّ الْمَغْصُوبِ وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ بِالتَّلَفِ أَوْ الإِْتْلاَفِ لِقَوْلِهِ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (١) فَإِنْ تَعَيَّبَ بِسَمَاوِيٍّ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِ الْمَغْصُوبِ بِلاَ أَرْشٍ لِعَيْبِهِ وَتَرْكِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ مِنْهُ يَوْمَ غَصْبِهِ بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ قَلِيل الْعَيْبِ وَكَثِيرِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) . أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الْوَدِيعَةِ: ١٣ - الأَْصْل أَنَّ الْوَدِيعَةَ إِذَا تَلِفَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ فَلاَ يَضْمَنُهَا الْمُودَعُ لأَِنَّ يَدَهُ يَدَ أَمَانَةٍ فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِتَعْدَادِ تَفْرِيطٍ، وَانْظُرْ لِلتَّفَاصِيل مُصْطَلَحَ (وَدِيعَةٌ) . أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الصَّدَاقِ: ١٤ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ إِذَا تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهُ عَلَى حَالِهِ أَوْ تُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ غَيْرَ

стр. 8897

أَنَّهَا لاَ تُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ إِذَا اخْتَارَتْ أَخْذَهُ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ فِي الْمَهْرِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ: لاَ تُوضَعُ فِيهِ جَائِحَةٌ لأَِنَّ هَذَا الْعَقْدَ لاَ يَقْتَضِي الْمُغَابَنَةَ وَالْمُكَايَسَةَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْمُوَاصَلَةَ وَالْمُكَارَمَةَ، وَوَضْعُ الْجَائِحَةِ يُنَافِي ذَلِكَ. ثَانِيهِمَا: قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ: تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ لأَِنَّهُ عَقْدٌ ثَبَتَ فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَثَبَتَ فِيهِ وَضْعُ الْجَائِحَةِ كَالْبَيْعِ (٢) . وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ الزَّوْجِ لِلصَّدَاقِ فِيمَا إِذَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: وَهُوَ الْجَدِيدُ أَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الْقَدِيمُ أَنَّهُ ضَمَانُ يَدٍ كَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَامِ، وَفَرَّعُوا عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَسَائِل مِنْهَا: تَلَفُ الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَعَلَى أَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ يَنْفَسِخُ عَقْدُ الصَّدَاقِ وَيُقَدَّرُ عَوْدُ الْمِلْكِ إِلَيْهِ قُبَيْل التَّلَفِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا كَانَ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ لَوْ مَاتَ، كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ يَتْلَفُ قَبْل الْقَبْضِ وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْل، وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْيَدِ تَلِفَ عَلَى مِلْكِهَا حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا فَعَلَيْهَا

стр. 8898

تَجْهِيزُهُ، وَلاَ يَنْفَسِخُ الصَّدَاقُ عَلَى هَذَا الْقَوْل، بَل بَدَل مَا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ تَسْلِيمُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مِثْل الصَّدَاقِ، إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتُهُ إِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (١) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَا تَلِفَ مِنَ الصَّدَاقِ وَهُوَ فِي يَدِ الزَّوْجِ بِسَمَاوِيٍّ، فَمَا جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَكِيلاً وَلاَ مَوْزُونًا، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا إِنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ، وَمَا لاَ تَصَرُّفَ لَهَا فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ وَهُوَ مَا عَدَا الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ، وَإِنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ قَبْضَهُ أَوْ لَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْهُ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى كُل حَالٍ، لأَِنَّ يَدَهُ مُتَعَدِّيَةٌ فَضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ (٢) . جَائِزٌ انْظُرْ: جَوَازٌ.

стр. 8899

جَائِزَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَائِزَةُ: الْعَطِيَّةُ إِذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيل الإِْكْرَامِ يُقَال: أَجَازَهُ أَيْ: أَعْطَاهُ جَائِزَةً. وَالْجَمْعُ جَوَائِزُ. وَقَرِيبٌ مِنْهَا التُّحْفَةُ فَهِيَ مَا أَتْحَفْتَهُ غَيْرَكَ مِنَ الْبِرِّ. قَال صَاحِبُ اللِّسَانِ: " وَأَصْلُهَا أَنَّ أَمِيرًا وَاقَفَ عَدُوًّا وَبَيْنَهُمَا نَهْرٌ فَقَال: مَنْ جَازَ هَذَا النَّهْرَ فَلَهُ كَذَا، فَكُلَّمَا جَازَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَخَذَ جَائِزَةً وَقَال أَبُو بَكْرٍ فِي قَوْلِهِمْ: أَجَازَ السُّلْطَانُ فُلاَنًا بِجَائِزَةٍ: أَصْل الْجَائِزَةِ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُل الرَّجُل مَاءً وَيُجِيزَهُ لِيَذْهَبَ لِوَجْهِهِ فَيَقُول الرَّجُل إِذَا وَرَدَ مَاءً لِقَيِّمِ الْمَاءِ: أَجِزْنِي مَاءً، أَيْ: أَعْطِنِي مَاءً حَتَّى أَذْهَبَ لِوَجْهِي وَأَجُوزَ عَنْكَ، ثُمَّ كَثُرَ هَذَا حَتَّى سَمَّوُا الْعَطِيَّةَ جَائِزَةً. وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: الْجِيزَةُ مِنَ الْمَاءِ مِقْدَارُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ، يُقَال: اسْقِنِي جِيزَةً وَجَائِزَةً وَجَوْزَةً: وَفِي الْحَدِيثِ: الضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ (١)

стр. 8900

أَيْ: يُضَافُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَيَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل بِمَا اتَّسَعَ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَإِلْطَافٍ، وَيُقَدِّمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَا حَضَرَهُ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهِيَ قَدْرُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَمَعْرُوفٌ، إِنْ شَاءَ فَعَل وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. . . وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: أَجَازَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ أَيْ بِعَطَاءٍ. . . وَفِي الْحَدِيثِ: أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ (١) أَيْ: أَعْطُوهُمُ الْجِيزَةَ (أَيْ الْجَائِزَةَ) وَمِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَلاَ أَمْنَحُكَ أَلاَ أُجِيزُكَ أَيْ أُعْطِيكَ، وَالأَْصْل الأَْوَّل، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُل عَطَاءٍ (٢) ". وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمُكَافَأَةُ ٢ - هِيَ مَصْدَرُ كَافَأَ، يُقَال: كَافَأَهُ عَلَى الشَّيْءِ مُكَافَأَةً وَكِفَاءً أَيْ جَازَاهُ، وَكَافَأَ فُلاَنٌ فُلاَنًا: مَاثَلَهُ. وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَ الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ الْمُكَافَأَةَ

стр. 8901

بِأَنَّهَا: الْمُسَاوَاةُ وَالْمُقَابَلَةُ فِي الْفِعْل، أَوْ مُقَابَلَةُ نِعْمَةٍ بِنِعْمَةٍ هِيَ كُفْؤُهَا. وَعَرَّفَهَا الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهَا: مُقَابَلَةُ الإِْحْسَانِ بِمِثْلِهِ أَوْ زِيَادَةٍ (١) . فَالْجَائِزَةُ تَكُونُ بِلاَ مُقَابِلٍ، أَمَّا الْمُكَافَأَةُ فَتَكُونُ بِمُقَابِلٍ وَتَكُونُ مُمَاثِلَةً عَلَى الأَْقَل. ب - الأَْجْرُ: ٣ - مِنْ مَعَانِي الأَْجْرِ: الْجَزَاءُ عَلَى الْعَمَل، وَالثَّوَابُ، وَالذِّكْرُ الْحَسَنُ، وَالْمَهْرُ. وَالأَْجْرُ قَدْ يَكُونُ دُنْيَوِيًّا أَوْ أُخْرَوِيًّا، وَيُقَال فِيمَا كَانَ عَنْ عَقْدٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَقْدِ، وَلاَ يُقَال إِلاَّ فِي النَّفْعِ دُونَ الضَّرِّ (٢) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَائِزَةِ وَالأَْجْرِ، أَنَّ الْجَائِزَةَ بِلاَ مُقَابِلٍ وَلاَ تَعَاقُدٍ وَلاَ عِلْمَ بِهَا، أَمَّا الأَْجْرُ فَيُخَالِفُ فِي كُل ذَلِكَ. ج - الْجَزَاءُ: ٤ - هُوَ مَصْدَرُ جَزَى، يُقَال: جَزَى الشَّيْءُ يَجْزِي أَيْ كَفَى، وَجَزَى عَنْهُ أَيْ قَضَى، وَالْجَزَاءُ يَكُونُ مَنْفَعَةً أَوْ مَضَرَّةً أَيْ بِالْمُقَابَلَةِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٣) ﴾ وَإِنْ

стр. 8902

شَرًّا فَشَرٌّ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (١) ﴾ وَيُقَال فِيمَا كَانَ عَنْ عَقْدٍ وَغَيْرِ عَقْدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَفْظُ جَزَى دُونَ جَازَى؛ لأَِنَّ الْمُجَازَاةَ هِيَ الْمُكَافَأَةُ أَيْ مُقَابَلَةُ نِعْمَةٍ بِنِعْمَةٍ هِيَ كُفْؤُهَا، وَنِعْمَةُ اللَّهِ لاَ كُفْءَ لَهَا، وَلِهَذَا لاَ يَسْتَعْمِل الْمُكَافَأَةَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (٢) . وَالْجَزَاءُ يَكُونُ بِمُقَابِلٍ وَيَكُونُ بِالْمَنْفَعَةِ أَوِ الْمَضَرَّةِ بِخِلاَفِ الْجَائِزَةِ. د - الْجُعْل: ٥ - الْجُعْل: لُغَةً مَا يُجْعَل لِلْعَامِل عَلَى عَمَلِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الأَْجْرِ وَالثَّوَابِ وَاصْطِلاَحًا: الْمَال الْمَعْلُومُ سُمِّيَ فِي الْجَعَالَةِ لِمَنْ يَعْمَل عَمَلاً مُبَاحًا وَلَوْ كَانَ مَجْهُولاً فِي الْقَدْرِ أَوْ الْمُدَّةِ أَوْ بِهِمَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَائِزَةِ أَنَّ الْجَائِزَةَ عَطِيَّةٌ بِلاَ مُقَابِلٍ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٦ - الأَْصْل إِبَاحَةُ الْجَائِزَةِ عَلَى عَمَلٍ مَشْرُوعٍ سَوَاءٌ أَكَانَ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَثِّ عَلَى فِعْل الْخَيْرِ وَالإِْعَانَةِ عَلَيْهِ بِالْمَال وَهُوَ مِنْ قَبِيل الْهِبَةِ.

стр. 8903

وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْجَائِزَةِ بِاخْتِلاَفِ مَبْحَثِهَا الْفِقْهِيِّ. وَهُنَاكَ مَوَاطِنُ لِلْجَائِزَةِ لَهَا حُكْمٌ خَاصٌّ مِنْهَا: جَائِزَةُ السُّلْطَانِ، وَالْجَائِزَةُ فِي السِّبَاقِ (السَّبَقِ) . أَوَّلاً: جَائِزَةُ السُّلْطَانِ: ٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول جَائِزَةِ السُّلْطَانِ أَوْ هَدِيَّتِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَبُول هَدِيَّةِ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ، لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي مَالِهِمُ الْحُرْمَةُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَال حَلاَلٌ، بِأَنْ كَانَ لِصَاحِبِهِ تِجَارَةٌ، أَوْ زَرْعٌ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لأَِنَّ أَمْوَال النَّاسِ لاَ تَخْلُو عَنْ قَلِيل حَرَامٍ فَالْمُعْتَبَرُ الْغَالِبُ. وَأَمَّا جَائِزَةُ السُّلْطَانِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بِالْجَوْرِ فَقَال الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي أَخْذِهَا، فَقَال بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْ حَرَامٍ، قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَبِهِ نَأْخُذُ مَا لَمْ نَعْرِفْ شَيْئًا حَرَامًا بِعَيْنِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَصْحَابِهِ. وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَحْرُمُ الأَْكْل وَلاَ الْمُعَامَلَةُ، وَلاَ أَخْذُ الصَّدَقَةِ، وَالْهَدِيَّةِ، مِمَّنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إِلاَّ مَا عُلِمَ حُرْمَتُهُ، وَلاَ يَخْفَى الْوَرَعُ (١) .

стр. 8904

وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي جَائِزَةِ السُّلْطَانِ: أَكْرَهُهَا، وَكَانَ يَتَوَرَّعُ عَنْهَا، وَيَمْنَعُ بَنِيهِ وَعَمَّهُ مِنْ أَخْذِهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ بِمَا أَخَذُوهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ أَمْوَالَهُمْ تَخْتَلِطُ بِمَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْحَرَامِ مِنَ الظُّلْمِ وَغَيْرِهِ فَيَصِيرُ شُبْهَةً، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٢) . وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ تَنَزَّهُوا عَنْ مَال السُّلْطَانِ، مِنْهُمْ: حُذَيْفَةُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ ذَلِكَ حَرَامًا، فَإِنَّهُ سُئِل فَقِيل لَهُ: مَال السُّلْطَانِ حَرَامٌ؟ فَقَال: لاَ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُتَنَزَّهَ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَال: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ

стр. 8905

الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ وَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ حَقٌّ، فَكَيْفَ أَقُول إِنَّهَا سُحْتٌ؟ وَقَال أَحْمَدُ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصَّدَقَةِ، يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ صِينَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَآلُهُ لِدَنَاءَتِهَا وَلَمْ يُصَانُوا عَنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ (١) . ثَانِيًا - جَائِزَةُ السَّبَقِ (الْجُعْل) : ٨ - السَّبْقُ - بِسُكُونِ الْبَاءِ - مَصْدَرُ سَبَقَ، وَالسَّبَقُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - الْجُعْل أَيِ الْمَال الَّذِي يُوضَعُ بَيْنَ الْمُتَسَابِقِينَ لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ، أَيِ الْجَائِزَةُ. وَيُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ بِالسَّبَقِ، أَوْ السِّبَاقِ، أَوْ الْمُسَابَقَةِ، وَيُرِيدُونَ مَا يَعُمُّ سِبَاقَ الْخَيْل أَوْ الإِْبِل وَالرَّمْيِ، لِقَوْل الأَْزْهَرِيِّ: النِّضَال فِي الرَّمْيِ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْل، وَالسِّبَاقُ يَكُونُ فِي الْخَيْل وَالرَّمْيِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ (٢) ﴾ قِيل: مَعْنَاهُ نَنْتَضِل بِالسِّهَامِ. وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْمُسَابَقَةِ فِي الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ بِلَفْظِ الْمُنَاضَلَةِ أَيِ الْمُبَارَاةِ وَالْمُغَالَبَةِ فِي الرَّمْيِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاضَلْتُهُ فَنَضَلْتُهُ، كَغَالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ، وَزْنًا وَمَعْنًى (٣) .

стр. 8906

٩ - وَالأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْمُسَابَقَةِ السُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ. فَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْل الْمُضْمَرَةِ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَبَيْنَ الْخَيْل الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي رُزَيْقٍ (١) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ فِي الْجُمْلَةِ (٢) . ١٠ - وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُسَابَقَةٌ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْجُعْل أَوِ الْجَائِزَةُ، وَمُسَابَقَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ. فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فَتَجُوزُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَسَابَقَتْهُ عَلَى رِجْلِهَا فَسَبَقَتْهُ، قَالَتْ ﵂: فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَال: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ (٣) . وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَال:

стр. 8907

ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا (١) . وَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ إِذَا قُصِدَ بِالْمُسَابِقَةِ التَّلَهِّي أَوِ الْمُفَاخَرَةُ فَتَكُونُ مَكْرُوهَةً، أَمَّا إِذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي وَالاِسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مَنْدُوبَةً، بَل تَكُونُ وَاجِبَةً عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا لَمْ يَتِمَّ التَّقَوِّي عَلَى الْجِهَادِ وَالإِْعْدَادُ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ إِلاَّ بِهَا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل (٢) ﴾ وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَابَقَةُ بِجَائِزَةٍ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا فِي الْخَيْل، وَالإِْبِل، وَالسَّهْمِ، لِحَدِيثِ: لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ (٣) . وَقَالُوا: إِنَّهَا تَكُونُ فِي هَذِهِ الثَّلاَثَةِ مَنْدُوبَةً إِذَا قُصِدَ بِهَا الإِْعْدَادُ لِلْجِهَادِ، بَل تَكُونُ وَاجِبَةً عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا لَمْ يَتِمَّ الإِْعْدَادُ لِلْجِهَادِ إِلاَّ بِهَا (٤) . ١١ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا فِي غَيْرِ

стр. 8908

الْخَيْل، وَالإِْبِل، وَالسَّهْمِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي " سِبَاقٍ ". وَالْجُعْل أَوِ الْجَائِزَةُ - يَجُوزُ بِشُرُوطٍ، مِنْهَا: كَوْنُهُ مَعْلُومًا جِنْسًا، وَقَدْرًا، وَصِفَةً، وَمِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ (١) . وَالْجَائِزَةُ قَدْ يُخْرِجُهَا الإِْمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا. فَإِنْ أَخْرَجَهَا الإِْمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِيَأْخُذَهَا السَّابِقُ مِنْهُمَا فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ عَقْدَ السَّبَقِ صَحِيحٌ وَالْجُعْل حَلاَلٌ. وَإِنْ أَخْرَجَهَا الْمُتَسَابِقَانِ لِيَأْخُذَهَا السَّابِقُ مِنْهُمَا لَمْ تَصِحَّ الْمُسَابَقَةُ وَلَمْ يَحِل الْجُعْل لأَِنَّ ذَلِكَ قِمَارٌ (٢) وَهُوَ حَرَامٌ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ، وَيَحِل الْجُعْل فِي حَالَةِ إِخْرَاجِهِ، أَوِ اشْتِرَاطِهِ مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ إِذَا أَدْخَلاَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلاً يُخْرِجُ عَقْدَ الْمُسَابَقَةِ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ، يَغْنَمُ إِنْ

стр. 8909

سَبَقَ وَلاَ يَغْرَمُ إِنْ سُبِقَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ رَمْيُهُ مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيَيْهِمَا، وَيَتَوَهَّمُ أَنْ يَسْبِقَهُمَا أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَ أَوْ يُسْبَقَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ ضَعِيفًا عَنْهُمَا بِحَيْثُ لاَ يُتَصَوَّرُ سَبْقُهُ، أَوْ قَوِيًّا بِحَيْثُ يَسْبِقُ لاَ مَحَالَةَ، فَإِنَّ السِّبَاقَ لاَ يَصِحُّ، وَالْجُعْل لاَ يَحِل؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ قِمَارًا، وَلِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ (١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ١٢ - وَالْجَائِزَةُ فِي حَالَةِ وُجُودِ الْمُحَلِّل تُسْتَحَقُّ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: إِنْ جَاءَ الْمُتَسَابِقَانِ وَالْمُحَلِّل كُلُّهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَحْرَزَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَبَقَ نَفْسِهِ وَلاَ شَيْءَ لِلْمُحَلِّل لأَِنَّهُ لاَ سَابِقَ فِيهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ سَبَقَا الْمُحَلِّل، وَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّل وَحْدَهُ أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا أَحْرَزَ سَبَقَ نَفْسِهِ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْمُحَلِّل شَيْئًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا وَالْمُحَلِّل أَحْرَزَ السَّابِقُ مَال نَفْسِهِ، وَيَكُونُ سَبَقُ

стр. 8910

الْمَسْبُوقِ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّل نِصْفَيْنِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَخْرَجَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ جُعْلاً مُتَسَاوِيًا أَوْ مُخْتَلِفًا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ مِنْهُمَا فِي الْجَرْيِ أَوِ الرَّمْيِ فَيُمْنَعُ لأَِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْقِمَارِ، وَمَنَعَ الشَّرْعُ فِي بَابِ الْمُعَاوَضَةِ مِنِ اجْتِمَاعِ الْعِوَضَيْنِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَيَظَل الْحُكْمُ الْمَنْعُ وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا يُمْكِنُ سَبْقُهُ لَهُمَا فِي الْجَرْيِ وَالرَّمْيِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ أَخَذَ الْجَمِيعَ؛ لِعَوْدِ الْجُعْل إِلَى مُخْرِجِهِ عَلَى تَقْدِيرِ سَبْقِهِ (٢) .

стр. 8911

جَائِفَةٌ التَّعْرِيفُ ١ - الْجَائِفَةُ لُغَةً الْجِرَاحَةُ الَّتِي وَصَلَتِ الْجَوْفَ. فَلَوْ وَصَلَتْ إِلَى جَوْفِ عَظْمِ الْفَخِذِ لَمْ تَكُنْ جَائِفَةً لأَِنَّ الْعَظْمَ لاَ يُعَدُّ مُجَوَّفًا (١) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَهِيَ الْجُرْحُ الَّذِي يَنْفُذُ وَيَصِل إِلَى جَوْفٍ، كَبَطْنٍ، وَصَدْرٍ، وَثُغْرَةِ نَحْرٍ، وَجَنْبَيْنِ، وَخَاصِرَةٍ، وَمَثَانَةٍ، وَعَجَّانٍ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَل مِنَ الشَّرَجِ شَيْئًا فَخَرَقَ بِهِ حَاجِزًا فِي الْبَطْنِ. وَلَوْ نَفَذَتِ الطَّعْنَةُ أَوِ الْجُرْحُ فِي الْبَطْنِ وَخَرَجَتْ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَجَائِفَتَانِ. وَتَحْصُل الْجَائِفَةُ بِكُل مَا يُفْضِي إِلَى بَاطِنِ جَوْفٍ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِيفَ بِحَدِيدَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ مُحَدِّدَةٍ، وَلاَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجَائِفَةُ وَاسِعَةً أَوْ ضَيِّقَةً وَلَوْ قَدْرَ إِبْرَةٍ (٢) .

стр. 8912

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي الْجَائِفَةِ. وَأَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَمْدًا أَمْ خَطَأً، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الَّذِي فِيهِ: وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (١) . وَعَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهَا فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لاَ قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلاَ الْجَائِفَةِ (٢) . وَاتَّفَقُوا فِي الْجَائِفَةِ إِذَا نَفَذَتْ مِنْ جَانِبٍ لآِخَرَ أَنَّهَا جَائِفَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ (٣) .

стр. 8913

وَإِنْ خَرَقَتْ جَائِفَةُ الْبَطْنِ الأَْمْعَاءَ، أَوْ لَذَعَتْ كَبِدًا أَوْ طِحَالاً، أَوْ كَسَرَتْ جَائِفَةُ الْجَنْبِ الضِّلْعَ، فَفِيهَا مَعَ الدِّيَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ. وَمَنْ مَاتَ بِجَائِفَةٍ فَيَتَعَيَّنُ الْقَتْل بِالسَّيْفِ عَلَى الْجَانِي (عِنْدَ مَنْ لاَ يَرَى الْقَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ) لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُفْعَل بِهِ كَفِعْلِهِ أَيْ يُجَافُ مَعَ قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيَذْكُرُونَ أَحْكَامًا فِيمَنْ أَجَافَ شَخْصًا جَائِفَتَيْنِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، وَفِيمَنِ الْتَحَمَتْ جَائِفَتُهُ فَفَتَحَهَا آخَرُ، وَفِيمَنْ وَسَّعَ جَائِفَةَ غَيْرِهِ فِي أَبْوَابِ الدِّيَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) . ٣ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ دَاوَى جَائِفَةً بِدَوَاءٍ فَوَصَل إِلَى جَوْفِهِ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ لَمْ يَصِل الدَّوَاءُ إِلَى بَاطِنِ الأَْمْعَاءِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ أَدْخَل شَيْئًا إِلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ (٢) .

стр. 8914

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ صَوْمَهُ لاَ يَفْسُدُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّوَاءُ مَائِعًا أَمْ غَيْرَ مَائِعٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَصِل إِلَى مَدْخَل الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (١) . ٤ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ بِإِقْطَارِ اللَّبَنِ فِي الْجَائِفَةِ مَا لَمْ يَصِل اللَّبَنُ إِلَى الْمَعِدَةِ لِخَرْقٍ فِي الأَْمْعَاءِ مَثَلاً؛ لأَِنَّ وُصُول اللَّبَنِ إِلَى الْجَوْفِ لاَ يَحْصُل بِهِ التَّغَذِّي، وَالْحُرْمَةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِمَا يَنْبُتُ بِهِ اللَّحْمُ، وَيَنْشُزُ بِهِ الْعَظْمُ وَيَنْدَفِعُ بِهِ الْجُوعُ (٢) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَوْل الآْخَرِ إِلَى أَنَّهُ يَحْصُل التَّحْرِيمُ بِوُصُول اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ وَلَوْ مِنْ جَائِفَةٍ (٣) .

стр. 8915

وَتَوَقَّفَ الْعَلاَّمَةُ الأَُجْهُورِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي اللَّبَنِ الْوَاصِل لِلْجَوْفِ مِنْ ثُقْبَةٍ فِي حِينِ رَجَّحَ الشَّيْخُ النَّفْرَاوِيُّ التَّحْرِيمَ (١) . جَارٌ انْظُرْ: جِوَارٌ، شُفْعَةٌ.

стр. 8916

جَارِحَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَارِحَةُ - وَاحِدَةُ الْجَوَارِحِ - وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الَّتِي تَكْسِبُ وَهِيَ مِنْ (جَرَحَ) وَمِنْ مَعَانِيهَا كَسَبَ وَتَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى كَلَمَ أَيْ شَقَّ الْجِلْدَ. قَال تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ (١) ﴾ أَيْ كَسَبْتُمْ. وَتُطْلَقُ عَلَى أَعْضَاءِ الإِْنْسَانِ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا؛ لأَِنَّهُ يَتَكَسَّبُ بِهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَتُطْلَقُ عَلَى ذَوَاتِ الصَّيْدِ مِنَ السِّبَاعِ كَالْكِلاَبِ، وَالطَّيْرِ كَالْبَازِي لأَِنَّهَا تَجْرَحُ لأَِهْلِهَا أَيْ تَكْسِبُ لَهُمْ (٢) . وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) . حُكْمُ مَا تَعْقِرُهُ الْجَارِحَةُ: ٢ - الأَْصْل أَنَّ مَأْكُول اللَّحْمِ يَحِل بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ، وَهُوَ أَعْلَى الْعُنُقِ، أَوْ اللَّبَّةِ وَهِيَ أَسْفَلُهُ

стр. 8917

إِذَا كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، أَمَّا غَيْرُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ كَالصَّيْدِ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَذْبَحٌ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الصَّيْدِ بِشُرُوطِهِ بِالْجَوَارِحِ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ مِمَّا يَجْرَحُ بِنَابِهِ كَالْكَلْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَغَيْرِهَا مِنْ ذَوَاتِ النَّابِ، وَالطَّيْرِ مِمَّا يَجْرَحُ بِمِخْلَبِهِ كَالْبَازِي، وَالشَّاهِينِ، وَالصَّقْرِ، مِمَّا لَهُ مِخْلَبٌ (١) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِل لَهُمْ قُل أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (٢) ﴾ . وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُل، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُل (٣) شُرُوطُ الْجَارِحَةِ الَّتِي يَحِل أَكْل صَيْدِهَا: ٣ - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِحِل مَا تَقْتُلُهُ الْجَوَارِحُ مِنَ

стр. 8918

الصَّيْدِ شُرُوطًا مِنْهَا: أ - أَنْ تَكُونَ الْجَارِحَةُ مِمَّا لَهُ نَابٌ أَوْ مِخْلَبٌ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَلاَ يَكُونَ نَجِسَ الْعَيْنِ. ب - أَنْ تَكُونَ مُعَلَّمَةً (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ (٢) ﴾ أَيْ مُعَلِّمِينَ، وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ السَّابِقُ وَقَوْلُهُ ﷺ فِيهِ: مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُل (٣) . ج - أَنْ يُوجَدَ الإِْرْسَال مِنْ صَاحِبِهَا فَلاَ يَحِل مَا يَقْتُلُهُ الْمُسْتَرْسِل بِنَفْسِهِ، وَأَنْ تَذْهَبَ الْجَارِحَةُ عَلَى سُنَنِ الإِْرْسَال، وَأَلاَّ يُشَارِكَهُ فِي الإِْرْسَال مَنْ لاَ يَحِل صَيْدُهُ، فَإِنْ شَارَكَهُ مَجُوسِيٌّ فَلاَ تَحِل. د - وَأَلاَّ يُشَارِكَ الْجَارِحَةَ فِي الأَْخْذِ مَا لاَ يَحِل الصَّيْدُ بِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ. هـ - أَلاَّ يَتَمَكَّنَ الصَّائِدُ مِنَ الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّيْدِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَرُمَ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الذَّبْحِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ. و أَنْ يَقْتُلَهُ جَرْحًا. فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَمْ يَحِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا تَحَامَل عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ بِضَغْطِهِ حَل فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ (٥) . ز - أَنْ لاَ تَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ:

стр. 8919

أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ عَدَمُ الأَْكْل، مَرَّاتٍ يَرْجِعُ عَدَدُهَا إِلَى الْعُرْفِ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (٢) ﴾ . وَالْجَارِحَةُ الآْكِلَةُ مِنَ الصَّيْدِ إِنَّمَا أَمْسَكَتْهُ لِنَفْسِهَا. وَلاَ يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الأَْكْل مِنَ الصَّيْدِ (٣) ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَرْكِ الأَْكْل فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ لِتَعَذُّرِ تَعْلِيمِهَا تَرْكَ الأَْكْل. وَهُنَاكَ شُرُوطٌ أُخْرَى بَعْضُهَا يَتَّصِل بِالصَّائِدِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّيْدِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَيْدٌ) .

стр. 8920

جَارِيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الْجَارِيَةِ لُغَةً: السَّفِينَةُ، وَفِتْيَةُ النِّسَاءِ، وَقِيل لِلأَْمَةِ جَارِيَةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ لِجَرْيِهَا مُسْتَسْخَرَةً فِي أَشْغَال مَوَالِيهَا (١) . وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالْفُقَهَاءُ إِنَّمَا عَنَوْا بِمُصْطَلَحِ جَارِيَةٍ بِمَعْنَى الْفَتَاةِ الصَّغِيرَةِ، وَالشَّابَّةِ، وَالأَْمَةِ . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْفَتَاةُ، وَالأَْمَةُ ٢ - الْفَتَاةُ: الشَّابَّةُ مُطْلَقًا حُرَّةً أَوْ أَمَةً. أَمَّا الْجَارِيَةُ فَتُطْلَقُ عَلَى الشَّابَّةِ، وَعَلَى الصَّغِيرَةِ، وَعَلَى الأَْمَةِ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا وَالأَْمَةُ: لاَ تُطْلَقُ إِلاَّ عَلَى الرَّقِيقَةِ مِنَ النِّسَاءِ. أَحْكَامُ الْجَارِيَةِ فِي الإِْطْلاَقَاتِ الْفِقْهِيَّةِ: ٣ - الأَْصْل أَنْ تَخْتَلِفَ الْجَارِيَةُ عَنِ الْغُلاَمِ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ مِنْهَا:

стр. 8921

أ - حُكْمُ التَّطَهُّرِ مِنْ بَوْل الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الرَّضِيعَ يُطَهَّرُ الثَّوْبُ مِنْ بَوْلِهِ بِالنَّضْحِ بِالْمَاءِ، أَمَّا الْجَارِيَةُ فَلاَ يُطَهَّرُ مِنْ بَوْلِهَا إِلاَّ بِالْغَسْل بِالْمَاءِ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ يُغْسَل مِنْ بَوْل الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْل الْغُلاَمِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل فِي بَابِ النَّجَاسَةِ. ب - حُكْمُ الْعَقِّ عَنِ الْمَوْلُودِ، يُعَقُّ عَنِ الْغُلاَمِ بِشَاتَيْنِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُبَيَّنُ فِي مُصْطَلَحِ: " عَقِيقَةٌ ". ج - الإِْجْبَارُ فِي النِّكَاحِ، فَالْجَارِيَةُ، لِوَلِيِّهَا أَنْ يَجْبُرَهَا عَلَى الزَّوَاجِ فِي أَحْوَالٍ مَحْدُودَةٍ، يُنْظَرُ بَيَانُهَا وَبَيَانُ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْجْبَارِ فِي مُصْطَلَحِ " نِكَاحٌ " " وَإِجْبَارٌ ". د - وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ أَيْضًا فِي بَقَاءِ الْجَارِيَةِ وَالْغُلاَمِ فِي حَضَانَةِ الْحَاضِنَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَضَانَةٌ) .

стр. 8922

جَاسُوسِيَّةٌ انْظُرْ: تَجَسُّسٌ. جَامِعٌ انْظُرْ: مَسْجِدٌ.

стр. 8923

جُبَارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجُبَارُ: بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ. مِنْ مَعَانِيهِ الْهَدَرُ وَالْبَرِيءُ مِنَ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ: أَنَا مِنْهُ خَلاَوَةٌ وَجُبَارٌ وَكُل مَا أُفْسِدَ وَأُهْلِكَ كَالسَّيْل يُقَال: ذَهَبَ دَمُهُ جُبَارًا أَيْ هَدَرًا. وَمِنْهُ: حَرْبٌ جُبَارٌ: أَيْ لاَ قَوَدَ فِيهَا وَلاَ دِيَةَ (١) . وَلَمْ يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ جُبَارٍ إِلاَّ بِمَعْنَى الْهَدَرِ. فَإِذَا وَصَفُوا فِعْل آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ جُبَارٌ فَالْمُرَادُ أَنَّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْفِعْل يَكُونُ هَدَرًا، لاَ ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ بِقِصَاصٍ، وَلاَ دِيَةٍ، وَلاَ قِيمَةٍ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الضَّمَانُ: ٢ - الضَّمَانُ يَأْتِي لَمَعَانٍ مِنْهَا:

стр. 8924

الاِلْتِزَامُ بِالْغُرْمِ، وَمِنْهَا الْكَفَالَةُ (١) . قَال الْكَفَوِيُّ: " هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ رَدِّ مِثْل الْهَالِكِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا (٢) ". فَالْحُكْمُ الَّذِي يُفِيدُهُ لَفْظُ الضَّمَانِ بِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ ضِدًّا لِلْحُكْمِ الَّذِي يُفِيدُهُ لَفْظُ " الْجُبَارُ ". الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٣ - يَتَعَرَّضُ الْفُقَهَاءُ لِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْجِنَايَاتِ وَالضَّمَانِ، وَمِنَ الصُّوَرِ الَّتِي اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِهَا جُبَارًا: أ - مَا أَتْلَفَتْهُ الدَّابَّةُ الْمُنْفَلِتَةُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْ صَاحِبِهَا أَوْ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (٣) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ (٤)

стр. 8925

وَالْمُرَادُ بِالْعَجْمَاءِ: الْبَهِيمَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا لاَ تَتَكَلَّمُ (١) . وَلَيْسَ ذِكْرُ الْجَرْحِ فِي الْحَدِيثِ قَيْدًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ إِتْلاَفُهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِجَرْحٍ أَمْ بِغَيْرِهِ (٢) . ب - وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي مَوَاتٍ فَسَقَطَ فِيهِ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، فَمَاتَ أَوْ جُرِحَ، أَوْ عَطِبَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَسَبُّبٌ فِي ذَلِكَ أَوْ تَغْرِيرٌ (٣) . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ - وَالْبِئْرُ جُبَارٌ. وَكَذَا الأَْمْرُ لَوْ حَفَرَ مَعْدِنًا (أَيْ مَنْجَمًا) فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي مَوَاتٍ مِنْ الأَْرْضِ، فَوَقَعَ فِيهِ إِنْسَانٌ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، لِقَوْلِهِ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ (٤) . وَمِنْ صُوَرِ الإِْتْلاَفَاتِ الَّتِي حَصَل فِيهَا خِلاَفٌ هَل تَكُونُ هَدَرًا أَوْ يَلْزَمُ فِيهَا الضَّمَانُ. أ - إِتْلاَفُ الْبَهَائِمِ لِلزَّرْعِ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا. ب - مَا تُتْلِفُهُ الدَّابَّةُ الْمَرْكُوبَةُ بِرِجْلِهَا أَوْ يَدِهَا. وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِتْلاَفٌ، وَضَمَانٌ) .

стр. 8926

جِبَايَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِبَايَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجَمْعُ وَالتَّحْصِيل يُقَال: جَبَيْتُ الْمَال وَالْخَرَاجَ أَجْبِيهِ جِبَايَةً، جَمَعْتُهُ، وَجَبَوْتُهُ أَجْبُوهُ جِبَاوَةً مِثْلُهُ، وَالْجَابِيَةُ حَوْضٌ ضَخْمٌ وَالْجَابِي: هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْخَرَاجَ، وَكَذَا مَنْ يَجْمَعُ الْمَاءَ لِلإِْبِل، وَالْجِبَاوَةُ: اسْمُ الْمَاءِ الْمَجْمُوعِ (١) وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحِسَابُ: ٢ - الْحِسَابُ هُوَ الْعَمَل الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَبْطِ الْمَال الَّذِي يَجْمَعُهُ الْجُبَاةُ، وَمَعْرِفَةِ مَوْرِدِهِ وَمَصْرِفِهِ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، إِحْصَاءُ الْمَال وَعَدُّهُ، وَالْحِسَابُ، مِنْ وَسَائِل ضَبْطِ الْجِبَايَةِ (٢) .

стр. 8927

ب - الْخَرْصُ: ٣ - الْخَرْصُ تَقْدِيرُ مَا عَلَى النَّخْل وَنَحْوِهِ مِنْ ثَمَرٍ، بِالظَّنِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَرْصِ وَالْجِبَايَةِ، أَنَّ الْخَارِصَ عَمَلُهُ التَّقْدِيرُ، وَالْجَابِي عَمَلُهُ الْجَمْعُ (١) . ج - الْعِرَافَةُ: ٤ - الْعِرَافَةُ وَمَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ: تَدْبِيرُ الْقَوْمِ وَالْقِيَامُ عَلَى سِيَاسَتِهِمْ، وَالْعَرِيفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الَّذِي يُعَرِّفُ الْجَابِيَ أَرْبَابَ الصَّدَقَاتِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُمْ (٢) . د - الْكِتَابَةُ: ٥ - الْكِتَابَةُ: تَقْيِيدُ مَا يَدْفَعُهُ أَرْبَابُ الأَْمْوَال مِنَ الصَّدَقَةِ (٣) . وَهِيَ مِنْ وَسَائِل ضَبْطِ الْجِبَايَةِ. حُكْمُ الْجِبَايَةِ: ٦ - جِبَايَةُ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ لِبَيْتِ الْمَال وَاجِبَةٌ عَلَى الإِْمَامِ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَالَّذِي يَلْزَمُهُ (أَيِ الإِْمَامَ) مِنَ الأُْمُورِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ. . ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْهَا: " جِبَايَةَ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ نَصًّا وَاجْتِهَادًا مِنْ غَيْرِ عَسْفٍ (٤) ".

стр. 8928

مَحَل الْجِبَايَةِ: الْجِبَايَةُ تَكُونُ فِي الأَْمْوَال الَّتِي تَرِدُ إِلَى بَيْتِ الْمَال كَبَعْضِ أَمْوَال الزَّكَاةِ وَأَمْوَال الْفَيْءِ. وَفِيمَا يَلِي مَا يَتَعَلَّقُ بِجِبَايَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا. أ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ: ٧ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ وَاجِبَةٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ؛ وَلأَِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الْمَال وَلاَ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَل، فَوَجَبَ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَأْخُذُ (١) . وَعَمَل الْجَابِي إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْمْوَال الَّتِي وَلاَّهُ الإِْمَامُ جِبَايَتَهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَهِيَ تَشْمَل الْعَامِلِينَ عَلَى جِبَايَتِهَا، وَذَكَرُوا أَيْضًا مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل مِنْ جَابٍ وَغَيْرِهِ مُقَابِل عَمَلِهِ، وَذَكَرُوا أَيْضًا الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا جِبَايَةُ الزَّكَاةِ. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ النِّقَاطِ التَّالِيَةِ: أَوَّلاً - شُرُوطُ الْجَابِي: ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِلْجَابِي شُرُوطًا هِيَ: - أ - الإِْسْلاَمُ: ٨ - اشْتِرَاطُ الإِْسْلاَمِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 8929

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ (١) ﴾ وَلأَِنَّ الْعَمَل الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْجَابِي وَغَيْرُهُ فِي الزَّكَاةِ إِنَّمَا هُوَ وِلاَيَةٌ فَاشْتُرِطَ فِيهَا الإِْسْلاَمُ كَسَائِرِ الْوِلاَيَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُهُ؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ أَجْرًا مُقَابِل جِبَايَتِهِ (٢) . ب - أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا: ٩ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَابِي بَالِغًا عَاقِلاً لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِلْقَبْضِ؛ وَلأَِنَّ عَمَلَهُ وِلاَيَةٌ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ (٣) . ج - الْكِفَايَةُ: ١٠ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْحَنَابِلَةُ فِي كُتُبِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْكِفَايَةِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْقِيَامِ بِعَمَلِهِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّل أَعْبَائِهِ، فَإِنَّ الأَْمَانَةَ وَحْدَهَا لاَ تَفِي مَا لَمْ يَصْحَبْهَا الْقُوَّةُ عَلَى الْعَمَل وَالْكِفَايَةُ فِيهِ (٤) .

стр. 8930

د - الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ مَا يُجْبَى مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا: ١١ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ مِنْ جَابٍ وَغَيْرِهِ عَالِمًا بِحُكْمِهَا لِئَلاَّ يَأْخُذَ غَيْرَ الْوَاجِبِ أَوْ يُسْقِطَ وَاجِبًا، أَوْ يَدْفَعَ لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ يَمْنَعَ مُسْتَحِقًّا. وَعِبَارَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ: وَلاَ يَبْعَثُ إِلاَّ فَقِيهًا لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لاَ يُؤْخَذُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ مِنْ مَسَائِل الزَّكَاةِ وَأَحْكَامِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعَامِل إِنْ كَانَ مِنْ عُمَّال التَّفْوِيضِ، أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُفَوَّضُ إِلَيْهِمْ عُمُومُ الأَْمْرِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِل مُنَفِّذًا وَقَدْ عَيَّنَ لَهُ الإِْمَامُ مَا يَأْخُذْهُ جَازَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ الْعُمَّال وَيَكْتُبُ لَهُمْ مَا يَأْخُذُونَ وَكَذَلِكَ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَّالِهِ (١) . هـ - الْعَدَالَةُ وَالأَْمَانَةُ: ١٢ - ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَجَعَل بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الأَْمَانَةَ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا وَالْمُرَادُ بِالْعَدَالَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ فَاسِقًا؛ لأَِنَّ الْفَاسِقَ
следующие страницы →