← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

٤ - الْجِزْيَةُ مَوْرِدٌ مَالِيٌّ تَسْتَعِينُ بِهِ الدَّوْلَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْحَاجَاتِ الأَْسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ . ١٥ - تُعْتَبَرُ الْجِزْيَةُ مَوْرِدًا مَالِيًّا مِنْ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْحَاجَاتِ الأَْسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ: كَالدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ، وَتَوْفِيرِ الأَْمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَتَحْقِيقِ التَّكَافُل الاِجْتِمَاعِيِّ، وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ: كَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجُسُورِ وَالطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ: " فِي أَخْذِهَا مَعُونَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَرِزْقٌ حَلاَلٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ (١) ". وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: " بَل هِيَ نَوْعُ إِذْلاَلٍ لَهُمْ وَمَعُونَةٌ لَنَا (٢) ". وَجِبَايَةُ الْمَال لَيْسَتْ هِيَ الْهَدَفُ الأَْسَاسِيُّ مِنْ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، وَإِنَّمَا الْهَدَفُ الأَْسَاسِيُّ هُوَ تَحْقِيقُ خُضُوعِ أَهْل الذِّمَّةِ إِلَى حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَيْشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لِيَطَّلِعُوا عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ وَعَدْل الْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ هَذِهِ الْمَحَاسِنُ بِمَثَابَةِ الأَْدِلَّةِ الْمُقْنِعَةِ لَهُمْ عَلَى الإِْقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ وَالدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ، وَالَّذِي يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي

стр. 9067

الإِْسْلاَمِ، وَأَنَّ الْحُكُومَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ لاَ تُقْدِمُ عَلَى فَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى الأَْفْرَادِ إِلاَّ بَعْدَ تَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَالْجِزْيَةِ، وَهِيَ تُفَضِّل دُخُول أَهْل الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ فِي الإِْسْلاَمِ وَإِعْفَاءَهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْكُفْرِ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ؛ لأَِنَّهَا دَوْلَةُ هِدَايَةٍ لاَ جِبَايَةٍ. جَاءَ فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَال: " كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. . فَاعْرِضْ عَلَى صَاحِبِ الإِْسْكَنْدَرِيَّةِ أَنْ يُعْطِيَكَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ تُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ سَبْيِهِمْ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَبَيْنَ دِينِ قَوْمِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ مِنْهُمُ الإِْسْلاَمَ فَهُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنِ اخْتَارَ دِينَ قَوْمِهِ وُضِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ مَا يُوضَعُ عَلَى أَهْل دِينِهِ " ثُمَّ قَال: " فَجَمَعْنَا مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ السَّبَايَا وَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى، فَجَعَلْنَا نَأْتِي بِالرَّجُل مِمَّنْ فِي أَيْدِينَا، ثُمَّ نُخَيِّرُهُ بَيْنَ الإِْسْلاَمِ وَبَيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَإِذَا اخْتَارَ الإِْسْلاَمَ كَبَّرْنَا تَكْبِيرَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ تَكْبِيرِنَا حِينَ نَفْتَحُ الْقَرْيَةَ، ثُمَّ نَحُوزُهُ إِلَيْنَا. وَإِذَا اخْتَارَ النَّصْرَانِيَّةَ نَخَرَتِ النَّصَارَى - أَيْ أَخْرَجُوا أَصْوَاتًا مِنْ أُنُوفِهِمْ - ثُمَّ حَازُوهُ إِلَيْهِمْ وَوَضَعْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَجَزِعْنَا مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّهُ رَجُلٌ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْهِمْ. . فَكَانَ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهُمْ (١) ".

стр. 9068

أَنْوَاعُ الْجِزْيَةِ: قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْجِزْيَةَ - بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ - إِلَى أَقْسَامٍ، فَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ رِضَا الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَعَدَمِ رِضَاهُ - إِلَى صُلْحِيَّةٍ وَعَنْوِيَّةٍ. وَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا: هَل تَكُونُ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى الأَْمْوَال الَّتِي يَكْتَسِبُهَا الذِّمِّيُّ؟ إِلَى جِزْيَةِ رُءُوسٍ وَجِزْيَةٍ عُشْرِيَّةٍ. وَقَسَّمُوهَا - بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إِلَى طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَوْصَافِهِمْ وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَيْهَا - إِلَى جِزْيَةِ أَشْخَاصٍ، وَجِزْيَةِ طَبَقَاتٍ أَوْ أَوْصَافٍ. أَوَّلاً - الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ وَالْعَنْوِيَّةُ: ١٦ - صَرَّحَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (١) ، وَلاَ يَرِدُ هَذَا التَّقْسِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُمْ يَرَوْنَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ بِدُونِ رِضَاهُمْ (٢) . فَالْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ (٣) .

стр. 9069

وَعَرَّفَهَا الْعَدَوِيُّ بِأَنَّهَا: مَا الْتَزَمَ كَافِرٌ قَبْل الاِسْتِعْلاَءِ عَلَيْهِ أَدَاءَهُ مُقَابِل إِبْقَائِهِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ (١) وَيُمَثَّل لِهَذَا النَّوْعِ بِمَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ لأَِهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ (٢) ، وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ عُمَرَ ﵁ لأَِهْل بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ: فَهِيَ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى أَهْل الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً بِدُونِ رِضَاهُمْ، فَيَضَعُهَا الإِْمَامُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ الَّذِينَ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ (٣) . وَقَدْ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا: " مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لأَِمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ وَصَوْنِهِ، وَيُمَثَّل لِهَذَا النَّوْعِ بِمَا فَرَضَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ (٤) . الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَالْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ: ١٧ - تَفْتَرِقُ الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ عَنِ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ وَهِيَ: ١ - الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ تُوضَعُ عَلَى أَهْل

стр. 9070

الصُّلْحِ مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ طَلَبُوا بِاخْتِيَارِهِمْ وَرِضَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُصَالَحَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ. أَمَّا الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى الْمَغْلُوبِينَ بِدُونِ رِضَاهُمْ. ٢ - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ مُحَدَّدَةُ الْمِقْدَارِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَنُبَيِّنُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ. أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِتِّفَاقُ. ٣ - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ يُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ كَالْعَقْل وَالْبُلُوغِ وَالذُّكُورَةِ أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لَهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ، فَإِذَا صَالَحَ الإِْمَامُ أَهْل بَلَدٍ عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ أَوْلاَدِهِمُ الصِّغَارِ، وَعَنِ النِّسَاءِ جَازَ لِلإِْمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ. ٤ - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ تُضْرَبُ عَلَى الأَْشْخَاصِ وَلاَ تُضْرَبُ عَلَى الأَْمْوَال، أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ تُضْرَبَ عَلَى الأَْمْوَال كَمَا تُضْرَبُ عَلَى الأَْشْخَاصِ، فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى الْمَاشِيَةِ وَأَرْبَاحِ الْمِهَنِ الْحُرَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٥ - الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ تُضْرَبُ عَلَى الأَْشْخَاصِ تَفْصِيلاً وَلاَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ إِجْمَالاً، أَمَّا الْجِزْيَةُ الصُّلْحِيَّةُ فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ إِجْمَالاً وَتَفْصِيلاً، فَيَجُوزُ ضَرْبُهَا عَلَى أَهْل بَلَدٍ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كُل سَنَةٍ، كَالصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَهْل نَجْرَانَ، فَقَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي السَّنَةِ.

стр. 9071

ثَانِيًا - جِزْيَةُ الرُّءُوسِ، وَالْجِزْيَةُ عَلَى الأَْمْوَال: قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْجِزْيَةَ - بِاعْتِبَارِ الْمَحَل الَّذِي تَجِبُ فِيهِ - إِلَى جِزْيَةِ رُءُوسٍ وَجِزْيَةٍ عَلَى الأَْمْوَال. ١٨ - فَجِزْيَةُ الرُّءُوسِ تُوضَعُ عَلَى الأَْشْخَاصِ: كَدِينَارٍ عَلَى كُل شَخْصٍ، وَمِنْ ذَلِكَ جِزْيَةُ أَهْل الْيَمَنِ، حَيْثُ وَضَعَ الرَّسُول ﷺ عَلَى كُل حَالِمٍ دِينَارًا (١) . وَالْجِزْيَةُ الْعُشْرِيَّةُ: مَا يُفْرَضُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ: كَالْعُشْرِ أَوْ نِصْفِ الْعُشْرِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِهْل " مَقْنَا (٢) " عَلَى رُبُعِ عَرُوكِهِمْ (٣) وَغُزُولِهِمْ وَرُبُعِ ثِمَارِهِمْ (٤) . وَكَذَا مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ عُمَرَ ﵁ لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى نِصْفِ عُشْرِ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ ضِعْفِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ (٥) .

стр. 9072

فَالْجِزْيَةُ الْعُشْرِيَّةُ - بِهَذَا الْوَصْفِ - تَدْخُل تَحْتَ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ الَّتِي تَتِمُّ بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَبَيْنَ أَهْل الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَمَا يَجُوزُ عَلَى أَشْخَاصِهِمْ. وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا إِلَى مُصْطَلَحِ: (عُشْرٌ) . طَبِيعَةُ الْجِزْيَةِ: ١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْجِزْيَةِ، هَل هِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، أَمْ أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ مُعَوَّضٍ، أَمْ أَنَّهَا صِلَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا لاَ تُقْبَل مِنَ الذِّمِّيِّ إِذَا بَعَثَ بِهَا مَعَ شَخْصٍ آخَرَ، بَل يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ، فَيُعْطِي قَائِمًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢) ﴾ . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ - يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَنِيبٍ فِيهَا أَحَدًا (٣) . فَلاَ بُدَّ

стр. 9073

مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَهُوَ بِحَالَةِ الذُّل وَالصَّغَارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ. وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ. وَلاَ شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الأَْوَّل، لأَِنَّ الْكُفْرَ مَعْصِيَةٌ وَشَرٌّ، وَلَيْسَ طَاعَةً فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْجَزَاءِ: وَهُوَ الْعُقُوبَةُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ (١) . قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاسْتَدَل عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ بِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَهُوَ جِنَايَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسَبِّبُهَا عُقُوبَةً، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَهُمُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلاَءُ الْمُقَاتِلُونَ (٢) . وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ابْتِدَاءً هُوَ الْقَتْل عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَلَمَّا دُفِعَ عَنْهُمُ الْقَتْل بِعَقْدِ الذِّمَّةِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْجِزْيَةَ، صَارَتِ الْجِزْيَةُ عُقُوبَةً بَدَل عُقُوبَةِ الْقَتْل. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ عِوَضًا عَنْ مُعَوَّضٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُعَوَّضِ الَّذِي تَجِبُ الْجِزْيَةُ بَدَلاً عَنْهُ. فَقَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ عِوَضًا عَنِ النُّصْرَةِ: وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ نُصْرَةَ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحِمَايَةِ دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالدِّفَاعِ عَنْهَا.

стр. 9074

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النُّصْرَةَ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ رَعَايَا الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ وَمِنْهُمْ أَهْل الذِّمَّةِ. فَالْمُسْلِمُونَ يَقُومُونَ بِنُصْرَةِ الْمُقَاتِلَةِ: إِمَّا بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِمَّا بِأَمْوَالِهِمْ، فَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَيُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَل أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) ﴾ . وَلَمَّا فَاتَتِ النُّصْرَةُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ بِأَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ إِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ النُّصْرَةُ بِالْمَال: وَهِيَ الْجِزْيَةُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ بَدَلاً عَنِ الْعِصْمَةِ أَوْ حَقْنِ الدَّمِ، كَمَا تَجِبُ عِوَضًا عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالإِْقَامَةِ فِيهَا. فَإِذَا كَانَتْ عِوَضًا عَنِ الْعِصْمَةِ وَحَقْنِ الدَّمِ تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ. وَإِذَا كَانَتْ عِوَضًا عَنِ السُّكْنَى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالإِْقَامَةِ فِيهَا، تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَل الإِْجَارَةِ (٢) .

стр. 9075

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا بَدَلاً عَنِ الْعِصْمَةِ أَوْ حَقْنِ الدَّمِ بِآيَةِ الْجِزْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى دِمَاءَ الْكُفَّارِ ثُمَّ حَقَنَهَا بِالْجِزْيَةِ، فَكَانَتِ الْجِزْيَةُ عِوَضًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا عِوَضًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مَعَ الإِْصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْخُضُوعِ لأَِحْكَامِ الإِْسْلاَمِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لاَ يُقَرُّونَ فِي دَارِنَا، وَلاَ يَصِيرُونَ مِنْ أَهْل تِلْكَ الدَّارِ إِلاَّ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ. فَتَكُونُ الْجِزْيَةُ بِذَلِكَ بَدَلاً عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الْقَوْل مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ صِلَةٌ مَالِيَّةٌ تَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَلَيْسَتْ بَدَلاً عَنْ شَيْءٍ، فَهِيَ لَيْسَتْ بَدَلاً عَنْ حَقْنِ الدَّمِ؛ لأَِنَّ قَتْل الْكَافِرِ جَزَاءٌ مُسْتَحَقٌّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَجُوزُ إِسْقَاطُهُ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ أَصْلاً كَالْحُدُودِ، وَلِذَا لاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْل الأَْدَاءِ. وَهِيَ لَيْسَتْ بَدَلاً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ؛ لأَِنَّ الذِّمِّيَّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ (١) .

стр. 9076

عَقْدُ الذِّمَّةِ: ٢٠ - يَتَرَتَّبُ عَلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ لُزُومُ الْجِزْيَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ. فَعَقْدُ الذِّمَّةِ هُوَ: الْتِزَامُ تَقْرِيرِ الْكُفَّارِ فِي دَارِنَا وَحِمَايَتِنَا لَهُمْ، وَالذَّبِّ عَنْهُمْ بِشَرْطِ بَذْل الْجِزْيَةِ (١) . إِجَابَةُ الْكَافِرِ إِلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ: ٢١ - قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا طَلَبَتْ طَائِفَةٌ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَكَانَتْ مِمَّنْ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ بِالْجِزْيَةِ وَجَبَتْ إِجَابَتُهُمْ مَا لَمْ تُخَفْ غَائِلَتُهُمْ، أَيْ غَدْرُهُمْ بِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الإِْقَامَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ عَقْدُهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ﴾ . ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢) ﴾ فَجَعَل إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ فَمَتَى بَذَلُوهَا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ. وَبِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فَادْعُهُمْ إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ

стр. 9077

أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ (١) ﴾ . وَفِي كِتَابِ (الْبَيَانِ) وَغَيْرِهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ فِيهَا مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ (٢) . رُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ: ٢٢ - وَرُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ: إِيجَابٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَصِيغَتُهُ إِمَّا لَفْظٌ صَرِيحٌ يَدُل عَلَيْهِ مِثْل لَفْظِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ عَلَى أُسُسٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِمَّا فِعْلٌ يَدُل عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ، كَأَنْ يَدْخُل حَرْبِيٌّ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ وَيَمْكُثَ فِيهَا سَنَةً، فَيُطْلَبُ مِنْهُ إِمَّا أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُصْبِحَ ذِمِّيًّا. وَأَمَّا الْقَبُول فَيَكُونُ مِنْ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، وَلِذَا لَوْ قَبِل عَقْدَ الذِّمَّةِ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ عَقْدِ الأَْمَانِ لاَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَيُمْنَعُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنَ الْقَتْل وَالأَْسْرِ (٣) . ٢٣ - وَيُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ التَّأْبِيدُ: فَإِنْ وُقِّتَ الصُّلْحُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالنِّسْبَةِ

стр. 9078

لِعِصْمَةِ الإِْنْسَانِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ بَدِيلٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَالإِْسْلاَمُ مُؤَبَّدٌ، فَكَذَا بَدِيلُهُ، وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ. وَهَذَا شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَعَقْدُ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ لاَ يَمْلِكُ الْمُسْلِمُونَ نَقْضَهُ مَا دَامَ الطَّرَفُ الآْخَرُ مُلْتَزِمًا بِهِ، وَيَنْتَقِضُ مِنْ قِبَل أَهْل الذِّمَّةِ بِأُمُورٍ اخْتُلِفَ فِيهَا، وَلاَ يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْتِزَامَ الْجِزْيَةِ بَاقٍ، وَيَسْتَطِيعُ الْحَاكِمُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَى أَدَائِهَا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْمُخَالَفَاتِ فَهِيَ مَعَاصٍ ارْتَكَبُوهَا، وَهِيَ دُونَ الْكُفْرِ، وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى (٢) . فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوْ بِالاِجْتِمَاعِ عَلَى قِتَال الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ، أَوْ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَتْل مُسْلِمٍ أَوِ الزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ، أَوْ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِطْلاَعِ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الأُْمُورِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِقِتَالِهِمْ لَنَا

стр. 9079

أَوِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ. أَمَّا لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ دَل أَهْل الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِْسْلاَمِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ الرَّسُول ﷺ بِسُوءٍ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ وَإِلاَّ فَلاَ يَنْتَقِضُ. وَيَنْتَقِضُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَحَدِ أُمُورِ ثَلاَثَةٍ: وَهِيَ أَنْ يُسْلِمَ الذِّمِّيُّ، أَوْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَغْلِبَ الذِّمِّيُّونَ عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنَا (١) . مَحَل الْجِزْيَةِ: ٢٤ - الْجِزْيَةُ تُفْرَضُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْتَأْمَنِ الَّذِي يَدْخُل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِعَقْدِ أَمَانٍ مُؤَقَّتٍ لِقَضَاءِ غَرَضٍ ثُمَّ يَرْجِعُ، قَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا أَطَال الْمُسْتَأْمَنُ الْمُقَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَيُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوْلاً وُضِعَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. فَمَحَل الْجِزْيَةِ إِذَا هَمَّ الذِّمِّيُّونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ إِقَامَةً دَائِمَةً أَوْ طَوِيلَةً، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَكْثَرَ

стр. 9080

مِنْ سَنَةٍ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الذِّمِّيِّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الإِْقَامَةُ بِالْجِزْيَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّوَائِفِ الَّتِي يُسْمَحُ لَهَا بِالإِْقَامَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَالَّتِي تُقْبَل مِنْهَا الْجِزْيَةُ (١) . الطَّوَائِفُ الَّتِي تُقْبَل مِنْهَا الْجِزْيَةُ: ٢٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَوْصَافِ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ الَّذِينَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ. أَهْل الْكِتَابِ: ٢٦ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِأَهْل الْكِتَابِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ: كُل مَنْ يُؤْمِنُ بِنَبِيٍّ وَيُقِرُّ بِكِتَابٍ، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ آمَنَ بِزَبُورِ دَاوُدَ ﵇ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ دِينًا سَمَاوِيًّا مُنَزَّلاً بِكِتَابٍ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِجَمِيعِ فِرَقِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ.

стр. 9081

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِل الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١) ﴾ فَالطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ أُنْزِل عَلَيْهِمَا الْكِتَابُ مِنْ قَبْلِنَا هُمَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَأَمَّا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ فَقَدْ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالاً لاَ أَحْكَامَ فِيهَا، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَحْكَامٍ. قَال الشِّهْرِسْتَانِيُّ: أَهْل الْكِتَابِ: الْخَارِجُونَ عَنِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، مِمَّنْ يَقُول بِشَرِيعَةٍ وَأَحْكَامٍ وَحُدُودٍ وَأَعْلاَمٍ. . . وَمَا كَانَ يَنْزِل عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ ﵈ مَا كَانَ يُسَمَّى كِتَابًا، بَل صُحُفًا (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي: (يَهُودٌ) (وَنَصَارَى) . أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ: ٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ

стр. 9082

وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢) ﴾ . وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ، فَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَأُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الْجَنْدَل. فَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال: " أَوَّل مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْل نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى (٣) " وَأَهْل نَجْرَانَ عَرَبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وَقَدْ كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مُعَاذٍ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ (٤) ، وَلاَ يُفْتَنُ يَهُودِيٌّ عَنْ يَهُودِيَّتِهِ (٥) .

стр. 9083

قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ قَبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ وَهُمْ عَرَبٌ إِذْ كَانُوا أَهْل كِتَابٍ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالإِْجْمَاعِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَبِلاَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ. فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ كَانُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ (١) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ. وَقَدْ نَسَبَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٢) . الْمَجُوسُ: ٢٨ - وَالْمَجُوسُ هُمْ عَبَدَةُ النَّارِ الْقَائِلُونَ أَنَّ لِلْعَالَمِ أَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ مُدَبِّرَيْنِ، يَقْتَسِمَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ، وَالصَّلاَحَ وَالْفَسَادَ، أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالآْخَرُ الظُّلْمَةُ. وَفِي الْفَارِسِيَّةِ " يَزْدَانَ " " وَأَهْرَمَنَ (٣) ".

стр. 9084

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا (١) . ٢٩ - وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ أَوِ الْبَحْرَيْنِ. رَوَى ابْنُ زَنْجُوَيْهِ - بِسَنَدِهِ - إِلَى الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَال: كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِل مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لاَ يُؤْكَل لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلاَ تُنْكَحَ لَهُمُ امْرَأَةٌ (٢) . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

стр. 9085

ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَال: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ أَنِّي لَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ. (١) ﴾ . قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مِنَ الْكَلاَمِ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ؛ لأَِنَّ الْمُرَادَ سُنَّةُ أَهْل الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ، أَيْ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ، وَلاَ تُؤْكَل ذَبَائِحُهُمْ وَلاَ تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ (٢) . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسٍ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ الْبَرْبَرِ (٣) . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَعَمِل بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلاَ مُخَالِفٍ. وَقَدْ

стр. 9086

نَقَل هَذَا الإِْجْمَاعَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ: مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ قُدَامَةَ (١) . وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ إِلاَّ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلاَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٢) ﴾ الآْيَةَ. فَإِنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ غَيْرَ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ لاَ يُشَارِكُونَهُمْ فِي حُكْمِ الآْيَةِ (٣) . وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنَ الْمَجُوسِ الْعَرَبِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ إِلاَّ وَجَمِيعُهُمْ أَسْلَمَ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلاَفِ الإِْسْلاَمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٤) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَجُوسٌ) . قَبُول الْجِزْيَةِ مِنَ الصَّابِئَةِ: ٣٠ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّابِئَةَ مِنْ أَهْل

стр. 9087

الْكِتَابِ لأَِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَلاَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَلَكِنْ يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ فِي اسْتِقْبَالِهَا. وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْل أَبِي الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالضَّحَّاكِ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ (١) . وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل كِتَابٍ، لأَِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَعَابِدُ الْكَوَاكِبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ إِذَا كَانُوا مِنَ الْعَجَمِ (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ مُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ، وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ، فَلَيْسُوا أَهْل كِتَابٍ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، لأَِنَّهَا تُقْبَل مِنْ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ عِنْدَ مَالِكٍ (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ فِي تَدَيُّنِهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ إِذَا أَقَرَّ النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ، فَإِنْ كَفَّرُوهُمْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ (٤) .

стр. 9088

وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُمْ مِنَ النَّصَارَى؛ لأَِنَّهُمْ يَدِينُونَ بِالإِْنْجِيل. وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَالنَّصَارَى. وَذَهَبَ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إِلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْيَهُودِ لأَِنَّهُمْ يُسْبِتُونَ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: هُمْ يُسْبِتُونَ. فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْيَهُودِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي: (صَابِئَةٌ) . أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ٣١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُقْبَل مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنَ الْعَجَمِ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا (٢) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 9089

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١) ﴾ . فَالآْيَةُ تَقْضِي بِجَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَلاَ دَلاَلَةَ لِلَّفْظِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢) . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَال لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (٣) . فَالْحَدِيثُ عَامٌّ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلاَّ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ، فَلاَ تُقْبَل الْجِزْيَةُ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا وَلأَِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدِّمَةٌ (سَابِقَةٌ) مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ حُرْمَةَ لِمُعْتَقَدِهِمْ (٤) .

стр. 9090

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَخَذَ بِهَا هُوَ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَكَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلاَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (٢) ﴾ فَهُوَ خَاصٌّ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، لأَِنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (٣) .﴾ وَهِيَ الأَْشْهُرُ الأَْرْبَعَةُ الَّتِي كَانَ الْعَرَبُ يُحَرِّمُونَ الْقِتَال فِيهَا. وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ. رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ عَبَدَةَ الأَْوْثَانِ عَلَى الْجِزْيَةِ إلاَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْعَرَبِ (٤) . وَقَال ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: " أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبَى أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ

стр. 9091

مِنَ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقْبَل مِنْهُمْ إلاَّ الإِْسْلاَمَ أَوِ السَّيْفَ (١) ﴾ . وَاسْتَدَلُّوا مِنَ الْمَعْقُول: بِأَنَّ كُفْرَهُمْ قَدْ تَغَلَّظَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنَ نَزَل بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِ الْفَصَاحَةِ فِيهِ. وَكُل مَنْ تَغَلَّظَ كُفْرُهُ لاَ يُقْبَل مِنْهُ إلاَّ الإِْسْلاَمُ، أَوِ السَّيْفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَْعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (٢) ﴾ أَيْ تُقَاتِلُونَهُمْ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا (٣) . وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْوْزَاعِيِّ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَمِنْهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَعَبَدَةُ الأَْوْثَانِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنَ الْعَرَبِ، أَمْ مِنَ الْعَجَمِ، وَسَوَاءٌ أَكَانُوا قُرَشِيِّينَ أَمْ غَيْرَ قُرَشِيِّينَ (٤) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ. . . وَقَال: اغْزُوا

стр. 9092

بِاسْمِ اللَّهِ. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ. فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ (١) وَذَكَرَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَال الْجِزْيَةَ. فَقَوْلُهُ ﷺ : عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ. وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا يَحْصُل الْمَقْصُودُ وَهُوَ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ؛ لأَِنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ بِغَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ. فَالْحَدِيثُ يُفِيدُ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَأَهْل الْكِتَابِ. وَاسْتَدَلُّوا لِقَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ. وَنُقِل عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلاَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا النَّقْل كُلٌّ مِنِ ابْنِ رُشْدٍ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَابْنِ الْجَهْمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَعْلِيل عَدَمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: فَعَلَّلَهُ ابْنُ الْجَهْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ إكْرَامٌ لَهُمْ، لِمَكَانِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 9093

وَعَلَّلَهُ الْقَرَوِيُّونَ بِأَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ قَبْل تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى الشِّرْكِ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الشِّرْكِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ (١) . أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ: ٣٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل الْجِزْيَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ عَنِ الإِْسْلاَمِ (٢) . الأَْمَاكِنُ الَّتِي يُقَرُّ الْكَافِرُونَ فِيهَا بِالْجِزْيَةِ : ٣٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ بِالْجِزْيَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ مَا عَدَا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ: وَهِيَ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ أَبْيَنَ جَنُوبًا إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ شَمَالاً، وَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالاَهَا مِنْ سَاحِل الْبَحْرِ غَرْبًا إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ شَرْقًا (٣) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إقْرَارِهِمْ فِي بِلاَدِ الْحِجَازِ وَهِيَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا (٤) . وَاخْتَلَفُوا فِي إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فِيمَا عَدَا بِلاَدِ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا.

стр. 9094

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فِيمَا عَدَا بِلاَدَ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ لأَِنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ السُّكْنَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: أَوْصَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ (٢) . وَقَال يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَال: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ، وَقَال يَعْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّل تِهَامَةَ. فَقَوْلُهُ ﷺ : أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ يَدُل عَلَى وُجُوبِ إِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا. وَهُوَ عَامٌّ فِي كُل مُشْرِكٍ سَوَاءٌ أَكَانَ وَثَنِيًّا، أَمْ يَهُودِيًّا، أَمْ نَصْرَانِيًّا، أَمْ مَجُوسِيًّا. وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ

стр. 9095

قَال: قَاتَل اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَال ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ (١) . وَبِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَلاَّ يَنْزِل بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ (٢) . وَبِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لأَُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لاَ أَدَعَ إلاَّ مُسْلِمًا (٣) .

стр. 9096

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى إِقْرَارِ مَنْ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ عَلَى السُّكْنَى فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فِيمَا عَدَا الْحِجَازَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَتَجُوزُ لَهُمْ سُكْنَى الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِمَّا لاَ يَدْخُل فِي بِلاَدِ الْحِجَازِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل أَبِي عُبَيْدَةَ: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْل الْحِجَازِ، وَأَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (٢) . قَالُوا: فَقَوْلُهُ ﷺ : أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْل الْحِجَازِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَنْ تُقْبَل مِنْهُ الْجِزْيَةُ سُكْنَى الْحِجَازِ وَالإِْقَامَةُ فِيهِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى الإِْقَامَةِ فِيهِ بِجِزْيَةٍ، وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ كَانَ الصُّلْحُ فَاسِدًا. وَالْمُرَادُ بِالْحِجَازِ - كَمَا سَبَقَ - مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ أَخْرِجُوا أَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ بِلاَدَهُمْ - وَهِيَ الْيَمَنُ - مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ

стр. 9097

النَّبِيُّ ﷺ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلاَ يُحْدِثُوا حَدَثًا، وَلاَ يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَأَكَلُوا الرِّبَا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِهَذَا السَّبَبِ، لاَ لِكَوْنِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لاَ تَصْلُحُ لِسُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ (١) . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ (٢) . وَلأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ أَجْلَى مَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَقَدْ أَجَلاَهُمْ عُمَرُ مِنَ الْحِجَازِ وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ (٣) . شُرُوطُ مَنْ تُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ: ٣٤ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ عِدَّةَ شُرُوطٍ مِنْهَا: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالذُّكُورَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ. أَوَّلاً: الْبُلُوغُ: ٣٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ

стр. 9098

عَلَى صِبْيَانِ أَهْل الذِّمَّةِ (١) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي هَذَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، لاَ أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلاَفَهُمْ (٢) وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٣) . . .﴾ آيَةَ الْجِزْيَةِ. فَالْمُقَاتَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْقِتَال تَسْتَدْعِي أَهْلِيَّةَ الْقِتَال مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلاً لِلْقِتَال، وَالصِّبْيَانُ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ (٤) وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ. وَالْحَالِمُ: مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ بِالاِحْتِلاَمِ، أَوْ غَيْرِهِ

стр. 9099

مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ، فَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ أَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ وَلاَ يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلاَ يَضْرِبُوهَا إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى (١) . قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فِي مَعْنَى " مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى ": يَعْنِي مَنْ أَنْبَتَ، وَقَال فِي وَجْهِ الاِسْتِدْلاَل بِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الأَْصْل فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَمَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمُدْرِكِينَ دُونَ الإِْنَاثِ وَالأَْطْفَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَلَيْهِمُ الْقَتْل لَوْ لَمْ يُؤَدُّوهَا، وَأَسْقَطَهَا عَمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْل وَهُمُ الذُّرِّيَّةُ (٢) . وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَعَمِل بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ (٣) . فَقَدْ صَالَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَهْل بُصْرَى عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَجَرِيبَ حِنْطَةٍ، وَصَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْل أَنْطَاكِيَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلاَءِ، فَجَلاَ بَعْضُهُمْ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ، فَأَمَّنَهُمْ وَوَضَعَ عَلَى كُل حَالِمٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَجَرِيبًا.

стр. 9100

وَوَضَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى أَهْل مِصْرَ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ (١) وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَالصِّبْيَانُ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا (٢) . ٣٦ - وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَهَل يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ أَمْ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل يَتَنَاوَل الْبَالِغِينَ وَمَنْ سَيَبْلُغُ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ، وَلَمْ يُفْرِدُوا كُل مَنْ بَلَغَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ (٣) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنِ اخْتَارَ الذِّمَّةَ عُقِدَتْ لَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ اللَّحَاقَ لِمَأْمَنِهِ أُجِيبَ إِلَيْهِ (٤) . وَإِذَا كَانَ الْبُلُوغُ فِي أَوَّل حَوْل قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَثْنَائِهِ أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ بِقِسْطِهِ.

стр. 9101

ثَانِيًا: الْعَقْل: ٣٧ - نَقَل ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ مَجَانِينِ أَهْل الذِّمَّةِ (١) . وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إجْمَاعٌ، لَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ خِلاَفًا فِي الْمَجْنُونِ، وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ نَقْلاً عَنِ الْبَيَانِ وَجْهًا ضَعِيفًا لِلشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ كَالْمَرِيضِ وَالْهَرِمِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ (٢) . ثَالِثًا: الذُّكُورَةُ: ٣٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ عَلَى نِسَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ. لِمَا سَبَقَ مِنَ الأَْدِلَّةِ (٣) .

стр. 9102

رَابِعًا: الْحُرِّيَّةُ: ٣٩ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ عَبِيدِ أَهْل الذِّمَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا لِمُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ. وَقَدْ نَقَل هَذَا الاِتِّفَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ رُشْدٍ. لأَِنَّ الْجِزْيَةَ شُرِعَتْ بَدَلاً عَنِ الْقَتْل فِي حَقِّهِمْ، وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَالْعَبْدُ مَحْقُونُ الدَّمِ بِدُونِ دَفْعِ الْجِزْيَةِ. وَالْعَبْدُ أَيْضًا لاَ تَلْزَمُهُ النُّصْرَةُ؛ لأَِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهَا، فَإِذَا امْتَنَعَ الأَْصْل فِي حَقِّهِ امْتَنَعَ الْبَدَل، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ (١) . وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدٍ كَافِرٍ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ سَيِّدِهِ الْكَافِرِ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ

стр. 9103

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: " لاَ تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْل الذِّمَّةِ، وَلاَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلاَ يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ (١) . قَال أَحْمَدُ: أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ (٢) . وَلأَِنَّ الْعَبْدَ ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ كَالْحُرِّ (٣) . خَامِسًا: الْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ: ٤٠ - اشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِوُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ الْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْعَمَل. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل (٤) : وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْعَمَل. وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ لَهُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ

стр. 9104

نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا (١) ﴾ وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل مِنَ الآْيَةِ أَنَّ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنِ الْكَسْبِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَدْفَعَ الْجِزْيَةَ، وَمَتَى كَانَ الأَْمْرُ كَذَلِكَ فَلاَ يُكَلَّفُ بِهَا. وَقَدْ وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُكْتَسِبِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا (٢) . فَقَدْ فَرَضَهَا عُمَرُ ﵁ عَلَى طَبَقَاتٍ ثَلاَثٍ أَدْنَاهَا الْفَقِيرُ الْمُعْتَمِل، فَدَل بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَهُوَ إِجْمَاعٌ (٣) . وَقَالُوا: إِنَّ الْجِزْيَةَ مَالٌ يَجِبُ بِحُلُول الْحَوْل، فَلاَ يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنِ الْكَسْبِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ (٤) .

стр. 9105

وَأَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الأَْدَاءِ مَعْذُورٌ شَرْعًا فِيمَا هُوَ حَقُّ الْعِبَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ (١) ﴾ فَفِي الْجِزْيَةِ أَوْلَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ غَيْرِ الْمُعْتَمِل، كَمَا تُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل، إِلاَّ أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَمِل تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ، فَإِذَا أَيْسَرَ طُولِبَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢) ﴾ وَعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا (٣) . وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنِ الْقَتْل، وَالسُّكْنَى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلَمْ يُفَارِقِ الْمَعْذُورُ فِيهَا غَيْرَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنَ الْفَقِيرِ كَمَا تُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيِّ (٤) . سَادِسًا: أَلاَ يَكُونَ مِنَ الرُّهْبَانِ الْمُنْقَطِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي الصَّوَامِعِ: ٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرُّهْبَانَ الْمُخَالِطِينَ لِلنَّاسِ، وَالْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ
следующие страницы →