Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
إِلَى قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ ذِكْرُ الْعَدْل أَنَّهُ الْقِيمَةُ ". (١)
٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ أَهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالْبَاقِي فِي رَجَبٍ. (٢)
٣ - مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ النَّعَمَ فِي الْجِزْيَةِ (٣) .
٤ - مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُل ذِي صَنْعَةٍ مِنْ مَتَاعِهِ: مِنْ صَاحِبِ الإِْبَرِ إِبَرًا، وَمِنْ صَاحِبِ الْمَسَانِّ مَسَانًّا، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَال حِبَالاً.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ هَذَا مِنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ هَذِهِ الأَْمْتِعَةَ بِقِيمَتِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْهِمْ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَلاَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ، إِرَادَةَ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالتَّخْفِيفَ عَلَيْهِمْ. (٤)
اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:
٦٢ - اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَعْيَانِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمَالٌ غَيْرُ مُتَقَوَّمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُهَا فِي الْجِزْيَةِ. стр. 9137
وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إِذَا تَوَلَّى الذِّمِّيُّ بَيْعَهَا. (١)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنْ سُوَيْدٌ بْنِ غَفَلَةَ قَال: " بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْخَنَازِيرِ، وَقَامَ بِلاَلٌ فَقَال: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ، فَقَال عُمَرُ: لاَ تَفْعَلُوا: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ بِلاَلاً قَال لِعُمَرِ بْنَ الْخَطَّابِ: إِنَّ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَال: لاَ تَأْخُذُوا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنَ الثَّمَنِ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا، فَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ بِلاَلٌ، وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهَا إِذَا كَانَ أَهْل الذِّمَّةِ هُمُ الْمُتَوَلِّينَ لِبَيْعِهَا؛ стр. 9138
لأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ تَكُونُ مَالاً لِلْمُسْلِمِينَ ". (١)
٢ - وَلأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ كَثِيَابِهِمْ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (٣) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - رَوَى الْبَيْهَقِيُّ - بِسَنَدِهِ - إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ جَل ثَنَاؤُهُ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ (٤) .
٢ - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْل شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ (٥) . стр. 9139
٣ - وَلأَِنَّ ثَمَنَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِنَا فَحَرُمَ عَلَيْنَا أَخْذُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ. (١)
تَأْخِيرُهُمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ:
٦٣ - مِمَّا يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ تَأْخِيرُ مَنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ، أَيْ حَتَّى تَنْضَجَ الثِّمَارُ، وَتُحْصَدَ الزُّرُوعُ فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ بَيْعِهَا وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إِلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: " قَدِمَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُذَيْمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا أَتَاهُ عَلاَهُ بِالدِّرَّةِ، فَقَال سَعِيدٌ: سَبَقَ سَيْلُكَ مَطَرَكَ، إِنْ تُعَاقِبْ نَصْبِرْ، وَإِنْ تَعْفُ نَشْكُرْ، وَإِنْ تَسْتَعْتِبْ نَعْتِبْ، فَقَال: مَا عَلَى الْمُسْلِمِ إِلاَّ هَذَا، مَا لَكَ تُبْطِئُ فِي الْخَرَاجِ؟ قَال: أَمَرْتَنَا أَلاَ نَزِيدَ الْفَلاَّحِينَ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَلَسْنَا نَزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّنَا نُؤَخِّرُهُمْ إِلَى غَلاَّتِهِمْ. فَقَال عُمَرُ: لاَ عَزَلْتُكَ مَا حَيِيتُ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا وَجْهُ التَّأْخِيرِ إِلَى الْغَلَّةِ الرِّفْقُ بِهِمْ، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي اسْتِيدَاءِ (٢) الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ يُجْتَبَى فِيهِ غَيْرَ هَذَا (٣) . стр. 9140
اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ عَلَى أَقْسَاطٍ:
٦٤ - وَمِمَّا يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ عَلَى أَقْسَاطٍ، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ شَهْرِيًّا مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ.
قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: " يَأْخُذُ فِي كُل شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ - أَيْ عَلَى الْغَنِيِّ - لأَِجْل التَّسْهِيل عَلَيْهِ ".
وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: " يُوضَعُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُل شَهْرٍ دِرْهَمٌ، ثُمَّ قَال: نُقِل ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَاتِرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَصَارَ إِجْمَاعًا.
وَظَاهِرُ كَلاَمِ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً كُل عَامٍ (١) .
كِتَابَةُ عَامِل الْجِزْيَةِ بَرَاءَةً لِلذِّمِّيِّ:
٦٥ - إِذَا اسْتُوْفِيَتِ الْجِزْيَةُ كُتِبَ لِلذِّمِّيِّ بَرَاءَةٌ، لِتَكُونَ حُجَّةً لَهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا (٢) .
التَّعَفُّفُ عَنْ أَخْذِ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ:
٦٦ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَامِل الْجِزْيَةِ عَفِيفَ стр. 9141
النَّفْسِ، فَلاَ يَقْبَل هَدِيَّةً مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ رِشْوَةً لِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ (١) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَال: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ. اللَّهُمَّ هَل بَلَغْتُ ثَلاَثًا (٢) .
فَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي يُقَدِّمُهَا أَهْل الْجِزْيَةِ لِلْعُمَّال حَرَامٌ وَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهَا. قَال الْخَطَّابِيُّ: " فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّال سُحْتٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ سَبِيلُهَا سَبِيل سَائِرِ الْهَدَايَا الْمُبَاحَاتِ، وَإِنَّمَا يُهْدَى إِلَيْهِ لِلْمُحَابَاةِ وَلِيُخَفِّفَ عَنِ الْمُهْدِي стр. 9142
وَيُسَوِّغَ لَهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ خِيَانَةٌ مِنْهُ وَبَخْسٌ لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهُ لأَِهْلِهِ ". (١) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (هَدِيَّةٌ وَرِشْوَةٌ) .
الرِّقَابَةُ عَلَى عُمَّال الْجِزْيَةِ:
٦٧ - عَلَى الإِْمَامِ مُشَارَفَةُ الأُْمُورِ وَتَصَفُّحُ الأَْحْوَال، وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذَا الْوَاجِبِ: الرِّقَابَةُ الْفَعَّالَةُ عَلَى عُمَّال الْجِزْيَةِ، وَضَرُورَةُ مَنْحِهِمْ رَوَاتِبَ تَكْفِيهِمْ.
قَال أَبُو يُوسُفَ فِي نَصِيحَتِهِ الَّتِي كَتَبَهَا لِهَارُونَ الرَّشِيدِ: " أَرَى أَنْ تَبْعَثَ قَوْمًا مِنْ أَهْل الصَّلاَحِ وَالْعَفَافِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، يَسْأَلُونَ عَنْ سِيرَةِ الْعُمَّال، وَمَا عَمِلُوا بِهِ فِي الْبِلاَدِ، وَكَيْفَ جَبَوُا الْخَرَاجَ؟ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَعَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ وَاسْتَقَرَّ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَكَ وَصَحَّ، أَخَذُوا بِمَا اسْتَفْضَلُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الأَْخْذِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالنَّكَال، حَتَّى لاَ يَتَعَدَّوْا مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا عُهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ، فَإِنَّ كُل مَا عَمِل بِهِ وَالِي الْخَرَاجِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعَسْفِ فَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَحْلَلْتَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ انْتَهَى غَيْرُهُ وَاتَّقَى وَخَافَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَل هَذَا بِهِمْ تَعَدَّوْا عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَعَسُّفِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ، стр. 9143
وَإِذَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنَ الْعَامِل وَالْوَالِي تَعَدٍّ بِظُلْمٍ وَعَسْفٍ وَخِيَانَةٍ لَكَ فِي رَعِيَّتِكَ وَاحْتِجَازِ شَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ أَوْ خُبْثِ طُعْمَتِهِ أَوْ سُوءِ سِيرَتِهِ، فَحَرَامٌ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالُهُ وَالاِسْتِعَانَةُ بِهِ، وَأَنْ تُقَلِّدَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِكَ أَوْ تُشْرِكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ، بَل عَاقِبْهُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْل مَا تَعَرَّضَ لَهُ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ ".
وَلاِجْتِنَابِ وُقُوعِ عُمَّال الْجِزْيَةِ فِي الرِّشْوَةِ وَأَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، يَصْرِفُ الإِْمَامُ لَهُمْ أُجُورًا (رَوَاتِبَ) مُجْزِيَةً تَفِي بِحَاجَاتِهِمْ، وَتَكْفِي نَفَقَاتِهِمْ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ حَيْثُ قَال: " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ قَال حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَال لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: دَنَّسْتَ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال عُمَرُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِذَا لَمْ أَسْتَعِنْ بِأَهْل الدِّينِ عَلَى سَلاَمَةِ دِينِي فَبِمَنْ أَسْتَعِينُ؟ أَمَّا إِنْ فَعَلْتَ فَأَغْنِهِمْ بِالْعِمَالَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ يَعْنِي إِذَا اسْتَعْمَلَتْهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَأَجْزِل لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ لاَ يَحْتَاجُونَ. (١) стр. 9144
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لاِسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ (١) :
٦٨ - الْقَبَالَةُ (أَوِ التَّقْبِيل) وَتُسَمَّى التَّضْمِينَ أَوِ الاِلْتِزَامَ:
هِيَ فِي اللُّغَةِ - بِالْفَتْحِ الْكَفَالَةُ، وَهِيَ فِي الأَْصْل مَصْدَرُ قَبَل بِفَتْحِ الْبَاءِ إِذَا كَفَل وَقَبُل بِضَمِّهَا إِذَا صَارَ قَبِيلاً أَيْ كَفِيلاً. (٢)
قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: كُل مَنْ يَقْبَل بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً وَكُتِبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابٌ، فَالْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ هُوَ الْقَبَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْعَمَل قِبَالَةٌ بِالْكَسْرِ؛ لأَِنَّهُ صِنَاعَةٌ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ صَقْعًا أَوْ بَلْدَةً أَوْ قَرْيَةً إِلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ مُقَاطَعَةً بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ عَنْ خَرَاجِ أَرْضِهَا، وَجِزْيَةِ رُءُوسِ أَهْلِهَا إِنْ كَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ، فَيَقْبَل ذَلِكَ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا.
وَقَدْ يَقَعُ فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ظُلْمٌ لأَِهْل الذِّمَّةِ أَوْ غَبْنٌ لِبَيْتِ الْمَال، وَلِذَلِكَ مَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِهَا، قَال أَبُو يُوسُفَ " فَإِنْ قَال صَاحِبُ الْقَرْيَةِ أَنَا أُصَالِحُكُمْ عَنْهُمْ وَأُعْطِيكُمْ ذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا سَأَل لأَِنَّ ذَهَابَ الْجِزْيَةِ مِنْ هَذَا أَكْثَرُ لَعَل صَاحِبَ الْقَرْيَةِ يُصَالِحُهُمْ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَفِيهَا مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مَنْ إِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ ". (٣) стр. 9145
مُسْقِطَاتُ الْجِزْيَةِ:
٦٩ - تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِالإِْسْلاَمِ، أَوِ الْمَوْتِ، أَوِ التَّدَاخُل، أَوِ الْعَجْزِ الْمَالِيِّ، أَوْ عَجْزِ الدَّوْلَةِ عَنْ تَوْفِيرِ الْحِمَايَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ، أَوِ الإِْصَابَةِ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ، أَوِ اشْتِرَاكِ الذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَال، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الأُْمُورِ خِلاَفٌ يَتَبَيَّنُ بِمَا يَلِي:
الأَْوَّل: الإِْسْلاَمُ:
٧٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ دَخَل فِي الإِْسْلاَمِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَلاَ يُطَالَبُ بِهَا فِيمَا يُسْتَقْبَل مِنَ الزَّمَانِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ (٢) . стр. 9146
٢ - الإِْجْمَاعُ: قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: " أَجْمَعُوا - يَعْنِي الْفُقَهَاءَ - عَلَى أَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ ". (١)
٣ - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ فَلاَ تَبْقَى بَعْدَهُ.
٤ - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ أَوْ بَدَلاً عَنِ النُّصْرَةِ، فَلاَ تُقَامُ الْعُقُوبَةُ بَعْدَ الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ.
وَلاَ يُطَالَبُ بِالْجِزْيَةِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى النُّصْرَةِ بِالدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ. (٢)
هَذَا الاِتِّجَاهُ الْفِقْهِيُّ هُوَ السَّائِدُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِهِ، فَقَدْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَيَعْتَبِرُونَهَا بِمَنْزِلَةِ الضَّرِيبَةِ عَلَى الْعَبِيدِ.
وَنَقَل أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْعِرَاقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِيًا، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَارْفَعِ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ (٣) .
حُكْمُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ عَمَّا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ بَعْدَ
دُخُول الذِّمِّيِّ فِي الإِْسْلاَمِ:
٧١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ стр. 9147
الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ﴾ (٢)
تَدُل هَذِهِ الآْيَةُ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يَجِبُ قِتَالُهُ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا، وَمَتَى أَسْلَمَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
٢ - قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَْوَّلِينَ﴾ (٣)
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، стр. 9148
وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لاَ يُطَالَبُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، وَكَذَا لاَ يُطَالَبُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ قَبْل إِسْلاَمِهِ (١) . قَال مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ عَنْهُ: " الصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَسْلَمَ الْجِزْيَةُ حِينَ يُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنَ السَّنَةِ إِلاَّ يَوْمٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا. . .﴾ يَعْنِي مَا قَدْ مَضَى قَبْل الإِْسْلاَمِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ ". (٢)
٣ - وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ بَعْضُ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (٣)
٤ - وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ تَبْقَى بَعْدَ الإِْسْلاَمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً: أَيْ جَزَاءَ الإِْقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالإِْسْلاَمِ. (٤)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ стр. 9149
وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَلاَ يُطَالَبُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ كَالأُْجْرَةِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَقَدْ وَصَل إِلَى الذِّمِّيِّ الْمُعَوَّضُ وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ، فَصَارَ الْعِوَضُ وَهُوَ الْجِزْيَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالإِْسْلاَمِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
٢ - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى الذِّمِّيُّ مَنَافِعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ بِإِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ.
٣ - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالأُْجْرَةِ، فَكُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الْحَوْل اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْل. (٢) стр. 9150
الثَّانِي: الْمَوْتُ:
٧٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْمَوْتِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَحَصَل الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إِذَا حَصَل بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. بَل تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. أَمَّا إِذَا حَصَل فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ الْحَوْل. وَتَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ آخَرَ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال حَوْلِهَا (٣) وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ بِالأَْدِلَّةِ الآْتِيَةِ: стр. 9151
١ - مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنَادَةَ - كَاتِبِ حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ - وَكَانَ حَيَّانُ بَعَثَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ يَسْتَفْتِيهِ أَيَجْعَل جِزْيَةَ مَوْتَى الْقِبْطِ عَلَى أَحْيَائِهِمْ؟ فَسَأَل عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسْمَعُ - فَقَال: مَا سَمِعْتُ لَهُمْ بِعَقْدٍ وَلاَ عَهْدٍ، إِنَّمَا أُخِذُوا عَنْوَةً بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ يَأْمُرَهُ: أَنْ يَجْعَل جِزْيَةَ الأَْمْوَاتِ عَلَى الأَْحْيَاءِ.
٢ - وَلأَِنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلاً عَنِ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ الآْدَمِيِّينَ (١) .
الثَّالِثُ: اجْتِمَاعُ جِزْيَةِ سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ:
٧٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَدَاخُل الْجِزَى:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ التَّدَاخُل وَتَجِبُ الْجِزَى كُلُّهَا (٢) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ: стр. 9152
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ فِي آخِرِ كُل حَوْلٍ، فَلَمْ تَتَدَاخَل كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلأَِنَّ الْمُدَّةَ لاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَخَرَاجِ الأَْرْضِ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَى الْجِزْيَةِ سَنَةٌ وَدَخَلَتْ ثَانِيَةٌ فَإِنَّ الْجِزَى تَتَدَاخَل، فَتَسْقُطُ جِزَى السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ وَيُطَالَبُ بِجِزْيَةِ السَّنَةِ الْحَالِيَّةِ (٢) . وَاسْتَدَل لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَالْعُقُوبَاتُ إِذَا تَرَاكَمَتْ تَدَاخَلَتْ خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ. أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ زَنَى مِرَارًا ثُمَّ رُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الإِْمَامِ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ إِلاَّ حَدًّا وَاحِدًا بِجَمِيعِ الأَْفْعَال.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلاً عَنْ حَقْنِ الدَّمِ فِي الْمُسْتَقْبَل، فَإِذَا صَارَ دَمُهُ مَحْقُونًا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَلاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ لأَِجْلِهَا، لاِنْعِدَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا إِذَا أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَقْنِ بِالْجِزْيَةِ؛ وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ مَا وَجَبَتْ إِلاَّ لِرَجَاءِ الإِْسْلاَمِ، وَإِذَا стр. 9153
لَمْ يُوجَدْ حَتَّى دَخَلَتْ سَنَةٌ أُخْرَى انْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِيمَا مَضَى، وَبَقِيَ الرَّجَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَل فَيُؤْخَذُ لِلسَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (١) .
الرَّابِعُ: طُرُوءُ الإِْعْسَارِ:
٧٤ - الإِْعْسَارُ: ضِيقُ الْحَال مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمَال (٢) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ الطَّارِئِ سَوَاءٌ أَطَرَأَ عَلَيْهِ الإِْعْسَارُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ. وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْسَرَ أَكْثَرَ الْحَوْل؛ لأَِنَّ الإِْعْسَارَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً. (٣)
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ الطَّارِئِ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الإِْعْسَارَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً (٤) . وَإِذَا стр. 9154
كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، وَتُعْتَبَرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ. أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لأَِنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ، وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْعْسَارُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُنْظَرُ وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ. (٢)
الْخَامِسُ: التَّرَهُّبُ وَالاِنْعِزَال عَنِ النَّاسِ:
٧٥ - إِذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَانْعَزَل عَنِ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَْدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، لأَِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَْخَوَانِ (مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ) مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُعْتَبَرُ عُذْرًا لإِِسْقَاطِ стр. 9155
الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الأَْخَوَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْل فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ الَّذِي تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، هُوَ مَنْ لاَ يَبْقَى بِيَدِهِ مَالٌ إِلاَّ بُلْغَتَهُ فَقَطْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ اتِّفَاقًا (١) .
السَّادِسُ: الْجُنُونُ:
٧٦ - إِذَا أُصِيبَ الذِّمِّيُّ - بَعْدَ الاِلْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ - بِالْجُنُونِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى سُقُوطِهَا بِالْجُنُونِ الطَّارِئِ إِذَا اسْتَمَرَّ أَكْثَرَ الْعَامِ، لأَِنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً - كَمَا بَيَّنَّا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ - стр. 9156
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ إِنْ كَانَ يَسِيرًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ مِنْ سَنَةٍ فَلاَ تَسْقُطُ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَيَوْمٍ إِفَاقَةً وَيَوْمٍ جُنُونًا فَإِنَّ الإِْفَاقَةَ تُلَفَّقُ فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتِ الْجِزْيَةُ.
أَمَّا الْجِزْيَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْجُنُونِ طِبْقًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي عَدَمِ تَدَاخُل الْجِزْيَةِ كَمَا سَبَقَ فِي (ف ٧٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ إِذَا كَانَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. أَمَّا إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل فَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل. (١)
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرَّابِعُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَلاَ تَجِبُ.
السَّابِعُ: الْعَمَى وَالزَّمَانَةُ وَالشَّيْخُوخَةُ:
٧٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ السَّلاَمَةِ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ الَّتِي سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي شُرُوطِ الْجِزْيَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِهَذِهِ الْعَاهَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَا أُصِيبَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ стр. 9157
إِصَابَتُهُ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ أَكْثَرَ السَّنَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ إِلاَّ إِذَا كَانَ فَقِيرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أُصِيبَ بِإِحْدَى الْعَاهَاتِ السَّابِقَةِ أَثْنَاءَ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِكَمَال الْحَوْل. (١)
الثَّامِنُ: عَدَمُ حِمَايَةِ أَهْل الذِّمَّةِ:
٧٨ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَابِل الْجِزْيَةِ تَوْفِيرُ الْحِمَايَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ، وَمَنْعُ مَنْ يَقْصِدُهُمْ بِالاِعْتِدَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ أَكَانُوا يَعِيشُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ فِي بَلَدٍ لَهُمْ. فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ стр. 9158
الإِْسْلاَمِيَّةُ مِنْ حِمَايَتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ حَتَّى مَضَى الْحَوْل، فَهَل يُطَالَبُونَ بِالْجِزْيَةِ أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ؟
صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ مِنْ حِمَايَةِ الذِّمِّيِّينَ لأَِنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، لِحِفْظِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ، لَمْ تَجِبِ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ لِلْحِفْظِ وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَجِبْ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ، كَمَا لاَ تَجِبُ الأُْجْرَةُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ.
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ تَصْرِيحًا بِالسُّقُوطِ إِذَا لَمْ تَحْصُل الْحِمَايَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْحِمَايَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ عِنْدَمَا أَعْلَمَهُ نُوَّابُهُ عَلَى مُدُنِ الشَّامِ بِتَجَمُّعِ الرُّومِ لِمُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ رُدُّوا الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لأَِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الْجُمُوعِ، وَأَنَّكُمِ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لاَ نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ، وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشُّرُوطِ مَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ (١) . стр. 9159
وَقَال الْبَلاَذِرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ الدِّمَشْقِيُّ قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: " بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ هِرَقْل لِلْمُسْلِمِينَ الْجُمُوعَ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ إِقْبَالُهُمْ إِلَيْهِمْ لِوَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ رَدُّوا عَلَى أَهْل حِمْصَ مَا كَانُوا أَخَذُوا مِنْهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ. وَقَالُوا: قَدْ شُغِلْنَا عَنْ نُصْرَتِكُمْ وَالدَّفْعِ عَنْكُمْ، فَأَنْتُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، فَقَال أَهْل حِمْصَ: لَوَلاَيَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ. وَلَنَدْفَعَنَّ جُنْدَ هِرَقْل عَنِ الْمَدِينَةِ مَعَ عَامِلِكُمْ، وَنَهَضَ الْيَهُودُ فَقَالُوا: وَالتَّوْرَاةِ لاَ يَدْخُل عَامِل هِرَقْل مَدِينَةَ حِمْصَ إِلاَّ أَنْ نُغْلَبَ وَنَجْهَدَ فَأَغْلَقُوا الأَْبْوَابَ وَحَرَسُوهَا ". وَكَذَلِكَ فَعَل أَهْل الْمُدُنِ الَّتِي صُولِحَتْ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ. وَقَالُوا: إِنْ ظَهَرَ الرُّومُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صِرْنَا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّا عَلَى أَمْرِنَا مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدَدٌ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْكَفَرَةَ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ فَتَحُوا مُدُنَهُمْ وَأَخْرَجُوا الْمُقَلِّسِينَ، فَلَعِبُوا وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ. (١)
وَجَاءَ فِي كِتَابِ صُلْحِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ أَهْل تَفْلِيسَ: (٢) стр. 9160
". . . وَإِنْ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ شُغْلٌ عَنْكُمْ فَقَهَرَكُمْ عَدُوُّكُمْ فَغَيْرُ مَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ (١) .
هَذِهِ السَّوَابِقُ التَّارِيخِيَّةُ حَدَثَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَعَلِمُوا بِهَا وَسَكَتُوا عَنْهَا، فَيُعْتَبَرُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا.
وَقَدْ نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قَال فِي مَرَاتِبِ الإِْجْمَاعِ: " إِنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَجَاءَ أَهْل الْحَرْبِ إِلَى بِلاَدِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ، وَنَمُوتُ دُونَ ذَلِكَ، صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ " وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ. (٢)
التَّاسِعُ: اشْتِرَاكُ الذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَال مَعَ
الْمُسْلِمِينَ:
٧٩ - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّينَ بِالاِشْتِرَاكِ فِي الْقِتَال مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
قَال الشَّلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ: " أَلاَ تَرَى أَنَّ الإِْمَامَ لَوِ اسْتَعَانَ بِأَهْل الذِّمَّةِ سَنَةً، فَقَاتَلُوا مَعَهُ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ تِلْكَ السَّنَةِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ ذَلِكَ، وَهَذَا لأَِنَّ الشَّرْعَ جَعَل стр. 9161
طَرِيقَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْمَال دُونَ النَّفْسِ.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ الاِسْتِعَانَةَ بِأَهْل الذِّمَّةِ فِي الْقِتَال.
فَقَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: " الْجِهَادُ أَنْ يُقَاتَل النَّاسُ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَالْمُشْرِكُ لاَ يُقَاتِل لِذَلِكَ؛ وَلأَِنَّهُ مِمَّنْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَاتَل عَنْهُ وَتُمْنَعُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ وَإِنِ اسْتُعِينَ بِهِ فِي الأَْعْمَال وَالصَّنَائِعِ وَالْخِدْمَةِ. (١)
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ (٢) .
وَانْظُرْ بَحْثَ: (جِهَادٌ) - الاِسْتِعَانَةُ بِالْكُفَّارِ.
مَصَارِفُ الْجِزْيَةِ:
٨٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، حَتَّى رَأَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ اسْمَ الْفَيْءِ شَامِلٌ لِلْجِزْيَةِ. وَيُصْرَفُ الْفَيْءُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ وَمَرَافِقِ الدَّوْلَةِ الْهَامَّةِ: كَأَرْزَاقِ الْمُجَاهِدِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَبِنَاءِ الْجُسُورِ، وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِصْلاَحِ الأَْنْهَارِ الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا، وَرَوَاتِبِ الْمُوَظِّفِينَ مِنَ الْقُضَاةِ стр. 9162
وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفْتِينَ وَالْعُمَّال وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) .
وَفِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ وَمَا يُرَاعَى فِيهِ يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (بَيْتُ الْمَال، وَفَيْءٌ) . стр. 9163
جِعَالَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجُعْل بِالضَّمِّ الأَْجْرُ، يُقَال: جَعَلْتُ لَهُ جُعْلاً، وَالْجِعَالَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْضُهُمْ يَحْكِي التَّثْلِيثَ اسْمٌ لِمَا يُجْعَل لِلإِْنْسَانِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ.
وَالْجَعِيلَةُ مِثَال كَرِيمَةٍ، لُغَةٌ فِي الْجُعْل. (١)
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنْ يَجْعَل الرَّجُل لِلرَّجُل أَجْرًا مَعْلُومًا، وَلاَ يَنْقُدُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَعْمَل لَهُ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ، مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِل، عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكْمَل الْعَمَل كَانَ لَهُ الْجُعْل، وَإِنْ لَمْ يُتِمُّهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، مِمَّا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِهِ.
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا الْتِزَامُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ، أَوْ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ.
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا تَسْمِيَةُ مَالٍ مَعْلُومٍ لِمَنْ يَعْمَل لِلْجَاعِل عَمَلاً مُبَاحًا وَلَوْ كَانَ مَجْهُولاً أَوْ لِمَنْ يَعْمَل لَهُ مُدَّةً وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةً (٢) . стр. 9164
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْجَارَةُ:
٢ - الإِْجَارَةُ: لُغَةً مَصْدَرُ آجَرَ وَهِيَ الْكِرَاءُ وَاصْطِلاَحًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِعَالَةَ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَجْهُولٍ، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ.
حُكْمُ الْجِعَالَةِ، وَدَلِيل شَرْعِيَّتِهَا:
٣ - عَقْدُ الْجِعَالَةِ مُبَاحٌ شَرْعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهَا جَائِزَةٌ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، اتِّفَاقًا، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ جَوَازِهَا بَل عَدَمُ صِحَّتِهَا لِلْغَرَرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ عَقْدُهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْجَوَازِ لِلأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:
فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُول. فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ﴾ (١) وَكَانَ حِمْل الْبَعِيرِ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْوَسْقُ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا قُصَّ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَعَلَهُ اسْتِئْنَاسًا.
وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ رُقْيَةِ الصَّحَابِيِّ، (٢) وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَوْا حَيًّا стр. 9165
مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَلَمْ يُقْرُوهُمْ (١) ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فَقَالُوا: هَل فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: لَمْ تُقْرُونَا، فَلاَ نَفْعَل إِلاَّ أَنْ تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعَ شَاءٍ، فَجَعَل رَجُلٌ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُل فَبَرِئَ الرَّجُل فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهَا حَتَّى نَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوا الرَّسُول ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَضَحِكَ وَقَال: مَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَال: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ (٣) . وَمِنَ السُّنَّةِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال يَوْمَ حُنَيْنٍ: مَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. (٤)
وَمِنَ الْمَعْقُول أَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ قَدْ تَدْعُو إِلَيْهَا لِرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ، أَوْ عَمَلٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْجَاعِل وَلاَ يَجِدُ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ стр. 9166
لِجَهَالَتِهِ، فَجَازَتْ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَالْمُضَارَبَةِ (ر: مُضَارَبَةٌ) . (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: بِعَدَمِ جَوَازِهَا فِي غَيْرِ جُعْل الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَدَلِيل الْمَنْعِ عِنْدَهُمْ مَا فِي الْجِعَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْخَطَرِ (أَيِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ) كَمَا أَنَّ الْجِعَالَةَ الَّتِي لَمْ تُوَجَّهْ إِلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَنْ يَقْبَل الْعَقْدَ فَانْتَفَى الْعَقْدُ. (٢)
وَالْجِعَالَةُ تَخْتَلِفُ عَنِ الإِْجَارَةِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُجِيزَةِ لَهَا - فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ وَهِيَ كَمَا يَلِي:
الأَْوَّل: صِحَّةُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ وَتَعْيِينُهُ كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ.
الثَّانِي: صِحَّةُ الْجِعَالَةِ مَعَ عَامِلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
الثَّالِثُ: كَوْنُ الْعَامِل لاَ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل.
الرَّابِعُ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْجِعَالَةِ تَلَفُّظُ الْعَامِل بِالْقَبُول. стр. 9167
الْخَامِسُ: جَهَالَةُ الْعِوَضِ فِي الْجِعَالَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال.
السَّادِسُ: يُشْتَرَطُ فِي الْجِعَالَةِ عَدَمُ التَّأْقِيتِ لِمُدَّةِ الْعَمَل.
السَّابِعُ: الْجِعَالَةُ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ.
الثَّامِنُ: سُقُوطُ كُل الْعِوَضِ بِفَسْخِ الْعَامِل قَبْل تَمَامِ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ.
وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْجِعَالَةَ تَتَمَيَّزُ أَيْضًا عَنِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِأَنَّ الْعِوَضَ فِيهَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ مَحَل الْعَمَل.
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْجِعَالَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَل، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ.
أَرْكَانُ الْجِعَالَةِ:
أَرْكَانُ الْجِعَالَةِ أَرْبَعَةٌ: (الأَْوَّل) الصِّيغَةُ (الثَّانِي) الْمُتَعَاقِدَانِ، (الثَّالِثُ) الْعَمَل، (الرَّابِعُ) الْجُعْل.
صِيغَةُ الْجِعَالَةِ:
٤ - الصِّيغَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجِعَالَةِ هِيَ كُل لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الإِْذْنِ فِي الْعَمَل بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، مَقْصُودِ وَمُلْتَزَمٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْذْنُ عَامًّا لِكُل مَنْ سَمِعَهُ أَوْ عَلِمَ بِهِ، مِثْل أَنْ يَقُول الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي أَوْ ضَالَّةَ فُلاَنٍ فَلَهُ كَذَا، أَمْ كَانَ الإِْذْنُ خَاصًّا بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِثْل أَنْ يَقُول لَهُ: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَلَكَ كَذَا؛ لأَِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى صِيغَةٍ تَدُل عَلَى الْمَطْلُوبِ وَقَدْرِ
стр. 9168
الْمَبْذُول عِوَضًا كَالإِْجَارَةِ، وَالأَْخْرَسُ تَكْفِي إِشَارَتُهُ الْمُفْهِمَةُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا النَّاطِقُ إِذَا كَتَبَ ذَلِكَ وَنَوَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ قَبُول الْعَامِل لَفْظًا وَإِنْ عَيَّنَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ فِي مَحَل الْحَاجَةِ بَل يَكْفِي الْعَمَل مِنْهُ، وَكَذَا لاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْعَامِل وَقْتَ إِيجَابِ الْجَاعِل وَإِعْلاَنِهِ.
وَلاَ تُشْتَرَطُ أَيْضًا الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، فَلَوْ قَال الْجَاعِل: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَلَكَ دِينَارٌ، فَقَال الْعَامِل: أَرُدُّهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، فَالرَّاجِحُ الْقَطْعُ بِاسْتِحْقَاقِهِ لِلدِّينَارِ، لأَِنَّ الْقَبُول لاَ أَثَرَ لَهُ فِي الْجِعَالَةِ، قَال هَذَا الْجُوَيْنِيُّ، وَذَكَرَ الْقَمُولِيُّ نَحْوَهُ.
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا صُدُورُ مَا يَدُل عَلَى الإِْذْنِ وَالاِلْتِزَامِ مِنَ الْمَالِكِ أَوِ الْجَاعِل.
الأُْولَى: رَدُّ الْعَبْدِ الآْبِقِ إِنْ كَانَ الرَّادُّ لَهُ غَيْرَ الإِْمَامِ.
الثَّانِيَةُ: تَخْلِيصُ الشَّخْصِ مَتَاعَ غَيْرِهِ مِنْ مَكَانٍ يَظُنُّ هَلاَكَهُ، أَوْ تَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ فِي تَرْكِهِ فِيهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ إِيقَاعُ الْعَقْدِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ مَا إِذَا أَتَى بِالضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ مَنِ اعْتَادَ طَلَبَ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ وَرَدَّهَا إِلَى أَصْحَابِهَا
стр. 9169
بِعِوَضٍ فَيَسْتَحِقُّ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْ صَاحِبِهَا الْتِزَامٌ. (١)
رَدُّ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ لِلْجِعَالَةِ:
٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْعَامِل الْمُعَيَّنَ لَوْ رَفَضَ قَبُول عَقْدِ الْجِعَالَةِ وَرَدَّهُ مِنْ أَصْلِهِ فَقَال: لاَ أَرُدُّ الضَّالَّةَ مَثَلاً أَوْ رَدَدْتُ الْجِعَالَةَ، أَوْ لاَ أَقْبَلُهَا، ثُمَّ عَمِل، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا تَبْطُل بِرَفْضِ الْعَامِل وَرَدِّهِ لَهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْجُوَيْنِيِّ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْقَمُولِيِّ السَّابِقِ: أَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِذَلِكَ، وَحَمَل بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمَا هَذَا عَلَى مَا لَوْ قَبِل الْعَامِل الْجِعَالَةَ وَرَفَضَ الْعِوَضَ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ: أَرُدُّ الضَّالَّةَ بِلاَ شَيْءٍ. (٢)
وَلَمْ يُعْثَرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
عَقْدُ الْجِعَالَةِ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل هَل هُوَ لاَزِمٌ
٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ стр. 9170
الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْجِعَالَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ فِيهِ بِدُونِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَيُّ أَثَرٍ؛ لأَِنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْجَاعِل تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل لِلْجُعْل بِشَرْطٍ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَامِل فَلأَِنَّ الْعَمَل فِيهَا مَجْهُولٌ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ يَتَّصِفُ عَقْدُهُ بِاللُّزُومِ.
وَيُقَابِل هَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَلَوْ قَبْل الشُّرُوعِ كَالإِْجَارَةِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ أَيْضًا: إِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لِلْجَاعِل فَقَطْ بِمُجَرَّدِ إِيجَابِهِ أَوْ إِعْلاَنِهِ دُونَ الْعَامِل، وَأَمَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ وَقَبْل تَمَامِهِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْعَقْدُ غَيْرُ لاَزِمٍ أَيْضًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا، كَمَا قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل.
وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِل، أَمَّا الْجَاعِل فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا تَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنْ تَعَاقُدِهِ هَذَا حَتَّى لاَ يَبْطُل عَلَى الْعَامِل عَمَلُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَل الَّذِي حَصَل بِهِ الشُّرُوعُ قَلِيلاً لاَ قِيمَةَ لَهُ. (١) стр. 9171
الْمُتَعَاقِدَانِ:
مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل:
٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَجْعَلُهُ عِوَضًا، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالْتِزَامِ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ مُكْرَهٍ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ شَرَائِطُ لُزُومِ الْعَقْدِ لِمُلْتَزِمِ الْجُعْل، وَأَمَّا أَصْل صِحَّةِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مُمَيِّزًا فَقَطْ.
مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل:
٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل الْمُعَيَّنِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْعَمَل بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ عَاجِزٍ عَنِ الْعَمَل، كَصَغِيرٍ، وَضَعِيفٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ مَعْدُومَةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، وَلاَ يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْعَمَل أَصْلاً، وَيَكْفِي أَنْ يَأْذَنَ أَوْ يُوَكِّل مَنْ يَعْمَل. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل بِنَوْعَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بُلُوغٌ وَلاَ عَقْلٌ، وَلاَ رُشْدٌ وَلاَ حُرِّيَّةٌ، وَلاَ إِذْنُ وَلِيٍّ أَوْ سَيِّدٍ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَعَبْدٍ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُل مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْجَاعِل كَانَ شَرْطًا فِي الْعَامِل بِزِيَادَةِ الْعَمَل عَلَيْهِ (١) وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. стр. 9172
النِّيَابَةُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ - الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - وَكِيلاً أَوْ وَلِيًّا صَحَّ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَال الْمُوَكِّل وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ التَّعَاقُدُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْجُعْل قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل أَوْ أَقَل، أَمَّا إِذَا زَادَ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا، وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْل فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَامِل مُعَيَّنًا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، وَعَلِمَ الْجَاعِل بِذَلِكَ وَقْتَ التَّعَاقُدِ، أَمَّا إِنْ طَرَأَ لَهُ طَارِئٌ يُعْجِزُهُ عَنِ الْعَمَل كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي الْعَمَل.
وَأَمَّا الْعَامِل غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِمَّنْ سَمِعَ الإِْعْلاَنَ الْعَامَّ بِالْجِعَالَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَوْكِيل غَيْرِهِ فِي الْعَمَل وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - فُضُولِيًّا (١) فَإِنَّهُ يَصِحُّ стр. 9173
الْتِزَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَالِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ الْتَزَمَهُ. (١)
مَحَل الْعَقْدِ وَشَرَائِطُهُ:
أَنْوَاعُهُ:
١٠ - الأَْعْمَال الْمُتَعَاقَدُ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ - مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ مِنْهَا نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ اسْتِحْدَاثُ نَتِيجَةٍ جَدِيدَةٍ، كَتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ إِخْبَارٍ فِيهِ غَرَضٌ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ خِيَاطَةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ، أَوْ رُقْيَةِ مَرِيضٍ بِدُعَاءٍ جَائِزٍ أَوْ تَمْرِيضِهِ أَوْ مُدَاوَاتِهِ حَتَّى الشِّفَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَإِعَادَتُهُ لِنَاشِدِهِ، كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ آبِقٍ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا يَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ جِعَالَةً وَمَا لاَ يَصِحُّ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ:
١١ - أ - يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى كُل عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ وَوَصْفُهُ بِحَيْثُ لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ، كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، لأَِنَّ الْجَهَالَةَ إِذَا احْتُمِلَتْ فِي الْمُضَارَبَةِ تَوَصُّلاً إِلَى الرِّبْحِ الزَّائِدِ стр. 9174
مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَاحْتِمَالُهَا فِي الْجِعَالَةِ تَوَصُّلاً إِلَى أَصْل الْمَال اضْطِرَارًا أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لاَ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَلاَ بُدَّ مِنْ ضَبْطِهِ وَوَصْفِهِ، إِذْ لاَ حَاجَةَ لاِحْتِمَال جَهَالَتِهِ، فَفِي بِنَاءِ حَائِطٍ مَثَلاً يَذْكُرُ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَارْتِفَاعَهُ وَمَا يُبْنَى بِهِ.
١٢ - ب - وَكَذَلِكَ يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ - كَقَوْل الْجَاعِل: " مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ مَوْضِعِ كَذَا " أَوْ خِيَاطَةٍ مَوْصُوفَةٍ - عَلَى الرَّاجِحِ لأَِنَّهَا إِذَا جَازَتْ. مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَل فَمَعَ مَعْلُومِيَّتِهِ أَوْلَى. وَبِمِثْل هَذَا كُلِّهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ: يَرَوْنَ عَدَمَ صِحَّةِ الْجِعَالَةِ مُطْلَقًا عَلَى مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ حَتَّى الشِّفَاءِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ:
١٣ - أ - فَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ وَالإِْجَارَةُ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى بَيْعِ سِلَعٍ قَلِيلَةٍ وَشِرَاءِ السِّلَعِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ، وَاقْتِضَاءِ الدُّيُونِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ لِلْعَامَّةِ؛ لأَِنَّهُمَا إِنْ تَعَاقَدَا عَلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأَْذْرُعِ كَانَ إِجَارَةً، وَإِنْ تَعَاقَدَا عَلَى ظُهُورِ الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ كَانَ جِعَالَةً.
١٤ - ب - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ دُونَ الإِْجَارَةِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى الإِْتْيَانِ بِالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، أَوِ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُل مَا يَكُونُ الْعَمَل فِيهِ مَجْهُولاً، فَتُشْتَرَطُ الْجَهَالَةُ بِالْعَمَل هُنَا تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ مَعْلُومِيَّتَهُ
стр. 9175
لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا تُوجِبُ الْغَرَرَ فِيهِ، كَأَنْ لاَ يَجِدَ الْبَعِيرَ الشَّارِدَ مَثَلاً فِي الْمَكَانِ الْمَعْلُومِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهِ مِنْهُ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا وَتَضِيعُ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ.
١٥ - ج - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الإِْجَارَةُ دُونَ الْجِعَالَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا، كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى عَمَلٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَاعِل كَحَفْرِ بِئْرٍ مَثَلاً، وَكَذَا التَّعَاقُدُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ خِدْمَةِ شَهْرٍ، أَوْ بَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِنْ لَمْ يُتِمَّ الْعَامِل الْعَمَل.
١٦ - أَمَّا مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الشِّفَاءِ مِنَ الْمَرَضِ، وَالْمُعَلِّمِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ مَثَلاً، وَكِرَاءُ السُّفُنِ، فَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: إِنَّهَا تَصِحُّ إِجَارَةً وَتَصِحُّ جِعَالَةً، وَزَادَ عَلَيْهَا ابْنُ شَاسٍ الْمُغَارَسَةَ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ كُلَّهَا مِنَ الإِْجَارَةِ فَقَطْ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ الْجِعَالَةُ. (١) следующие страницы →