← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

الْمُتَعَاقِدَانِ: مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل: ٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَجْعَلُهُ عِوَضًا، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالْتِزَامِ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ مُكْرَهٍ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ شَرَائِطُ لُزُومِ الْعَقْدِ لِمُلْتَزِمِ الْجُعْل، وَأَمَّا أَصْل صِحَّةِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مُمَيِّزًا فَقَطْ. مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل: ٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل الْمُعَيَّنِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْعَمَل بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ عَاجِزٍ عَنِ الْعَمَل، كَصَغِيرٍ، وَضَعِيفٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ مَعْدُومَةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، وَلاَ يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْعَمَل أَصْلاً، وَيَكْفِي أَنْ يَأْذَنَ أَوْ يُوَكِّل مَنْ يَعْمَل. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل بِنَوْعَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بُلُوغٌ وَلاَ عَقْلٌ، وَلاَ رُشْدٌ وَلاَ حُرِّيَّةٌ، وَلاَ إِذْنُ وَلِيٍّ أَوْ سَيِّدٍ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَعَبْدٍ عَلَى الرَّاجِحِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُل مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْجَاعِل كَانَ شَرْطًا فِي الْعَامِل بِزِيَادَةِ الْعَمَل عَلَيْهِ (١) وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 9172

النِّيَابَةُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ: ٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ - الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - وَكِيلاً أَوْ وَلِيًّا صَحَّ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَال الْمُوَكِّل وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ التَّعَاقُدُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْجُعْل قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل أَوْ أَقَل، أَمَّا إِذَا زَادَ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا، وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْل فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَامِل مُعَيَّنًا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، وَعَلِمَ الْجَاعِل بِذَلِكَ وَقْتَ التَّعَاقُدِ، أَمَّا إِنْ طَرَأَ لَهُ طَارِئٌ يُعْجِزُهُ عَنِ الْعَمَل كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي الْعَمَل. وَأَمَّا الْعَامِل غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِمَّنْ سَمِعَ الإِْعْلاَنَ الْعَامَّ بِالْجِعَالَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَوْكِيل غَيْرِهِ فِي الْعَمَل وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - فُضُولِيًّا (١) فَإِنَّهُ يَصِحُّ

стр. 9173

الْتِزَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَالِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ الْتَزَمَهُ. (١) مَحَل الْعَقْدِ وَشَرَائِطُهُ: أَنْوَاعُهُ: ١٠ - الأَْعْمَال الْمُتَعَاقَدُ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ - مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ مِنْهَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ اسْتِحْدَاثُ نَتِيجَةٍ جَدِيدَةٍ، كَتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ إِخْبَارٍ فِيهِ غَرَضٌ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ خِيَاطَةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ، أَوْ رُقْيَةِ مَرِيضٍ بِدُعَاءٍ جَائِزٍ أَوْ تَمْرِيضِهِ أَوْ مُدَاوَاتِهِ حَتَّى الشِّفَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَإِعَادَتُهُ لِنَاشِدِهِ، كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ آبِقٍ وَنَحْوِهِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا يَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ جِعَالَةً وَمَا لاَ يَصِحُّ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: ١١ - أ - يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى كُل عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ وَوَصْفُهُ بِحَيْثُ لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ، كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، لأَِنَّ الْجَهَالَةَ إِذَا احْتُمِلَتْ فِي الْمُضَارَبَةِ تَوَصُّلاً إِلَى الرِّبْحِ الزَّائِدِ

стр. 9174

مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَاحْتِمَالُهَا فِي الْجِعَالَةِ تَوَصُّلاً إِلَى أَصْل الْمَال اضْطِرَارًا أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لاَ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَلاَ بُدَّ مِنْ ضَبْطِهِ وَوَصْفِهِ، إِذْ لاَ حَاجَةَ لاِحْتِمَال جَهَالَتِهِ، فَفِي بِنَاءِ حَائِطٍ مَثَلاً يَذْكُرُ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَارْتِفَاعَهُ وَمَا يُبْنَى بِهِ. ١٢ - ب - وَكَذَلِكَ يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ - كَقَوْل الْجَاعِل: " مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ مَوْضِعِ كَذَا " أَوْ خِيَاطَةٍ مَوْصُوفَةٍ - عَلَى الرَّاجِحِ لأَِنَّهَا إِذَا جَازَتْ. مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَل فَمَعَ مَعْلُومِيَّتِهِ أَوْلَى. وَبِمِثْل هَذَا كُلِّهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ: يَرَوْنَ عَدَمَ صِحَّةِ الْجِعَالَةِ مُطْلَقًا عَلَى مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ حَتَّى الشِّفَاءِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ: ١٣ - أ - فَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ وَالإِْجَارَةُ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى بَيْعِ سِلَعٍ قَلِيلَةٍ وَشِرَاءِ السِّلَعِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ، وَاقْتِضَاءِ الدُّيُونِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ لِلْعَامَّةِ؛ لأَِنَّهُمَا إِنْ تَعَاقَدَا عَلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأَْذْرُعِ كَانَ إِجَارَةً، وَإِنْ تَعَاقَدَا عَلَى ظُهُورِ الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ كَانَ جِعَالَةً. ١٤ - ب - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ دُونَ الإِْجَارَةِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى الإِْتْيَانِ بِالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، أَوِ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُل مَا يَكُونُ الْعَمَل فِيهِ مَجْهُولاً، فَتُشْتَرَطُ الْجَهَالَةُ بِالْعَمَل هُنَا تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ مَعْلُومِيَّتَهُ

стр. 9175

لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا تُوجِبُ الْغَرَرَ فِيهِ، كَأَنْ لاَ يَجِدَ الْبَعِيرَ الشَّارِدَ مَثَلاً فِي الْمَكَانِ الْمَعْلُومِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهِ مِنْهُ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا وَتَضِيعُ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ. ١٥ - ج - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الإِْجَارَةُ دُونَ الْجِعَالَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا، كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى عَمَلٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَاعِل كَحَفْرِ بِئْرٍ مَثَلاً، وَكَذَا التَّعَاقُدُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ خِدْمَةِ شَهْرٍ، أَوْ بَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِنْ لَمْ يُتِمَّ الْعَامِل الْعَمَل. ١٦ - أَمَّا مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الشِّفَاءِ مِنَ الْمَرَضِ، وَالْمُعَلِّمِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ مَثَلاً، وَكِرَاءُ السُّفُنِ، فَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: إِنَّهَا تَصِحُّ إِجَارَةً وَتَصِحُّ جِعَالَةً، وَزَادَ عَلَيْهَا ابْنُ شَاسٍ الْمُغَارَسَةَ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ كُلَّهَا مِنَ الإِْجَارَةِ فَقَطْ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ الْجِعَالَةُ. (١)

стр. 9176

الْمَشَقَّةُ فِي الْعَمَل: ١٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ تَعَبٌ وَمَشَقَّةٌ أَوْ مُؤْنَةٌ، كَرَدِّ آبِقٍ، أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ بِيَدِهِ الشَّيْءُ، أَوْ إِخْبَارٍ عَنْ شَيْءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَعَبٌ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ صَادِقًا فِي إِخْبَارِهِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَخْبِرِ غَرَضٌ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ. وَقَيَّدَ الأَْذْرَعِيُّ هَذَا: بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ حَادِثَةً بَعْدَ عَقْدِ الْجِعَالَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَا لأَِنَّهَا مَحْضُ تَبَرُّعٍ حِينَئِذٍ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ، بَل اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْجِعَالَةِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ، قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا تَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي كُل مَا لاَ يَكُونُ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِلاَّ بِتَمَامِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ يَسِيرًا أَمْ غَيْرَ يَسِيرٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (١) كَوْنُ الْعَمَل مُبَاحًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامِل: ١٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامِل أَدَاؤُهُ فَلاَ يَصِحُّ

стр. 9177

عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَغِنَاءٍ، وَرَقْصٍ، وَعَمَل خَمْرٍ، وَنَحْوِهِ كَمَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَيْضًا إِذَا كَانَ الْعَمَل الْمَطْلُوبُ أَدَاؤُهُ بِالْعَقْدِ وَاجِبًا عَلَى الْعَامِل وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، نَحْوُ: رَدُّ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ وَالْمَسْرُوقَةَ لِصَاحِبِهَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ إِعْلاَنَهُ الْجُعْل عَلَى ذَلِكَ لأَِنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَابَل بِعِوَضٍ. وَلاَ يَشْمَل هَذَا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِل بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ، كَتَخْلِيصٍ مِنْ نَحْوِ: حَبْسٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ وَدَفْعِ ظَالِمٍ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ تُقَابَل بِأُجْرَةٍ. وَكَذَلِكَ لاَ يَشْمَل هَذَا مَا لَوْ رَدَّ الشَّيْءَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ أَمَانَةً نَحْوُ: أَنْ يَرُدَّ شَخْصٌ دَابَّةً دَخَلَتْ دَارِهِ لِصَاحِبِهَا بَعْدَ أَنَّ جَاعَل عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَاحِبِهَا، أَمَّا رَدُّهَا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَبِمِثْل هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَبِهِ أَيْضًا قَال الْحَنَابِلَةُ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَسَمُوا الْعَمَل الْوَاجِبَ عَلَى الْعَامِل إِلَى قِسْمَيْنِ: (الأَْوَّل) مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهِ سِوَاهُ كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَهَذَا لاَ تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ. (الثَّانِي) مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ كَالأَْذَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَجٍّ، وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ، وَقُرْآنٍ، وَقَضَاءٍ وَإِفْتَاءٍ، فَهَذَا تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ عَلَى الرَّاجِحِ.

стр. 9178

وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: مَا إِذَا كَانَ الْعَمَل رَدَّ آبِقٍ، فَإِنَّ الرَّادَّ لَهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل وَلَوْ كَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ سِوَى الإِْمَامِ كَمَا سَيَأْتِي. (١) تَأْقِيتُ الْعَمَل: ١٩ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ عَدَمُ تَأْقِيتِ الْعَمَل بِوَقْتٍ مُحَدَّدٍ، فَلَوْ قَال الْجَاعِل مَثَلاً: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي إِلَى نِهَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَهُ دِينَارٌ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ يُخِل بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ فَقَدْ لاَ يَجِدُ الْعَامِل الضَّالَّةَ خِلاَل الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ فَيَضِيعُ سَعْيُهُ وَلاَ يَحْصُل الْغَرَضُ، وَسَوَاءٌ أَضَافَ إِلَى كَلاَمِهِ هَذَا مِنْ مَحَل كَذَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَجِدُهُ فِيهِ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ تَأْقِيتِ الْعَمَل يُفْسِدُ الْعَقْدَ فِي حَالَةِ مَا إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْعَامِل أَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَل مَتَى شَاءَ، وَيَكُونُ لَهُ مِنَ الْعِوَضِ بِحِسَابِ مَا عَمِل، لأَِنَّ الْعَامِل دَخَل فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل، وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ

стр. 9179

لِعَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ - فَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَرَرُهُ قَوِيًّا. أَمَّا إِنْ شَرَطَ الْعَامِل ذَلِكَ، أَوِ اشْتُرِطَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْعَمَل فِي الْعَقْدِ حِينَئِذٍ، وَيَكُونُ صَحِيحًا لأَِنَّ الْعَامِل دَخَل فِي الْعَقْدِ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَغَرَرُهُ حِينَئِذٍ خَفِيفٌ. وَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْعَمَل وَيَصِحُّ الْعَقْدُ إِذَا جَعَل لِلْعَامِل الْجُعْل بِتَمَامِ الزَّمَنِ الْمُحَدَّدِ فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ أَتَمَّ الْعَمَل أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ قَدْ خَرَجَ حِينَئِذٍ مِنَ الْجِعَالَةِ إِلَى الإِْجَارَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ وَإِنْ كَانَ الْعَمَل فِيهَا مُؤَقَّتًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، لأَِنَّ الْمُدَّةَ إِذَا جَازَتْ فِي هَذَا الْعَقْدِ مَجْهُولَةٌ فَمَعَ تَقْدِيرِهَا، وَمَعْلُومِيَّتُهَا أَوْلَى (١) . تَضَمُّنُ الْعَمَل نَفْعًا لِلْجَاعِل: ٢٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل فِي الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ غَرَضٌ وَمَنْفَعَةٌ تَعُودُ عَلَيْهِ بِتَحَقُّقِهِ، فَلَوْ قَال: مَنْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا فَلَهُ دِينَارٌ، صَحَّ الْعَقْدُ بِالشَّرَائِطِ السَّابِقَةِ. وَلَوْ جَاعَل شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ عَلَى أَنْ

стр. 9180

يَصْعَدَ هَذَا الْجَبَل، وَيَنْزِل مِنْهُ مَثَلاً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ بِإِتْيَانِ حَاجَةٍ مِنْهُ لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ. كَمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِل إِلاَّ بِتَمَامِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل فِي الْجِعَالَةِ لِلْجَاعِل، فَلَوْ قَال شَخْصٌ: مَنْ رَكِبَ دَابَّتِي مَثَلاً فَلَهُ كَذَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِئَلاَّ يَجْتَمِعَ لِلْعَامِل الأَْمْرَانِ النَّفْعُ وَالْعِوَضُ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَادِيَ غَيْرُ رَبِّ الضَّالَّةِ: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلاَنٍ فَلَهُ كَذَا فَيَصِحُّ الْعَقْدُ، فَإِنْ رُدَّتْ يَكُونُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُنَادِي لأَِنَّهُ ضَمِنَهَا (١) . الْجُعْل وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ: مَعْلُومِيَّتُهُ: ٢١ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْجُعْل مَالاً مَعْلُومًا جِنْسًا وَقَدْرًا؛ لأَِنَّ جَهَالَةَ الْعِوَضِ تُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ عَقْدِ الْجِعَالَةِ، إِذْ لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يَرْغَبُ فِي الْعَمَل مَعَ جَهْلِهِ بِالْجُعْل، هَذَا فَضْلاً عَنْ أَنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِجَهَالَتِهِ فِي الْعَقْدِ، بِخِلاَفِ الْعَمَل وَالْعَامِل حَيْثُ تُغْتَفَرُ جَهَالَتُهُمَا لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. وَمَعْلُومِيَّةُ الْجُعْل تَحْصُل بِمُشَاهَدَتِهِ أَوْ وَصْفِهِ

стр. 9181

إِنْ كَانَ عَيْنًا، وَبِوَصْفِهِ إِنْ كَانَ دَيْنًا. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْجُعْل عَيْنًا مُعَيَّنَةً - ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مَضْرُوبًا عَلَيْهَا - فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ جُعْلاً، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، فَلِلْجَاعِل الاِنْتِفَاعُ بِهَا، وَيَغْرَمُ مِثْلَهَا إِذَا أَتَمَّ الْعَامِل الْعَمَل، وَإِنْ كَانَ الْجُعْل مِثْلِيًّا، أَوْ مَوْزُونًا لاَ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ خِلاَل فَتْرَةِ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ، أَوْ ثَوْبًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَالْجُعْل، فَإِنْ كَانَ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْفَسَادُ. مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَعْلُومِيَّةُ: ٢٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَثْنَى مِنِ اشْتِرَاطِ الْمَعْلُومِيَّةِ فِي الْجُعْل حَالَتَانِ: الأُْولَى: مَا لَوْ جَعَل الإِْمَامُ أَوْ قَائِدُ الْجَيْشِ لِمَنْ يَدُل عَلَى فَتْحِ قَلْعَةٍ لِلْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ جُعْلاً مِنْهَا كَفَرَسٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ لِلْحَاجَةِ إِلَى مِثْل ذَلِكَ وَقْتَ الْحَرْبِ. الثَّانِيَةُ: مَا لَوْ قَال شَخْصٌ لآِخَرَ: حُجَّ عَنِّي بِنَفَقَتِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ النَّفَقَةِ، وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: هِيَ جِعَالَةٌ فَاسِدَةٌ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُحْتَمَل أَنْ تَجُوزَ الْجِعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْجُعْل إِذَا كَانَتِ الْجَهَالَةُ لاَ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، نَحْوُ أَنْ يَقُول الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا، أَوْ قَال الْقَائِدُ لِلْجَيْشِ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ

стр. 9182

رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ، أَوْ جَعَل جُعْلاً لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ مَثَلاً، وَكَانَ الْجُعْل مِنْ مَال الأَْعْدَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولاً كَفَرَسٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِل. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدِ اسْتَثْنَوْا حَالاَتٍ أُخْرَى: الأُْولَى: أَنْ يُجَاعِل غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُ أُصُولاً حَتَّى تَبْلُغَ حَدًّا مُعَيَّنًا فَتَكُونُ هِيَ (أَيِ الزِّيَادَةُ) وَالأَْصْل بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجَاعِلَهُ عَلَى تَحْصِيل الدَّيْنِ بِجُزْءٍ (أَيْ مَعْلُومٍ كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ مِمَّا يُحَصِّلُهُ) ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجَاعِلَهُ عَلَى حَصَادِ الزَّرْعِ، أَوْ جَذِّ النَّخْل عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ يُسَمِّيهِ، فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى هَذَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا. (١) اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْجُعْل حَلاَلاً، وَمَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ: ٢٣ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْجُعْل أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، مَمْلُوكًا لِلْجَاعِل، فَمَا كَانَ مِنْهُ نَجِسًا، أَوْ

стр. 9183

غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ، أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْجَاعِل يُفْسِدُ الْعَقْدَ. (١) تَعْجِيل الْجُعْل قَبْل تَمَامِ الْعَمَل: ٢٤ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجِعَالَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَعْجِيل الْجُعْل، فَلَوْ شَرَطَ تَعْجِيلَهُ قَبْل الْعَمَل فَسَدَ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ الْجَاعِل لِلْعَامِل بِلاَ شَرْطٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّهُ وَلاَ يَمْلِكُهُ إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَسَوَاءٌ أَحَصَل نَقْدٌ وَتَسْلِيمٌ لِلْجُعْل بِالْفِعْل أَمْ لاَ، وَذَلِكَ لِدَوَرَانِ الْجُعْل بَيْنَ الْمُعَاوَضَةِ - إِنْ وَجَدَ الْعَامِل الضَّالَّةَ مَثَلاً وَأَوْصَلَهَا إِلَى الْجَاعِل - وَبَيْنَ الْقَرْضِ إِنْ لَمْ يُوصِلْهَا لَهُ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهَا أَصْلاً، أَوْ وَجَدَهَا وَأَفْلَتَتْ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ، وَالدَّوَرَانُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا؛ لأَِنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا احْتِمَالاً، وَأَمَّا النَّقْدُ وَالتَّسْلِيمُ لِلْجُعْل تَطَوُّعًا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَجُوزُ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، إِذْ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ. (٢)

стр. 9184

آثَارُ عَقْدِ الْجِعَالَةِ: لُزُومُ عَقْدِ الْجِعَالَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل: ٢٥ - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل يُصْبِحُ لاَزِمًا لأَِنَّهُ لاَ أَثَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَى رُجُوعِ الْجَاعِل عَنِ الْعَقْدِ، أَوْ تَرْكِ الْعَامِل الْعَمَل حِينَئِذٍ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْجَاعِل. (١) صِفَةُ يَدِ الْعَامِل عَلَى مَال الْجَاعِل: ٢٦ - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّ يَدَ الْعَامِل عَلَى مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ مَال الْجَاعِل إِلَى أَنْ يَرُدَّهُ - إِذَا كَانَتِ الْجِعَالَةُ عَلَى رَدِّهِ - يَدَ أَمَانَةٍ لاَ ضَمَانٍ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ وَخَلاَّهُ رَغْمًا عَنْهُ، أَوْ بِلاَ تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ، كَأَنْ تَرَكَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَتَلِفَ أَوْ هَرَبَ لَمْ يَضْمَنْهُ. أَمَّا إِنْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ وَخَلاَّهُ بِتَفْرِيطٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهِ، كَأَنْ تَرَكَهُ فِي مَكَانٍ يَضِيعُ فِيهِ غَالِبًا أَوْ يَتْلَفُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَيُعْتَبَرُ مِنَ التَّفْرِيطِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ أَنْ يَسْتَعْمِل الْعَامِل الْمَال فِي عَمَلٍ خَاصٍّ بِهِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ مَثَلاً، فَإِنْ رَكِبَهَا ضَمِنَهَا إِنْ هَلَكَتْ. (٢)

стр. 9185

النَّفَقَةُ عَلَى الْمَال وَهُوَ فِي يَدِ الْعَامِل: ٢٧ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْعَامِل خِلاَل فَتْرَةِ وُجُودِ الْمَال الْمُجَاعَل عَلَيْهِ وَلَوِ اسْتَغْرَقَتِ الْجُعْل كُلَّهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَامِل مُعْتَادًا طَلَبَ الضَّوَال وَرَدَّهَا لأَِصْحَابِهَا بِعِوَضٍ، سَوَاءٌ أَوَجَبَ لَهُ جُعْل الْمِثْل أَمِ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَلَكِنْ يُمْكِنُهُ إِذَا كَانَ الْمَال فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْل أَنْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى قَاضِي هَذَا الْبَلَدِ لِيَبِيعَ الْمَال وَيَحْكُمَ لَهُ بِجُعْلِهِ، أَمَّا إِنْ جَاءَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْجُعْل الَّذِي جُعِل لَهُ، أَوْ جُعِل مِثْلُهُ، أَمَّا إِنْ كَانَ الْعَامِل لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ طَلَبُ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ، وَلَمْ يَحْدُثِ الْتِزَامٌ بِالْجُعْل مِنَ الْمَالِكِ، أَوْ كَانَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ هَذَا الْعَامِل، فَإِنَّهُ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لاَ شَيْءَ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَلاَ جُعْلٍ. ٢٨ - وَالْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي يَرْجِعُ بِهَا الْعَامِل عَلَى الْمَالِكِ عِنْدَ اللَّقَانِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِل عَلَى الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ مَثَلاً مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ احْتَاجَ لَهُ فِي خِلاَل فَتْرَةِ رَدِّهِ. أَمَّا مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِل عَلَى نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ مَثَلاً فِي خِلاَل فَتْرَةِ تَحْصِيلِهِ، وَرَدِّهِ فَهَذِهِ عَلَى الْعَامِل لاَ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَخَالَفَهُ الأَُجْهُورِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَال: إِنَّ

стр. 9186

النَّفَقَةَ الْمُرَادَةَ هُنَا، هِيَ مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِل عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الضَّالَّةِ مَثَلاً مِنْ أُجْرَةِ مَرْكَبٍ أَوْ دَابَّةٍ اضْطُرَّ لَهَا، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْحَامِل عَلَى صَرْفِ هَذِهِ الأَْمْوَال إِلاَّ تَحْصِيلَهَا وَرَدَّهَا لِمَالِكِهَا. وَأَمَّا مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا فَعَلَى الْمَالِكِ عَلَى كُل حَالٍ، يَرْجِعُ بِهِ الْعَامِل عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِلْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى أَمْ جُعْل الْمِثْل أَمْ نَفَقَةُ التَّحْصِيل وَالْبَحْثِ، وَأَمَّا مَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْفِقَهُ الْعَامِل عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَضَرِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ فَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ. وَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيُّ هُوَ الرَّاجِحُ. ٢٩ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَال يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ لِصِيَانَتِهِ وَبَقَائِهِ وَرَدِّهِ فَنَفَقَتُهُ - مِنْ حِينِ وَضْعِ يَدِ الْعَامِل عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَرُدَّهُ - عَلَى مَالِكِهِ لاَ عَلَى الْعَامِل، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْعَامِل خِلاَل هَذِهِ الْفَتْرَةِ بِدُونِ إِذْنِ الْمَالِكِ، أَوِ الْقَاضِي، أَوْ بِدُونِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا، بِأَنْ كَانَ فِي مَكَانٍ لاَ يُوجَدُ فِيهِ قَاضٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ الإِْشْهَادِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِإِنْفَاقِهِ هَذَا، وَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَالِكِ الْمَال وَلَوْ قَصَدَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ تَحَقَّقَ مِنَ الْعَامِل أَحَدُ هَذِهِ الأُْمُورِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْمَالِكِ وَيُقْضَى لَهُ بِهَا. وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْعَامِل رَدُّ الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ إِلاَّ بِبَيْعِ بَعْضِهِ وَالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ. وَبِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَالِكِ أَيْضًا قَال

стр. 9187

الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الشَّافِعِيَّةَ فِي أَنَّ لِلْعَامِل أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ إِنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ إِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي الإِْنْقَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِئْذَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ جُعْلاً أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَال بِيَدِ الْعَامِل وَسَلَّمَهُ لِلْمَالِكِ أَمْ لاَ، حَتَّى لَوْ هَرَبَتِ الضَّالَّةُ مَثَلاً مِنْهُ، أَوْ مَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْل هَرَبِهَا أَوْ مَوْتِهَا؛ لأَِنَّ الإِْنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَحَثًّا عَلَى صِيَانَةِ الضَّالَّةِ لِمَالِكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَ الْعَامِل عَلَى الضَّالَّةِ بِإِذْنِ مَالِكِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَنْوِ الْعَامِل التَّبَرُّعَ بِالنَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ نَاوِيًا التَّبَرُّعَ بِهَا فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَالِكِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلْعَامِل اسْتِخْدَامُ الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ بِنَفَقَتِهِ كَالْمَرْهُونِ (١) . حَبْسُ الْمَال الْمَرْدُودِ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ النَّفَقَةِ: ٣٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِل أَنْ يَحْبِسَ الْمَال الْمُتَعَاقَدَ عَلَى رَدِّهِ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْجَاعِل، أَوِ الْمَالِكِ، أَوِ الْقَاضِي، أَوْ

стр. 9188

بِالإِْشْهَادِ، أَوْ لِتَعَذُّرِ الإِْذْنِ مِنْهُمْ، (١) وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَمَّا الْحَبْسُ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل فَسَيَأْتِي. اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل وَشَرَائِطُهُ: الإِْذْنُ فِي الْعَمَل بِجُعْلٍ: ٣١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِذْنٌ بِالْعَمَل مُشْتَمِلٌ عَلَى جُعْلٍ يُقَابِل ذَلِكَ الْعَمَل، فَإِنْ أَذِنَ الْجَاعِل لِلْعَامِل وَشَرَطَ لَهُ الْجُعْل اسْتَحَقَّ الْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى لأَِنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَنْفَعَةً بِعِوَضٍ فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَالأَْجِيرِ، أَمَّا إِذَا عَمِل الْعَامِل عَمَلاً مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، كَأَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً فَرَدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجُعْل، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ أَوِ الضَّوَال بِعِوَضٍ؛ لِعَدَمِ الاِلْتِزَامِ لَهُ بِشَيْءٍ فَوَقَعَ عَمَلُهُ تَبَرُّعًا. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ: الأُْولَى مِنْهُمَا - مَا إِذَا كَانَ الْمَرْدُودُ عَبْدًا آبِقًا، وَكَانَ الْمُرَادُ لَهُ غَيْرَ السُّلْطَانِ وَمَنْ يُنِيبُهُ، فَإِنَّ الْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْتَحِقُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ جُعْلاً لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِذْنٌ وَلاَ جُعْلٌ وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي رَدِّ الآْبِقِ كَمَا سَيَأْتِي

стр. 9189

وَيَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل سَوَاءٌ أَكَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ بِعِوَضٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ - كَزَوْجٍ لِلْعَبْدِ أَوْ ذِي رَحِمٍ يَعُولُهُ الْمَالِكُ - أَمْ لاَ، وَذَلِكَ لِلْحَثِّ عَلَى حِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ عَمَّا يَخَافُ مِنْهُ مِنْ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالأَْمْوَال، أَمَّا إِنْ رَدَّهُ السُّلْطَانُ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّهِ؛ لأَِنَّهُ مُنَصَّبٌ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَيَأْخُذُ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَال لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَالثَّانِيَةُ - مَا إِذَا كَانَ الْعَمَل فِيهِ إِنْقَاذُ وَتَخْلِيصُ مَال الْغَيْرِ مِمَّا يَظُنُّ هَلاَكَهُ لَوْ تُرِكَ، فَإِنَّ لِلْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَلَوْ بِدُونِ إِذْنٍ وَلاَ جُعْلٍ مِنَ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ لِلْحَثِّ وَالتَّرْغِيبِ فِي إِنْقَاذِ الأَْمْوَال مِنَ الْهَلاَكِ (١) . ٣٢ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْعَامِل مَعْرُوفًا بِطَلَبِ الضَّوَال وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، وَرَدِّهَا بِعِوَضٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جُعْل مِثْلِهِ، وَلاَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا - كَمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُ الضَّالَّةِ يَتَوَلَّى الإِْتْيَانَ بِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ أَمْ لاَ. . . وَلِصَاحِبِ الضَّالَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْعَامِل عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْل الْمِثْل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِيمَتُهَا تُسَاوِي جُعْل الْمِثْل أَمْ أَقَل أَمْ أَكْثَرَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِل أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى هَذَا، وَيَتَمَسَّكَ بِجُعْل الْمِثْل، وَإِنْ

стр. 9190

لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَلاَ جُعْل لَهُ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ (ف ٢٧ - ٢٨) . الإِْذْنُ فِي الْعَمَل بِدُونِ جُعْلٍ: ٣٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَمِل شَخْصٌ بِإِذْنِ شَخْصٍ آخَرَ أَوْ إِعْلاَنِهِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ فِيهِ جُعْلاً لَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضًا عَلَى عَمَلِهِ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ - إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مُعْتَادًا وَمَعْرُوفًا بِأَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْعْمَال بِعِوَضٍ عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ فِي الْفِقْرَةِ السَّابِقَةِ وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْحَنَابِلَةُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مُعَدًّا لأَِخْذِ الأُْجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ كَالْمَلاَّحِ وَالْخَيَّاطِ، وَالدَّلاَّل، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَل، وَأَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَال فِي الْعَمَل، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، لِدَلاَلَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يُسْتَثْنَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا: الْحَالَتَانِ الْمُفَصَّلَتَانِ فِيمَا سَبَقَ (ف / ٣١) . سَمَاعُ الإِْذْنِ بِالْعَمَل وَالْعِلْمُ بِهِ: ٣٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل أَنْ يَسْمَعَ إِذْنَ الْجَاعِل فِي ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمَ بِهِ، فَلَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ مَثَلاً مَنْ سَمِعَ الإِْذْنَ قَبْل الْعَمَل اسْتَحَقَّ الْجُعْل الْمُسَمَّى عَلَى الْجَاعِل؛ لأَِنَّهُ الْمُلْتَزِمُ لَهُ، سَوَاءٌ سَمِعَهُ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةِ

стр. 9191

إِفَادَتِهِ الْعِلْمَ بِذَلِكَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُخَصِّصِ الْجَاعِل إِذْنَهُ بِالسَّامِعِينَ لَهُ فَقَطْ، فَإِنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ بِأَنْ قَال: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ سَامِعِي نِدَائِي هَذَا فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهَا مَنْ عَلِمَ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ عَمِل طَامِعًا فِي الْجُعْل، وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل لَوْ عَمِل بَعْدَ الإِْذْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَامِل مُخَصَّصًا أَوْ قَاصِدًا الْعِوَضَ أَوْ غَيْرَهُمَا، فَلَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ كَذَا، أَوْ إِنْ رَدَّهَا خَالِدٌ فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الإِْذْنُ الْعَامُّ، أَوْ رَدَّهَا خَالِدٌ بِدُونِ أَنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنَ الْجُعْل وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مِثْل هَذَا الْعَمَل لاَ يَضِيعُ هَدَرًا، لأَِنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ. وَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِالإِْذْنِ وَالْجُعْل فِي أَثْنَاءِ الْعَمَل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْجُعْل بِنِسْبَةِ مَا أَتَمَّهُ مِنَ الْعَمَل بَعْدَ الْعِلْمِ بِالإِْذْنِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا عَنِ الْعَمَل الْحَاصِل قَبْل عِلْمِهِ لأَِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ لِلْعَمَل الْحَادِثِ قَبْل الإِْذْنِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِهِ، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِيمَا عَدَا الْحَالَتَيْنِ السَّابِقَ ذِكْرُهُمَا (ف / ٣١) . وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ إِذْنَ الْجَاعِل لاَ مُبَاشَرَةً وَلاَ بِوَاسِطَةٍ فَقَالُوا: يَسْتَحِقُّ جُعْل الْمِثْل عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُ الْمَال أَصْلاً (ف / ٣٢) . إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هُنَا فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّالَّةِ

стр. 9192

مَثَلاً فِي تَرْكِهَا لِلْعَامِل، فَقَال الأَُجْهُورِيُّ: لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْعَامِل هُنَا أَيْضًا عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْل الْمِثْل، وَقَال الرَّمَاصِيُّ: لَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا لِلْعَامِل هُنَا جُعْل مِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْعْمَال بِعِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَلَهُ النَّفَقَةُ. (١) تَحْصِيصُ الإِْذْنِ وَالْجُعْل بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ: ٣٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال الْجَاعِل إِنْ رَدَّ زَيْدٌ دَابَّتِي الضَّالَّةَ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَلَوْ رَدَّهَا عَمْرٌو مَثَلاً لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ مِثْل هَذَا الْعَمَل بِعِوَضٍ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضًا فَوَقَعَ عَمَلُهُ تَبَرُّعًا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ عَمْرٌو جُعْل الْمِثْل إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ مِثْل هَذَا الْعَمَل بِعِوَضٍ، وَإِلاَّ فَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ ذِكْرُهُ (٢) . (ف ٢٨ وَ ٢٩) .

стр. 9193

تَخْصِيصُ الإِْذْنِ وَالْجُعْل بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ: ٣٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال الْجَاعِل مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ بَغْدَادَ مَثَلاً فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ يُنْظَرُ: فَإِنْ رَدَّهَا الْعَامِل مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فِعْلاً، لَكِنْ مِنْ أَبْعَدَ مِنَ الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْدِ فَلاَ زِيَادَةَ لَهُ عَلَى الْجُعْل الْمُسَمَّى، لِتَبَرُّعِهِ بِالْمَسَافَةِ الزَّائِدَةِ، وَلَوْ رَدَّهَا مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ فَلَهُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْجُعْل إِنْ تَسَاوَتِ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً، لأَِنَّ كُل الْجُعْل فِي مُقَابَلَةِ كُل الْعَمَل، فَبَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَعْضِ فَإِنْ تَفَاوَتَتِ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً بِأَنْ كَانَ النِّصْفُ الَّذِي أَتَى بِهِ مَثَلاً لَهُ مِنَ الأُْجْرَةِ ضِعْفَ النِّصْفِ الآْخَرِ عُمِل بِذَلِكَ فِي الْجُعْل فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَيِ الْجُعْل. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ: إِذَا رَدَّهَا مِنْ مَسَافَةٍ مِثْل مَسَافَةِ بَغْدَادَ وَلَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل الْمُسَمَّى - عَشْرَةَ دَنَانِيرَ - لأَِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْمَكَانِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الإِْرْشَادُ إِلَى مَوْضِعٍ أَوْ مَظِنَّةٍ وَنَحْوِهِ، لاَ أَنَّ الرَّدَّ مِنْهُ شَرْطٌ فِي أَصْل الاِسْتِحْقَاقِ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ لَكَانَ إِذَا رَدَّهَا مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ مِنْهُ. وَقِيل: لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الرَّدِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الأُْخْرَى، وَبِمِثْل هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال الْحَنَابِلَةُ. ٣٧ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْجُعْل

стр. 9194

فِي الدَّابَّةِ الضَّالَّةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِمَكَانِهَا؛ لأَِنَّ مَنْ عَلِمَ مَكَانَهَا غَارَ وَخَادَعَ لِصَاحِبِهِ وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ، فَإِنْ عَلِمَ الْجَاعِل مَكَانَهَا وَجَهِلَهُ الْعَامِل، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْجَاعِل الأَْكْثَرُ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَأُجْرَةِ الْمِثْل لِلْعَامِل، وَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل فَقَطْ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لَهُ، وَيَكُونُ آثِمًا ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ إِنْ تَلِفَتْ؛ لأَِنَّ الإِْتْيَانَ بِهَا لِصَاحِبِهَا صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَيْثُ عَلِمَ مَكَانَهَا دُونَ صَاحِبِهَا. وَإِنْ عَلِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَكَانَهَا فَالرَّاجِحُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ، نَظَرًا لِسَبْقِ الْجَاعِل بِالنِّدَاءِ وَهُوَ الإِْيجَابُ (١) . الدَّلاَلَةُ عَلَى الْمَال الضَّائِعِ، وَالإِْخْبَارُ عَنْهُ: ٣٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ جَعَل شَخْصٌ لِمَنْ دَلَّهُ عَلَى مَالِهِ الضَّائِعِ جُعْلاً، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ الْمَال فِي يَدِهِ اسْتَحَقَّ الْجُعْل، لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِالْبَحْثِ عَنْهُ، ثُمَّ دَلاَلَةُ الْجَاعِل عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَحْثُ الْمُتْعِبُ حَادِثًا بَعْدَ إِعْلاَنِ الْجَاعِل لاَ قَبْلَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِالْعَمَل الْحَادِثِ قَبْلَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْل. وَكَذَلِكَ

стр. 9195

لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مَنْ كَانَ الْمَال الضَّائِعُ فِي يَدِهِ، وَدَل صَاحِبَهُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا فَلاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ جَعَل جُعْلاً لِمَنْ أَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ كَدَوَاءٍ يَنْفَعُهُ مَثَلاً فَأَخْبَرَهُ شَخْصٌ بِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ، أَمَّا إِنْ تَعِبَ الْمُخْبِرُ وَصَدَقَ فِي إِخْبَارِهِ، وَكَانَ لِلْجَاعِل الْمُسْتَخْبِرُ غَرَضٌ وَمَنْفَعَةٌ فِي الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ الإِْخْبَارُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ الدَّال أَوِ الْمُخْبِرُ مَكَانَ الْمَال الضَّائِعِ، أَوِ الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ الإِْخْبَارُ عَنْهُ قَبْل إِعْلاَنِ الْجَاعِل أَوْ تَعَاقُدِهِ مَعَهُ فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْل إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّعَاقُدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ تَعَبٌ أَوْ مَشَقَّةٌ فِي سَبِيل عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، كَأَنْ عَلِمَ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إِنْ عَلِمَ قَبْل التَّعَاقُدِ (١) . الْفَرَاغُ مِنَ الْعَمَل وَالتَّسْلِيمُ لِلْجَاعِل: ٣٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ، وَيَفْرُغَ مِنْهُ وَيُسَلِّمَهُ لِلْجَاعِل فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الآْبِقُ أَوِ الدَّابَّةُ

стр. 9196

الضَّالَّةُ، أَوْ تَلِفَ الْمَال الْمَرْدُودُ، أَوْ غُصِبَ مِنْ يَدِ الْعَامِل فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَلَوْ بِقُرْبِ دَارِ الْجَاعِل، أَوْ تَرَكَهُ الْعَامِل فَرَجَعَ لِلْجَاعِل بِنَفْسِهِ، أَوْ هَرَبَ الْمَرْدُودُ وَلَوْ مِنْ دَارِ الْجَاعِل قَبْل تَسْلِيمِهِ لَهُ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِي كُل هَذَا، لِتَعَلُّقِ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْجُعْل بِالرَّدِّ، وَتَسْلِيمِ الْمَرْدُودِ لِلْجَاعِل، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ذَلِكَ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنْ أَفْلَتَ الْحَيَوَانُ الْمَرْدُودُ مِنْ يَدِ الْعَامِل وَهَرَبَ قَبْل تَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل، فَإِنْ جَاءَ بِهِ - مِنْ غَيْرِ تَعَاقُدِ - عَامِلٍ آخَرَ مِنْ عَادَتِهِ رَدُّ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ بِعِوَضٍ، فَلاَ شَيْءَ لِلأَْوَّل وَكُل الْجُعْل لِلثَّانِي إِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِ الْجَاعِل، أَوْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ الْعَامِل الأَْوَّل، أَمَّا إِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْجَاعِل، أَوْ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى مَكَانِ الأَْوَّل، فَلِكُلٍّ مِنَ الْعَامِلَيْنِ - الأَْوَّل وَالثَّانِي - بِنِسْبَةِ عَمَلِهِ مِنَ الْجُعْل مَنْظُورًا فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ الطَّرِيقِ وَصُعُوبَتِهَا لاَ لِمُجَرَّدِ الْمَسَافَةِ؛ لأَِنَّ الثَّانِيَ انْتَفَعَ بِعَمَل الأَْوَّل حِينَئِذٍ. ٤٠ - وَكَمَا لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا إِنْ لَمْ يَقَعْ عَمَلُهُ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل، فَكَذَلِكَ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ عَلَى الْمَحَل، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ - يُرَاجَعُ فِي مُطَوَّلاَتِهِمْ - حَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنْ تَلِفَ مَعْمُول الْعَامِل قَبْل تَمَامِ عَمَلِهِ، فَإِنْ وَقَعَ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ، أَوْ فِي

стр. 9197

مِلْكِهِ، وَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَل وَأَمْكَنَ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ، كَخِيَاطَةِ بَعْضِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ بَعْضِ حَائِطٍ، أَوْ تَعْلِيمِ بَعْضِ مَا جُوعِل عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ حِصَّةَ مَا عَمِل مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى. وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَل مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل بِمَا مَرَّ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَل كَإِنَاءٍ انْكَسَرَ، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ كَثَوْبٍ احْتَرَقَ بَعْدَ خِيَاطَةِ بَعْضِهِ أَوْ حَائِطٍ انْهَدَمَ بَعْدَ بِنَاءِ بَعْضِهِ، وَلَوْ بِلاَ تَفْرِيطٍ مِنَ الْعَامِل، أَوْ مُتَعَلِّمٍ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ تَعَلُّمِهِ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِي كُل ذَلِكَ. ٤١ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل إِلاَّ بِإِتْمَامِهِ الْعَمَل ثَلاَثُ صُوَرٍ: الأُْولَى - مَا إِذَا حَصَل الاِنْتِفَاعُ بِالْعَمَل السَّابِقِ - الَّذِي لَمْ يُتِمُّهُ الْعَامِل بِأَنِ اسْتَأْجَرَ الْجَاعِل عَامِلاً آخَرَ عَلَى إِتْمَامِهِ، أَوْ جَاعَلَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَتَمَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ خَدَمَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل الأَْوَّل عَلَى عَمَلِهِ - حِينَئِذٍ - بِنِسْبَةِ مَا أَخَذَ الثَّانِي، سَوَاءٌ أَعَمِل الثَّانِي قَدْرَ عَمَل الأَْوَّل أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَجْعَل لِلأَْوَّل خَمْسَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَحْمِل لَهُ بَضَائِعَ مَثَلاً إِلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ فَحَمَلَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ وَتَرَكَهَا، فَجَعَل الْجَاعِل لِعَامِلٍ غَيْرِهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى إِيصَالِهَا لِلْمَكَانِ الْمَعْلُومِ، فَإِنَّ الأَْوَّل يَأْخُذُ عَشَرَةً أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ عَمَلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِعَمَل الثَّانِي؛ لأَِنَّ

стр. 9198

الثَّانِيَ لَمَّا جُوعِل مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عُلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّرِيقِ كُلَّهَا عِشْرُونَ. وَلَوْ أَوْصَلَهَا الْجَاعِل بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يُعْطِي لِلْعَامِل الأَْوَّل بِنِسْبَةِ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَوْ جَاعَل عَلَيْهَا صَاحِبَهَا. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْعَامِل فِي كُل ذَلِكَ أُجْرَةُ مِثْل عَمَلِهِ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَضَائِعِ قَدْ يَخَافُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتْ غَالِيَةً، وَشَأْنُ الشَّيْءِ الْغَالِي إِذَا كَانَ فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ يَغْلِبُ ضَيَاعُهُ أَوْ هَلاَكُهُ فِيهِ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى نَقْلِهِ مِنْهُ بِالأُْجْرَةِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْمِثْل، فَلاَ يُقَاسُ عَلَى الاِسْتِئْجَارِ الأَْوَّل. الثَّانِيَةُ - إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُجَاعَل عَلَيْهِ - حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ - مَمْلُوكٌ لِغَيْرِ مَنْ جَاعَل عَلَيْهِ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْعَامِل، فَإِنَّ الْجُعْل يَلْزَمُ الْجَاعِل حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمِ الْمُجَاعَل عَلَيْهِ مِنَ الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ وَرَّطَهُ فِي الْعَمَل وَلَوْلاَ ظُهُورُ مِلْكِيَّتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِقَبْضِ الْعَامِل الْجُعْل، وَلاَ يَرْجِعُ الْجَاعِل بِالْجُعْل عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَكُل هَذَا إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ وَمَمْلُوكٌ لِغَيْرِ الْجَاعِل بَعْدَ وُصُول الْعَامِل الْبَلَدَ وَقَبْل قَبْضِ الْجَاعِل لَهُ، أَمَّا لَوِ اسْتُحِقَّ مِنَ الْعَامِل وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ قَبْل وُصُولِهِ بَلَدَ الْجَاعِل، فَلاَ جُعْل لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِسْتِحْقَاقِ وَبَيْنَ الْمَوْتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ قَبْل ذَلِكَ (ف / ٣٩) أَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ وَهُوَ

стр. 9199

ظُهُورُ مِلْكِيَّتِهِ لِغَيْرِ الْجَاعِل يَكُونُ نَاشِئًا عَنِ اعْتِدَاءٍ مِنَ الْجَاعِل غَالِبًا، فَتَغَيَّرَ حُكْمُهُ لأَِجْل هَذَا. الثَّالِثَةُ - إِذَا حَدَثَ لِلشَّيْءِ الْمُجَاعَل عَلَى تَحْصِيلَةِ حَادِثٌ أَدَّى إِلَى نُقْصَانِ قِيمَتِهِ بِحَيْثُ صَارَ لاَ يُسَاوِي الْجُعْل الْمُسَمَّى، أَوْ جُعْل الْمِثْل، فَلِلْعَامِل جُعْلُهُ كَامِلاً، وَلاَ يُنْظَرُ لِهَذَا النُّقْصَانِ، وَسَوَاءٌ أَحَدَثَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ الْعَامِل، أَمْ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَقَبْل أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْجَاعِل. تَعَذُّرُ التَّسْلِيمِ لِلْجَاعِل: ٤٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَتَى الْعَامِل بِالْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدِ الْجَاعِل وَلاَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي تَسَلُّمِهِ سَلَّمَهُ لِلْحَاكِمِ، وَاسْتَحَقَّ الْجُعْل وَيَدْفَعُهُ الْحَاكِمُ لَهُ مِنْ مَال الْجَاعِل الْمُلْتَزِمِ بِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ بَقِيَ الْجُعْل دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَاعِل، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ لِهَذَا الْمَكَانِ أَشْهَدَ عَلَى رَدِّهِ لَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْجُعْل حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَرْدُودُ، أَوْ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي تَلَفِ سَائِرِ مَحَال الأَْعْمَال (١) .

стр. 9200

مُشَارَكَةُ الْعَامِل فِي الْعَمَل وَأَثَرُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْل: ٤٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ الْتَزَمَ الْجَاعِل جُعْلاً لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَل فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: أ - فَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ إِعَانَةَ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ مَجَّانًا، أَوْ بِعِوَضٍ مِنَ الْعَامِل فَلاَ شَيْءَ لِلْمُعَاوِنِ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَكُلُّهُ لِلْعَامِل الَّذِي عَيَّنَهُ الْجَاعِل؛ لأَِنَّ رَدَّ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِقَصْدِ الإِْعَانَةِ لِلْمُعَيَّنِ وَاقِعٌ عَنْهُ وَقَصْدُ الْجَاعِل الرَّدَّ مِمَّنِ الْتَزَمَ لَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ فَلاَ يُحْمَل تَعَاقُدُهُ عَلَى قَصْرِ الْعَمَل عَلَى الْمُخَاطَبِ وَحْدَهُ، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. ب - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِلْجَاعِل، أَوِ الْعَمَل لِنَفْسِهِ، أَوْ قَصَدَ نَفْسَهُ وَالْجَاعِل مَعًا، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ نِصْفُ الْجُعْل؛ لأَِنَّهُ فِي الصُّوَرِ الأَْرْبَعِ عَمِل نِصْفَ الْعَمَل، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ مِنْ عَمَل الْمُشَارِكِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ أَصْلاً فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا. ج - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِنَفْسِهِ وَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ، أَوْ قَصَدَ الْعَمَل لِلْعَامِل وَالْجَاعِل مَعًا، فَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْجُعْل الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّهُ عَمِل النِّصْفَ وَرَجَعَ لَهُ نِصْفُ عَمَل الْمُشَارِكِ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ. د - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِلْجَمِيعِ - أَيِ الْجَاعِل، وَالْعَامِل، وَنَفْسِهِ - فَلِلْعَامِل ثُلُثَا

стр. 9201

الْجُعْل؛ لأَِنَّهُ عَمِل النِّصْفَ، وَرَجَعَ لَهُ مِنَ الْمُشَارِكِ ثُلُثُ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ سُدُسٌ يُضَمُّ إِلَى نِصْفِ الْعَامِل. هـ - وَلَوْ أَعَانَ الْعَامِل اثْنَانِ وَلَمْ يَقْصِدَاهُ فَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْل، أَوْ ثَلاَثَةٌ فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَل لَهُ أَحَدُ الاِثْنَيْنِ، وَقَصَدَ الآْخَرُ الْجَاعِل فَلَهُ ثُلُثَاهُ وَهَكَذَا. وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِأَيِّ حَالٍ فِي كُل مَا ذُكِرَ، لاَ مِنَ الْجُعْل وَلاَ مِنَ الْعَامِل؛ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَشْتَرِكَانِ فِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى وَجُعْل الْمِثْل. ٤٤ - أَمَّا إِذَا أَذِنَ الْجَاعِل لاِثْنَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَوْ عَمَّمَ إِذْنَهُ وَإِعْلاَنَهُ لِكُل مَنْ يَعْمَل فَاشْتَرَكَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي الْعَمَل مُنْذُ بِدَايَتِهِ وَتَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل تَامًّا، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَإِنْ تَفَاوَتَ عَمَل كُلٍّ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُ الْعَمَل حَتَّى يُوَزَّعَ عَلَيْهِ الْجُعْل بِالنِّسْبَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْعْمَال الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُهَا مِنْهُمْ مُجْتَمِعِينَ كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، أَمَّا الأَْعْمَال الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُ جَمِيعِهَا مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِثْل أَنْ يَقُول الْقَائِدُ: مَنْ دَخَل هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُحَارِبِينَ اسْتَحَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ

стр. 9202

وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ يُسَمَّى دَاخِلاً هُنَا. إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْنِ الْمُعَيَّنَيْنِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْل الْمُسَمَّى - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ سِوَاهُ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذَا. ٤٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ شَرَطَ الْجَاعِل لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ جُعْلاً مَجْهُولاً، كَثَوْبٍ مَثَلاً، وَشَرَطَ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الآْخَرِينَ دِينَارًا عَلَى رَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، فَرَدُّوهَا جَمِيعًا مَعًا، فَلِلأَْوَّل ثُلُثُ أُجْرَةِ الْمِثْل، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الآْخَرَيْنِ ثُلُثُ الدِّينَارِ الْمُسَمَّى لَهُ. وَإِنْ قَال لِكُل وَاحِدٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ رُدَّهَا وَلَكَ دِينَارٌ فَرَدَّهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا شَرَطَ لَهُ كَامِلاً - وَهُوَ الدِّينَارُ - وَإِنْ رَدَّهَا اثْنَانِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا شَرَطَ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهَا الثَّلاَثَةُ فَلِكُلٍّ ثُلُثُ مَا شَرَطَ لَهُ وَهَكَذَا - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَإِنْ شَرَطَ لِوَاحِدٍ عَلَى رَدِّهَا دِينَارًا، وَشَرَطَ لآِخَرَ عَلَى رَدِّهَا دِينَارَيْنِ، فَاشْتَرَكَا فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، اسْتَحَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْجُعْل الْمُشْتَرَطِ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَرَجَّحَهُ مِنْهُمُ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ. ٤٦ - وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الدِّينَارَيْنِ فَيَقْتَسِمَانِهِمَا بِنِسْبَةِ مَا سَمَّاهُ الْجَاعِل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِذْ هُوَ غَايَةُ مَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الضَّالَّةِ، فَيَأْخُذُ الأَْوَّل ثُلُثَ الدِّينَارَيْنِ، وَيَأْخُذُ الآْخَرُ ثُلُثَيْهِمَا.

стр. 9203

وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ النَّقْدِ وَالْعُرُوضِ (١) ، فَلَوْ جَعَل الْجَاعِل لأَِحَدِهِمَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى رَدِّهَا وَلِلآْخَرِ عَرَضًا فَاشْتَرَكَا فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، فَالرَّاجِحُ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَرْضُ، فَإِنْ سَاوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ فَلِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ ثُلُثَاهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الْعَرَضِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الْعَشَرَةِ، أَوْ مَا يُقَابِل ذَلِكَ مِنَ الْعَرَضِ الَّذِي جُعِل لَهُ، وَيَجْرِي هَذَا أَيْضًا فِيمَا إِذَا جَعَل الْجَاعِل لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَرَضًا سَوَاءٌ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا أَمِ اتَّفَقَتْ. ٤٧ - وَإِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي رَدِّهَا وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ شَرَطَ لَهُ الْجَاعِل جُعْلاً، وَوَجَبَ لِلآْخَرِ جُعْلٌ مِثْلُهُ؛ لاِعْتِيَادِهِ طَلَبَ الضَّوَال، وَلَنْ يَسْمَعَ بِمُعَاقَدَةِ الْجَاعِل، فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْجُعْل الْمُشْتَرَطِ فِي الْعَقْدِ وَجُعْل الْمِثْل إِذَا اخْتَلَفَا قَدْرًا (٢) .

стр. 9204

اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل فِي تَعَاقُدِ الْفُضُولِيِّ، وَالنَّائِبِ: ٤٨ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوِ الْتَزَمَ فُضُولِيٌّ - لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ - الاِسْتِهْزَاءُ وَالْخَلاَعَةُ وَتَوَافَرَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل الْمَذْكُورَةُ فِيمَا سَبَقَ جُعْلاً مُعَيَّنًا لِمَنْ يَعْثُرُ عَلَى مَال غَيْرِهِ الضَّائِعِ، أَوْ يَعْمَل لِغَيْرِهِ عَمَلاً تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ، كَأَنْ قَال: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلاَنٍ أَوْ آبِقَهُ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجُعْل بِقَوْلِهِ هَذَا، وَيَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مَنْ سَمِعَ إِعْلاَنَهُ هَذَا وَأَتَمَّ الْعَمَل. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجُعْل بِقَوْلِهِ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِكَلِمَةِ " عَلَيَّ " نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ وَالْمَفْهُومَ مِنْهُ ذَلِكَ. وَالْتِزَامُ الْفُضُولِيِّ الْجُعْل فِي هَذَا الْعَقْدِ لَيْسَ كَالْتِزَامِهِ الثَّمَنَ فِي شِرَاءِ غَيْرِهِ، أَوِ الْتِزَامِهِ الْعِوَضَ عَلَى هِبَةِ غَيْرِهِ، لأَِنَّهُمَا عِوَضَا تَمْلِيكٍ فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُهُمَا عَلَى غَيْرِ مَنْ حَصَل لَهُ الْمِلْكُ، وَالْجُعْل لَيْسَ عِوَضَ تَمْلِيكٍ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل وَلِيًّا عَلَى صَاحِبِ الْعَمَل أَوْ وَكِيلَهُ. فَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُ أَوْ وَكِيلَهُ وَالْتَزَمَ ذَلِكَ عَنْ مَحْجُورِهِ - الْمُوَلَّى عَلَيْهِ - أَوْ مُوَكِّلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ الْجُعْل فِي مَال الْمَالِكِ أَوْ صَاحِبِ الْعَمَل بِمُقْتَضَى الْتِزَامِ وَلِيِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ. ٤٩ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَخْبَرَ شَخْصٌ عَنِ الْتِزَامِ الْمَالِكِ جُعْلاً عَلَى رَدِّ مَالِهِ الضَّائِعِ مَثَلاً بِأَنْ

стр. 9205

قَال: قَال زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا، فَإِنْ كَذَّبَهُ زَيْدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِل الرَّادُّ لَهَا شَيْئًا عَلَى " الْمُخْبِرِ " لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ وَلاَ عَلَى " زَيْدٍ " لِتَكْذِيبِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ - وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ - وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُخْبِرِ عَلَى " زَيْدٍ " بِأَنَّ قَوْلَهُ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَرْوِيجِ قَوْلِهِ. وَأَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل عَلَى " زَيْدٍ " الْجُعْل الَّذِي سَمَّاهُ الْمُخْبِرُ فِي إِخْبَارِهِ عَنْهُ إِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِ الْعَامِل صِدْقُهُ - وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا - لِتَرَجُّحِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِل بِوُثُوقِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل عَلَيْهِ شَيْئًا، وَكَذَا لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَى " زَيْدٍ " أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ صَدَّقَ الْمُخْبِرَ فِي إِخْبَارِهِ لِضَعْفِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِل بِخَبَرِ غَيْرِ الثِّقَةِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ غَيْرَ عَالِمٍ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَالْتِزَامِهِ (١) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. تَغْيِيرُ الْجَاعِل الْجُعْل بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ أَوِ التَّبْدِيل وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ: ٥٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْجَاعِل أَنْ يُغَيِّرَ فِي

стр. 9206

الْجُعْل الَّذِي شَرَطَهُ لِلْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِتَغْيِيرِ جِنْسِهِ قَبْل فَرَاغِ الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ عَشَرَةٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ خَمْسَةٌ، أَوْ عَكْسُهُ. أَوْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ دِينَارٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ عَكْسُهُ. فَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِذَلِكَ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل اعْتُبِرَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ، وَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل الَّذِي اشْتُرِطَ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل مِنَ الأَْوَّل أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ لاَ - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْعَامِل بِالإِْعْلاَنِ الأَْخِيرِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَمِل جَاهِلاً بِذَلِكَ حَتَّى أَتَمَّ الْعَمَل، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ - بِزِيَادَةِ الْجُعْل أَوْ نُقْصَانِهِ - بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَأَتَمَّ الْعَامِل الْعَمَل بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمَ بِالإِْعْلاَنِ الأَْوَّل أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَيْضًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، لأَِنَّ الإِْعْلاَنَ الأَْخِيرَ فَسْخٌ لِلأَْوَّل، وَالْفَسْخُ مِنَ الْجَاعِل أَثْنَاءَ الْعَمَل يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل كَمَا سَيَأْتِي. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ لَهُ الْجُعْل الْمُسَمَّى

стр. 9207

وَالْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ كَامِلاً؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ لاَزِمٌ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل لاَ يَجُوزُ لِلْجَاعِل تَغْيِيرُهُ أَوِ الرُّجُوعُ عَنْهُ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ٥١ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَكَ عَامِلاَنِ فِي الْعَمَل مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى تَمَامِهِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَعْمَل بِمُوجَبِ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الإِْعْلاَنِ الأَْوَّل، وَكَانَ الثَّانِي يَعْمَل بِمُوجَبِ الْجُعْل الْمُسَمَّى الَّذِي عَلِمَ بِهِ فِي الإِْعْلاَنِ الثَّانِي، فَالأَْوَّل يَسْتَحِقُّ نِصْفَ أُجْرَةِ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الإِْعْلاَنِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ. وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. زِيَادَةُ الْجَاعِل فِي الْعَمَل أَوْ نَقْصُهُ: ٥٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ زَادَ الْجَاعِل فِي الْعَمَل بَعْدَ التَّعَاقُدِ أَوِ الإِْعْلاَنِ نَحْوُ أَنْ يَقُول: مَنْ بَنَى لِي بَيْتًا طُولُهُ عَشَرَةٌ، وَعَرْضُهُ عَشَرَةٌ، فَلَهُ كَذَا، ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ طُولُهُ عِشْرُونَ، وَعَرْضُهُ عِشْرُونَ، وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِل بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَفَسَخَ الْعَقْدَ لِذَلِكَ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِمَا عَمِلَهُ، مَعَ أَنَّ الْفَسْخَ حَصَل مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْجَاعِل هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ نَقَصَ الْجَاعِل مِنَ الْعَمَل لأَِنَّ النَّقْصَ فَسْخٌ مِنَ الْجَاعِل.

стр. 9208

وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَجْرِي عَلَيْهِ التَّفْصِيل الْمَذْكُورُ فِي الْفِقْرَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي التَّصَرُّفِ بِالتَّغْيِيرِ فِيهِمَا قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل. أَمَّا التَّصَرُّفُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَلاَ أَثَرَ لَهُ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ الْجَاعِل وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِتَمَامِ الْعَمَل (١) . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ (ف ٢٥) . مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل عِنْدَ تَلَفِ الْجُعْل الْمُعَيَّنِ: ٥٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً كَثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ، فَتَلِفَ بِيَدِ الْجَاعِل قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَلِمَ بِهَذَا الْعَامِل، فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل وَسَلَّمَهُ لِلْجَاعِل. وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَامِل أَوْ تَلِفَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَلِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا فَلَهُ قِيمَتُهُ، إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ (٢) . وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 9209

حَبْسُ الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل: ٥٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَدَّ الْعَامِل الشَّيْءَ الْمُتَعَاقَدَ عَلَى رَدِّهِ مِنْ ضَالَّةٍ، أَوْ عَبْدٍ آبِقٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الأَْعْمَال فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ - أَيْ مَنْعُهُ - عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل؛ لأَِنَّ الْعَامِل إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْل بِتَسْلِيمِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى رَدِّهِ لِلْجَاعِل، فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَبْسُهُ قَبْل الاِسْتِحْقَاقِ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا، وَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّ الْعَامِل إِنْ حَبَسَ الْمَرْدُودَ عَنِ الْجَاعِل فَتَلِفَ بَعْدَ الْحَبْسِ ضَمِنَهُ (١) . قَدْرُ الْجُعْل الْمُسْتَحَقِّ شَرْطًا وَشَرْعًا: ٥٥ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ مَتَى اسْتَكْمَلَتِ الْجِعَالَةُ شَرَائِطَهَا، فَقَدْرُ الْجُعْل الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل هُوَ الْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ لَهُ فِي الْعَقْدِ لاَ غَيْرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل أَمْ أَكْثَرَ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا رَدُّ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَْعْمَال (ر. ف / ٣١) . وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا فِي غَيْرِ رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَكَذَا فِي رَدِّهِ أَيْضًا إِنْ كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ فِي رَدِّهِ أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهُمْ. ٥٦ - وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ

стр. 9210

الْعَامِل الْجُعْل فِي رَدِّ الآْبِقِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطٍ سَابِقٍ مِنَ الْجَاعِل، بَل يَكُونُ لَهُ الْجُعْل بِالشَّرْعِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ تُلْغَى التَّسْمِيَةُ، وَلِلرَّادِّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ؛ لأَِنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِنَ الْمَال عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَامِلاً بِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَالْوَجْهُ الآْخَرُ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ إِلاَّ الْمُسَمَّى، وَقَدْ قَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ قَال فِي التَّنْقِيحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْجُعْل الْمُقَدَّرِ شَرْعًا عِنْدَهُمْ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ رَدَّهُ مِنَ الْمِصْرِ (أَيِ الْبَلَدِ نَفْسِهِ) فَلَهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: (إِحْدَاهُمَا) يَلْزَمُهُ دِينَارٌ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الرَّاجِحِ، لِمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل فِي جُعْل الآْبِقِ إِذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ دِينَارًا (١) . (وَالثَّانِيَةُ) - يَلْزَمُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، لِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ قِيل لَهُ
следующие страницы →