Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.
стр. 9206
الْجُعْل الَّذِي شَرَطَهُ لِلْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِتَغْيِيرِ جِنْسِهِ قَبْل فَرَاغِ الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ عَشَرَةٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ خَمْسَةٌ، أَوْ عَكْسُهُ.
أَوْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ دِينَارٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ عَكْسُهُ. فَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِذَلِكَ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل اعْتُبِرَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ، وَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل الَّذِي اشْتُرِطَ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل مِنَ الأَْوَّل أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ لاَ - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْعَامِل بِالإِْعْلاَنِ الأَْخِيرِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَمِل جَاهِلاً بِذَلِكَ حَتَّى أَتَمَّ الْعَمَل، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ - بِزِيَادَةِ الْجُعْل أَوْ نُقْصَانِهِ - بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَأَتَمَّ الْعَامِل الْعَمَل بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمَ بِالإِْعْلاَنِ الأَْوَّل أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَيْضًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، لأَِنَّ الإِْعْلاَنَ الأَْخِيرَ فَسْخٌ لِلأَْوَّل، وَالْفَسْخُ مِنَ الْجَاعِل أَثْنَاءَ الْعَمَل يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ لَهُ الْجُعْل الْمُسَمَّى
стр. 9207
وَالْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ كَامِلاً؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْجِعَالَةِ لاَزِمٌ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل لاَ يَجُوزُ لِلْجَاعِل تَغْيِيرُهُ أَوِ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
٥١ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَكَ عَامِلاَنِ فِي الْعَمَل مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى تَمَامِهِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَعْمَل بِمُوجَبِ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الإِْعْلاَنِ الأَْوَّل، وَكَانَ الثَّانِي يَعْمَل بِمُوجَبِ الْجُعْل الْمُسَمَّى الَّذِي عَلِمَ بِهِ فِي الإِْعْلاَنِ الثَّانِي، فَالأَْوَّل يَسْتَحِقُّ نِصْفَ أُجْرَةِ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الإِْعْلاَنِ الثَّانِي عَلَى الْقَوْل الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
زِيَادَةُ الْجَاعِل فِي الْعَمَل أَوْ نَقْصُهُ:
٥٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ زَادَ الْجَاعِل فِي الْعَمَل بَعْدَ التَّعَاقُدِ أَوِ الإِْعْلاَنِ نَحْوُ أَنْ يَقُول: مَنْ بَنَى لِي بَيْتًا طُولُهُ عَشَرَةٌ، وَعَرْضُهُ عَشَرَةٌ، فَلَهُ كَذَا، ثُمَّ قَال بَعْدَ ذَلِكَ طُولُهُ عِشْرُونَ، وَعَرْضُهُ عِشْرُونَ، وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِل بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَفَسَخَ الْعَقْدَ لِذَلِكَ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِمَا عَمِلَهُ، مَعَ أَنَّ الْفَسْخَ حَصَل مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْجَاعِل هُوَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ نَقَصَ الْجَاعِل مِنَ الْعَمَل لأَِنَّ النَّقْصَ فَسْخٌ مِنَ الْجَاعِل.
стр. 9208
وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَجْرِي عَلَيْهِ التَّفْصِيل الْمَذْكُورُ فِي الْفِقْرَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي التَّصَرُّفِ بِالتَّغْيِيرِ فِيهِمَا قَبْل الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل. أَمَّا التَّصَرُّفُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَلاَ أَثَرَ لَهُ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ الْجَاعِل وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِتَمَامِ الْعَمَل (١) . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ (ف ٢٥) .
مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل عِنْدَ تَلَفِ الْجُعْل الْمُعَيَّنِ:
٥٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً كَثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ، فَتَلِفَ بِيَدِ الْجَاعِل قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَلِمَ بِهَذَا الْعَامِل، فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل وَسَلَّمَهُ لِلْجَاعِل.
وَإِنْ جَهِلَهُ الْعَامِل أَوْ تَلِفَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَلِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا فَلَهُ قِيمَتُهُ، إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ (٢) .
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. стр. 9209
حَبْسُ الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل:
٥٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا رَدَّ الْعَامِل الشَّيْءَ الْمُتَعَاقَدَ عَلَى رَدِّهِ مِنْ ضَالَّةٍ، أَوْ عَبْدٍ آبِقٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الأَْعْمَال فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ - أَيْ مَنْعُهُ - عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل؛ لأَِنَّ الْعَامِل إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْل بِتَسْلِيمِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى رَدِّهِ لِلْجَاعِل، فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَبْسُهُ قَبْل الاِسْتِحْقَاقِ.
وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا، وَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّ الْعَامِل إِنْ حَبَسَ الْمَرْدُودَ عَنِ الْجَاعِل فَتَلِفَ بَعْدَ الْحَبْسِ ضَمِنَهُ (١) .
قَدْرُ الْجُعْل الْمُسْتَحَقِّ شَرْطًا وَشَرْعًا:
٥٥ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ مَتَى اسْتَكْمَلَتِ الْجِعَالَةُ شَرَائِطَهَا، فَقَدْرُ الْجُعْل الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل هُوَ الْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ لَهُ فِي الْعَقْدِ لاَ غَيْرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل أَمْ أَكْثَرَ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا رَدُّ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَْعْمَال (ر. ف / ٣١) .
وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا فِي غَيْرِ رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَكَذَا فِي رَدِّهِ أَيْضًا إِنْ كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ فِي رَدِّهِ أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهُمْ.
٥٦ - وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ стр. 9210
الْعَامِل الْجُعْل فِي رَدِّ الآْبِقِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطٍ سَابِقٍ مِنَ الْجَاعِل، بَل يَكُونُ لَهُ الْجُعْل بِالشَّرْعِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ تُلْغَى التَّسْمِيَةُ، وَلِلرَّادِّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ؛ لأَِنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِنَ الْمَال عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَامِلاً بِوُجُودِ سَبَبِهِ. وَالْوَجْهُ الآْخَرُ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ إِلاَّ الْمُسَمَّى، وَقَدْ قَدَّمَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ قَال فِي التَّنْقِيحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْجُعْل الْمُقَدَّرِ شَرْعًا عِنْدَهُمْ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ رَدَّهُ مِنَ الْمِصْرِ (أَيِ الْبَلَدِ نَفْسِهِ) فَلَهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: (إِحْدَاهُمَا) يَلْزَمُهُ دِينَارٌ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى الرَّاجِحِ، لِمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل فِي جُعْل الآْبِقِ إِذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ دِينَارًا (١) .
(وَالثَّانِيَةُ) - يَلْزَمُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، لِقَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ قِيل لَهُ стр. 9211
إِنَّ فُلاَنًا قَدْ أَتَى بِإِبَاقٍ مِنَ الْقَوْمِ فَقَال الْحَاضِرُونَ: لَقَدْ أَصَابَ أَجْرًا، فَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَجُعْلاً، إِنْ شَاءَ مِنْ كُل رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَلاَ فَرْقَ أَنْ يَزِيدَ الْجُعْل الْمُقَدَّرُ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ لاَ يَزِيدُ، لِعُمُومِ الدَّلِيل، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ كَانَ الْجَاعِل قَدِ اشْتَرَطَهُ لَهُ. كَمَا لاَ فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ كَوْنِ مَنْ رَدَّهُ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّادُّ زَوْجًا لِلرَّقِيقِ الآْبِقِ، أَوْ ذَا رَحِمٍ يَعُولُهُ الْمَالِكُ أَمْ لاَ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِبَاقٌ) .
مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل فِي حَالَةِ فَسَادِ الْجُعْل:
٥٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل الْجَاهِل - بِأَنَّ الْجُعْل الْفَاسِدَ لاَ شَيْءَ فِيهِ - أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْجُعْل الْفَاسِدُ مِمَّا يُقْصَدُ وَيُرْغَبُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا لَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثَوْبٌ، أَوْ دَابَّةٌ، أَوْ أُرْضِيهِ، أَوْ أُعْطِيهِ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِرَادِّهَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْجُعْل، أَوْ عَدَمِ مَالِيَّتِهِ، أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكَذَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْل عَلَى الرَّاجِحِ لَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ نِصْفُهَا مَثَلاً، وَقِيل: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل النِّصْفَ الْمَشْرُوطَ لَهُ إِنْ كَانَتِ الضَّالَّةُ مَعْلُومَةً.
وَيُرَاعَى فِي تَقْدِيرِ أُجْرَةِ الْمِثْل الزَّمَانُ الَّذِي стр. 9212
حَصَل فِيهِ كُل الْعَمَل، لاَ الزَّمَانُ الَّذِي حَصَل فِيهِ التَّسْلِيمُ فَقَطْ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ لاَ يُقْصَدُ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُرْغَبُ فِيهِ عَادَةً كَالدَّمِ وَالتُّرَابِ، فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل وَإِنْ جَهِل أَنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يُطْمِعْهُ فِي شَيْءٍ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ.
وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِي غَيْرِ رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
٥٨ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ - عَلَى الرَّاجِحِ - إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل الْمُتَعَاقَدَ عَلَيْهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ لَمْ يُتِمُّهُ؛ لأَِنَّ الْجُعْل أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، فَيُرَدُّ الْفَاسِدُ مِنْهُ إِلَى صَحِيحِهِ، إِلاَّ أَنْ تَقَعَ الْجِعَالَةُ الْفَاسِدَةُ بِجُعْلٍ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَتَمَّ الْعَمَل أَمْ لَمْ يُتِمُّهُ، كَأَنْ يَقُول الْجَاعِل: إِنْ أَتَيْتَنِي بِضَالَّتِي فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهَا فَلَكَ كَذَا، فَلِلْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، أَتَى بِهَا، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهَا؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ قَدْ خَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الْجِعَالَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْجُعْل فِيهَا بِتَمَامِ الْعَمَل، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ حَقِيقَتِهِ كَانَ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْل. وَالْفَرْقُ بَيْنَ جُعْل الْمِثْل وَأُجْرَةِ الْمِثْل، أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْل يَسْتَحِقُّهَا الْعَامِل سَوَاءٌ أَتَمَّ الْعَمَل أَمْ لاَ.
стр. 9213
أَمَّا جُعْل الْمِثْل فَلاَ يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل إِلاَّ إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل، فَقَبْلَهُ لاَ شَيْءَ لَهُ (١) .
اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَتَنَازُعُهُمَا:
أ - فِي سَمَاعِ الإِْذْنِ بِالْعَمَل أَوِ الْعِلْمِ بِهِ:
٥٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْجَاعِل وَالْعَامِل فِي بُلُوغِ الإِْعْلاَنِ بِطَلَبِ الْعَمَل لِلْعَامِل أَوْ سَمَاعِهِ لَهُ، بِأَنِ ادَّعَى الْعَامِل: أَنَّهُ سَمِعَ الْجَاعِل يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا، وَقَال الْجَاعِل: بَل أَتَيْتَ بِهَا دُونَ أَنْ تَسْمَعَ شَيْئًا، فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل بِيَمِينِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِلاَ يَمِينٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْعَامِل، فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ طَلَبُ الضَّوَال وَرَدُّهَا بِعِوَضٍ فَلَهُ جُعْل مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ سِوَى النَّفَقَةِ فَقَطْ.
ب - اشْتِرَاطُ الْجُعْل فِي الْعَقْدِ:
٦٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِ الْجُعْل وَتَسْمِيَتِهِ فِي الْعَقْدِ، فَقَال الْعَامِل لِلْجَاعِل: شَرَطْتَ لِي جُعْلاً، وَأَنْكَرَ الْجَاعِل стр. 9214
الْتِزَامَهُ لَهُ، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَتُهُ وَعَدَمُ الاِشْتِرَاطِ، وَعَلَى الْعَامِل الْبَيِّنَةُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ.
ج - فِي وُقُوعِ الْعَمَل مِنَ الْعَامِل:
٦١ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي وُقُوعِ الْعَمَل مِنَ الْعَامِل كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلاً، فَقَال: الْعَامِل: أَنَا رَدَدْتُهَا، وَقَال الْجَاعِل: بَل رَدَّهَا غَيْرُكَ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي سَعْيِ الْعَامِل لِتَحْصِيل الضَّالَّةِ، فَقَال الْجَاعِل لِلْعَامِل: لَمْ تَسْعَ فِي تَحْصِيلِهَا وَرَدِّهَا بَل رَجَعَتْ بِنَفْسِهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِيَمِينِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَكَذَا الْقَوْل لِلْجَاعِل بِيَمِينِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنِ اخْتَلَفَ الْعَامِل وَالْعَبْدُ الآْبِقُ الْمَرْدُودُ، فَقَال الْعَامِل: أَنَا رَدَدْتُهُ، وَقَال الْعَبْدُ: جِئْتُ بِنَفْسِي، وَصَدَّقَهُ مَوْلاَهُ.
د - فِي قَدْرِ الْجُعْل، وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ:
٦٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل وَتَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل فِي قَدْرِ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، هَل هُوَ دِينَارٌ، أَوْ دِينَارَانِ، أَوْ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل مِنْهُ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ أَوْ صِفَتِهِ هَل هُوَ دَرَاهِمُ، أَوْ دَنَانِيرُ، أَوْ عُرُوضٌ؟
فَالْحُكْمُ فِي كُل هَذَا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ - أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ قَوْل صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ
стр. 9215
قَوْلِهِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، فَيَنْفِي مَا يُنْكِرُهُ وَيُثْبِتُ مَا يَدَّعِيهِ وَيَحْلِفُ الْجَاعِل أَوَّلاً عَلَى الرَّاجِحِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ بِالتَّحَالُفِ، وَيَجِبُ لِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل. وَكَذَلِكَ يَتَحَالَفَانِ وَيَجِبُ لِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل إِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَكَانَ يَجِبُ لَهُ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ، أَمَّا إِنِ اخْتَلَفَا قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل فَلاَ تَحَالُفَ؛ لأَِنَّ الْعَامِل لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْجَاعِل بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْقَدْرِ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَدَّعِ أَحَدُهُمَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً مُنَاسِبًا لِذَلِكَ الْعَمَل، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَجِبُ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ لَهُ جُعْل مِثْلِهِ إِنِ امْتَنَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ، أَمَّا إِنِ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَيَقْضِي الْقَاضِي لِمَنْ حَلَفَ بِمَا يَدَّعِيهِ.
وَأَمَّا إِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا فَقَطْ، مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً مُنَاسِبًا، فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. وَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ جُعْلاً مُنَاسِبًا لِلْعَمَل، فَالرَّاجِحُ أَنَّ الْقَوْل لِمَنْ كَانَ الْمَال الْمَرْدُودُ فِي حَوْزِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ مِنْهُمَا، وَقِيل: الْقَوْل قَوْل الْجَاعِل؛ لأَِنَّهُ الْغَارِمُ وَالدَّافِعُ لِلْجُعْل. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَال فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، بِأَنْ كَانَ فِي يَدِ أَمِينٍ،
стр. 9216
فَالرَّاجِحُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَجِبُ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الأُْولَى.
هـ - فِي قَدْرِ الْعَمَل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ:
٦٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعَمَل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِل إِنْجَازُهُ كُلُّهُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ كُل الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، نَحْوُ أَنْ يَقُول الْجَاعِل: شَرَطْتُ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى رَدِّ ضَالَّتَيْنِ مَثَلاً، وَيَقُول الْعَامِل: بَل عَلَى رَدِّ هَذِهِ الَّتِي جِئْتُكَ بِهَا فَقَطْ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ، وَيَجِبُ لِلْعَامِل أُجْرَةُ الْمِثْل.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ بِأَنْ قَال الْجَاعِل: جَعَلْتُ ذَلِكَ لِمَنْ رَدَّ الضَّالَّةَ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، وَقَال الْعَامِل: بَل مِنْ سِتَّةٍ فَقَطْ، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالأَْصْل بَرَاءَتُهُ مِمَّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ بِمَكَانِ الْمَال الضَّائِعِ، فَالْقَوْل قَوْل مَنِ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ مِنَ الْجَاعِل أَوِ الْعَامِل، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل فِي رَدِّ الْمَال الضَّائِعِ: أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جَاعِلاً مَكَانَهُ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
و فِي نَوْعِ الْعَمَل وَعَيْنِ الْمَرْدُودِ:
٦٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ
стр. 9217
الضَّالَّةِ الْمَرْدُودَةِ مَثَلاً، فَقَال الْجَاعِل: شَرَطْتُ الْجُعْل فِي رَدِّ غَيْرِهَا، وَقَال الْعَامِل: بَل شَرَطْتُهُ فِي رَدِّهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل، لأَِنَّ الْعَامِل يَدَّعِي عَلَيْهِ شَرْطَ الْجُعْل فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَالْجَاعِل يُنْكِرُهُ، وَالأَْصْل عَدَمُ الشَّرْطِ فَكَانَ الْقَوْل فِيهِ قَوْلَهُ.
اخْتِلاَفُ الْعَامِل وَالْمُشَارِكِ لَهُ:
٦٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْعَامِل وَالْمُشَارِكُ لَهُ فِي الْعَمَل، فَقَال الْعَامِل لِلْمُشَارِكِ: لَقَدْ قَصَدْتُ أَنْ تُعَاوِنَنِي بِعَمَلِكَ مَعِي، فَيَكُونُ كُل الْجُعْل لِي، وَقَال الْمُشَارِكُ: بَل قَصَدْتُ أَنْ أَعْمَل لِنَفْسِي وَيَكُونُ لِي نَصِيبِي مِنَ الْجُعْل، فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل إِنْ صَدَّقَهُ الْجَاعِل، وَيَكُونُ لَهُ كُل الْجُعْل، فَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ الْجَاعِل، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْجُعْل لِلْعَامِل، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ عَلَى مَا سَبَقَ (١) .
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. стр. 9218
انْحِلاَل عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
أَوَّلاً - فَسْخُهُ وَأَسْبَابُهُ:
٦٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْجَاعِل وَالْعَامِل أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْجِعَالَةِ قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، وَكَذَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل قَبْل تَمَامِهِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل عَلَى مَا سَبَقَ.
وَصُورَةُ الْفَسْخِ مِنَ الْجَاعِل أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، أَوْ رَجَعْتُ فِيهِ، أَوْ أَبْطَلْتُ إِعْلاَنِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَصُورَتُهُ مِنَ الْعَامِل أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ بِفَسْخِ الْعَامِل رَدُّ الْعَقْدِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا، فَيُؤَوَّل الْفَسْخُ فِي حَقِّهِ إِلَى هَذَا.
وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل مِنَ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ مِنْهُ إِلاَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا فَهُوَ تَعْلِيقٌ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِالْعَمَل، فَلَوْ قَال شَخْصٌ رَدًّا عَلَى ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْمَل شَيْئًا: فَسَخْتُ الْجِعَالَةَ، لَغَا قَوْلُهُ، إِذْ لاَ عَقْدَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُفْسَخَ.
وَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل فَلاَ أَثَرَ لِلْفَسْخِ حِينَئِذٍ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ الْجَاعِل، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلاَ يُرْفَعُ.
وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِل سَوَاءٌ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَالْجَاعِل
стр. 9219
قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ.
وَأَمَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل فَلَيْسَ لِلْجَاعِل أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْجِعَالَةِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَل الَّذِي شَرَعَ فِيهِ الْعَامِل قَلِيلاً لاَ أَهَمِّيَّةَ وَلاَ قِيمَةَ لَهُ، لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل عَلَى مَا سَبَقَ (١) .
ثَانِيًا - انْفِسَاخُهُ وَأَسْبَابُهُ:
٦٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَنْفَسِخُ الْجِعَالَةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَإِغْمَائِهِ.
وَالرَّاجِحُ أَنَّ الاِنْفِسَاخَ بِالْجُنُونِ يَخْتَصُّ بِالْعَامِل الْمُعَيَّنِ، لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ بِالْعَامِل غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي عَلِمَ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، فَلَوْ طَرَأَ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جُنُونٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أَتَمَّ الْعَمَل، وَسَلَّمَهُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ مِنْ جُنُونِهِ أَوْ قَبْلَهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، إِذْ لاَ مَعْنَى لاِنْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِحَنُونِهِ مَعَ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِهِ.
وَالرَّاجِحُ مِنَ الأَْقْوَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِلاَّ قَبْل شُرُوعِ стр. 9220
الْعَامِل فِي الْعَمَل، أَمَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل فَلاَ تَنْفَسِخُ بِهِ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ وَرَثَةَ كُلٍّ مِنَ الْجَاعِل وَالْعَامِل، فَلاَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَاعِل أَنْ يَمْنَعُوا الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، وَلاَ يَكُونُ لِلْجَاعِل - إِنْ مَاتَ الْعَامِل - أَنْ يَمْنَعَ وَرَثَتَهُ مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانُوا أُمَنَاءَ.
وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
ثَالِثًا - النَّتَائِجُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى فَسْخِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل:
٦٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ الَّذِي سَبَقَ قَبُولُهُ لِعَقْدِ الْجِعَالَةِ إِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل، لأَِنَّهُ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ فَسَخَ الْجَاعِل الْعَقْدَ، وَعَلِمَ بِفَسْخِهِ الْعَامِل الْمُعَيَّنُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، أَوْ أَعْلَنَ الْجَاعِل فَسْخَ الْعَقْدِ وَأَشَاعَهُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجِعَالَةِ عَدَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِلْحَنَابِلَةِ فِي رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِيمَنِ اعْتَادَ أَدَاءَ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل بِعِوَضٍ.
بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل:
٦٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ فَسَخَ الْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - عَقْدَ الْجِعَالَةِ بَعْدَ
стр. 9221
شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل فَلاَ شَيْءَ لَهُ؛ لأَِنَّ الْجُعْل إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ لِلْعَامِل بِتَمَامِ الْعَمَل، وَقَدْ فَوَّتَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يَحْصُل لِلْجَاعِل مَا أَرَادَهُ مِنَ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ أَوَقَعَ الْبَعْضُ الَّذِي عَمِلَهُ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل كَبَعْضِ حَائِطٍ بَنَاهُ الْعَامِل - أَمْ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لَهُ كَتَفْتِيشِ الْعَامِل عَلَى الْمَال الضَّائِعِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى رَدِّهِ.
وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ، فِيمَا عَدَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجِعَالَةِ عِنْدَهُمْ فِي كُل عَمَلٍ يَكُونُ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ قَبْل تَمَامِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا لَوْ زَادَ الْجَاعِل فِي الْعَمَل وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِل بِالزِّيَادَةِ فَفَسَخَ لِذَلِكَ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
٧٠ - أَمَّا إِنْ فَسَخَ الْجَاعِل الْعَقْدَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ - لِلْعَامِل فِيمَا عَمِل - أُجْرَةُ الْمِثْل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ عَدَمَ لُزُومِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل حَقُّ فَسْخِهِ، وَإِذَا فُسِخَ لَمْ يَجِبِ الْمُسَمَّى كَسَائِرِ الْفُسُوخِ، إِلاَّ أَنَّ عَمَل الْعَامِل وَقَعَ مُقَوَّمًا فَلاَ يَضِيعُ عَلَيْهِ بِفَسْخِ غَيْرِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى بَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْل، وَلاَ يَجُوزُ لِلْعَامِل أَنْ يُطَالِبَ بِنِسْبَةِ مَا عَمِل مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ؛ لاِرْتِفَاعِ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ؛ وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْل الْمُسَمَّى بِالْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل فَكَذَا بَعْضُهُ.
стр. 9222
وَلاَ فَرْقَ فِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْمِثْل بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا صَدَرَ مِنَ الْعَامِل لاَ يَحْصُل بِهِ مَقْصُودُ الْجَاعِل أَصْلاً كَرَدِّ الضَّالَّةِ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْ يَحْصُل بِهِ بَعْضُ مَقْصُودِهِ، كَمَا لَوْ قَال الْجَاعِل: إِنْ عَلَّمْتَ ابْنِي الْقُرْآنَ فَلَكَ كَذَا، فَعَلَّمَهُ بَعْضَهُ ثُمَّ مَنَعَهُ الْجَاعِل مِنْ تَعْلِيمِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِلْجَاعِل أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَإِنْ فَسَخَهُ فَلاَ أَثَرَ لِفَسْخِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - الْجُعْل الْمُسَمَّى بِشَرِيطَةِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل.
وَلَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ الْعَامِل وَالْجَاعِل مَعًا فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل لِشَيْءٍ مِنَ الأُْجْرَةِ أَوِ الْجُعْل الْمُسَمَّى لاِجْتِمَاعِ الْمُقْتَضِي لِلاِسْتِحْقَاقِ وَهُوَ فَسْخُ الْجَاعِل، وَالْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ فَسْخُ الْعَامِل، فَيَرْجِعُ الْمَانِعُ (١) .
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الأَْخِيرَةِ.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ بِعِتْقِ الْعَبْدِ الآْبِقِ:
٧١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَعْتَقَ الْجَاعِل عَبْدَهُ стр. 9223
الآْبِقَ قَبْل رَدِّ الْعَامِل لَهُ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ لِلْعَامِل أُجْرَةَ الْمِثْل تَنْزِيلاً لإِِعْتَاقِهِ مَنْزِلَةَ فَسْخِهِ.
وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ قَبْل أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ الْعَامِل، فَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِعِتْقِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. أَمَّا إِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ الْعَامِل فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ إِنْ كَانَ، أَوْ جُعْل مِثْلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اشْتِرَاطٌ وَكَانَ الْعَامِل مُعْتَادًا لِذَلِكَ الْعَمَل بِعِوَضٍ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ أَوِ الْجَاعِل فَقِيرًا فَالْجُعْل فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لأَِنَّهُ بِعُثُورِهِ عَلَيْهِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْل.
وَالرَّاجِحُ أَنَّ هِبَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ كَعِتْقِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ النَّفَقَةَ الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَى الآْبِقِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ الْعَتِيقَ لاَ يُسَمَّى آبِقًا.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى انْفِسَاخِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
٧٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ مَاتَ الْجَاعِل بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، فَإِنْ مَضَى الْعَامِل فِي الْعَمَل وَأَتَمَّهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى وَرَثَةِ الْجَاعِل، وَجَبَ لَهُ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاةِ الْجَاعِل مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ فِيمَا عَمِلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْجَاعِل؛ لِعَدَمِ الْتِزَامِ الْوَرَثَةِ لَهُ بِشَيْءٍ
стр. 9224
وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الْعَامِل بِمَوْتِ الْجَاعِل أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْعَامِل الْمُعَيَّنُ فَأَتَمَّ وَارِثُهُ الْعَمَل الْمُتَعَاقَدَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجَاعِل اسْتَحَقَّ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ مُورِّثُهُ قَبْل مَوْتِهِ مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ أَيْضًا، أَمَّا إِنْ كَانَ الْعَامِل الْمَيِّتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَأَتَمَّ وَارِثُهُ أَوْ غَيْرُهُ الْعَمَل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِنْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ حَيْثُ يَجِبُ لِلْعَامِل مَا ذُكِرَ، وَبَيْنَ الْفَسْخِ حَيْثُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، أَنَّ الْجَاعِل فِي الْمَوْتِ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي إِسْقَاطِ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ، وَالْعَامِل تَمَّمَ الْعَمَل بَعْدَ الاِنْفِسَاخِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْجَاعِل مِنْهُ بِخِلاَفِ الْفَسْخِ، وَلأَِنَّ الْفَسْخَ أَقْوَى مِنَ الاِنْفِسَاخِ، لأَِنَّهُ كَإِعْدَامٍ لِلْعَقْدِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ آثَارٍ فَيُرْجَعُ لِبَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْل، أَمَّا الاِنْفِسَاخُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ صَارَ الْعَقْدُ كَأَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ، فَوَجَبَتْ نِسْبَةُ الْعَمَل مِنَ الْجُعْل.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل فِي حَالَةِ مَا إِذَا مَاتَ الْجَاعِل، وَكَذَا وَارِثُ الْعَامِل فِي حَالَةِ مَوْتِ الْعَامِل كُل الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنَ الأَْقْوَال إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل وَسَلَّمَهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ مَاتَ الْجَاعِل قَبْل تَسَلُّمِهِ الْعَبْدَ الآْبِقَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل جُعْلُهُ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا يَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَةِ سَيِّدِهِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالدُّيُونِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْتُ سَيِّدِ الْعَبْدِ سَبَبًا
стр. 9225
فِي عِتْقِهِ، فَإِنْ كَانَ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ (١) ، وَأُمِّ الْوَلَدِ (٢) فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل؛ لأَِنَّ الْعَمَل لَمْ يَتِمَّ، إِذِ الْعَتِيقُ لاَ يُسَمَّى آبِقًا.
وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لَهُ فِي غَيْرِ الْعَبْدِ الآْبِقِ مِنَ الأَْمْوَال الْمَرْدُودَةِ إِنْ مَاتَ الْجَاعِل قَبْل تَسَلُّمِهَا، وَتَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ يَأْخُذُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ (٣) .
حُكْمُ عَمَل الْعَامِل بَعْدَ الْفَسْخِ:
٧٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَمِل الْعَامِل بَعْدَ فَسْخِ الْجَاعِل لِلْعَقْدِ عَالِمًا بِهِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ جَاهِلاً بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلاَ يُنَافِي هَذَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل أُجْرَةَ الْمِثْل، إِنْ غَيَّرَ الْجَاعِل الْعَقْدَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي مَعَنَا فِيمَا إِذَا فَسَخَ الْجَاعِل بِلاَ بَدَلٍ بِخِلاَفِ مَا سَبَقَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل стр. 9226
الْمُسَمَّى إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِالْفَسْخِ أَمْ لاَ، وَلاَ عِبْرَةَ بِفَسْخِ الْجَاعِل مَا دَامَ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل (١) . стр. 9227
جِعْرَانَةُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجِعْرَانَةُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الأَْفْصَحِ. (قَال فِي الْقَامُوسِ: وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءُ وَقَال الشَّافِعِيُّ: التَّشْدِيدُ خَطَأٌ) . مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْكُنُهَا، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالْجِعْرَانَةِ. وَهِيَ تَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ سِتَّةَ فَرَاسِخَ (أَيْ ١٨ مِيلاً) وَتَبْعُدُ عَنْ حُدُودِ الْحَرَمِ تِسْعَةَ أَمْيَالٍ، وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ حُدُودِ الْحَرَمِ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يَتَكَلَّمُونَ عَنْهَا كَمِيقَاتٍ مِنْ مَوَاقِيتِ الْعُمْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِالْحَرَمِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّنْعِيمُ:
٢ - التَّنْعِيمُ فِي اللُّغَةِ مِنْ نَعَّمَهُ اللَّهُ تَنْعِيمًا، أَيْ جَعَلَهُ ذَا رَفَاهِيَةٍ، وَبِلَفْظِ الْمَصْدَرِ وَهُوَ التَّنْعِيمُ: стр. 9228
مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ مَسْجِدُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ عَنْ يَمِينِهِ جَبَلٌ يُقَال لَهُ: نُعَيْمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَبَلٌ يُقَال لَهُ نَاعِمٌ، وَمَحَلُّهُ فِي وَادٍ يُقَال لَهُ نُعْمَانُ. وَهُوَ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِل إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ، وَقِيل ثَلاَثَةٌ (١) .
فَالتَّنْعِيمُ أَيْضًا مِنْ مَوَاقِيتِ الْعُمْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِالْحَرَمِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ.
ب - الْحُدَيْبِيَةُ:
٣ - الْحُدَيْبِيَةُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ جُدَّةَ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَهِيَ أَبْعَدُ أَطْرَافِ الْحَرَمِ عَنِ الْبَيْتِ، نَقَل الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّهَا عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَسْجِدِ
وَالْحُدَيْبِيَةُ أَيْضًا مِنْ مَوَاقِيتِ الْعُمْرَةِ إِلاَّ أَنَّهَا أَبْعَدُ مِنَ التَّنْعِيمِ وَمِنَ الْجِعْرَانَةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمِيقَاتَ الْوَاجِبَ فِي стр. 9229
الْعُمْرَةِ لِمَنْ فِي الْحَرَمِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِل وَلَوْ خُطْوَةً مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الأَْفْضَل: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل صَاحِبِ " التَّنْبِيهِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَل مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ (٢) .
لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنْ يَعْتَمِرَ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (٣) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَفْضَل الْبِقَاعِ مِنْ أَطْرَافِ الْحِل لإِِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ (٤) . стр. 9230
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الْجِعْرَانَةَ وَالتَّنْعِيمَ مُتَسَاوِيَانِ، وَلاَ أَفْضَلِيَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ " إِحْرَامٌ ".
جُعْلٌ
انْظُرْ: جِعَالَةٌ стр. 9231
جَلْدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَلْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي اللُّغَةِ: الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ وَهُوَ مَصْدَرُ جَلَدَهُ يَجْلِدُهُ
يُقَال: رَجُلٌ مَجْلُودٌ وَجَلِيدٌ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَامْرَأَةٌ مَجْلُودَةٌ وَجَلِيدٌ وَجَلِيدَةٌ (وَيُطْلَقُ الْجَلْدُ مَجَازًا عَلَى الإِْكْرَاهِ عَلَى الشَّيْءِ فَيُقَال: جَلَدَهُ عَلَى الأَْمْرِ: أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ) (١)
وَالْجَلْدُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الضَّرْبُ:
٢ - الضَّرْبُ أَعَمُّ مِنَ الْجَلْدِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالسَّوْطِ وَبِغَيْرِهِ.
ب - الرَّجْمُ:
٣ - الرَّجْمُ هُوَ الضَّرْبُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى الْمَوْتِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجَلْدِ بِاخْتِلاَفِ السَّبَبِ، стр. 9232
فَيَحْرُمُ جَلْدُ إِنْسَانٍ ظُلْمًا، أَيْ فِي غَيْرِ حَقٍّ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي.
جَلْدُ مَنِ ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ الْعِقَابَ بِالْجَلْدِ، وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ: كَالزَّانِي الْبِكْرِ، وَالتَّأْدِيبُ بِالْجَلْدِ جَائِزٌ لِلإِْمَامِ وَنَائِبِهِ إِذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً.
ثُبُوتُ الْجَلْدِ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجَلْدَ حَدًّا يَجِبُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ إِحْدَى جَرَائِمَ ثَلاَثٍ وَهِيَ: الزِّنَا وَالْقَذْفُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ الْجَلْدُ فِي الأُْولَيَيْنِ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، قَال تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) .
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: فَقَال الْخَصْمُ الآْخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : قُل، قَال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْل الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي: أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ стр. 9233
وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأََقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. . إِلَخْ (١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: قَالَتْ: لَمَّا نَزَل عُذْرِي قَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلاَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا نَزَل، أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (٢) .
أَمَّا حَدُّ شُرْبِ الْمُسْكِرِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ: فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٣) .
الْجَلْدُ فِي حَدِّ الزِّنَا:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ حَدَّ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الزَّانِي الْبِكْرِ - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ стр. 9234
صَحِيحٍ - مِائَةُ جَلْدَةٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، سَوَاءٌ أَزَنَى - بِبِكْرٍ أَمْ ثَيِّبٍ. لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ.
وَحَدَّ غَيْرِ الْحُرِّ: نِصْفُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُحْصَنًا أَمْ غَيْرَ مُحْصَنٍ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) .
وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ: الْحَرَائِرُ، وَحَدُّ الْحُرَّةِ إِمَّا الرَّجْمُ أَوِ الْجَلْدُ، وَالرَّجْمُ لاَ يَتَنَصَّفُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ حَدَّ غَيْرِ الْحُرَّةِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ الْبِكْرِ: وَهُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةً، وَقِيسَ عَلَيْهَا الذَّكَرُ غَيْرُ الْحُرِّ؛ لأَِنَّ الأُْنُوثَةَ وَصْفٌ أَلْغَاهُ الشَّارِعُ فِي الْحُدُودِ، وَنَحْوِهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى (٣) .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَلْدِ الْمُحْصَنِ مَعَ الرَّجْمِ - وَهُوَ الْبَالِغُ الْحُرُّ الَّذِي جَامَعَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي حَدِّهِ (٤) .
وَقَالُوا: إِنَّ الآْيَةَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥) عَامَّةٌ؛ لأَِنَّ الأَْلِفَ стр. 9235
وَاللاَّمَ فِيهَا لِلْجِنْسِ، فَتَشْمَل الْمُحْصَنَ، وَغَيْرَ الْمُحْصَنِ، إِلاَّ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَخْرَجَتِ الْمُحْصَنَ (١) .
قَال الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: " يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: حَدُّ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي الْبَالِغِ الْحُرِّ الْبِكْرِ: مِائَةُ جَلْدَةٍ.
وَرَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَامِدِيَّةَ، وَمَاعِزًا، وَالْيَهُودِيَّيْنِ (٢) ، وَلَمْ يَجْلِدْهُمْ، وَلَوْ جَلَدَهُمْ مَعَ الرَّجْمِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ حَضَرَ عَذَابَهُمَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ لَنُقِل إِلَيْنَا، وَيَبْعُدُ أَلاَّ يَرْوِيَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ. فَعَدَمُ إِثْبَاتِهِ فِي رِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ مَعَ تَنَوُّعِهَا وَاخْتِلاَفِ أَلْفَاظِهَا: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْجَلْدُ.
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (٣) بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، بِأَحَادِيثِ الْغَامِدِيَّةِ، وَمَاعِزٍ، وَالْيَهُودِيَّيْنِ. стр. 9236
وَنُقِل عَنِ الشَّافِعِيِّ: دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ عَلَى الْبِكْرِ، سَاقِطٌ عَنِ الثَّيِّبِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَال: إِذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِمَا الْقَتْل، أَحَاطَ الْقَتْل بِذَلِكَ (١) .
٧ - وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ تَقُول: إِنَّ مَا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الأَْمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِ لاَ يُوجِبُ أَهْوَنَهُمَا بِعُمُومِهِ. فَزِنَا الْمُحْصَنِ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الأَْمْرَيْنِ - وَهُوَ الرَّجْمُ - بِخُصُوصِ كَوْنِهِ " زِنَا مُحْصَنٍ " فَلاَ يُوجِبُ أَهْوَنَهُمَا - وَهُوَ الْجَلْدُ - بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًا (٢) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ يُجْلَدُ قَبْل الرَّجْمِ، ثُمَّ يُرْجَمُ، وَهُوَ قَوْل عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَبِهِ قَال: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣) وَهَذَا عَامٌّ: يَشْمَل الْمُحْصَنَ وَغَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالرَّجْمِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ، وَالتَّغْرِيبِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ جَلَدْتُهَا стр. 9237
بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) . وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّرِيحُ الثَّابِتُ لاَ يُتْرَكُ إِلاَّ بِمِثْلِهِ. وَالأَْحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِيهَا الرَّجْمُ وَلَمْ يُذْكَرِ الْجَلْدُ، فَلاَ يُعَارَضُ بِهِ الصَّرِيحُ بِدَلِيل أَنَّ التَّغْرِيبَ يَجِبُ لِذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الآْيَةِ؛ وَلأَِنَّهُ زَانٍ فَيُجْلَدُ؛ وَلأَِنَّهُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ عُقُوبَتَانِ: الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ أَيْضًا عُقُوبَتَانِ: الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَيَكُونُ الْجَلْدُ مَكَانَ التَّغْرِيبِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًا) .
الْجَلْدُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ إِذَا قَذَفَ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً، فَحَدُّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وَأَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ (٣) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " قَذْفٌ ". стр. 9238
الْجَلْدُ فِي حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ:
٩ - حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ الْجَلْدُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْجَلَدَاتِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً فِي الْحُرِّ، وَفِي غَيْرِهِ أَرْبَعُونَ. قَالُوا: وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَبَرَةَ الْكَلْبِيِّ قَال: أَرْسَلَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَأَتَيْتُهُ وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵄، وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ ﵃، وَهُمْ مَعَهُ مُتَّكِئُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُول: إِنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ فِيهِ فَقَال عُمَرُ ﵁، هُمْ هَؤُلاَءِ عِنْدَكَ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَال عَلِيٌّ ﵁: نَرَاهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ، قَال. فَقَال: عُمَرُ ﵁ أَبْلِغْ صَاحِبَكَ مَا قَال، قَال: فَجَلَدَ خَالِدٌ ﵁ ثَمَانِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ﵁ ثَمَانِينَ. قَال: وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا أُتِيَ بِالرَّجُل الضَّعِيفِ الَّذِي كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ ضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ стр. 9239
قَال: وَجَلَدَ عُثْمَانُ ﵁ أَيْضًا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً فِي الْحُرِّ، وَعِشْرُونَ فِي غَيْرِهِ. لِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال أَرْبَعِينَ (٢) . وَلَوْ رَأَى الإِْمَامُ بُلُوغَهُ فِي الْحُرِّ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الأَْصَحِّ، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيل: حَدٌّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ (٣) ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَيْ جَلْدُ أَرْبَعِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٤) .
الْجَلْدُ فِي التَّعْزِيرِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ، وَنَائِبِهِ стр. 9240
التَّعْزِيرَ بِالْجَلْدِ إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً (١) .
وَالتَّعْزِيرُ: كُل عُقُوبَةٍ لَيْسَ لَهَا فِي الشَّرْعِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، فَيُتْرَكُ لِلإِْمَامِ تَحْدِيدُ نَوْعِهَا وَتَقْدِيرُ عَدَدِهَا. فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ بِالْحَبْسِ، أَوْ بِالْجَلْدِ أَوْ غَيْرِهِمَا، لِخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ قَال فِي سَرِقَةِ تَمْرٍ دُونَ نِصَابٍ: غُرْمُ مِثْلِهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ (٢) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَل لِجَلَدَاتِ التَّعْزِيرِ حَدٌّ أَدْنَى لاَ يَنْزِل عَنْهُ الإِْمَامُ فِي اجْتِهَادِهِ، وَحَدٌّ أَعْلَى لاَ يَتَجَاوَزُهُ؟
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ أَدْنَى (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَقَل التَّعْزِيرِ بِالْجَلْدِ: ثَلاَثُ جَلَدَاتٍ. نَقَل ذَلِكَ صَاحِبُ رَدِّ الْمُحْتَارِ عَنِ الْقُدُورِيِّ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَابِدِينَ: وَاخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِعَدَدٍ (٤) .
وَأَمَّا الْحَدُّ الأَْعْلَى: فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إِلَى стр. 9241
أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ بِهِ أَقَل حَدٍّ مَشْرُوعٍ، مَعَ اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل.
وَقَال أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لاَ يَزِيدُ جَلْدُ التَّعْزِيرِ عَنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ لاَ يَزِيدُ عَنْ تِسْعٍ وَثَلاَثِينَ فِي تَعْزِيرِ الْعَبْدِ، وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فِي الْحُرِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ تَزِيدَ عَنْ مِائَةِ جَلْدَةٍ (١) .
وَالتَّفْصِيل وَالأَْدِلَّةُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْزِيرٌ) .
كَيْفِيَّةُ الْجَلْدِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُجْلَدُ الصَّحِيحُ الْقَوِيُّ فِي الْحُدُودِ، بِسَوْطٍ مُعْتَدِلٍ، لَيْسَ رَطْبًا، وَلاَ شَدِيدَ الْيُبُوسَةِ، وَلاَ خَفِيفًا لاَ يُؤْلِمُ، وَلاَ غَلِيظًا يَجْرَحُ. وَلاَ يَرْفَعُ الضَّارِبُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِحَيْثُ يَبْدُو بَيَاضُ إِبِطِهِ، وَيَتَّقِي الْمَقَاتِل، وَيُفَرِّقُ الْجَلَدَاتِ عَلَى بَدَنِهِ (٢) .
الأَْعْضَاءُ الَّتِي لاَ تُجْلَدُ:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَذَاكِيرِ وَالْمَقَاتِل، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا стр. 9242
ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ (١) . وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال لِلْجَلاَّدِ: " أَعْطِ كُل عُضْوٍ حَقَّهُ وَاتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ.
ثُمَّ إِنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ أَعْضَاءِ الإِْنْسَانِ وَمَعْدِنُ جَمَالِهِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَجَنُّبِهِ خَوْفًا مِنْ تَجْرِيحِهِ وَتَقْبِيحِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ ضَرْبِ الْمَقَاتِل فَلأَِنَّ فِي ضَرْبِهَا خَطَرًا؛ وَلأَِنَّهَا مَوَاضِعُ يُسْرِعُ الْقَتْل إِلَى صَاحِبِهَا بِالضَّرْبِ عَلَيْهَا، وَالْقَصْدُ مِنَ الْحَدِّ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ لاَ الْقَتْل (٢) .
وَقَدْ أَلْحَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الرَّأْسَ بِالْوَجْهِ بِالْمَعْنَى، وَاعْتَبَرُوهُ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فِي الضَّرْبِ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ، وَبِعَدَمِ ضَرْبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالْبُوطِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الرَّأْسَ لاَ يُسْتَثْنَى مِنَ الضَّرْبِ؛ لأَِنَّهُ مُعَظَّمٌ (أَيْ يُحْوَى بِالْعَظْمِ) وَمَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ فَلاَ يُخَافُ تَشْوِيهُهُ، بِخِلاَفِ الْوَجْهِ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ فَقَال لِلْجَلاَّدِ: " اضْرِبِ الرَّأْسَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا (٣) . стр. 9243
وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا (أَيْ مَنْعَ ضَرْبِ الْوَجْهِ) لَيْسَ مُرَادًا عَلَى الإِْطْلاَقِ لأَِنَّا نَقْطَعُ أَنَّهُ فِي حَال قِيَامِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ لَوْ تَوَجَّهَ لأَِحَدٍ ضَرْبُ وَجْهِ مَنْ يُبَارِزُهُ وَهُوَ فِي مُقَابَلَتِهِ حَال الْحَمَلَةِ لاَ يَكُفُّ عَنْهُ، إِذْ قَدْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَقْتُلُهُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ إِلاَّ مَنْ يُضْرَبُ صَبْرًا فِي حَدٍّ (١) .
وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِاتِّقَاءِ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ أَيْضًا (٢) .
وَلاَ يُلْقَى الْمَجْلُودُ عَلَى وَجْهِهِ، وَلاَ يُمَدُّ، وَلاَ يُجَرَّدُ عَنِ الثِّيَابِ، وَلاَ يُتْرَكُ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ الأَْلَمَ مِنْ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وَفَرْوَةٍ، وَيُجْلَدُ الرَّجُل قَائِمًا، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً عِنْدَ الأَْئِمَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُجَرَّدُ مِنَ الثِّيَابِ، وَيُجْلَدُ قَاعِدًا (٤) .
تَأْخِيرُ الْجَلْدِ لِعُذْرٍ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُؤَخَّرُ الْجَلْدُ، لِلْبَرْدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدَيْنِ وَلِلْحَمْل، وَالْمَرَضِ الَّذِي يُرْجَى стр. 9244
بُرْؤُهُ، حَتَّى يَعْتَدِل الْجَوُّ، وَيَبْرَأَ الْمَرِيضُ، وَتَضَعَ الْحَامِل وَيَنْقَطِعَ نِفَاسُهَا. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ كَانَ الْمَجْلُودُ ضَعِيفًا بِالْخِلْقَةِ لاَ يَحْتَمِل السِّيَاطَ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ (١) .
وَانْظُرْ بَحْثَ: (حَامِلٌ) .
الْقِصَاصُ جَلْدًا:
١٤ - اخْتُلِفَ فِي الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ إِنْ لَمْ تُحْدِثْ جُرْحًا أَوْ شَقًّا، أَوْ لَمْ تُذْهِبْ مَنْفَعَةَ عُضْوٍ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الاِنْضِبَاطِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (قِصَاصٌ) .
أَمَّا إِنْ أَحْدَثَتْ جُرْحًا أَوْ شَقًّا أَوْ ذَهَبَ بِهَا مَنْفَعَةُ عُضْوٍ فَفِيهَا قِصَاصٌ (٢) .
أَمَّا الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ (٣) .
وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ إِلاَّ إِنْ أَحْدَثَ جِرَاحَةً، وَنَحْوَهَا.
فَقَدْ جَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ الْجِنَايَاتُ فِيمَا стр. 9245
دُونَ النَّفْسِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: جُرْحٌ يَشُقُّ، وَقَطْعٌ يُبِينُ، وَإِزَالَةُ مَنْفَعَةٍ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي " قِصَاصٌ ". следующие страницы →