← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

الْعِظَامِ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ قِصَاصَ فِي عَظْمٍ (١) ، وَلِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِالْمُمَاثَلَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ، فَلاَ يُؤْمَنُ فِيهِ التَّعَدِّي. وَمَنَعَ الْقِصَاصَ فِي الْعِظَامِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيُّ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ أَقْرَبَ مَفْصِلٍ إِلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ، وَيَأْخُذَ حُكُومَةً لِلْبَاقِي. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ كَائِنًا مَا كَانَ، كَكَسْرِ عَظْمِ الصَّدْرِ، وَالرَّقَبَةِ، وَالظَّهْرِ، وَالْفَخِذِ، فَلاَ قِصَاصَ فِيهَا، وَفِيهَا حُكُومَةٌ (٢) . النَّوْعُ الثَّانِي: الْجِرَاحُ: الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ قَدْ لاَ تَكُونُ بِالْقَطْعِ وَالإِْبَانَةِ، بَل بِالْجُرْحِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: الْجِرَاحُ الْوَاقِعَةُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَتُسَمَّى الشِّجَاجُ، وَالْجِرَاحُ الْوَاقِعَةُ عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ.

стр. 9487

أَوَّلاً - الشِّجَاجُ: ٣٢ - الشِّجَاجُ أَقْسَامٌ: أَشْهَرُهَا مَا يَلِي: ١ - الْحَارِصَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ قَلِيلاً، نَحْوَ الْخَدْشِ، وَلاَ يَخْرُجُ الدَّمُ، وَتُسَمَّى الْحَرْصَةُ أَيْضًا. ٢ - الدَّامِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي مَوْضِعَهَا مِنَ الشَّقِّ وَالْخَدْشِ، وَلاَ يَقْطُرُ مِنْهَا دَمٌ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَهْل اللُّغَةِ، وَتَأْتِي بَعْدَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الدَّامِعَةُ وَهِيَ مَا يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ، أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالدَّامِيَةُ مَا تُخْرِجُ الدَّمَ وَتُسِيلُهُ، وَتَأْتِي عِنْدَهُمْ بَعْدَ الدَّامِعَةِ، وَهِيَ: الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ كَالدَّمْعِ وَلاَ تُسِيلُهُ. وَالدَّامِيَةُ تُسَمَّى عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْبَازِلَةَ؛ لأَِنَّهَا تَبْزُل الْجِلْدَ أَيْ تَشُقُّهُ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (بَازِلَةٌ) . ٣ - الْبَاضِعَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، أَيْ تَقْطَعُهُ، وَقِيل: الَّتِي تَقْطَعُ الْجِلْدَ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: بَاضِعَةٌ) . ٤ - الْمُتَلاَحِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ، وَلاَ تَبْلُغُ الْجِلْدَةَ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَتُسَمَّى اللاَّحِمَةُ أَيْضًا. ٥ - السِّمْحَاقَ: وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ الْجِلْدَةَ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَقَدْ تُسَمَّى هَذِهِ الشَّجَّةُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْمِلْطَى، وَالْمِلْطَاةَ، وَاللاَّطِئَةَ. ٦ - الْمُوضِحَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ السِّمْحَاقَ وَتُوضِحُ الْعَظْمَ.

стр. 9488

٧ - الْهَاشِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ أَيْ تَكْسِرُهُ سَوَاءٌ أَوْضَحَتْهُ أَمْ لاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. ٨ - الْمُنَقِّلَةُ: بِتَشْدِيدِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا، أَوْ كَسْرِهَا، وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَتَنْقُلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ سَوَاءٌ أَوْضَحَتْهُ وَهَشَّمَتْهُ أَمْ لاَ. ٩ - الْمَأْمُومَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الرَّأْسِ وَهِيَ خَرِيطَةُ الدِّمَاغِ الْمُحِيطَةُ بِهِ، وَيُقَال لَهَا الآْمَّةُ أَيْضًا (انْظُرْ مُصْطَلَحَ آمَّةٌ) . ١٠ - الدَّامِغَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ الْخَرِيطَةَ، وَتَصِل الدِّمَاغَ. فَهَذِهِ الأَْقْسَامُ الْعَشَرَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَذُكِرَ فِيهَا أَلْفَاظٌ أُخْرَى تُؤَوَّل إِلَى هَذِهِ الأَْقْسَامِ. وَتُتَصَوَّرُ جَمِيعُ هَذِهِ الشِّجَاجِ فِي الْجَبْهَةِ كَمَا تُتَصَوَّرُ فِي الرَّأْسِ، وَكَذَلِكَ تُتَصَوَّرُ مَا عَدَا الْمَأْمُومَةَ وَالدَّامِغَةَ فِي الْخَدِّ، وَفِي قَصَبَةِ الأَْنْفِ، وَاللَّحْيِ الأَْسْفَل. وَالتَّسْمِيَاتُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا تَكَادُ تَكُونُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ خِلاَفٌ يَسِيرٌ فِي تَرْتِيبِهَا، فَمَرَدُّهُ الاِخْتِلاَفُ فِي تَحْدِيدِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

стр. 9489

٣٣ - وَأَمَّا حُكْمُ هَذِهِ الشِّجَاجِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ فِي الْمُوضِحَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (١) ﴾ وَلِتَيْسِيرِ ضَبْطِهَا وَاسْتِيفَاءِ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْهِيَ السِّكِّينَ إِلَى الْعَظْمِ فَتَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ، وَقَدْ قَضَى ﵊ فِي الْمُوضِحَةِ بِالْقِصَاصِ (٢) . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوضِحَةِ مَا لَهُ بَالٌ وَاتِّسَاعٌ، فَيُقْتَصُّ وَإِنْ ضَاقَ كَقَدْرِ مَغْرَزِ إِبْرَةٍ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِيمَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ، وَهِيَ الْهَاشِمَةُ، وَالْمُنَقِّلَةُ، وَالآْمَّةُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا بَعْدَهَا؛ لأَِنَّ كَسْرَ الْعَظْمِ وَتَنَقُّلَهُ لاَ يُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهَا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْبَاضِعَةِ وَالْمُتَلاَحِمَةِ وَالسِّمْحَاقِ - إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيمَا قَبْل الْمُوضِحَةِ أَيْضًا. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (٣) ﴾ وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا قَبْلَهَا

стр. 9490

بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْجِرَاحَةِ فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْل مَا فَعَل. وَاسْتَثْنَى الشُّرُنْبُلاَلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ السِّمْحَاقَ فَلاَ يُقَادُ فِيهَا كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْحَارِصَةِ مُطْلَقًا، وَفِي الْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلاَحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالدَّامِيَةُ كَالْحَارِصَةِ عِنْدَهُمْ، وَقِيل كَالْبَاضِعَةِ. وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَارِصَةَ، وَالدَّامِيَةَ، وَالدَّامِغَةَ؛ لأَِنَّ الْحَارِصَةَ وَالدَّامِيَةَ لاَ يَبْقَى لَهُمَا أَثَرٌ فِي الْعَادَةِ، وَالشَّجَّةُ الَّتِي لاَ يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ، لاَ حُكْمَ لَهَا فِي الشَّرْعِ. وَالدَّامِغَةُ لاَ يَعِيشُ مَعَهَا عَادَةً، فَلاَ مَعْنَى لِبَيَانِ حُكْمِ الشَّجَّةِ (١) . ثَانِيًا - الْجِرَاحَاتُ الْوَاقِعَةُ عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ: ٣٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي الْجَائِفَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ، وَلاَ فِي الْجَائِفَةِ، وَلاَ فِي الْمُنَقِّلَةِ (&# x٦٦٢ ;) .

стр. 9491

وَلأَِنَّهَا جِرَاحٌ لاَ تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهَا، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ، كَكَسْرِ الْعِظَامِ. وَالْجَائِفَةُ هِيَ الَّتِي تَصِل إِلَى الْجَوْفِ، وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي تَنْفُذُ فِيهَا الْجِرَاحَةُ إِلَى الْجَوْفِ هِيَ الصَّدْرُ وَالظَّهْرُ، وَالْبَطْنُ، وَالْجَنْبَانِ، وَالدُّبُرُ، وَلاَ تَكُونُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَلاَ فِي الرَّقَبَةِ جَائِفَةٌ؛ لأَِنَّ الْجُرْحَ لاَ يَصِل إِلَى الْجَوْفِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ مَا وَصَل مِنَ الرَّقَبَةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ وَصَل إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَابِ فِطْرُهُ، تَكُونُ جَائِفَةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يُفْطِرُ إِلاَّ إِذَا وَصَل إِلَى الْجَوْفِ (١) . أَمَّا غَيْرُ الْجَائِفَةِ فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ إِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، لاَ قِصَاصَ فِيهِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الْمُوضِحَةُ الَّتِي تُوضِحُ عَظْمَ الصَّدْرِ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحَةِ عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ بِشَرْطِ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى عَظْمٍ وَلاَ تَكْسِرَهُ (٢) .

стр. 9492

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ لاَ قِصَاصَ فِيهَا، بَل فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ إِذَا أَوْضَحَتِ الْعَظْمَ وَكَسَرَتْهُ، وَإِذَا بَقِيَ لَهَا أَثَرٌ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَصُّ مِنْ جِرَاحِ الْجَسَدِ وَإِنْ كَانَتْ هَاشِمَةً، قَال ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي جِرَاحِ الْجَسَدِ مِنَ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا الْقَوَدُ، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَعْظُمَ الْخَطَرُ كَعَظْمِ الصَّدْرِ، وَالْعُنُقِ، وَالصُّلْبِ، وَالْفَخِذِ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ بِالْمِسَاحَةِ طُولاً، وَعَرْضًا، وَعُمْقًا، إِنِ اتَّحَدَ الْمَحَل (٢) . النَّوْعُ الثَّالِثُ: إِبْطَال الْمَنَافِعِ بِلاَ شَقٍّ وَلاَ إِبَانَةٍ: ٣٥ - قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِعْتِدَاءِ بِالضَّرْبِ أَوِ الْجَرْحِ زَوَال مَنْفَعَةِ الْعُضْوِ مَعَ بَقَائِهِ قَائِمًا، كَمَنْ يَلْطِمُ شَخْصًا عَلَى وَجْهِهِ أَوْ يَجْرَحُهُ فِي رَأْسِهِ، فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ ذَهَابُ الْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ، مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ سَلِيمًا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي ذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْعُضْوِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ فِي الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالشَّمِّ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ اتِّفَاقًا، وَفِي

стр. 9493

الْبَطْشِ وَالذَّوْقِ وَالشَّمِّ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ لَهَا مَحَال مَضْبُوطَةً، وَلأَِهْل الْخِبْرَةِ طُرُقٌ فِي إِبْطَالِهَا. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي، فَإِنَّهُ يَجْرِي عِنْدَهُمُ الْقِصَاصُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي وَغَيْرِهَا (١) . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْقِصَاصُ إِلاَّ فِي زَوَال الْبَصَرِ دُونَ سِوَاهُ؛ لأَِنَّ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ قِصَاصًا فِي الشَّرِيعَةِ، أَمَّا إِذَا أَدَّى الاِعْتِدَاءُ إِلَى ذَهَابِ الْعَقْل، أَوِ السَّمْعِ، أَوِ الْكَلاَمِ، أَوِ الشَّمِّ، أَوْ لُزُومِهِ، أَوِ الْجِمَاعِ، أَوْ مَاءِ الصُّلْبِ، أَوْ إِلَى شَلَل الْيَدِ أَوِ الرِّجْل، فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ (٢) . الْقِسْمُ الثَّانِي: الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ الْمُوجِبَةُ لِلدِّيَةِ أَوْ غَيْرِهَا: ٣٦ - إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ خَطَأً، أَوْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهَا الشُّرُوطُ الْمُوجِبَةُ لِلْقِصَاصِ فَتَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ، أَوْ حُكُومَةُ عَدْلٍ، عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال، وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُوا إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالْقَطْعِ وَإِبَانَةِ الأَْطْرَافِ، أَوْ بِالْجُرْحِ، أَوْ بِإِزَالَةِ الْمَنَافِعِ.

стр. 9494

النَّوْعُ الأَْوَّل: إِبَانَةُ الأَْطْرَافِ: ٣٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ كُل عُضْوٍ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَدَنِ الإِْنْسَانِ مِنْهُ إِلاَّ وَاحِدًا كَاللِّسَانِ وَالأَْنْفِ، وَالذَّكَرِ، وَالصُّلْبِ، وَغَيْرِهَا، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الأَْنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ (١) . لأَِنَّ إِتْلاَفَ كُل عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْضَاءِ كَإِذْهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَإِذْهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ كَإِتْلاَفِ النَّفْسِ، فَإِتْلاَفُ كُل عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْضَاءِ كَإِتْلاَفِ النَّفْسِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الأَْنْفَ يَشْتَمِل عَلَى ثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ: الْمَنْخِرَيْنِ، وَالْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا، فَفِي الأَْنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُهَا. وَبِهَذَا قَال إِسْحَاقُ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَمَا خُلِقَ فِي الإِْنْسَانِ مِنْهُ شَيْئَانِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ وَالأُْذُنَيْنِ، وَالْمَنْخِرَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُْنْثَيَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَْلْيَتَيْنِ وَغَيْرِهَا، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَازِمٍ فِي كِتَابِهِ: وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي

стр. 9495

الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. . . (١) وَلأَِنَّ فِي إِتْلاَفِهِمَا إِذْهَابَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ فِي إِتْلاَفِ إِحْدَاهُمَا إِذْهَابَ نِصْفِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَيْنِ الأَْعْوَرِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ فِيهَا نِصْفَ الدِّيَةِ وَبِهِ قَال مَسْرُوقٌ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، لِقَوْلِهِ ﷺ : وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِْبِل (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِي إِتْلاَفِ عَيْنِ الأَْعْوَرِ دِيَةً كَامِلَةً وَبِهِ قَال الزُّهْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَقَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ؛ لأَِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ ﵃ قَضَوْا فِي عَيْنِ الأَْعْوَرِ بِالدِّيَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا؛ وَلأَِنَّ قَلْعَ عَيْنِ الأَْعْوَرِ تَضْمَنَّ إِذْهَابَ الْبَصَرِ كُلِّهِ، فَوَجَبَتِ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ أَذْهَبَهُ مِنَ الْعَيْنَيْنِ. وَمَا خُلِقَ فِي الإِْنْسَانِ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ فَفِيهَا الدِّيَةُ، وَفِي كُل وَاحِدٍ مِنْهَا رُبُعُ الدِّيَةِ، وَهُوَ أَجْفَانُ الْعَيْنَيْنِ وَأَهْدَابُهَا.

стр. 9496

وَمَا فِيهِ مِنْهُ عَشَرَةٌ فَفِيهَا الدِّيَةُ، وَفِي كُل وَاحِدٍ مِنْهَا عُشْرُهَا، فَفِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ أَيْضًا، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ إِصْبَعٍ وَإِصْبَعٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : فِي كُل إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِْبِل (١) وَالأَْصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ، فَالْخِنْصَرُ وَالإِْبْهَامُ سَوَاءٌ، وَفِي كُل سُلاَمَى مِنَ السُّلاَمِيَّاتِ الثَّلاَثِ ثُلُثُ دِيَةِ الأُْصْبُعِ مَا عَدَا الإِْبْهَامَ فَإِنَّهَا مَفْصِلاَنِ، وَفِي كُل مَفْصِلٍ نِصْفُ دِيَةِ الإِْصْبَعِ. وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسٍ يَزِيدُ عَلَى الدِّيَةِ إِلاَّ الأَْسْنَانُ فَإِنَّ فِي كُل سِنٍّ خَمْسًا مِنَ الإِْبِل، أَيْ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: فِي كُل سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل (٢) وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ سِنٍّ وَسِنٍّ؛ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (٣) . ٣٨ - وَأَمَّا إِزَالَةُ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ إِذَا لَمْ يَنْبُتْ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِيهَا الدِّيَةَ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ؛ لأَِنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَال عَلَى الْكَمَال، فَوَجَبَ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَأُذُنِ الأَْصَمِّ، وَأَنْفِ الأَْخْشَمِ.

стр. 9497

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةَ عَدْلٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ كَالْيَدِ الشَّلاَّءِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَةٌ) . النَّوْعُ الثَّانِي: الْجِرَاحُ: ٣٩ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الْمُوضِحَةِ إِذَا كَانَتْ فِي الْوَجْهِ أَوِ الرَّأْسِ خَمْسًا مِنَ الإِْبِل، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَلَيْسَ فِي جِرَاحَاتِ غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ. وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِْبِل، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْمَعْرُوفُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْل ذَلِكَ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ فِي الدَّامِغَةِ مَا فِي الْمَأْمُومَةِ؛ لأَِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ الْمَأْمُومَةِ، وَلاَ يَسْلَمُ صَاحِبُهَا فِي الْغَالِبِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بَيْنَ الشِّجَاجِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَعِيشُ مَعَهَا، وَلَيْسَ لَهَا حُكْمٌ. وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ: فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُوجِبِهَا:

стр. 9498

فَقَدَّرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِعُشْرِ الدِّيَةِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْهَاشِمَةَ تُرَادِفُ الْمُنَقِّلَةَ. وَقَدَّرَهَا الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - وَالْحَنَابِلَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ بِعَشْرٍ مِنَ الإِْبِل إِنْ كَانَتْ مَعَ إِيضَاحٍ أَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ بِشَقٍّ لإِِخْرَاجِ عَظْمٍ أَوْ تَقْوِيمِهِ، فَإِنْ لَمْ تُوضِحْ فَخَمْسٌ مِنَ الإِْبِل وَقِيل: حُكُومَةٌ. وَأَمَّا مَا قَبْل الْمُوضِحَةِ مِنَ الشِّجَاجِ وَهِيَ الْحَارِصَةُ وَالسِّمْحَاقُ وَمَا بَيْنَهُمَا فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ بِتَوْقِيفٍ، وَلاَ لَهُ قِيَاسٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْحُكُومَةِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَاتٌ) . النَّوْعُ الثَّالِثُ: إِبْطَال الْمَنَافِعِ: ٤٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ بِإِزَالَةِ الْعَقْل كَمَال الدِّيَةِ؛ لأَِنَّهُ أَكْبَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا، وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ نَفْعًا، وَبِإِبْطَال السَّمْعِ مِنَ الأُْذُنَيْنِ أَوِ الْبَصَرِ مِنِ الْعَيْنَيْنِ، أَوِ الشَّمِّ مِنَ الْمَنْخِرَيْنِ كَمَال الدِّيَةِ، وَبِإِبْطَال الْمَنْفَعَةِ مِنْ إِحْدَى الأُْذُنَيْنِ، أَوِ الْعَيْنَيْنِ، أَوِ الْمَنْخِرَيْنِ، نِصْفُ الدِّيَةِ، مِنْ إِحْدَاهَا. وَكَذَلِكَ بِإِبْطَال الصَّوْتِ، وَالذَّوْقِ،

стр. 9499

وَالْمَضْغِ، وَالإِْمْنَاءِ وَالإِْحْبَال، وَالْجِمَاعِ، وَالْبَطْشِ، وَالْمَشْيِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَذَاقَ مُشْتَمِلٌ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْحَلاَوَةِ، وَالْمَرَارَةِ، وَالْحُمُوضَةِ، وَالْعُذُوبَةِ، وَالْمُلُوحَةِ، فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِ أَقْسَامِهَا خُمُسُهَا (١) . وَفِي شَرَائِطِ وُجُوبِ الدِّيَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ مُصْطَلَحِ: (دِيَاتٌ) .

стр. 9500

جِنْسٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِنْسُ فِي اللُّغَةِ الضَّرْبُ مِنْ كُل شَيْءٍ. قَال فِي اللِّسَانِ: الإِْبِل جِنْسٌ مِنَ الْبَهَائِمِ الْعُجْمِ، فَإِذَا وَالَيْتَ سِنًّا مِنْ أَسْنَانِ الإِْبِل عَلَى حِدَةٍ فَقَدْ صَنَّفْتَهَا تَصْنِيفًا، كَأَنَّكَ جَعَلْتَ بَنَاتِ الْمَخَاضِ مِنْهَا صِنْفًا، وَبَنَاتِ اللَّبُونِ صِنْفًا، وَالْحِقَاقِ صِنْفًا، وَكَذَلِكَ الْجَذَعُ وَالثَّنِيُّ. وَالْحَيَوَانُ أَجْنَاسٌ، فَالنَّاسُ جِنْسٌ، وَالإِْبِل جِنْسٌ، وَالْبَقَرُ جِنْسٌ، وَالشَّاءُ جِنْسٌ. (١) وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالأَْنْوَاعِ. وَقَال الشِّرْبِينِيُّ: الْجِنْسُ: كُل شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ جَمَعَهَا اسْمٌ خَاصٌّ تَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ الاِسْمِ بِالاِشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ (٢) . وَعَرَّفَهُ الْمَنَاطِقَةُ بِأَنَّهُ مَا صَدَقَ

стр. 9501

فِي جَوَابِ مَا هُوَ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالْحَقِيقَةِ، وَالنَّوْعُ مَا صَدَقَ فِي جَوَابِ مَا هُوَ عَلَى كَثِيرِينَ مُتَّفِقِينَ بِالْحَقِيقَةِ. (١) الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجِنْسِ: أ - اتِّحَادُ الْجِنْسِ فِي الزَّكَاةِ: ٢ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي زَكَاةِ الْخُلْطَةِ: إِنَّ الْخُلَطَاءَ يُعَامَلُونَ فِي الزَّكَاةِ مُعَامَلَةَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَثْبُتُ فِيهِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي بَابِهَا، وَبِشَرْطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْخُلْطَةُ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ، (٢) لِخَبَرِ أَنَسٍ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ مُجْتَمِعٌ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (٣) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُلْطَةَ لاَ أَثَرَ لَهَا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَلاَ فِي النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ، فَلَوْ كَانَتْ سَائِمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كُل شَرِيكٍ نِصَابًا (٤) لِقَوْلِهِ ﵊:

стр. 9502

فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُل نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ (١) . وَأَمَّا اتِّحَادُ الْجِنْسِ عِنْدَ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ بِأَنْ مَلَكَ إِبِلاً، بَعْضُهَا أَرْحَبِيَّةٌ، وَبَعْضُهَا مُهْرِيَّةٌ، أَوْ مَلَكَ بَقَرًا بَعْضُهَا عِرَابٌ، وَبَعْضُهَا جَوَامِيسُ، أَوْ مَلَكَ غَنَمًا بَعْضُهَا مِنَ الضَّأْنِ، وَبَعْضُهَا مِنَ الْمَعْزِ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَجُوزُ الإِْخْرَاجُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مَا دَامَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَوْجُهٌ أُخْرَى مَحَلُّهَا مُصْطَلَحُ: (زَكَاةٌ) . وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْجْنَاسُ فَالأَْصْل أَنْ لاَ يُضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلاَ تُضَمُّ الْبَقَرُ إِلَى الإِْبِل، وَلاَ إِلَى الْغَنَمِ، وَلاَ يُضَمُّ الْقَمْحُ إِلَى التَّمْرِ فِي تَكْمِيل النِّصَابِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ مُعَيَّنَةٌ يَأْخُذُ بِهَا بَعْضُ الْمَذَاهِبِ (٢) (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: زَكَاةٌ) . ب - أَثَرُ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلاَفِهِ فِي الْبُيُوعِ الرِّبَوِيَّةِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّيْئَيْنِ إِذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَكَانَا رِبَوِيَّيْنِ، فَإِذَا بِيعَ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ فَلاَ يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسَاءُ، أَيْ تَأْخِيرُ التَّسْلِيمِ

стр. 9503

لِكِلاَ الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (١) . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الأَْشْيَاءِ الْمُتَشَابِهَةِ هَل هِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيَحْرُمُ فِيهَا التَّفَاضُل، أَمْ جِنْسَانِ فَلاَ يَحْرُمُ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ كُل شَيْئَيْنِ اتَّفَقَا فِي الاِسْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَصْل الْخِلْقَةِ كَالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ وَالتَّمْرِ الْمَعْقِلِيِّ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكُل شَيْئَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الاِسْمِ مِنْ أَصْل الْخِلْقَةِ كَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ فَهُمَا جِنْسَانِ بِدَلاَلَةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الطَّعَامَيْنِ إِنِ اسْتَوَيَا فِي الْمَنْفَعَةِ كَأَصْنَافِ الْحِنْطَةِ، أَوْ تَقَارَبَا فِيهَا كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَبَايَنَا فِي الْمَنْفَعَةِ كَالتَّمْرِ وَالْقَمْحِ فَهُمَا جِنْسَانِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ: (رِبًا) .

стр. 9504

ج - الْجِنْسُ فِي السَّلَمِ: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلاَفِهَا ظَاهِرًا؛ لأَِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عِوَضٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالصِّفَةِ، كَالثَّمَنِ فَيَذْكُرُ جِنْسَهُ بِأَنْ يَقُول تَمْرٌ، وَنَوْعُهُ كَتَمْرٍ بَرْنِيِّ أَوْ مَعْقِلِيٍّ، فَإِنْ أَتَى بِغَيْرِ جِنْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لاَ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَإِنْ أَتَى بِجِنْسِهِ وَعَلَى صِفَتِهِ الْمَشْرُوطَةِ وَجَبَ قَبُولُهُ قَطْعًا. (١) د - الاِخْتِلاَفُ فِي جِنْسِ الْمَغْصُوبِ: ٥ - إِذَا اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي جِنْسِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ وَزْنِهِ، أَوْ تَلَفِهِ، فَالْقَوْل قَوْل الْغَاصِبِ بِيَمِينِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ الإِْتْلاَفِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَفِي الإِْتْلاَفِ عَلَى الصَّحِيحِ، مِنَ الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّهُ غَارِمٌ، (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (غَصْبٌ) .

стр. 9505

هـ - الْوَصِيَّةُ لِجِنْسِ فُلاَنٍ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قَال فِي وَصِيَّتِهِ " أَوْصَيْتُ لِجِنْسِ فُلاَنٍ " فَهُمْ أَهْل بَيْتِ أَبِيهِ دُونَ أَهْل بَيْتِ أُمِّهِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ وَلاَ يَتَجَنَّسُ بِأُمِّهِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ جِنْسَهُ فِي النَّسَبِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، فَيَدْخُل أَيْضًا أَقَارِبُهُ مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ؛ لأَِنَّ الْقَرَابَةَ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى الإِْنْسَانِ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي الطَّرَفَيْنِ بِخِلاَفِ الْجِنْسِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي: (وَصِيَّةٌ) . و شُرْبُ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ: ٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُحَدُّ بِشُرْبِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ مَا شَرِبَهُ لِقِلَّتِهِ أَوِ اعْتِيَادِ الشَّارِبِ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ عَصِيرَ عِنَبٍ، أَوْ نَقِيعَ زَبِيبٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ رُطَبٍ، أَوْ بُسْرٍ، أَوْ عَسَلٍ، أَوْ حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ ذُرَةٍ، أَوْ أُرْزٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. أَمَّا الْخَمْرُ الَّتِي هِيَ مِنَ الْعِنَبِ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ مِنْهَا سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ وَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ، (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مَا أَسْكَرَ

стр. 9506

كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَشْرِبَةٌ) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ: ٨ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الْجِنْسَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى فَيَذْكُرُونَهُ فِي تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِي الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانَتْ أَسْبَابُهَا مُخْتَلِفَةً أَوْ مُتَّحِدَةَ الْجِنْسِ، وَفِي الْبَيْعِ كَاخْتِلاَطِ الْمَبِيعِ بِجِنْسِهِ، وَفِي الإِْجَارَةِ كَعُدُولِهِ عَنِ الْجِنْسِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَفِي الإِْقْرَارِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ بِتِلْكَ الْمَوَاطِنِ.

стр. 9507

جِنٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجِنُّ خِلاَفُ الإِْنْسِ، وَالْجَانُّ: الْوَاحِدُ مِنَ الْجِنِّ، يُقَال: جَنَّهُ اللَّيْل وَجَنَّ عَلَيْهِ وَأَجَنَّهُ: إِذَا سَتَرَهُ. وَكُل شَيْءٍ سُتِرَ عَنْكَ فَقَدْ جُنَّ عَنْكَ. قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: وَبِهِ سُمِّيَ الْجِنُّ لاِسْتِتَارِهِمْ وَاخْتِفَائِهِمْ عَنِ الأَْبْصَارِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْجَنِينُ لاِسْتِتَارِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ جِنًّا لاِسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ. وَالْجِنُّ: أَجْسَامٌ نَارِيَّةٌ لَهَا قُوَّةُ التَّشَكُّل. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْل مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (١) :. قَال الْبَيْضَاوِيُّ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ عَاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النَّارِيَّةُ أَوِ الْهَوَائِيَّةُ. وَقَال أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا: الْجِنُّ حَيَوَانٌ هَوَائِيٌّ يَتَشَكَّل بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ. (٢) وَلاَ يَخْرُجُ الاِصْطِلاَحُ الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

стр. 9508

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْنْسُ: ٢ - الإِْنْسُ: جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَالْجَمْعُ أُنَاسٌ، وَالإِْنْسُ: الْبَشَرُ. الْوَاحِدُ إِنْسِيٌّ وَأَنَسِيٌّ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُمْ بَنُو آدَمَ. وَقَال فِي الْكُلِّيَّاتِ: " كُل مَا يُؤْنَسُ بِهِ فَهُوَ إِنْسٌ " (١) . وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ التَّضَادُّ. ب - الشَّيَاطِينُ: ٣ - الشَّيَاطِينُ جَمْعُ شَيْطَانٍ وَصِيغَتُهُ (فَيْعَال) مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ أَيْ: بَعُدَ عَنِ الْخَيْرِ، أَوْ مِنَ الْحَبْل الطَّوِيل كَأَنَّهُ طَال فِي الشَّرِّ. وَهَذَا فِيمَنْ جَعَل النُّونَ أَصْلاً، وَقِيل: الشَّيْطَانُ فَعْلاَنٌ مِنْ شَاطَ يَشِيطُ إِذَا هَلَكَ وَاحْتَرَقَ، وَهَذَا فِيمَنْ جَعَل النُّونَ زَائِدَةً. قَال الأَْزْهَرِيُّ: الأَْوَّل أَكْثَرُ. وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ: الْعَصِيُّ الأَْبِيُّ الْمُمْتَلِئُ شَرًّا وَمَكْرًا، أَوِ الْمُتَمَادِي فِي الطُّغْيَانِ الْمُمْتَدِّ إِلَى الْعِصْيَانِ. وَكُل عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ وَالدَّوَابِّ شَيْطَانٌ. (٢)

стр. 9509

فَبَيْنَ الْجِنِّ وَالشَّيْطَانِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ. ٤ - وَيُدْعَى مُتَمَرِّدُ الشَّيَاطِينِ (عِفْرِيتًا) . وَالْعِفْرِيتُ: الْخَبِيثُ الْمُنْكَرُ الدَّاهِيَةُ، وَيُسَمَّى الْجِنُّ عِفْرِيتًا إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي وَالْقُوَّةِ. قَال أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ أَهْل الْكَلاَمِ وَاللِّسَانِ مُنَزَّلُونَ عَلَى مَرَاتِبَ. فَإِذَا ذَكَرُوا الْجِنَّ خَالِصًا قَالُوا: جِنِّيٌّ. فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ قَالُوا: عَامِرٌ، وَالْجَمْعُ عُمَّارٌ. فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ قَالُوا أَرْوَاحٌ، فَإِنْ خَبُثَ وَتَعَزَّمَ فَهُوَ شَيْطَانٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَارِدٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ قَالُوا: عِفْرِيتٌ، وَالْجَمْعُ عَفَارِيتُ. (١) وَكَبِيرُ الْجِنِّ: إِبْلِيسُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: لِلْجِنِّ أَحْكَامٌ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُهَا: أَوَّلاً - الأَْحْكَامُ الْعَامَّةُ: وُجُودُ الْجِنِّ: ٥ - ثَبَتَ وُجُودُ الْجِنِّ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ

стр. 9510

انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ، فَمُنْكِرُ وُجُودِهِمْ كَافِرٌ لإِِنْكَارِهِ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. قُدْرَتُهُمْ عَلَى التَّشَكُّل فِي صُوَرٍ شَتَّى: ٦ - قَال بَدْرُ الدِّينِ الشِّبْلِيُّ: لِلْجِنِّ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّطَوُّرِ وَالتَّشَكُّل فِي صُوَرِ الإِْنْسِ وَالْبَهَائِمِ، فَيَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ، وَفِي صُوَرِ الإِْبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْل، وَالْبِغَال، وَالْحَمِيرِ، وَفِي صُوَرِ الطَّيْرِ، وَفِي صُوَرِ بَنِي آدَمَ، كَمَا أَتَى الشَّيْطَانُ قُرَيْشًا فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ إِلَى بَدْرٍ. (١) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَال لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢) وَكَمَا رُوِيَ أَنَّهُ تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ لَمَّا اجْتَمَعُوا بِدَارِ النَّدْوَةِ لِلتَّشَاوُرِ فِي أَمْرِ الرَّسُول ﷺ هَل يَقْتُلُونَهُ، أَوْ يَحْبِسُونَهُ، أَوْ يُخْرِجُونَهُ، (٣) وَوَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَرْفَعُهُ أَنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا

стр. 9511

مِنَ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاَثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ (١) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: تَشَكُّلُهُمْ ثَابِتٌ بِالأَْحَادِيثِ، وَالآْثَارِ، وَالْحِكَايَاتِ الْكَثِيرَةِ. وَأَنْكَرَ قَوْمٌ قُدْرَةَ الْجِنِّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لاَ قُدْرَةَ لِلشَّيَاطِينِ عَلَى تَغْيِيرِ خَلْقِهِمْ وَالاِنْتِقَال فِي الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَلِمَاتٍ وَضُرُوبًا مِنَ الأَْفْعَال إِذَا فَعَلَهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: إِنَّ أَحَدًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَغَيَّرَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا وَلَكِنَّ لَهُمْ سَحَرَةً كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأْذَنُوا. (٢) هَذَا وَمِنْ خَصَائِصِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الإِْنْسَ وَلاَ يَرَاهُمُ الإِْنْسُ إِلاَّ نَادِرًا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ (٣) . مَسْكَنُ الْجِنِّ وَمَأْكَلُهُمْ وَمَشْرَبُهُمْ: ٧ - غَالِبُ مَا يَسْكُنُ الْجِنُّ فِي مَوَاضِعِ الْمَعَاصِي

стр. 9512

وَالنَّجَاسَاتِ، كَالْحَمَّامَاتِ، وَالْحُشُوشِ، وَالْمَزَابِل، وَالْقَمَّامِينَ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ فَلْيَقُل اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ. وَالْمَحْضَرَةُ مَكَانُ حُضُورِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ. (١) وَقَدْ جَاءَتِ الآْثَارُ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الأَْمَاكِنِ. ٨ - وَمِنْ أَزْوَادِ الْجِنِّ الْعِظَامُ. فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِنَّ سَأَلُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ الزَّادَ فَقَال: كُل عَظْمٍ يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا، وَكُل بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ (٢) . وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ وَقَال: إِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ (٣) .

стр. 9513

تَكْلِيفُ الْجِنِّ وَدُخُولُهُمْ فِي عُمُومِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ٩ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ مُخَاطَبُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ. . .﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٣) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ وَأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ مَنْهِيُّونَ. وَلِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِينِ وَلَعْنِهِمْ، وَالتَّحَرُّزِ مِنْ غَوَائِلِهِمْ وَشَرِّهِمْ، وَذِكْرِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذِهِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ لِمَنْ خَالَفَ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ، وَارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ، وَهَتَكَ الْمَحَارِمَ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ لاَ يَفْعَل ذَلِكَ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى فِعْل خِلاَفِهِ. قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ أَهْل النَّظَرِ فِي أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ. وَحُكِيَ عَنِ الْحَشَوِيَّةِ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ. ١٠ - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى دُخُول الْجِنِّ فِي عُمُومِ

стр. 9514

بِعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَل مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْجِنِّ وَالإِْنْسِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ قَبْلِي (١) وَحَدِيثِ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى خَاصَّةِ قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ أَنَا إِلَى الْجِنِّ وَالإِْنْسِ (٢) قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَالْجِنُّ دَاخِلُونَ فِي مُسَمَّى النَّاسِ لُغَةً. (٣) وَيَقُول الْفَيُّومِيُّ: يُطْلَقُ لَفْظُ النَّاسِ عَلَى الْجِنِّ وَالإِْنْسِ. قَال تَعَالَى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ النَّاسَ بِالْجِنِّ وَالإِْنْسِ فَقَال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٤) .

стр. 9515

ثَوَابُ الْجِنِّ عَلَى أَعْمَالِهِمْ: ١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْجِنَّ يُثَابُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ﴾ (٣) وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: لاَ ثَوَابَ لَهُمْ إِلاَّ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ لأَِنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِيهِمْ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤) وَالْمَغْفِرَةُ لاَ تَسْتَلْزِمُ الإِْثَابَةَ؛ لأَِنَّ الْمَغْفِرَةَ سَتْرٌ. وَرُوِيَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ. قَال: ثَوَابُ الْجِنِّ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَال لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَال: إِذَا دَخَل أَهْل الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْل النَّارِ النَّارَ قَال اللَّهُ تَعَالَى: لِمُؤْمِنِي الْجِنِّ وَسَائِرِ الأُْمَمِ: (٥) كُونُوا تُرَابًا، فَحِينَئِذٍ يَقُول الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. (٦) ثُمَّ إِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كَافِرَ الْجِنِّ يُعَذَّبُ فِي الآْخِرَةِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ

стр. 9516

الْعَزِيزِ: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٢) دُخُول الْجِنِّ فِي بَدَنِ الإِْنْسَانِ: ١٢ - قَال أَبُو الْحَسَنِ الأَْشْعَرِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِنِّ، هَل يَدْخُلُونَ فِي النَّاسِ؟ عَلَى مَقَالَتَيْنِ: فَقَال قَائِلُونَ: مُحَالٌ أَنْ يَدْخُل الْجِنُّ فِي النَّاسِ. وَقَال قَائِلُونَ: يَجُوزُ أَنْ يَدْخُل الْجِنُّ فِي النَّاسِ، وَلِحَدِيثِ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ فَإِنِّي رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) وَلأَِنَّ أَجْسَامَ الْجِنِّ أَجْسَامٌ رَقِيقَةٌ، فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَدْخُلُوا فِي جَوْفِ الإِْنْسَانِ مِنْ خُرُوقِهِ، كَمَا يَدْخُل الْمَاءُ وَالطَّعَامُ فِي بَطْنِ الإِْنْسَانِ، وَهُوَ أَكْثَفُ مِنْ أَجْسَامِ الْجِنِّ، وَلاَ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اجْتِمَاعِ الْجَوَاهِرِ فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجْتَمِعُ إِلاَّ عَلَى طَرِيقِ الْمُجَاوَرَةِ لاَ عَلَى سَبِيل الْحُلُول، وَإِنَّمَا تَدْخُل أَجْسَامَنَا كَمَا يَدْخُل الْجِسْمُ الرَّقِيقُ فِي الْمَظْرُوفِ. (٤)

стр. 9517

رِوَايَةُ الْجِنِّ لِلْحَدِيثِ: ١٣ - تَجُوزُ رِوَايَةُ الْجِنِّ عَنِ الإِْنْسِ مَا سَمِعُوهُ مِنْهُمْ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَسْمَعُونَ، سَوَاءٌ عَلِمَ الإِْنْسُ بِحُضُورِهِمْ أَمْ لاَ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) الآْيَاتِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا. . .﴾ (٢) فَإِذَا جَازَ أَنْ يُبَلِّغُوا الْقُرْآنَ جَازَ أَنْ يُبَلِّغُوا الْحَدِيثَ. وَكَذَا إِذَا أَجَازَ الشَّيْخُ مَنْ حَضَرَ أَوْ سَمِعَ دَخَلُوا فِي إِجَازَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، كَمَا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مِنَ الإِْنْسِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الإِْنْسِ عَنْهُمْ: فَقَال السُّيُوطِيُّ: الظَّاهِرُ مَنْعُهَا، لِعَدَمِ حُصُول الثِّقَةِ بِعَدَالَتِهِمْ. (٣) الذَّبْحُ لِلْجِنِّ: ١٤ - مَا ذُبِحَ لِلْجِنِّ وَعَلَى اسْمِهِمْ فَلاَ يَحِل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ

стр. 9518

﴿وَمَا أُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . .﴾ (١) قَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: قَال لِي وَهْبٌ: اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ عَيْنًا وَأَرَادَ إِجْرَاءَهَا وَذَبَحَ لِلْجِنِّ عَلَيْهَا لِئَلاَّ يُغَوِّرُوا مَاءَهَا فَأَطْعَمَ ذَلِكَ نَاسًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ شِهَابٍ، فَقَال: أَمَّا إِنَّهُ قَدْ ذَبَحَ مَا لَمْ يَحِل لَهُ، وَأَطْعَمَ النَّاسَ مَا لاَ يَحِل لَهُمْ. (٢) فَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَبَائِحِ الْجِنِّ (٣) . الأَْذْكَارُ الَّتِي يُعْتَصَمُ بِهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ مَرَدَةِ الْجِنِّ وَيُسْتَدْفَعُ بِهَا شَرُّهُمْ: ١٥ - وَذَلِكَ فِي عَشَرَةِ حُرُوزٍ - كَمَا قَال صَاحِبُ الآْكَامِ - أَحَدُهَا: الاِسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنَ الْجِنِّ، قَال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥) وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُ أَحَدِهِمَا فَقَال ﷺ : إِنِّي لأََعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ

стр. 9519

مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (١) . الثَّانِي: قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ. فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الإِْنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا (٢) . الثَّالِثُ: قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: وَكَّلَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَل يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأََرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ . فَقَال: أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ. قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَال: إِذَا آوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣) . . . حَتَّى خَتَمَ الآْيَةَ فَإِنَّهُ لَنْ يَزَال عَلَيْكَ حَافِظٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : مَا فَعَل أَسِيرُكَ اللَّيْلَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ عَلَّمَنِي شَيْئًا زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْفَعُنِي بِهِ. قَال: وَمَا هُوَ؟ قَال: أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ إِذَا آوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي، زَعَمَ أَنَّهُ لاَ يَقْرَبُنِي حَتَّى أُصْبِحَ،

стр. 9520

وَلاَ يَزَال عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَافِظٌ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ الشَّيْطَانُ (١) . الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ (٢) . الْخَامِسُ: خَاتِمَةُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَْنْصَارِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ الآْيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ (٣) وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ أَنْزَل مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلاَ يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقَرُّ بِهَا شَيْطَانٌ (٤) .

стр. 9521

السَّادِسُ: أَوَّل سُورَةِ حم الْمُؤْمِنِ (غَافِرٍ) - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١) ، مَعَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ (٢) . السَّابِعُ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ " مِائَةَ مَرَّةٍ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عِدْل عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِل أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٣) . الثَّامِنُ: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَعَنِ

стр. 9522

الْحَارِثِ الأَْشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵇ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَل بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا فَقَال عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَل بِهَا، وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ فَقَال يَحْيَى ﵇: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلأََ الْمَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ. فَقَال: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَل بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ. أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَل مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمِثْل رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَال: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَل وَأَدِّ إِلَيَّ فَكَانَ يَعْمَل وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْصِبُ وَجْهَهُ بِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمِثْل رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يُعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ

стр. 9523

كَمِثْل رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَال: أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيل وَالْكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ. وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَل رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. . . . (١) الْحَدِيثَ. التَّاسِعُ الْوُضُوءُ: وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَحَرَّزُ بِهِ لاَ سِيَّمَا عِنْدَ ثَوَرَانِ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ فَإِنَّهَا نَارٌ تَغْلِي فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَْرْضِ (٢) وَقَال ﷺ : إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ (٣) .

стр. 9524

الْعَاشِرُ: إِمْسَاكُ فُضُول النَّظَرِ وَالْكَلاَمِ وَالطَّعَامِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ هَذِهِ الأَْبْوَابِ الأَْرْبَعَةِ، (١) فَفِي مُسْنَدِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ لَهُ حَلاَوَةً فِي قَلْبِهِ (٢) . وَزَادَ الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ الأَْذَانَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُهَيْل بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَال: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ وَمَعِي غُلاَمٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَِبِي، فَقَال: لَوْ شَعَرْتَ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلاَةِ. فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ (٣) كَمَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْقُرْآنِ

стр. 9525

يَعْصِمُ مِنَ الشَّيَاطِينِ. (١) قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٢) .
следующие страницы →