Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
السَّادِسُ: أَوَّل سُورَةِ حم الْمُؤْمِنِ (غَافِرٍ) - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١) ، مَعَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَرَأَ حم الْمُؤْمِنِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبِحَ (٢) .
السَّابِعُ: " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ " مِائَةَ مَرَّةٍ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عِدْل عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِل أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٣) .
الثَّامِنُ: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَعَنِ стр. 9522
الْحَارِثِ الأَْشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵇ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَل بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا فَقَال عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَل بِهَا، وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ فَقَال يَحْيَى ﵇: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلأََ الْمَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ. فَقَال: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَل بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ. أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَل مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمِثْل رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَال: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَل وَأَدِّ إِلَيَّ فَكَانَ يَعْمَل وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْصِبُ وَجْهَهُ بِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمِثْل رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يُعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ
стр. 9523
كَمِثْل رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَال: أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيل وَالْكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ. وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَل رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. . . . (١) الْحَدِيثَ.
التَّاسِعُ الْوُضُوءُ: وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَحَرَّزُ بِهِ لاَ سِيَّمَا عِنْدَ ثَوَرَانِ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ فَإِنَّهَا نَارٌ تَغْلِي فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَْرْضِ (٢) وَقَال ﷺ : إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ (٣) . стр. 9524
الْعَاشِرُ: إِمْسَاكُ فُضُول النَّظَرِ وَالْكَلاَمِ وَالطَّعَامِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ابْنِ آدَمَ مِنْ هَذِهِ الأَْبْوَابِ الأَْرْبَعَةِ، (١) فَفِي مُسْنَدِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ لَهُ حَلاَوَةً فِي قَلْبِهِ (٢) .
وَزَادَ الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ الأَْذَانَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُهَيْل بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ قَال: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ وَمَعِي غُلاَمٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَِبِي، فَقَال: لَوْ شَعَرْتَ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلاَةِ. فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ (٣) كَمَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْقُرْآنِ стр. 9525
يَعْصِمُ مِنَ الشَّيَاطِينِ. (١) قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٢) . стр. 9526
جُنُونٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجُنُونُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ جُنَّ الرَّجُل بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُول، فَهُوَ مَجْنُونٌ: أَيْ زَال عَقْلُهُ أَوْ فَسَدَ، أَوْ دَخَلَتْهُ الْجِنُّ، وَجَنَّ الشَّيْءَ عَلَيْهِ: سَتَرَهُ. (١)
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا:
أَنَّهُ اخْتِلاَل الْعَقْل بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال عَلَى نَهْجِهِ إِلاَّ نَادِرًا. (٢)
وَقِيل: الْجُنُونُ اخْتِلاَل الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الأَْشْيَاءِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ بِأَنْ لاَ تَظْهَرَ آثَارُهَا، وَأَنْ تَتَعَطَّل أَفْعَالُهَا. (٣)
وَعَرَّفَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ بِأَنَّهُ: اخْتِلاَل الْقُوَّةِ الَّتِي بِهَا إِدْرَاكُ الْكُلِّيَّاتِ. (٤) стр. 9527
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّهَشُ:
٢ - الدَّهَشُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ دَهِشَ، يُقَال دَهِشَ الرَّجُل أَيْ تَحَيَّرَ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ ذَهْلٍ أَوْ وَلَهٍ، وَدُهِشَ أَيْضًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَهُوَ مَدْهُوشٌ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَهُمْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْمُتَحَيِّرِ وَعَلَى ذَاهِبِ الْعَقْل، وَقَدْ جَعَل الْحَنَفِيَّةُ الْمَدْهُوشَ الَّذِي ذَهَبَ عَقْلُهُ دَاخِلاً فِي الْمَجْنُونِ. (٢)
ب - الْعَتَهُ:
٣ - الْعَتَهُ فِي اللُّغَةِ: نُقْصَانُ الْعَقْل مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهَشٍ. (٣) وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ آفَةٌ تُوجِبُ خَلَلاً فِي الْعَقْل فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ مُخْتَلِطَ الْكَلاَمِ، فَيُشْبِهُ بَعْضُ كَلاَمِهِ كَلاَمَ الْعُقَلاَءِ، وَبَعْضُهُ كَلاَمَ الْمَجَانِينِ، وَكَذَا سَائِرُ أُمُورِهِ. (٤)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، أَنَّ الْمَعْتُوهَ قَلِيل الْفَهْمِ مُخْتَلِطُ الْكَلاَمِ، فَاسِدُ التَّدْبِيرِ، لَكِنْ لاَ يَضْرِبُ وَلاَ يَشْتُمُ بِخِلاَفِ الْمَجْنُونِ.
وَصَرَّحَ الأُْصُولِيُّونَ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَعْتُوهِ حُكْمُ стр. 9528
الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، إِلاَّ أَنَّ الدَّبُوسِيَّ قَال: تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ احْتِيَاطًا، وَقَال صَدْرُ الإِْسْلاَمِ: إِنَّ الْعَتَهَ نَوْعُ جُنُونٍ فَيَمْنَعُ أَدَاءَ الْحُقُوقِ جَمِيعًا (١) .
ج - السَّفَهُ:
٤ - السَّفَهُ لُغَةً: نَقْصٌ فِي الْعَقْل، وَأَصْلُهُ الْخِفَّةُ وَالتَّحَرُّكُ، يُقَال: تَسَفَّهَتِ الرِّيَاحُ الثَّوْبَ: إِذَا اسْتَخَفَّتْهُ، وَحَرَّكَتْهُ، وَمِنْهُ زِمَامٌ سَفِيهٌ أَيْ خَفِيفٌ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: خِفَّةٌ تَبْعَثُ الإِْنْسَانَ عَلَى الْعَمَل فِي مَالِهِ بِخِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْل وَالشَّرْعِ مَعَ قِيَامِ الْعَقْل حَقِيقَةً. قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَالسَّفَهُ لاَ يُوجِبُ خَلَلاً، وَلاَ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ (٢) .
وَقِيل السَّفَهُ صِفَةٌ لاَ يَكُونُ الشَّخْصُ مَعَهَا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَأَنْ يَبْلُغَ مُبَذِّرًا يُضَيِّعُ الْمَال فِي غَيْرِ وَجْهِهِ الْجَائِزِ، وَأَمَّا عُرْفًا: فَهُوَ بَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَالنُّطْقُ بِمَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ. (٣)
وَفِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل: السَّفِيهُ: الْبَالِغُ الْعَاقِل الَّذِي لاَ يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَال فَهُوَ خِلاَفُ الرَّشِيدِ. (٤) стр. 9529
د - السُّكْرُ:
٥ - اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ السُّكْرِ:
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: السُّكْرُ نَشْوَةٌ تُزِيل الْعَقْل، فَلاَ يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنَ الأَْرْضِ، وَلاَ الرَّجُل مِنَ الْمَرْأَةِ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ تَعْرِيفَ السُّكْرِ بِمَا مَرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ، وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ فَهُوَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ كُلِّهِمْ: اخْتِلاَطُ الْكَلاَمِ وَالْهَذَيَانُ. (١) وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا تَعْرِيفُ الشَّافِعِيِّ لِلسَّكْرَانِ: بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَطَ كَلاَمُهُ الْمَنْظُومُ، وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ. (٢)
وَقَال ابْنُ سُرَيْجٍ: الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِذَا انْتَهَى تَغَيُّرُهُ إِلَى حَالَةٍ يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهَا عَادَةً اسْمُ السَّكْرَانِ، فَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّكْرَانِ، قَال الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الأَْقْرَبُ. (٣)
وَقِيل: السُّكْرُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلإِْنْسَانِ مِنِ امْتِلاَءِ دِمَاغِهِ مِنَ الأَْبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، فَيَتَعَطَّل مَعَهُ الْعَقْل الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الأُْمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ. (٤) стр. 9530
هـ - الصَّرْعُ:
٦ - الصَّرْعُ لُغَةً: عِلَّةٌ تَمْنَعُ الدِّمَاغَ مِنْ فِعْلِهِ مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ، فَتَتَشَنَّجُ الأَْعْضَاءُ.
أَقْسَامُ الْجُنُونِ:
٧ - جَاءَ فِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ: الْجُنُونُ يَكُونُ أَصْلِيًّا إِذَا كَانَ لِنُقْصَانٍ جُبِل عَلَيْهِ دِمَاغُهُ وَطُبِعَ عَلَيْهِ فِي أَصْل الْخِلْقَةِ فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَبُول مَا أُعِدَّ لِقَبُولِهِ مِنَ الْعَقْل، وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا لاَ يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَيَكُونُ عَارِضًا: إِذَا زَال الاِعْتِدَال الْحَاصِل لِلدِّمَاغِ خِلْقَةً إِلَى رُطُوبَةٍ مُفْرِطَةٍ، أَوْ يُبُوسَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْعِلاَجِ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَْدْوِيَةِ. (١) وَالْجُنُونُ الأَْصْلِيُّ لاَ يُفَارِقُ الْعَارِضَ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَْحْكَامِ. (٢)
٨ - وَيَنْقَسِمُ الْجُنُونُ أَيْضًا إِلَى مُطْبِقٍ وَغَيْرِ مُطْبِقٍ:
وَالْمُرَادُ بِالْمُطْبِقِ الْمُلاَزِمُ الْمُمْتَدُّ. وَالاِمْتِدَادُ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ عَامٌّ بَل يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَال: إِنَّ قَدْرَ الاِمْتِدَادِ الْمُسْقِطِ فِي الصَّلَوَاتِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبِصَيْرُورَتِهَا سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَفِي الصَّوْمِ بِاسْتِغْرَاقِ الشَّهْرِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَفِي الزَّكَاةِ стр. 9531
بِاسْتِغْرَاقِ الْحَوْل كُلِّهِ فِي الأَْصَحِّ، وَغَيْرُ الْمُمْتَدِّ مَا كَانَ أَقَل مِنْ ذَلِكَ.
فَالْجُنُونُ إِنْ كَانَ مُمْتَدًّا سَقَطَ مَعَهُ وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ فَلاَ تُشْغَل بِهَا ذِمَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ وَهُوَ طَارِئٌ لَمْ يَمْنَعِ التَّكْلِيفَ وَلاَ يَنْفِي أَصْل الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ بِالذِّمَّةِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ، وَلِذَلِكَ يَرِثُ وَيَمْلِكُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَدٍّ، وَكَانَ أَصْلِيًّا فَحُكْمُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حُكْمُ الْمُمْتَدِّ؛ لأَِنَّهُ نَاطَ الإِْسْقَاطَ بِالْكُل مِنَ الاِمْتِدَادِ وَالأَْصَالَةِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّارِئِ فَيُنَاطُ الإِْسْقَاطُ بِالاِمْتِدَادِ (١) .
أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الأَْهْلِيَّةِ:
٩ - الْجُنُونُ مِنْ عَوَارِضِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ وَهُوَ يُزِيلُهَا مِنْ أَصْلِهَا، فَلاَ تَتَرَتَّبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ آثَارُهَا الشَّرْعِيَّةُ؛ لأَِنَّ أَسَاسَ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي الإِْنْسَانِ التَّمْيِيزُ وَالْعَقْل، وَالْمَجْنُونُ عَدِيمُ الْعَقْل وَالتَّمْيِيزِ.
وَلاَ يُؤَثِّرُ الْجُنُونُ فِي أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِكُل إِنْسَانٍ، فَكُل إِنْسَانٍ أَيًّا كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلْوُجُوبِ هِيَ حَيَاتُهُ الإِْنْسَانِيَّةُ.
وَمَا وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ بِمُقْتَضَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَاجِبَاتٍ مَالِيَّةٍ يُؤَدِّيهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ. стр. 9532
فَإِذَا جَنَى عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ يُؤَاخَذُ مَالِيًّا لاَ بَدَنِيًّا، فَفِي الْقَتْل يَضْمَنُ دِيَةَ الْقَتِيل وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: " عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ " وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَال الْغَيْرِ. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ:
أ - فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ:
١٠ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ. (٢) كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ كُل مَا يُبْطِل الْوُضُوءَ يُبْطِل التَّيَمُّمَ أَيْضًا. (٣)
ب - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي سُقُوطِ الصَّلاَةِ:
١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَجْنُونَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِأَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي حَال جُنُونِهِ، فَلاَ تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى مَجْنُونٍ لاَ يُفِيقُ؛ لأَِنَّ أَهْلِيَّةَ الأَْدَاءِ تَفُوتُ بِزَوَال الْعَقْل. (٤) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا стр. 9533
مَرْفُوعًا: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ مَا عَدَا مُحَمَّدًا إِلَى أَنَّ مَنْ جُنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ أَفَاقَ قَضَى الْخَمْسَ، وَإِنْ زَادَ الْجُنُونُ وَقْتَ صَلاَةٍ سَادِسَةٍ لاَ يَقْضِي؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَدْخُل فِي التَّكْرَارِ فَسَقَطَ الْقَضَاءُ لِلْحَرَجِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَسْقُطُ الْقَضَاءُ إِذَا صَارَتِ الصَّلَوَاتُ سِتًّا وَدَخَل فِي السَّابِعَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَحْصُل بِهِ التَّكْرَارُ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَأَقَامَا الْوَقْتَ فِي دُخُول الصَّلَوَاتِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ مَقَامَ الصَّلاَةِ تَيْسِيرًا، فَتُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ بِالسَّاعَاتِ. (٢)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْجُنُونَ إِذَا ارْتَفَعَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ أَقَل مِنْ رَكْعَةٍ سَقَطَتِ الصَّلاَتَانِ، هَذَا إِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ стр. 9534
الصَّلاَتَيْنِ. (١) وَإِنْ بَقِيَ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ إِلَى تَمَامِ صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَتِ الأَْخِيرَةُ وَسَقَطَتِ الأُْولَى، وَإِنْ بَقِيَ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاَةِ الأُْخْرَى وَجَبَتِ الصَّلاَتَانِ، وَإِنِ ارْتَفَعَ فِي وَقْتٍ مُخْتَصٍّ بِصَلاَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَتِ الْمُخْتَصَّةُ بِالْوَقْتِ. (٢)
وَقَدْ فَصَّل الشَّافِعِيَّةُ الْكَلاَمَ فَقَالُوا: الْجُنُونُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الصَّلاَةِ وَلَهُ ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:
١ - لاَ تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ الصَّلاَةُ وَلاَ قَضَاؤُهَا إِذَا اسْتَغْرَقَ الْوَقْتَ جَمِيعًا، قَل الْجُنُونُ أَوْ كَثُرَ.
٢ - أَنْ يُوجَدَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، وَيَخْلُوَ آخِرَهُ: فَيُنْظَرُ إِنْ بَقِيَ الْوَقْتُ قَدْرَ رَكْعَةٍ، وَامْتَدَّتِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْجُنُونِ قَدْرَ إِمْكَانِ الطَّهَارَةِ، وَتِلْكَ الصَّلاَةُ، لَزِمَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ.
٣ - أَنْ يَخْلُوَ أَوَّل الْوَقْتِ أَوْ أَوْسَطَهُ عَنِ الْجُنُونِ ثُمَّ يَطْرَأَ، فَفِي الْقَدْرِ الْمَاضِي مِنَ الْوَقْتِ: إِنْ كَانَ قَدْرًا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلاَةَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلاً: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ إِذَا أَدْرَكَ جَمِيعَ الْوَقْتِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاضِي стр. 9535
مِنَ الْوَقْتِ لاَ يَسَعُ تِلْكَ الصَّلاَةَ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ. (١)
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَلاَ يَقْضِي الْمَجْنُونُ الصَّلاَةَ إِذَا أَفَاقَ لِعَدَمِ لُزُومِهَا لَهُ، إِلاَّ أَنْ يُفِيقَ فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ فَيَصِيرُ كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ. . . (٢) الْحَدِيثَ وَلأَِنَّ مُدَّتَهُ تَطُول غَالِبًا، فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ يَشُقُّ فَعُفِيَ عَنْهُ. (٣)
ج - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الصَّوْمِ:
١٢ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ مُسْقِطٌ لِلصَّوْمِ إِذَا كَانَ مُطْبِقًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَمْتَدَّ إِلَى أَنْ يَسْتَغْرِقَ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الشَّهْرَ، وَهُوَ السَّبَبُ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ، وَلِذَا فَلاَ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْمَجْنُونِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ سَوَاءٌ أَفَاقَ لَيْلاً أَمْ نَهَارًا؛ لأَِنَّهُ شَهِدَ الشَّهْرَ، إِذِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. . .﴾ (٤) شُهُودُ بَعْضِهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ أَرَادَ стр. 9536
شُهُودَ كُلِّهِ لَوَقَعَ الصَّوْمُ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ خِلاَفُ الإِْجْمَاعِ. قَال فِي شَرْحِ كَشْفِ الأَْسْرَارِ: ذَكَرَ فِي الْكَامِل نَقْلاً عَنْ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ، إِنَّهُ إِنْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مَجْنُونًا، وَاسْتَوْعَبَ الْجُنُونُ بَاقِيَ الشَّهْرِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّ اللَّيْل لاَ يُصَامُ فِيهِ، فَكَانَ الْجُنُونُ وَالإِْفَاقَةُ فِيهِ سَوَاءً، وَكَذَا لَوْ أَفَاقَ فِي لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا.
وَفَرَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي حُكْمِ الْجُنُونِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ أَصْلِيًّا وَمَا إِذَا كَانَ عَارِضًا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الشُّرُنْبُلاَلِيَّةِ: لَيْسَ عَلَى الْمَجْنُونِ الأَْصْلِيِّ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنَ الأَْيَّامِ قَبْل إِفَاقَتِهِ فِي الأَْصَحِّ.
وَخُلاَصَةُ الْقَوْل: أَنَّهُ إِذَا اسْتَوْعَبَ الْجُنُونُ الشَّهْرَ كُلَّهُ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ بِلاَ خِلاَفٍ مُطْلَقًا، وَإِلاَّ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَذْكُورُ. (١)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمَجْنُونَ لاَ يَصِحُّ صَوْمُهُ وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ، وَقِيل: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا كَثُرَ مِنَ السِّنِينَ.
وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ عِنْدَهُمْ وَهُوَ: أَنَّهُ إِنْ بَلَغَ مَجْنُونًا لَمْ يَقْضِ بِخِلاَفِ مَنْ بَلَغَ صَحِيحًا ثُمَّ جُنَّ. (٢) стр. 9537
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ لَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى كَالصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ، أَوِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ فِي خِلاَل الشَّهْرِ. (١)
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجُنُونَ حُكْمُهُ حُكْمُ الإِْغْمَاءِ، أَيْ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ. (٢)
د - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الْحَجِّ:
١٣ - الْجُنُونُ كَمَا سَبَقَ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ، فَالْمَجْنُونُ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ أَدَاءُ أَفْعَال الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَهُوَ مَجْنُونٌ وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا لَمْ يُجْزِئْهُ، ثُمَّ الْعَقْل شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يُحْرِمَ الْوَلِيُّ عَنِ الْمَجْنُونِ، وَلَكِنْ لَوْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَجْنُونِ قَبْل طُرُوَّ جُنُونِهِ صَحَّ الإِْحْجَاجُ عَنْهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَشَرْطُ الصِّحَّةِ الْمُطْلَقَةِ الإِْسْلاَمُ وَلَيْسَ الْعَقْل، فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الْمَجْنُونِ. (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) . стр. 9538
هـ - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الزَّكَاةِ:
١٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَال الْمَجْنُونِ وَيُخْرِجُهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ، أَخْرَجَ الْمَجْنُونُ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ زَكَاةَ مَا مَضَى، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلاَ يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (١) وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ ﵁، وَإِنَّمَا تَأْكُلُهُ الصَّدَقَةُ بِإِخْرَاجِهَا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إِخْرَاجُهَا إِذَا كَانَتْ وَاجِبَةً؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَال الْيَتِيمِ؛ وَلأَِنَّ الشَّارِعَ جَعَل مِلْكَ النِّصَابِ سَبَبًا فِي الزَّكَاةِ وَالنِّصَابُ مَوْجُودٌ، وَالْخِطَابُ بِإِخْرَاجِهَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَلِيِّ. (٢) وَالْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَجَابِرٌ ﵃، وَبِهِ стр. 9539
قَال جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي مَال. الْمَجْنُونِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْعِبَادَةِ، وَالزَّكَاةُ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ كَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل (١) .
وَقَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ.
وَحَدُّ امْتِدَادِ الْجُنُونِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَسْتَغْرِقَ الْحَوْل، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ امْتِدَادَهُ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ بِأَكْثَرِ السَّنَةِ وَنِصْفِ السَّنَةِ مُلْحَقٌ بِالأَْقَل؛ لأَِنَّ كُل وَقْتِهَا الْحَوْل، إِلاَّ أَنَّهُ مَدِيدٌ جِدًّا، فَقُدِّرَ بِأَكْثَرِ الْحَوْل عَمَلاً بِالتَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ أَكْثَرِ السَّنَةِ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مَجْنُونًا، وَهُوَ مَالِكٌ لِنِصَابٍ فَزَال جُنُونُهُ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْل مِنْ وَقْتِ الْبُلُوغِ وَهُوَ مُفِيقٌ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجُنُونِ الأَْصْلِيِّ وَالْعَارِضِ، وَلاَ تَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، стр. 9540
بَل يَسْتَأْنِفُ الْحَوْل مِنْ وَقْتِ الإِْفَاقَةِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي بَلَغَ الآْنَ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الْجُنُونُ عَارِضًا فَزَال بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، تَجِبُ الزَّكَاةُ بِالإِْجْمَاعِ؛ لأَِنَّهُ زَال قَبْل الاِمْتِدَادِ عِنْدَ الْكُل. (١)
وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحَال، لَكِنَّهُ لاَ يُخْرِجُ حَتَّى يُفِيقَ. (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِفَاقَةٌ) .
أَمَّا زَكَاةُ زَرْعِ الْمَجْنُونِ فَلاَ خِلاَفَ فِي وُجُوبِهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَال مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي مَال الْمَجْنُونِ فَيَضْمَنُهَا الْوَلِيُّ وَالْوَصِيُّ لَوْ أَدَّيَاهَا مِنْ مَالِهِ. (٣)
و أَثَرُ الْجُنُونِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ:
١٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ كَالإِْغْمَاءِ وَالنَّوْمِ، بَل هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمَا فِي فَوَاتِ الاِخْتِيَارِ وَتَبْطُل عِبَارَاتُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ، كَالطَّلاَقِ، وَالإِْسْلاَمِ، стр. 9541
وَالرِّدَّةِ، وَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ، فَبُطْلاَنُهَا بِالْجُنُونِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْمَجْنُونَ عَدِيمُ الْعَقْل وَالتَّمْيِيزِ وَالأَْهْلِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل (١) وَمِثْل ذَلِكَ كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ. (٢)
ز - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ:
١٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ يَصْدُرُ فِي حَال الْجُنُونِ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَالْمَجْنُونُ لاَ تَصِحُّ عُقُودُهُ لِرُجْحَانِ جَانِبِ الضَّرَرِ نَظَرًا إِلَى سَفَهِهِ، وَقِلَّةِ مُبَالاَتِهِ، وَعَدَمِ قَصْدِهِ الْمَصَالِحَ. (٣)
ح - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي التَّبَرُّعَاتِ:
١٧ - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةَ لاَ تَصِحُّ مِنَ الْمَجْنُونِ؛ لأَِنَّ بِالْجُنُونِ تُسْلَبُ الْوِلاَيَاتُ، стр. 9542
وَاعْتِبَارُ الأَْقْوَال، فَلاَ تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلاَ صَدَقَتُهُ، وَلاَ وَقْفُهُ، وَلاَ وَصِيَّتُهُ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَاتِ يُشْتَرَطُ فِيهَا كَمَال الْعَقْل، وَالْمَجْنُونُ مَسْلُوبُ الْعَقْل أَوْ مُخْتَلُّهُ، وَعَدِيمُ التَّمْيِيزِ وَالأَْهْلِيَّةِ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ (١) .
ط - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الْوِلاَيَةِ:
١٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجُنُونَ يُزِيل الْوِلاَيَةَ؛ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ؛ وَلأَِنَّ الْوِلاَيَةَ إِنَّمَا ثَبَتَتْ نَظَرًا لِلْمُولَى عَلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ لاَ عَقْل لَهُ لاَ يُمْكِنُهُ النَّظَرُ، وَأَيْضًا الْمَجْنُونُ لاَ يَلِي نَفْسَهُ، فَلاَ يَلِي غَيْرَهُ بِالأَْوْلَى. (٢)
ي - جُنُونُ الْقَاضِي:
١٩ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ يَصِحُّ قَضَاءُ الْمَجْنُونِ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ وِلاَيَةٌ، وَالْمَجْنُونُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ؛ وَلأَِنَّ بِالْجُنُونِ تُسْلَبُ الْوِلاَيَاتُ وَاعْتِبَارُ الأَْقْوَال، وَكَذَلِكَ إِذَا جُنَّ الْقَاضِي فَيَنْعَزِل وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ. стр. 9543
وَإِذَا زَال الْجُنُونُ لاَ تَعُودُ وِلاَيَتُهُ، إِلاَّ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيَّةِ تَعُودُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ تَوْلِيَتِهِ (١) .
ك - أَثَرُ الْجُنُونِ فِي الْجِنَايَاتِ:
٢٠ - تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُنُونَ عَارِضٌ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ يَطْرَأُ عَلَى الْعَقْل فَيَذْهَبُ بِهِ، وَلِذَلِكَ تَسْقُطُ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ وَالْخِطَابُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَقْل الَّذِي هُوَ وَسِيلَةُ فَهْمِ دَلِيل التَّكْلِيفِ.
فَالْجُنُونُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى حَسَبَ الْبَيَانِ السَّابِقِ، وَلاَ حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ، لأَِنَّهُ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالإِْثْمُ فِي الْمَعَاصِي فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحُقُوقِ الْعِبَادِ كَالضَّمَانِ وَنَحْوِهِ فَلاَ يَسْقُطُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ تَكْلِيفًا لَهُ، بَل هُوَ تَكْلِيفٌ لِلْوَلِيِّ بِأَدَاءِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ الْمُسْتَحَقِّ فِي مَال الْمَجْنُونِ، فَإِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ جَرَائِمُ، أُخِذَ بِهَا مَالِيًّا لاَ بَدَنِيًّا، وَإِذَا أَتْلَفَ مَال إِنْسَانٍ وَهُوَ مَجْنُونٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِذَا قَتَل فَلاَ قِصَاصَ وَتَجِبُ دِيَةُ الْقَتِيل، كَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِحْصَانُ الرَّجْمِ وَالْقَذْفِ إِلاَّ بِالْعَقْل، فَالْمَجْنُونُ لاَ يَكُونُ مُحْصَنًا لأَِنَّهُ لاَ خِطَابَ بِدُونِ الْعَقْل. (٢) стр. 9544
لاَ جِزْيَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ:
٢١ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ جِزْيَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ شُرِعَتْ جَزَاءً عَنِ الْكُفْرِ وَحَمْلاً لِلْكَافِرِ عَلَى الإِْسْلاَمِ، فَتَجْرِي مَجْرَى الْقَتْل، فَمَنْ لاَ يُعَاقَبُ بِالْقَتْل، لاَ يُؤْخَذُ بِالْجِزْيَةِ، وَالْمَجْنُونُ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ. (١) وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (جِزْيَةٌ) .
هَل يُعْتَبَرُ الْجُنُونُ عَيْبًا فِي النِّكَاحِ ؟ :
٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي النِّكَاحِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ فِي كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يُعْتَبَرُ عَيْبًا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ مُطْبِقًا كَانَ أَوْ مُتَقَطِّعًا، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالآْخَرِ جُنُونًا، يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِفَوَاتِ الاِسْتِمْتَاعِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، ثُمَّ اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ كَوْنَ الْجُنُونِ مَوْجُودًا حِينَ عُقِدَ النِّكَاحُ، فَإِنْ حَدَثَ بَعْدَهُ فَلاَ خِيَارَ لِلزَّوْجِ إِنِ ابْتُلِيَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِنِ ابْتُلِيَ الزَّوْجُ بِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الدَّاخِل عَلَى الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِاشْتِرَاطِ стр. 9545
عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْجُنُونِ حَال الْعَقْدِ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ، أَمَّا الْعَالِمُ بِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ. (١)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلزَّوْجِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ لاَ خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ زِيَادٍ، وَأَبِي قِلاَبَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْخَطَّابِيِّ، وَفِي الْمَبْسُوطِ، أَنَّهُ مَذْهَبُ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَيَرَى مُحَمَّدٌ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ؛ لأَِنَّهُ لاَ تَنْتَظِمُ بَيْنَهُمَا الْمَصَالِحُ، فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا بِخِلاَفِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِالطَّلاَقِ. (٢)
طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ:
٢٣ - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةَ لاَ تَصِحُّ مِنَ الْمَجْنُونِ، كَمَا أَنَّ الْعُقُوبَةَ الْبَدَنِيَّةَ تَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوِ الْحَدَّ.
لَكِنْ إِذَا تَصَرَّفَ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ أَثْنَاءَ سَرَيَانِ التَّصَرُّفِ وَمُبَاشَرَتِهِ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ مَثَلاً، أَوْ كَانَ ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، أَوِ الْحَدَّ وَهُوَ стр. 9546
عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ قَبْل الْقِصَاصِ، أَوْ قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ حُكْمِ بَعْضِ الْمَسَائِل.
أَوَّلاً - فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ:
أ - الْوَصِيَّةُ:
٢٤ - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنَ الْمَجْنُونِ ابْتِدَاءً وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. أَمَّا إِذَا أَوْصَى الْعَاقِل ثُمَّ جُنَّ فَقَدْ قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ جَائِزٌ (أَيْ غَيْرُ لاَزِمٍ) كَالْوَكَالَةِ فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الإِْنْشَاءِ كَالْوَكَالَةِ، فَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، وَنَصَّ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ثُمَّ جُنَّ، فَإِنْ أَطْبَقَ الْجُنُونُ حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَطَلَتْ وَإِلاَّ فَلاَ. (١) وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل بِجُنُونِ الْمُوصِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ. فَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنَ الْمَجْنُونِ إِلاَّ حَال إِفَاقَتِهِ. (٢) وَفِي قَوَاعِدِ الأَْحْكَامِ: إِذَا جُنَّ الْمُوجِبُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول بَطَل إِيجَابُهُ بِخِلاَفِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُل بِالْمَوْتِ فَالأَْوْلَى أَنْ لاَ تَبْطُل بِمَا دُونَهُ. (٣)
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ مَنْ كَانَ يُفِيقُ стр. 9547
أَحْيَانًا وَوَصَّى فِي إِفَاقَتِهِ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ. (١)
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصِي.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْوَصِيِّ فَالأَْصْل أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً؛ لأَِنَّ الْمَجْنُونَ لاَ يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَلاَ يَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي شُؤُونِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى. فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَبَرِ لِتَوَافُرِ الْعَقْل فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى الاِتِّجَاهَاتِ التَّالِيَةِ:
أ - يُعْتَبَرُ اشْتِرَاطُ تَوَافُرِ الْعَقْل عِنْدَ الإِْيصَاءِ مِنَ الْمُوصِي وَعِنْدَ مَوْتِهِ دُونَ اعْتِبَارِ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى لَوْ أَوْصَى إِلَى الْعَاقِل ثُمَّ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ فَجُنَّ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَقَبْل الْمَوْتِ ثُمَّ عَادَ فَكَانَ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي عَاقِلاً صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ مَوْجُودٌ حَال الْعَقْدِ وَحَال الْمَوْتِ فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ حَالُهُ؛ وَلأَِنَّ حَال الْعَقْدِ حَال الإِْيجَابِ، وَحَال الْمَوْتِ حَال التَّصَرُّفِ فَاعْتُبِرَ فِيهِمَا. وَهَذَا هُوَ الأَْصْل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
ب - يُعْتَبَرُ اشْتِرَاطُ الْعَقْل فِي الْمُوصَى إِلَيْهِ عِنْدَ الإِْيصَاءِ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ أَيِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ جُنَّ الْمُوصِي بَعْدَ الإِْيصَاءِ إِلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ؛ لأَِنَّ كُل وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ стр. 9548
أَنْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ التَّصَرُّفَ بِأَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي فَاعْتُبِرَتِ الشُّرُوطُ فِي الْجَمِيعِ، وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَاحْتِمَالٌ لِلْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي. (١)
ج - يُعْتَبَرُ اشْتِرَاطُ الْعَقْل عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَقَطْ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى إِلَى مَجْنُونٍ فَأَفَاقَ قَبْل وَفَاةِ الْمُوصِي صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَاعْتُبِرَتِ الشُّرُوطُ عِنْدَهُ كَمَا تُعْتَبَرُ عَدَالَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الأَْدَاءِ، أَوِ الْحُكْمِ دُونَ التَّحَمُّل، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. (٢)
وَإِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الْوَصِيِّ بَعْدَ انْتِقَال الْوِصَايَةِ إِلَيْهِ بِمَوْتِ الْمُوصِي انْعَزَل عَنِ الْوِصَايَةِ فَإِذَا أَفَاقَ فَلاَ تَعُودُ الْوِصَايَةُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ يَنْعَزِل الْوَصِيُّ بِالْجُنُونِ وَلاَ تَعُودُ الْوِلاَيَةُ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ إِلاَّ بِتَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ. وَفِي الْمُغْنِي وَكَشَّافِ الْقِنَاعِ: إِنْ زَالَتِ الْوِصَايَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَانْعَزَل ثُمَّ عَادَتِ الصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ لَمْ تَعُدْ وِصَايَتُهُ؛ لأَِنَّهَا زَالَتْ فَلاَ تَعُودُ إِلاَّ بِعَقْدٍ стр. 9549
جَدِيدٍ، قَال فِي الْكَشَّافِ: إِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ قَال الْمُوصِي مَثَلاً: إِنِ انْعَزَلْتَ لِفَقْدِ صِفَةٍ ثُمَّ عُدْتَ إِلَيْهَا فَأَنْتَ وَصِيِّي.
لَكِنْ فِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ وَشَرْحِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ: إِنْ عَادَ الْوَصِيُّ إِلَى حَالِهِ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ لِزَوَال الْمَانِعِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُفِيدُ بَقَاءَهُ إِنْ لَمْ يُعْزَل قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْخَانِيَّةِ: لَوْ جُنَّ الْوَصِيُّ مُطْبِقًا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُبَدِّلَهُ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَل حَتَّى أَفَاقَ فَهُوَ عَلَى وِصَايَتِهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَنْعَزِل الْوَصِيُّ بِالْجُنُونِ وَيُقِيمُ الْحَاكِمُ غَيْرَهُ مَقَامَهُ. (٢)
ب - طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ:
٢٥ - يُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوِلاَيَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلاَ يَكُونُ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ جُنُونُهُ مُطْبِقًا سُلِبَتْ وِلاَيَتُهُ وَانْتَقَلَتْ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَلاَ يُنْتَظَرُ إِفَاقَتُهُ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهَا مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ الْوِلاَيَةُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، стр. 9550
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الْجُنُونُ غَيْرَ مُطْبِقٍ تَثْبُتُ لَهُ الْوِلاَيَةُ فِي حَال إِفَاقَتِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَدِيمُ زَوَال عَقْلِهِ فَهُوَ كَالإِْغْمَاءِ، فَلاَ تُزَوَّجُ مُوَلِّيَتُهُ بَل تَنْتَظِرُ إِفَاقَتَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تُسْلَبُ وِلاَيَةُ الْمَجْنُونِ وَلَوْ مُطْبِقًا، وَلاَ تُزَوَّجُ ابْنَتُهُ لأَِنَّ بُرْأَهُ مَرْجُوٌّ، قَالَهُ التَّتَائِيُّ.
وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الْجُنُونَ سَالِبٌ لِلْوِلاَيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُطْبِقًا أَمْ مُنْقَطِعًا. (١)
وَلَوْ زَال الْجُنُونُ عَادَتِ الْوِلاَيَةُ لِزَوَال الْمَانِعِ، وَإِنْ زَوَّجَهَا مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ الْوِلاَيَةُ فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: لَوْ زَوَّجَ الأَْبْعَدُ فَادَّعَى الأَْقْرَبُ أَنَّهُ زَوَّجَ بَعْدَ تَأَهُّلِهِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِمَا، وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى قَوْل الزَّوْجَيْنِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لَهُمَا فَلاَ يُقْبَل فِيهِ قَوْل غَيْرِهِمَا، وَجَزَمَ فِيمَا لَوْ زَوَّجَهَا بَعْدَ تَأَهُّل الأَْقْرَبِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يَعْلَمْهُ. (٢)
وَفِي الْمُهَذَّبِ قَال: إِنْ زَوَّجَهَا مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ стр. 9551
الْوِلاَيَةُ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ بِعَوْدَةِ وِلاَيَةِ الأَْوَّل فَفِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَكِيل إِذَا بَاعَ مَا وُكِّل فِي بَيْعِهِ قَبْل أَنْ يَعْلَمَ بِالْعَزْل. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ زَوَّجَ مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ الْوِلاَيَةُ وَكَانَ الأَْقْرَبُ قَدْ صَارَ أَهْلاً بَعْدَ إِفَاقَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَ التَّزْوِيجِ أَنَّهُ صَارَ أَهْلاً وَإِنَّمَا عَلِمَ أَنَّهُ عَادَ أَهْلاً بَعْدَ تَزْوِيجِهَا لَمْ يُعَدِ الْعَقْدُ. وَكَذَا إِنْ زَال الْمَانِعُ وَصَارَ أَهْلاً بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُعَدِ الْعَقْدُ. (٢)
ج - طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى الْحَاضِنِ:
٢٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْحَاضِنِ الْعَقْل فَلاَ حَضَانَةَ لِمَجْنُونٍ، وَإِذَا كَانَ الْحَاضِنُ عَاقِلاً ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ زَالَتْ وِلاَيَةُ الْحَضَانَةِ وَانْتَقَلَتْ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ. وَتَعُودُ الْحَضَانَةُ بِزَوَال الْجُنُونِ لِزَوَال الْمَانِعِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَعُودُ الْحَقُّ بِزَوَال مَانِعِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيل عَدَدِ السَّاقِطِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ كَقَوْلِهِمْ: تَسْقُطُ الْوِلاَيَةُ بِالْجُنُونِ ثُمَّ تَعُودُ بِزَوَال ذَلِكَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. (٣)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (حَضَانَةٌ) . стр. 9552
د - طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ:
٢٧ - إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ زَالَتْ وِلاَيَتُهُ، فَإِذَا زَال الْجُنُونُ وَأَفَاقَ عَادَتْ وِلاَيَتُهُ عَلَى الْوَقْفِ. (١) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (وَقْفٌ) .
هـ - الْوَكَالَةُ:
٢٨ - طُرُوءُ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ عَلَى الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل يُبْطِل عَقْدَ الْوَكَالَةِ؛ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ (غَيْرُ لاَزِمٍ) فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الإِْنْشَاءِ، وَالْوَكَالَةُ تَعْتَمِدُ الْعَقْل فِي الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل، فَإِذَا انْتَفَى الْعَقْل انْتَفَتْ صِحَّةُ الْوَكَالَةِ لاِنْتِفَاءِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ: إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ لاَزِمَةً بِحَيْثُ لاَ يَمْلِكُ الْمُوَكِّل عَزْل الْوَكِيل كَالْعَدْل إِذَا سُلِّطَ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ، وَكَانَ التَّسْلِيطُ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَلاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِجُنُونِ الْمُوَكِّل، وَإِنْ كَانَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا؛ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ مَتَى كَانَتْ لاَزِمَةً بِحَيْثُ لاَ يَقْدِرُ الْمُوَكِّل عَلَى عَزْل الْوَكِيل لاَ يَكُونُ لِبَقَاءِ الْوَكَالَةِ حُكْمُ الإِْنْشَاءِ، وَكَانَ الْوَكِيل فِي هَذِهِ الْوَكَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لاَ стр. 9553
يَمْلِكُ الْمُوَكِّل عَزْلَهُ، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ثُمَّ جُنَّ الْمُمَلَّكُ فَإِنَّهُ لاَ يَبْطُل مِلْكُهُ كَمَا لَوْ مَلَكَ عَيْنًا فَكَذَا إِذَا مَلَكَ التَّصَرُّفَ.
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي: (وَكَالَةٌ) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا: إِذَا أَفَاقَ الْمُوَكِّل بَعْدَ جُنُونِهِ تَعُودُ الْوَكَالَةُ، وَلاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ بِإِفَاقَةِ الْوَكِيل بَعْدَ جُنُونِهِ؛ لأَِنَّ الْجُنُونَ مُبْطِلٌ لِلأَْهْلِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَحْتَمِل الْعَوْدَ إِلاَّ عَلَى سَبِيل النُّدْرَةِ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ بِإِفَاقَةِ أَحَدِهِمَا، فَقَدْ جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِخُرُوجِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِجُنُونٍ وَإِنْ زَال عَنْ قُرْبٍ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَارَنَ مَنْعَ الاِنْعِقَادِ، فَإِذَا طَرَأَ قَطَعَهُ. (٢)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال الدُّسُوقِيُّ: لاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِجُنُونِهِ أَوْ جُنُونِ مُوَكِّلِهِ، إِلاَّ أَنْ يَطُول جُنُونُ الْمُوَكِّل جِدًّا، فَيَنْظُرُ لَهُ الْحَاكِمُ.
وَفِي مِنَحِ الْجَلِيل قَال ابْنُ عَرَفَةَ نَقْلاً عَنِ الْمَازِرِيِّ: جُنُونُ الْوَكِيل لاَ يُوجِبُ عَزْلَهُ إِنْ بَرَأَ، فَكَذَا جُنُونُ الْمُوَكِّل وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ. (٣)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ) .
وَالْكَلاَمُ فِي الْوَكَالَةِ يُعْتَبَرُ مِثَالاً لِلْعُقُودِ الْجَائِزَةِ стр. 9554
كَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهِيَ تَبْطُل بِجُنُونِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَبْطُل الشَّرِكَةُ بِجُنُونِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ جُنُونًا مُطْبِقًا، فَالشَّرِكَةُ قَائِمَةٌ إِلَى أَنْ يَتِمَّ إِطْبَاقُ الْجُنُونِ فَتَنْفَسِخُ، فَإِذَا عَمِل بَعْدَ ذَلِكَ فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْعَامِل وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمُوا عَلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِجُنُونِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل قَالُوا: وَكَذَلِكَ كُل عَقْدٍ جَائِزٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ، وَجَعَالَةٍ، يَبْطُل بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ مِنْ أَحَدِهِمَا. (٢)
وَتُنْظَرُ التَّفْصِيلاَتُ فِي أَبْوَابِهَا.
و طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ:
أ - فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ:
٢٩ - خِيَارُ الْمَجْلِسِ يَجْعَل الْعَقْدَ غَيْرَ لاَزِمٍ إِلَى أَنْ يَتِمَّ التَّفَرُّقُ مِنَ الْمَجْلِسِ أَوْ يَتِمَّ التَّخَايُرُ، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَإِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوِ التَّخَايُرِ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ انْتِقَال الْخِيَارِ إِلَى الْوَلِيِّ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَالْمُوَكَّل عِنْدَ مَوْتِ الْوَكِيل، وَإِلَى السَّيِّدِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ، أَوِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، стр. 9555
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّ الْخِيَارَ يَسْقُطُ؛ لأَِنَّ مُفَارَقَةَ الْعَقْل لَيْسَتْ أَوْلَى مِنْ مُفَارَقَةِ الْمَكَانِ. (١)
وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا فِي الإِْنْصَافِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ لاَ يَقْطَعُ الْخِيَارَ، وَالْمَجْنُونُ عَلَى خِيَارِهِ إِذَا أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِوَلِيِّهِ؛ لأَِنَّ الرَّغْبَةَ فِي الْمَبِيعِ وَعَدَمِهِ، لاَ تُعْلَمُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ. وَقِيل: وَلِيُّهُ أَيْضًا يَلِيهِ فِي حَال جُنُونِهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (٢)
وَيَتَوَجَّهُ كَمَا فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى، أَنَّ انْتِقَال الْخِيَارِ إِلَى الْوَلِيِّ إِنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ، لِلْيَأْسِ مِنْ إِفَاقَتِهِ، قَال: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ. (٣)
ب - فِي خِيَارِ الشَّرْطِ:
٣٠ - فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ، وَيَقُومُ وَلِيُّهُ أَوِ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، فَيَفْعَل مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْفَسْخِ أَوِ الإِْجَازَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ: إِذَا стр. 9556
جُنَّ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَأَقَامَ الْقَاضِي قَيِّمًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْخِيَارِ، فَفَسَخَ الْقَيِّمُ أَوْ أَجَازَ، فَأَفَاقَ الْعَاقِدُ وَادَّعَى أَنَّ الْغِبْطَةَ خِلاَفُ مَا فَعَلَهُ الْقَيِّمُ، قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ وَجَدَ الأَْمْرَ كَمَا يَقُول الْمُفِيقُ مَكَّنَهُ مِنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ، وَنَقَضَ فِعْل الْقَيِّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ادَّعَاهُ الْمُفِيقُ ظَاهِرًا، فَالْقَوْل قَوْل الْقَيِّمِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فَعَلَهُ، إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ الْمُفِيقُ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ. (١)
وَقَدْ فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي طُرُوءِ الْجُنُونِ عَلَى أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، قَالُوا: إِذَا جُنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَعَلِمَ أَنَّهُ لاَ يُفِيقُ أَوْ يُفِيقُ بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ يَضُرُّ الاِنْتِظَارُ إِلَيْهِ بِالْعَاقِدِ الآْخَرِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ أَوْ نَائِبَهُ يَنْظُرُ لَهُ فِي الأَْصْلَحِ مِنْ إِمْضَاءٍ أَوْ رَدٍّ.
أَمَّا إِنْ كَانَ يُفِيقُ بَعْدَ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا بِقُرْبٍ، بِحَيْثُ لاَ يَضُرُّ الصَّبْرُ إِلَيْهِ عَلَى الآْخَرِ فَإِنَّهُ تُنْتَظَرُ إِفَاقَتُهُ وَلاَ يَنْظُرُ السُّلْطَانُ.
وَلَوْ لَمْ يَنْظُرِ السُّلْطَانُ حَتَّى مَضَى يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَزَال الْجُنُونُ احْتَسَبَ مَا مَضَى مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَوْ لَمْ يَنْظُرِ السُّلْطَانُ حَتَّى أَفَاقَ بَعْدَ أَمَدِ الْخِيَارِ لاَ يُسْتَأْنَفُ لَهُ أَجَلٌ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْمَبِيعُ لاَزِمٌ لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ.
وَإِذَا نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي الأَْصْلَحِ مِنَ الإِْمْضَاءِ أَوِ стр. 9557
الرَّدِّ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَلاَ يُعْتَبَرُ اخْتِيَارُهُ بَل مَا نَظَرَهُ السُّلْطَانُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ. (١)
وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ هُوَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي يَنْفُذُ بِهَا الْبَيْعُ إِذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَهُوَ عَلَى جُنُونِهِ.
وَلَوْ أَفَاقَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الطَّوَاوِيسِيِّ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ عَلَى خِيَارِهِ.
وَقَال الإِْسْبِيجَابِيُّ وَشَمْسُ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الأَْصَحُّ أَنَّهُ عَلَى خِيَارِهِ وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْمَأْذُونِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَقَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْجُنُونَ لاَ يُسْقِطُ الْخِيَارَ. (٢)
طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوجِبِ قَبْل الْقَبُول:
٣١ - تَحَدَّثَ الْفُقَهَاءُ عَمَّا لَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الْمُوجِبِ فِي الْعَقْدِ قَبْل قَبُول الطَّرَفِ الآْخَرِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ جُنَّ الْمُوجِبُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول بَطَل إِيجَابُهُ. (٣)
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ أَوْجَبَ النِّكَاحَ ثُمَّ زَال стр. 9558
عَقْلُهُ بِجُنُونٍ بَطَل حُكْمُ الإِْيجَابِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ بِالْقَبُول بَعْدَهُ. (١)
وَتُنْظَرُ تَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.
طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ حَدٌّ:
أ - فِي الْقِصَاصِ:
٣٢ - لاَ خِلاَفَ أَنَّ مَنْ قَتَل غَيْرَهُ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ (٢) وَلأَِنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ.
أَمَّا مَنِ ارْتَكَبَ جَرِيمَةَ الْقَتْل وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقِصَاصُ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَال جُنُونِهِ سَوَاءٌ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْجِنَايَةُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ؛ لأَِنَّ رُجُوعَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ. (٣)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَهُمْ تَفْصِيلٌ آخَرُ، قَالُوا: إِنْ جُنَّ الْقَاتِل قَبْل الْقَضَاءِ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَقَبْل دَفْعِهِ لِلْوَلِيِّ سَقَطَ الْقِصَاصُ اسْتِحْسَانًا، وَانْقَلَبَ دِيَةً فِي مَالِهِ لِتَمَكُّنِ الْخَلَل فِي الْوُجُوبِ، وَإِنْ جُنَّ بَعْدَ دَفْعِهِ لأَِوْلِيَاءِ الْقَتِيل فَلَهُمْ قَتْلُهُ؛ стр. 9559
لأَِنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُخَاطَبًا حَال الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ بِالْقَضَاءِ وَيَتِمُّ بِالدَّفْعِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيل، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ جُنُونُهُ مُطْبِقًا، أَمَّا مَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي إِفَاقَتِهِ. (١)
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْمَالِكِيَّةِ: فَعِنْدَ مَالِكٍ يُنْتَظَرُ إِفَاقَةُ الْمَجْنُونِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ حَال إِفَاقَتِهِ. قَال ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِنْ أَيِسَ مِنْ إِفَاقَتِهِ كَانَتِ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلاَ يُقْتَل وَهُوَ مَجْنُونٌ، وَقَال الْمُغِيرَةُ: يُسَلَّمُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا عَنْهُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُ الدِّيَةَ، وَقَال اللَّخْمِيُّ: أَرَى أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلاَّ اتَّبَعُوهُ بِهَا.
وَلَوْ أَشْكَل عَلَى الْبَيِّنَةِ أَقَتَل فِي حَال عَقْلِهِ أَوْ جُنُونِهِ، فَقَال بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لأَِنَّهُ شَكَّ فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَتَل حَال كَوْنِهِ فِي عَقْلِهِ. (٢)
ب - فِي الْحُدُودِ:
٣٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - بِالنِّسْبَةِ لِحَدِّ الرِّدَّةِ - عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ، فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ стр. 9560
حَال جُنُونِهِ، بَل يُنْتَظَرُ حَتَّى يُفِيقَ وَيُسْتَتَابَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَعْقِل وَيَعُودُ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ وَلأَِنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَل بِالإِْصْرَارِ عَلَى الرِّدَّةِ، وَالْمَجْنُونُ لاَ يُوصَفُ بِالإِْصْرَارِ وَلاَ يُمْكِنُ اسْتِتَابَتُهُ.
هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مَنِ ارْتَدَّ وَاسْتُتِيبَ فَلَمْ يَتُبْ ثُمَّ جُنَّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ حَال جُنُونِهِ، وَلَمْ أَعْثُرْ عَلَى مِثْل هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَوَاعِدُهُمْ لاَ تَأْبَاهُ؛ لأَِنَّ الْغَايَةَ مِنِ انْتِظَارِ إِفَاقَتِهِ هِيَ الاِسْتِتَابَةُ وَقَدْ حَصَلَتْ. (١)
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيِّنٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ، وَبَيْنَ مَا يَثْبُتُ بِالإِْقْرَارِ وَمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: مَنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ جُنَّ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ احْتِيَاطًا؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَرْجِعُ عَنِ الإِْقْرَارِ، فَلَوِ اسْتُوْفِيَ مِنْهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَقَرَّ بِقَذْفٍ ثُمَّ جُنَّ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِي جُنُونِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ. (٢)
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَال جُنُونِهِ؛ لأَِنَّ следующие страницы →