← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوِ الْقِتَال (١) . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الأَْحْزَابِ فَقَال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (٢) ﴾ . ج - إِذَا اسْتَنْفَرَ الإِْمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ مَعَهُ إِلاَّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ قَاطِعٌ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيل لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣) ﴾ . وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا (٤) وَذَلِكَ لأَِنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إِلَى الإِْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ (٥) .

стр. 9592

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الإِْمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَال أَوِ امْرَأَةٍ، وَتَعْيِينُ الإِْمَامِ إِلْجَاؤُهُ إِلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلاَحُ حَالِهِ، لاَ بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، فَلاَ يُقَال: إِنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلإِْجْمَاعِ (١) . حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الْجِهَادِ: ١٠ - الْقَصْدُ مِنَ الْجِهَادِ دَعْوَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الإِْسْلاَمِ، أَوِ الدُّخُول فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ، وَبِذَلِكَ يَنْتَهِي تَعَرُّضُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاعْتِدَاؤُهُمْ عَلَى بِلاَدِهِمْ، وَوُقُوفُهُمْ فِي طَرِيقِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَيَنْقَطِعُ دَابِرُ الْفَسَادِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (٢) ﴾ . وَقَال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣) ﴾ . وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسِيرَتُهُ، وَسِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَتَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ وَهِيَ:

стр. 9593

قَبُول الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ، أَوِ الْبَقَاءُ عَلَى دِينِهِمْ مَعَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، فَالْقِتَال. وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (جِزْيَةٌ، وَأَهْل الذِّمَّةِ) . الاِسْتِئْذَانُ فِي الْجِهَادِ: أ - إِذْنُ الْوَالِدَيْنِ: ١١ - لاَ يَجُوزُ الْجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، أَوْ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ الآْخَرُ كَافِرًا، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَ، كَأَنْ يَنْزِل الْعَدُوُّ بِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَفَرْضٌ عَلَى كُل مَنْ يُمْكِنُهُ إِعَانَتُهُمْ أَنْ يَقْصِدَهُمْ مُغِيثًا لَهُمْ، أَذِنَ الأَْبَوَانِ أَمْ لَمْ يَأْذَنَا، إِلاَّ أَنْ يَضِيعَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ تَرْكُ مَنْ يَضِيعُ مِنْهُمَا؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَال ﵊: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ (١) . فَدَل عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ. وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَبِرُّ

стр. 9594

الْوَالِدَيْنِ فَرْضٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي، فَقَال: " أَطِعْ أَبَوَيْكَ فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ ". وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ أَهْل الْعِلْمِ (١) . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ (٢) . وَلأَِنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْجِهَادِ لِمَظِنَّتِهِ قَصْدَ تَوْهِينِ الإِْسْلاَمِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ

стр. 9595

أَوْ أَحَدِهِمَا إِذَا كَرِهَ خُرُوجَهُ مَخَافَةً وَمَشَقَّةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِ فَلاَ يُطِيعُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. إِذْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إِلَى خِدْمَتِهِ فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَافِرًا، وَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ تَرْكُ فَرْضِ عَيْنٍ لِيُتَوَصَّل إِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ (١) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ وَلَهُ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا كَأَبَوَيْنِ فِي الْبِرِّ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ جَدُّهُ لأَِبِيهِ وَجَدَّتُهُ لأُِمِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَبُو الأُْمِّ وَأُمُّ الأَْبِ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِخُرُوجِهِ؛ لِقِيَامِ أَبِي الأَْبِ وَأُمِّ الأُْمِّ مَقَامَ الأَْبِ وَالأُْمِّ عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وَالآْخَرَانِ كَبَاقِي الأَْجَانِبِ إِلاَّ إِذَا عُدِمَ الأَْوَّلاَنِ (٢) . وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوْ أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْجَدِّ مَعَ الأَْبِ، وَاسْتِئْذَانُ الْجَدَّةِ مَعَ الأُْمِّ، لأَِنَّ وُجُودَ الأَْبَوَيْنِ لاَ يُسْقِطُ بِرَّ الْجَدَّيْنِ، وَلاَ يُنْقِصُ شَفَقَتَهُمَا عَلَيْهِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ؛ لأَِنَّ الأَْبَ وَالأُْمَّ يَحْجُبَانِ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ عَنِ الْوِلاَيَةِ وَالْحَضَانَةِ (٣) .

стр. 9596

وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُ الأَْبَوَيْنِ فِي الْجِهَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، وَلَكِنْ إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَلاَ إِذْنَ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلاَ طَاعَةَ لأَِحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قَال الأَْوْزَاعِيُّ: لاَ طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ الْفَرَائِضِ، وَالْجُمَعِ، وَالْحَجِّ، وَالْقِتَال؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ الأَْبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلاَةِ (١) . الرُّجُوعُ عَنِ الإِْذْنِ: ١٢ - مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ بِإِذْنِ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنِ الإِْذْنِ، أَوْ كَانَ الأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ، فَأَسْلَمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَأْذَنَا، وَعَلِمَ الْمُجَاهِدُ الْحَال، يَلْزَمُهُ الاِنْصِرَافُ إِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَال، وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخَافَ انْكِسَارَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ يَلْزَمُهُ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الاِنْصِرَافُ لِلْخَوْفِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ فِي قَرْيَةٍ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَرْجِعَ الْجَيْشُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الاِنْصِرَافُ. وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَال، قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: يَحْرُمُ الاِنْصِرَافُ، وَتَجِبُ

стр. 9597

الْمُصَابَرَةُ؛ لِعُمُومِ الأَْمْرِ بِالثَّبَاتِ؛ وَلاِنْكِسَارِ الْقُلُوبِ بِانْصِرَافِهِ، وَالثَّانِي: لاَ يَحْرُمُ، بَل يَجِبُ الاِنْصِرَافُ، وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الاِنْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ. وَإِنْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِالْمُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ، وَسَقَطَ الإِْذْنُ؛ لأَِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الأَْبَوَيْنِ (١) . وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَالِدَاهُ فِي الْغَزْوِ وَشَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُقَاتِل، فَحَضَرَ الْقِتَال، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَال وَسَقَطَ شَرْطُهُمَا. وَبِذَلِكَ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لأَِنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا فَحَضَرَ الْقِتَال، ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ (٢) . ب - إِذْنُ الدَّائِنِ: ١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ لِلْجِهَادِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَرِيمِ وَهُوَ الْمُلاَزَمَةُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ الدَّائِنُ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ الإِْقَامَةُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ

стр. 9598

الْبَدْءَ بِالأَْوْجَبِ أَوْلَى، فَإِنْ خَرَجَ فَلاَ بَأْسَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفِيل إِذَا كَانَ بِأَمْرِ الدَّائِنِ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الاِسْتِئْذَانِ، الْكَفِيل بِالْمَال وَالْكَفِيل بِالنَّفْسِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً فَلَهُ الْخُرُوجُ بِلاَ إِذْنٍ إِنْ عَلِمَ بِرُجُوعِهِ قَبْل حُلُولِهِ؛ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الأَْفْضَل الإِْقَامَةُ لِقَضَائِهِ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ فِي الدَّيْنِ الْحَال إِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ بِبَيْعِ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مُؤَجَّلاً وَلاَ يَحِل فِي غَيْبَتِهِ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِ الدَّائِنِ، فَإِنْ حَل فِي غَيْبَتِهِ، وَعِنْدَهُ مَا يُوَفِّي مِنْهُ، وَكُل مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ فِي الدَّيْنِ إِذَا كَانَ حَالًّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا، أَيْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ فِي قَوْلٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا إِذْ لاَ مُطَالَبَةَ فِي الْحَال. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَنْعُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ كَفِيلاً بِالدَّيْنِ. وَالثَّالِثُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، وَقِيل: يَجُوزُ

стр. 9599

لِلدَّائِنِ أَنْ يَمْنَعَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِل قَبْل رُجُوعِهِ (١) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلاً بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلاً أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلاَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيل ﵇ قَال لِي ذَلِكَ (٢) . وَلأَِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ وَالِدَ جَابِرٍ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، بَل مَدَحَهُ، وَقَال: مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ (٣) . وَقَال لاِبْنِهِ جَابِرٍ: أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ، إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا (٤)

стр. 9600

وَلأَِنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ، فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا (١) . وَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ إِذْنَ لِغَرِيمِهِ؛ لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الأَْعْيَانِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْل مِنَ الْمُبَارَزَةِ، وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّل الْمُقَاتِلَةِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ، بَل يَقِفُ وَسَطَ الصَّفِّ أَوْ حَاشِيَتِهِ حِفْظًا لِلدَّيْنِ (٢) . ج - إِذْنُ الإِْمَامِ: ١٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْغَزْوُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ أَوِ الأَْمِيرِ الْمُوَلَّى مِنْ قِبَلِهِ؛ لأَِنَّ الْغَزْوَ عَلَى حَسَبِ حَال الْحَاجَةِ، وَالإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَحْرُمُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ. وَلأَِنَّ أَمْرَ الْحَرْبِ مَوْكُولٌ إِلَى الأَْمِيرِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، وَمَكَامِنِ الْعَدُوِّ وَكَيْدِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إِلَى رَأْيِهِ؛ لأَِنَّهُ أَحْوَطُ

стр. 9601

لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا لَمْ تَجُزِ الْمُبَارَزَةُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَالْغَزْوُ أَوْلَى، إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُونَ تَمَكُّنَهُ، فَلاَ يُمْكِنُهُمُ الاِسْتِئْذَانُ، فَيَسْقُطُ الإِْذْنُ بِاقْتِضَاءِ قِتَالِهِمْ، وَالْخُرُوجُ إِلَيْهِمْ لِحُصُول الْفَسَادِ بِتَرْكِهِمُ انْتِظَارًا لِلإِْذْنِ. وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ صَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَتَبِعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ، وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ (١) . الْجِهَادُ مَعَ الأَْئِمَّةِ: ١٥ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُغْزَى مَعَ أَمِيرِ جَيْشٍ وَلَوْ كَانَ جَائِرًا ارْتِكَابًا لأَِخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؛ وَلأَِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ مَعَهُ سَوْفَ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ الْجِهَادِ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِئْصَالِهِمْ وَظُهُورِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَنُصْرَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ. وَكَذَا مَعَ ظَالِمٍ فِي أَحْكَامِهِ، أَوْ فَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ، لاَ مَعَ غَادِرٍ يَنْقُضُ الْعَهْدَ (٢)

стр. 9602

شُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ: أ - الإِْسْلاَمُ: ١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِهَادِ: الإِْسْلاَمَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ سَائِرِ الْفُرُوعِ؛ وَلأَِنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فِي الْجِهَادِ، وَلاَ يَأْذَنُ لَهُ الإِْمَامُ بِالْخُرُوجِ مَعَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَال لَهُ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَال: لاَ، قَال: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ (١) . وَلأَِنَّ مَا يُخَافُ مِنَ الضَّرَرِ بِحُضُورِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْجَى مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ مَكْرُهُ وَغَائِلَتُهُ؛ لِخُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْحَرْبُ تَقْتَضِي الْمُنَاصَحَةَ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. ب - الْعَقْل: ١٧ - الْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَلاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ. ج - الْبُلُوغُ: ١٨ - لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الصَّبِيِّ غَيْرِ الْبَالِغِ ضَعِيفِ الْبِنْيَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: عُرِضْتُ عَلَى

стр. 9603

رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ (١) . وَقَدْ رَدَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَعَرَّابَةَ بْنَ أَوْسٍ، فَجَعَلَهُمْ حَرَسًا لِلذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ (٢) ، وَلأَِنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ فَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ. د - الذُّكُورَةُ: ١٩ - تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، هَل عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فَقَال: جِهَادٌ لاَ قِتَال فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (٣) .

стр. 9604

وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْجِهَادُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. أَمَّا إِخْرَاجُ النِّسَاءِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ فَيُكْرَهُ فِي سَرِيَّةٍ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ لِلضَّيَاعِ، وَيَمْنَعُهُنَّ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ لِلاِفْتِتَانِ بِهِنَّ، وَلَسْنَ مِنْ أَهْل الْقِتَال لاِسْتِيلاَءِ الْخَوَرِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيَسْتَحِلُّونَ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ امْرَأَةِ الأَْمِيرِ لِحَاجَتِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ طَاعِنَةٍ فِي السِّنِّ لِمَصْلَحَةٍ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُؤْذَنُ لِمِثْلِهِمَا؛ لِمَا رَوَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمَهُمُ الْمَاءَ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ (١) . وَلَكِنْ لاَ بَأْسَ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانُوا عَسْكَرًا عَظِيمًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ السَّلاَمَةُ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقَّقِ. وَلاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا، فَلاَ يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ (٢) .

стр. 9605

هـ - الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤْنَةِ الْجِهَادِ: ٢٠ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيل السِّلاَحِ. وَكَذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ فِي طَرِيقِهِ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (١) ﴾ . فَإِنْ كَانَ الْقِتَال عَلَى بَابِ الْبَلَدِ أَوْ حَوَالَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَسِيلَةٍ تَنْقُلُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٢) ﴾ . وَإِنْ بَذَل لَهُ الإِْمَامُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَسِيلَةِ نَقْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَل وَيُجَاهِدَ؛ لأَِنَّ مَا يُعْطِيهِ الإِْمَامُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنْ بَذَل لَهُ غَيْرُ الإِْمَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ (٣) . و السَّلاَمَةُ مِنَ الضَّرَرِ: ٢١ - لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الْعَاجِزِ غَيْرِ

стр. 9606

الْمُسْتَطِيعِ؛ لأَِنَّ الْعَجْزَ يَنْفِي الْوُجُوبَ، وَالْمُسْتَطِيعُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْمَرَضِ. وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَخْرُجُ الْمَرِيضُ الدَّنَفُ الَّذِي يَمْنَعُهُ مَرَضُهُ مِنَ الرُّكُوبِ أَوِ الْقِتَال، بِأَنْ تَحْصُل لَهُ مَشَقَّةٌ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً. وَلاَ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَرَضِ إِنْ كَانَ يَسِيرًا لاَ يَمْنَعُهُ، كَوَجَعِ ضِرْسٍ، وَصُدَاعٍ خَفِيفٍ، وَنَحْوِهِمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُمَا الْجِهَادُ (١) . وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الْقِتَال فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ إِرْهَابًا (٢) . وَكَالْمَرِيضِ مَنْ لَهُ مَرِيضٌ لاَ مُتَعَهِّدَ لَهُ غَيْرُهُ (٣) . وَلاَ يَخْرُجُ الأَْعْمَى، وَلاَ الأَْعْرَجُ، وَلاَ الْمُقْعَدُ، وَلاَ الأَْقْطَعُ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْذَارَ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (٤) ﴾ . وَقَال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (٥) ﴾ .

стр. 9607

فَأَمَّا الأَْعْمَى فَمَعْرُوفٌ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لِلْقِتَال فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَكَالأَْعْمَى ذُو رَمَدٍ، وَضَعِيفُ بَصَرٍ لاَ يُمْكِنُهُ اتِّقَاءُ السِّلاَحِ، فَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الشَّخْصَ وَمَا يَتَّقِيهِ مِنَ السِّلاَحِ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال. وَيَجِبُ عَلَى الأَْعْوَرِ وَالأَْعْشَى، وَهُوَ الَّذِي يُبْصِرُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْل؛ لأَِنَّهُ كَالْبَصِيرِ فِي الْقِتَال (١) . وَأَمَّا الْعَرَجُ فَالْمَقْصُودُ بِهِ الْعَرَجُ الْفَاحِشُ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْجَيِّدَ وَالرُّكُوبَ كَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ عَرَجٌ بَيِّنٌ، وَلَوْ كَانَ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شِدَّةُ الْعَدُوِّ، فَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْجِهَادِ، لأَِنَّهُ مُمْكِنٌ فَشَابَهَ الأَْعْوَرَ. وَمِثْل الأَْعْرَجِ الأَْقْطَعُ وَالأَْشَل وَلَوْ لِمُعْظَمِ أَصَابِعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ لاَ بَطْشَ لَهُمَا وَلاَ نِكَايَةَ، وَمِثْلُهُمَا فَاقِدُ الأَْنَامِل. وَلاَ تَأْثِيرَ لِقَطْعِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إِذَا أَمْكَنَ مَعَهُ الْمَشْيُ مِنْ غَيْرِ عَرَجٍ بَيِّنٍ (٢) . مَنْ يَمْنَعُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ فِي الْجِهَادِ: ٢٢ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ

стр. 9608

أَوْ نَائِبِهِ مَنْعُ مُخَذِّلٍ وَمُرْجِفٍ مِنَ الْخُرُوجِ وَحُضُورِ الصَّفِّ وَإِخْرَاجِهِ مِنْهُ مَا لَمْ يَخْشَ فِتْنَةً، بَل يُتَّجَهُ وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُول ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّ بَقَاءَهُ مُضِرٌّ بِغَيْرِهِ (١) . وَالْمُخَذِّل مَنْ يَصُدُّ غَيْرَهُ عَنِ الْغَزْوِ وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ مِثْل أَنْ يَقُول: الْحَرُّ أَوِ الْبَرْدُ شَدِيدٌ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَلاَ تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ الْجَيْشِ وَأَشْبَاهُ هَذَا. يَقُول اللَّهُ : ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ (٢) ﴾ . قِيل فِي التَّفْسِيرِ: لأََوْقَعُوا بَيْنَكُمُ الاِخْتِلاَفَ، وَقِيل: لأََسْرَعُوا فِي تَفْرِيقِ جَمْعِكُمْ (٣) . وَالْمُرْجِفُ هُوَ الَّذِي يَقُول: هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا لَهُمْ مَدَدٌ وَلاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ وَنَحْوُ هَذَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيل اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤) ﴾ . وَلاَ يَأْذَنُ لِمَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ، وَإِطْلاَعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ، وَدَلاَلَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ إِيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ، وَلاَ مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ

стр. 9609

الْمُسْلِمِينَ وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ، للآية: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ ؛ وَلأَِنَّ هَؤُلاَءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ (١) . وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلاَءِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ، وَلَمْ يُرْضَخْ، وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَهُ نِفَاقًا وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ أَحَدَ هَؤُلاَءِ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا مَنَعَ خُرُوجَ الْمُخَذِّل، وَالْمُرْجِفِ، وَالْجَاسُوسِ وَنَحْوِهِمْ، تَبَعًا فَمَتْبُوعًا أَوْلَى؛ وَلأَِنَّهُ لاَ تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ (٢) . هَذَا، وَكُل عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ مَنَعَ وُجُوبَ الْجِهَادِ إِلاَّ خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ مَبْنَى الْجِهَادِ عَلَى رُكُوبِ الْمَخَاوِفِ. الْقِتَال عَلَى جُعْلٍ: ٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُ الْجُعْل عَلَى الْجِهَادِ، مَا دَامَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، وَمَال بَيْتِ الْمَال مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الأَْجْرِ عَلَى الطَّاعَةِ حَرَامٌ، فَمَا يُشْبِهُهُ مَكْرُوهٌ.

стр. 9610

وَقَدْ نُقِل عَنْ مَالِكٍ كَرَاهِيَتُهُ الشَّدِيدَةُ لِلْقِتَال عَلَى جُعْلٍ. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ فِي بَيْتِ الْمَال لاَ يُكْرَهُ الْجُعْل لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ الأَْعْلَى - أَيْ تَعَدِّي شَرِّ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ - بِالأَْدْنَى وَهُوَ الْجُعْل قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَيُلْتَزَمُ الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْعَامِّ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَشْتَرِطُونَ فِي جَوَازِ الْجُعْل أَنْ تَكُونَ الْخُرْجَةُ وَاحِدَةً، كَأَنْ يَقُول الْجَاعِل لِلْخَارِجِ عَنْهُ: أُجَاعِلُكَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ بَدَلاً عَنِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَمَّا لَوْ تَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا حَصَل الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ خَرَجَ نَائِبًا عَنْهُ فَلاَ يَجُوزُ لِقُوَّةِ الْغَرَرِ، فَالْمُرَادُ بِالْخُرْجَةِ الْمَرَّةُ مِنَ الْخُرُوجِ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ لَزِمَهُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَخْذُ الْجُعْل. وَإِذَا قَال الْقَاعِدُ لِلْغَازِي، خُذْ هَذَا الْمَال لِتَغْزُوَ بِهِ عَنِّي لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الْجِهَادِ، بِخِلاَفِ قَوْلِهِ: فَاغْزُ بِهِ (١) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُجَاهِدُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بِعِوَضٍ، أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ؛ لأَِنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْقِتَال تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلاَ يُؤَدِّيهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَلاَ يَصِحُّ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ

стр. 9611

لِلْجِهَادِ؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ عَنِ الْمُبَاشِرِ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَمَا يَأْخُذُهُ الْمُجَاهِدُونَ مِنَ الدِّيوَانِ مِنَ الْفَيْءِ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْمُتَطَوِّعُ مِنَ الزَّكَاةِ إِعَانَةٌ لاَ أُجْرَةٌ. وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْغَزْوِ لاَ أُجْرَةَ لَهُ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ اسْتَحَقَّهَا مِنْ خُرُوجِهِ إِلَى حُضُورِهِ الْوَاقِعَةِ (١) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال الْخِرَقِيُّ: إِذَا اسْتَأْجَرَ الأَْمِيرُ قَوْمًا يَغْزُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِمَنَافِعِهِمْ لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ وَأُعْطُوا مَا اسْتُؤْجِرُوا بِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فَقَال فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ: فِي الإِْمَامِ يَسْتَأْجِرُ قَوْمًا يَدْخُل بِهِمْ بِلاَدَ الْعَدُوِّ لاَ يُسْهِمُ لَهُمْ، وَيُوَفِّي لَهُمْ بِمَا اسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ، وَقَال الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ كَالْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ. أَمَّا الرِّجَال الْمُسْلِمُونَ الأَْحْرَارُ فَلاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ الْغَزْوَ يَتَعَيَّنُ بِحُضُورِ الْغَزْوِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الإِْسْلاَمِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل كَلاَمُ أَحْمَدَ

стр. 9612

وَالْخِرَقِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي صِحَّةِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى الْغَزْوِ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لِلْغَازِي أَجْرُهُ وَلِلْجَاعِل أَجْرُهُ (١) . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَثَل الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَأْخُذُونَ الْجُعْل، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، مَثَل أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا (٢) وَلأَِنَّهُ أَمْرٌ لاَ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ فَصَحَّ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَصَحَّ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ، وَيُفَارِقُ الْحَجَّ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْجُعْل عَلَيْهِ تَعْطِيلٌ لَهُ وَمَنْعٌ لَهُ مِمَّا فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَفْعٌ وَبِهِمْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بِخِلاَفِ الْحَجِّ (٣) .

стр. 9613

وَأَمَّا الاِسْتِفَادَةُ مِنَ الْجُعْل عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَازِي أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْجُعْل لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَهَيَّأُ لَهُ الْخُرُوجُ إِلاَّ بِهِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَتْرُكُ لأَِهْلِهِ مِنْهُ شَيْئًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِهِ إِلاَّ أَنْ يَصِل إِلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ فَيَكُونُ كَمَالِهِ، فَيَبْعَثُ إِلَى عِيَالِهِ مِنْهُ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْل الْخُرُوجِ لِئَلاَّ يَتَخَلَّفَ عَنِ الْغَزْوِ، فَلاَ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا أَنْفَقَهُ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلاَحًا أَوْ آلَةً لِلْغَزْوِ (٢) . وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنَ الْمَال يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا فَمَا فَضَل بَعْدَهَا فَهُوَ لَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَعْطَى شَيْئًا فِي الْغَزْوِ يَقُول لِصَاحِبِهِ: إِذَا بَلَغْتَ وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُكَ بِهِ. وَلأَِنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى سَبِيل الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ، لاَ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ، فَكَانَ الْفَاضِل لَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لِيُنْفِقَهُ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا، فَفَضَل مِنْهُ فَضْلٌ، أَنْفَقَهُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى؛ لأَِنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيُنْفِقَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ فَلَزِمَهُ إِنْفَاقُ الْجَمِيعِ فِيهَا (٣) .

стр. 9614

الدَّعْوَةُ قَبْل الْقِتَال ٢٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ فَحَاصَرُوا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا دَعَوُا الْكُفَّارَ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَا قَاتَل النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ لِحُصُول الْمَقْصُودِ، وَقَدْ قَال ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِْسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (١) . وَإِنِ امْتَنَعُوا دَعَوْهُمْ إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقْبَل مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَأَمَّا مَنْ لاَ تُقْبَل مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ فَلاَ فَائِدَةَ فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى قَبُول الْجِزْيَةِ. وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الرِّسَالَةُ لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُمُ الإِْسْلاَمُ قَبْل الْعِلْمِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ، وَلاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَى مَا لاَ يَلْزَمُهُمْ، وَلِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَال: إِذَا لَقِيتَ

стр. 9615

عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوَا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلاَ تَجْعَل لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَل لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْل حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلاَ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ (١) .

стр. 9616

وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي وَصِيَّةِ أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ: فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؛ وَلأَِنَّهُمْ بِالدَّعْوَةِ يَعْلَمُونَ أَنَّا نُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدِّينِ لاَ عَلَى سَلْبِ الأَْمْوَال وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ، فَلَعَلَّهُمْ يُجِيبُونَ فَنُكْفَى مُؤْنَةَ الْقِتَال (١) . قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَدَعْوَةُ الْكُفَّارِ وُجُوبًا إِلَى الإِْسْلاَمِ تَسْتَمِرُّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي كُل يَوْمٍ مَرَّةً، فَإِذَا دُعُوا أَوَّل الثَّالِثِ قُوتِلُوا فِي أَوَّل الرَّابِعِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ لأَِدَاءِ الْجِزْيَةِ وَامْتِنَاعِهِمْ، وَلاَ تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ لِلإِْسْلاَمِ لاَ فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ، وَلاَ فِي أَوَّل الرَّابِعِ. ثُمَّ إِنْ أَبَوْا قَبُول الإِْسْلاَمِ دُعُوا إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّل الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِجْمَالاً، إِلاَّ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ فِيهِ غَدْرُهُمْ لِكَوْنِهِمْ تَنَالُهُمْ فِيهِ أَحْكَامُنَا، وَإِلاَّ بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا أَوْ أَجَابُوا وَلَكِنْ بِمَحَلٍّ لاَ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ، وَلَمْ يَرْتَحِلُوا لِبِلاَدِنَا قُوتِلُوا وَقُتِلُوا (٢) . وَلَوْ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَبْل الدَّعْوَةِ أَثِمُوا لِلنَّهْيِ، وَلاَ يَضْمَنُ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِمَّا أَتْلَفُوهُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالأَْمْوَال عِنْدَ

стр. 9617

الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الإِْثْمِ، وَهَذَا لِعَدَمِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الدِّينُ، أَوِ الإِْحْرَازُ بِالدَّارِ، فَصَارَ كَقَتْل النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ (١) . هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعُوا قَبْل الْقِتَال. أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، فَإِنَّهُ لاَ تَجِبُ دَعْوَتُهُمْ؛ لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إِلاَّ نَادِرٌ بَعِيدٌ. ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ (٢) . قَال أَحْمَدُ: إِنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْ وَانْتَشَرَتْ، وَلَكِنْ إِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ خَلْفَ الرُّومِ وَخَلْفَ التُّرْكِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ قَبْل الدَّعْوَةِ (٣) ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ (٤) . . . الْحَدِيثَ. وَقَال مَالِكٌ: أَمَّا مَنْ قَارَبَ الدُّرُوبَ فَالدَّعْوَةُ

стр. 9618

مَطْرُوحَةٌ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَمِنْ طُول مُعَارَضَتِهِمْ لِلْجُيُوشِ وَمُحَارَبَتِهِمْ لَهُمْ، فَلْتَطْلُبْ غِرَّتَهُمْ. وَلاَ تُحْدِثُ لَهُمُ الدَّعْوَةَ إِلاَّ تَحْذِيرًا وَأَخْذَ عِدَّةٍ لِمُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْعًا لِمَا رَجَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ. قَال مَالِكٌ: إِذَا عَاجَلَكَ أَهْل الْحَرْبِ عَنْ أَنْ تَدْعُوَهُمْ فَقَاتِلْهُمْ، وَسُئِل عَنْ قَوْمٍ أَتَوْا إِلَى قَوْمٍ فِي دِيَارِهِمْ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ. قَال مَالِكٌ: نَاشِدُوهُمْ بِاللَّهِ فَإِنْ أَبَوْا وَإِلاَّ فَالسَّيْفُ (١) . وَقَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لاَ بَأْسَ بِابْتِغَاءِ عَوْرَةِ الْعَدُوِّ لَيْلاً وَنَهَارًا؛ لأَِنَّ دَعْوَةَ الإِْسْلاَمِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى خَيْبَرَ فَقَتَلُوا أَمِيرَهُمُ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ غِيلَةً (٢) ، وَكَذَلِكَ يُفْعَل بِقَوْمٍ إِنْ جَلَسْتَ بِأَرْضِكَ أَتَوْكَ، وَإِنْ سِرْتَ إِلَيْهِمْ قَاتَلُوكَ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَال: إِنْ كَانَ عَدُوٌّ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلاَ أَمْرُ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمُ الإِْسْلاَمُ، وَتَسِيرُ إِلَيْهِمُ الأَْمْثَال، وَتُضْرَبُ لَهُمُ الْعِبَرُ، وَيُتْلَى عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْعُذْرُ فِي دُعَائِهِمْ وَأَبَوْا طُلِبَتْ عَوْرَتُهُمْ، وَالْتُمِسَتْ غَفْلَتُهُمْ، وَكَانَ

стр. 9619

الدُّعَاءُ فِيمَنْ أُعْذِرَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الإِْعْذَارِ تَحْذِيرًا لَهُمْ، وَفِي هَذَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (١) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ قَبْل الْقِتَال يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الأَْمْرِ قَبْل انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ وَظُهُورِ الإِْسْلاَمِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدِ انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنِ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَال. قَال أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو إِلَى الإِْسْلاَمِ قَبْل أَنْ يُحَارِبَ، حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلاَ الإِْسْلاَمُ، وَلاَ أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتِ الدَّعْوَةُ كُل أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ. وَلَكِنْ إِذَا دُعِيَ مَنْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ فَلاَ بَأْسَ (٢) . وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الإِْنْذَارِ لِمَا رَوَى سَهْل بْنُ سَعْدٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِل بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ (٣) ، إِلاَّ إِذَا تَضَمَّنَتْ دَعْوَتُهُمْ ضَرَرًا وَلَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَأَنْ يَسْتَعِدُّوا أَوْ يَتَحَصَّنُوا فَلاَ يَفْعَل.

стр. 9620

وَلَكِنَّ دَعْوَتَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ لأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ (١) ، وَالْغَارَةُ لاَ تَكُونُ بِدَعْوَةٍ (٢) . وَقَيَّدَ ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَاسْتِحْبَابُهَا لِمَنْ بَلَغَتْهُ بِمَا إِذَا قَصَدَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ قَاصِدِينَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَال فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ (٣) . الأَْمَانُ فِي حَال الْقِتَال: ٢٥ - الأَْصْل أَنَّ إِعْطَاءَ الأَْمَانِ لِلْكُفَّارِ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ طَلَبَهُ مُبَاحٌ، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ أَوْ إِخْلاَلٍ بِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ. وَحُكْمُ الأَْمَانِ ثُبُوتُ الأَْمْنِ لِلْكَفَرَةِ عَنِ الْقَتْل وَالسَّبْيِ، وَغَنْمِ أَمْوَالِهِمْ، فَيَحْرُمُ بِوُجُودِ الأَْمَانِ قَتْل رِجَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَاغْتِنَامُ أَمْوَالِهِمْ (٤) .

стр. 9621

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (أَمَانٌ) (وَمُسْتَأْمَنٌ) . الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال الْعَدُوِّ: ٢٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال الْعَدُوِّ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ، وَابْنَ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ الإِْمَامُ حُسْنَ رَأْيِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَأْمَنَ خِيَانَتَهُمْ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكْثُرَ الْمُسْلِمُونَ بِحَيْثُ لَوْ خَانَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ وَانْضَمُّوا إِلَى الَّذِينَ يَغْزُونَهُمْ، أَمْكَنَهُمْ مُقَاوَمَتُهُمْ جَمِيعًا. وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنْ يُخَالِفُوا مُعْتَقَدَ الْعَدُوِّ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ - وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجُوزَجَانِيُّ: لاَ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِمُشْرِكٍ (١) . وَتَفْصِيل الاِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي: (اسْتِعَانَةٌ) وَفِي: (أَهْل الْكِتَابِ) . أَمَّا اسْتِئْجَارُ الْكَافِرِ لِلْجِهَادِ فَقَدْ صَرَّحَ

стр. 9622

الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ، وَمُسْتَأْمَنٍ، وَمُعَاهَدٍ، بَل حَرْبِيٍّ لِلْجِهَادِ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ، حَيْثُ تَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ دُونَ غَيْرِهِ أَيْ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ لاَ يَقَعُ عَنْهُ فَلاَ يَأْخُذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ؛ وَلأَِنَّهُ يُحْتَمَل فِي مُعَاقَدَةِ الْكُفَّارِ مَا لاَ يُحْتَمَل فِي مُعَاقَدَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الإِْمَامِ ذَلِكَ؛ لاِحْتِيَاجِ الْجِهَادِ إِلَى مَزِيدٍ مِنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ (١) . مُحَرَّمَاتُ الْجِهَادِ وَمَكْرُوهَاتُهُ: أ - الْقِتَال فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ: ٢٧ - الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ هِيَ رَجَبٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ. وَكَانَ الْبَدْءُ بِالْقِتَال فِي هَذِهِ الأَْشْهُرِ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مُحَرَّمًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ (٢) ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُل قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ (٣) ﴾ . وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَدْءَ الْقِتَال فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَنَاسِخُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ

стр. 9623

حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (١) ﴾ وَبِغَزْوِهِ ﷺ الطَّائِفَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ: أَنَّهُ لاَ يَزَال مُحَرَّمًا، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلاَّ أَنْ يُغْزَى، فَإِذَا حَضَرَهُ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ (٢) . وَأَمَّا الْقِتَال فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ دَفْعًا فَيَجُوزُ إِجْمَاعًا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ (٣) . ب - مَنْعُ إِخْرَاجِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرْعِ فِي الْجِهَادِ: ٢٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالْغَزْوُ بِهِ، كَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ (٤) ، وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِهِ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ لاِسْتِخْفَافِهِمْ بِهِ

стр. 9624

وَهُوَ حَرَامٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ فَهُوَ حَرَامٌ. وَلَكِنْ لاَ يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُصْحَفِ فِي جَيْشٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ، وَأَقَلُّهُ عِنْدَ الإِْمَامِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَسْكَرُ الْعَظِيمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (١) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ لأَِرْضِهِمْ وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَقَاسَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُصْحَفِ كُتُبَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ (٢) . وَإِذَا دَخَل مُسْلِمٌ إِلَيْهِمْ بِأَمَانٍ جَازَ حَمْل الْمُصْحَفِ مَعَهُ إِذَا كَانُوا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لَهُ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمَانٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِرْسَال الْمُصْحَفِ إِلَيْهِمْ وَلَوْ طَلَبُوهُ لِيَتَدَبَّرُوهُ خَشْيَةَ إِهَانَتِهِمْ لَهُ، وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ الآْيَةُ وَنَحْوُهَا (٣) . ج - مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْجِهَادِ: ٢٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ

стр. 9625

قَتْل النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِل، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُول اللَّهِ ﷺ مَقْتُولَةً، فَنَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (١) . وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَال مُجَاهِدٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلاَ طِفْلاً، وَلاَ امْرَأَةً (٢) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا (٣) ﴾ يَقُول: " لاَ تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ " وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ يُقْتَل كَالْمَرْأَةِ، وَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَال: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل (٤) .

стр. 9626

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (١) ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ (٢) . وَلأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُكَلَّفُونَ فَجَازَ قَتْلُهُمْ كَغَيْرِهِمْ. وَالْخِلاَفُ فِي قَتْل الزَّمِنِ وَالأَْعْمَى وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا كَيَابِسِ الشِّقِّ، وَمَقْطُوعِ الْيُمْنَى، أَوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ خِلاَفٍ، كَالْخِلاَفِ فِي الشَّيْخِ (٣) . وَلاَ يُقْتَل الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ، وَلاَ أَهْل الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لاَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ، فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِ، وَلاَ سَائِحٌ فِي الْجِبَال لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ. وَالَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ، يُقْتَل فِي حَال إِفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل (٤) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يُقْتَل إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَل؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الإِْجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، فَيَكُونُ

стр. 9627

بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ لاَ يُقْتَل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُقَاتِل فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْفَلاَّحُ الَّذِي لاَ يُقَاتِل، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلاَّحِينَ الَّذِينَ لاَ يَنْصِبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ ". وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُقْتَل، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ (١) . وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْل رَسُول الْكُفَّارِ (٢) . وَيَجُوزُ قَتْل مَنْ قَاتَل مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَلَوِ امْرَأَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَل يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً طَرَحَتِ الرَّحَا عَلَى خَلاَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ (٣) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَقَال: مَنْ قَتَل هَذِهِ؟ قَال رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: وَلِمَ؟ قَال: نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي. قَال: فَسَكَتَ (٤) .

стр. 9628

وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَال: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْل الْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ تُقَاتِل (١) . وَكَذَلِكَ يُقْتَل كُلٌّ مِنْ هَؤُلاَءِ إِذَا كَانَ مَلِكًا، أَوْ ذَا رَأْيٍ يُعِينُ فِي الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِل يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لاَ قِتَال فِيهِ، وَكَانُوا خَرَجُوا بِهِ يَتَيَمَّنُونَ بِهِ وَيَسْتَعِينُونَ بِرَأْيِهِ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَهُ (٢) ، وَلأَِنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ فِي الْحَرْبِ. أَمَّا الأَْخْرَسُ وَالأَْصَمُّ، وَأَقْطَعُ الْيَدِ الْيُسْرَى، أَوْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَيُقْتَل؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِل رَاكِبًا (٣) . وَلَوْ قَتَل مَنْ لاَ يَحِل قَتْلُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ، فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالاِسْتِغْفَارُ فَقَطْ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةٍ وَلاَ كَفَّارَةٍ؛ لأَِنَّ دَمَ الْكَافِرِ لاَ يَتَقَوَّمُ إِلاَّ بِالأَْمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ (٤) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (جِزْيَةٌ) . د - قَتْل الْقَرِيبِ: ٣٠ - اخْتَلَفَتِ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي قَتْل الْقَرِيبِ أَثْنَاءَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ:

стр. 9629

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْفَرْعِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَتْل أَصْلِهِ الْمُشْرِكِ، بَل يَشْغَلُهُ بِالْمُحَارَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (١) ﴾ ، وَلأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْيَاؤُهُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ فَيُنَاقِضُهُ الإِْطْلاَقُ فِي إِفْنَائِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُل بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِهِ الْمَأْثَمَ. وَأَمَّا إِنْ قَصَدَ الأَْبُ قَتْلَهُ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ دَفْعَهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ وَهُوَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَلأَِنَّهُ لَوْ شَهَرَ الأَْبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ، وَلاَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، يَقْتُلُهُ، فَهَذَا أَوْلَى (٢) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِغَازٍ أَنْ يَقْتُل قَرِيبَهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَقَتْل قَرِيبٍ مَحْرَمٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً؛ لأَِنَّهُ ﷺ مَنَعَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ قَتْل ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ أُحُدٍ. إِلاَّ أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ يَذْكُرَهُ أَوْ يَذْكُرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ بِسُوءٍ (٣) ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَوْ عَلِمَهُ مِنْهُ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ فِي قَتْلِهِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ أَنْبِيَائِهِ، وَإِلَيْهِ مَال الْحَنَفِيَّةُ

стр. 9630

أَيْضًا؛ لأَِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَل أَبَاهُ، وَقَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : سَمِعْتُهُ يَسُبُّكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ (١) . هـ - الْغَدْرُ، وَالْغُلُول، وَالْمُثْلَةُ: ٣١ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْجِهَادِ الْغَدْرُ وَالْغُلُول، وَالتَّمْثِيل بِالْقَتْلَى، لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا (٢) . وَالْغُلُول فِي الْجِهَادِ الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ بِأَنْ يُخْفِيَ مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ، فَلاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مِمَّا غَنِمَ شَيْئًا، خَيْطًا فَمَا فَوْقَهُ، بَل يَضُمُّهُ إِلَى الْمَغَانِمِ. وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَالسِّلاَحِ، فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ (٣) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (غَنِيمَةٌ) (وَغُلُولٌ) . وَالْغَدْرُ: الْخِيَانَةُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ. وَكُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
следующие страницы →