← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْل الشُّيُوخِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (١) ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ (٢) . وَلأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُكَلَّفُونَ فَجَازَ قَتْلُهُمْ كَغَيْرِهِمْ. وَالْخِلاَفُ فِي قَتْل الزَّمِنِ وَالأَْعْمَى وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا كَيَابِسِ الشِّقِّ، وَمَقْطُوعِ الْيُمْنَى، أَوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ خِلاَفٍ، كَالْخِلاَفِ فِي الشَّيْخِ (٣) . وَلاَ يُقْتَل الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ، وَلاَ أَهْل الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لاَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ، فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِ، وَلاَ سَائِحٌ فِي الْجِبَال لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ. وَالَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ، يُقْتَل فِي حَال إِفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل (٤) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يُقْتَل إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَل؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الإِْجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ، فَيَكُونُ

стр. 9627

بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ لاَ يُقْتَل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ يُقَاتِل فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْفَلاَّحُ الَّذِي لاَ يُقَاتِل، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلاَّحِينَ الَّذِينَ لاَ يَنْصِبُونَ لَكُمُ الْحَرْبَ ". وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُقْتَل، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ (١) . وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْل رَسُول الْكُفَّارِ (٢) . وَيَجُوزُ قَتْل مَنْ قَاتَل مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَلَوِ امْرَأَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَل يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً طَرَحَتِ الرَّحَا عَلَى خَلاَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ (٣) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ؛ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَقَال: مَنْ قَتَل هَذِهِ؟ قَال رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: وَلِمَ؟ قَال: نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي. قَال: فَسَكَتَ (٤) .

стр. 9628

وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَال: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْل الْمَرْأَةِ إِذَا لَمْ تُقَاتِل (١) . وَكَذَلِكَ يُقْتَل كُلٌّ مِنْ هَؤُلاَءِ إِذَا كَانَ مَلِكًا، أَوْ ذَا رَأْيٍ يُعِينُ فِي الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِل يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لاَ قِتَال فِيهِ، وَكَانُوا خَرَجُوا بِهِ يَتَيَمَّنُونَ بِهِ وَيَسْتَعِينُونَ بِرَأْيِهِ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَهُ (٢) ، وَلأَِنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ فِي الْحَرْبِ. أَمَّا الأَْخْرَسُ وَالأَْصَمُّ، وَأَقْطَعُ الْيَدِ الْيُسْرَى، أَوْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَيُقْتَل؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِل رَاكِبًا (٣) . وَلَوْ قَتَل مَنْ لاَ يَحِل قَتْلُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ، فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالاِسْتِغْفَارُ فَقَطْ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةٍ وَلاَ كَفَّارَةٍ؛ لأَِنَّ دَمَ الْكَافِرِ لاَ يَتَقَوَّمُ إِلاَّ بِالأَْمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ (٤) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (جِزْيَةٌ) . د - قَتْل الْقَرِيبِ: ٣٠ - اخْتَلَفَتِ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي قَتْل الْقَرِيبِ أَثْنَاءَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ:

стр. 9629

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْفَرْعِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَتْل أَصْلِهِ الْمُشْرِكِ، بَل يَشْغَلُهُ بِالْمُحَارَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (١) ﴾ ، وَلأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْيَاؤُهُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ فَيُنَاقِضُهُ الإِْطْلاَقُ فِي إِفْنَائِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُل بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِهِ الْمَأْثَمَ. وَأَمَّا إِنْ قَصَدَ الأَْبُ قَتْلَهُ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ دَفْعَهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ وَهُوَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَلأَِنَّهُ لَوْ شَهَرَ الأَْبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ، وَلاَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، يَقْتُلُهُ، فَهَذَا أَوْلَى (٢) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِغَازٍ أَنْ يَقْتُل قَرِيبَهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَقَتْل قَرِيبٍ مَحْرَمٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً؛ لأَِنَّهُ ﷺ مَنَعَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ قَتْل ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ أُحُدٍ. إِلاَّ أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ يَذْكُرَهُ أَوْ يَذْكُرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ بِسُوءٍ (٣) ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَوْ عَلِمَهُ مِنْهُ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ فِي قَتْلِهِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ أَنْبِيَائِهِ، وَإِلَيْهِ مَال الْحَنَفِيَّةُ

стр. 9630

أَيْضًا؛ لأَِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَل أَبَاهُ، وَقَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : سَمِعْتُهُ يَسُبُّكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ (١) . هـ - الْغَدْرُ، وَالْغُلُول، وَالْمُثْلَةُ: ٣١ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْجِهَادِ الْغَدْرُ وَالْغُلُول، وَالتَّمْثِيل بِالْقَتْلَى، لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا (٢) . وَالْغُلُول فِي الْجِهَادِ الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ بِأَنْ يُخْفِيَ مَا وَقَعَ فِي يَدِهِ، فَلاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مِمَّا غَنِمَ شَيْئًا، خَيْطًا فَمَا فَوْقَهُ، بَل يَضُمُّهُ إِلَى الْمَغَانِمِ. وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَالسِّلاَحِ، فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ (٣) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (غَنِيمَةٌ) (وَغُلُولٌ) . وَالْغَدْرُ: الْخِيَانَةُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ. وَكُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 9631

آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (١) ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٢) ﴾ ، لَكِنْ إِنْ نَقَضَ الْكُفَّارُ الْعَهْدَ جَازَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذٍ إِلَيْهِمْ، أَمَّا إِنْ بَدَتْ مِنَ الْكُفَّارِ أَمَارَاتُ نَقْضِ الْعَهْدِ جَازَ نَبْذُ الْعَهْدِ إِلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٣) ﴾ وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ (٤) يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (عَهْدٌ) وَ (مُعَاهَدَةٌ) وَ (أَمَانٌ) . أَمَّا الْمُثْلَةُ فَهِيَ الْعُقُوبَةُ الشَّنِيعَةُ مِنْ مِثْل قَطْعِ الأَْنْفِ، وَالأُْذُنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ مَا كَانَتِ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ جَزَاءٍ، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ شَخْصًا جَنَى عَلَى قَوْمٍ جِنَايَاتٍ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، لَمَا كَانَ التَّشْوِيهُ الَّذِي حَصَل لَهُ مِنَ الْمُثْلَةِ. وَحَاصِل هَذَا أَنَّ الْمُثْلَةَ بِمَنْ مَثَّل جَزَاءٌ، ثَابِتٌ وَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، وَالْمُثْلَةُ بِمَنِ اسْتَحَقَّ الْقَتْل لاَ عَنْ مُثْلَةٍ لاَ تَحِل. وَتَأْسِيسًا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِحَمْل رَأْسِ الْمُشْرِكِ لَوْ فِيهِ غَيْظُهُمْ وَفِيهِ فَرَاغُ قُلُوبِنَا بِانْدِفَاعِ شَرِّهِ.

стр. 9632

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَمْل رُءُوسِ قَتْلَى الْكُفَّارِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ بَيْنَ مُجِيزٍ وَمُحَرِّمٍ، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُثْلَةٌ (١)) . و تَحْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالنَّارِ، وَتَغْرِيقُهُ بِالْمَاءِ، وَرَمْيُهُ بِالْمَنْجَنِيقِ: ٣٢ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَال: بَعَثَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فَقَال: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ. ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا (٢) . فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْل أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لأَِنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا فَجَائِزٌ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَغْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالْمَاءِ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ (٣) .

стр. 9633

٣٣ - وَأَمَّا حِصَارُ الْقِلاَعِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلاَدِ وَالْقِلاَعِ، وَإِرْسَال الْمَاءِ عَلَيْهِمْ، وَقَطْعُهُ عَنْهُمْ، وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَغَيْرِهِمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ (١) ﴾ وَلأَِنَّهُ ﷺ حَاصَرَ أَهْل الطَّائِفِ، وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ (٢) . وَقِيسَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْهَلاَكُ، وَوَافَقَ أَحْمَدُ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي جَوَازِ رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا (٣) ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فَقَالُوا: يُقَاتِل الْعَدُوَّ بِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ إِذَا كَانُوا مَعَ مُسْلِمِينَ، أَوْ ذُرِّيَّةٍ أَوْ نِسَاءٍ، وَلَمْ يَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَلَوْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ، أَوْ نِسَاءٍ، أَوْ مُسْلِمِينَ (٤) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ الْغَرَقِ لَمْ يَجُزْ إِذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إِتْلاَفُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ يَحْرُمُ إِتْلاَفُهُمْ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ إِلاَّ بِهِ جَازَ (٥) .

стр. 9634

وَإِذَا حَاصَرَ الإِْمَامُ حِصْنًا لَزِمَتْهُ مُصَابَرَتُهُ، وَلاَ يَنْصَرِفُ عَنْهُ إِلاَّ فِي إِحْدَى الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ: ١ - أَنْ يُسَلِّمُوا فَيُحْرِزُوا بِالإِْسْلاَمِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (١) . ٢ - أَنْ يَبْذُلُوا مَالاً عَلَى الْمُوَادَعَةِ، فَيَجُوزُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ أَعْطَوْهُ جُمْلَةً، أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُل عَامٍ، فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ فَبَذَلُوهَا لَزِمَهُ قَبُولُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢) ﴾ . وَإِنْ بَذَلُوا مَالاً عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ فَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَبُولِهِ قَبِلَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ (٣) . ٣ - أَنْ يَفْتَحَهُ. ٤ - أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الاِنْصِرَافِ عَنْهُ، إِمَّا لِضَرَرِ الإِْقَامَةِ، وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُهَا، تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَاصَرَ أَهْل الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَل مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَال: إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى غَدًا (٤) . . . .

стр. 9635

٥ - أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ (١) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلاً بَالِغًا ذَكَرًا عَدْلاً فَقِيهًا كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى؛ لأَِنَّ عَدَمَ الْبَصَرِ لاَ يَضُرُّ هُنَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ رَأْيُهُ وَمَعْرِفَةُ الْمَصْلَحَةِ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ الْبَصَرِ فِيهِ، بِخِلاَفِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنِ الْبَصَرِ لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالشَّاهِدَ مِنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْمُقَرَّ لَهُ مِنَ الْمُقِرِّ، وَيُعْتَبَرُ مِنَ الْفِقْهِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِقْهُهُ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ الَّتِي لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا. وَلِهَذَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الأَْحْكَامِ. وَإِذَا حَكَّمُوا رَجُلَيْنِ جَازَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إِلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الإِْمَامُ جَازَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْتَارُ إِلاَّ مَنْ يَصْلُحُ، وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا

стр. 9636

مَنْ لاَ يَصْلُحُ، وَإِنْ عَيَّنُوا رَجُلاً يَصْلُحُ فَرَضِيَهُ الإِْمَامُ جَازَ؛ لأَِنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَيَّنُوهُ فَرَضِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَجَازَ حُكْمَهُ وَقَال: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ (١) . وَإِنْ مَاتَ مَنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ قَامَ مَقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ طَلَبُوا حُكْمًا لاَ يَصْلُحُ، رُدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ جَازَ، وَإِلاَّ رُدُّوا إِلَى مَأْمَنِهِمْ، وَكَذَلِكَ إِنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعِ الشَّرَائِطُ فِيهِ وَوَافَقَهُمُ الإِْمَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لَمْ يَحْكُمْ، وَيُرَدُّونَ إِلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا. ٣٤ - وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ: فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَل مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ نَفَذَ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ (٢) وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، فَقَال الْقَاضِي يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ إِلَيْهِ

стр. 9637

فِيمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ كَالإِْمَامِ فِي الأَْسِيرِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ لاَ يَلْزَمُ؛ لأَِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلاَ حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَجُوزَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ لاَ يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إِذَا سُبُوا فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَيُحْتَمَل الْجَوَازُ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَتَعَيَّنِ السَّبْيُ فِيهِمْ بِخِلاَفِ مَنْ سُبِيَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ جَازَ، لأَِنَّ الإِْمَامَ يُخَيَّرُ فِي الأَْسْرَى بَيْنَ الْقَتْل، وَالْفِدَاءِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي، وَلِذَلِكَ لاَ يَمْلِكُ الإِْمَامُ إِجْبَارَ الأَْسِيرِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْل وَالسَّبْيِ جَازَ لِلإِْمَامِ الْمَنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، لأَِنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ سَأَل فِي الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا مِنْ قُرَيْظَةَ وَمَالِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهُ. وَيُخَالِفُ مَال الْغَنِيمَةِ إِذَا حَازَهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُمُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْل الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ فَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمْ، بِخِلاَفِ الأَْسِيرِ، فَإِنَّ الأَْسِيرَ قَدْ ثَبَتَتِ الْيَدُ عَلَيْهِ كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْل سَقَطَ لأَِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ

стр. 9638

عَصَمَ دَمَهُ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْل اسْتِرْقَاقِهِمْ، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَل جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ. كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الأَْسْرِ، وَيَكُونُ الْمَال عَلَى مَا حُكِمَ فِيهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِأَنَّ الْمَال لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ غَنِيمَةً؛ لأَِنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ وَالْحَصْرِ (١) . ز - إِتْلاَفُ الأَْمْوَال: ٣٥ - إِذَا اسْتَعَدَّ الْكُفَّارُ أَوْ تَحَصَّنُوا لِقِتَال الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّنَا نَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَنُحَارِبُهُمْ لِنَظْفَرَ بِهِمْ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِتْلاَفِ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الظَّفَرُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِتْلاَفٍ لأَِمْوَالِهِمْ فَيُكْرَهُ فِعْل ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ إِفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَل الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إِلاَّ لَهَا؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُول ذَلِكَ بِدُونِ إِتْلاَفٍ، وَأَنَّهُ يَصِيرُ لَنَا لاَ نُتْلِفُهُ (٢) . وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، فَإِنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ يَنْقَسِمُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى إِتْلاَفِهِ كَالَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَكُونُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ

стр. 9639

بِنَا فَيُفْعَل بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِيَنْتَهُوا، فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. الثَّانِيَ: مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعَلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، فَهَذَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثُ: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لاَ ضَرَرَ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلاَ نَفْعَ سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالإِْضْرَارِ بِهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَبِهَذَا قَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَرَقَ نَخْل بَنِي النَّضِيرِ (١) ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٢) ﴾ . وَالثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ (٣) . لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَقَال: لَعَلَّكَ حَرَقْتَ حَرْثًا؟ قَال: نَعَمْ، قَال: لَعَلَّكَ غَرَّقْتَ نَخْلاً؟ قَال: نَعَمْ،

стр. 9640

قَال: لَعَلَّكَ قَتَلْتَ صَبِيًّا؟ قَال: نَعَمْ، قَال: لِتَكُنْ غَزْوَتُكَ كَفَافًا (١) . وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِتْلاَفًا مَحْضًا، فَلَمْ يَجُزْ كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ، وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا حَالَةَ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ قَتْل بَهَائِمِهِمْ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الأَْرْجَحَ وُجُوبُ حَرْقِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَ قَتْلِهَا إِنِ اسْتَحَلُّوا أَكْل الْمَيْتَةِ فِي دِينِهِمْ، وَقِيل: إِنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا قَبْل فَسَادِهَا، وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَقَدْ حَصَل (٢) . وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، لأَِنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ وَإِضْعَافًا لِقُوَّتِهِمْ، فَأَشْبَهَ قَتْلَهَا حَال قِتَالِهِمْ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَتْل الْحَيَوَانِ صَبْرًا (٣) ،

стр. 9641

وَلِقَوْل الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلاَ تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلاَ دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلاَ شَاةً إِلاَّ لِمَأْكَلَةٍ. وَلأَِنَّهُ إِفْسَادٌ يَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (١) ﴾ . وَيَجُوزُ عَقْرُ الْحَيَوَانَاتِ لِلأَْكْل إِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَال الْمَعْصُومِ، فَمَال الْكَافِرِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَيْهِ نَظَرْنَا: فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لاَ يُرَادُ إِلاَّ لِلأَْكْل كَالدَّجَاجِ، وَالْحَمَامِ، وَسَائِرِ الطَّيْرِ، وَالصَّيْدِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ، لأَِنَّهُ لاَ يُرَادُ لِغَيْرِ الأَْكْل، وَتَقِل قِيمَتُهُ، فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقِتَال لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ إِلاَّ لِلأَْكْل (٢) . ٣٦ - وَفِي تَغْرِيقِ النَّحْل وَتَحْرِيقِهِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَغْرِيقُ النَّحْل وَتَحْرِيقُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَال لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلاَ تُحَرِّقْ نَحْلاً وَلاَ تُغْرِقَنَّهُ (٣) .

стр. 9642

وَلأَِنَّهُ إِفْسَادٌ فَيَدْخُل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَْرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (١) ﴾ . وَلأَِنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ لِغَيْظِ الْمُشْرِكِينَ. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِبَاحَتُهُ؛ لأَِنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ، وَإِضْعَافًا فَأَشْبَهَ قَتْل بَهَائِمِهِمْ حَال قِتَالِهِمْ (٢) . وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ قَصَدَ بِإِتْلاَفِهَا أَخْذَ عَسَلِهَا كَانَ إِتْلاَفُهَا جَائِزًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ عَسَلِهَا، فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ إِتْلاَفُهَا، وَإِنْ كَثُرَ فَيَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لاَ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي حَال الْكَثْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ النِّكَايَةِ لَهُمْ (٣) . ح - الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: ٣٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ الثَّبَاتُ فِي الْجِهَادِ، وَيَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ (٤) ﴾ وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً

стр. 9643

فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١) ﴾ . وَقَدْ عَدَّ رَسُول اللَّهِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ بِقَوْلِهِ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا: التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ (٢) . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل ذَلِكَ: ٣٨ - فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْفِرَارُ، وَيَجِبُ الثَّبَاتُ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا:: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ لاَ يَزِيدُونَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ زَادُوا عَلَيْهِ جَازَ الْفِرَارُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٣) ﴾ . وَالآْيَةُ وَإِنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَهُوَ أَمْرٌ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ وَلَوْ كَانَ خَبَرًا عَلَى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَكُنْ رَدُّنَا مِنْ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ إِلَى غَلَبَةَ الاِثْنَيْنِ تَخْفِيفًا؛ وَلأَِنَّ خَبَرَ اللَّهِ

стр. 9644

تَعَالَى صِدْقٌ لاَ يَقَعُ بِخِلاَفِ مُخْبِرِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الظَّفَرَ وَالْغَلَبَةَ لاَ يَحْصُل لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُل مَوْطِنٍ يَكُونُ الْعَدُوُّ فِيهِ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا دُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَفَرْضٌ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُ هَذِهِ الآْيَةَ لاَ فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلاَّ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ تَخْفِيفٌ فَقَال: ﴿الآْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ. . .﴾ ، فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعَدَدِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنَ الْعَدَدِ. وَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَمَا فَرَّ، وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ الثَّبَاتُ وَإِنْ ظَنُّوا التَّلَفَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (١) ﴾ . قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنَ الْخَانِيَّةِ: إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ الْفِرَارُ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، فَإِنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ جَازَ الْفِرَارُ مُطْلَقًا وَلَوْ بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا (٢) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (٣) .

стр. 9645

الشَّرْطُ الثَّانِي لِوُجُوبِ الثَّبَاتِ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِفِرَارِهِ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ وَلاَ التَّحَرُّفَ لِقِتَالٍ، فَإِنْ قَصَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ فَالْفِرَارُ مُبَاحٌ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿. . . إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ (١) ﴾ . وَمَعْنَى التَّحَرُّفِ لِلْقِتَال أَنْ يَنْحَازَ إِلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَال فِيهِ أَمْكَنَ مِثْل أَنْ يَنْحَازَ مِنْ مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ إِلَى اسْتِدْبَارِهِمَا، أَوْ مِنْ نَزْلَةٍ إِلَى عُلُوٍّ، أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إِلَى مَوْضِعِ مَاءٍ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِتُنْتَقَضَ صُفُوفُهُمْ، أَوْ تَنْفَرِدَ خَيْلُهُمْ مِنْ رَجَّالَتِهِمْ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إِلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْل الْحَرْبِ. وَأَمَّا التَّحَيُّزُ إِلَى فِئَةٍ فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ مَعَهُمْ فَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَسَوَاءٌ أَبَعُدَتِ الْمَسَافَةُ أَمْ قَرُبَتْ، فَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ بِخُرَاسَانَ وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ جَازَ التَّحَيُّزُ إِلَيْهَا، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِلَّذِينَ فَرُّوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ فِيهَا: أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ، أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ (٢) وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ إِلَى فِئَةٍ

стр. 9646

عَكَّارٌ، وَلَيْسَ بِفَرَّارٍ مِنَ الزَّحْفِ، فَلاَ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ (١) . قَال الدُّسُوقِيُّ: وَقِيل: إِنَّ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ يَكُونُ إِذَا قَرُبَ الْمُنْحَازُ إِلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ انْحِيَازُهُ إِلَى فِئَةٍ خَرَجَ مَعَهَا، أَمَّا لَوْ خَرَجُوا مِنْ بَلَدٍ وَالأَْمِيرُ مُقِيمٌ فِي بَلْدَةٍ فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ الْفِرَارُ حَتَّى يَنْحَازَ إِلَيْهِ، وَأَمِيرُ الْجَيْشِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْفِرَارُ وَلَوْ عَلَى سَبِيل التَّحَيُّزِ وَلَوْ أَدَّى لِهَلاَكِ نَفْسِهِ وَبَقَاءِ الْجَيْشِ مِنْ غَيْرِ أَمِيرٍ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْجَيْشِ يَفِرُّ عِنْدَ هَلاَكِهِ (٢) . قِلَّةُ الْعَدَدِ مَعَ احْتِمَال الظَّفَرِ: ٣٩ - إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ، فَالأَْوْلَى لَهُمُ الثَّبَاتُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنِ انْصَرَفُوا جَازَ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ مُعَلَّقٌ عَلَى مَظِنَّتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَل مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمُ الثَّبَاتُ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِيهِ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَلْزَمَهُمُ الثَّبَاتُ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ (٣) . فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا لِمِثْلَيْهِمْ هَلَكُوا فَفِيهِ وَجْهَانِ:

стр. 9647

أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا لِقَوْلِهِ : ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُوَلُّوا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ : ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٢) وَلأَِنَّ الْمُجَاهِدَ إِنَّمَا يُقَاتِل عَلَى إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ الشَّهَادَةِ أَوِ الْفَوْزِ بِالْغَنِيمَةِ مَعَ الأَْجْرِ. قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٣) . وَقَدْ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لاَ بَأْسَ بِالاِنْهِزَامِ إِذَا أَتَى الْمُسْلِمُ مِنَ الْعَدُوِّ مَا لاَ يُطِيقُهُ، وَلاَ بَأْسَ بِالصَّبْرِ أَيْضًا بِخِلاَفِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ إِلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَل فِي هَذَا تَحْقِيقُ بَذْل النَّفْسِ فِي سَبِيل اللَّهِ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا حَارَبَ قُتِل وَإِنْ لَمْ يُحَارِبْ أُسِرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِتَال (٤) . فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِي الإِْقَامَةِ وَالاِنْصِرَافِ، فَالأَْوْلَى لَهُمُ الثَّبَاتُ؛ لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَال مُحْتَسِبِينَ فَيَكُونُونَ أَفْضَل مِنَ الْمُوَلِّينَ؛ وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً

стр. 9648

كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) . قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِلاَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ الاِنْصِرَافُ لِمِائَةِ بَطَلٍ عَنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ، وَيَجُوزُ انْصِرَافُ مِائَةٍ ضُعَفَاءَ عَنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَبْطَالاً فِي الأَْصَحِّ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ عَلَى حُرْمَةِ الاِنْصِرَافِ مِنَ الصَّفِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ؛ لأَِنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ لَوْ ثَبَتُوا لَهُمْ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ عِنْدَ تَقَارُبِ الأَْوْصَافِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَخْتَصَّ الْخِلاَفُ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدِ وَنَقْصِهِ، وَلاَ بِرَاكِبٍ وَمَاشٍ، بَل الضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يُقَاوِمُونَ الزَّائِدَ عَلَى مِثْلَيْهِمْ وَيَرْجُونَ الظَّفَرَ بِهِمْ، أَوْ مِنَ الضَّعْفِ مَا لاَ يُقَاوِمُونَهُمْ، وَحَيْثُ جَازَ الاِنْصِرَافُ فَإِنْ غَلَبَ الْهَلاَكُ بِلاَ نِكَايَةٍ لِلْكُفَّارِ وَجَبَ الاِنْصِرَافُ، وَإِنْ غَلَبَ الْهَلاَكُ عَلَى حُصُول النِّكَايَةِ لَهُمْ يُسْتَحَبُّ الاِنْصِرَافُ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا الْبَابِ لِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَأَكْبَرِ الظَّنِّ دُونَ الْعَدَدِ. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْغُزَاةِ أَنَّهُمْ يُقَاوِمُونَهُمْ يَلْزَمُهُمُ الثَّبَاتُ، وَإِنْ كَانُوا أَقَل عَدَدًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَنْحَازُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنَ الْكَفَرَةِ. وَكَذَا الْوَاحِدُ مِنْ الْغُزَاةِ، لَيْسَ

стр. 9649

مَعَهُ سِلاَحٌ مَعَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ مَعَهُمَا سِلاَحٌ أَوْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْكَفَرَةِ وَمَعَهُ سِلاَحٌ، لاَ بَأْسَ أَنْ يُوَلِّيَ دُبُرَهُ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ. قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَيُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ الْقَوِيِّ أَنْ يَفِرَّ مِنَ الْكَافِرَيْنِ، وَيُكْرَهُ لِلْمِائَةِ الْفِرَارُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنَ الثَّلاَثَةِ، وَالْمِائَةُ مِنْ ثَلاَثِمِائَةٍ (١) . تَحَصُّنُ أَهْل الْبَلَدِ مِنَ الْعَدُوِّ: ٤٠ - إِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ لأَِهْلِهِ التَّحَصُّنَ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلاَ فِرَارًا، إِنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمُ التَّحَيُّزُ إِلَى الْحِصْنِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَال أَوِ التَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ. وَإِنْ غَزَوْا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ؛ لأَِنَّ الْقِتَال مُمْكِنٌ لِلرَّجَّالَةِ، وَإِنْ تَحَيَّزُوا إِلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ رَجَّالَةً فَلاَ بَأْسَ، لأَِنَّهُ تَحَرُّفٌ لِلْقِتَال، وَإِنْ ذَهَبَ سِلاَحُهُمْ فَتَحَيَّزُوا إِلَى مَكَانٍ يُمْكِنُهُمُ الْقِتَال فِيهِ بِالْحِجَارَةِ وَالتَّسَتُّرُ بِالشَّجَرِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَهُمْ فِي التَّحَيُّزِ إِلَيْهِ فَائِدَةٌ، جَازَ (٢) .

стр. 9650

الْفِرَارُ وَإِحْرَازُ الْغَنِيمَةِ: ٤١ - فَإِنْ وَلَّى قَوْمٌ قَبْل إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَأَحْرَزَهَا الْبَاقُونَ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ نَصِيبَ لِلْفَارِّينَ؛ لأَِنَّ إِحْرَازَهَا حَصَل بِغَيْرِهِمْ فَكَانَ مِلْكُهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ أَوْ مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَال، فَلاَ شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَإِنْ فَرُّوا بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ لِحِيَازَتِهَا فَلَمْ يَزُل مِلْكُهُمْ عَنْهَا بِفِرَارِهِمْ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (غَنِيمَةٌ) . حُكْمُ التَّبْيِيتِ فِي الْقِتَال: ٤٢ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ وَهُوَ كَبْسُهُمْ لَيْلاً وَقَتْلُهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ، وَلَوْ قُتِل فِي هَذَا التَّبْيِيتِ مَنْ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنِ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا كَمَجْنُونٍ، وَشَيْخٍ فَانٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدُوا (٢) ، لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُسْأَل عَنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ فَقَال: هُمْ مِنْهُمْ (٣) وَسَبَقَ تَفْصِيل أَحْكَامِ التَّبْيِيتِ فِي

стр. 9651

الْقِتَال فِي مُصْطَلَحِ (تَبْيِيتٌ (١)) . وَكَذَا يَجُوزُ قَتْل الْكُفَّارِ فِي مَطْمُورَةٍ (٢) إِذَا لَمْ يَقْصِدِ النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ وَنَحْوَهُمْ، وَيَجُوزُ قَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ وَقَطْعُ السَّابِلَةِ (٣) وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَتْل الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ السَّابِقِ فِيهِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَلأَِنَّ الْقَصْدَ إِضْعَافُهُمْ وَإِرْهَابُهُمْ لِيُجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ، وَيَجُوزُ الإِْغَارَةُ عَلَى عَلاَّفِيهِمْ وَحَطَّابِيهِمْ وَنَحْوِهِمْ (٤) . تَتَرُّسُ الْكُفَّارِ بِالذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ: ٤٣ - التُّرْسُ: بِضَمِّ التَّاءِ. مَا يُتَوَقَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ. وَالتُّرْسُ كَذَلِكَ خَشَبَةٌ أَوْ حَدِيدَةٌ تُوضَعُ خَلْفَ الْبَابِ لإِِحْكَامِ إِغْلاَقِهِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى التَّتَرُّسِ فِي الْحَرْبِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِل اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبَنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) ، فَقَدْ نَزَلَتْ فِيمَنِ احْتُجِزَ مِنَ

стр. 9652

الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَنْدَل بْنُ سُهَيْلٍ، وَلَوْ تَمَيَّزَ الْكُفَّارُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ لَعَذَّبَ اللَّهُ الْكُفَّارَ عَذَابًا أَلِيمًا بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ خَارِجَ مَكَّةَ بِالرَّمْيِ وَالْقِتَال الشَّدِيدِ (١) . وَأَمَّا حُكْمُ التَّتَرُّسِ: فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَمْيُ الْكُفَّارِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأُسَارَاهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال، أَوْ حِصَارُهُمْ مِنْ قِبَل الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمُ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْخَوْفُ عَلَى اسْتِئْصَال قَاعِدَةِ الإِْسْلاَمِ، وَيُقْصَدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارُ. وَلَكِنْ إِذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ، لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ، أَوْ لإِِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ (٢) سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي مُصْطَلَحِ " تَتَرُّسٌ (٣) ". مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَال: ٤٤ - يُقَاتَل أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ حَتَّى يُسْلِمُوا

стр. 9653

أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عُقِدَتْ لَهُمُ الذِّمَّةُ، وَكَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ الأَْمَانُ وَالْعِصْمَةُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (٢) . وَيُقَاتَل مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. . . (٣) الْحَدِيثَ " وَالْكُفَّارُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: (قِسْمٌ) أَهْل كِتَابٍ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنِ اتَّخَذَ التَّوْرَاةَ وَالإِْنْجِيل كِتَابًا كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَهَؤُلاَءِ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ إِذَا بَذَلُوهَا. وَ (قِسْمٌ) لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ وَهُمُ الْمَجُوسُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْل الْكِتَابِ فِي قَبُول الْجِزْيَةِ

стр. 9654

مِنْهُمْ وَإِقْرَارُهُمْ بِهَا، فَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَال: كَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِْسْلاَمَ، فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِل مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، عَلَى أَنْ لاَ تُؤْكَل لَهُمْ ذَبِيحَةٌ، وَلاَ تُنْكَحَ لَهُمُ امْرَأَةٌ (١) . (وَقِسْمٌ) لاَ كِتَابَ لَهُمْ وَلاَ شُبْهَةَ كِتَابٍ، وَهُمْ مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ عَبَدَةِ الأَْوْثَانِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ، فَلاَ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ سِوَى الإِْسْلاَمِ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلاَّ عَبَدَةَ الأَْوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ (٢) ، لأَِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالاِسْتِرْقَاقِ، فَيُقَرُّونَ بِبَذْل الْجِزْيَةِ كَالْمَجُوسِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إِلاَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي: (جِزْيَةٌ) . وَيَنْتَهِي الْقِتَال كَذَلِكَ بِالْهُدْنَةِ، إِذْ هِيَ لُغَةً

стр. 9655

الْمُصَالَحَةُ، وَشَرْعًا هِيَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ مُصَالَحَةَ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُسَمَّى مُوَادَعَةً، وَمُسَالَمَةً، وَمُعَاهَدَةً وَمُهَادَنَةً، وَالأَْصْل فِيهَا قَبْل الإِْجْمَاعِ أَوَّل سُورَةٍ " بَرَاءَةٌ " ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١) ، وَمُهَادَنَتُهُ ﷺ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ (٢) . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ لِلْمُدَّةِ الَّتِي يَرَى الإِْمَامُ فِيهَا الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ زَادَتْ عَنْ عَشْرِ سِنِينَ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَنُدِبَ أَنْ لاَ تَزِيدَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ سَنَةً فَمَا زَادَ؛ لأَِنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ، فَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِزْيَةٍ، وَفِي جَوَازِ مُهَادَنَتِهِمْ فِيمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَمَا دُونَ سَنَةٍ قَوْلاَنِ وَهَذَا فِي حَال قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. أَمَّا فِي حَال ضَعْفِهِمْ فَيَجُوزُ عَقْدُهَا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا. كَمَا لاَ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ إِلاَّ لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ عَنْ قِتَال الْكُفَّارِ، وَإِمَّا أَنْ

стр. 9656

يَطْمَعَ فِي إِسْلاَمِ الْكُفَّارِ بِهُدْنَتِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (هُدْنَةٌ) . اسْتِعْمَال أَمْوَال الْعَدُوِّ وَسِلاَحِهِ وَأَحْكَامُ الْغَنَائِمِ: ٤٥ - يَجُوزُ أَنْ يُذْبَحَ مِنَ الْغَنَائِمِ لِلأَْكْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ وَذَلِكَ لأَِنَّهُ كَسَائِرِ الطَّعَامِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْمَل مِنْ أُهُبِهَا حِذَاءً، وَلاَ سِقَاءً، وَلاَ دِلاَءً، وَلاَ فِرَاءً، فَإِنِ اتَّخَذَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ رَدُّهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَإِنْ أَصَابُوا كَلْبًا، فَإِنْ كَانَ عَقُورًا قُتِل لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ دُفِعَ إِلَى مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ الْغَانِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْل الْخُمُسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خُلِّيَ لأَِنَّ اقْتِنَاءَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مُحَرَّمٌ. وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَال الْكُفَّارِ وَخِيفَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْحَيَوَانِ أُتْلِفَ حَتَّى لاَ يَنْتَفِعُوا بِهِ وَيَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا لَمْ يَجُزْ إِتْلاَفُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (٢) .

стр. 9657

وَمَنْ قَتَل قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (١) إِذَا قَتَلَهُ حَال الْحَرْبِ لاَ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا، وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَى الْكَافِرِ مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ، وَعِمَامَةٍ، وَقَلَنْسُوَةٍ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحٍ وَسَيْفٍ، وَرُمْحٍ، وَقَوْسٍ، وَهُوَ أَوْلَى بِالأَْخْذِ مِنَ الثِّيَابِ، لأَِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حَرْبِهِ، وَالدَّابَّةُ أَيْضًا يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحَرْبِ كَالسِّلاَحِ، وَآلَتُهَا كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ تَبَعٌ لَهَا (٢) .

стр. 9658

جَهَازٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَهَازُ بِالْفَتْحِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْغَازِي فِي غَزْوِهِ أَوِ الْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ، وَمَا تُزَفُّ بِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا مِنْ مَتَاعٍ. يُقَال: جَهَّزَ الْجَيْشَ إِذَا أَعَدَّ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي غَزْوِهِ. وَجَهَّزْتُ فُلاَنًا: هَيَّأْتُ لَهُ جَهَازَ سَفَرِهِ، وَجَهَّزَ بِنْتَهُ هَيَّأَ مَا تُزَفُّ بِهِ إِلَى زَوْجِهَا. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ سَرْجٍ وَإِكَافٍ، وَنَحْوِهِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: أ - تَجْهِيزُ الْغَازِي: ٢ - تَجْهِيزُ الْمُثْبَتِينَ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ مِنَ الْغُزَاةِ فِي سَبِيل اللَّهِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَمَحَلُّهُ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَعَلَى أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ وَأَغْنِيَائِهِمْ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ

стр. 9659

مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ (١) وَفِي الأَْثَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيل اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ خَيْرًا فَقَدْ غَزَا (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) . ب - تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ: ٣ - جَهَازُ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ - وَهُوَ مَا يَلْزَمُ - مِنْ كَفَنٍ وَغَيْرِهِ، وَمَحَلُّهُ: تَرِكَتُهُ، وَيُقَدَّمُ التَّجْهِيزُ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ قَرَابَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبَيْتُ مَال الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ (٣) ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَجْهِيزٌ) . ج - جَهَازُ السَّفَرِ فِي الْحَجِّ: ٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ وُجُودَ جَهَازِ السَّفَرِ مِنْ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ (٤) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ

стр. 9660

الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (١) . وَسُئِل النَّبِيُّ ﷺ مَا السَّبِيل فَقَال: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) . د - جَهَازُ الزَّوْجَةِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَجَهَّزَ بِمَهْرِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُعِدَّ لَهَا الْمَنْزِل بِكُل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ سَكَنًا شَرْعِيًّا لاَئِقًا بِهِمَا. وَإِذَا تَجَهَّزَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ جَهَّزَهَا ذَوُوهَا فَالْجِهَازُ مِلْكٌ لَهَا خَاصٌّ بِهَا. حَتَّى لَوْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ دَفَعَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا رَجَاءَ جَهَازٍ فَاخِرٍ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَل الْمُتْعَةِ، وَالشَّيْءُ لاَ يُقَابِلُهُ عِوَضَانِ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَجْهِيزٌ) . تَمَلُّكُ الْمَرْأَةِ الْجَهَازَ: ٦ - إِذَا جَهَّزَ الأَْبُ ابْنَتَهُ بِأَمْتِعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ بِصِيغَةٍ فَهَل تَمْلِكُ بِتَسَلُّمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لَهَا؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ

стр. 9661

تَمْلِكُ الْجَهَازَ إِلاَّ بِتَمْلِيكٍ لَهَا بِصِيغَةٍ، كَأَنْ يَقُول: هَذَا جَهَازُ بِنْتِي فَيَكُونُ إِقْرَارًا بِالْمِلْكِ لَهَا، وَإِلاَّ فَهُوَ عَارِيَّةٌ. وَيَصْدُقُ بِيَمِينِهِ إِذَا ادَّعَاهُ فِي حَيَاتِهَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ تَجْهِيزَ الأَْبِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ بِجَهَازٍ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا جَهَّزَ الأَْبُ ابْنَتَهُ مِنْ مَالِهِ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ أَنَّ هَذَا مِنْهُ هِبَةٌ لَهَا أَوْ عَارِيَّةٌ مِنْهُ لَهَا، وَادَّعَى بَعْدَ نَقْل الْجَهَازِ إِلَى دَارِ الزَّوْجِ أَنَّهُ كَانَ عَارِيَّةً. وَادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ تَمْلِيكًا بِالْهِبَةِ فَالْقَوْل قَوْلُهَا إِذَا كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ بِأَنَّ هَذَا الْجَهَازَ الْمُتَنَازَعَ عَلَيْهِ يُقَدِّمُهُ الأَْبُ لاِبْنَتِهِ هِبَةً مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِأَنَّ الأَْبَ يُقَدِّمُهُ عَارِيَّةً فَالْقَوْل قَوْل الأَْبِ. وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُتَضَارِبًا فَالْقَوْل قَوْل الأَْبِ إِذَا كَانَ الْجَهَازُ مِنْ مَالِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا قَبَضَهُ مِنْ مَهْرِهَا فَالْقَوْل قَوْلُهَا؛ لأَِنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لَهَا حَيْثُ كَانَتْ رَاضِيَةً بِذَلِكَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الإِْذْنِ مِنْهَا (٣) . وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (مَهْرٌ) .

стр. 9662

جَهَالَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْجَهَالَةُ لُغَةً: مِنْ جَهِلْتُ الشَّيْءَ خِلاَفَ عَلِمْتُهُ وَمِثْلُهَا الْجَهْل، وَالْجَهَالَةُ أَنْ تَفْعَل فِعْلاً بِغَيْرِ الْعِلْمِ (١) . وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَإِنَّ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ يُشْعِرُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، فَيَسْتَعْمِلُونَ الْجَهْل - غَالِبًا - فِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الإِْنْسَانُ مَوْصُوفًا بِهِ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْجَهْل مُتَعَلِّقًا بِخَارِجٍ عَنِ الإِْنْسَانِ كَمَبِيعٍ وَمُشْتَرًى وَإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا أَرْكَانُهَا وَشُرُوطُهَا، فَإِنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَلَّبُوا جَانِبَ الْخَارِجِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَجْهُول، فَوَصَفُوهُ بِالْجَهَالَةِ، وَإِنْ كَانَ الإِْنْسَانُ مُتَّصِفًا بِالْجَهَالَةِ أَيْضًا. وَهَذَا الْبَحْثُ مُرَاعًى فِيهِ الْمَعْنَى الثَّانِي: أَمَّا الْمَعْنَى الأَْوَّل فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَهْلٌ) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْغَرَرُ: ٢ - الْغَرَرُ لُغَةً الْخَطَرُ وَالتَّعْرِيضُ لِلْهَلَكَةِ، أَوْ هُوَ

стр. 9663

مَا لَهُ ظَاهِرٌ مَحْبُوبٌ وَبَاطِنٌ مَكْرُوهٌ، وَغَرَّ يَغُرُّ غَرَارَةً وَغُرَّةٌ فَهُوَ غَارٌّ، وَغِرٌّ: أَيْ: جَاهِلٌ بِالأُْمُورِ غَافِلٌ عَنْهَا (١) . وَغَرَّ الرَّجُل غَيْرَهُ يَغُرَّهُ غَرًّا وَغُرُورًا فَهُوَ غَارٌّ وَالآْخَرُ مَغْرُورٌ أَيْ خَدَعَهُ وَأَطْمَعَهُ بِالْبَاطِل. وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ قَال الرَّمْلِيُّ: الْغَرَرُ مَا احْتَمَل أَمْرَيْنِ أَغْلَبُهُمَا أَخْوَفُهُمَا، وَقِيل مَا انْطَوَتْ عَنَّا عَاقِبَتُهُ (٢) . ٣ - قَال الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِي عِبَارَتَيِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فَيَسْتَعْمِلُونَ إِحْدَاهُمَا مَوْضِعَ الأُْخْرَى. ثُمَّ يُفَرِّقُ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَجْهُول وَقَاعِدَةِ الْغَرَرِ بِقَوْلِهِ: وَأَصْل الْغَرَرِ هُوَ الَّذِي لاَ يَدْرِي هَل يَحْصُل أَمْ لاَ؟ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ. وَأَمَّا مَا عُلِمَ حُصُولُهُ وَجُهِلَتْ صِفَتُهُ فَهُوَ الْمَجْهُول كَبَيْعِهِ مَا فِي كُمِّهِ فَهُوَ يَحْصُل قَطْعًا، لَكِنْ لاَ يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ هُوَ. فَالْغَرَرُ وَالْمَجْهُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنَ الآْخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَيُوجَدُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ الآْخَرِ وَبِدُونِهِ. أَمَّا وُجُودُ الْغَرَرِ بِدُونِ الْجَهَالَةِ، فَكَشِرَاءِ الْعَبْدِ

стр. 9664

الآْبِقِ الْمَعْلُومِ قَبْل الإِْبَاقِ لاَ جَهَالَةَ فِيهِ وَهُوَ غَرَرٌ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي هَل يَحْصُل أَمْ لاَ؟ . وَالْجَهَالَةُ بِدُونِ الْغَرَرِ كَشِرَاءِ حَجَرٍ لاَ يَدْرِي أَزُجَاجٌ هُوَ أَمْ يَاقُوتٌ؟ مُشَاهَدَتُهُ تَقْتَضِي الْقَطْعَ بِحُصُولِهِ فَلاَ غَرَرَ، وَعَدَمُ مَعْرِفَتِهِ تَقْتَضِي الْجَهَالَةَ بِهِ. وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فَكَالْعَبْدِ الآْبِقِ الْمَجْهُول الصِّفَةِ قَبْل الإِْبَاقِ. ٤ - ثُمَّ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ يَقَعَانِ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: ١ - فِي الْوُجُودِ، كَالآْبِقِ قَبْل الإِْبَاقِ. ٢ - وَالْحُصُول إِنْ عَلِمَ الْوُجُودَ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. ٣ - وَفِي الْجِنْسِ كَسِلْعَةٍ لَمْ يُسَمِّهَا. ٤ - وَفِي النَّوْعِ كَعَبْدٍ لَمْ يُسَمِّهِ. ٥ - وَفِي الْمِقْدَارِ كَالْبَيْعِ إِلَى مَبْلَغِ رَمْيِ الْحَصَاةِ. ٦ - وَفِي التَّعْيِينِ، كَثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ٧ - وَفِي الْبَقَاءِ كَالثِّمَارِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا، فَهَذِهِ سَبْعَةُ مَوَارِدَ لِلْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ (١) . ب - الْقِمَارُ: ٥ - الْقِمَارُ لُغَةً: الرِّهَانُ: يُقَال: قَامَرَ الرَّجُل غَيْرَهُ مُقَامَرَةً وَقِمَارًا: رَاهَنَهُ، وَقَامَرْتُهُ قِمَارًا فَقَمَرْتُهُ: غَلَبْتُهُ فِي الْقِمَارِ.

стр. 9665

وَالْمَيْسِرُ: قِمَارُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ بِالأَْزْلاَمِ (١) . قَال أَبُو حَيَّانَ: وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَاسْمُ الْمَيْسِرِ يُطْلَقُ عَلَى سَائِرِ ضُرُوبِ الْقِمَارِ. فَالْقِمَارُ عَقْدٌ يَقُومُ عَلَى الْمُرَاهِنَةِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْجَهَالَةِ، لأَِنَّ كُل قِمَارٍ فِيهِ جَهَالَةٌ، وَلَيْسَ كُل مَا فِيهِ جَهَالَةٌ قِمَارًا فَمَثَلاً بَيْعُ الْحَصَاةِ - وَهُوَ أَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي: أَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِي بِهَا فَهُوَ لِي - قِمَارٌ كَمَا يَقُول ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فِيهِ جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ (٢) . ج - إِبْهَامٌ: ٦ - مِنْ مَعَانِي الإِْبْهَامِ أَنْ يَبْقَى الشَّيْءُ لاَ يُعْرَفُ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ (٣) . (ر: إِبْهَامٌ) . د - شُبْهَةٌ: ٧ - الشُّبْهَةُ: مَا يُشَبَّهُ بِالثَّابِتِ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ. وَيُقَال: اشْتَبَهَتِ الأُْمُورُ وَتَشَابَهَتْ: الْتَبَسَتْ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ، وَتَقُول: شَبَّهْتَ عَلَيَّ يَا فُلاَنُ: إِذَا خَلَطَ عَلَيْكَ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ إِذَا اخْتَلَطَ (٤) . (ر: شُبْهَةٌ) .
следующие страницы →