Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.
стр. 9836
كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ، وَلِذَلِكَ لاَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ. (١) وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ.
ب - عَدَمُ وُجُودِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ يُبِيحُ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ فَلاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ إِلاَّ بَعْدَ دُخُول وَقْتِهَا، خِلاَفًا لِلْوُضُوءِ؛ إِذْ يَجُوزُ قَبْل دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
ج - قَال الْقَلْيُوبِيُّ: لَوْ كَانَتِ الْحَاجَةُ غَيْرَ نَاجِزَةٍ فَهَل يَجُوزُ الأَْخْذُ لِمَا عَسَاهُ يَطْرَأُ؟ الظَّاهِرُ لاَ، كَاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنَ الزَّرْعِ، وَنَحْوِهِ. (٣)
د - فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الأَْكْل مِمَّا يَمُرُّ عَلَيْهِ الإِْنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ نَحْوِ الْفُول وَالْفَوَاكِهِ وَلَبَنِ الْغَنَمِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَمُحَصَّلُهُ الْجَوَازُ لِلْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَاجِ فَقِيل بِالْجَوَازِ وَقِيل بِعَدَمِهِ. قَال النَّفْرَاوِيُّ: الظَّاهِرُ مِنْ تِلْكَ الأَْقْوَال الْمَنْعُ، (٤) لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ (٥) . стр. 9837
هـ - فِي الْفُرُوقِ لِلْقَرَافِيِّ: الْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (١) ، وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْغِيبَةِ صُوَرٌ، مِنْهَا: النَّصِيحَةُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ لَمَّا خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَال لَهُ (٢) .
فَذَكَرَ عَيْبَيْنِ فِيهِمَا مِمَّا يَكْرَهَانِهِ لَوْ سَمِعَاهُ، فَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّصِيحَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ احْتِرَازًا مِنْ ذِكْرِ عُيُوبِ النَّاسِ مُطْلَقًا، فَهَذَا حَرَامٌ، بَل لاَ يَجُوزُ إِلاَّ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ. (٣)
٣ - أَلاَّ يَكُونَ الأَْخْذُ بِمُقْتَضَى الْحَاجَةِ مُخَالِفًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ:
١٥ - قَال الشَّاطِبِيُّ: قَصَدَ الشَّارِعُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي الْعَمَل مُوَافِقًا لِقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَالشَّرِيعَةُ مَوْضُوعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ فِي стр. 9838
أَفْعَالِهِ، وَأَلاَّ يَقْصِدَ خِلاَفَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ. (١)
وَقَال الشَّاطِبِيُّ أَيْضًا: فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَلَى أَصْل الْمَشْرُوعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا، وَالْمَصْلَحَةُ مُخَالِفَةً فَالْفِعْل غَيْرُ صَحِيحٍ وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ. (٢) اهـ.
وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي أُبِيحَتْ لِلْحَاجَةِ تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلاً لِمَصَالِحِ النَّاسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ النِّكَاحُ فَالْمَقْصِدُ الأَْصْلِيُّ مِنْهُ التَّنَاسُل، وَيَلِي ذَلِكَ طَلَبُ السَّكَنِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِالْحَلاَل، وَالتَّحَفُّظِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ، فَجَمِيعُ هَذَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ، وَنَوَاقِضُ هَذِهِ الأُْمُورِ مُضَادَّةٌ لِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، كَمَا إِذَا نَكَحَهَا لِيُحِلَّهَا لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، وَكَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَكُل نِكَاحٍ عَلَى هَذَا السَّبِيل. (٣) وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ) .
وَمِنْ ذَلِكَ الإِْجَارَةُ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِحَاجَةِ النَّاسِ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى النَّوْحِ وَالْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَكُل مَا مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ. (٤)
وَالْقَرْضُ شُرِعَ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَمَصْلَحَةِ стр. 9839
الْمَعْرُوفِ لِلْعِبَادِ، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ امْتَنَعَ، إِمَّا لِتَحْصِيل مَنْفَعَةِ الْمُقْرِضِ، أَوْ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسَّلَفِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَعْرُوفِ مَعَ تَعَيُّنِ الْمَحْذُورِ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ. (١)
وَالْمَقْصُودُ بِشَرْعِيَّةِ الزَّكَاةِ رَفْعُ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وَتَحْقِيقُ مَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ وَهَبَ فِي آخِرِ الْحَوْل مَالَهُ هَرَبًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ ثُمَّ إِذَا كَانَ فِي حَوْلٍ آخَرَ أَوْ قَبْل ذَلِكَ اسْتَوْهَبَهُ، فَهَذَا الْعَمَل تَقْوِيَةٌ لِوَصْفِ الشُّحِّ وَإِمْدَادٌ لَهُ وَرَفْعٌ لِمَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، فَصُورَةُ هَذِهِ الْهِبَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْهِبَةُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ إِرْفَاقٌ وَإِحْسَانٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَتَوْسِيعٌ عَلَيْهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَهَذِهِ الْهِبَةُ تُنَافِي قَصْدَ الشَّارِعِ فِي رَفْعِ الشُّحِّ عَنِ النُّفُوسِ، وَالإِْحْسَانِ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَالْقَصْدُ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ هَادِمٌ لِلْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ. (٢)
كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَيَّل الإِْنْسَانُ لإِِيجَادِ سَبَبٍ يَتَرَخَّصُ بِمُقْتَضَاهُ، كَمَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا لِيَقْصُرَ الصَّلاَةَ أَوْ أَنْشَأَ سَفَرًا فِي رَمَضَانَ لِيَأْكُل فِي النَّهَارِ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِهِ فَوَهَبَهُ كَيْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَالْهُرُوبِ مِنَ الزَّكَاةِ بِجَمْعِ الْمُتَفَرِّقِ أَوْ تَفْرِيقِ الْمُتَجَمِّعِ، وَكَالزَّوْجَةِ الَّتِي تُرْضِعُ جَارِيَةَ الزَّوْجِ أَوِ الضَّرَّةِ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ، стр. 9840
أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ لاَ يَثْبُتُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي قَالَبِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ. (١)
وَفِي أَصْل هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهَا مِنْ فُرُوعٍ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي مَوَاضِعِهِ، وَفِي بَحْثِ: (حِيلَةٌ) .
الْحَاجَةُ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ:
١٦ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيْمٍ وَالسُّيُوطِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ - وَهِيَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ - أَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ أَوِ الْخَاصَّةَ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ.
وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَاجَةِ عَامَّةً أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا فِيمَا يَمَسُّ مَصَالِحَهُمُ الْعَامَّةَ مِنْ تِجَارَةٍ وَزِرَاعَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَسِيَاسَةٍ عَادِلَةٍ وَحُكْمٍ صَالِحٍ.
وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَاجَةِ خَاصَّةً أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهَا فَرْدٌ أَوْ أَفْرَادٌ مَحْصُورُونَ أَوْ طَائِفَةٌ خَاصَّةٌ كَأَرْبَابِ حِرْفَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَالْمُرَادُ بِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الأَْحْكَامِ فَتُبِيحُ الْمَحْظُورَ وَتُجِيزُ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا يُسْتَثْنَى مِنَ الْقَوَاعِدِ الأَْصْلِيَّةِ.
١٧ - أ - وَالْحَاجَةُ الْعَامَّةُ كَالإِْجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَغَيْرِهَا، قَال الزَّرْكَشِيُّ نَقْلاً عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهَا جَرَتْ عَلَى حَاجَاتٍ خَاصَّةٍ تَكَادُ تَعُمُّ، стр. 9841
وَالْحَاجَةُ إِذَا عَمَّتْ كَانَتْ كَالضَّرُورَةِ، فَتَغْلِبُ فِيهَا الضَّرُورَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
وَمِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ الإِْجَارَةِ مَعَ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى مَنَافِعَ مَعْدُومَةٍ، يَعْنِي أَنَّ الشَّرْعَ كَمَا اعْتَنَى بِدَفْعِ ضَرُورَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ لاَ يَعْتَنِي بِهِ مَعَ حَاجَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ مُنِعَتِ الْجَمَاعَةُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لَنَال آحَادَ الْجَمَاعَةِ ضَرُورَةٌ تَزِيدُ عَلَى ضَرُورَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، فَهِيَ بِالرِّعَايَةِ أَوْلَى.
وَمِنْهَا ضَمَانُ الدَّرْكِ جُوِّزَ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ؛ إِذِ الْبَائِعُ إِذَا بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ لَيْسَ مَا أَخَذَهُ مِنَ الثَّمَنِ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يَضْمَنَ، وَلَكِنْ جُوِّزَ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَى مُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَعْرِفُونَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا.
وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْعِلْجِ (الْكَافِرِ) الَّذِي يَدُل عَلَى قَلْعَةِ الْكُفَّارِ بِجَارِيَةٍ مِنْهَا يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ، مَعَ أَنَّ الْجُعْل الْمُعَيَّنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكًا وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا. (١)
وَالصُّلْحُ إِنْقَاصٌ لِلْحَقِّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِدُونِ وَجْهٍ مَشْرُوعٍ وَهُوَ جَائِزٌ؛ لأَِنَّا إِذَا أَجْمَعْنَا عَلَى بَذْل الْمَال بِغَيْرِ حَقٍّ فِي فِدَاءِ الأَْسْرَى وَالْمُخَالَعَةِ وَالظَّلَمَةِ وَالْمُحَارَبِينَ وَالشُّعَرَاءِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِدَرْءِ الْخُصُومَةِ. (٢)
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنْ رِبَا الْفَضْل مَا стр. 9842
تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ كَالْعَرَايَا (وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ) فَهَذَا الْبَيْعُ فِي الْحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الرِّبَا؛ لأَِنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا أَزْيَدُ مِنَ الآْخَرِ قَطْعًا بِلِينِهِ، فَهُوَ أَزْيَدُ أَجْزَاءً مِنَ الآْخَرِ زِيَادَةً لاَ يُمْكِنُ فَصْلُهَا وَتَمْيِيزُهَا، وَلاَ يُمْكِنُ جَعْل الرُّطَبِ مُسَاوِيًا لِلتَّمْرِ عِنْدَ كَمَال نُضْجِهِ، فَالْمُسَاوَاةُ مَظْنُونَةٌ وَلَيْسَتْ مُتَيَقَّنَةً، فَلاَ يَجُوزُ قِيَاسًا بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ، لَكِنْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُبِيحَةً لَهُ لِلْحَاجَةِ، (١) رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً (٢) .
هَذِهِ بَعْضُ أَمْثِلَةٍ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ.
١٨ - ب - وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ مَا يَأْتِي:
ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ تَطْبِيقَاتِ قَاعِدَةِ (الْحَاجَةُ الْخَاصَّةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ) : الأَْكْل مِنْ طَعَامِ الْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِلْغَانِمِينَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ طَعَامٌ آخَرُ، بَل يَأْخُذُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِحَاجَةِ الْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ، وَسَكَتَ الْفُقَهَاءُ عَنِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ مَا يُغْنِي عَنْهُ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ لُبْسٍ كَمَا فِي التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ. стр. 9843
وَذَكَرَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكِلاَبِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ كَحِفْظِ الزَّرْعِ وَالْمَوَاشِي وَاكْتِسَابِ الصَّيُودِ. (١) وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ.
أَسْبَابُ الْحَاجَةِ:
١٩ - الإِْنْسَانُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يُحَقِّقُ مَصَالِحَهُ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ دُونَ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ، وَكُل مَا يَلْحَقُ الإِْنْسَانَ مِنْ مَشَقَّةٍ وَحَرَجٍ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَصْلَحَةِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ. وَلِذَلِكَ يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الْحَاجِيَّاتُ مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ. (٢)
وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ أَوْ حَالاَتِ الْحَاجَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الأَْوَّل: أَسْبَابٌ مَصْلَحِيَّةٌ فِي الأَْصْل تَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلنَّاسِ فِي حَيَاتِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ هِيَ مَا شُرِعَ لَهَا مَا يُنَاسِبُهَا وَيُحَقِّقُهَا كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ وَغَيْرِهَا. (٣)
وَالإِْنْسَانُ مُكَلَّفٌ بِعِبَادَةِ اللَّهِ стр. 9844
مَا دَامَتْ حَيَاتُهُ، وَلاَ تَتِمُّ حَيَاتُهُ إِلاَّ بِدَفْعِ ضَرُورَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَنَاكِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلاَّ بِإِبَاحَةِ التَّصَرُّفَاتِ الدَّافِعَةِ لِلضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَاتِ.
وَفِي قَوَاعِدِ الأَْحْكَامِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا أَبَاحَهُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَبِمَا جَوَّزَهُ مِنَ الإِْجَارَاتِ وَالْجَعَالاَتِ وَالْوَكَالاَتِ تَحْصِيلاً لِلْمَنَافِعِ الَّتِي لاَ تُحْصَى كَثْرَةً. (١)
الثَّانِي: أَسْبَابٌ هِيَ أَعْذَارٌ طَارِئَةٌ. قَال السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ: أَسْبَابُ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا سَبْعَةٌ، وَهِيَ: السَّفَرُ، وَالْمَرَضُ، وَالإِْكْرَاهُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْجَهْل، وَالْعُسْرُ، وَعُمُومُ الْبَلْوَى، وَالنَّقْصُ. وَفِي تَفْصِيل هَذِهِ الأَْسْبَابِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَيْسِيرٌ: ج ١٤ ص ٢١١ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ) .
الْحَاجَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا:
٢٠ - مَا شُرِعَ مِنَ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلاً لِمَصَالِحِ النَّاسِ لَهُ صِفَةُ الدَّوَامِ وَالاِسْتِمْرَارِ، يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الْمُحْتَاجُ وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ كَالْقَرْضِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ قَاعِدَةِ (الْحَاجَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا) .
أَمَّا مَا شُرِعَ مِنَ الأَْحْكَامِ تَخْفِيفًا وَتَرْخِيصًا стр. 9845
بِسَبَبِ الأَْعْذَارِ الطَّارِئَةِ فَهُوَ الَّذِي يُبَاحُ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ، وَتَزُول الإِْبَاحَةُ بِزَوَال الْحَاجَةِ. (١)
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
أ - إِذَا عَمَّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ فِيهِ حَلاَلٌ إِلاَّ نَادِرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَسْتَعْمِل مِنْ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلاَ يَقِفُ تَحْلِيل ذَلِكَ عَلَى الضَّرُورَاتِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لأََدَّى إِلَى ضَعْفِ الْعِبَادِ، وَاسْتِيلاَءِ أَهْل الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ عَلَى بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ نَقْطَعُ النَّاسَ عَنِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَالأَْسْبَابِ الَّتِي تَقُومُ بِمَصَالِحِ الأَْنَامِ. قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: وَلاَ يُتَبَسَّطُ فِي هَذِهِ الأَْمْوَال كَمَا يُتَبَسَّطُ فِي الْمَال الْحَلاَل، بَل يُقْتَصَرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْل الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ. (٢)
ب - نَظَرُ الشُّهُودِ لِلْمَرْأَةِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَاتِ وَنَظَرُ الأَْطِبَّاءِ لِحَاجَةِ الْمُدَاوَاةِ وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَرْغُوبِ فِي نِكَاحِهَا قَبْل الْعَقْدِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرْجَى إِجَابَتُهَا، وَالنَّظَرُ لإِِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ كَالْخِتَانِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الزُّنَاةِ. كُل ذَلِكَ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ. (٣) стр. 9846
الْحَاجَاتُ غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ لاَ تَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ:
٢١ - الْحُقُوقُ مِنَ الْحَاجَاتِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ لاَزِمَةٌ لِلإِْنْسَانِ وَمُطَالَبٌ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لاَ تَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي:
أَنَّهَا لَوْ تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ لَكَانَتْ مَحْدُودَةً مَعْلُومَةً؛ إِذِ الْمَجْهُول لاَ يَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ وَلاَ يُعْقَل نِسْبَتُهُ إِلَيْهَا، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَرَتَّبَ دَيْنًا.
وَمِثَالُهُ الصَّدَقَاتُ الْمُطْلَقَةُ، وَسَدُّ الْخَلاَّتِ، وَدَفْعُ حَاجَاتِ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِينَ، وَإِنْقَاذُ الْغَرْقَى. . . فَإِذَا قَال الشَّارِعُ: أَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، أَوْ قَال: اكْسُوا الْعَارِيَ، أَوْ: أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَمَعْنَى ذَلِكَ طَلَبُ رَفْعِ الْحَاجَةِ فِي كُل وَاقِعَةٍ بِحَسَبِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مِقْدَارٍ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ حَاجَةٌ تَبَيَّنَ مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهَا بِالنَّظَرِ لاَ بِالنَّصِّ، فَإِذَا تَعَيَّنَ جَائِعٌ فَالْمُخَاطَبُ مَأْمُورٌ بِإِطْعَامِهِ وَسَدِّ خَلَّتِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ أَطْعَمَهُ مَا لاَ يَرْفَعُ عَنْهُ الْجُوعَ فَالطَّلَبُ بَاقٍ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَل مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَافٍ وَرَافِعٌ لِلْحَاجَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُمِرَ ابْتِدَاءً، وَالَّذِي هُوَ كَافٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ السَّاعَاتِ وَالْحَالاَتِ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ. (١)
تَقْدِيمُ الْحَوَائِجِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِهِ:
٢٢ - إِذَا اجْتَمَعَتِ الْحَوَائِجُ وَأَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا حُصِّلَتْ، وَذَلِكَ مِثْل الْمُسْتَحِقِّينَ مِنَ الزَّكَاةِ إِذَا стр. 9847
أَمْكَنَ إِيفَاءُ حَاجَةِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إِيفَاءُ حَاجَةِ الْجَمِيعِ قُدِّمَ الأَْشَدُّ حَاجَةً عَلَى غَيْرِهِ. وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ الإِْنْسَانُ بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ. (١) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: عِنْدِي دِينَارٌ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ (٢) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ حَاجَةً فَيُقَدِّمُهُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ الْقَرَابَةِ أَحْوَجَ أَعْطَاهُ، فَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ فِي الْجِوَارِ وَأَكْثَرَ دِينًا. (٣)
وَيَقُول الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي قَوَاعِدِهِ: النَّفَقَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُفْتَقِرَاتِ إِلَى النِّيَّاتِ فَيُقَدِّمُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ عَلَى نَفَقَةِ آبَائِهِ وَأَوْلاَدِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَيُقَدِّمُ نَفَقَةَ زَوْجَاتِهِ عَلَى نَفَقَةِ آبَائِهِ وَأَوْلاَدِهِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ حَاجَاتِهِ. стр. 9848
وَإِذَا اجْتَمَعَ مُضْطَرَّانِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُمَا لَزِمَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ دَفْعِ الضَّرُورَتَيْنِ تَحْصِيلاً لِلْمَصْلَحَتَيْنِ، وَإِنْ وَجَدَ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَةَ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الضَّرُورَةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ وَالصَّلاَحِ احْتَمَل أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَاحْتَمَل أَنْ يَقْسِمَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى، مِثْل أَنْ يَكُونَ وَالِدًا، أَوْ وَالِدَةً، أَوْ قَرِيبًا، أَوْ زَوْجَةً، أَوْ إِمَامًا مُقْسِطًا، أَوْ حَاكِمَا عَدْلاً، قَدَّمَ الْفَاضِل عَلَى الْمَفْضُول. (١)
أَثَرُ الْحَاجَةِ:
٢٣ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ تَحْقِيقَ مَصَالِحِ النَّاسِ تَيْسِيرًا لَهُمْ وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ. وَالْحَاجِيَّاتُ مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَالتَّيْسِيرُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْحَرَجِ غَالِبًا. لِذَلِكَ نَجِدُ أَثَرَ الْحَاجَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَيُمْكِنُ إِجْمَال أَثَرِ الْحَاجَةِ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: الاِسْتِثْنَاءُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ
(مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ) :
٢٤ - تَظْهَرُ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَفْعِ حَوَائِجِهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ عَقْدُ الإِْجَارَةِ، فَإِنَّهُ جُوِّزَ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ. (٢) стр. 9849
وَالْقِيَاسُ فِي الْمُضَارَبَةِ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لأَِنَّهَا اسْتِئْجَارٌ بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ بَل بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ وَلِعَمَلٍ مَجْهُولٍ، لَكِنْ تُرِكَ الْقِيَاسُ؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَى عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ لَكِنَّهُ لاَ يَهْتَدِي إِلَى التِّجَارَةِ، وَقَدْ يَهْتَدِي إِلَى التِّجَارَةِ لَكِنَّهُ لاَ مَال لَهُ، فَكَانَ فِي شَرْعِ هَذَا الْعَقْدِ دَفْعُ الْحَاجَتَيْنِ وَاللَّهُ مَا شَرَعَ الْعُقُودَ إِلاَّ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَفْعِ حَوَائِجِهِمْ. (١)
وَمِنْ ذَلِكَ شَرْطُ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لَكِنْ تُرِكَ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ. (٢)
وَيَقُول الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ قَاعِدَةَ الْقَرْضِ خُولِفَتْ فِيهَا ثَلاَثُ قَوَاعِدُ شَرْعِيَّةٌ، قَاعِدَةُ الرِّبَا إِنْ كَانَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ كَالنَّقْدَيْنِ وَالطَّعَامِ، وَقَاعِدَةُ الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ بَيْعُ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُول مِنْ جِنْسِهِ إِنْ كَانَ فِي الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ، وَقَاعِدَةُ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ. وَسَبَبُ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ مَصْلَحَةُ الْمَعْرُوفِ لِلْعِبَادِ. (٣)
وَفِي قَوَاعِدِ الأَْحْكَامِ لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِعِبَادِهِ السَّعْيَ فِي تَحْصِيل مَصَالِحَ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ تَجْمَعُ كُل قَاعِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهَا مَا فِي مُلاَبَسَتِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، أَوْ مَفْسَدَةٌ تَرْبُو عَلَى الْمَصْلَحَةِ، стр. 9850
وَكَذَلِكَ شَرَعَ لَهُمُ السَّعْيَ فِي دَرْءِ مَفَاسِدَ فِي الدَّارَيْنِ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا تَجْمَعُ كُل قَاعِدَةٍ مِنْهَا عِلَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهَا مَا فِي اجْتِنَابِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، أَوْ مَصْلَحَةٌ تَرْبُو عَلَى الْمَفْسَدَةِ، وَكُل ذَلِكَ رَحْمَةً بِعِبَادِهِ، وَيُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، وَذَلِكَ جَارٍ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَاوَضَاتِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ. (١)
ثَانِيًا: الأَْخْذُ بِالأَْعْرَافِ وَالْعَادَاتِ:
٢٥ - قَدْ تَقْتَضِي مَصَالِحُ النَّاسِ وَحَوَائِجُهُمْ الأَْخْذَ بِالْعَادَاتِ وَالأَْعْرَافِ. لَكِنِ الْمَقْصُودُ هُوَ الْعُرْفُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ دُونَ أَنْ يُحَرِّمَ حَلاَلاً أَوْ يُحِل حَرَامًا. وَلِذَلِكَ يَقُول الْفُقَهَاءُ: الثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ.
وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ، أَيْ مَعْمُولٌ بِهَا شَرْعًا. وَيَقُول الشَّاطِبِيُّ: الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ ضَرُورِيَّةُ الاِعْتِبَارِ شَرْعًا، كَانَتْ شَرْعِيَّةً فِي أَصْلِهَا أَوْ غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ، أَيْ سَوَاءً أَكَانَتْ مُقَرَّرَةً بِالدَّلِيل شَرْعًا - أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ إِذْنًا - أَمْ لاَ، أَمَّا الْمُقَرَّرَةُ بِالدَّلِيل فَأَمْرُهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلاَ يَسْتَقِيمُ إِقَامَةُ التَّكْلِيفِ إِلاَّ بِذَلِكَ. ثُمَّ عَلَّل ذَلِكَ فَقَال: لأَِنَّ الشَّارِعَ بِاعْتِبَارِهِ الْمَصَالِحَ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا لَزِمَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ الْعَوَائِدَ؛ لأَِنَّ أَصْل стр. 9851
التَّشْرِيعِ سَبَبٌ لِلْمَصَالِحِ، وَالتَّشْرِيعُ دَائِمٌ فَالْمَصَالِحُ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى اعْتِبَارِهِ لِلْعَادَاتِ فِي التَّشْرِيعِ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَوَائِدَ لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ لأََدَّى إِلَى تَكْلِيفِ مَا لاَ يُطَاقُ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ أَوْ غَيْرُ وَاقِعٍ. (١)
وَيَقُول ابْنُ عَابِدِينَ فِي بَيْعِ الدَّارِ: الأَْصْل أَنَّ مَا لاَ يَكُونُ مِنْ بِنَاءِ الدَّارِ وَلاَ مُتَّصِلاً بِهَا لاَ يَدْخُل إِلاَّ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ أَنَّ الْبَائِعَ لاَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَالْمِفْتَاحُ يَدْخُل اسْتِحْسَانًا لاَ قِيَاسًا؛ لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ، وَقُلْنَا بِدُخُولِهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ. (٢)
ثَالِثًا: إِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ لِلْحَاجَةِ، وَكَذَلِكَ مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ:
٢٦ - الْحَرِيرُ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَال وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْحَاجَةِ كَإِزَالَةِ الأَْذَى وَالْحِكَّةِ. (٣)
وَالنَّظَرُ إِلَى الأَْجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ لَكِنَّهُ يُبَاحُ عِنْدَ الْخِطْبَةِ وَلِلتَّعْلِيمِ وَلِلإِْشْهَادِ. (٤)
وَالْمَسْأَلَةُ حَرَامٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الذِّلَّةِ وَالاِمْتِهَانِ، لَكِنَّهَا تُبَاحُ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ حَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ مَوَاطِنَ الْحَاجَةِ الَّتِي تُبِيحُ السُّؤَال فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلاَلِيِّ стр. 9852
الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَال قَبِيصَةُ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَال: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَال: ثُمَّ قَال: يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لأَِحَدِ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّل حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَال: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُول ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَال: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا (١) . وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ. (٢)
رَابِعًا: اعْتِبَارُ الشُّبُهَاتِ فِي دَرْءِ الْحُدُودِ:
٢٧ - ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ الْحَاجَةَ شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ لِحَدِّ السَّرِقَةِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُقِمْ حَدَّ السَّرِقَةِ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ، وَأَسْقَطَهَا عَنْ غِلْمَةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَمَا سَرَقُوا بَعِيرًا لآِخَرَ وَذَبَحُوهُ وَأَكَلُوهُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا стр. 9853
مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لاَ يَجِدُ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ لاَ يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ، فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ مَا يَأْكُلُهُ. وَقَدْ بَنَى ابْنُ قُدَامَةَ هَذَا عَلَى قَوْل أَحْمَدَ: لاَ قَطْعَ فِي الْمَجَاعَةِ. وَقَوْلُهُ: لاَ أَقْطَعُهُ إِذَا حَمَلَتْهُ الْحَاجَةُ وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ وَمَجَاعَةٍ. (١) стр. 9854
حَارِصَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَارِصَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْحَرْصِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ الشَّقُّ وَالْخَرْقُ، وَمِنْهُ قِيل: حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ أَيْ شَقَّهُ وَخَرَقَهُ بِالدَّقِّ. (١)
وَالْحَارِصَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ نَوْعٌ مِنَ الشِّجَاجِ وَهِيَ الشَّجَّةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ أَيْ تَخْدِشُهُ وَتَشُقُّهُ قَلِيلاً وَتَقْشُرُهُ شَيْئًا يَسِيرًا وَلاَ تُدْمِيهِ. وَالْحَارِصَةُ تُسَمَّى الْخَادِشَةُ وَالْقَاشِرَةُ أَيْضًا. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّامِيَةُ:
٢ - وَهِيَ الشَّجَّةُ الَّتِي تُحْدِثُ الشَّقَّ فِي الْجِلْدِ وَتُسِيل الدَّمَ، وَتُسَمَّى الْبَازِلَةَ وَالدَّامِعَةَ، وَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الدَّامِعَةِ وَالدَّامِيَةِ، بِأَنَّ الأُْولَى تُظْهِرُ الدَّمَ كَالدَّمْعِ وَلاَ تُسِيلُهُ، وَالدَّامِيَةُ هِيَ الَّتِي تُسِيل الدَّمَ. (٣)
ب - الْبَاضِعَةُ ، وَهِيَ الشَّجَّةُ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ стр. 9855
أَيْ تَقْطَعُهُ وَتَشُقُّهُ بَعْدَ الْجِلْدِ.
ج - الْمُتَلاَحِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ وَتَشُقُّهُ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاضِعَةِ دُونَ الْعَظْمِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْمُتَلاَحِمَةَ هِيَ الَّتِي غَاصَتْ فِي اللَّحْمِ بِتَعَدُّدٍ، أَيْ يَمِينًا وَشِمَالاً وَلَمْ تَقْرَبْ لِلْعَظْمِ، فَإِنِ انْتَفَى التَّعَدُّدُ فَبَاضِعَةٌ.
د - السِّمْحَاقُ: وَهِيَ الَّتِي تَصِل إِلَى الْقِشْرَةِ الرَّقِيقَةِ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالَّتِي تُسَمَّى سِمْحَاقًا، وَلِهَذَا تُسَمَّى الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إِلَيْهَا سِمْحَاقًا. (١)
وَهَذِهِ الأَْرْبَعُ تَشْتَرِكُ مَعَ الْحَارِصَةِ فِي الْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَنَّ فِي كُل نَوْعٍ مِنْهَا حُكُومَةَ عَدْلٍ.
وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ الشِّجَاجِ فِي بَعْضِهَا قِصَاصٌ كَالْمُوضِحَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتُبْدِي بَيَاضَهُ، وَفِي بَعْضِهَا دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَلاَ قِصَاصَ، كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآْمَّةِ وَالْجَائِفَةِ، مَعَ خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ، وَيُنْظَرُ حُكْمُ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي الْحَارِصَةِ وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ (٢) إِذْ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، стр. 9856
وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا، فَوَجَبَ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ. (١)
وَلِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ تَقْدِيرِ حُكُومَةِ الْعَدْل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (حُكُومَةُ عَدْلٍ) .
٤ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْحَارِصَةِ وَأَخَوَاتِهَا مَا قَبْل الْمُوضِحَةِ، وَذَلِكَ بِالْقِيَاسِ طُولاً وَعَرْضًا وَعُمْقًا، وَالْقِصَاصُ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْحَارِصَةِ إِذَا تَيَسَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢) ، وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَاعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بِأَنْ يَسْبُرَ غَوْرَهَا بِمِسْبَارٍ ثُمَّ يَتَّخِذَ حَدِيدَةً بِقَدْرِهِ فَيَقْطَعَ. (٣)
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ السِّمْحَاقَ فَلاَ قَوَدَ فِيهَا، كَمَا لاَ قَوَدَ عِنْدَهُمْ فِي مَا بَعْدَهَا مِنَ الْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَغَيْرِهِمَا. (٤)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْحَارِصَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنَ الشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ فِي أَبْوَابِ الْجِنَايَاتِ وَالدِّيَاتِ وَالْقِصَاصِ. فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا وَأَبْوَابِهَا. стр. 9857
حَافِدٌ
انْظُرْ: حَفِيدٌ
حَاقِبٌ
انْظُرْ: حَاقِنٌ
стр. 9858
حَاقِنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَاقِنُ لُغَةً: مِنْ حَقَنَ الشَّيْءَ يَحْقِنُهُ حَقْنًا حَبَسَهُ فَهُوَ مَحْقُونٌ وَحَقِينٌ، وَحَقَنَ الرَّجُل بَوْلَهُ حَبَسَهُ، وَبَعِيرٌ مِحْقَانٌ يَحْقِنُ الْبَوْل فَإِذَا بَال أَكْثَرَ مِنْهُ، وَاحْتَقَنَ الْمَرِيضُ احْتَبَسَ بَوْلُهُ. وَالْحَاقِنُ هُوَ الَّذِي لَهُ بَوْلٌ شَدِيدٌ. (١)
وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ رَأْيَ لِحَاقِنٍ، وَلاَ لِحَاقِبٍ، وَلاَ لِحَازِقٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَاقِبُ:
٢ - الْحَاقِبُ لُغَةً مِنْ حَقِبَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ حَقِبٌ إِذَا تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الْبَوْل، أَوِ احْتَبَسَ، وَالْحَاقِبُ أَيْضًا هُوَ الَّذِي احْتَاجَ إِلَى الْخَلاَءِ فَلَمْ يَتَبَرَّزْ أَوْ حُصِرَ غَائِطُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ رَأْيَ لِحَاقِنٍ، وَلاَ لِحَاقِبٍ وَلاَ لِحَازِقٍ (٣) . стр. 9859
وَالْحَقَبُ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ رَحْل الْبَعِيرِ إِلَى بَطْنِهِ كَيْ لاَ يَتَقَدَّمَ إِلَى كَاهِلِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْحِزَامِ، وَالْحِقْبَةُ مِنَ الدَّهْرِ مُدَّةٌ لاَ وَقْتَ لَهَا، وَالأَْحْقَابُ الدُّهُورُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (١) . وَحَقِبَتِ السَّمَاءُ حَقَبًا إِذَا لَمْ تُمْطِرْ، وَحَقِبَ الْمَطَرُ حَقَبًا إِذَا احْتَبَسَ، وَكُل مَاءٍ احْتَبَسَ فَقَدْ حَقِبَ. وَالْحَاقِبُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الْمُدَافِعُ لِلْغَائِطِ. (٢)
ب - الْحَصْرُ:
٣ - الْحَصْرُ هُوَ احْتِبَاسُ الْبَطْنِ، وَقَدْ حُصِرَ وَأُحْصِرَ وَيُقَال: حُصِرَ غَائِطُهُ وَأُحْصِرَ بِغَائِطِهِ وَحُصِرَ عَلَيْهِ بَوْلُهُ وَخَلاَؤُهُ. وَالْحَصْرُ مَصْدَرُ حَصِرَ يَحْصَرُ حَصَرًا، إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلاَمِ، وَالْحَصُورُ الْكَتُومُ لِلسِّرِّ الْحَابِسُ لَهُ لاَ يَبُوحُ بِهِ، وَحَصِرَ صَدْرُهُ ضَاقَ وَحَصَرَهُ الْمَرَضُ وَالْعَدُوُّ، وَأَحْصَرَهُ إِذَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ مِنَ الْمُضِيِّ لِحَاجَتِهِ. (٣)
ج - الْحَازِقُ:
٤ - الْحَازِقُ الْمَحْصُورُ بِالرِّيحِ، وَالْحَاقِبُ الْمَحْصُورُ بِالْبَوْل وَالْغَائِطِ، وَقِيل الْحَازِقُ الْمَحْصُورُ بِالْبَوْل стр. 9860
وَالْغَائِطِ، وَقِيل: الْحَازِقُ الَّذِي ضَاقَ خُفُّهُ فَحَزَقَ قَدَمَهُ أَيْ ضَغَطَهَا. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْحَاقِنِ وَهُوَ الْمُدَافِعُ لِلْبَوْل، وَصَلاَةَ الْحَاقِبِ وَهُوَ الْمُدَافِعُ لِلْغَائِطِ مَكْرُوهَةٌ أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ تَحْرِيمًا لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَْخْبَثَانِ (٢) .
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُخِل بِالْخُشُوعِ وَبِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفْرِغَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ قَبْل دُخُول الصَّلاَةِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْحَاقِنِ أَوِ الْحَاقِبِ أَنْ يُفْرِغَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ. وَتَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِمَا إِذَا بَدَأَ الصَّلاَةَ وَهُوَ حَاقِبٌ، أَمَّا إِذَا طَرَأَ لَهُ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّلاَةِ إِذَا كَانَتْ مَفْرُوضَةً إِلاَّ إِنْ ظَنَّ بِكَتْمِهِ ضَرَرًا. (٣) стр. 9861
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَصَلاَةُ الْحَاقِبِ أَوِ الْحَاقِنِ مَكْرُوهَةٌ، سَوَاءٌ طَرَأَ لَهُ ذَلِكَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّلاَةِ قَطَعَهَا إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَإِنْ أَتَمَّهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ أَثِمَ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: لاَ يَحِل لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ (١) وَمِثْلُهُ الْحَاقِبُ. (٢)
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَهَتْ بِهِ مُدَافَعَةُ الأَْخْبَثَيْنِ إِلَى أَنْ ذَهَبَ خُشُوعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَْخْبَثَانِ. (٣)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ صَلاَةَ الْحَاقِنِ وَالْحَاقِبِ بَاطِلَةٌ إِذَا كَانَ فِي الإِْتْيَانِ بِهَا مَعَهُ مَشَقَّةٌ أَوْ مَشْغَلَةٌ. (٤)
قَضَاءُ الْحَاقِنِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ стр. 9862
وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الرَّأْيِ وَيَشْغَل الْفِكْرَ الْمُوَصِّل إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ غَالِبًا وَلأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (١) .
وَلَكِنْ إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَهُوَ حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ. فَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ فَأَصَابَ الْحَقَّ نَفَذَ حُكْمُهُ. (٢)
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلْحَنَابِلَةِ: لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (٣)
وَجَرَى مِثْل هَذَا الْخِلاَفِ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ فِي إِفْتَاءِ الْحَاقِنِ وَالْحَاقِبِ. стр. 9863
فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: بِتَحْرِيمِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يُفْتِي الْمُفْتِي وَهُوَ حَاقِبٌ أَوْ حَاقِنٌ، فَإِنْ أَفْتَى وَأَصَابَ صَحَّتْ فَتْوَاهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (١) стр. 9864
حَاكِمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَاكِمُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ: حَكَمَ بِمَعْنَى: قَضَى. يُقَال: حَكَمَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ لَهُ: وَالْوَصْفُ: حَاكِمٌ وَحَكَمٌ، وَالْحَكَمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى. (١)
وَالْحَاكِمُ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: هُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَل الْخَلِيفَةَ، وَالْوَالِيَ، وَالْقَاضِيَ، وَالْمُحَكَّمَ، (٢) إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقَاضِي. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ فِي تَعْرِيفِ الْحَاكِمِ: الْحَاكِمُ هُوَ: الَّذِي نُصِّبَ وَعُيِّنَ مِنْ قِبَل السُّلْطَانِ لأَِجْل فَصْل وَحَسْمِ الدَّعْوَى، وَالْمُخَاصَمَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ تَوْفِيقًا لأَِحْكَامِهَا. (٣)
وَالْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فِي تَقْسِيمَاتِ الْحُكْمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الشَّارِعُ وَالْمُكَلِّفُ بِالأَْحْكَامِ. стр. 9865
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُحْتَسِبُ:
٢ - الْمُحْتَسِبُ: مِنَ الاِحْتِسَابِ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الأَْجْرِ، وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ. (١) وَيَتَوَلَّى ضَبْطَ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيل، وَسَائِرَ أُمُورِ الْحِسْبَةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ الْفَصْل فِي الْخُصُومَاتِ.
ب - الْمُفْتِي:
٣ - الْمُفْتِي: هُوَ مَنْ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِدُونِ إِلْزَامٍ. (٢)
أَوَّلاً - الْحَاكِمُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ الْمُتَكَلِّمِينَ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْحَاكِمَ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ ، فَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، لاَ يَنْفُذُ فِي خَلْقِهِ إِلاَّ مَا شَاءَ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُ الْعِبَادَ وَيَنْهَاهُمْ، وَيَجِبُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَيُثَابُونَ بِالطَّاعَةِ، وَيُعَاقَبُونَ بِالْمَعْصِيَةِ، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ يُطْلَقُ لَفْظُ الْحَاكِمِ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَالْقَاضِي بِمَعْنَى مَنْ إِلَيْهِ فَصْل الْخُصُومَاتِ. وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. стр. 9866
ثَانِيًا: الْحَاكِمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فِي تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ:
٥ - تَنْصِيبُ الْحَاكِمِ بِمَعْنَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ بِشُرُوطٍ وَقَوَاعِدَ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .
وَأَمَّا الْحَاكِمُ بِمَعْنَى الْقَاضِي فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَوَلِّيَ الْقَضَاءِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ يَسْقُطُ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِلاَّ أَثِمُوا جَمِيعًا، وَتَنْصِيبُ الْحَاكِمِ فَرْضٌ عَلَى الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ يُنْصَبُ لإِِقَامَةِ أَمْرٍ مَفْرُوضٍ، وَهُوَ فَصْل الْخُصُومَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالإِْمَامُ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِاسْمِهِمُ الْمَسْئُول عَنْهُمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُ الْقُضَاةِ فِي كُل الأَْنْحَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (١) . وَلِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَلِمِسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِتَقْيِيدِ الأَْحْكَامِ، وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ؛ وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْفَسَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. (٢)
وَتَنْصِيبُ الْحَاكِمِ مِنِ اخْتِصَاصِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِإِذْنِهِ. وَلاَ تَثْبُتُ وِلاَيَتُهُ إِلاَّ بِتَوْلِيَةِ الإِْمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ стр. 9867
بِإِذْنِهِ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْمَنُوطَةِ بِالإِْمَامِ، كَعَقْدِ الْجِزْيَةِ، وَالْهُدْنَةِ، فَلَمْ تَجُزْ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ. (١)
وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ وَمَا تَنْعَقِدُ بِهِ وِلاَيَتُهُ وَشُرُوطِهِ وَاخْتِصَاصَاتِهِ وَتَعَدُّدِهِ وَقَابِلِيَّةِ أَحْكَامِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ لِلنَّقْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُنْظَرُ فِي: (قَضَاءٌ) . стр. 9868
حَامِلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَامِل فِي اللُّغَةِ الْحُبْلَى وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَمَل الشَّيْءَ حَمْلاً، وَالْحَمْل أَيْضًا مَا يُحْمَل فِي الْبَطْنِ مِنَ الْوَلَدِ وَجَمْعُهُ أَحْمَالٌ وَحِمَالٌ، يُقَال: حَمِلَتِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ وَحَمَلَتْ بِهِ عَلِقَتْ فَهِيَ حَامِلٌ بِغَيْرِ هَاءٍ؛ لأَِنَّهَا صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالإِْنَاثِ، وَرُبَّمَا قِيل: حَامِلَةٌ. وَتُسْتَعْمَل فِي كُل أُنْثَى مِنَ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ. يُقَال: حَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، وَكُل بَهِيمَةٍ تَلِدُ حَبَلاً إِذَا حَمِلَتْ بِالْوَلَدِ، فَهِيَ حُبْلَى. وَقَال بَعْضُهُمُ: الْحَبَل مُخْتَصٌّ بِالآْدَمِيَّاتِ، وَأَمَّا الْحَمْل فَيَشْمَل الآْدَمِيَّاتِ وَالْبَهَائِمَ وَالشَّجَرَ، وَيُقَال فِيهَا: (حَمْلٌ) بِالْمِيمِ. (١)
أَمَّا حَمْل الْمَتَاعِ فَيُقَال فِيهِ: حَامِلٌ لِلذَّكَرِ، وَحَامِلَةٌ بِالْهَاءِ لِلأُْنْثَى؛ لأَِنَّهَا صِفَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَالْحِمْل: مَا يُحْمَل عَلَى الظَّهْرِ وَنَحْوِهِ. (٢)
وَتُنْظَرُ أَحْكَامُ حَمْل الْمَتَاعِ فِي مُصْطَلَحِ: (حَمْلٌ) (وَإِجَارَةٌ) . стр. 9869
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْحَائِل:
٢ - الْحَائِل هِيَ الأُْنْثَى الَّتِي لَمْ تَحْمِل فَهِيَ مُقَابِل الْحَامِل. (١)
أَحْكَامُ الْحَامِل:
أَوَّلاً: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ:
دَمُ الْحَامِل:
٣ - الْغَالِبُ عَدَمُ نُزُول الدَّمِ مِنَ الْحَامِل؛ لأَِنَّ فَمَ الرَّحِمِ يَنْسَدُّ بِالْحَبَل عَادَةً، وَلاَ يَنْفَتِحُ إِلاَّ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ حَيْثُ يَنْدَفِعُ النِّفَاسُ. فَإِذَا رَأَتِ الْحَامِل دَمًا حَال الْحَمْل وَقَبْل الْمَخَاضِ يَكُونُ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اعْتَبَرُوا الدَّمَ النَّازِل مِنَ الْحَامِل قَبْل وِلاَدَتِهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ نِفَاسًا.
وَالاِسْتِحَاضَةُ لاَ تُسْقِطُ الصَّلاَةَ، وَلاَ تُحَرِّمُ الصَّوْمَ اتِّفَاقًا، وَلاَ الْجِمَاعَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، بِخِلاَفِ النِّفَاسِ الَّذِي يُسْقِطُ الصَّلاَةَ وَيُحَرِّمُ الصَّوْمَ وَالْوَطْءَ. (٢)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّ стр. 9870
الدَّمَ النَّازِل مِنَ الْحَامِل يُعْتَبَرُ حَيْضًا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ وَالْوَطْءَ، لَكِنَّهُ لاَ يُحْسَبُ مِنْ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ. (١)
أَمَّا الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِل بَيْنَ الْوِلاَدَتَيْنِ فِي أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَفِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ دَمُ نِفَاسٍ يَمْنَعُ الصَّوْمَ، وَالصَّلاَةَ، وَالْوَطْءَ؛ لأَِنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ عَقِيبَ الْوِلاَدَةِ. وَهَذَا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِمَاعِ؛ لأَِنَّ النِّفَاسَ يَتَعَلَّقُ بِوَضْعِ مَا فِي الْبَطْنِ وَهِيَ لاَ تَزَال حُبْلَى، وَهَذَا رَأْيُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ يَكُونُ بِوِلاَدَةِ الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِفَرَاغِ الرَّحِمِ وَلَمْ يَحْصُل بِوِلاَدَةِ الأَْوَّل. (٢) وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِحَاضَةٌ ف ٢٢ - ٢٥) وَتَوْأَمٌ (ج ١٤ ١٠٣) وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (حَيْضٌ، نِفَاسٌ) .
إِفْطَارُ الْحَامِل فِي رَمَضَانَ:
٤ - يَجُوزُ لِلْحَامِل أَنْ تُفْطِرَ إِنْ خَافَتْ ضَرَرًا بِغَلَبَةِ стр. 9871
الظَّنِّ عَلَى نَفْسِهَا وَوَلَدِهَا، وَيَجِبُ ذَلِكَ إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا هَلاَكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِلاَ فِدْيَةٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ إِذَا أَفْطَرَتِ الْحَامِل خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا؛ لأَِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ. (١)
وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْفِدْيَةُ كَذَلِكَ إِذَا أَفْطَرَتْ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْحَمْل مُتَّصِلٌ بِالْحَامِل، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا، وَلأَِنَّ الْفِدْيَةَ ثَبَتَتْ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي بِخِلاَفِ الْقِيَاسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةِ، وَالْفِطْرُ بِسَبَبِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ: إِذَا أَفْطَرَتِ الْحَامِل خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا فَعَلَيْهَا مَعَ الْقَضَاءِ الْفِدْيَةُ (طَعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُل يَوْمٍ) ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) أَنَّهُ نُسِخَ حُكْمُهُ إِلاَّ فِي حَقِّ الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلاَدِهِمَا. (٤) стр. 9872
نِكَاحُ الْحَامِل:
٥ - الْحَامِل مِنْ غَيْرِ الزِّنَى، أَيْ مَنْ كَانَ حَمْلُهَا ثَابِتَ النَّسَبِ لاَ يَصِحُّ نِكَاحُهَا لِغَيْرِ مَنْ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ قَبْل وَضْعِ الْحَمْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الْحَمْل إِذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنَ الْغَيْرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَمْ فَاسِدٍ أَمْ وَطْءِ شُبْهَةٍ لَزِمَ حِفْظُ حُرْمَةِ مَائِهِ بِالْمَنْعِ مِنَ النِّكَاحِ، وَلأَِنَّ عِدَّةَ الْحَامِل لاَ تَنْتَهِي إِلاَّ بِوَضْعِ الْحَمْل، وَلاَ يَجُوزُ نِكَاحُ مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١) أَيْ مَا كُتِبَ عَلَيْهَا مِنَ التَّرَبُّصِ. (٢)
وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحَامِل الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ بَيْنُونَةً صُغْرَى لِمَنْ لَهُ الْحَمْل أَيِ الزَّوْجِ السَّابِقِ؛ لأَِنَّ الْعِدَّةَ حَقُّ الزَّوْجِ فَلاَ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِ.
أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا (الْبَائِنُ بَيْنُونَةً كُبْرَى) فَلاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْل اتِّفَاقًا. (٣)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الْحَامِل مِنْ زِنًى: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا قَبْل وَضْعِ الْحَمْل، لاَ مِنَ الزَّانِي نَفْسِهِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ стр. 9873
: لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ (١) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمَّا أَصَابَهَا وَجَدَهَا حُبْلَى فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ الْحَامِل مِنَ الزِّنَى؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِ الْحَامِل حَمْلاً ثَابِتَ النَّسَبِ لِحُرْمَةِ مَاءِ الْوَطْءِ، وَلاَ حُرْمَةَ لِمَاءِ الزِّنَى بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (٣) . وَلاَ تُشْتَرَطُ التَّوْبَةُ لِصِحَّةِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ رَجُلاً وَامْرَأَةً فِي الزِّنَى وَحَرَصَ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا. (٤) стр. 9874
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ التَّوْبَةَ لِجَوَازِ نِكَاحِ الْحَامِل مِنَ الزِّنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ﴾ . . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وَهِيَ قَبْل التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَى، فَإِذَا تَابَتْ زَال ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ (٢) .
وَمَعَ الْقَوْل بِجَوَازِ نِكَاحِ الْحَامِل مِنَ الزِّنَى فَلاَ فَرْقَ فِي حِل نِكَاحِهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَامِل إِذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ مَنْ زَنَى بِهَا لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلاَ يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ (٣) " وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (عِدَّةٌ، نِكَاحٌ، زِنًى) .
وَإِذَا تَزَوَّجَهَا مَنْ لَهُ الْحَمْل جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُونَ نِكَاحَهَا (٤) . стр. 9875
طَلاَقُ الْحَامِل:
٦ - يَصِحُّ طَلاَقُ الْحَامِل رَجْعِيًّا وَبَائِنًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَيُعْتَبَرُ طَلاَقُهَا طَلاَقَ السُّنَّةِ إِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ ثَلاَثًا يَفْصِل بَيْنَ كُل تَطْلِيقَتَيْنِ بِشَهْرٍ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَانْظُرْ (طَلاَقٌ) .
فَإِذَا طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا صَحَّ رُجُوعُ الزَّوْجِ إِلَيْهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ. وَيَصِحُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ إِذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا بِطَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَلَّقَهَا ثَلاَثًا حَيْثُ لاَ يَجُوزُ نِكَاحُهَا مُطْلَقًا إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْل، وَلاَ تَحِل لِمُطَلِّقِهَا ثَلاَثًا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. (١)
وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِحَمْلٍ كَأَنْ قَال: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ بِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ وَقَعَ الطَّلاَقُ فِي الْحَال عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِلاَّ فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَعَ مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ؛ لِثُبُوتِ الْحَمْل؛ إِذْ أَقَل مُدَّتِهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. (٢)
أَمَّا إِذَا وَلَدَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي بَحْثِ: (طَلاَقٌ) .
عِدَّةُ الْحَامِل:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحَامِل следующие страницы →