← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

بِنَاءُ الْحَائِطِ الْجَدِيدِ: ١٢ - إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مِلْكَيِ الشَّرِيكَيْنِ حَائِطٌ قَدِيمٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنَ الآْخَرِ مُبَانَاتَهُ حَائِطًا يَحْجِزُ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْبِنَاءَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ إِلاَّ فِي مِلْكِهِ خَاصَّةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ جَارِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلاَ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ مَا لَهُ فِيهِ رَسْمٌ، وَهَذَا لاَ رَسْمَ لَهُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا (١) . وَضْعُ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ: ١٣ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْقَافِهِ وَلَوْ دَفَعَ الأُْجْرَةَ؛ لأَِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي حَقِّ الْكُل، لَكِنَّهُ تُرِكَ فِي حَقِّ الْجَارِ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِي غَيْرِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا جَازَ فِي مِلْكِ الْجَارِ مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، فَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ أَوْلَى (٢) . الإِْحْيَاءُ بِتَحْوِيطِ الأَْرْضِ: ١٤ - يُعْتَبَرُ تَحْوِيطُ الْحَائِطِ عَلَى الأَْرْضِ، مِمَّا

стр. 9802

يَحْصُل بِهِ إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ، وَيُمْلَكُ بِذَلِكَ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ ف ٢٤ ص ٢٤٨ ج ٢) ثَانِيًا - الْحَائِطُ (الْبُسْتَانُ) : مَعْلُومِيَّةُ الْحَائِطِ فِي الْمُسَاقَاةِ: ١٥ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْحَائِطِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِجَوَازِهَا - أَنْ يَكُونَ شَجَرُ الْحَائِطِ مَعْلُومًا إِمَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْوَصْفِ، فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ، أَوْ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ؛ لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلاَفِ الأَْعْيَانِ فَلَمْ تَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ. بِهَذَا قَال جُمْهُورُ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْمُسَاقَاةِ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وُرُودُهَا عَلَى مُعَيَّنٍ مَرْئِيٍّ لِلْمَالِكِ وَالْعَامِل، فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى مُبْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ أَوْ عَلَى غَيْرِ الْمَرْئِيِّ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَالْمُسَاقَاةُ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) . وَلِلتَّفْصِيل: (ر: مُسَاقَاةٌ) .

стр. 9803

حَائِلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَائِل فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ حَالَتِ الْمَرْأَةُ حِيَالاً إِذَا لَمْ تَحْمِل. وَيُسْتَعْمَل وَصْفًا لِكُل أُنْثَى لَمْ تَحْمِل مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ. وَضِدُّ الْحَائِل: الْحَامِل (١) . وَالْحَائِل أَيْضًا: السَّاتِرُ وَالْحَاجِزُ، وَالْحَاجِبُ مِنْ حَال يَحُول حَيْلُولَةً بِمَعْنَى حَجَزَ وَمَنَعَ الاِتِّصَال، يُقَال: حَال النَّهْرُ بَيْنَنَا حَيْلُولَةً أَيْ حَجَزَ (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنِ الْمَعْنَيَيْنِ السَّابِقَيْنِ (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: السُّتْرَةُ: ١ - السُّتْرَةُ هِيَ مَا يَنْصِبُهُ الْمُصَلِّي قُدَّامَهُ عَلاَمَةً

стр. 9804

لِلصَّلاَةِ مِنْ عَصًا أَوْ تَسْنِيمِ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَسُمِّيَتْ سُتْرَةً لأَِنَّهَا تَسْتُرُ الْمَارَّ مِنَ الْمُرُورِ أَيْ تَحْجُبُهُ، فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْحَائِل بِمَعْنَى الْحَاجِزِ (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: أَوَّلاً - حُكْمُ الْحَائِل (بِمَعْنَى غَيْرِ الْحَامِل) : ٣ - الْحَوَائِل مِنَ النِّسَاءِ يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، كَالْعِدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ أَوِ الْوَفَاةِ، وَإِذَا طُلِّقْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ - حِيَضٍ أَوْ أَطْهَارٍ - عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، أَوْ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ لِمَنْ لَمْ يَحِضْنَ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ (٢) . (ر: نِكَاحٌ، وَعِدَّةٌ) . وَتَخْتَلِفُ الْحَامِل عَنِ الْحَائِل بِأَحْكَامٍ مُبَيَّنَةٍ فِي مُصْطَلَحَيْ: (حَمْلٌ) (وَحَامِلٌ) . ثَانِيًا - حُكْمُ الْحَائِل بِمَعْنَى الْحَاجِزِ: أ - فِي الْوُضُوءِ: ٤ - مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لَمْسُ الرَّجُل الْمَرْأَةَ وَعَكْسُهُ دُونَ حَائِلٍ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣) .

стр. 9805

وَكَذَلِكَ مَسُّ قُبُل الآْدَمِيِّ يَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ حَائِلٍ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلاَ حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأْ (١) . وَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ حَلَقَةِ الدُّبُرِ عَلَى الْجَدِيدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّل بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٣) . وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّمْسِ فِي الآْيَةِ الْجِمَاعُ، كَمَا فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ (٤) . كَذَلِكَ لاَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ الْفَرْجِ عِنْدَ

стр. 9806

الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ: هَل فِي مَسِّ الذَّكَرِ وُضُوءٌ؟ قَال: لاَ هَل هُوَ إِلاَّ مُضْغَةٌ مِنْكَ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْكَ؟ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وُضُوءٌ، وَلَمْسٌ) . ب - فِي الْغُسْل: ٥ - مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْل إِيلاَجُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْل (٢) . فَإِذَا كَانَ الإِْيلاَجُ بِغَيْرِ حَائِلٍ وَجَبَ الْغُسْل اتِّفَاقًا. أَنْزَل أَوْ لَمْ يُنْزِل (٣) . أَمَّا إِذَا كَانَ

стр. 9807

بِحَائِلٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (غُسْلٌ، وَجَنَابَةٌ) . ج - فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ: ٦ - الْفَرْضُ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى مَنْ يُعَايِنُ الْكَعْبَةَ إِصَابَةُ عَيْنِهَا، أَيْ مُقَابَلَةُ ذَاتِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا، وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ (١) . أَمَّا غَيْرُ الْمُعَايِنِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ فَهُوَ كَالْغَائِبِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَكْفِيهِ اسْتِقْبَال الْجِهَةِ (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا إِصَابَةُ الْعَيْنِ، ثُمَّ فَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ تَعَذَّرَتْ إِصَابَةُ الْعَيْنِ بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ، كَجَبَلٍ وَنَحْوِهِ اجْتَهَدَ إِلَى عَيْنِهَا، وَمَعَ حَائِلٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَالْمَنَازِل لاَ بُدَّ مِنْ تَيَقُّنِهِ مُحَاذَاةَ الْقِبْلَةِ بِنَظَرٍ أَوْ خَبَرِ ثِقَةٍ (٣) . وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْحَائِل الْخِلْقِيِّ وَالْحَادِثِ فَقَالُوا: لَوْ كَانَ حَاضِرًا بِمَكَّةَ وَحَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ خِلْقِيٌّ كَجَبَلٍ، أَوْ حَادِثٌ كَبِنَاءٍ جَازَ لَهُ

стр. 9808

الاِجْتِهَادُ إِذَا فَقَدَ ثِقَةً يُخْبِرُهُ؛ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْمُعَايَنَةَ مِنَ الْمَشَقَّةِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ ج ٤ ص ٦٤، ٦٥) . د - مَسُّ الْمُصْحَفِ: ٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِلاَ حَائِلٍ. قَال تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) . وَفِي كِتَابِهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لاَ يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (٣) . وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّهِ بِحَائِلٍ، كَغِلاَفٍ أَوْ كُمٍّ أَوْ نَحْوِهِمَا. فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ بِحَائِلٍ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ الْحَائِل ثَخِينًا، حَيْثُ يُعَدُّ مَاسًّا عُرْفًا. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَإِنْ مَسَّهُ بِقَضِيبٍ وَنَحْوِهِ وَكَذَلِكَ مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَإِنْ بِعَلاَّقَةٍ أَوْ وِسَادَةٍ إِلاَّ بِأَمْتِعَةٍ قَصَدَ حَمْلَهَا (٤) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ مَسِّ الْمُصْحَفِ

стр. 9809

لِلْمُحْدِثِ بِحَائِلٍ مِمَّا لاَ يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ كَكِيسٍ وَكُمٍّ (١) . لأَِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَمَعَ الْحَائِل إِنَّمَا يَكُونُ الْمَسُّ لِلْحَائِل دُونَ الْمُصْحَفِ (٢) . وَمِثْلُهُ مَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْحَائِل الْمُنْفَصِل وَالْمُتَّصِل فَقَالُوا: يَحْرُمُ مَسُّ الْمُصْحَفِ لِلْمُحْدِثِ إِلاَّ بِغِلاَفٍ مُتَجَافٍ - أَيْ غَيْرِ مَخِيطٍ - أَوْ بِصُرَّةٍ. وَالْمُرَادُ بِالْغِلاَفِ مَا كَانَ مُنْفَصِلاً كَالْخَرِيطَةِ وَنَحْوِهَا؛ لأَِنَّ الْمُتَّصِل بِالْمُصْحَفِ مِنْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ الْفَتْوَى (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ: (مُصْحَفٌ) . هـ - الاِقْتِدَاءُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ: ٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ إِذَا حَال بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي جِدَارٌ كَبِيرٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ يَمْنَعُ الْمُقْتَدِيَ مِنَ الْوُصُول إِلَى إِمَامِهِ لَوْ قَصَدَ الْوُصُول إِلَيْهِ. وَيَصِحُّ إِذَا كَانَ الْحَائِل صَغِيرًا لاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْجِدَارُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا فَقَالُوا بِجَوَازِ الاِقْتِدَاءِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ

стр. 9810

سَمَاعِ الإِْمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ رُؤْيَةِ فِعْل أَحَدِهِمَا (١) . وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ إِذَا حَال بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي نَهْرٌ كَبِيرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، وَمِثْلُهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ عَجَلَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اقْتِدَاءٌ ج ٦ ص ٢٣، ٢٤) .

стр. 9811

حَاجِبٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَاجِبُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْحَجْبِ أَيِ: الْمَنْعِ، يُقَال: حَجَبَهُ أَيْ: مَنَعَهُ عَنِ الدُّخُول أَوِ الْوُصُول، وَكُل شَيْءٍ مَنَعَ شَيْئًا فَقَدْ حَجَبَهُ، وَمِنْهُ حَجْبُ الإِْخْوَةِ الأُْمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَحَجْبُ الاِبْنِ الأَْخَ. وَقِيل لِلْبَوَّابِ: حَاجِبٌ؛ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الدُّخُول، وَمِنْهُ حَاجِبُ الأَْمِيرِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا. وَالْحَاجِبَانِ: الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فَوْقَ الْعَيْنَيْنِ بِلَحْمِهِمَا وَشَعْرِهِمَا، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا كَالْحَاجِبَيْنِ لِلْعَيْنِ فِي الذَّبِّ عَنْهُمَا. وَقِيل: الْحَاجِبُ: الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يَحْجُبُ عَنِ الْعَيْنِ شُعَاعَ الشَّمْسِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

стр. 9812

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْبَوَّابُ وَالنَّقِيبُ: ٢ - عَقَدَ الشَّيْخُ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ صِلَةً وَمُقَارَنَةً بَيْنَ الْحَاجِبِ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنَ الْبَوَّابِ وَالنَّقِيبِ فَقَال: الْحَاجِبُ: مَنْ يَدْخُل عَلَى الْقَاضِي لِلاِسْتِئْذَانِ. وَالْبَوَّابُ: مَنْ يَقْعُدُ بِالْبَابِ لِلإِْحْرَازِ. وَالنَّقِيبُ: مَنْ وَظِيفَتُهُ تَرْتِيبُ الْخُصُومِ وَالإِْعْلاَمُ بِمَنَازِل النَّاسِ (١) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: بَحَثَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ الْحَاجِبِ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: أَوَّلاً: غَسْل الْحَاجِبِ فِي الْوُضُوءِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل الْحَاجِبِ الْخَفِيفِ. . شَعْرًا وَمَنْبَتًا بِإِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ إِنْ كَانَتْ تَظْهَرُ تَحْتَ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُوَاجَهَةِ؛ لأَِنَّ الَّذِي لاَ يَسْتُرُهُ شَعْرٌ يُشْبِهُ مَا لاَ شَعْرَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ غَسْل الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْمَحَل، وَلأَِنَّهُ لاَ حَرَجَ فِي غَسْل مَنْبَتِ شَعْرِ الْحَاجِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ. ٤ - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الْحَاجِبِ الْكَثِيفِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ)

стр. 9813

إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل أُصُول شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ إِذَا كَانَا كَثِيفَيْنِ وَيُكْتَفَى بِغَسْل ظَاهِرِ الشَّعْرِ؛ لأَِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا دَاخِلَيْنِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ إِلاَّ أَنَّ فِي إِيجَابِ غَسْل أُصُول شَعْرِهِمَا حَرَجًا، وَلأَِنَّ مَحَل الْفَرْضِ اسْتَتَرَ بِحَائِلٍ وَصَارَ بِحَالٍ لاَ يُوَاجِهُ النَّاظِرَ إِلَيْهِ فَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ وَتَحَوَّل إِلَى الْحَائِل. لَكِنْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَخْلِيل شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ أَوْ غَسْل بَاطِنِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُسَنُّ تَخْلِيل الشَّعْرِ الْكَثِيفِ بِالْحَاجِبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا الْمُحْرِمُ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَسْقُطَ الشَّعْرُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ: يُكْرَهُ التَّخْلِيل. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ غَسْل بَاطِنِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ إِذَا كَانَ كَثِيفًا فِي الْوُضُوءِ. خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل الْحَاجِبَيْنِ شَعْرًا وَبَشَرًا، أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا لِنُدْرَةِ كَثَافَتِهِ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ (١) . ثَانِيًا - صَلاَةُ الْعَاجِزِ إِيمَاءً بِالْحَاجِبِ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ

стр. 9814

الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ الْمَفْرُوضَةُ إِلاَّ بِهَذِهِ الأَْرْكَانِ - وَغَيْرِهَا - لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنِ الْقِيَامِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالإِْيمَاءِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ يَسْتَلْقِي وَيُومِئُ إِيمَاءً؛ لأَِنَّ سُقُوطَ أَيٍّ مِنَ الأَْرْكَانِ لِمَكَانِ الْعُذْرِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْعُذْرِ، وَالإِْيمَاءُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ هُوَ تَحْرِيكُ الرَّأْسِ. ٦ - وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِتَحْرِيكِ رَأْسِهِ، وَاخْتِلاَفُهُمْ هُنَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِيرَادُ كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ. الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ وَهُوَ تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ صَلَّى جَالِسًا، فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ صَلَّى نَائِمًا يُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ سَبَّحَ (١) . أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ الإِْيمَاءُ بِغَيْرِ تَحْرِيكِ الرَّأْسِ كَالْحَاجِبِ لَمَا كَانَ مَعْذُورًا، وَلأَِنَّ الإِْيمَاءَ

стр. 9815

لَيْسَ بِصَلاَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ التَّنَفُّل بِهِ فِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَلَوْ كَانَ صَلاَةً لَجَازَ كَمَا لَوْ تَنَفَّل قَاعِدًا إِلاَّ أَنَّهُ أُقِيمَ مُقَامَ الصَّلاَةِ بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِالإِْيمَاءِ بِالرَّأْسِ فَلاَ يُقَامُ غَيْرُهُ مُقَامَهُ. وَقَال زُفَرُ: لَوْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِتَحْرِيكِ الرَّأْسِ يُومِئُ بِالْحَاجِبَيْنِ أَوَّلاً، فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْعَيْنَيْنِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ فَرْضٌ دَائِمٌ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالْعَجْزِ، فَمَا عَجَزَ عَنْهُ يَسْقُطُ وَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِهِ، فَإِذَا قَدَرَ بِالْحَاجِبَيْنِ كَانَ الإِْيمَاءُ بِهِمَا أَوْلَى لأَِنَّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الرَّأْسِ، فَإِنْ عَجَزَ يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ لأَِنَّهُمَا مِنَ الأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ ذُو حَظٍّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَكَذَا الْعَيْنَانِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْقَلْبِ؛ لأَِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ ذُو حَظٍّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ النِّيَّةُ، أَلاَ تَرَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُ صِحَّتِهَا، فَعِنْدَ الْعَجْزِ تَنْتَقِل إِلَيْهِ. وَقَال الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَحَاجِبَيْهِ وَلاَ يُومِئُ بِقَلْبِهِ؛ لأَِنَّ أَرْكَانَ الصَّلاَةِ تُؤَدَّى بِالأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَلاَ حَظَّ لَهَا مِنْ أَرْكَانِهَا بَل لَهَا حَظٌّ مِنَ الشَّرْطِ وَهُوَ النِّيَّةُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الإِْيمَاءِ فَلاَ يُؤَدَّى بِهِ الأَْرْكَانُ وَالشَّرْطُ جَمِيعًا (١) . وَقَال الْمَازِرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى النِّيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى

стр. 9816

الإِْيمَاءِ بِطَرْفِهِ أَوْ حَاجِبِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَل مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وُجُوبًا وَيَكُونُ مُصَلِّيًا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى النِّيَّةِ وَجَبَتْ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَجَزَ الْمُكَلَّفُ عَنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ بِهَيْئَتِهَا الأَْصْلِيَّةِ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِرَأْسِهِ فَبِطَرْفِهِ، وَمِنْ لاَزِمِهِ الإِْيمَاءُ بِجَفْنِهِ وَحَاجِبِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ هُنَا إِيمَاءٌ لِلسُّجُودِ أَخْفَضُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِهِمَا بِرَأْسِهِ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ وَنَوَى بِقَلْبِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ جَمَاعَةٍ لاَ يَلْزَمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْفُرُوعِ (١) . وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لَهُمْ فِي الإِْيمَاءِ بِالْحَاجِبِ. ثَالِثًا: الأَْخْذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبِ: ٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الأَْخْذِ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ فِي ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَنَمُّصٌ) . رَابِعًا: الْجِنَايَةُ عَلَى الْحَاجِبِ: ٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى شَعْرِ الْحَاجِبِ إِذَا لَمْ يَنْبُتْ الدِّيَةَ، وَفِي أَحَدِ

стр. 9817

الْحَاجِبَيْنِ نِصْفَ الدِّيَةِ، قَالُوا: لأَِنَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِتْلاَفًا لِلْجَمَال عَلَى الْكَمَال وَإِتْلاَفًا لِلْمَنْفَعَةِ أَيْضًا؛ لأَِنَّ الْحَاجِبَ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنِ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ كَوْنِ الْحَاجِبِ كَثِيفًا أَوْ خَفِيفًا، جَمِيلاً أَوْ قَبِيحًا، أَوْ كَوْنِهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ؛ لأَِنَّ سَائِرَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنَ الأَْعْضَاءِ لاَ يَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَال بِذَلِكَ. وَقَالُوا: إِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْحَاجِبَيْنِ بِذَهَابِهِمَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يُرْجَى عَوْدُهُمَا بِإِتْلاَفِ مَنْبَتِ الشَّعْرِ، فَإِنْ رُجِيَ عَوْدُهُمَا فِي مُدَّةٍ انْتَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ عَادَ الشَّعْرُ قَبْل أَخْذِ الدِّيَةِ لَمْ تَجِبْ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ أَخْذِهَا رُدَّتْ. وَلاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ فِي شَعْرِ الْحَاجِبِ؛ لأَِنَّ إِتْلاَفَهُ يَكُونُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلِّهِ - مَنْبَتِهِ - وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فَلاَ تُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى شَعْرِ الْحَاجِبِ إِنْ لَمْ يَنْبُتْ حُكُومَةً، وَأَنَّ الشُّعُورَ لاَ قَوَدَ فِيهَا قَطْعًا، وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيمَا شَأْنُهُ الزِّينَةُ مِنْهَا، فَإِنْ نَبَتَ الشَّعْرُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ إِلاَّ الأَْدَبُ فِي الْعَمْدِ. (١) خَامِسًا: اتِّخَاذُ الْقَاضِي أَوْ الأَْمِيرِ حَاجِبًا: ٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأَْمِيرِ

стр. 9818

وَالْقَاضِي اتِّخَاذُ حَاجِبٍ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ الشَّرْعُ، فَقَدْ حَجَبَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، وَكَانَ لأَِبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ حَاجِبٌ هُوَ سُدَيْفٌ مَوْلاَهُ، وَكَانَ لِعُثْمَانِ بْنِ عَفَّانَ ﵁ حُمْرَانُ، وَكَانَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَنْبَرٌ مَوْلاَهُ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (١) . وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: يَسُوغُ لِلْقَاضِي اتِّخَاذُ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِصَرْفِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَكَفِّ أَذَى النَّاسِ عَنْهُ، وَكَفِّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. وَقَال أَصْبَغُ: حَقٌّ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْقَاضِي فِي رِزْقِهِ، وَيَجْعَل لَهُ قَوْمًا يَقُومُونَ بِأَمْرِهِ، وَيَدْفَعُونَ النَّاسَ عَنْهُ؛ إِذْ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَعْوَانٍ يَكُونُونَ حَوْلَهُ يَزْجُرُونَ مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنَ الْمُتَخَاصِمِينَ. (٢) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ وَالْقَاضِي أَنْ لاَ يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْجُبُ النَّاسَ عَنِ

стр. 9819

الْوُصُول إِلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْيَمَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ (١) . وَلأَِنَّ حَاجِبَ الْقَاضِي رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ، وَرُبَّمَا كَسَرَهُمْ بِحَجْبِهِمْ وَالاِسْتِئْذَانِ لَهُمْ، وَلاَ بَأْسَ عِنْدَهُمْ بِاتِّخَاذِ حَاجِبٍ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَفِي حَال الزَّحْمَةِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا قَعَدَ لِلْقَضَاءِ لِيُقَدِّمَ الْخُصُومَ وَيُؤَخِّرَهُمْ، وَأَضَافَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ الْحَمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَلاَ سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا هَذَا، مَعَ فَسَادِ الْعَوَامِّ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْحَاكِمِ حَاجِبٌ رَتَّبَ الْخُصُومَ، وَقَدَّمَ مَنْ حَضَرَ أَوَّلاً عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ عَلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَزَجَرَ الظَّالِمَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ بِيَدِ الْمَظْلُومِ، وَفِيهِ أُبَّهَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْحَاكِمِ. . . وَكَلاَمُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا - مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَصَدَ بِالْحَاجِبِ

стр. 9820

الاِحْتِجَابَ عَنِ النَّاسِ وَالاِكْتِفَاءَ بِهِ، أَوْ حَالَةَ الْخَوْفِ مِنِ ارْتِشَاءِ الْحَاجِبِ. (١) شُرُوطُ الْحَاجِبِ وَآدَابُهُ: ١٠ - قَال الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ: يُشْتَرَطُ فِي الْحَاجِبِ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ مُسْتَحَقَّةٍ، وَهِيَ: الْعَدَالَةُ وَالْعِفَّةُ وَالأَْمَانَةُ، وَخَمْسَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْمَنْظَرِ، وَجَمِيل الْمَخْبَرِ، وَعَارِفًا بِمَقَادِيرِ النَّاسِ، وَبَعِيدًا عَنِ الْهَوَى، وَمُعْتَدِل الأَْخْلاَقِ بَيْنَ الشَّرَاسَةِ وَاللِّينِ. (٢) وَفَصَّل السِّمْنَانِيِّ فَقَال: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الْقَاضِي مِنَ الْحَجَبَةِ مَنْ لاَ يَتَجَهَّمُ الْخُصُومَ وَلاَ يَخْتَصُّ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ بِالْوُصُول، وَتَكُونُ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَوْقَاتِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فِيهَا بِالْحُضُورِ لِمَنْ يَقْصِدُ الْقَاضِيَ، وَيَعْرِفُ مَنْ جَاءَ خَصْمًا، أَوْ زَائِرًا، أَوْ طَالِبًا لِرِفْدِهِ، أَوْ سَائِلاً، أَوْ مُسْتَفْتِيًا لَهُ فِي الْحُكْمِ وَالشَّرْعِ، وَيُوعِزُ إِلَيْهِ الْقَاضِي فِي بَسْطِ الْوَجْهِ وَلِينِ الْكَنَفِ وَرَفْعِ الْمَئُونَةِ وَحُسْنِ اللَّفْظِ، وَكَفِّ الأَْذِيَّةِ وَالسُّرْعَةِ فِي أَمْرِهِ بِإِدْخَال كُل إِنْسَانٍ مَعَ خَصْمِهِ إِذَا أَذِنَ بِدُخُولِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ لأَِحَدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِأَوْجَزِ بَيَانٍ، وَيُسَهِّل لَهُمَا السَّبِيل، وَإِذَا كَانَ الدَّاخِل رَجُلاً لَهُ قَدْرٌ وَلاَ

стр. 9821

خُصُومَةَ لَهُ مَعَ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا أَتَى لِزِيَارَةِ الْقَاضِي، فَيَنْبَغِي لِلْحَاجِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَسْتَقْبِلَهُ قَبْل دُخُولِهِ عَلَى الْقَاضِي وَيَدْخُل بَيْنَ يَدَيْهِ يُنَبِّهُ عَلَى مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دُخُول الْحَاجِبِ عَلَى الْقَاضِي قَبْل جَمِيعِ النَّاسِ لِيَعْرِفَ مَنْ حَضَرَ عَلَى الْبَابِ ثُمَّ يَأْذَنَ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُول عَلَيْهِ وَالْحَدِيثَ مَعَهُ. وَأَضَافَ السِّمْنَانِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَ الْقَاضِي مَنْ عَلَى بَابِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ، وَيَمْنَعَهُمْ مِنَ الْمَآكِل الرَّدِيَّةِ، وَيُقَوِّمَ مِنْهُمْ مَنْ يَجِبُ تَقْوِيمُهُ، وَيُبْعِدَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ وَالْخِيَانَةِ؛ لأَِنَّ عَيْبَهُمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِ وَفِعْلَهُمْ عَارٌ عَلَيْهِ، وَإِذَا اطَّلَعَ مِنْهُمْ عَلَى الْفَسَادِ وَالْخِيَانَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ شَارَكَهُمْ فِي الإِْثْمِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ فِسْقَهُ إِذَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِنْكَارِهِ وَإِزَالَتِهِ؛ لأَِنَّهُمْ أَعْوَانُ الشَّرْعِ وَالدِّينِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَعْرَفَ بِالشَّرْعِ وَأَقْوَمَ بِالدِّينِ. (١) سَادِسًا: الْحَاجِبُ فِي الْمِيرَاثِ: ١١ - الْحَاجِبُ فِي الْمِيرَاثِ: هُوَ الْمَانِعُ لِمَنْ تَأَهَّل لِلْمِيرَاثِ (بِأَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُهُ) مِنَ الإِْرْثِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْهِ لِوُجُودِهِ (أَيِ الْمَانِعِ) ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَجْبٌ) .

стр. 9822

حَاجَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَاجَةُ تُطْلَقُ عَلَى الاِفْتِقَارِ، وَعَلَى مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ. (١) وَاصْطِلاَحًا هِيَ - كَمَا عَرَّفَهَا الشَّاطِبِيُّ - مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا لَمْ تُرَاعَ دَخَل عَلَى الْمُكَلَّفِينَ - عَلَى الْجُمْلَةِ - الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ. (٢) وَيَعْتَبِرُهَا الأُْصُولِيُّونَ مَرْتَبَةً مِنْ مَرَاتِبِ الْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ وَسَطٌ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَالتَّحْسِينِيِّ. (٣) وَالْفُقَهَاءُ كَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُونَ الْحَاجَةَ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ وَهُوَ مَا يَشْمَل الضَّرُورَةَ، وَيُطْلِقُونَ الضَّرُورَةَ مُرَادًا بِهَا الْحَاجَةُ الَّتِي هِيَ أَدْنَى مِنَ الضَّرُورَةِ.

стр. 9823

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الضَّرُورَةُ: ٢ - الضَّرُورَةُ لُغَةً مِنَ الضَّرِّ خِلاَفُ النَّفْعِ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: كُل مَا كَانَ مِنْ سُوءِ حَالٍ وَفَقْرٍ وَشِدَّةٍ فِي بَدَنٍ فَهُوَ ضُرٌّ بِالضَّمِّ، وَمَا كَانَ ضِدَّ النَّفْعِ فَهُوَ بِفَتْحِهَا. (١) وَعَرَّفَهَا الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهَا النَّازِل مِمَّا لاَ مَدْفَعَ لَهُ. (٢) وَهِيَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: الأُْمُورُ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا فِي قِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَهِيَ حِفْظُ الدِّينِ وَالْعَقْل وَالنَّفْسِ وَالنَّسْل وَالْمَال، بِحَيْثُ إِذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بَل عَلَى فَسَادٍ وَتَهَارُجٍ وَفَوْتِ حَيَاةٍ، وَفِي الأُْخْرَى فَوْتُ النَّجَاةِ وَالنَّعِيمِ وَالرُّجُوعُ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ. (٣) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، أَنَّ الْحَاجَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَالَةَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ فَهِيَ دُونَ الضَّرُورَةِ، وَمَرْتَبَتُهَا أَدْنَى مِنْهَا وَلاَ يَتَأَتَّى بِفَقْدِهَا الْهَلاَكُ. التَّحْسِينُ: ٣ - التَّحْسِينُ لُغَةً: التَّزْيِينُ. وَالتَّحْسِينُ بِاعْتِبَارِ مُلاَءَمَةِ الطَّبْعِ كَقَوْلِنَا: رِيحُ الْوَرْدِ حَسَنٌ، أَوْ بِاعْتِبَارِهِ صِفَةَ كَمَالٍ، كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ حَسَنٌ، فَمَصْدَرُهُ الْعَقْل بِلاَ خِلاَفٍ.

стр. 9824

وَالتَّحْسِينُ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْل يَسْتَقِل بِإِدْرَاكِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَالأَْشَاعِرَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مَصْدَرَهُ الشَّرْعُ، وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْل يَسْتَقِل بِإِدْرَاكِ حُسْنِ وَقُبْحِ بَعْضِ الأَْفْعَال، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَأْتِيَ الشَّرْعُ عَلَى وَفْقِ إِدْرَاكِنَا كَحَالَةٍ خَفِيَتْ عَلَى عُقُولِنَا. (١) وَالتَّحْسِينَاتُ كَمَقْصِدٍ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ هِيَ الأَْخْذُ بِمَا يَلِيقُ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ وَتَجَنُّبُ الأَْحْوَال الْمُدَنَّسَاتِ الَّتِي تَأْنَفُهَا الْعُقُول الرَّاجِحَاتُ، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ قِسْمُ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ وَالصِّفَاتِ. (٢) أَوْ هِيَ مَا لاَ تَدْعُو إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ وَلاَ حَاجَةٌ وَلَكِنْ تَقَعُ مَوْقِعَ التَّحْسِينِ وَالتَّيْسِيرِ وَرِعَايَةِ أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ فِي الْعَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ. (٣) وَعَلَى ذَلِكَ تَكُونُ التَّحْسِينَاتُ رُتْبَةً أَدْنَى مِنْ رُتْبَةِ الْحَاجِيَّاتِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذَا فِي مُصْطَلَحِ (تَحْسِينٌ) وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. ج - الاِسْتِصْلاَحُ: ٤ - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ مَا لاَ يَشْهَدُ لَهَا أَصْلٌ مِنَ الشَّارِعِ لاَ بِالاِعْتِبَارِ وَلاَ بِالإِْلْغَاءِ. (٤)

стр. 9825

وَتَنْقَسِمُ إِلَى ضَرُورِيٍّ وَحَاجِيٍّ وَتَحْسِينِيٍّ. وَهِيَ بِذَلِكَ أَعَمُّ مِنَ الْحَاجَةِ. د - الرُّخْصَةُ: ٥ - الرُّخْصَةُ هِيَ مَا اسْتُبِيحَ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيل الْمُحَرِّمِ، أَوْ هِيَ مَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ. (١) وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّ الرُّخْصَةَ أَثَرٌ لِلْحَاجَةِ. الاِحْتِجَاجُ بِهَا: ٦ - الْحَاجَةُ مَرْتَبَةٌ وَسَطٌ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْمَصْلَحَةِ، وَفِي الاِحْتِجَاجِ بِهَا خِلاَفٌ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ. قَال الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: إِنْ وَقَعَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي مَحَل الْحَاجَةِ فَلاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا إِنْ لَمْ تَعْتَضِدْ بِأَصْلٍ، إِلاَّ أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الضَّرُورَاتِ، فَلاَ بُعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ. وَمِثْل ذَلِكَ فِي رَوْضَةِ النَّاظِرِ. وَمِنْ هُنَا قَوْل بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَنْزِل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ إِذَا عَمَّتْ. وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي الاِعْتِصَامِ، وَعَزَا هَذَا الْقَوْل إِلَى الْقَاضِي وَطَائِفَةٍ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ. وَالْقَوْل الثَّانِي: هُوَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ، وَبِنَاءُ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِ عَلَى الإِْطْلاَقِ، وَهُوَ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ، قَال الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: هِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ بِدَلِيل أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُل لِتَحْصِيل مَصَالِحِ الْعِبَادِ عَمَلاً بِالاِسْتِقْرَاءِ فَمَهْمَا

стр. 9826

وُجِدَتْ مَصْلَحَةٌ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ: هُوَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِشَرْطِ قُرْبِهِ مِنْ مَعَانِي الأُْصُول الثَّابِتَةِ وَهُوَ لِلشَّافِعِيِّ وَمُعْظَمِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا مَا حَكَاهُ الإِْمَامُ الْجُوَيْنِيُّ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. مُرَاعَاةُ الْحَاجَةِ مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ: ٧ - الْحَاجَةُ مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَالتَّيْسِيرُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْحَرَجِ. وَالْيُسْرُ وَدَفْعُ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ مَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ. يَقُول الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّكْلِيفِ بِالْمَشَاقِّ وَالإِْعْنَاتِ فِيهِ. (٢) وَالتَّكَالِيفُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ. وَمَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ كُل قِسْمٍ مِنْهَا فِي مَنَازِل مُتَفَاوِتَةٍ. أَمَّا مَصَالِحُ الدُّنْيَا فَتَنْقَسِمُ إِلَى الضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَاتِ وَالتَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِيلاَتِ فَأَقَل الْمُجْزِئِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكِحِ وَغَيْرِهَا ضَرُورِيٌّ. وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ كَالْمَآكِل الطَّيِّبَاتِ وَالْمَلاَبِسِ النَّاعِمَاتِ

стр. 9827

وَالْقُصُورِ الْوَاسِعَاتِ فَهُوَ مِنَ التَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِيلاَتِ، وَمَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مِنَ الْحَاجَاتِ. وَأَمَّا مَصَالِحُ الآْخِرَةِ فَفِعْل الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ ضَرُورِيٌّ، وَفِعْل السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ مِنَ الْحَاجَاتِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ فَهِيَ مِنَ التَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِيلاَتِ. وَالْحَاجِيَّاتُ وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى رُتْبَةً مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ هِيَ الأَْصْل إِلاَّ أَنَّ الْحَاجِيَّاتِ مُكَمِّلَةٌ لَهَا، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَسِيلَةٌ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ. كَمَا أَنَّ تَرْكَ الْحَاجِيَّاتِ يُؤَدِّي فِي النِّهَايَةِ إِلَى تَرْكِ الضَّرُورِيَّاتِ؛ لأَِنَّ الْمُتَجَرِّئَ عَلَى الإِْخْلاَل بِالأَْخَفِّ مُعَرَّضٌ لِلتَّجَرُّؤِ عَلَى مَا سِوَاهُ، فَالْمُتَجَرِّئُ عَلَى الإِْخْلاَل بِالْحَاجِيَّاتِ يَتَجَرَّأُ عَلَى الإِْخْلاَل بِالضَّرُورِيَّاتِ. وَلِذَلِكَ قَصَدَ الشَّارِعُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلاَثِ (الضَّرُورِيَّةِ، وَالْحَاجِيَّةِ، وَالتَّحْسِينِيَّةِ) وَهِيَ مَسْأَلَةٌ لاَ يَرْتَابُ فِي ثُبُوتِهَا شَرْعًا أَحَدٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الاِجْتِهَادِ مِنْ أَهْل الشَّرْعِ وَأَنَّ اعْتِبَارَهَا مَقْصُودٌ لِلشَّرْعِ، وَدَلِيل ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ، وَالنَّظَرُ فِي أَدِلَّتِهَا الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ. (١)

стр. 9828

مَا تَجْرِي فِيهِ الْحَاجَةُ: ٨ - الْحَاجَةُ تُرَاعَى فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْعَادَاتِ، وَالْمُعَامَلاَتِ، وَالْجِنَايَاتِ. فَفِي الْعِبَادَاتِ كَالرُّخَصِ الْمُخَفَّفَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى لُحُوقِ الْمَشَقَّةِ بِالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ. وَفِي الْعَادَاتِ كَإِبَاحَةِ الصَّيْدِ وَالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ مِمَّا هُوَ حَلاَلٌ مَأْكَلاً وَمَشْرَبًا وَمَسْكَنًا وَمَرْكَبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الْمُعَامَلاَتِ كَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالسَّلَمِ، وَإِلْغَاءِ التَّوَابِعِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمَتْبُوعَاتِ، كَثَمَرَةِ الشَّجَرِ وَمَال الْعَبْدِ. وَفِي الْجِنَايَاتِ كَالْحُكْمِ بِاللَّوْثِ، (١) وَالتَّدْمِيَةِ، وَالْقَسَامَةِ، (٢) وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (٣) تَنَوُّعُ الْحَاجَةِ: تَتَنَوَّعُ الْحَاجَةِ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ: اعْتِبَارُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ: ٩ - الْحَاجَةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً بِمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ

стр. 9829

جَمِيعًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا فِيمَا يَمَسُّ مَصَالِحَهُمُ الْعَامَّةَ كَالْحَاجَةِ إِلَى الزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالسِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ وَالْحُكْمِ الصَّالِحِ. وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ شُرِعَتْ عُقُودُ الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ. وَهِيَ فِي الْغَالِبِ مَا شُرِعَ فِي الأَْصْل لِعُذْرٍ ثُمَّ صَارَ مُبَاحًا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَاجَةٌ، فَفِي الْقَرْضِ مَثَلاً يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَقْتَرِضَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى الاِقْتِرَاضِ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَاقِيَ عَلَى حَائِطِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالاِسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ وَهَكَذَا. (١) كَمَا أَنَّ تَخَلُّفَ الْقَلِيل مِنْ جُزْئِيَّاتِ بَعْضِ الْعُقُودِ لاَ يُخْرِجُ كُلِّيَّاتِ الْعُقُودِ عَنِ الْحَاجِيَّةِ. فَفِي فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ مَثَّل لِلْحَاجِيَّاتِ بِعُقُودِ الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، ثُمَّ قَال: إِلاَّ قَلِيلاً مِنْ جُزْئِيَّاتِ بَعْضِ الْعُقُودِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مِنَ الضَّرُورِيَّةِ، مِثْل اسْتِئْجَارِ الْمُرْضِعَةِ لِلطِّفْل مَثَلاً؛ إِذْ لَوْ لَمْ يُشْرَعْ تَلِفَ نَفْسُ الْوَلَدِ فَوَصَل إِلَى ضَرُورَةِ حِفْظِ النَّفْسِ، وَكَذَا شِرَاءُ مِقْدَارِ الْقُوتِ وَاللِّبَاسِ يُتَّقَى بِهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، لَكِنْ لِقِلَّتِهَا لاَ تُخْرِجُ كُلِّيَّاتِ الْعُقُودِ عَنِ الْحَاجِيَّةِ. (٢) وَقَدْ تَكُونُ الْحَاجَةُ خَاصَّةً بِمَعْنَى أَنْ يَحْتَاجَ

стр. 9830

إِلَيْهَا فَرْدٌ أَوْ أَفْرَادٌ مَحْصُورُونَ، وَذَلِكَ مِثْل الْحَاجَةِ إِلَى تَضْبِيبِ الإِْنَاءِ بِالْفِضَّةِ، وَمِثْل الْحَاجَةِ إِلَى الأَْكْل مِنَ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُل لِمَرَضٍ كَالْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ، وَإِبَاحَةِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ غَيْظًا لِلْمُشْرِكِينَ وَالتَّبَخْتُرِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي الْحَرْبِ. (١) ١٠ - وَتَخْتَلِفُ الْحَاجَةُ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ فَمَا يَكُونُ حَاجَةً لِشَخْصٍ قَدْ لاَ يَكُونُ حَاجَةً لِغَيْرِهِ، فَالْخَادِمُ قَدْ يَكُونُ حَاجَةً لِشَخْصٍ فَقِيرٍ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْبُيُوتَاتِ لاَ يَتَعَاطَى خِدْمَةَ نَفْسِهِ بِيَدِهِ فَيُفْرَضُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَنْ يَأْتِيَ لَهُ بِخَادِمٍ، أَمَّا الشَّخْصُ الْعَادِي الَّذِي يَخْدُمُ نَفْسَهُ فَلَيْسَ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْخَادِمِ. (٢) بِاعْتِبَارِ الأَْعْصَارِ وَالأَْمْصَارِ وَالْقُرُونِ وَالأَْحْوَال: ١١ - قَال الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْخَمْسِينَ وَالْمِائَتَيْنِ: يُنْدَبُ إِقَامَةُ هَيْئَاتٍ لِلأَْئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلاَةِ الأُْمُورِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَقَاصِدَ الشَّرْعِيَّةَ لاَ تَحْصُل إِلاَّ بِعَظَمَةِ الْوُلاَةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَكَانَ النَّاسُ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ ﵃ مُعْظَمُ تَعْظِيمِهِمْ إِنَّمَا هُوَ بِالدِّينِ وَسَابِقِ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ اخْتَل النِّظَامُ وَذَهَبَ ذَلِكَ الْقَرْنُ وَحَدَثَ قَرْنٌ آخَرُ لاَ يُعَظِّمُونَ إِلاَّ بِالْهَيْئَةِ وَالزِّيِّ فَيَتَعَيَّنُ تَفْخِيمُ الصُّوَرِ حَتَّى تَحْصُل الْمَصَالِحُ.

стр. 9831

وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَأْكُل خُبْزَ الشَّعِيرِ وَالْمِلْحَ، وَيَفْرِضُ لِعَامِلِهِ نِصْفَ شَاةٍ كُل يَوْمٍ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَوْ عَمِلَهَا غَيْرُهُ لَهَانَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَلَمْ يَحْتَرِمُوهُ وَتَجَاسَرُوا عَلَيْهِ بِالْمُخَالَفَةِ، فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَضَعَ غَيْرَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِحِفْظِ النِّظَامِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ وَوَجَدَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ قَدِ اتَّخَذَ الْحُجَّابَ وَأَرْخَى الْحِجَابَ وَاتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ النَّفِيسَةَ وَالثِّيَابَ الْهَائِلَةَ الْعَلِيَّةَ وَسَلَكَ مَا يَسْلُكُهُ الْمُلُوكُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: إِنَّا بِأَرْضٍ نَحْنُ فِيهَا مُحْتَاجُونَ لِهَذَا، فَقَال لَهُ: لاَ آمُرُكَ وَلاَ أَنْهَاكَ، وَمَعْنَاهُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالِكَ هَل أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى هَذَا فَيَكُونَ حَسَنًا أَوْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ. فَدَل ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ أَحْوَال الأَْئِمَّةِ وَوُلاَةِ الأُْمُورِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْعْصَارِ وَالأَْمْصَارِ وَالْقُرُونِ وَالأَْحْوَال، فَلِذَلِكَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيدِ زَخَارِفَ وَسِيَاسَاتٍ لَمْ تَكُنْ قَدِيمًا، وَرُبَّمَا وَجَبَتْ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال. (١) بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ: ١٢ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الأَْحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ شُرِعَتْ لِلتَّسْهِيل عَلَى الْعِبَادِ إِلاَّ أَنَّ مِنْهَا مَا شُرِعَ مِنَ الأَْصْل مُرَاعًى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَحَاجَةُ النَّاسِ فَيُبَاحُ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَذَلِكَ كَالْقَرْضِ وَالْحَوَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا.

стр. 9832

وَمِنْهَا مَا شُرِعَ لِمَا يُوجَدُ مِنَ الأَْعْذَارِ وَلِذَلِكَ لاَ يُبَاحُ إِلاَّ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ كَالْفِطْرِ فِي الصِّيَامِ بِسَبَبِ السَّفَرِ، فَلاَ يُبَاحُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ الْمُسَافِرِ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ آخَرُ وَهَكَذَا. (١) شُرُوطُ الْحَاجَةِ: لِلْعَمَل بِمُقْتَضَى الْحَاجَةِ شُرُوطٌ تَتَلَخَّصُ فِيمَا يَلِي: ١ - أَلاَّ يَعُودَ اعْتِبَارُهَا عَلَى الأَْصْل بِالإِْبْطَال: ١٣ - الضَّرُورِيَّاتُ أَعْلَى رُتَبِ الْمَقَاصِدِ، وَتُعْتَبَرُ أَصْلاً لِمَا عَدَاهَا مِنَ الْحَاجِيَّاتِ وَالتَّحْسِينِيَّاتِ الَّتِي تُعْتَبَرُ مُكَمِّلَةً لِلأَْصْل. وَمِنْ شَرْطِ اعْتِبَارِ الأَْدْنَى أَلاَّ يَعُودَ عَلَى الأَْصْل بِالإِْبْطَال. يَقُول الشَّاطِبِيُّ: كُل تَكْمِلَةٍ فَلَهَا - مِنْ حَيْثُ هِيَ تَكْمِلَةٌ - شَرْطٌ، وَهُوَ أَنْ لاَ يَعُودَ اعْتِبَارُهَا عَلَى الأَْصْل بِالإِْبْطَال؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُل تَكْمِلَةٍ يُفْضِي اعْتِبَارُهَا إِلَى رَفْضِ أَصْلِهَا لاَ يَصِحُّ اشْتِرَاطُهَا عِنْدَ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي إِبْطَال الأَْصْل إِبْطَال التَّكْمِلَةِ؛ لأَِنَّ التَّكْمِلَةَ مَعَ مَا كَمَّلَتْهُ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، فَإِذَا كَانَ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ يُؤَدِّي إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَوْصُوفِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ ارْتِفَاعُ الصِّفَةِ أَيْضًا، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ التَّكْمِلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ

стр. 9833

مُؤَدٍّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَهَذَا مُحَالٌ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ لَمْ تُعْتَبَرِ التَّكْمِلَةُ، وَاعْتُبِرَ الأَْصْل مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ. وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا تَقْدِيرًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ التَّكْمِيلِيَّةَ تَحْصُل مَعَ فَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ الأَْصْلِيَّةِ لَكَانَ تَحْصِيل الأَْصْلِيَّةِ أَوْلَى بِالاِعْتِبَارِ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَرَجَّحَ عَلَى التَّكْمِيلِيَّةِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ الْمَصْلَحَةِ يَكُونُ بِالأَْصْل، وَغَايَةُ التَّكْمِيلِيَّةِ أَنَّهَا كَالْمُسَاعِدِ لِمَا كَمَّلَتْهُ، فَإِذَا عَارَضَتْهُ فَلاَ تُعْتَبَرُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حِفْظَ الْمُهْجَةِ مُهِمٌّ كُلِّيٌّ، وَحِفْظَ الْمُرُوءَاتِ مُسْتَحْسَنٌ، فَحُرِّمَتِ النَّجَاسَاتُ حِفْظًا لِلْمُرُوآتِ، فَإِنْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ بِتَنَاوُل النَّجَسِ كَانَ تَنَاوُلُهُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ أَصْل الْبَيْعِ ضَرُورِيٌّ، وَمَنْعُ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ مُكَمِّلٌ، فَلَوِ اشْتُرِطَ نَفْيُ الْغَرَرِ جُمْلَةً لاَنْحَسَمَ بَابُ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الإِْجَارَةُ ضَرُورِيَّةٌ أَوْ حَاجِيَّةٌ، وَاشْتِرَاطُ وُجُودِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ بَابِ التَّكْمِيلاَتِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي بَيْعِ الأَْعْيَانِ مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ مُنِعَ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ إِلاَّ فِي السَّلَمِ. وَذَلِكَ فِي الإِْجَارَاتِ مُمْتَنِعٌ، فَاشْتِرَاطُ وُجُودِ الْمَنَافِعِ فِيهَا وَحُضُورِهَا يَسُدُّ بَابَ الْمُعَامَلَةِ بِهَا، وَالإِْجَارَةُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فَجَازَتْ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرِ الْعِوَضَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَمِثْلُهُ جَارٍ فِي الاِطِّلاَعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا. وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ مَعَ وُلاَةِ الْجَوْرِ قَال الْعُلَمَاءُ

стр. 9834

بِجَوَازِهِ، قَال مَالِكٌ: لَوْ تُرِكَ ذَلِكَ لَكَانَ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالْجِهَادُ ضَرُورِيٌّ، وَالْوَالِي فِيهِ ضَرُورِيٌّ، وَالْعَدَالَةُ فِيهِ (أَيْ فِي الْوَالِي) مُكَمِّلَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَالْمُكَمِّل إِذَا عَادَ عَلَى الأَْصْل بِالإِْبْطَال لَمْ يُعْتَبَرْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الأَْمْرُ بِالْجِهَادِ مَعَ وُلاَةِ الْجَوْرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَال: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُل أَمِيرٍ، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا (١) . وَكَذَلِكَ الصَّلاَةُ خَلْفَ وُلاَةِ السُّوءِ. قَال الشَّاطِبِيُّ: وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيل فِي الشَّرِيعَةِ تَفُوقُ الْحَصْرَ كُلُّهَا جَاءَ عَلَى هَذَا الأُْسْلُوبِ. (٢) ٢ - أَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ قَائِمَةً لاَ مُنْتَظَرَةً: ١٤ - لِلأَْخْذِ بِمُقْتَضَى الْحَاجَةِ مِنَ التَّرَخُّصِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْحَاجَةِ مَوْجُودًا فِعْلاً وَلَيْسَ مُنْتَظَرًا، وَاعْتِبَارُ وُجُودِ الْحَاجَةِ شَرْطًا لِلأَْخْذِ بِمُقْتَضَاهَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا شُرِعَ مِنَ الرُّخَصِ لِمَا يُوجَدُ مِنْ أَعْذَارٍ، أَمَّا مَا شُرِعَ أَصْلاً لِلتَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيل عَلَى الْعِبَادِ مُرَاعَاةً لِحَاجَاتِهِمْ كَعُقُودِ الإِْجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْقَرْضِ وَالْمُسَاقَاةِ فَلاَ يَنْطَبِقُ

стр. 9835

عَلَيْهَا هَذَا الشَّرْطُ. (١) وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِوُضُوحٍ فِي الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الرُّخَصِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أ - السَّفَرُ مِنْ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ قَصْرَ الصَّلاَةِ وَالْفِطْرَ لِلصَّائِمِ. إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلاَةِ إِلاَّ إِذَا بَدَأَ الْمُسَافِرُ بِالسَّفَرِ فِعْلاً. يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَبِهَذَا قَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ (٢) وَلاَ يَكُونُ ضَارِبًا فِي الأَْرْضِ حَتَّى يَخْرُجَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ الْقَصْرَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ، قَال أَنَسٌ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا أَيْ مُقِيمًا وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ (٣) أَيْ مُسَافِرًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ أَيْضًا: مَنْ نَوَى السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ لاَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ حَتَّى يُخَلِّفَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُجَاوِزُهَا وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ بُنْيَانِهَا، وَلاَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَمَهْمَا

стр. 9836

كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ، وَلِذَلِكَ لاَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ. (١) وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ. ب - عَدَمُ وُجُودِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ يُبِيحُ رُخْصَةَ التَّيَمُّمِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ فَلاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ إِلاَّ بَعْدَ دُخُول وَقْتِهَا، خِلاَفًا لِلْوُضُوءِ؛ إِذْ يَجُوزُ قَبْل دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. ج - قَال الْقَلْيُوبِيُّ: لَوْ كَانَتِ الْحَاجَةُ غَيْرَ نَاجِزَةٍ فَهَل يَجُوزُ الأَْخْذُ لِمَا عَسَاهُ يَطْرَأُ؟ الظَّاهِرُ لاَ، كَاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنَ الزَّرْعِ، وَنَحْوِهِ. (٣) د - فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الأَْكْل مِمَّا يَمُرُّ عَلَيْهِ الإِْنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ نَحْوِ الْفُول وَالْفَوَاكِهِ وَلَبَنِ الْغَنَمِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَمُحَصَّلُهُ الْجَوَازُ لِلْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَاجِ فَقِيل بِالْجَوَازِ وَقِيل بِعَدَمِهِ. قَال النَّفْرَاوِيُّ: الظَّاهِرُ مِنْ تِلْكَ الأَْقْوَال الْمَنْعُ، (٤) لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ (٥) .

стр. 9837

هـ - فِي الْفُرُوقِ لِلْقَرَافِيِّ: الْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (١) ، وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْغِيبَةِ صُوَرٌ، مِنْهَا: النَّصِيحَةُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ لَمَّا خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَال لَهُ (٢) . فَذَكَرَ عَيْبَيْنِ فِيهِمَا مِمَّا يَكْرَهَانِهِ لَوْ سَمِعَاهُ، فَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّصِيحَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ احْتِرَازًا مِنْ ذِكْرِ عُيُوبِ النَّاسِ مُطْلَقًا، فَهَذَا حَرَامٌ، بَل لاَ يَجُوزُ إِلاَّ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ. (٣) ٣ - أَلاَّ يَكُونَ الأَْخْذُ بِمُقْتَضَى الْحَاجَةِ مُخَالِفًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ: ١٥ - قَال الشَّاطِبِيُّ: قَصَدَ الشَّارِعُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي الْعَمَل مُوَافِقًا لِقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَالشَّرِيعَةُ مَوْضُوعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ فِي

стр. 9838

أَفْعَالِهِ، وَأَلاَّ يَقْصِدَ خِلاَفَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ. (١) وَقَال الشَّاطِبِيُّ أَيْضًا: فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَلَى أَصْل الْمَشْرُوعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا، وَالْمَصْلَحَةُ مُخَالِفَةً فَالْفِعْل غَيْرُ صَحِيحٍ وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ. (٢) اهـ. وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي أُبِيحَتْ لِلْحَاجَةِ تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلاً لِمَصَالِحِ النَّاسِ. وَمِنْ ذَلِكَ النِّكَاحُ فَالْمَقْصِدُ الأَْصْلِيُّ مِنْهُ التَّنَاسُل، وَيَلِي ذَلِكَ طَلَبُ السَّكَنِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِالْحَلاَل، وَالتَّحَفُّظِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ، فَجَمِيعُ هَذَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ، وَنَوَاقِضُ هَذِهِ الأُْمُورِ مُضَادَّةٌ لِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، كَمَا إِذَا نَكَحَهَا لِيُحِلَّهَا لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، وَكَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَكُل نِكَاحٍ عَلَى هَذَا السَّبِيل. (٣) وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ) . وَمِنْ ذَلِكَ الإِْجَارَةُ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِحَاجَةِ النَّاسِ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى النَّوْحِ وَالْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَكُل مَا مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ. (٤) وَالْقَرْضُ شُرِعَ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَمَصْلَحَةِ

стр. 9839

الْمَعْرُوفِ لِلْعِبَادِ، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ امْتَنَعَ، إِمَّا لِتَحْصِيل مَنْفَعَةِ الْمُقْرِضِ، أَوْ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسَّلَفِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَعْرُوفِ مَعَ تَعَيُّنِ الْمَحْذُورِ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ. (١) وَالْمَقْصُودُ بِشَرْعِيَّةِ الزَّكَاةِ رَفْعُ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وَتَحْقِيقُ مَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ وَهَبَ فِي آخِرِ الْحَوْل مَالَهُ هَرَبًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ ثُمَّ إِذَا كَانَ فِي حَوْلٍ آخَرَ أَوْ قَبْل ذَلِكَ اسْتَوْهَبَهُ، فَهَذَا الْعَمَل تَقْوِيَةٌ لِوَصْفِ الشُّحِّ وَإِمْدَادٌ لَهُ وَرَفْعٌ لِمَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، فَصُورَةُ هَذِهِ الْهِبَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْهِبَةُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ إِرْفَاقٌ وَإِحْسَانٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَتَوْسِيعٌ عَلَيْهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَهَذِهِ الْهِبَةُ تُنَافِي قَصْدَ الشَّارِعِ فِي رَفْعِ الشُّحِّ عَنِ النُّفُوسِ، وَالإِْحْسَانِ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَالْقَصْدُ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ هَادِمٌ لِلْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ. (٢) كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَيَّل الإِْنْسَانُ لإِِيجَادِ سَبَبٍ يَتَرَخَّصُ بِمُقْتَضَاهُ، كَمَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا لِيَقْصُرَ الصَّلاَةَ أَوْ أَنْشَأَ سَفَرًا فِي رَمَضَانَ لِيَأْكُل فِي النَّهَارِ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِهِ فَوَهَبَهُ كَيْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَالْهُرُوبِ مِنَ الزَّكَاةِ بِجَمْعِ الْمُتَفَرِّقِ أَوْ تَفْرِيقِ الْمُتَجَمِّعِ، وَكَالزَّوْجَةِ الَّتِي تُرْضِعُ جَارِيَةَ الزَّوْجِ أَوِ الضَّرَّةِ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ،

стр. 9840

أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ لاَ يَثْبُتُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي قَالَبِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ. (١) وَفِي أَصْل هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهَا مِنْ فُرُوعٍ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي مَوَاضِعِهِ، وَفِي بَحْثِ: (حِيلَةٌ) . الْحَاجَةُ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ: ١٦ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيْمٍ وَالسُّيُوطِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ - وَهِيَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ - أَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ أَوِ الْخَاصَّةَ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ. وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَاجَةِ عَامَّةً أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا فِيمَا يَمَسُّ مَصَالِحَهُمُ الْعَامَّةَ مِنْ تِجَارَةٍ وَزِرَاعَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَسِيَاسَةٍ عَادِلَةٍ وَحُكْمٍ صَالِحٍ. وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَاجَةِ خَاصَّةً أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهَا فَرْدٌ أَوْ أَفْرَادٌ مَحْصُورُونَ أَوْ طَائِفَةٌ خَاصَّةٌ كَأَرْبَابِ حِرْفَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وَالْمُرَادُ بِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الأَْحْكَامِ فَتُبِيحُ الْمَحْظُورَ وَتُجِيزُ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا يُسْتَثْنَى مِنَ الْقَوَاعِدِ الأَْصْلِيَّةِ. ١٧ - أ - وَالْحَاجَةُ الْعَامَّةُ كَالإِْجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَغَيْرِهَا، قَال الزَّرْكَشِيُّ نَقْلاً عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهَا جَرَتْ عَلَى حَاجَاتٍ خَاصَّةٍ تَكَادُ تَعُمُّ،
следующие страницы →