Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
كَذَلِكَ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ.
وَأَيْضًا؛ فَالْعَمَلُ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَإِذَا عُرِّيَ عَنِ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا؛ كَفِعْلِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ وَالْمَجْنُونِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى١: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥] .
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٢] .
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] .
وقال: ﴿لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٤] .
[وَقَالَ] ٢: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا [لِتَعْتَدُوا] ٣﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] .
[وَقَالَ] ٢: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢]
[وَقَالَ] ٢: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [الآية] ٢. إلى قوله:
الحواشي
(١) ١ رجوع لأصل الدعوى، وبيان اعتبار النية في العبادات والعادات. "د".
٢ في جميع المواضع المعقوفات زيادة من الأصل.
٣ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.стр. 1227
﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ أمريء مَا نَوَى......" إِلَى آخِرِهِ١.
وَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ٢.
وَفِيهِ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ [مَعِي] فِيهِ شَرِيكًا؛ تَرَكْتُ نَصِيبِي لِشَرِيكِي" ٣.
وَتَصْدِيقُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ١١٠] .
وَأَبَاحَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ٤ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ لحم الصيد ما لم يصده أو
الحواشي
(١) ١ مضى تخريجه "٢/ ٣٥٥"
٢ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالما جالسا، ١/ ٢٢٢/ رقم ١٢٣، وكتاب الجهاد، باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، ٦/ ٢٧-٢٨/ رقم ٢٨١٠، وكتاب فرض الخمس، باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، ٦/ ٢٢٦/ رقم ٣١٢٦، وكتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ١٣/ ٤٤١/ رقم ٧٤٥٨"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فهو في سبيل الله، ٣/ ١٥١٢-١٥١٣/ رقم ١٩٠٤" عن أبي موسى الأشعري ﵁.
٣ أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله/ رقم ٢٩٨٥" بلفظ: "تركته وشركه"، وما بين المعكوفتين سقط من الأصل.
٤ وذلك بقوله ﷺ : "صيد البر حلال لكم، ما لم يصيدوه أو يصد لكم"، وعند بعضهم: "لحم صيد البر ... " أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، ٣/ ٢٠٣-٢٠٤/ رقم ٨٤٦"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الحج، باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، ٥/ ١٨٧"، وأبو داود في "السنن" "كتاب المناسك، باب لحم الصيد للمحرم، ٢/ ٤٢٨/ رقم ١٨٥١"، والشافعي في "المسند" "رقم ٨٣٩ – ترتيبه"، وأحمد =стр. 1228
...................................................................................................
الحواشي
(١) = في "المسند" "٣/ ٣٦٢"، وابن خزيمة في "صحيحه" "٤/ ١٨٠"، والطحاوي في "شرح ومعاني الآثار "٢/ ١٧١"، وابن حبان في "صحيحه" "٩/ ٢٨٣/ رقم ٣٩٧١ – الإحسان"، والدارقطني في "السنن" "٢/ ٢٩٠"، والحاكم في "المستدرك" "١/ ٤٥٢، ٤٧٦"، والبيهقي في "الكبرى" "٥/ ١٩٠"، وابن عبد البر في "التمهيد" "٩/ ٦٢"، والبغوي في "شرح السنة" "٧/ ٢٦٣ – ٢٦٤/ رقم ١٩٨٩" من طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب عن جابر به مرفوعا.
وإسناده ضعيف، وفيه علل:
الأولى: الانقطاع بين المطلب وجابر.
قال الترمذي عقبه: "المطلب لا نعرف له سماعا من جابر".
وقال أبو حاتم في "المراسيل" "ص٢١٠": "عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، ولم يسمع من جابر"، وقال ابن سعد: "كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل"، وقال البخاري: ""لا أعرف له سماعا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ "، وقال الدارمي: "لا نعرف له سماعا من أحد من الصحابة"، كذا في "التلخيص الحبير" "٢/ ٢٧٦".
الثانية: ضعف عمرو بن أبي عمرو.
قال النسائي عقبه: "عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان هو روى عنه مالك"، وقال ابن حزم في "المحلى" "٧/ ٢٥٣": "خبر ساقط؛ لأنه عن عمرو بن أبي عمرو، وهو ضعيف".
الثالثة: اضطراب عمرو بن أبي عمرو فيه.
قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" "٥/ ١٩١" "فالحديث في نفسه معلول، عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه".
قلت: واضطراب عمرو بن أبي عمرو في هذا الحديث على النحو الآتي:
- أخرجه أحمد في "المسند" "٣/ ١٨٩" ثنا سريج ثنا ابن أبي الزناد عن عمرو بن أبيي عمرو أخبراني رجل ثقة من بني سلمة عن جابر.
- وأخرجه الشافعي في "المسند" "١/ ٣٢٣"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "٢/ ١٧١"، والدارقطني في "السنن" "٢/ ٢٩٠ – ٢٩١" من طريق عبد العزيز الدراوردي عن عمرو بن =стр. 1229
يُصَدْ لَهُ١، وَهَذَا الْمَكَانُ أَوْضَحُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ.
لَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَقَاصِدَ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَلَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً بِإِطْلَاقٍ٢، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ:
- مِنْهَا: الْأَعْمَالُ الَّتِي يَجِبُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْفِعْلِ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ؛ إِذْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِكْرَاهُ إِلَّا لِأَجْلِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَهُوَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ، كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُطَالَبَ بِالْعَمَلِ أَيْضًا ثَانِيًا، وَيَلْزَمُ فِي الثَّانِي مَا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَتَسَلْسَلُ أو يكون الإكراه
الحواشي
(١) = أبي عمرو عن رجل من بني سلمة "وفي روايات: عن رجل من الأنصار" عن جابر.
وأخرجه الدارقطني في "السنن" "٢/ ٢٩٠" من طريق الدراوردي عن سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني سلمة عن جابر.
وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" "٢/ ١٧١" عن ابن أبي داود ثنا ابن أبي مريم أخبرنا إبراهيم بن سويد ثني عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أبي موسى عن النبي ﷺ مثله.
الرابعة: الكلام في المطلب؛ فهو مختلف فيه، وإن كان من رجال "الصحيحين"، قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير" "٢/ ٢٧٦".
وأقوى العلل الأولى، وأضعفها الأخيرة، وقد أجيب عن الثانية بكلام ضعيف، وعن الثالثة بكلام فيه نوع قوة؛ إذ أقام بعض الثقات ممن روى عن عمرو إسناده، وإليه أشار الشافعي وتبعه البيهقي.
وعلى آية حال، الإسناد ضعيف، وقد عزاه ابن حجر في "التلخيص" ل "أصحاب السنن" وهو ليس عند ابن ماجه، والله الموفق.
١ أي: فللقصد دخل في الحل والحرمة. "د".
٢ في الأصل: "على الإطلاق"، وفي "ط": "بمعتبرة بإطلاق.стр. 1230
عَبَثًا١: وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، أَوْ يَصِحَّ٢ الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
- وَمِنْهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَانِ: عَادَاتٌ، وَعِبَادَاتٌ، فَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي الِامْتِثَالِ بِهَا إِلَى نِيَّةٍ، بَلْ مُجَرَّدُ وُقُوعِهَا كَافٍ؛ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ والغصوب٣، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِهَا؛ فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ؟ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِمَشْرُوطَةٍ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ أَيْضًا، بَلْ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا؛ فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ٤ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ
الحواشي
(١) ١ أي أن الإكراه إما أن يتسلسل، وإما أن يقف عند حد دون أن يحصل غرض الشارع من الفعل امتثالا؛ فيكون الإكراه الذي حصل عبئا لم يفد مقصود الشارع، والعبث من الشارع محال؛ كما أن التسلسل في ذاته محال؛ فلم يبق إلا أن يكون العمل صحيحا مؤديا غرض الشارع بدون النية؛ فلا يتم الأصل المدعى. "د".
٢ في الأصل: "فيصح".
٣ في "د": "والمغضوب".
٤ هم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، ومالك في رواية، وكذلك الغسل، وزاد الأوزاعي والحسن: التيمم، قاله العيني في "عمدة القاري" "١/ ٣٦"، واختلف على الأوزاعي فيه اختلافا شديدا، انظره عند ابن المنذر في "الأوسط" "١/ ٣٧٠".
انظر في المسألة: "المبسوط" "١/ ٧٢"، و"أحكام القرآن" "٣/ ٢٣"، و"معالم التنزيل" "٢/ ٢١٨ - ط دار الفكر"، وانظر في الرد على من لم يشترط النية للوضوء والغسل: "الطهور" "ص٢٠١ – ٢٠٧ بتحقيقي" لأبي عبيد، و"الخلافيات" "١/ مسألة رقم ٧ – بتحقيقي" للبيهقي، و"المحلى" ""١/ ٧٣"، و"المجموع" "١/ ٣١٢"، و"المغني" "١/ ٩١"، و"الأوسط" "١/ ٣٦٩ وما بعدها"، و"بدائع الفوائد" "٣/ ١٨٦-١٩٣"، و"إعلام الموقعين" "١/ ٢٧٤-٢٧٥، ٢.٢٩٣/ ٢٨٧-٣.٢٨٨/ ١٢٢-١٢٤"، و"تهذيب السنن" "١/ ٤٨".
بقي بعد هذا تحرير مذهب مالك، نقل القرطبي في "تفسيره" "٥/ ٢١٣ و١٥/ ٢٣٣" عن الوليد بن مسلم عن مالك أنه كان لا يشترط النية في الوضوء، وحكى هذه الرواية عنه العيني في "العمدة" "١/ ٣٦"، والباجي في "المنتقى" "١/ ٥٢"، وابن العربي في "الأحكام" "٢/ ٥٥٩"، وأفاد ابن المنذر في "الأوسط" "١/ ٣٧٠" أن الوليد حكاه عن مالك والثوري، وعقب عليه بقوله:: أما حكايته عن الثوري، فكما حكى لموافقته حكاية الأشجعي والعدني وعبد الرزاق والفريابيي عنه، وأما ما حكاه عن مالك؛ فما رواه أصحاب مالك عنه: وابن وهب وابن القاسم [في "المدونة" "١/ ٣٢"] أصح، والله أعلم.стр. 1231
الصَّوْمُ١ وَالزَّكَاةُ٢، وَهِيَ عِبَادَاتٌ، وَأَلْزَمُوا الْهَازِلَ الْعِتْقَ وَالنَّذْرَ، كَمَا أَلْزَمُوهُ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، والرجعة" ٣.
الحواشي
(١) ١ انظر ما سيأتي في التعليق على "ص١٩".
٢ هو مذهب الأوزاعي، نظر إلى أن الزكاة عبادة مالية؛ فقاسها على إعادة الدين ورد العارية والمغضوب، هذا ونقل الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه"أصول الفقة" "ص٣٢٤" أن مذهب جمهور الفقهاء: أن الزكاة لا يحتاج أداؤها إلى نية، وهو خطأ، انظر: "المجموع" "٦/ ١٨٤".
نعم، تستثنى النية عند بعضهم كالحنفية استحسانا فيما إذا تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة، وعللوا هذا الاستحسان بقولهم: "إن النية وجدت دلالة؛ لأن الظاهر أن من عليه زكاة لا يتصدق بجميع ماله، ويغفل عن الزكاة"، قاله الكاساني في "البدائع" "٢/ ٤٠"، وفي الهداية "٢/ ٤٩٢"، "الواجب عليه جزء منه، فكان متعينا فيه؛ فلا حاجة إلى التعيين"، وكذا زكاة الصبي والمجنون والمعتوه، وكذا ما قرره الفقهاء أن الممتنع من أداء الزكاة يكره على أدائها وتجزئ عنه.
انظر: "الأم" "١/ ١٨، ١٩"، "والمجموع" "٦/ ١٩٠"، و"الأشباه والنظائر" "ص٢٢" لابن نجيم، و"الإنصاف" "٣/ ١٩٦" للمرداوي، و"إبراز الحكم من حديث رفع القلم" "ص٨٤" للسبكي، و"مقاصد المكلفين" "ص٣٢٥-٣٢٨".
٣ أخرجه أو داود في "السنن" "كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، ٢/ ٦٦٤/ رقم ٢١٩٤"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق ٣/ ٤٩٠/ ١١٨٤" وابن ماجه في "السنن" "كتاب الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا، ١/ ٦٥٨/ رقم ٢٠٣٩"، وسعيد بن منصور في "سننه" "رقم ١٦٠٣"، والدارقطني في =стр. 1232
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا؛ فَقَدْ جَازَ"١.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: "أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إِذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، والنكاح، والنذز١" ٢.
الحواشي
(١) = "السنن" "٣/ ٢٥٦، ٤.٢٥٧/ ١٨-١٩"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ١٩٨"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم ٧١٢"، وابن خزيمة في "حديث علي بن حجر" "٤/ رقم ٥٤"، والبغوي في "شرح السنة" "٩/ ٢١٩" من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، وعبد الرحمن من ثقات المدنيين"، وتعقبه الذهبي؛ فقال: "فيه لين".
قلت: قال النسائي فيه: "منكر الحديث" ووثقه ابن حبان، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "٣/ ٢١٠" عن عبد الرحمن بن حبيب: "وهو مختلف فيه، قال النسائي: "منكر الحديث"، ووثقه غيره؛ فهو على هذا حسن.
قلت: قوله "غيره" المراد به هو ابن حبان، وهو متساهل كما هو معروف؛ فإسناد الحديث ضعيف؛ إلا أنه صالح للشواهد، والحديث له شواهد كثيرة يجبر بها، ويصل إن شاء الله تعالى إلى درجة الحسن.
وانظر: الحديث الآتي، و"نصب الراية" "٣/ ٢٩٣ – ٢٩٤"، و"التلخيص الحبير" "٣/ ٢٠٩"، و"الإرواء" "١٨٢٦".
١ أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ١٣٥/ رقم ١٠٢٥٠" عن ابن جريج؛ قال: أخبرت عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "من طلق أو نكح لاعبا؛ فقد أجاز"، وإسناده معضل.
وأخرجه أيضا برقم "١٠٢٤٩" عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليم؛ أن أبا ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلق وهو لاعب؛ فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب؛ فعتاقه جائز، ومن أنكح وهو لاعب؛ فنكاحه جائز"، وإسناده واه بمرة، إبراهيم هو الأسلمي، متروك، وفيه انقطاع.
٢ أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" "رقم ١٦٠٩، ١٦١٠"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "٤/ ٨١- ط دار الفكر" من طريق الحجاج بن أرطأة عن سليمان بن سحيم عن سعيد بن المسيب به.
ورجاله ثقات؛ إلا أن الحجاج مدلس، وقد عنعن.
والأثر صحيح، له طرق عند عبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ١٣٤/ رقم ١٠٢٤٨"، والبيهقي في "الكبرى" "٧/ ٣٤١".стр. 1233
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهَازِلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَازِلٌ لَا قَصْدَ لَهُ فِي إِيقَاعِ مَا هَزَلَ١ بِهِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ٢ فِيمَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَمْ يُفْطِرْ أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ٣، وَمَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا ظَانًّا لِلتَّمَامِ؛ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ أَجَزَأَتْ عَنْهُ رَكْعَتَا النَّافِلَةِ عَنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ، وَأَصْلُ مَسْأَلَةِ الرَّفْضِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا٤؛ فَجَمِيعُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ فِيهَا حَقِيقَةً٥.
- وَمِنْهَا: أَنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ فيه قصد الامتثال عقلا، وهو النظر
الحواشي
(١) ١ انظر: "الفتاوي الكبرى" "٣/ ١٤٩".
٢ نقل القرافي في "الذخيرة" "١/ ٥١١ – ط مصر" البطلان عن مالك، وعند الشافعية قولان مشهوران، أصحهما لا يبطل، انظر: "المجموع" "٦/ ٣٣١"، وما مضى "١/ ٣٤٤" مع التعليق عليه.
٣ هو وإن كان قولا ضعيفا يكفي في ترويج السؤال. "د".
٤ انظر بسط الخلاف في "المجموع" ١/ ٣٨٨، ٣/ ٢٥٠ و٦/ ٣٣١-٣٣٢"، و"قواعد الأحكام" "١/ ٢١٤-٢١٥"، و"الحطاب على خليل" "١/ ٢٤٠" و"الفروق" "١/ ٢٠٤ و٢/ ٢٧" و"الذخيرة" "١/ ٢٤٤، ٥١١ – ط المصرية و١/ ٢١٧ و٢/ ٥٢٠- ط دار الغرب"، و"المحلى" "٦/ ١٧٤"، و"مقاصد المكلفين" "ص٢٣٩–٢٤٢، وما مضى "١/ ٣٤٤".
٥ فالمدة التي وقع عليها الرفض عريت عن قصائد العبادة، وكذا الركعتان لم ينو فيهما الفرضية، ونية النفل لا تجزي عن نية الفرض عنده. "د".
قلت: عدم الإجزاء هو مذهب الجمهور، انظر: "المغني" "١/ ٤٦٨"، و"المجموع" "٣/ ٢٥١"، و"فتح الباري" "١٢/ ٣٢٨"، و"المحلى" "٣/ ٢٣٢ و٤/ ٥٠".стр. 1234
الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ، وَالْعِلْمِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ؛ فَإِنَّ قَصْدَ الِامْتِثَالِ فِيهِ مُحَالٌ حَسَبَمَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ؟ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ وَلَا أَنَّ كَلَّ تَصَرُّفٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَقَاصِدُ هَكَذَا مُطْلَقًا.
لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْمَقَاصِدَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَعْمَالِ ضَرْبَانِ:
ضَرْبٌ هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخْتَارٌ، وَهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ مُعْتَبَرٌ بِنِيَّتِهِ فِيهِ شَرْعًا، قُصِدَ بِهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الشَّارِعِ أَوْ لَا، وَتَتَعَلَّقُ إِذْ ذَاكَ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ فَاعِلٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ غَرَضًا مِنَ الْأَغْرَاضِ، حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، مَطْلُوبَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ مَطْلُوبٍ شَرْعًا، فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَلَ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَؤُلَاءِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ؛ فَلَيْسَ هَذَا النَّمَطُ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ؛ فَبَقِيَ مَا كَانَ مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ لَا بد فيه من القصد، وإذ ذلك تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْكُلِّيَّةِ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ، وَكُلُّ مَا أُورِدَ فِي السُّؤَالِ لَا يَعْدُو هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ؛ فَإِنَّهُ إِمَّا مَقْصُودٌ لِمَا قُصِدَ لَهُ مِنْ رَفْعِ مُقْتَضَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْهَزْلِ أَوْ طَلَبِ الدَّلِيلِ أَوْ غَيْرِ ذلك؛ فيتنزل على ذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالِاعْتِبَارِ [وَعَدَمِهِ، وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى حَالٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ؛ فَمِنْ بَابِ خِطَابِ] الْوَضْعِ لَا مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ فَالْمُمْسِكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ لِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ إِنْ١ صَحَّحْنَا صَوْمَهُ؛ فَمِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ، كَأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نَفْسَ الْإِمْسَاكِ سَبَبًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ أَوْ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ شَرْعًا، لَا بِمَعْنَى أنه مخاطب به وجوبا، وكذلك ما
الحواشي
(١) ١ كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "وإن" بزيادة واو.стр. 1235
فِي مَعْنَاهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فِعْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعَبُّدِيَّاتِ من حيث هي تعبديات؛ كُلَّهَا الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ لَا تَصِيرُ تَعَبُّدِيَّةً إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، أَمَّا مَا وُضِعَ عَلَى التَّعَبُّدِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَا إشكال فيه، وأما العادايات، فَلَا تَكُونُ تَعَبُّدُيَّاتٍ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ قَصْدَ التَّعَبُّدِ فِيهِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ أَلْبَتَّةَ، بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، أَمَّا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِنَفْسِ الْعَمَلِ١؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِهِ، بِخِلَافِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ؛ فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَصَارَ فِي عِدَادِ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى طَلَبِ هَذَا الْقَصْدِ أَوِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا.
وَالثَّانِي: مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ بِالْكَلَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا اعْتُرِضَ بِهِ.
فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ؛ فَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ وقصد امتثال الأمر؛ فلا يصح في عِبَادَةٌ٢، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتُهُ فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ شَرْعًا؛ كَأَخْذِ٣ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغُصَّابِ، وَمَا افْتَقَرَ مِنْهَا إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ؛ فلا يجزيء فِعْلُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكْرَهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ حتى ينوي القربة٤ كالإكراه
الحواشي
(١) ١ الذي هو النظر؛ فهنا عمل وهو النظر الموصل للمعرفة وهو ممكن؛ فيتوجه التكليف به، وأما قصد الامتثال بهذا النظر؛ فغير ممكن لأنه لا يكون قصد الامتثال لأمر الله إلا بعد معرفة الله بهذا بالنظر؛ فصار القصد غير ممكن؛ فلا يخاطب به. "د".
٢ في الأصل و"ط": "عادة".
٣ في الأصل: "لأخذ".
٤ قرر ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "٢٦/ ٣٠" الإجماع على أن الذي يؤدي العبادة خوفا من الضرب أو من السلطان، أو تقليدا للآباء والأجداد لا تقبل منه.стр. 1236
عَلَى الصَّلَاةِ، لَكِنَّ الْمُطَالَبَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؛ فَلَا يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِإِعَادَتِهَا لِأَنَّ باطن الأمر غير معلوم للعباد، فلم يطلبوا بِالشَّقِّ عَنِ الْقُلُوبِ.
وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْعَادِيَّةُ –وَإِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَى نِيَّةٍ-؛ فَلَا تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلَا مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلَّا مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ، وَإِلَّا كَانَتْ بَاطِلَةً١، وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّعَبُّدِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا بَانٍ عَلَى أَنَّهَا كَالْعَادِيَّاتِ وَمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ فَالطَّهَارَةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ٢؛ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّ٣ قَدِ اسْتَحَقَّهُ الْوَقْتُ؛ فَلَا يَنْعَقِدُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَصْرِفُهُ
الحواشي
(١) ١ أي: بالمعنى الثاني المتقدم في مبحث البطلان، وهو عدم ترتب الثواب عليه في الآخرة. "د".
وقال"خ": "صرح القرافي في الفرق الخامس والستين بما أشار إليه المصنف هنا من أن أداء الديون وما يشابهه ليس فيه ثواب حتى ينوي به امتثال أمر الله تعالى، ووافقه أبو القاسم بن الشاط في حال ما إذا نوى المكلف سببا للأداء غير الامتثال؛ كتخوفه أن لا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع من الأداء، ثم قال: وإن عري عن نية الامتثال ونية غيره، ولم ينو إلا مجرد أداء دينه؛ فلقائل أن يقول: لا يحرم صاحب هذه الحالة الثواب استدلالا بسعة بابه، وهذا الوجه غير متين؛ فإن رحمة الله تسع كل شيء، ولكن الدلائل قامت على أن ثواب العمل مرتبط بالتوجه إليه من حيث إنه مطلوب للشارع، والعمل الذي لا يصاحبه هذا القصد، فلا يصح أن نثبت لصاحبه ثوابا إلا بدليل خاص". قلت: في "ط": "باطلا".
٢ مذهب الحنفية أن ما كان وقته معينا كرمضان والنذر المعين لا يشترط فيه التبييت ولا التعيين؛ حتى إذا قصد غيره كأن نوى برمضان قضاء رمضان الفائت، أو نوى بالنذر المعين قضاء رمضان أو نفلا؛ فإن الصوم لا ينصرف إلا لصاحب الوقت، ويصح. "د".
قلت: ما ذكره المصنف هو مذهب عطاء ومجاهد وزفر من الحنفية، ذكر الكاساني في "بدائع الصنائع" "٢/ ٨٣" ما يمكن أن يحتج به لزفر؛ فقال: "النية إنما تشترط للتعيين، والحاجة إلى التعيين إنما تكون عند المزاحمة، ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا في حق المقيم، وهو صوم رمضان؛ فلا حاجة إلى التعيين بالنية". انتهى.стр. 1237
قَصْدُ سِوَاهُ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الْعَادِيَّاتِ؛ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وجه الصحة وإن لم يقصدوه١.
الحواشي
(١) = وقرر ابن رشد في "بداية المجتهد" "١/ ٣٠٠" أن سبب الاختلاف في هذه المسألة ما ذكره المصنف، وهو الاحتمال المتطرق إلى الصوم: أهو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟ فهو يرى كما قرر المصنف أن من ذهب إلى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنها معقولة المعنى؛ قال: قد حصل المعنى إذا صام ولم ينوِ.
وما مضى من نقل يوضح المثال الذي ذكره المصنف، بقي بعد هذا أمران:
الأول: الجمهور يردون على الرأي السابق بالنصوص الآمرة بالنية في العبادات عموما، وأولى الشافعي في "الأم" "٢/ ٨٣" هذه المسألة اهتماما جيدا، وألزمهم بصورة قد تقع في الصلاة، ورد حجتهم في أن الصوم لا يحتاج إلى نية، لأنه معين بصورته؛ إذ له وقت محصور محدود، بأن هذا يمكن أن يقع في الصلاة؛ فوقت الصلاة قد يتضيق حتى لا يسع إلا الفرض، ومع ذلك لا بد للصلاة التي وقعت في الوقت المتضيق من نية.
الثاني: أنكر الكرخي أن زفر يقول بصحة الصوم من الحاضر بغير نية، وادعى أن مذهب زفر كمذهب مالك، جواز الصوم بنية واحدة من أول الشهر، وقال آخرون: إن زفر رجع عن ذلك لما كبر. انظر: "الهداية" "٢/ ٩٢".
انظر في المسألة: "المجموع" "٦/ ٣٣٦"، و"المحلى"" "٦/ ١٦١" و"غمز عيون البصائر" "٢/ ٧٨"، و"شرح ميارة على ابن كاشر" "ص٣٤١"، و"السيل الجرار" "١/ ٢٠"، و"مقاصد المكلفين" "ص٣٣٩-٣٤١"، وفيه اعتراض على توجيه المسألة على سبب الاختلاف الذي ذكره ابن رشد، وفي صنيعه هذا نظر، والله الموفق.
٣ في الأصل: "التكلف".
١ مذهب أبي حنيفة أن الوليين لو صرحا بأن يكون بضع كل صداقا للأخرى؛ صح العقد ووجب مهر المثل لهما، وهذا مبني على أن العقد يصح ولو مع نفي المهر عنده؛ فإن الشغار آيل إلى نفي المهر، ويظهر أن الأصل: "وإن قصدوه"؛ أي: قصدوا الشغار، أي: فقد قصدوا ضد النكاح الشرعي، ومع ذلك لم يبطل؛ لأن العقد يصرفه إلى الحقيقة الشرعية، فيصح ويلزم مهر المثل، ويكون الشرط باطلا وقد يقال قوله: "وإن لم يقصدوه"؛ أي: الوجه الذي يصح العقد، بل قصدوا ما ينافيه؛ فتكون العبارة صحيحة، إلا أنه يبقى الكلام مع المؤلف في التمثيل به لأنه إذا كان المهر غير ركن ولا شرط في صحة العقد، بل مع نفيه في صلب العقد يصح؛ فقصده وعدم قصده لا يفيد في موضوعنا. "د".стр. 1238
وَأَمَّا النَّذْرُ وَالْعِتْقُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمُسَبَّبِ لَا يَنْفَعُهُ عَدَمُ قَصْدِهِ لَهُ عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَالْهَازِلُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ١ بِلَا شَكٍّ، وَهُوَ فِي الْمُسَبَّبِ إِمَّا غَيْرُ قَاصِدٍ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَإِمَّا قَاصِدٌ [أَنْ لَا يَقَعَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فيلزمه المسبب شاء أم أبى، وإذا قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ؛ فَبِنَاءً] عَلَى أَنَّهُ نَاطِقٌ بِاللَّفْظِ غَيْرُ قَاصِدٍ لِمَعْنَاهُ٢، وَإِنَّمَا٣ قَصَدَ مُجَرَّدَ الْهَزْلِ بِاللَّفْظِ، وَمُجَرَّدُ الْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حُكْمٌ إِلَّا حُكْمُ نَفْسِ الْهَزْلِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَدْ عُلِّلَ اللُّزُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ أَمْرٌ بَاطِنٌ٤؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جِدٌّ وَمُصَاحِبٌ لِلْقَصْدِ لِإِيقَاعِ مَدْلُولِهِ، أَوْ يُقَالُ٥: إِنَّهُ قَاصِدٌ بِالْعَقْدِ –الَّذِي هُوَ جِدٌّ شَرْعِيٌّ- اللَّعِبَ؛ فَنَاقَضَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ؛ فَبَطَلَ حُكْمُ الْهَزْلِ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى الْجِدِّ.
وَمَسْأَلَةُ رَفْضِ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ على الصحة؛ فالنية الأولى
الحواشي
(١) ١ وهو مجرد اللفظ. "د".
٢ إن كان مراده بغير قاصد لمعناه أنه غير قاصد لحصول المسبب عنه وهو الطلاق والعتق؛ فغير وجيه لما ذكره آنفا، وإن كان مراده غير قاصد لنفس المعنى الموضوع له اللفظ؛ فغير واضح ونية الهزل باللفظ لا تخرجه عن كونه فاهما معناه وملاحظا له، غايته أنه لا يكون قاصدا به حصول المسبب هذا ما يقتضيه الهزل؛ فهذا القول كما ترى. "د".
٣ في الأصل: "وأما".
٤ أي: وهي مسائل كما ترى لها آثار عظمى في النسب والحرية والالتزامات، يحافظ الشارع عليها أشد المحافظة؛ فيعمل أسبابها الظاهرة كما هي، ولا يقبل فيها محاولة الهزل لأنه أمر باطن؛ فيجب أن يحمل على الجد، وإلا لانفتح باب واسع يفسد العصم، ويضيع الحربة والالتزامات التي يلتزمها المكلف بالنذر، حتى تكون دعواه الهزل كأنها ندم على ما حصل. "د".
٥ لا ينافي الوجه قبله، ويصح ضمه إليه وإعمالها معا. "د".стр. 1239
مُسْتَصْحَبَةٌ حُكْمًا حَتَّى يَقَعَ الْإِفْطَارُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ لم يكن١؛ فيصح الصَّوْمُ، وَمِثْلُهُ نِيَابَةُ رَكْعَتَيِ النَّافِلَةِ عَنِ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ ظَنَّ الْإِتْمَامِ لَمْ يَقْطَعْ عِنْدَ الْمُصَحِّحِ حُكْمَ النِّيَّةِ الْأُولَى، فَكَانَ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا وَالِانْتِقَالُ إلى نية التنقل لَغْوًا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الرَّفْضِ.
وَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ؛ فَقَصْدُ التَّعَبُّدِ فِيهِ مُحَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الوجه الأول، وبالله التوفيق.
الحواشي
(١) ١ في الأصل و"ط": "لم يقع".стр. 1240
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
قَصْدُ الشَّارِعِ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي الْعَمَلِ مُوَافِقًا لِقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ١، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ وَضْعِ الشريعة؛ إذ قد مر أنها موضوعة
الحواشي
(١) ١ ولذا منع مالك في "المدونة" "٤/ ٢٥٣، ٢٥٤" بيع الخشبة لمن يستعملها صليبًا، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا؛ كما يحرم بيع السلاح لمن يعلم أنه يريد به قطع الطريق على المسلمين أو إثارة الفتنة بينهم، وكذا لا يجوز في مذهب مالك بيع الجارية المملوكة من قوم عاصين يتسامحون في الفساد وعدم الغيرة، وهم آكلون للحرام ويطعمونها منه، ونص ابن فرحون في "التبصرة" "٢/ ١٤٧" على حرمة بيع الدار لمن يعملها كنيسة، وفي "الشرح الكبير" للدردير مع "حاشية الدسوقي" عليه: "ويمنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرًا لا يجوز"، وذكر الأمثلة المتقدمة، وزاد: "وبيع أرض لتتخذ كنيسة أو خمارة"، و"النحاس لمن يتخذه ناقوسا"، وقيد ابن رشد أن الخلاف في هذا مقيَّد بما إذا علم البائع أن المشتري يفعل ذلك.
ويستفاد من كلام المصنف في هذه المسألة والتي تليها التوسع في تطبيق مبدأ الذرائع، وهو مبدأ يتجه اتجاهين: الأول اتجاه إلى الباحث على التصرف، والثاني اتجاه إلى مآل التصرف.
ومن الجدير بالذكر أن اعتبار القصد والباعث في العبادات والعادات أمر مجمع عليه ديانة؛ غير أن الخلاف بين الشافعية والحنفية من جهة، والحنابلة والمالكية من جهة أخرى في الطريقة التي يستدل بها على هذا؛ فذهب الأولون إلى أنه لا عبرة به إلا إذا دل دليل مادي ظاهر من العبارة تدرج في صيغة العقد، وأضاف الحنفية إلى ذلك أنه يعتبر أيضا إذا أمكن استخلاصه من طبيعة محل العقد، وتعينه طريقا إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة، أما الآخرون؛ فيكتفون بكل ما يدل عليه من ظروف وقرائن.
انظر: "الأم" "٣/ ٦٥ و٦/ ١٩٨"، و"اقتضاء الصراط المستقيم" "ص٢٣٦ - ط الإفتاء" و"إعلام الموقعين" "٣/ ٩٢"، و"المغني" "٩/ ٣٣١"، و"تبيين الحقائق" "٤/ ١٩٠"، و"تبصرة الحكام" "٢/ ١٤"، و"حاشية ابن عابدين" "٥/ ٢٥٠"، و"السيل الجرار" "٣/ ٢٣"، وكتابنا "المال الحرام وأحكامه" يسر الله إتمامه.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن نظرية الباعث التي فصل المصنف فيها القول لم يكتشفها التشريع الوضعي إلا في العصر الحديث، وقد سماها "نظرية السبب الحديثة"، والاجتهاد بالرأي في التشريع =стр. 1241
لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنْ لَا يَقْصِدَ خِلَافَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ، وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ خُلِقَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْقَصْدِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ –هَذَا مَحْصُولُ الْعِبَادَةِ-؛ فَيَنَالَ بِذَلِكَ الْجَزَاءَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَيْضًا؛ فَقَدْ مَرَّ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا رَجَعَ إليها من الحاجيات والتحسينات، وَهُوَ عَيْنُ مَا كُلِّفَ بِهِ الْعَبْدُ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا عَلَى الْمُحَافَظَةِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ١ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي٢ إِقَامَةِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ
الحواشي
(١) = الإسلامي كان له فضل السبق في استنباطها على نحو كلي واسع، جعلها تنبسط بظلها على جزئيات وقوعية، ومعاملات جارية في المجتمع لا تحصى كثرة، مما يقيم الدليل البين على اعتبار الجزئي بالكلي، واعتبار الكلي بالجزئي كيلا يقع التخالف المحظور شرعا كما قدمنا، فضلا عن أنها نظرية جاءت توثيقًا وحماية لمقاصد التشريع.
هذا بالنسبة للتطبيق الذي ينهض به المكلفون عامة؛ امتثالا لأحكام التشريع، وتنفيذًا لها، أما بالنسبة للمجتهد بوجه خاص؛ فإن عليه أن يحدد "المقصد الشرعي" في حكم كل مسألة على حدة ليتمكن من تبين صحة أو دقة اندراجها في المقاصد العامة للتشريع التي اتجهت جملة التكاليف إلى تحقيقها اعتبارا للجزئي بالكلي، وهذا لون من الجهد العقلي الاجتهادي.
١ أي: حقيقة كون العبد مكلفا بالمحافظة على الضروريات، وما يرجع إليها أن يكون خليفة الله في إقامتها بمباشرته الأسباب الظاهرة التي رسمها الله تعالى في الشرائع وأودع في العقول إدراكها. "د".
٢ انظر في استخدام هذا اللفظ: "زاد المعاد" "٢/ ٣٧"، و"مفتاح دار السعادة" "ص١٦٥" -كلاهما لابن القيم- وقرر فيهما: إن أريد بإضافة "الخليفة" إلى الله أنه خليفة عنه؛ فالصواب منعه لأن الخليفة إنما يكون عمن يغيب ويخلفه غيره، وهذا محال في حق الله تعالى؛ لأنه شاهد غير غائب، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله؛ فهذا لا يمتنع فيه الإضافة. وانظر: "معجم المناهي اللفظية" "ص١٥٦-١٥٧ - ط الأولى".стр. 1242
وَمِقْدَارِ وُسْعِهِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ خِلَافَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ عَلَى كُلِّ مَنْ تَعَلَّقَتْ لَهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ١.
وَفَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٧] .
وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٠] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢٩] .
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦٥] .
وَالْخِلَافَةُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ حَسَبَمَا فَسَّرَهَا الْحَدِيثُ حَيْثُ قَالَ: "الْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ؛ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ٢، وَإِنَّمَا أَتَى بِأَمْثِلَةٍ٣ تُبَيِّنُ أَنَّ الْحُكْمَ كلي عام غير مختص؛ فلا يختلف عَنْهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْوِلَايَةِ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً؛ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، يُجْرِي أحكامه ومقاصده مجاريها، وهذا بين.
الحواشي
(١) ١ سيأتي تخريجه قريبا.
٢ أخرجه البخاري في "صحيحة" "كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، ٢/ ٣٨٠/ رقم ٨٩٣، وكتاب الاستقراض، باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه، ٥/ ٦٩/ رقم ٢٤٠٩، وكتاب العتق، باب العبد راع في مال سيده ونسب النبي ﷺ المال إلى السيد، ٥/ ١٨١/ رقم ٢٥٥٨، وكتاب الوصايا، باب تأويل قوله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ، ٥/ ٣٧٧/ رقم ٢٧٥١، وكتاب الأحكام، باب قوله الله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، ١٣/ ١١١/ رقم ٧١٣٨"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، ٣/ ١٤٥٩/ رقم ١٨٢٩" عن ابن عمر ﵄ بألفاظ متقاربة، وفي الباب عن أنس وابن عباس والمقدام بن معدي كرب وأبي لبابة وأبي موسى وأبي هريرة وعائشة وابن مسعود قوله تكلمت على تخريجها في تحقيقي لـ"فضيلة العادلين" لأبي نعيم مع "تخريجه" للسخاوي "رقم ١".
وفي الأصل: والمرأة راعية في بيت".
٣ أي: فليس الغرض الحصر فيما ذكره؛ لأنه لم يذكر أعم الولايات وهي ولاية الشخص ورعايته لما رسم بالنسبة لنفسه، ولم يذكر في هذه الرواية أيضا ولاية العبد في مال سيده التي ذكرت في طريق آخر؛ فهذا يدل على ما قال، وهو أنه إنما ذكر أمثلة فقط. "د".стр. 1243
مختص؛ فلا يختلف عَنْهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْوِلَايَةِ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً؛ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، يُجْرِي أَحْكَامَهُ وَمَقَاصِدَهُ مَجَارِيَهَا، وَهَذَا بَيِّنٌ.
فَصْلٌ:
وَإِذَا حَقَّقْنَا تَفْصِيلَ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ وَجَدْنَاهَا تَرْجِعُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ١، وَفِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْمُكَلَّفِ فِي الْأَسْبَابِ٢؛ إِذْ مَرَّ هُنَالِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْهَا يُؤْخَذُ الْقَصْدُ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ؛ فَعَلَى النَّاظِرِ هُنَا مُرَاجَعَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ مَا أَرَادَ إن شاء الله٣.
الحواشي
(١) ١ في المسألة السادسة هناك أن الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكُ بِالْمَقَاصِدِ. "د".
٢ في المسألة السادسة من النوع الرابع، وهو دخول المكلف تحت أحكام الشريعة، حيث جعل ما تعبد الله به العباد نوعين: دينيًا، ودنيويًا، ثم جعل الديني من حيث قصد المكلف نوعين، وجعل الدنيوي من حيث قصده ثلاثة أقسام. "د".
قلت: غلط الشيخ دراز في إحالة المصنف، والصواب أنه أحال على المسألة السادسة من مسائل الأحكام الوضعية "١/ ٣٢١ وما بعد".
٣ سبق أن قرر المصنف في المسألة الثالثة من مسائل الأحكام الوضعية "١/ ٣٠٨" "أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها"؛ أي: أن المكلف يكفيه أن يأتي بالأسباب على وجهها الصحيح المشروع، وليس مكلفا بالقصد إلى مسبباتها =стр. 1244
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
كُلُّ١ مَنِ ابْتَغَى فِي تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ غَيْرَ مَا شُرِعَتْ لَهُ؛ فَقَدْ نَاقَضَ
الحواشي
(١) = لأنه غير مكلف بالمسببات "النتائج"؛ فالله تعالى هو الذي يتولى أمر المسببات ويرتبها على أسبابها، قال هنالك "١/ ٣١٦-٣١٧": "فإذًا: قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط بها بالقصد التكليفي؛ فلا يلزم قصد المكلف إليه؛ إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا دليل عليه"، وقال "١/ ٣١٥": "فليس في الشرع دليل ناص على طلب القصد إلى المسبب".
وقرر في بداية هذه المسألة "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع"؛ فهذا يقتضي أن يقصد المكلف بالأسباب ما شرعت لأجله من المسببات، فالقصد إلى المسببات -وعلى وفق ما قصده الشارع بها- مطلوب إذًا من فاعل الأسباب، بينما الذي سبق تقريره أن المكلف غير ملزم بهذا؟!
والمصنف لم يكن غافلًا عن هذا "التناقض"، والذي أحالنا عليه فيه تعرض بتفصيل وتقعيد لرفعه، ومفاده أنه على أقسام ومراتب، فمنه ما يلتفت فيه إلى المقاصد والمسببات، ومنه ما لا يلتفت.
١ دليل منطقي مؤلف من صغرى وكبرى، ثم النتيجة، وقال: إن الكبرى ظاهرة، ولم يترك التنبيه عليها؛ فقال: "فإن المشروعات إنما وضعت ... إلخ"، ودلل على الصغرى بالأدلة الستة، إلا أنه بالتأمل يرى أن الدليل الأول منها جميعه ما عدا قوله أخيرًا: "فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار ... إلخ"، هو في الواقع بيان وشرح للتنبيه على المقدمة الكبرى، وبسط للكلام فيما ينبني عليه قوله: "فإذا خولفت لم يكن ... إلخ"؛ فهذا الكلام في الدليل الأول مرتبط ارتباطا تاما ببيان المقدمة الكبرى، وليس بنا حاجة إليه في الاستدلال على المقدمة الصغرى، ويكفي في الدليل الأول أن يقول: لأنه إذا قصد المكلف غير ما قصده الشارع؛ فقد جعل ما قصده الشارع مهمل الاعتبار، وما أهمل ... إلخ، ولا حاجة لما قبل ذلك من المقدمات. "د".
قلت: لئن كان المطلوب من المكلف بصفة إجمالية أن يجعل قصده في العمل موافقا لقصد الشارع من التشريع؛ فإن عامة المكلفين قد لا يعرفون بالتفصيل مقاصد الشارع في كثير من أحكامه وتكاليفه؛ فكيف يفعلون حتى يكون قصدهم في كل عمل موافقًا غير مخالف لقصد الشارع في ذلك العمل، ويكونوا على اطمئنان من ذلك؟ والجواب على هذا السؤال نجده في المسألة الثامنة؛ فانظره هناك.
ومما ينبغي ذكره أن الاجتهاد تكليف من تكاليف الشريعة لأنه فرض كفائي؛ فيدخل في مضمون هذا الأصل وحكمه، ولذا اشترط المصنف في كتابه الاجتهاد "القسم الخامس" في المسألة الثانية من الطرف الأول منه أن العالم لا يبلغ درجة الاجتهاد؛ إلا إن فهم مقاصد الشريعة.стр. 1245
الشريعة، و [كل] ١ ما نَاقَضَهَا؛ فَعَمَلُهُ فِي الْمُنَاقَضَةِ بَاطِلٌ، فَمَنِ ابْتَغَى فِي التَّكَالِيفِ مَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ؛ فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ.
أَمَّا أَنَّ الْعَمَلَ الْمُنَاقِضَ بَاطِلٌ؛ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّ٢ الْمَشْرُوعَاتِ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا خُولِفَتْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ الَّتِي خُولِفَ بِهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ وَلَا دَرْءُ مَفْسَدَةٍ.
وَأَمَّا أَنَّ مَنِ ابْتَغَى فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ؛ فَهُوَ مُنَاقِضٌ لَهَا؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ الْأَفْعَالَ والتُّرُوكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَفْعَالٌ أَوْ تُرُوكٌ مُتَمَاثِلَةٌ عَقْلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُقْصَدُ بِهَا؛ إِذْ لَا تَحْسِينَ لِلْعَقْلِ وَلَا تَقْبِيحَ٣، فَإِذَا جاء الشارع
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط".
٢ في نسخة "ماء/ ص٢٢٧": "لأن".
٣ يسلم الأشاعرة أن للفعل حسنا وقبحا، بمعنى أنه منشأ للمصلحة أو المفسدة، وإنما ينكرون الحسن والقبح على معنى أن يكون الثواب والعقاب مرتبط بذلك الوجه، بحيث لا يصح في العقل أن يتخلف الثواب والمدح عما فيه مصلحة، والعقاب والذم عام فيه مفسدة؛ إذ لا يرون أن الأمر بما فيه فساد والنهي عما فيه صلاح يخل بوصف الحكمة؛ لأن الحكمة في صفات الباري ليست في مذهبهم رعاية المصالح والمفاسد، بل هي اتصافه بصفات العلم والإرادة وغيرها من صفات الكمال. "خ".
قلت: انظر مناقشة الأشاعرة في "مجموع الفتاوى" "٨/ ٩٠ وما بعدها، وما مضى "١/ ١٢٥".стр. 1246
بِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنَ لِلْمَصْلَحَةِ وَتَعْيِينِ الْآخَرِ لِلْمَفْسَدَةِ؛ فقد بين الوجه الذي منه تحصيل الْمَصْلَحَةُ فَأَمَرَ بِهِ أَوْ أَذِنَ فِيهِ، وَبَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي بِهِ تَحْصُلُ الْمَفْسَدَةُ؛ فَنَهَى عَنْهُ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، فَإِذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ عَيْنَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِالْإِذْنِ؛ فَقَدْ قَصَدَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ؛ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ تَحْصُلَ لَهُ وَإِنْ قَصَدَ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيمَا قَصَدَ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْصِدُ وَجْهَ الْمَفْسَدَةِ كِفَاحًا؛ فَقَدْ جَعَلَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ مُهْمَلَ الِاعْتِبَارِ، وَمَا أَهْمَلَ الشَّارِعُ مَقْصُودًا مُعْتَبَرًا، وَذَلِكَ مُضَادَّةٌ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرَةٌ.
وَالثَّانِي ١:
أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْقَصْدِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ مَا رَآهُ الشَّارِعُ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدُ هَذَا الْقَاصِدِ ليس بحسن، وما لم يره في الشَّارِعُ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدَهُ حَسَنٌ، وَهَذِهِ مُضَادَّةٌ أَيْضًا.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية [النساء: ١١٥] .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مصيرا"٢، والأخذ في خلاف مآخذ
الحواشي
(١) ١ قريب مما قبله؛ لأن إهمال ما قصده الشارع وقصد ما أهمله إنما يكون غالبا لتوهم أن المصلحة والحسن فيما قصد. "د".
٢ أخرجه الآجري في "الشريعة" "٤٨، ٦٥، ٣٠٦"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "٣/ ٣٨٦" -ومن طريقه اللالكائي في "شرح اعتقاد أهل السنة" "رقم ١٣٤"- وابن عبد البر في "الجامع" "٢/ ١١٧٦/ رقم ٢٣٢٦" من طريقين عنه، أحدهما فيها انقطاع بين مالك وعمرو بن عبد العزيز، والآخر فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وله طرق به يصح، وانظر: "٤/ ٤٦١".
وكان مالك ﵀ يعجبه هذا الأثر، ويستدل به على المبتدعة، قال القاضي عياض في "ترتيب المدارك" "١/ ١٧٢ - ط بيروت": "قال مطرف: سمعت مالكا إذا ذكر عنده فلان من أهل الزيغ والأهواء يقول: قال عمر بن عبد العزيز "وذكره"، قال: "وكان مالك إذا حدث بها ارتج سرورًا"، وسيأتي نحوه عند المصنف "٤/ ٤٦٠، ٤٦١".стр. 1247
الشَّارِعِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ مُشَاقَّةٌ ظَاهِرَةٌ.
وَالرَّابِعُ:
أَنَّ الْآخِذَ بِالْمَشْرُوعِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشَّارِعُ ذَلِكَ الْقَصْدَ آخِذٌ فِي غَيْرِ مَشْرُوعٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا شَرَعَهُ لِأَمْرٍ مَعْلُومٍ بِالْفَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ بِالْقَصْدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَعْلُومِ؛ فَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ الْمَشْرُوعِ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَاقَضَ الشَّارِعَ فِي ذَلِكَ الْأَخْذِ، مِنْ حَيْثُ صَارَ كَالْفَاعِلِ لِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ [وَالتَّارِكِ لِمَا أُمِرَ بِهِ] ١.
وَالْخَامِسُ:
[أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْأَعْمَالِ مِنْ جهة قصد الشارع بها٢
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، ومن نسخة "ماء/ ص٢٢٧".
٢ فالنكاح مثلا طلبه الشارع للنسل ولغيره من لواحقه، فإذا قصد به تحليل الزوجة لغيره؛ كان النكاح وسيلة لما قصد من التحليل، ولم يكن مقصودا بقصد الشارع، فما كان مقصودا عند الشارع؛ صار وسيلة عنده، وهذا مناقضة للشريعة، وقد يقال: هو عند الشارع أيضا وسيلة؛ إلا أنها لمقصود آخر هو النسل وما معه إلا للتحليل؛ فلا يخرج هذا الدليل عن مآل الدليل الأول، وهو أن ما قصده الشارع مهمل الاعتبار عنده، وما أهمله الشارع اعتبره، أما محاولة جعله دليلًا مستقلًا من حيث كان مقصودًا في نظر الشرع، فجعله هو وسيلة فغير واضح؛ لأنه وسيلة على كل حال، إلا أن المقصد مختلف.
وجوابه أن ذلك جار في بعض التكاليف، كما إذا مثل بالصلاة والصوم والحج، وهكذا من العبادات المحضة إذا قصد بها الرياء مثلا؛ فقد جعلها وسيلة لنيل دنيا أو جاه، أو إسقاط عقوبات تركها في الدنيا كإسقاط القتل عن تارك الصلاة؛ فالشارع اعتبر هذه العبادة مقاصد تطلب لذاتها، لكن الشخص جعلها وسيلة إلى غرض من أغراضه، وبهذا يتجه كلام المؤلف ويتبين استقلال هذا الدليل، ويؤيده ما يذكره في المسألة الرابعة تمثيلا للضرب الثاني من القسم الثالث بمن يصلي رياء لينال دنيا ... إلخ. "د".стр. 1248
فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِذَا قَصَدَ] ١ بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ كَانَتْ بِفَرْضِ الْقَاصِدِ وَسَائِلَ لِمَا قَصَدَ لَا مَقَاصِدَ، إِذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا قَصْدَ الشَّارِعِ فَتَكُونَ مَقْصُودَةً، بَلْ قَصَدَ قَصْدًا آخَرَ جَعَلَ الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ وَسِيلَةً لَهُ؛ فَصَارَ مَا هُوَ عِنْدَ الشَّارِعِ مَقْصُودٌ وَسِيلَةً عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ شَأْنُهُ هَذَا نَقْضٌ لِإِبْرَامِ الشَّارِعِ، وَهَدْمٌ لِمَا بَنَاهُ.
وَالسَّادِسُ:
أَنَّ هَذَا الْقَاصِدَ مُسْتَهْزِئٌ بِآيَاتِ اللَّهِ، لِأَنَّ مِنْ آيَاتِهِ أَحْكَامَهُ الَّتِي شَرَعَهَا، [وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامٍ شَرَعَهَا] ١: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] .
وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا غَيْرَ مَا شَرَعَهَا لِأَجْلِهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمُنَافِقِينَ حَيْثُ٢ قَصَدُوا بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٥] .
وَالِاسْتِهْزَاءُ بِمَا وُضِعَ عَلَى الْجِدِّ مُضَادَّةٌ لِحِكْمَتِهِ ظَاهِرَةٌ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
وَلِلْمَسْأَلَةِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ؛ كَإِظْهَارِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ قَصْدًا لِإِحْرَازِ الدَّمِ وَالْمَالِ، لَا لِإِقْرَارٍ٣ لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالصَّلَاةِ لِيُنْظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الصَّلَاحِ، وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْهِجْرَةِ لِيَنَالَ دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةً يَنْكِحُهَا، وَالْجِهَادِ للعصبية أو ينال شرف الذكر في الدنيا، والسلف ليجربه نَفْعًا، وَالْوَصِيَّةِ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ لِلْوَرَثَةِ، وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُعْتَرَضُ هَذَا الْإِطْلَاقُ٤ بِأَشْيَاءَ:
- مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ كَنِكَاحِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ وَمَا ذُكِرَ
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٢ في "ط": "حين".
٣ في "ط": "للإقرار".
٤ وهو الكلية في رأس المسألة، وبعبارة أخرى نتيجة القياس المشار إليه سابقا. "د".стр. 1249
مَعَهُمَا؛ فَإِنَّهُ قَاصِدٌ غَيْرَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ بِبَاطِلٍ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ تَصَرُّفَاتُهُ شَرْعًا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ كَمَا تَنْعَقِدُ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ؛ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَالْيَمِينِ، وَالنَّذْرِ١، وَمَا يَحْتَمِلُ الْإِقَالَةَ يَنْعَقِدُ كَذَلِكَ، لَكِنْ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكْرَهِ وَرِضَاهُ، إِلَى مَسَائِلَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ.
- وَمِنْهَا: أَنَّ الْحِيَلَ فِي رَفْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَتَحْلِيلِ الْمَرْأَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ مَعَ أَنَّهَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا صَحِيحَةٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ أَلْفَى مِنْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ، وَجَمِيعُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوعَ إِذَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ؛ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَسَائِلَ الْإِكْرَاهِ إِنَّمَا قِيلَ بِانْعِقَادِهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ بِأَدِلَّةٍ قَرَّرَهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ أَحَدٌ بِكَوْنِ الْعَمَلِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ثُمَّ يُصَحِّحُهُ٢، لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أَقْرَبُ إِلَى تَفْهِيمِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْعَمَلَ صَحِيحٌ شَرْعًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؟ هَلْ هَذَا إِلَّا عَيْنُ الْمُحَالِ؟ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْحِيَلِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا مُطْلَقًا، فَإِنَّمَا قَالَ بِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلشَّارِعِ قَصْدًا فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ المفاسد، بل الشريعة لهذا
الحواشي
(١) ١ أي: فقصد الشارع بهذه العقود أن تحصل باختيار عاقدها، ومع كونها وقعت على غير ما شرعت ووقعت مناقضة للشريعة؛ لم تبطل، بل وقعت صحيحة. "د".
قلت: انظر تفصيل ذلك في: "المبسوط" "٢٤/ ٦٤"، و"بدائع الصنائع" "٩/ ٤٥٠٠"، و"أحكام القرآن" "٣/ ١٩٣" للجصاص، ووردت نصوص تبطل الزواج بالإكراه، انظر: "نيل الأوطار" "٧/ ٢٨٦-٢٨٧"، و"تفسير القرطبي" "١٠/ ١٨٥، ٦١٤"، و"المحلى" "٨/ ٣٨٧"، و"بداية المجتهد" "٢/ ٤-٧"، و"المغني" "٧/ ٣٨٢"، و"كشاف القناع" "٣/ ١٤١".
٢ في "ط": "يصح".стр. 1250
وُضِعَتْ، فَإِذَا صَحَّحَ مَثَلًا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ؛ فَإِنَّمَا صَحَّحَهُ عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ الْإِذْنُ فِي اسْتِجْلَابِ [مَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ خَوْفَ] ١ الْقَتْلِ أَوِ التَّعْذِيبِ، وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ دَلِيلٍ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ حِيلَةٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى تَصْحِيحِ كُلِّ حِيلَةٍ؛ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مِنْهَا مَا كَانَ مُضَادًّا لِقَصْدِ الشَّارِعِ خَاصَّةً، وَهُوَ الَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَارَضُ فِيهَا الْأَدِلَّةُ، وَلِهَذَا مَوْضِعٌ يُذْكَرُ فِيهِ فِي هَذَا القسم إن شاء الله تعالى.
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.стр. 1251
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
فَاعِلُ الْفِعْلِ أَوْ تَارِكُهُ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مُوَافَقَةَ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتَهُ؛ فَالْجَمِيعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا وَقَصْدُهُ الْمُوَافَقَةُ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا، يَقْصِدُ بِهَا امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَدَاءَ مَا وَجَبَ عليه أو ندب إليه، وكذلك ترك الزنى وَالْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ الِامْتِثَالَ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَمَلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا وَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ؛ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ قَاصِدًا لِذَلِكَ؛ فَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُ الْحُكْمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُوَافِقًا وَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ، وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعْلَمَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُوَافِقًا.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ.
فَالْأَوَّلُ: كَوَاطِئِ زَوْجَتِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَشَارِبِ الْجُلَّابِ١ ظَانًّا أَنَّهُ خَمْرٌ، وَتَارِكِ الصَّلَاةِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَكَانَ قَدْ أَوْقَعَهَا وَبَرِئَ مِنْهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ حَصَلَ فِيهِ قَصْدُ الْعِصْيَانِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَيَحْكِي الْأُصُولِيُّونَ فِي هَذَا النَّحْوِ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْعِصْيَانِ فِي مَسْأَلَةِ "مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ"، وَحَصَلَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَفْسَدَةَ النَّهْيِ لَمْ تَحْصُلْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَنْ فَعَلَهُ، فَحَصَلَتِ الْمَفْسَدَةُ؛ فَشَارِبُ الْجُلَّابِ لَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ، وَوَاطِئُ زوجته لم يختلط
الحواشي
(١) ١ أي: ماء الورد. "ماء/ ص٢٢٩".стр. 1252
نَسَبُ مَنْ خُلِقَ مِنْ مَائِهِ، وَلَا لَحِقَ الْمَرْأَةَ بِسَبَبِ هَذَا الْوَطْءِ مَعَرَّةٌ١، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ لَمْ تَفُتْهُ مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ؛ فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ وَمُخَالَفَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ وَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ؟ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ؛ فَمَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ؛ فَلَا عِصْيَانَ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ عَاصٍ بِاتِّفَاقٍ، هَذَا خُلْفٌ، وَإِنْ وَقَعَ مُخَالِفًا؛ فَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَكَانَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ، وَالزَّجْرُ عَلَى الشَّارِبِ، وَشِبْهُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ بِاتِّفَاقٍ أَيْضًا، هَذَا خُلْف.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَمَلَ هُنَا آخِذٌ بِطَرَفٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنَ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي الْقَصْدِ قَدْ وَافَقَ فِي نَفْسِ الْعَمَلِ، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَجَدْنَاهُ لَمْ تَقَعْ بِهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا فَاتَتْ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَصْدِهِ وَجَدْنَاهُ مُنْتَهِكًا حُرْمَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَهُوَ عَاصٍ فِي مُجَرَّدِ الْقَصْدِ٢ غَيْرُ عَاصٍ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ آثِمٌ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ، غَيْرُ آثِمٍ مِنْ جِهَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ٣، كَالْغَاصِبِ لِمَا يَظُنُّ
الحواشي
(١) ١ وينظر فيمن وطء زوجته وهو يتخيَّل غيرها في "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي "٧/ ٢٥٢-٢٥٣".
٢ وجهت الشريعة نظرها إلى عمل الطاعات وتنظيم شئون المعاملات؛ محافظة على جلب المصالح ودر المفاسد المترتبة عليها، وأفرغت مع ذلك عنايتها في الغاية التي عني بها علم الأخلاق، والمحور الذي تدور عليه قوانينه وهي الإرادة؛ فكان من أهم تعاليم الإسلام تنظيم تلك المحكمة التي إمامها الله في الضمير الإنساني والسير بها في سبيل العدالة ليكون سلطانها الغالب وكلمتها النافذة، ومن وسائل هذا التنظيم تمرين النفس على الإصغاء إلى ذلك الصوت الذي ينبعث من صميم القلب؛ فيحثها على العمل أو يزجرها ويحدها عليه أو يوبخها، وهذا ما اقتضى أن يكون للعزم على الفسوق والمآثم نصيب من الوعيد والإنذار. "خ".
٣ أي: حقه نفسه؛ فإنه مأذون له في التمتع بزوجته وبشرب الجلاب مثلا، وليس مطلبا بصلاة بعد أن أداها؛ إلا أنه انتهك حرمة الأمر والنهي ولم يبال بهما، فمن جهة أنه فعل حقا له مأذونا فيه لا يتوجه عليه حد ولا غيره كالغاصب في مثاله؛ لا يعقل أن نطالبه بمتاع للشخص الذي ظن أنه اغتصب متاعه، والواقع أنه مال نفسه، فكذلك لا يتوجه عليه حد ولا غيره؛ فيبقى حق الله في الأمر والنهي وقد انتهكه. "د".стр. 1253
أَنَّهُ مَتَاعُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ مَتَاعُ الْغَاصِبِ نَفْسِهِ؛ فَلَا طَلَبَ عَلَيْهِ لِمَنْ قُصِدَ الْغَصْبُ مِنْهُ؛ وَعَلَيْهِ الطَّلَبُ مِنْ جِهَةِ حُرْمَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ.
وَلَا يُقَالُ: إِذَا كَانَ فَوْتُ الْمَفْسَدَةِ أَوْ عَدَمُ فَوْتِ الْمَصْلَحَةِ مُسْقِطًا لِمَعْنَى الطَّلَبِ؛ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ، أَوْ زَنَى فَلَمْ يَتَخَلَّقْ١ مَاؤُهُ فِي الرَّحِمِ بِعَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقَّعَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَا يَكُونَ آثِمًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ خَاصَّةً.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ [هَذَا] ٢ الْعَامِلَ قَدْ تَعَاطَى٣ السَّبَبَ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ الْمَفْسَدَةُ أَوْ تَفُوتُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، وَهُوَ الشُّرْبُ وَالْإِيلَاجُ الْمُحَرَّمَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُمَا مَظِنَّتَانِ لِلِاخْتِلَاطِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ، وَلَمْ يَضَعِ الشَّارِعُ الْحَدَّ بِإِزَاءِ زَوَالِ الْعَقْلِ أَوِ٤ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، بَلْ بِإِزَاءِ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ خَاصَّةً، وَإِلَّا فَالْمُسَبِّبَاتُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْمُتَسَبِّبِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فِعْلِ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَاللَّهُ هُوَ خَالِقُ الْوَلَدِ مِنَ الْمَاءِ، وَالسُّكْرِ عَنِ الشُّرْبِ كَالشِّبَعِ مَعَ الْأَكْلِ، وَالرِّيِّ مَعَ الْمَاءِ، وَالْإِحْرَاقِ مَعَ النار، كما تبين في موضعه، وإذ كان كذلك؛ فالمولج والشارب قد
الحواشي
(١) ١ في الأصل: "يختلقه".
٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٣ أي: بخلاف من فعل الموافق بقصد المخالفة في هذا القسم؛ فإنه لم يتعاط السبب في الواقع وإن كان قصد السبب المخالف، لكنه أخطأه. "د".
٤ في الأصل: "واختلاط".стр. 1254
تَعَاطَيَا السَّبَبَ عَلَى كَمَالِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيقَاعِ مُسَبَّبهِ وَهُوَ الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا عُمِلَ فِيهِ بِالسَّبَبِ لَكِنَّهُ أَعْقَمَ، وَأَمَّا الْإِثْمُ؛ فَعَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، وَهَلْ يَكُونُ فِي الْإِثْمِ مُسَاوِيًا لِمَنْ أَنْتَجَ سَبَبُهُ أَمْ لَا؟ هَذَا نَظَرٌ آخَرُ، لَا حاجة إلى ذكره ههنا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُوَافِقًا إِلَّا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْمُوَافَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ، وَمِثَالُهُ أَنْ يُصَلِّيَ رِيَاءً لِيَنَالَ دُنْيَا أَوْ تَعْظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الْقَتْلَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ أَشَدُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ قَدْ جَعَلَ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي جُعِلَتْ مقاصد، وسائل لأمور أخرى لَمْ يَقْصِدِ الشَّارِعُ جَعْلَهَا لَهَا؛ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ النِّفَاقُ وَالرِّيَاءُ وَالْحِيَلُ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنًا؛ فَلَا يَصِحُّ جُمْلَةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٥] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ١ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُخَالِفًا وَالْقَصْدُ مُوَافِقًا؛ فَهُوَ أَيْضًا ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالَفَةِ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَهْلِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالَفَةِ٢؛ فَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ، كَإِنْشَاءِ العبادات
الحواشي
(١) ١ في المسألة الأولى.
٢ أي: فيكون الفعل مخالفا في الواقع لما شرعه الشارع، وهو يعلم أنه لم يشرعه، ولكنه يقصد به الطاعة والعبادة، متأولا غالبا أن هذا الفعل يعد طاعة؛ فهذا هو معنى مخالفة الفعل -أي في الواقع- وموافقة القصد -أي لما يزعمه- طاعة وعبادة، وإن كان يعلم أنه لم يرد في الشرع جعله عبادة؛ فلا يقال: إن هذا القسم الأول من قسمي الرابع لا يتصور حصوله من العاقل لأنه كيف يعلم أنه مخالف ويقصد به الموافقة لقصد الشارع؟ فمحصل هذا الضرب أن الفعل موافق في زعمه، وإن لم يكن جهلا صرفا كالضرب الثاني. "د".стр. 1255
الْمُسْتَأْنَفَةِ وَالزِّيَادَاتِ عَلَى مَا شَرَّعَ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يُتَجَرَّأَ عَلَيْهِ إِلَّا بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَذْمُومٌ حَسَبَمَا جَاءَ فِي القرآن والسنة، والموضع مستغن عن إيراده ههنا، وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ بَعْدَ هَذَا [إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ هُنَا أَنَّ جَمِيعَ الْبِدَعِ مَذْمُومَةٌ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى] ١: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٣] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" ٢.
وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَحَادِيثِ كَالْمُتَوَاتِرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ قَسَّمُوا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهَا بِإِطْلَاقٍ هُوَ الْمُحَرَّمُ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ؛ فَلَيْسَ الذَّمُّ٣ فِيهِ بِإِطْلَاقٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ؛ فَغَيْرُ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَالْوَاجِبُ مِنْهَا وَالْمَنْدُوبُ حَسَنٌ بِإِطْلَاقٍ، وَمَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ وَمُسْتَنْبِطُهُ، وَالْمُبَاحُ حَسَنٌ بِاعْتِبَارٍ؛ فَعَلَى الْجُمْلَةِ مَنِ اسْتَحْسَنَ مِنَ الْبِدَعِ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْأَوَّلُونَ لَا يَقُولُ: إِنَّهَا مَذْمُومَةٌ وَلَا مُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ أَيَّ مُوَافَقَةٍ؛ كَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَالتَّجْمِيعِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ الَّتِي اتفق الناس على
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٢ قطعة من حديث أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢/ ٥٩٢/ رقم ٨٦٧" عن جابر بن عبد الله ﵁.
٣ كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة كلها: "فهو الذم"، وكتب "د" في الهامش: "لعل الأصل: "فليس الذم"، وما احتمله هو الصواب.стр. 1256
حُسْنِهَا أَعْنِي السَّلَفَ الصَّالِحَ وَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَّةِ "وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ"١؛ فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ؛ إِذْ هِيَ أَفْعَالٌ مُخَالِفَةٌ لِلشَّارِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْهَا مُقْتَرِنَةً بِقَصْدِ مُوَافِقٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الصَّلَاحَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الْبِدَعُ كُلُّهَا مَذْمُومَةً خِلَافَ الْمُدَّعَى.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ مِمَّا وَقَعَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْفِعْلَ مُخَالِفٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ، وَمَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ بِحَالٍ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ جَمْعَ الْمُصْحَفِ مَثَلًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ٢ بِالْحِفْظِ فِي الصُّدُورِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ اخْتِلَافٌ يُخَافُ بِسَبَبِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِيهِ نَازِلَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ؛ كَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ هِشَامِ بن حكيم رضي الله عنهما٣،
الحواشي
(١) ١ سيأتي تخريجه "ص٤١".
٢ أي لا لأنه نهي عنه حتى يكون للشارع فيه وضع مخصوص يعد من فعله مخالفا لما وضعه الشارع من النهي، بل كان الترك للاستغناء عنه. "د".
٣ يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، ٥/ ٧٣/ رقم ٢٤١٩، وكتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، ٩/ ٢٣/ رقم ٤٩٩٢، وباب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا، ٩/ ٨٧/ رقم ٥٠٤١، وكتاب استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأولين، ١٢/ ٣٠٣/ رقم ٦٩٣٦، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ، ١٣/ ٥٢٠، رقم ٧٥٥٠"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، ١/ ٥٦٠/ رقم ٨١٨" عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لبَّبته بردائه، فجئت بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أرسله، اقرأ".
فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هكذا أنزلت". ثم قال لي: "اقرأ" فقرأت؛ فقال: "هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرءوا ما تيسر منه". لفظ مسلم.стр. 1257
وَقِصَّةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا١، وَفِيهِ قَالَ ﵊: "لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ؛ فإن المرء فيه كفر" ٢.
الحواشي
(١) ١ يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه، ١/ ٥٦١-٥٦٢/ رقم ٨٢٠" عن أبي بن كعب؛ قال كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه؛ فلما قضينا الصلاة؛ دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ؛ فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه؛ فأمرهما رسول الله ﷺ فقرآ، فحسن النبي ﷺ شأنهما؛ فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري؛ ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا؛ فقال لي: "يا أبي! أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هون على أمتي؛ فرد إلي الثانية: "اقرأه على حرفين"، فرددت إليه: أن هون على أمتي؛ فرد إليّ الثالثة: "اقرأه على سبعة أحرف؛ فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم؛ حتى إبراهيم ﷺ ".
فالرجل الذي وقع اختلاف أبي معه لم يسمه مسلم، وقال أبو ذر بن سبط بن العجمي في "تنبيه المعلم" "رقم ٣٢٨ - بتحقيقي": "لا أعرفه"، وأفاد "برقم ٣٢٩" عند قوله: "فقرأ قراءة أنكرتها"؛ فقال: "وفي "عشرة ابن خليل" أن هذه السورة هي النحل".
قلت وعين المبهم بابن مسعود بن جرير في "تفسيره"، أفاده الديوبندي في "فتح الملهم" "٢/ ٣٦٣".
٢ أخرجه أحمد في "المسند" "٢/ ٢٥٨ و٢٨٦ و٣٠٠ و٤٢٤ و٤٧٥ و٤٧٨ و٤٩٤ و٥٠٣ و٤/ ٢٠٥"، ومن طريقه أبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب النهي عن الجدال في القرآن، ٤/ ١٩٩/ رقم ٤٦٠٣"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٢٢٣"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم ٥٩ و١٧٨٠ - موارد الظمآن"، وأبو نعيم في "الحلية الأولياء" "٥/ ١٩٢ و٦/ ٢١٥"، والدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم ١٦"، وابن جرير في "التفسير" "١/ ١١"، وأبو يعلى في "المسند" "١٠/ ٣٠٣ و٤١٠"، والحديث صحيح.стр. 1258
فَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ جَمْعَ الْمُصْحَفِ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي زَمَانِهِ ﵊، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقُرْآنِ وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا كَافِرٌ بِمَا تَقْرَأُ بِهِ؛ صَارَ جَمْعُ الْمُصْحَفِ وَاجِبًا وَرَأَيًا رَشِيدًا فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهَا عَهْدٌ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُخَالَفَةٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَمْ تَحْدُثْ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ بِدَعَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا النَّظَرِ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ الْمُلَائِمِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ، وَكُلُّ مَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِوَجْهٍ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُخَالِفِ لِمَقْصِدِ الشَّارِعِ أَصْلًا، كَيْفَ وَهُوَ يَقُولُ: "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ"١، "وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ" ٢؛ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ فقد خرج هذا
الحواشي
(١) ١ أخرجه الطيالسي في "المسند" "رقم ٢٤٦"، وأحمد في "المسند" "رقم ٣٦٠٠ - ط شاكر"، والطبراني في "الكبير" "٩/ ١٨/ رقم ٨٥٨٢، ٨٥٨٣، ٨٥٩٣"، والبزار في "مسنده" "رقم ١٣٠- زوائده"، والحاكم في "المستدرك" "٣/ ٧٨-٧٩"، وأبو نعيم في الحلية "١/ ٣٧٧-٣٧٨"، والبيهقي في "المدخل" "ص٨"، و"الاعتقاد" "ص١٦٢"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم ١٥٠" بأسانيد بعضها حسن عن ابن مسعود موقوفا، قال الزركشي في "المعتبر" "رقم ٢٩٤": "لم يرد مرفوعا، والمحفوظ وقفه على ابن مسعود".
قلت: أخرج الخطيب في "تاريخه" "٤/ ١٦٥" نحوه مرفوعا، وفيه سليمان بن عمرو النخعي كذاب.
قال ابن القيم في "الفروسية" "ص٢٩٨ - بتحقيقي" عنه: "إن هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما يضيفه إلى كلامه من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفا عليه".
٢ مضى تخريجه "٢/ ٤٣٤".стр. 1259
الضَّرْبُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُخَالِفًا لِلشَّارِعِ، وَأَمَّا الْبِدْعَةُ الْمَذْمُومَةُ؛ [فَهِيَ الَّتِي خَالَفَتْ مَا وَضَعَ الشَّارِعُ مِنَ الْأَفْعَالِ أَوِ التُّرُوكِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ هَذَا] ١ الْمَعْنَى بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٢.
وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْمُخَالِفُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُخَالَفَةِ؛ فَلَهُ وَجْهَانِ٣:
أَحَدُهُمَا: كَوْنُ القص مُوَافِقًا؛ فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْعَمَلِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّةُ هَذَا العمل عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لَكِنَّ الْجَهْلَ أَوْقَعَهُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ لَا يَقْصِدُ مُخَالَفَةَ الشَّارِعِ كِفَاحًا لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمُخَالِفِ بِالْقَصْدِ وَالْعَمَلِ مَعًا؛ فَعَمَلُهُ بِهَذَا النَّظَرِ مَنْظُورٌ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا مُطَّرَحٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَالثَّانِي: كَوْنُ الْعَمَلِ مُخَالِفًا؛ فَإِنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الِامْتِثَالُ، فَإِذَا لَمْ يَمْتَثِلْ؛ فَقَدْ خُولِفَ قَصْدُهُ، وَلَا يُعَارِضُ الْمُخَالِفَةَ مُوَافَقَةُ الْقَصْدِ٤ الْبَاعِثِ عَلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ عَلَى وَجْهِهِ٥، وَلَا طَابَقَ الْقَصْدَ الْعَمَلُ؛ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ مُخَالِفًا كَمَا لَوْ خُولِفَ فِيهِمَا مَعًا؛ فلا يحصل الامتثال.
الحواشي
(١) ١ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٢ وانظر تفصيلا حسنا للمصنف في "الاعتصام" "١/ ٣٦ وما بعدها"، وآخر لابن تيمية في "اقتضاء الصراد المستقيم" "ص٢٧٦".
٣ أي من النظر، نظر يفيد صحته واعتباره، ونظر يفيد بطلانه واطراحه. "د".
٤ أي: قصد المكلف الذي حمله على العمل وهو الامتثال، وقوله: "ولا طابق القصد العمل"؛ أي: قصد المكلف الامتثال لم يطابق العمل؛ لأن العمل ليس فيه امتثال، وإنما يكون الامتثال بالمشروع والفرض أنه ليس بمشروع؛ فالمخالفة حاصلة لم يعارضها قصده الامتثال الذي لم يصادف محلا، وقوله: "فصار المجموع مخالفا؛ أي: العمل وهو ظاهر والقصد أيضا، لأنه لم يصادف محلا، وصار كأنه قصد المخالفة في عمل المخالف. "د".
٥ كذا في "ط"، وفي غيره: "وجه".стр. 1260
وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يُعَارِضُ الْآخَرَ فِي نَفْسِهِ١، وَيُعَارِضُهُ في الترجيح؛ لأنك إن رجحت أحدهما عراضك فِي الْآخَرِ وَجْهٌ مُرَجَّحٌ؛ فَيَتَعَارَضَانِ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ صَارَ هَذَا الْمَحَلُّ٢ غَامِضًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِإِيرَادِ شَيْءٍ مِنَ الْبَحْثِ فِيهِ.
وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا رَجَّحْتَ جِهَةَ الْقَصْدِ الْمُوَافِقِ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَا قَصَدَ قَطُّ إِلَّا الِامْتِثَالَ وَالْمُوَافَقَةَ، وَلَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَةً لِلشَّارِعِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ؛ عَارَضَكَ أَنَّ قَصْدَ الْمُوَافَقَةِ مُقَيَّدٌ بِالِامْتِثَالِ الْمَشْرُوعِ لَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا؛ فَقَصْدُ الْمُكَلَّفِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا فَهُوَ كَالْعَبَثِ، وَأَيْضًا إِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا صَارَ غَيْرَ مُوَافِقٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْأَعْمَالِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عَلَى الِانْفِرَادِ٣.
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ الْقَصْدَ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ قَبْلَ الشَّرَائِعِ، كَمَا ذُكِرَ عَمَّنْ آمَنَ٤ فِي الْفَتَرَاتِ وَأَدْرَكَ التَّوْحِيدَ، وَتَمَسَّكَ بِأَعْمَالٍ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا وَهَى غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ إِذْ لَمْ تَثْبُتْ فِي شرع بعد٥.
الحواشي
(١) ١ أي: كما قرره في بيان الوجهين، وقوله: "في الترجيح"؛ أي: كما سيقرره في قوله: "ويتبين ذلك ... إلخ" الذي ذكر فيه ثلاثة مباحث في ترجيح اعتبار القصد ومعارضتها من جانب من يهمل القصد ما لم يوافق العمل أيضا. "د".
٢ في الأصل: "العمل".
٣ أي: بل لا بد من وقوعه على عمل مشروع؛ فالمشروع هو المجموع. "د".
٤ كزيد بن عمرو بن نفيل وصل إلى توحيد الله بعقله، وخالف المشركين في ذبائحهم وفي كثير في أعمالهم؛ فكان يحيي الموءودة، وكان يقول: الشاة خلقها الله تعالى، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض النبات، وأنتم تذبحونها لغير الله. "د".
٥ أي: عند تمسكه بها لم تكن ثبتت في شرع؛ فقد عمل بها قبل أن يرد الشرع باعتبارها وعدمه، وليس بلازم في المعارضة أنه بعد ورود الشرع لم يعتبرها، بل إذا اعتبرها بعد ورده أيضا يكون تقرير الكلام صحيحا. "د".
قلت: وانظر "الاعتصام" "١/ ٢١٥- ط ابن عفان".стр. 1261
قِيلَ لَكَ: إِنْ فُرض أُولَئِكَ فِي زَمَانِ فَتْرَةٍ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ؛ فَالْمَقَاصِدُ الْمَوْجُودَةُ لَهُمْ مَنَازِعُ١ فِي اعْتِبَارِهَا بِإِطْلَاقٍ، فَإِنَّهَا كَأَعْمَالِهِمُ الْمَقْصُودِ بِهَا التَّعَبُّدُ؛ فَإِنْ قُلْتَ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ كَيْفَ كَانَ؛ لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ، وَإِنْ قُلْتَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ؛ لَزِمَ ذَلِكَ فِي القصد٢.
وأيضا؛ فكلامنها فِيمَا بَعْدَ الشَّرَائِعِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ٣ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَذَلِكَ وَاضِحٌ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﵊: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ وَإِنْ خَالَفَتْ قَدْ تُعْتَبَرُ؛ فَإِنَّ الْمَقَاصِدَ أَرْوَاحُ الْأَعْمَالِ؛ فَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ ذَا رُوحٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ اعْتُبِرَ بِخِلَافِ مَا إِذَا خَالَفَ الْقَصْدُ وَوَافَقَ الْعَمَلُ، أَوْ خَالَفَا مَعًا؛ فَإِنَّهُ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ٥؛ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعَمَلِ.
قِيلَ: إِنْ سُلِّمَ؛ فَمُعَارَضٌ بُقُولِهِ ﵊: "كل عمل ليس
الحواشي
(١) ١ أي: للمجتهدين أنظار مختلفة؛ فمنهم من يصححها، ومنهم من لا يصححها، وهي كأعمالهم المقصود بها التعبد، لا فرق بين مقاصدهم وأعمالهم في ذلك؛ فالمصحح لمقاصدهم مصحح لأعمالهم، وبالعكس. "د".
٢ في الأصل: "الأصل".
٣ أي: كما ورد عن زيد بن عمرو أنه قال: "اللهم! إني أشهدك أني على ملة إبراهيم"، وقوله: "فذلك واضح"؛ أي: لخروجه عن فرض المسألة، فإن عمله يكون موافقا كما أن قصده كذلك. "د".
٤ مضى تخريجه "٢/ ٣٥٥".
٥ أي: في صورة العمل الموافق والقصد المخالف، أما فيما خولفا معا؛ فلا روح ولا جسد. "د".стр. 1262
عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ" ١، وَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِأَمْرِهِ ﵊، فَلَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا بَلْ كَانَ مَرْدُودًا.
وَأَيْضًا؛ فَإِذَا لَمْ يُنْتَفَعُ [بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، كَذَلِكَ لَا يُنْتَفَعُ بِرُوحٍ فِي غَيْرِ جَسَدٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ هُنَا قَدْ فُرِضَتْ] ٢ مُخَالِفَةً؛ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَبَقِيَتِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً فِي حُكْمٍ عَمَلِيٍّ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَتَكْثُرُ الْمُعَارَضَاتُ فِي هَذَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً جِدًّا.
وَمِنْ هُنَا صَارَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَى تَغْلِيبِ جَانِبِ الْقَصْدِ؛ فَتَلَافَوْا مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا يَجِبُ تَلَافِيهِ، وَصَحَّحُوا الْمُعَامَلَاتِ، وَمَالَ فَرِيقٌ إِلَى الْفَسَادِ بِإِطْلَاقٍ، وَأَبْطَلُوا كُلَّ عِبَادَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ خَالَفَتِ الشَّارِعَ مَيْلًا إِلَى جَانِبِ الْعَمَلِ الْمُخَالِفِ٣، وَتَوَسَّطَ فَرِيقٌ فَأَعْمَلُوا الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنْ عَلَى أَنْ يُعْمَلَ مُقْتَضَى الْقَصْدِ فِي وَجْهٍ، [وَيُعْمَلُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ فِي وَجْهٍ] ٢ آخَرَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى إعمال الجانبيين أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ مُتَنَاوِلَ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ عَالِمٍ بالتحريم قد اجتمع فيه موافقة
الحواشي
(١) ١ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ٥/ ٣٠١/ رقم ٢٦٩٧"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، ٣/ ١٣٤٣/ رقم ١٧١٨" بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد"، وورد بلفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد"، علقه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهد العامل، ١٣/ ٣١٧"، ووصله مسلم في "صحيحه" "كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، ٣/ ١٣٤٣-١٣٤٤".
وانظر: "فتح الباري" "٥/ ٣٠٢"، و"تغليق التعليق" "٣/ ٣٩٦ و٥/ ٣٢٦".
٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
٣ أي: ميلا منهم إلى أن العمل متى كان مخالفا بطل ولو كان القصد موافقا. "د".стр. 1263
الْقَصْدِ -إِذْ لَمْ يَتَلَبَّسْ إِلَّا بِمَا اعْتَقَدَ إباحته- ومخالفة الفعل لأنه فاعل ما نُهِيَ عَنْهُ؛ فَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُوَافَقَةِ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ وَالْعُقُوبَةِ، وَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُخَالَفَةِ١ فِي عَدَمِ الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، حَتَّى صُحِّحَ مَا يَجِبُ أَنْ يُصَحَّحَ مِمَّا فِيهِ تَلَافٍ، مَيْلًا [فِيهِ] ٢ إِلَى جِهَةِ الْقَصْدِ أَيْضًا، وَأُهْمِلُ مَا يَجِبُ أَنْ يُهْمَلَ مِمَّا لَا تَلَافِيَ فِيهِ.
فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِبَارُ الطَّرَفَيْنِ بِمَا يَلِيقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ كَالْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلَانِ وَلَا يَعْلَمُ الْآخَرُ بِتَقَدُّمِ نِكَاحِ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ بِنَائِهِ بِهَا؛ فقد
الحواشي
(١) ١ أي على الجملة، بدليل قوله: "حتى صحح ... إلخ"؛ فمقتضى موافقة القصد انبنى عليه عدم الحد في الدنيا وعدم العقوبة في الآخرة، ومقتضى المخالفة فصل فيه، فما لا تلافي فيه أهمل وما فيه التلافي صحح، مراعى فيه جانب القصد، وقوله: "يتزوجها" أي: يعقد عليها "رجلان"، ودخل بها الثاني ثم علم بعقد الأول؛ فتفوت على الأول، وصحح الثاني الذي يجب أن يصحح لترجحه بالدخول بدون علم ميلا إلى جانب القصد الموافق، وأما مسألة المفقود؛ ففيها الأمران معًا: البناء على الفعل المخالف، وتصحيحه إذا قدم زوجها، أي علمت حياته بعد البناء ميلاً إلى صحة القصد وإلى الترجح بالدخول مع عدم علمه بحياته، وعدم البناء عليه وإهماله إذا قدم قبل البناء كما هو أحد القولين، والفرض الأول في كلامه في مسألة المفقود غير ظاهر مع قوله: "تزوجت"؛ لأنه إن كان المراد بالنكاح في قوله: "قبل نكاحها" العقد فقط؛ فخلاف أصل المسألة، وإن كان المراد به البناء؛ فهو عين الفرض الثالث الذي في قوله: "وفيما بعد العقد وقبل البناء قولان"؛ إلا أن يقال: إن معنى قوله: "تزوجت" حلت للأزواج بحكم الحاكم، ثم رأيت في "الاعتصام" "٢/ ١٤٧-١٤٨" ما نصه: "في امرأة المفقود إذا قدم قبل نكاحها؛ فهو أحق بها وإن كان بعد نكاحها ... " إلخ ما قال هنا، ثم قال: "فإنه يقال: الحكم لها بالعدة من الأول إن كان قطعا لعصمته؛ فلا حق له فيها ولو قدم قبل تزوجها، أو ليس بقاطع للعصمة؛ فكيف تباح لغيره وهي في عصمة المفقود؟ "، وبهذا تعلم أن قوله: "تزوجت" التي استشكلناها ليست في كتابه "الاعتصام"، وما ورد فيه واضح لا إشكال عليه. "د".
٢ ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط".стр. 1264
فَاتَتْ١ بِمُقْتَضَى فَتْوَى عُمَرَ٢ وَمُعَاوِيَةَ٣ وَالْحَسَنِ٤، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ٥. ﵃، وَنَظِيرُهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ إِذَا تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ؛ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا، وَالثَّانِي أَوْلَى بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَفِيمَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلَانِ٦، وَفِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مواليها؛ فنكاحها باطل
الحواشي
(١) ١ وفي "الاعتصام" "٢/ ١٤٧": "فأبانها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن ﵃ ... إنه إذا تحقق أن الذي لم يبن هو الأول؛ فدخول الثاني بها دخول بزوج غيره، وكيف يكون غلطه على زوج غيره مبيحا على الدوام ومصححًا لعقده الذي لم يصادف محلًا ومبطلًا لعقد نكاح مجمع على صحته لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا؟ وإنما المناسب أن الغلط يرفع عن الغالط الإثم والعقوبة لا إباحة زوج غيره دائما، ومنع زوجها عنها" انتهى.
٢ كما في "سنن سعيد بن منصور" "رقم ١٣١٤، ١٣١٦"، و"مصنف ابن أبي شيبة" "٤/ ٢٣٨"، و"مصنف عبد الرزاق" "٦/ ٣١٣/ رقم ١٠٩٧٩ و١٠٩٨٠"، و"السنن الكبرى" "٧/ ٤٤٦" للبيهقي، و"المحلى" "١٠/ ١٤٠"، و"الاستذكار" "١٧/ ٣١٤"، و"الاعتصام" "٢/ ١٤٧" وهو صحيح.
٣ كما في "الاعتصام" للمؤلف "٢/ ١٤٧" أيضا.
٤ كما في "المحلى" "١٠/ ١٤٠"، و"الاستذكار" "١٧/ ٣١٦"، و"الاعتصام" "٢/ ١٤٧".
٥ كما في "مصنف عبد الرزاق" "٦/ ٣١٣-٣١٤، ٣١٤/ رقم ١٠٩٧٩، ١٠٩٨١"، و"سنن البيهقي" "٧/ ٤٤٦-٤٤٧"، و"المحلى" "١٠/ ١٤٠"، و"الاستذكار" "١٧/ ٣١٥-٣١٦، ٣١٧".
٦ القولان مرويان عن الإمام مالك، والذي أخذ به أصحابه أن زوجة المفقود لا يفيتها عليه إلا دخول الثاني، ومذهب عمر بن الخطاب ﵁ أن المفقود إن قدم بعد تزوج امرأته يخير بينها وبين مهرها، وهو يرجع إلى تخييره بين إجازة ما فعله الحاكم ورده، فإن اختار المهر؛ كان مجيزا لما فعله الحاكم، وإجازته تجعل التفريق مأذونا فيه؛ فيكون نكاح الثاني صحيحا، وإن اختار زوجته؛ كان غير مجيز لما فعله الحاكم؛ فيكون التفريق باطلا. "خ".
قلت: انظر تفصيل ذلك في "منح الجليل" "٤/ ٣٢٠".стр. 1265
بَاطِلٌ بَاطِلٌ ١، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا؛ فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا أصاب منها" ٢، وعلى هذا يجري
الحواشي
(١) ١ أي: فيفسخ النكاح لمخالفته للمشروع، ويكون لها المهر، ويسقط الحد والعقوبة، وصحح ما أمكن تلافيه من ثبوت المهر، ويبقى الكلام في أن هذا إنما يكون من مسألتنا إذا حصل النكاح بقصد الموافقة والجهل بركنية الولي، أما إذا حصل مع العلم بالركنية فلا يكون منها؛ فهل حكمه كذلك؟ وإذا كان الحكم في العلم كالحكم في حال الجهل لا تكون المسألة مما يدل على موضوعنا من إعمال الجانبين كما يقول المؤلف، ولا تكون المسألة مبنية على هذه القاعدة، بل لها مبنى آخر، وسيأتي في فصل مراعاة الخلاف في أواخر الكتاب ما ينحو هذا النحو في البناء بعد الوقوع، ومراعاة الحالة الحاصلة وإن لم يكن أصل النكاح صحيحا؛ فيثبت استحقاق الميراث مثلا، إلى غير ذلك مما له علاقة بموضوعنا، وإن لم يبحثوا هناك عن القصد مخالفة وموافقة، بل بنوه هناك على قاعدة أخرى. "د".
قلت: انظر "٤/ ٣٧٠ و٥/ ١٠٦ وما بعد".
٢ أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب النكاح، باب في الولي، ٢/ ٢٢٩/ رقم ٢٠٨٣"، والترمذي في "الجامع" "أبواب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، ٣/ ٤٠٧-٤٠٨/ رقم ١١٠٢" - وقال: هذا حديث حسن"-، وابن ماجه في "السنن" "كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ١/ ٦٠٥/ رقم ١٨٧٩"، والنسائي في "الكبرى"- كما في "تحفة الأشراف" "١٢/ ٤٣"- وأحمد في "المسند" "٦/ ٤٧، ١٦٥"، والطيالسي في "المسند" "رقم ١٤٦٣"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "٤/ ١٢٨"، وعبد الرزاق في "المصنف" "٦/ ١٩٥، رقم ١٠٤٧٢"، والدارمي في "السنن" "٢/ ١٣٧"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم ٧٠٠"، والشافعي في "الأم" "٢/ ١١"، والحميدي في "المسند" "١/ ١١٢-١١٣/ رقم ٢٢٨"، وإسحاق بن راهويه في "المسند" "رقم ٦٩٨، ٦٩٩"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "٣/ ٧"، وابن حبان في "الصحيح" "٩/ ٣٨٤/ رقم ٤٠٧٤- الإحسان"، والدارقطني في "السنن" "٣/ ٢٢١، ٢٢٥-٢٢٦"، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ١٦٨"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "٧/ ١٠٥، ١١٣، ١٢٤-١٢٥، ١٢٥، ١٣٨"، وابن عدي في "الكامل" "٣/ ١١١٥-١١١٦"، والبغوي في "شرح السنة" "٩/ ٣٩/ رقم ٢٢٦٢"، والخطيب في "الكفاية" "ص٣٨٠" والسهمي في: "تاريخ جرجان" "١/ ٨" وأبو نعيم في "الحلية" "٦/ ١٨٨" من طرق كثيرة عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عورة عن عائشة مرفوعا.следующие страницы →