← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قِيلَ لَكَ: إِنْ فُرض أُولَئِكَ فِي زَمَانِ فَتْرَةٍ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ؛ فَالْمَقَاصِدُ الْمَوْجُودَةُ لَهُمْ مَنَازِعُ١ فِي اعْتِبَارِهَا بِإِطْلَاقٍ، فَإِنَّهَا كَأَعْمَالِهِمُ الْمَقْصُودِ بِهَا التَّعَبُّدُ؛ فَإِنْ قُلْتَ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ كَيْفَ كَانَ؛ لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ، وَإِنْ قُلْتَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ؛ لَزِمَ ذَلِكَ فِي القصد٢. وأيضا؛ فكلامنها فِيمَا بَعْدَ الشَّرَائِعِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ٣ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَذَلِكَ وَاضِحٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﵊: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ وَإِنْ خَالَفَتْ قَدْ تُعْتَبَرُ؛ فَإِنَّ الْمَقَاصِدَ أَرْوَاحُ الْأَعْمَالِ؛ فَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ ذَا رُوحٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ اعْتُبِرَ بِخِلَافِ مَا إِذَا خَالَفَ الْقَصْدُ وَوَافَقَ الْعَمَلُ، أَوْ خَالَفَا مَعًا؛ فَإِنَّهُ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ٥؛ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعَمَلِ. قِيلَ: إِنْ سُلِّمَ؛ فَمُعَارَضٌ بُقُولِهِ ﵊: "كل عمل ليس

стр. 1262

عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ" ١، وَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِأَمْرِهِ ﵊، فَلَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا بَلْ كَانَ مَرْدُودًا. وَأَيْضًا؛ فَإِذَا لَمْ يُنْتَفَعُ [بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، كَذَلِكَ لَا يُنْتَفَعُ بِرُوحٍ فِي غَيْرِ جَسَدٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ هُنَا قَدْ فُرِضَتْ] ٢ مُخَالِفَةً؛ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَبَقِيَتِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً فِي حُكْمٍ عَمَلِيٍّ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَتَكْثُرُ الْمُعَارَضَاتُ فِي هَذَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً جِدًّا. وَمِنْ هُنَا صَارَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَى تَغْلِيبِ جَانِبِ الْقَصْدِ؛ فَتَلَافَوْا مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا يَجِبُ تَلَافِيهِ، وَصَحَّحُوا الْمُعَامَلَاتِ، وَمَالَ فَرِيقٌ إِلَى الْفَسَادِ بِإِطْلَاقٍ، وَأَبْطَلُوا كُلَّ عِبَادَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ خَالَفَتِ الشَّارِعَ مَيْلًا إِلَى جَانِبِ الْعَمَلِ الْمُخَالِفِ٣، وَتَوَسَّطَ فَرِيقٌ فَأَعْمَلُوا الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنْ عَلَى أَنْ يُعْمَلَ مُقْتَضَى الْقَصْدِ فِي وَجْهٍ، [وَيُعْمَلُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ فِي وَجْهٍ] ٢ آخَرَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى إعمال الجانبيين أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ مُتَنَاوِلَ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ عَالِمٍ بالتحريم قد اجتمع فيه موافقة

стр. 1263

الْقَصْدِ -إِذْ لَمْ يَتَلَبَّسْ إِلَّا بِمَا اعْتَقَدَ إباحته- ومخالفة الفعل لأنه فاعل ما نُهِيَ عَنْهُ؛ فَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُوَافَقَةِ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ وَالْعُقُوبَةِ، وَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُخَالَفَةِ١ فِي عَدَمِ الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، حَتَّى صُحِّحَ مَا يَجِبُ أَنْ يُصَحَّحَ مِمَّا فِيهِ تَلَافٍ، مَيْلًا [فِيهِ] ٢ إِلَى جِهَةِ الْقَصْدِ أَيْضًا، وَأُهْمِلُ مَا يَجِبُ أَنْ يُهْمَلَ مِمَّا لَا تَلَافِيَ فِيهِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِبَارُ الطَّرَفَيْنِ بِمَا يَلِيقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ كَالْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلَانِ وَلَا يَعْلَمُ الْآخَرُ بِتَقَدُّمِ نِكَاحِ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ بِنَائِهِ بِهَا؛ فقد

стр. 1264

فَاتَتْ١ بِمُقْتَضَى فَتْوَى عُمَرَ٢ وَمُعَاوِيَةَ٣ وَالْحَسَنِ٤، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ٥. ﵃، وَنَظِيرُهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ إِذَا تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ؛ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا، وَالثَّانِي أَوْلَى بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَفِيمَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلَانِ٦، وَفِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مواليها؛ فنكاحها باطل

стр. 1265

بَاطِلٌ بَاطِلٌ ١، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا؛ فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا أصاب منها" ٢، وعلى هذا يجري

стр. 1266

.......................................................

стр. 1267

بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَابُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ فِي تَشَعُّبِ مَسَائِلِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ عُمْدَةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ، بَلْ عُمْدَةُ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ اعْتِبَارُ الْجَهْلِ فِي الْعِبَادَاتِ اعْتِبَارَ النِّسْيَانِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَعَدُّوا مَنْ خَالَفَ فِي الْأَفْعَالِ أَوِ الْأَقْوَالِ جَهْلًا عَلَى حُكْمِ النَّاسِي، وَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْقَصْدِ مُخَالِفًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لَعَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْعَامِدِ؛ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّ لِلْقَصْدِ الْمُوَافِقِ أَثَرًا، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الطِّهَارَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ١ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العبادات، وكذلك في كثير

стр. 1268

مِنَ الْعَادَاتِ؛ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَغَيْرِهَا. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا يَنْكَسِرُ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا تُضَمَّنُ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمْدِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْحُكْمُ فِي التَّضْمِينِ فِي الْأَمْوَالِ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهَا مساوٍ لِلْعَمْدِ فِي تَرَتُّبِ الْغُرْمِ فِي إِتْلَافِهَا. وَالثَّالِثُ: الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى رَفْعِ الْخَطَأِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ فَفِي الْكِتَابِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥] . وَقَالَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٨] . وَفِي الْحَدِيثِ: "قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ" ١. وَقَالَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] . وَفِي الْحَدِيثِ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" ٢. وَهُوَ مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لا مخالف فيه، وإن اختلفوا فيما يتعلق٣ بِهِ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ، هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤَاخَذَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ خَاصَّةً أَمْ لَا؛ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا٤ أَيْضًا أَنَّ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِإِطْلَاقٍ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا كان كذلك؛ ظهر أن كل

стр. 1269

وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُعْتَبَرٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1270

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ١: جَلْبُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَلْزَمَ عَنْهُ إِضْرَارُ الْغَيْرِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَلْزَمَ عَنْهُ ذَلِكَ. وَهَذَا الثَّانِي ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ ذَلِكَ الْإِضْرَارِ؛ كَالْمُرَخِّصِ فِي سِلْعَتِهِ قَصْدًا لِطَلَبِ مَعَاشِهِ، وَصَحِبَهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَقْصِدَ إِضْرَارًا بِأَحَدٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِضْرَارُ عَامًّا؛ كَتَلَقِّي السِّلَعِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِ دَارِهِ أَوْ فَدَّانِهِ، وَقَدِ اضْطَرَّ إِلَيْهِ النَّاسُ لِمَسْجِدٍ جَامِعٍ أَوْ غَيْرِهِ٢. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، وَهُوَ نَوْعَانِ:

стр. 1271

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْحَقَ الْجَالِبَ أَوِ الدَّافِعَ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ؛ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى فِعْلِهِ؛ كَالدَّافِعِ عَنْ نَفْسِهِ مُظْلَمَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا تَقَعُ بِغَيْرِهِ، أَوْ يَسْبِقُ إِلَى شِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى صَيْدٍ أَوْ حَطَبٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَالِمًا أَنَّهُ١ إِذَا حَازَهُ اسْتَضَرَّ غَيْرُهُ بِعَدَمِهِ، وَلَوْ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ اسْتَضَرَّ٢. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيًّا، أَعْنِي الْقَطْعَ الْعَادِيَّ٣؛ كَحَفْرِ الْبِئْرِ خَلْفَ بَابِ الدَّارِ فِي الظَّلَامِ، بِحَيْثُ يَقَعُ الدَّاخِلُ فِيهِ بِلَا بُدٍّ، وَشِبْهِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا؛ كَحَفْرِ الْبِئْرِ بِمَوْضِعٍ لَا يُؤَدِّي غَالِبًا إِلَى وُقُوعِ أَحَدٍ فِيهِ، وَأَكْلِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي غَالِبُهَا٤ أَنْ لَا تَضُرَّ أَحَدًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَا نَادِرًا، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَالِبًا كَبَيْعِ السِّلَاحِ٥ من أهل الحرب، والعنب من

стр. 1272

الْخَمَّارِ، وَمَا يُغَشُّ بِهِ١ مِمَّنْ شَأْنُهُ الْغِشُّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا غَالِبًا، كَمَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ٢؛ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ٣. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَبَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى الْإِذْنِ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِ الْقَصْدِ إِلَى الْإِضْرَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِضْرَارٌ؛ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنْ "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ"٤، لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْدُ نَفْعِ النَّفْسِ وَقَصْدُ إِضْرَارِ الْغَيْرِ؛ هَلْ يُمْنَعُ مِنْهُ فَيَصِيرُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، أَمْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ مِنَ الْإِذْنِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمُ مَا قُصِدَ؟ هَذَا مِمَّا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وهو جار على مسألة٥

стр. 1273

الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَيَحْتَمِلُ فِي الِاجْتِهَادِ تَفْصِيلًا١: وَهُوَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِذَا رُفِعَ ذَلِكَ الْعَمَلُ، وَانْتَقَلَ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي اسْتِجْلَابِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ؛ حَصَلَ لَهُ مَا أَرَادَ أولا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ الْوَجْهَ إِلَّا لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ؛ فَلْيُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ الْإِضْرَارِ٢، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحِيصٌ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَضِرُّ مِنْهَا الغير؛

стр. 1274

فَحَقُّ الْجَالِبِ أَوِ الدَّافِعِ مُقَدَّمٌ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِنَفْيِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكَسْبِ، لَا يَنْفِي الْإِضْرَارَ بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مَنْعِهِ الْإِضْرَارُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْجَبِرُ١ أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَزِمَ قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، عَلَى تَنَازُعٍ يُضْعِفُ مُدْرِكَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ التُّرْسِ الَّتِي فَرَضَهَا الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا إِذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ، وَعُلِمَ أَنَّ التُّرْسَ إِذَا لَمْ يُقْتَلِ اسْتُؤْصِلَ٢ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَمْكَنَ٣ انْجِبَارُ الْإِضْرَارِ وَرَفْعُهُ جُمْلَةً؛ فَاعْتِبَارُ الضَّرَرِ الْعَامِّ أَوْلَى؛ فَيُمْنَعُ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ مِمَّا هَمَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ٤، بِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي السلع، وعن بيع

стр. 1275

الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ عَلَى تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ١ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمُ الْأَمَانَةُ، وَقَدْ زَادُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا رَضِيَ أَهْلُهُ وَمَا لَا، وَذَلِكَ يَقْضِي بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْعُمُومِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْخُصُوصِ، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الْخُصُوصَ مَضَرَّةٌ٢. وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَإِنَّ الْمَوْضِعَ فِي الْجُمْلَةِ يَحْتَمِلُ نَظَرَيْنِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ إِسْقَاطِهَا، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْحُظُوظَ؛ فَإِنَّ حَقَّ الْجَالِبِ أَوِ الدَّافِعِ مُقَدَّمٌ وَإِنِ اسْتَضَرَّ غَيْرُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ دَفْعَ الْمَضَرَّةَ مَطْلُوبٌ لِلشَّارِعِ مَقْصُودٌ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَتِ الْمَيْتَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْأَكْلِ، وَأُبِيحَ الدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ لِلْمُقْرِضِ، وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَالرُّطَبُ بِالْيَابِسِ فِي الْعَرِيَّةِ، لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ فِي طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرَةٍ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَمَا سَبَقَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ حَقُّهُ فِيهِ شَرْعًا، بِحَوْزِهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَسَبْقُهُ إِلَيْهِ لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِلشَّارِعِ؛ فَصَحَّ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّ الْمَسْبُوقِ عَلَى حَقِّ السَّابِقِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ شَرْعًا إِلَّا مَعَ إِسْقَاطِ السَّابِقِ لحقه، وذلك لا يلزمه، بل قد

стр. 1276

يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حَقُّ نَفْسِهِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ؛ فَلَا يَكُونُ لَهُ خِيرَةٌ فِي إِسْقَاطِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَمِنْ حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ، وَذَلِكَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ وَاضِحٌ، وَكَذَلِكَ فِي جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ إِنْ كَانَ عَدَمُهَا يُضَرُّ بِهِ. وَقَدْ سُئِلَ الدَّاوُدِيُّ١: "هَلْ تَرَى لِمَنْ قَدَرَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ غُرمِ هَذَا الَّذِي يُسَمَّى بِالْخَرَاجِ إِلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَفْعَلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ وَضَعَهُ السُّلْطَانُ على أهل بدلة وَأَخَذَهُمْ بِمَالٍ مَعْلُومٍ يُؤَدُّونَهُ٢ عَلَى أَمْوَالِهِمْ؛ هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ؟ وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أُخِذَ سَائِرُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵁ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا٣ نِصَابٌ: إِنَّهُ مَظْلَمَةٌ دَخَلَتْ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، لَا يَرْجِعُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ بِآخِذٍ٤ فِي هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُوضَعَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ ٥ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٢٤] ". هذا ما قال٦.

стр. 1277

وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْمَنْقُولَاتِ نَحْوَ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَهُ عَنْ نَفْسِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَطْرَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ، إِذَا كَانَ الْمَطْرُوحُ جَوْرًا بَيِّنًا. وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي "الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ"١ عَنْ جماد٢ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ؛ قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: إِنِّي أَتَكَلَّمُ فَتُرْفَعُ عَنِّي النَّوْبَةُ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنِّي وُضِعَتْ عَلَى غَيْرِي. فَقَالَ: إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي نَفْسِكَ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنْكَ؛ فَلَا تُبَالِي عَلَى مَنْ وُضِعَتْ. وَمِنْ ذَلِكَ الرِّشْوَةُ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَإِعْطَاءُ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِينَ وَلِلْكُفَّارِ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، وَلِمَانِعِي٣ الْحَاجِّ حَتَّى يُؤَدُّوا خَرَاجًا، كُلُّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ بِتَمْكِينٍ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ طَلَبُ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِمَوْتِ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ، أَوْ قَتْلِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ، بَلْ قَالَ ﵊: "وَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" ٤ الْحَدِيثَ. وَلَازِمُ ذَلِكَ دُخُولُ قَاتِلِهِ النَّارَ، وَقَوْلُ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢٩] ، بَلْ الْعُقُوبَاتُ كُلُّهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ يَلْزَمُ عَنْهَا٥ إِضْرَارُ الْغَيْرِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلْغَاءٌ لِجَانِبٍ الْمَفْسَدَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلِأَنَّ جَانِبَ الْجَالِبِ والدافع أولى٦،

стр. 1278

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا قَبْلُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُشْكِلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنْ "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" ١، وَمَا تَقَدَّمَ وَاقِعٌ فِيهِ الضَّرَرُ؛ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إِكْرَاهُ صَاحِبِ الطَّعَامِ عَلَى إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ، إِمَّا بَعِوَضٍ وَإِمَّا مَجَّانًا، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا لما كان إمساكه مؤيدا٢ إِلَى إِضْرَارِ الْمُضْطَرِّ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْإِمَامِ الطَّعَامَ مِنْ يَدِ مُحْتَكِرِهِ قَهْرًا؛ لَمَّا صَارَ مَنْعُهُ مُؤَدِّيًا٢ لِإِضْرَارِ الْغَيْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ٣. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِضْرَارَ الْغَيْرِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ لِمُجَرَّدِ جَلْبِ الْجَالِبِ وَدَفْعِ الدَّافِعِ، وَكَوْنُهُ يَلْزَمُ عَنْهُ إِضْرَارٌ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْإِذْنِ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ تَعَارَضَ٤ هُنَالِكَ إِضْرَارَانِ: إِضْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ، [وَإِضْرَارُ مَنْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ، وَالْمَعْلُومُ مِنَ الشَّرِيعَةِ تَقْدِيمُ صَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ] ٥، وَلَا يُخَالَفُ فِي هَذَا عِنْدَ المزاحمة على الحقوق، والحاصل أن

стр. 1279

الْإِذْنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِذْنٌ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْإِضْرَارَ، وَكَيْفَ١ وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِعِ أَنْ يَنْهَى عَنْهُ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ الْإِضْرَارَ أَثِمَ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى مَا فَعَلَ؛ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدِ الْإِضْرَارَ، بَلْ عَنِ الْإِضْرَارِ نَهَى، وَهُوَ الْإِضْرَارُ بِصَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُضْطَرِّ؛ فَهِيَ شَاهِدٌ لَنَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الطَّعَامِ لَيْسَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ حَاجَةً يَضُرُّ بِهِ عَدَمُهَا، وَإِلَّا فَلَوْ فَرَضْتَهُ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ إِكْرَاهُهُ، وَهُوَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ عَلَى الْبَذْلِ مَنْ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ فَافْهَمْهُ، وَأَمَّا الْمُحْتَكِرُ؛ فَإِنَّهُ خَاطِئٌ بِاحْتِكَارِهِ، مُرْتَكِبٌ لِلنَّهْيِ، مُضِرٌّ بِالنَّاسِ؛ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ إِضْرَارَهُ بِالنَّاسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ هُوَ بِهِ. وَأَيْضًا؛ فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى الْخَاصَّةِ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ اعْتِبَارِ الْحُظُوظِ. وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهَا؛ فَيُتَصَوَّرُ هُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطُ الِاسْتِبْدَادِ وَالدُّخُولُ فِي الْمُوَاسَاةِ عَلَى سَوَاءٍ، وَهُوَ مَحْمُودٌ جدًا، قد فُعِلَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ ﵊: "إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ؛ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ" ٢، وَذَلِكَ أَنَّ مُسْقِطَ الْحَظِّ هُنَا قَدْ رَأَى غَيْرَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ [هُوَ] ٣ أَخُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَوْ قَرِيبُهُ أَوْ يَتِيمُهُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّنْ طُلِبَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ نَدْبًا أَوْ وجوبًا.

стр. 1280

وَأَنَّهُ١ قَائِمٌ فِي خَلْقِ اللَّهِ بِالْإِصْلَاحِ وَالنَّظَرِ وَالتَّسْدِيدِ؛ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاحْتِجَانِ٢ لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، بَلْ مِمَّنْ أُمِرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْأَبَ الشَّفِيقَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْقُوتِ دُونَ أَوْلَادِهِ؛ فَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَ الْأَشْعَرِيُّونَ ﵃؛ فَقَالَ ﵊: "فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ، وَفِي الشَّفَقَةِ الْأَبَ الْأَكْبَرَ؛ إِذْ كَانَ لَا يَسْتَبِدُّ بِشَيْءٍ دُونَ أُمَّتِهِ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، [قَالَ] : بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ -قَالَ- فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشَمَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ". قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ؛ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لأحد منا في فضل٣.

стр. 1281

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: "إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ"١، وَمَشْرُوعِيَّةُ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَاضِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْمِنْحَةِ وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى، وجمعيه جَارٍ عَلَى أَصْلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي اسْتِبْدَادًا٢، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يَلْحَقُ الْعَامِلَ ضَرَرٌ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَلْحَقُ الْجَمِيعَ أَوْ أَقَلَّ، وَلَا يَكُونُ مُوقِعًا عَلَى نَفْسِهِ

стр. 1282

ضَرَرًا نَاجِزًا. وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ أَوْ قَلِيلٌ يَحْتَمِلُهُ فِي دَفْعِ بَعْضِ الضَّرَرِ عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ نَظَرُ مَنْ يَعُدُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ ﵊: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" ١. وَقَوْلِهِ: "الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" ٢. وَقَوْلِهِ: "الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لنفسه" ٣.

стр. 1283

وَسَائِرُ مَا فِي الْمَعْنَى مِنَ الْأَحَادِيثِ، إِذْ لَا يَكُونُ شَدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى التَّمَامِ إِلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى وَأَسْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ النَّفْعُ وَارِدًا عليهم على السواء، كل واحد بِمَا يَلِيقُ بِهِ؛ كَمَا أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الْجَسَدِ يَأْخُذُ مِنَ الْغِذَاءِ بِمِقْدَارِهِ قِسمة عدل لا يزيد ولا ينقص، فلو أخد بَعْضُ الْأَعْضَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ أَقَلَّ؛ لَخَرَجَ١ عَنِ اعْتِدَالِهِ، وَأَصْلُ هَذَا مِنَ الْكِتَابِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَالْأُخُوَّةِ وَتَرْكِ الْفُرْقَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ؛ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا يَرْجِعُ إِلَيْهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ أَعْرَقُ فِي إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ حَظَّهُ لِحَظِّ غَيْرِهِ، اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الْيَقِينِ، وَإِصَابَةً لَعِينِ التَّوَكُّلِ، وَتَحَمُّلًا لِلْمَشَقَّةِ فِي عَوْنِ الْأَخِ فِي اللَّهِ عَلَى الْمَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَهُوَ مِنْ مَحَامِدِ الْأَخْلَاقِ، وَزَكِيَّاتِ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنْ خُلُقِهِ الْمَرْضِيِّ، وَقَدْ كَانَ ﵊ "أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"٢. وَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: "إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى

стр. 1284

نَوَائِبِ الْحَقِّ"١، وَحُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا يُقَسِّمُهَا، فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ؛ فَقَالَ: "مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ، فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ؛ قَضَيْنَاهُ". فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ؛ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْفِقْ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ [وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتُ" ٢. ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ] لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لغد٣. وهذا كثير.

стр. 1285

وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٨] ، وَمَا جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ"١ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الْحَشْرِ: ٩] ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ٢، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَاب الْأَسْبَابِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَمَلِ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: "إِيثَارٌ بِالْمِلْكِ"٣ مِنَ الْمَالِ، وَبِالزَّوْجَةِ بِفِرَاقِهَا لِتَحِلَّ لِلْمُؤْثَرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُؤَاخَاةِ الْمَذْكُورِ فِي "الصَّحِيحِ"٤.

стр. 1286

وَإِيثَارٌ بِالنَّفْسِ؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَرَّسَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَطَلَّعُ لِيَرَى الْقَوْمَ؛ فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُشْرِفْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ١، وَوَقَى بِيَدِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشُلَّتْ. وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ فِعْلِهِ ﵊؛ إِذْ كَانَ فِي غَزْوِهِ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ [اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا، قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَقَدِ] اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عَرِيٍّ وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ تُرَاعُوا" ٢، وَهَذَا فِعْلُ مَنْ آثَرَ بِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي مَبِيتِهِ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَزَمَ الْكُفَّارُ على قتله مشهور٣.

стр. 1287

وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ١: ....................................... ... وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ وَمِنَ الصُّوفِيَّةِ مَنْ يُعَرِّفُ الْمَحَبَّةَ بِأَنَّهَا الإيثار، ويدل على ذلك قوله امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي يُوسُفَ ﵇: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٥١] ؛ فَآثَرَتْهُ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى نَفْسِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: "أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى فَضِيلَةِ الْإِيثَارِ بِالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَحُظُوظِ النَّفْسِ٢، بِخِلَافِ الْقُرُبَاتِ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِلَّهِ". وَهَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ٣ عَلَى مَرَاتِبَ، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِي الِاتِّصَافِ بِأَوْصَافِ التَّوَكُّلِ الْمَحْضِ وَالْيَقِينِ التَّامِّ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ جَمِيعَ مَالِهِ٤، وَمِنْ عُمَرَ النِّصْفَ٥، وَرَدَّ أَبَا لُبَابَةَ٦ وكعب

стр. 1288

ابن مَالِكٍ إِلَى الثُّلُثِ١، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "لِقُصُورِهِمَا عَنْ دَرَجَتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". هَذَا مَا قَالَ. وَتَحَصَّلَ أَنَّ الْإِيثَارَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، فَتَحَمُّلُ الْمَضَرَّةِ اللَّاحِقَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَا عَتْبَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ أَخَلَّ بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ؛ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ إِسْقَاطًا لِلْحَظِّ، وَلَا هُوَ مَحْمُودٌ شرعا، أما أنه ليس

стр. 1289

بِمَحْمُودٍ شَرْعًا؛ فَلِأَنَّ إِسْقَاطَ الْحُظُوظِ إِمَّا لِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْآمِرِ، وَإِمَّا لِأَمْرٍ آخَرَ، أَوْ لِغَيْرِ شَيْءٍ؛ فَكَوْنُهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ عَبَثٌ لَا يَقَعُ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَكَوْنُهُ لِأَمْرِ الْآمِرِ يُضَادُّ كَوْنَهُ مُخِلًّا بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ لَيْسَ بِأَمْرِ الْآمِرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ، وَمُخَالَفَةُ أَمْرِ الْآمِرِ ضِدُّ الْمُوَافَقَةِ لَهُ؛ فَثَبَتَ أَنَّهُ لِأَمْرٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ الْحَظُّ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ الْحَصْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَمِنْهُ يُعْرَفُ حُكْمُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَلْحَقَ الْجَالِبَ أَوِ الدَّافِعَ ضَرَرٌ، وَلَكِنْ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيٌّ عَادَةً؛ فَلَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَاصِدًا لِمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ شَرْعًا، مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِضْرَارٍ بِأَحَدٍ؛ فَهَذَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ جَائِزٌ لَا مَحْظُورَ فِيهِ. وَنَظَرٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِلُزُومِ مَضَرَّةِ الْغَيْرِ لِهَذَا الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ، مَعَ عَدَمِ اسْتِضْرَارِهِ بِتَرْكِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَظِنَّةٌ لِقَصْدِ الْإِضْرَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي فِعْلِهِ إِمَّا فَاعِلٌ لِمُبَاحٍ صِرْفٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ مَقْصِدٌ ضَرُورِيٌّ وَلَا حَاجِيٌّ وَلَا تَكْمِيلِيٌّ؛ فَلَا قَصْدَ لِلشَّارِعِ فِي إِيقَاعِهِ مِنْ حَيْثُ يُوقَعُ، وَإِمَّا فَاعِلٌ لِمَأْمُورٍ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ فِيهِ مَضَرَّةٌ، مَعَ إِمْكَانِ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُ فِيهِ مَضَرَّةٌ، وَلَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي وُقُوعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ الضَّرَرُ دُونَ الْآخَرِ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ؛ فَتَوَخِّيهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مَعَ١ الْعِلْمِ بِالْمَضَرَّةِ لَا بُدَّ فِيهِ [مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَقْصِيرٌ٢ فِي] ٣ النَّظَرِ الْمَأْمُورِ به وذلك

стр. 1290

مَمْنُوعٌ، وَإِمَّا قَصْدٌ إِلَى نَفْسِ الْإِضْرَارِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، لَكِنْ إِذَا فَعَلَهُ فَيُعَدُّ مُتَعَدِّيًا بِفِعْلِهِ، وَيُضَمَّنُ ضَمَانَ الْمُتَعَدِّي عَلَى الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ فِي الضَّمَانِ بِحَسَبِ١ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِكُلِّ نَازِلَةٍ، وَلَا يُعَدُّ قَاصِدًا لَهُ أَلْبَتَّةَ، إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ قَصْدُهُ لِلتَّعَدِّي، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَا لَحِقَ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ فِي أَصْلِهَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَيَلْزَمُ عَنْهَا إِضْرَارُ الْغَيْرِ، وَلِأَجْلِ هَذَا٢ تَكُونُ الْعِبَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صَحِيحَةً مُجْزِئَةً٣، وَالْعَمَلُ الأصلي

стр. 1291

صَحِيحًا، وَيَكُونُ عَاصِيًا بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، وَضَامِنًا إِنْ كَانَ ثَمَّ ضَمَانٌ، وَلَا تَضَادَّ فِي الْأَحْكَامِ لِتَعَدُّدِ جِهَاتِهَا، وَمَنْ قَالَ هُنَالِكَ بِالْفَسَادِ يَقُولُ بِهِ هُنَا، وَلَهُ فِي النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ مَجَالٌ رَحْبٌ يَرْجِعُ ضَابِطُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى١، هَذَا مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ إِسْقَاطِهَا لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ عَمَلٍ هَذَا شَأْنُهُ أَلْبَتَّةَ. وَأَمَّا السَّادِسُ: وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا؛ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ غَالِبَةً؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِالنُّدُورِ فِي انْخِرَامِهَا، إِذْ لَا تُوجَدُ فِي الْعَادَةِ مَصْلَحَةٌ عَرِيَّةٌ عَنِ الْمَفْسَدَةِ جُمْلَةً؛ إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا اعْتَبَرَ فِي مَجَارِي الشَّرْعِ غَلَبَةَ الْمَصْلَحَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَدُورَ الْمَفْسَدَةِ إِجْرَاءً لِلشَّرْعِيَّاتِ مَجْرَى الْعَادِيَّاتِ فِي الْوُجُودِ، وَلَا يُعَدُّ هُنَا قَصْدُ الْقَاصِدِ إِلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ -مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِنُدُورِ الْمَضَرَّةِ عَنْ ذَلِكَ- تَقْصِيرًا فِي النَّظَرِ، وَلَا قَصْدًا إِلَى وُقُوعِ الضَّرَرِ، فَالْعَمَلُ إِذًا بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ضَوَابِطَ الْمَشْرُوعَاتِ هَكَذَا وَجَدْنَاهَا؛ كَالْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ، مَعَ إِمْكَانِ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ وَالْغَلَطِ، وَإِبَاحَةِ الْقَصْرِ فِي الْمَسَافَةِ الْمَحْدُودَةِ، مَعَ إِمْكَانِ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ كَالْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ، وَمَنْعِهِ فِي الْحَضَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَوِي الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ٢، وَكَذَلِكَ إِعْمَالُ الخير الواحد٣.

стр. 1292

وَالْأَقْيِسَةِ الْجُزْئِيَّةِ فِي التَّكَالِيفِ، مَعَ إِمْكَانِ إِخْلَافِهَا وَالْخَطَأِ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ؛ فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَاعْتُبِرَتِ الْمَصْلَحَةُ الْغَالِبَةُ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا السَّابِعُ: وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ ظَنِّيًّا؛ فَيَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، أَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَالْإِذْنُ؛ فَظَاهِرٌ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّادِسِ، وَأَمَّا أَنَّ الضَّرَرَ وَالْمَفْسَدَةَ تَلْحَقُ ظَنًّا؛ فَهَلْ يَجْرِي الظَّنُّ مَجْرَى الْعِلْمِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ١، أَمْ لَا لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِمَا؟ وَإِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ نَادِرًا، وَلَكِنَّ اعْتِبَارَ الظَّنِّ هُوَ الْأَرْجَحُ لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الظَّنَّ فِي أَبْوَابِ الْعَمَلِيَّاتِ جَارٍ مَجْرَى الْعِلْمِ؛ فَالظَّاهِرُ جَرَيَانُهُ هُنَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ دَاخِلٌ٢ فِي هَذَا الْقِسْمِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ

стр. 1293

عِلْمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٨] ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا، أَوْ لَنَسُبَّنَّ إِلَهَكَ. فَنَزَلَتْ١. وَفِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" ٢. وَكَانَ ﵊ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى قَوْلِ الْكُفَّارِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ٣. وَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿رَاعِنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٤] مَعَ قَصْدِهِمُ الْحَسَنِ، لِاتِّخَاذِ الْيَهُودِ لَهَا ذَرِيعَةً إلى شمته ﵊، وَذَلِكَ كَثِيرٌ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ٤، وَقَدْ أُلْبِسَ حُكْمُ مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الظَّنَّ بِالْمَفْسَدَةِ وَالضَّرَرِ لا يقوم مقام القصد إليه؛

стр. 1294

فَالْأَصْلُ الْجَوَازُ مِنَ الْجَلْبِ أَوِ الدَّفْعِ، وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ اللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ١؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ تُسَبِّبُ مَفْسَدَةً مِنْ بَابِ الْحِيَلِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ؛ مُنِعَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُتَسَبِّبَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، فَإِنْ حُمِلَ محمل المتعدي٢؛ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ [لِلْقَصْدِ أَوْ مَظِنَّةٌ] لِلتَّقْصِيرِ٣، وَهُوَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ؛ هَلْ تَقُومُ مَظِنَّةُ الشَّيْءِ مَقَامَ نَفْسِ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَمْ لَا؟ هَذَا نَظَرُ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَأَمَّا نَظَرُ إِسْقَاطِهَا؛ فَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِثْلُهُمْ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ السَّادِسِ؛ فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ عَادَةً. وَأَمَّا الثَّامِنُ: وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَا غَالِبًا وَلَا نَادِرًا؛ فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَالْتِبَاسٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ صِحَّةِ الْإِذْنِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ بِوُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ مُنْتَفِيَانِ؛ إِذْ لَيْسَ هُنَا إِلَّا احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ بَيْنَ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ وَلَا قَرِينَةَ٤ تُرَجِّحُ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَاحْتِمَالُ الْقَصْدِ لِلْمَفْسَدَةِ وَالْإِضْرَارِ لَا يَقُومُ مَقَامَ نَفْسِ الْقَصْدِ وَلَا يَقْتَضِيهِ، لِوُجُودِ الْعَوَارِضِ مِنَ الْغَفْلَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مَوْجُودَةً أَوْ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ هُنَا مُقَصِّرًا وَلَا قَاصِدًا كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِمَا٥ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّسَبُّبُ الْمَأْذُونُ فِيهِ قَوِيٌّ جِدًّا، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا اعْتَبَرَهُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ بِنَاءً عَلَى كَثْرَةِ الْقَصْدِ وُقُوعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ لَا يَنْضَبِطُ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، لَكِنْ لَهُ مَجَالٌ٦ هُنَا وَهُوَ كَثْرَةُ الوقوع في

стр. 1295

الْوُجُودِ أَوْ هُوَ مَظِنَّةُ١ ذَلِكَ؛ فَكَمَا اعْتُبِرَتِ الْمَظِنَّةُ٢ وَإِنْ صَحَّ التَّخَلُّفُ؛ كَذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْكَثْرَةُ لِأَنَّهَا مَجَالُ الْقَصْدِ، وَلِهَذَا أَصْلٌ وَهُوَ حَدِيثُ٣ أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ يُشْرَعُ الْحُكْمُ لِعِلَّةٍ مَعَ كَوْنِ فَوَاتِهَا كَثِيرًا؛ كَحَدِّ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ، وَالِازْدِجَارُ بِهِ كَثِيرٌ لَا غَالِبٌ٤ فَاعْتَبَرْنَا٥ الْكَثْرَةَ فِي الْحُكْمِ بِمَا هُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ فَالْأَصْلُ عِصْمَةُ الْإِنْسَانِ عَنِ الْإِضْرَارِ بِهِ وَإِيلَامِهِ، كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَسْأَلَتِنَا الْإِذْنُ، فَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ هنالك لحكمة الزجر، وخروج عن

стр. 1296

الْأَصْلِ هُنَا مِنَ الْإِبَاحَةِ، لِحِكْمَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْمَمْنُوعِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ [هَذَا] الْقِسْمَ مُشَارِكٌ لِمَا قَبْلَهُ فِي وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِكَثْرَةٍ١، فَكَمَا اعْتُبِرَتْ فِي الْمَنْعِ [هُنَاكَ؛ فَلْتُعْتَبَرْ] ٢ هُنَا كَذَلِكَ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنَ النُّصُوصِ كَثِيرٌ؛ فَقَدْ نَهَى ﵊ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ٣. وَعَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ٤ بَعْدَ ثَلَاثٍ٥.

стр. 1297

وَعَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ بِتَخْمِيرِ النَّبِيذِ فِيهَا١. وَبَيَّنَ ﵊ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً؛ فَقَالَ: "لَوْ رَخَّصْتُ فِي هَذِهِ لَأَوْشَكَ أَنَّ تَجْعَلُوهَا مِثْلَ هَذِهِ" ٢، يَعْنِي: أَنَّ النفوس

стр. 1298

لَا تَقِفُ عِنْدَ الْحَدِّ الْمُبَاحِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَوُقُوعُ الْمَفْسَدَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَتْ بِغَالِبَةٍ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَثُرَ وُقُوعُهَا. وَحَرَّمَ١ ﵊ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ٢. وَنَهَى عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ٣، وَعَنِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا٤.

стр. 1299

وَعَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وقال: "إنكم إذا فعلتهم ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" ١. وَحَرَّمَ نِكَاحَ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] . وحرمت خطبة المعتدة تصريحا ونكاحها٢.

стр. 1300

و [حرم] ١ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَسَائِرَ دَوَاعِي النِّكَاحِ٢، وَكَذَلِكَ الطِّيبُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ للمحرم٣.
следующие страницы →