← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ، وَالزِّنَى بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ"١. وَقَالَ: "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ٢، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"٣.

стр. 1332

.................................................................

стр. 1333

وَقَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" ١. وَقَالَ: "لعن الله الراشي والمرتشي" ٢.

стр. 1334

وَنَهَى عَنْ هَدِيَّةِ المَدْيَان؛ فَقَالَ: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ؛ فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهَا إِلَّا أَنْ يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" ١.

стр. 1335

وَقَالَ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" ١. وَجَعَلَ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولًا٢، وَنَهَى٣ عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ٤. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 1336

إِنْ لَمْ يَتُبْ١. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، كُلُّهَا دَائِرَةٌ عَلَى أَنَّ التَّحَيُّلَ فِي قَلْبِ الْأَحْكَامِ ظَاهِرًا غَيْرُ جَائِزٍ. وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الأمة من الصحابة والتابعين.

стр. 1337

المسألة الثانية عشرة ١: ما ثَبَتَ أَنَّ الْأَحْكَامَ شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ كَانَتِ الْأَعْمَالُ مُعْتَبَرَةً بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِيهَا كَمَا تَبَيَّنَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَلَى أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا وَالْمَصْلَحَةُ مُخَالِفَةً؛ فَالْفِعْلُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ٢ لَيْسَتْ مقصودة [لأنفسها] ٣،

стр. 1338

وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا أُمُورٌ أُخَرُ هِيَ مَعَانِيهَا، وَهِيَ الْمَصَالِحُ الَّتِي شُرِعَتْ لِأَجْلِهَا؛ فَالَّذِي عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَضْعِ١؛ فَلَيْسَ عَلَى وَضْعِ الْمَشْرُوعَاتِ. فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلتَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَمُطَابَقَةِ الْقَلْبِ لِلْجَوَارِحِ فِي الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، فَإِذَا عُمِلَ بِذَلِكَ عَلَى قَصْدِ نَيْلِ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا مِنْ دَفْعٍ أَوْ نَفْعٍ؛ كَالنَّاطِقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَاصِدًا لِإِحْرَازِ دَمِهِ وَمَالِهِ لَا لِغَيْرِ٢ ذَلِكَ، أَوِ الْمُصَلِّي رِئَاءَ النَّاسِ لِيُحْمَدَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَنَالَ بِهِ رُتْبَةً فِي الدُّنْيَا؛ فَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ مِنَ الْمَشْرُوعِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا لَمْ تَحْصُلْ، بَلِ الْمَقْصُودُ بِهِ ضِدُّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ. وَعَلَى هَذَا نَقُولُ٣ فِي الزَّكَاةِ مَثَلًا: إن المقصود بشمروعيتها رَفْعُ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وَمَصْلَحَةُ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، وَإِحْيَاءُ النفوس المعرضة للتلف، فمن وهب

стр. 1339

فِي آخِرِ الْحَوْلِ١ مَالَهُ هُرُوبًا٢ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ فِي حَوْلٍ آخَرَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَوْهَبَهُ؛ فَهَذَا الْعَمَلُ تَقْوِيَةٌ لِوَصْفِ الشُّحِّ وَإِمْدَادٌ لَهُ، وَرَفْعٌ لِمَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ٣؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّ صُورَةَ هَذِهِ الْهِبَةِ [لَيْسَتْ هِيَ الْهِبَةَ] ٤ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إِرْفَاقٌ وَإِحْسَانٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَتَوْسِيعٌ عَلَيْهِ، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَجَلْبٌ لِمَوَدَّتِهِ وموآلفته، وَهَذِهِ الْهِبَةُ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْمَشْرُوعِ مِنَ التَّمْلِيكِ الْحَقِيقِيِّ لَكَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَصْلَحَةِ الْإِرْفَاقِ وَالتَّوْسِعَةِ، وَرَفْعًا لِرَذِيلَةِ الشُّحِّ، فَلَمْ يَكُنْ هُرُوبًا عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ؛ فَتَأَمَّلْ٤ كَيْفَ كَانَ الْقَصْدُ الْمَشْرُوعُ فِي الْعَمَلِ لَا يَهْدِمُ قَصْدًا شَرْعِيًّا٥، وَالْقَصْدُ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ٦ هادم

стр. 1340

لِلْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ. وَمِثْلُهُ أَنَّ الْفِدْيَةَ شُرِعَتْ لِلزَّوْجَةِ هَرَبًا مِنْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِي زَوْجِيَّتِهِمَا، فَأُبِيحَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْتَرِيَ عِصْمَتَهَا مِنَ الزَّوْجِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، خَوْفًا من الوقوع في المحظور؛ فهذه بذلت ما لها طَلَبًا لِصَلَاحِ الْحَالِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَهُوَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، وَهُوَ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ مُطَابِقٌ لِلْمَصْلَحَةِ، لَا فَسَادَ فِيهِ حَالًا وَلَا مَآلًا، فَإِذَا أَضَرَّ بِهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ؛ فَقَدْ عَمِلَ هُوَ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ حِينَ أَضَرَّ بِهَا لِغَيْرِ مُوجِبٍ، مَعَ الْقُدْرَةِ١ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْفِرَاقِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ، فَلَمْ يَكُنِ التَّسْرِيحُ إِذَا طَلَبْتَهُ بِالْفِدَاءِ تَسْرِيحًا بِإِحْسَانٍ، وَلَا خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ فِدَاءُ مُضْطَرٍّ وإن كان جائزًا لها فمن٢ جِهَةِ الِاضْطِرَارِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِضْرَارِ، وَصَارَ غَيْرَ جَائِزٍ لَهُ إِذْ وُضِعَ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ كُلِّيَّةٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَلَى مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَلَى الْخُصُوصِ، أَمَّا الْجُزْئِيَّةُ؛ فَمَا يُعْرِبُ عَنْهَا كُلُّ دَلِيلٍ لِحُكْمٍ فِي خاصته، وَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ؛ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ تَحْتَ قَانُونٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تَكَالِيفِ الشَّرْعِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ؛ فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ الْمُسَيَّبَةِ تَعْمَلُ بِهَوَاهَا، حَتَّى يَرْتَاضَ بِلِجَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا صَارَ الْمُكَلَّفُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَنَّتْ٣ لَهُ يَتَّبِعُ رُخَصَ٤ الْمَذَاهِبِ، وَكُلَّ قَوْلٍ وَافَقَ فِيهَا هَوَاهُ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ التَّقْوَى، وَتَمَادَى فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَنَقَضَ مَا أَبْرَمَهُ الشَّارِعُ٥ وَأَخَّرَ ما قدمه، وأمثال ذلك كثيرة.

стр. 1341

فصل: إذا ثَبَتَ هَذَا١ فَالْحِيَلُ الَّتِي تَقَدَّمَ إِبْطَالُهَا وَذَمُّهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا مَا هَدَمَ أَصْلًا شَرْعِيًّا وَنَاقَضَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً٢، فَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ الْحِيلَةَ لَا تَهْدِمُ أَصْلًا شَرْعِيًّا، وَلَا تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا؛ فَغَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي النَّهْيِ وَلَا هِيَ بَاطِلَةٌ، وَمَرْجِعُ الْأَمْرِ فِيهَا إِلَى أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ، كَحِيَلِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ. وَالثَّانِي: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ كَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِكْرَاهًا عَلَيْهَا، فَإِنَّ نِسْبَةَ التَّحَيُّلِ بِهَا فِي إِحْرَازِ الدَّمِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لِمُقْتَضَاهَا كَنِسْبَةِ٣ التَّحَيُّلِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ فِي إِحْرَازِ الدَّمِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ؛ إِلَّا أَنَّ هَذَا مَأْذُونٌ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً لَا مَفْسَدَةَ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، لِكَوْنِهِ مَفْسَدَةً أُخْرَوِيَّةً٤ بِإِطْلَاقٍ، وَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ الْأُخْرَوِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ فِي الِاعْتِبَارِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِاتِّفَاقٍ، إِذْ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ تُخِلُّ بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يُخِلُّ بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ؛ فَكَانَ بَاطِلًا، وَمِنْ هُنَا جَاءَ فِي ذَمِّ النِّفَاقِ وَأَهْلِهِ مَا جَاءَ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَكِلَا القسمين بالغ مبلغ القطع.

стр. 1342

وأما الثالث: هو مَحَلُّ الْإِشْكَالِ وَالْغُمُوضِ، وَفِيهِ اضْطَرَبَتْ أَنْظَارُ النُّظَّارِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ قَطْعِيٍّ لِحَاقُهُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي، وَلَا تَبَيَّنَ فِيهِ لِلشَّارِعِ مَقْصِدٌ يُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَهُ، وَلَا ظَهَرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ فِيهِ؛ فَصَارَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُتَنَازَعًا فِيهِ، شَهَادَةٌ مِنَ الْمُتَنَازِعِينَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْمَصْلَحَةِ؛ فَالتَّحَيُّلُ جَائِزٌ، أَوْ مُخَالِفٌ؛ فَالتَّحَيُّلُ مَمْنُوعٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أَجَازَ التَّحَيُّلَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَصْدَ الشَّارِعِ، بَلْ إِنَّمَا أَجَازَهُ بِنَاءً١ عَلَى تَحَرِّي قَصْدِهِ وَأَنَّ مَسْأَلَتَهُ لَاحِقَةٌ بِقِسْمِ التَّحَيُّلِ الْجَائِزِ الَّذِي عُلِمَ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُصَادَمَةَ الشَّارِعِ صُرَاحًا عِلْمًا أَوْ ظَنًّا لَا تَصْدُرُ٢ مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَعُلَمَاءِ الدِّينِ، نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ إِنَّمَا مَنَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ وَلِمَا وُضِعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِبَعْضِ الْأَمْثِلَةِ لِتَظْهَرَ صِحَّتُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَمِنْ ذَلِكَ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ؛ فَإِنَّهُ تَحَيُّلٌ إِلَى رُجُوعِ الزَّوْجَةِ إِلَى مُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ، بِحِيلَةٍ تُوَافِقُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلَ اللَّهِ ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ؛ فَقَدْ نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ هَذَا الْمُحَلِّلَ؛ فَكَانَ رُجُوعُهَا إِلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ تَطْلِيقِ الثَّانِي مُوَافِقًا، وَنُصُوصُ الشَّارِعِ مُفْهِمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ، بَلْ هِيَ أَوَّلُ مَا يُتَلَقَّى مِنْهُ فَهْمُ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَوْلُهُ ﵊: "لَا، حَتَّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ٣

стр. 1343

ظَاهِرٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي ذَوْقُ العسيلة، وقد صحل في المحلل، ولو كان قصد التحيل مُعْتَبَرًا فِي فَسَادِ هَذَا النِّكَاحِ لَبَيَّنَهُ ﵊، ولأن كونه حيلة لا يمنعه، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ حِيلَةٍ؛ كَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ، وَسَائِرِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقِسْمِ الْجَائِزِ بِاتِّفَاقٍ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَنْقُولِ؛ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ مُوَافَقَتِهِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ١. وَكَذَلِكَ إِذَا اعْتُبِرَتْ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ؛ فَمَصْلَحَةُ هَذَا النِّكَاحِ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ قُصِدَ فِيهِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إِذْ كَانَ تَسَبُّبًا فِي التَّآلُفِ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ الْقَصْدُ إِلَى الْبَقَاءِ الْمُؤَبَّدِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّضْيِيقُ٢ الَّذِي تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ، وَلِأَجْلِهِ شُرِعَ الطَّلَاقُ، وَهُوَ كَنِكَاحِ النَّصَارَى، وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ النِّكَاحَ بِقَصْدِ حَلِّ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الرَّغْبَةِ فِي بَقَاءِ عِصْمَةِ الْمَنْكُوحَةِ، وَأَجَازُوا نِكَاحَ الْمُسَافِرِ فِي بَلْدَةٍ لَا قَصْدَ لَهُ إِلَّا قَضَاءُ الْوَطَرِ زَمَانَ الْإِقَامَةِ بِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا لَا يَلْزَمُ إِذَا شُرِعَتِ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ لِمَصْلَحَةٍ أَنْ تُوجَدَ الْمُصْلِحَةُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا عَيْنًا حَسَبَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا فِي نِكَاحِ حَلِّ الْيَمِينِ، وَالْقَائِلِ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ، عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ فِيهِمَا وَفِي نِكَاحِ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. هَذَا تَقْرِيرُ بَعْضِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الِاحْتِيَالِ هُنَا، وَأَمَّا تَقْرِيرُ

стр. 1344

الدَّلِيلِ عَلَى الْمَنْعِ؛ فَأَظْهَرُ١، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ، وَأَقْرَبُ تَقْرِيرٍ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي "شَرْحِ الرِّسَالَةِ"؛ فَإِلَيْكَ النَّظَرُ فِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ بُيُوعِ الْآجَالِ؛ فَإِنَّ فِيهَا التَّحَيُّلَ إِلَى بَيْعِ دِرْهَمٍ نَقْدًا بِدِرْهَمَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، لَكِنْ بِعَقْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ذَرِيعَةً؛ فَالثَّانِي غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِذَا كَانَ قَدْ أَبَاحَ لَنَا الِانْتِفَاعَ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ؛ فَتَحَرِّي الْمُكَلَّفِ تِلْكَ الْوُجُوهَ غَيْرُ قَادِحٍ، وَإِلَّا كَانَ قَادِحًا فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِذَا فُرِضَ أَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِمَقْصُودِ الْعَاقِدِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ الثَّانِي؛ فَالْأَوَّلُ إِذًا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْوَسَائِلِ، وَالْوَسَائِلُ مَقْصُودَةٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ، وَهَذَا مِنْهَا، فَإِنْ جَازَتِ الْوَسَائِلُ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ؛ فَلْيَجُزْ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ مُنِعَ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَلْتُمْنَعِ الْوَسَائِلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَمْنُوعَةً إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يمنع إلا بدليل٢.

стр. 1345

..............................................................

стр. 1346

..........................................................

стр. 1347

بَلْ هُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّوَسُّلِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَصِحَّةِ قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، فِي قَوْلِهِ ﵊: "بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" ١؛ فَالْقَصْدُ بِبَيْعِ الْجَمْعِ بِالدَّرَاهِمِ التَّوَسُّلُ إِلَى حُصُولِ الْجَنِيبِ بِالْجَمْعِ٢، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقَصْدِ بَيْنَ حُصُولِ ذَلِكَ مَعَ عَاقِدٍ وَاحِدٍ وَعَاقِدَيْنَ، إِذْ لَمْ يُفَصِّلُ النَّبِيُّ ﵊. وَقَوْلُ الْقَائِلِ٣: إِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ القول بالذرائع غير مفيد هنا؛

стр. 1348

فَإِنَّ الذَّرَائِعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: - مِنْهَا: مَا يُسَدُّ بِاتِّفَاقٍ؛ كَسَبِّ الْأَصْنَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مؤدٍ إِلَى سبِّ اللَّهِ تَعَالَى، وكَسَبِّ أَبَوَيِ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ مُؤَدِّيًا إِلَى سَبٍّ أَبَوَيِ السَّابِّ؛ فَإِنَّهُ عُدَّ فِي الْحَدِيثِ١ سَبًّا مِنَ السَّابِّ لِأَبَوَيْ نَفْسِهِ، وَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِمْ فِيهَا، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ الَّتِي يُعْلَمُ تَنَاوُلُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا. - وَمِنْهَا: مَا لَا يُسَدُّ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا إِذَا أَحَبَّ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِطَعَامِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى مِنْ جِنْسِهِ؛ فَيَتَحَيَّلُ بِبَيْعِ متابعه لِيَتَوَصَّلَ بِالثَّمَنِ إِلَى مَقْصُودِهِ، بَلْ كَسَائِرِ التِّجَارَاتِ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا الَّذِي أُبِيحَتْ لَهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى التَّحَيُّلِ فِي بَذْلِ دَرَاهِمَ فِي السِّلْعَةِ لِيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهَا. - وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ فَلَمْ نَخْرُجْ عَنْ حُكْمِهِ بَعْدُ، وَالْمُنَازَعَةُ بَاقِيَةٌ فِيهِ. وَهَذِهِ جملة ما يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ التَّحَيُّلِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَدِلَّةُ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مُقَرَّرَةٌ وَاضِحَةٌ شَهِيرَةٌ؛ فَطَالِعْهَا فِي مَوَاضِعِهَا٢، وَإِنَّمَا قُصِدَ هُنَا هَذَا التَّقْرِيرُ الْغَرِيبُ٣ لِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِهِ؛ إِذْ كُتُبُ الْحَنَفِيَّةِ كَالْمَعْدُومَةِ الْوُجُودِ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ، وَمَعَ أَنَّ اعْتِيَادَ الِاسْتِدْلَالِ لِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ رُبَّمَا يُكْسِبُ الطَّالِبَ نُفُورًا وَإِنْكَارًا لِمَذْهَبٍ غَيْرِ مَذْهَبِهِ، مِنْ غَيْرِ إِطْلَاعٍ عَلَى مَأْخَذِهِ؛ فَيُورِثُ ذَلِكَ حَزَازَةً فِي الِاعْتِقَادِ فِي الْأَئِمَّةِ، الَّذِينَ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى فَضْلِهِمْ وتقدمهم في

стр. 1349

الدِّينِ، وَاضْطِلَاعِهِمْ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ وَفَهْمِ أَغْرَاضِهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا كَثِيرًا ولنكتفِ بِهَذَيْنَ الْمِثَالَيْنِ؛ فَهُمَا مِنْ أَشْهَرِ الْمَسَائِلِ فِي بَابِ الْحِيَلِ، وَيُقَاسُ عَلَى النَّظَرِ فِيهِمَا النَّظَرُ فِيمَا سِوَاهُمَا. فَصْلٌ: هَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَقَدْ مَرَّ مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُقَرَّرَةِ كَثِيرٌ، وَسَيَأْتِي مِنْهُ مَسَائِلُ أُخَرُ تَفْرِيعًا أَيْضًا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ خَاتِمَةٍ تَكُرُّ عَلَى كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بِالْبَيَانِ، وَتُعَرِّفُ بِتَمَامِ الْمَقْصُودِ فِيهِ بِحَوْلِ اللَّهِ. فَإِنَّ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ، فَبِمَاذَا يُعْرَفُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ لَهُ مِمَّا ليس بمقصود له؟ والجواب أن النظر ههنا يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ غَائِبٌ عَنَّا حَتَّى يَأْتِيَنَا مَا يُعَرِّفُنَا بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ الْكَلَامِيِّ مُجَرَّدًا١ عَنْ تَتَبُّعِ الْمَعَانِي الَّتِي يَقْتَضِيهَا الِاسْتِقْرَاءُ وَلَا تَقْتَضِيهَا الْأَلْفَاظُ بِوَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ؛ إِمَّا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّكَالِيفَ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا مَصَالِحُ الْعِبَادِ عَلَى حَالٍ، وَإِمَّا مَعَ الْقَوْلِ بِمَنْعِ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي بَعْضٍ٢؛ فَوَجْهُهَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ لَنَا على التمام، أو غير معروف

стр. 1350

أَلْبَتَّةَ، وَيُبَالَغُ فِي هَذَا حَتَّى يُمْنَعَ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ، وَيُؤَكِّدُهُ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ مُطْلَقًا، وَهُوَ رَأْيُ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ مَظَانَّ الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ فِي الظَّوَاهِرِ وَالنُّصُوصِ، وَلَعَلَّهُ يشار إليه١ في كتاب القياس إن شال اللَّهُ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ بِإِطْلَاقٍ أَخْذٌ فِي طَرَفٍ تَشْهَدُ الشَّرِيعَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا قَالُوا. وَالثَّانِي فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ هَذَا؛ إِلَّا أَنَّهُ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: دَعْوَى أَنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الظَّوَاهِرِ وَلَا مَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَمْرٌ آخَرُ وَرَاءَهُ، وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ؛ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي ظَاهِرِهَا مُتَمَسَّكٌ يُمْكِنُ أَنْ يُلْتَمَسَ مِنْهُ مَعْرِفَةُ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَهَذَا رَأْيُ كُلِّ قَاصِدٍ لِإِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ، وَهُمُ الْبَاطِنِيَّةُ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْقَدْحِ فِي النُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ لِكَيْ يُفْتَقَرَ إِلَيْهِ عَلَى زَعْمِهِمْ، وَمَآلُ هَذَا الرَّأْيِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ؛ فَلْنَنْزِلْ عَنْهُ إِلَى قِسْمٍ آخَرَ يُقَرِّبُ مِنْ مُوَازَنَةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ: الضَّرْبُ الثَّانِي: بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى مَعَانِي الْأَلْفَاظِ٢، بِحَيْثُ لَا تُعْتَبَرُ الظَّوَاهِرُ وَالنُّصُوصُ إِلَّا بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ خَالَفَ النَّصُّ الْمَعْنَى النَّظَرِيَّ اطُّرِحْ وَقُدِّمَ الْمَعْنَى النَّظَرِيُّ، وَهُوَ إِمَّا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ مَعَ تَحْكِيمِ الْمَعْنَى جِدًّا حَتَّى تَكُونَ الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ تَابِعَةً لِلْمَعَانِي النَّظَرِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيُ "المتعمقين

стр. 1351

فِي الْقِيَاسِ"، الْمُقَدِّمِينَ لَهُ عَلَى النُّصُوصِ، وَهَذَا فِي طَرَفٍ آخَرَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ فِيهِ الْمَعْنَى بِالنَّصِّ، وَلَا بِالْعَكْسِ؛ لِتَجْرِيَ الشَّرِيعَةُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ١، وَهُوَ الَّذِي أَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ؛ فَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي الضَّابِطِ الَّذِي بِهِ يُعَرِّفُ مَقْصِدَ الشَّارِعِ؛ فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّهُ يُعْرَفُ مِنْ جِهَاتٍ: إِحْدَاهَا: مُجَرَّدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الِابْتِدَائِيِّ التَّصْرِيحِيِّ، فَإِنَّ الْأَمْرَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَمْرًا لِاقْتِضَائِهِ الْفِعْلَ؛ فَوُقُوعُ الْفِعْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَمْرِ بِهِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ مُقْتَضٍ لِنَفْيِ الْفِعْلِ أَوِ الْكَفِّ عَنْهُ؛ فَعَدَمُ وُقُوعِهِ مَقْصُودٌ لَهُ، وَإِيقَاعُهُ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهِ، كَمَا أَنَّ عَدَمَ إِيقَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهِ؛ فَهَذَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ عَامٌّ لِمَنِ اعْتَبَرَ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عِلَّةٍ، وَلِمَنِ اعْتَبَرَ الْعِلَلَ وَالْمَصَالِحَ، وَهُوَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالِابْتِدَائِيِّ تَحَرُّزًا مِنَ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ الَّذِي قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ٢؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الْجُمْعَةِ: ٩] ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ لَيْسَ نَهْيًا مُبْتَدَأً، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالسَّعْيِ؛ فَهُوَ مِنَ النَّهْيِ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، فَالْبَيْعُ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا نهي عن الربى والزنى مَثَلًا، بَلْ لِأَجْلِ تَعْطِيلِ السَّعْيِ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِهِ، وَمَا شَأْنُهُ هَذَا؛ فَفِي فَهْمِ قَصْدِ الشَّارِعِ مِنْ مُجَرَّدِهِ نَظَرٌ وَاخْتِلَافٌ، مَنْشَؤُهُ٣ مِنْ أصل المسألة المترجمة "بالصلاة في

стр. 1352

الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ". وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالتَّصْرِيحِيِّ تَحَرُّزًا مِنَ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ الضِّمْنِىِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُصَرَّحٍ بِهِ؛ كَالنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ١، وَالْأَمْرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ عَنِ الشيء، فإن النهي والأمر ههنا إِنْ قِيلَ بِهِمَا؛ فَهُمَا بِالْقَصْدِ الثَّانِي لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ إِذْ مَجْرَاهُمَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِمَا مَجْرَى التَّأْكِيدِ لِلْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ قِيلَ بِالنَّفْيِ٢؛ فَالْأَمْرُ أَوْضَحُ فِي عَدَمِ الْقَصْدِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِمَا لَا يَتِمُّ الْمَأْمُورُ٣ إِلَّا بِهِ الْمَذْكُورُ فِي مَسْأَلَةِ "مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ"؛ فَدَلَالَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي هَذَا عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ مُتَنَازَعٌ فِيهِ؛ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قيد الأمر والنهي بالتصريحي. الثانية: اعْتِبَارُ عِلَلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلِمَاذَا أُمِرَ بِهَذَا الْفِعْلِ؟ وَلِمَاذَا نُهِيَ عَنْ هَذَا الْآخَرِ؟ وَالْعِلَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً اتُّبِعَتْ؛ فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنَ الْقَصْدِ أَوْ عَدَمِهِ؛ كَالنِّكَاحِ لِمَصْلَحَةِ التَّنَاسُلِ، وَالْبَيْعِ لِمَصْلَحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْحُدُودِ لِمَصْلَحَةِ الِازْدِجَارِ، وَتُعْرَفُ الْعِلَّةُ هُنَا بِمَسَالِكِهَا الْمَعْلُومَةِ٤ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ؛ عُلِمَ أن

стр. 1353

مَقْصُودَ الشَّارِعِ مَا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الْعِلَلُ مِنَ الْفِعْلِ أَوْ عَدَمِهِ، وَمِنَ التَّسَبُّبِ أَوْ عَدَمِهِ١، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ الْقَطْعِ عَلَى الشَّارِعِ أَنَّهُ قَصَدَ كذا أو كذا٢؛ إِلَّا أَنَّ التَّوَقُّفَ هُنَا لَهُ وَجْهَانِ مِنَ النَّظَرِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ أَوِ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِلَّةِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَضَلَالٌ عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ، وَلَا يَصِحُّ٣ الْحُكْمُ عَلَى زَيْدٍ بِمَا وُضِعَ حُكْمًا عَلَى عَمْرٍو، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ عَلَى زَيْدٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّا إِذَا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا عَلَيْهِ، فَنَكُونَ قَدْ أَقْدَمْنَا عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّارِعِ؛ فَالتَّوَقُّفُ هُنَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَوْضُوعَةِ شَرْعًا أَنْ لَا يُتَعَدَّى بِهَا مَحَالُّهَا حَتَّى يُعْرَفَ قَصْدُ الشَّارِعِ لِذَلِكَ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ عَدَمَ نَصْبِهِ دَلِيلًا عَلَى التَّعَدِّي دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَدِّي إذ لوكان عِنْدَ الشَّارِعِ مُتَعَدِّيًا لَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَوَضَعَ لَهُ مَسْلَكًا، وَمَسَالِكُ الْعِلَّةِ مَعْرُوفَةٌ، وَقَدْ خُبِرَ٤ بِهَا مَحَلُّ الْحُكْمِ؛ فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ عِلَّةٌ

стр. 1354

يَشْهَدُ لَهَا مَسْلَكٌ مِنَ الْمَسَالِكِ؛ فَصَحَّ أَنَّ التَّعَدِّيَ لِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ. فهذان المسلكان كِلَاهُمَا مُتَّجِهٌ فِي الْمَوْضِعِ١؛ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ بِأَنَّ التَّعَدِّيَ الْمَفْرُوضَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَيَقْتَضِي هَذَا إِمْكَانَ أَنَّهُ مُرَادٌ؛ فَيَبْقَى النَّاظِرُ بَاحِثًا حَتَّى يَجِدَ مَخْلَصًا؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مَقْصُودًا لَهُ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي جَزْمَ الْقَضِيَّةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ٢ نَفْيُ التَّعَدِّي مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَيُحْكَمُ بِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لَهُ، إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَإِنْ أَتَى مَا يُوَضِّحُ خِلَافَ الْمُعْتَقَدِ رُجِعَ إِلَيْهِ، كَالْمُجْتَهِدِ يَجْزِمُ الْقَضِيَّةَ فِي الْحُكْمِ ثُمَّ يَطَّلِعُ بَعْدُ عَلَى دَلِيلٍ يَنْسَخُ حزمه٣ إِلَى خِلَافِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهُمَا مَسْلَكَانِ مُتَعَارِضَانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ، وَالْآخَرَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَهُمَا فِي النَّظَرِ سَوَاءٌ٤، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَافَعَا أَحْكَامَهُمَا؛ فَلَا يَبْقَى إِلَّا التَّوَقُّفُ وَحْدَهُ؛ فَكَيْفَ يَتَّجِهَانِ مَعًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا قَدْ يَتَعَارَضَانِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ؛ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ لِأَنَّهُمَا كَدَلِيلَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَيَتَفَرَّعَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ لَا يَتَعَارَضَانِ بِحَسَبِ مُجْتَهِدَيْنَ أَوْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ؛ فَيَقْوَى عِنْدَهُ مَسْلَكُ التَّوَقُّفِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَمَسْلَكُ النَّفْيِ فِي مسألة أخرى؛ فلا تعارض على الإطلاق.

стр. 1355

وَأَيْضًا؛ فَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَأَنَّهُ غَلَّبَ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ جِهَةَ التَّعَبُّدِ، وَفِي بَابِ الْعَادَاتِ جِهَةَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَالْعَكْسُ فِي الْبَابَيْنِ قَلِيلٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ مَالِكٌ فِي إِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَفِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ دُونَ ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ مَقَامَهُمَا، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى عَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ مَا مَاثَلَهُ، وَغَلَّبَ فِي بَابِ الْعَادَاتِ الْمَعْنَى؛ فَقَالَ فِيهَا بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَالَ فِيهِ: "إِنَّهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ"١ إِلَى مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ٢ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَمَسْلَكُ النَّفْيِ مُتَمَكِّنٌ فِي الْعِبَادَاتِ، وَمَسْلَكُ التَّوَقُّفِ مُتَمَكِّنٌ فِي الْعَادَاتِ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تُرَاعَى الْمَعَانِي فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَجْرِي الْبَاقِي عَلَيْهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ "الْحَنَفِيَّةِ"، وَالتَّعَبُّدَاتُ فِي بَابِ الْعَادَاتِ٣، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ شيء فيجري الباقي عليه، وهي طريق الظاهرية، ولكن العمدة ما

стр. 1356

تَقَدَّمَ، وَقَاعِدَةُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَالِاسْتِصْحَابِ رَاجِعَةٌ إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ مَقَاصِدَ أَصْلِيَّةً وَمَقَاصِدَ تَابِعَةً. مِثَالُ ذَلِكَ النِّكَاحُ؛ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّنَاسُلِ على المقصد الْأَوَّلِ، وَيَلِيهِ طَلَبُ السَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ؛ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَلَالِ، وَالنَّظَرِ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْمَحَاسِنِ فِي النِّسَاءِ، وَالتَّجَمُّلِ بِمَالِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قِيَامِهَا عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ إِخْوَتِهِ، وَالتَّحَفُّظُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ مِنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ وَنَظَرِ الْعَيْنِ، وَالِازْدِيَادُ مِنَ الشُّكْرِ بِمَزِيدِ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ١ عَلَى الْعَبْدِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ هَذَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ؛ فَمِنْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ أَوْ مُشَارٌ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا عُلِمَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَمَسْلَكٍ اسْتُقْرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصُوصِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ التَّوَابِعِ هُوَ مثبت للمقصد الأصلي، ومقو لحكمته، ومستدع لطبه وَإِدَامَتِهِ، وَمُسْتَجْلِبٌ لِتَوَالِي التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّعَاطُفِ، الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَقْصِدُ الشَّارِعِ الْأَصْلِيُّ مِنَ التَّنَاسُلِ؛ فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ٢ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِمَّا شَأْنُهُ ذَلِكَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ أَيْضًا، كَمَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي نِكَاحِ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ طَلَبًا لِشَرَفِ النَّسَبِ، وَمُوَاصَلَةِ أَرْفَعِ الْبُيُوتَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ سَائِغٌ، وَأَنَّ قَصْدَ التَّسَبُّبِ لَهُ حَسَنٌ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ نَوَاقِضَ هَذِهِ الْأُمُورِ مُضَادَّةٌ لِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ بإطلاق،

стр. 1357

مِنْ حَيْثُ كَانَ مَآلُهَا إِلَى ضِدِّ الْمُوَاصَلَةِ وَالسَّكَنِ وَالْمُوَافَقَةِ، كَمَا إِذَا نَكَحَهَا لِيُحِلَّهَا١ لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِمَنْعِهِ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الْمُوَاصَلَةِ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّارِعُ مُسْتَدَامَةً إِلَى انْقِطَاعِ الْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُقَاطَعَةَ بِالطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَكُلُّ نِكَاحٍ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، وَهُوَ أَشَدُّ فِي ظُهُورِ مُحَافَظَةِ الشَّارِعِ٢ عَلَى دَوَامِ الْمُوَاصَلَةِ، حَيْثُ نَهَى عَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ. وَهَكَذَا الْعِبَادَاتُ؛ فَإِنَّ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا التَّوَجُّهُ إِلَى الْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ وَإِفْرَادُهُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ قَصْدُ التَّعَبُّدِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ لِيَكُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّوَابِعَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ وَبَاعِثَةٌ عَلَيْهِ، وَمُقْتَضِيَةٌ لِلدَّوَامِ فِيهِ سِرًّا وَجَهْرًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ إِلَى التَّابِعِ لَا يَقْتَضِي دَوَامَ الْمَتْبُوعِ وَلَا تَأْكِيدَهُ؛ كَالتَّعَبُّدِ بِقَصْدِ حِفْظِ الْمَالِ وَالدَّمِ، أَوْ لِيَنَالَ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ أَوْ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ؛ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّ الْقَصْدَ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ بِمُؤَكَّدٍ وَلَا بَاعِثٍ عَلَى الدَّوَامِ، بَلْ هُوَ مقوٍ لِلتَّرْكِ وَمُكَسِّلٌ عَنِ الْفِعْلِ، وَلِذَلِكَ لَا يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ إلى رَيْثَمَا يَتَرَصَّدُ بِهِ مَطْلُوبَهُ، فَإِنْ بَعُدَ عَلَيْهِ تَرَكَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف﴾ الآية [الحج: ١١] . فَمِثْلُ هَذَا الْمَقْصِدِ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ إِذَا قصد العمل لأجله، وإن كان

стр. 1358

مُقْتَضَاهُ حَاصِلًا بِالتَّبَعِيَّةِ١ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ فَإِنَّ النَّاكِحَ عَلَى الْمَقْصِدِ الْمُؤَكِّدِ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ٢ الْفِرَاقُ؛ فَيَسْتَوِي مَعَ النَّاكِحِ لِلْمُتْعَةِ وَالتَّحْلِيلِ، وَالْمُتَعَبِّدِ لِلَّهِ عَلَى الْقَصْدِ الْمُؤَكِّدِ يَحْصُلُ لَهُ حِفْظُ الدَّمِ وَالْمَالِ وَنَيْلُ الْمَرَاتِبِ وَالتَّعْظِيمُ، فَيَسْتَوِي مَعَ الْمُتَعَبِّدِ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَاصِدَ التَّابِعِ الْمُؤَكِّدِ حَرٍ بِالدَّوَامِ، وَقَاصِدُ التَّابِعِ غَيْرُ الْمُؤَكِّدِ حَرٍ بِالِانْقِطَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمُضَادَّةُ هَلْ تعتبر من حيث تقتضي المخالفة عَيْنًا، أَمْ يُكْتَفَى فِيهَا بِكَوْنِهَا لَا تَقْتَضِي الْمُوَافَقَةَ؟ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ يَقْتَضِي الْمُقَاطَعَةَ عَيْنًا؛ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنِيَّةٌ، وَنِكَاحُ الْقَاصِدِ لِمُضَارَّةِ الزَّوْجَةِ أَوْ لِأَخْذِ مَالِهَا أَوْ لِيُوقِعَ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذلك مما لَا يَقْتَضِي مُوَاصَلَةً وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَيْنَ الْمُقَاطَعَةِ؛ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِ النِّكَاحِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ عَيْنًا؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ مُضَارَّةِ الزَّوْجَةِ وُقُوعُهَا، وَلَا مِنْ وُقُوعِ الْمُضَارَّةِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ لِجَوَازِ الصُّلْحِ، أَوِ الْحُكْمِ عَلَى الزَّوْجِ، أَوْ زَوَالِ ذَلِكَ الْخَاطِرِ السَّبَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا؛ فَلَيْسَ اقْتِضَاؤُهُ عَيْنِيًّا. فَالْجَوَابُ أَنَّ اقْتِضَاءَ الْمُخَالَفَةِ الْعَيْنِيَّةِ لَا شَكَّ فِي امْتِنَاعِهَا وَبُطْلَانِ مُقْتَضَاهَا مُطْلَقًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مَعًا؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُتَعَبَّدَ لِلَّهِ بِمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْمَقَاصِدِ وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مَشْرُوعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُتَزَوَّجَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ، وَأَمَّا مَا لَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ عَيْنًا كَالنِّكَاحِ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ، وَكَنِكَاحِ التَّحْلِيلِ عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُهُ؛ فَإِنَّ هُنَا وَجْهَيْنِ مِنَ النَّظَرِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَافِقٍ؛ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ، فَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ

стр. 1359

عَدَمِ الْمُوَافَقَةِ مَنَعَ، وَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ عَدَمِ تَعَيُّنِ١ الْمُخَالَفَةِ لَمْ يَمْنَعْ وَيَظْهَرُ هَذَا فِي مِثَالِ نِكَاحِ الْمُضَارَّةِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ بِالنِّكَاحِ الْجَائِزِ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْمَمْنُوعِ؛ فَالنِّكَاحُ مُنْفَرِدٌ بِالْحُكْمِ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ فِي الْبَقَاءِ أَوِ الْفُرْقَةِ مُمْكِنٌ، إِلَّا أَنَّ الْمُضَارَّةَ مَظِنَّةٌ لِلتَّفَرُّقِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الْمِقْدَارَ مَنَعَ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ أَجَازَ. فَصْلٌ: وَهَذَا الْبَحْثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلشَّارِعِ مَقَاصِدَ تَابِعَةً فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مَعًا، أَمَّا فِي الْعَادَاتِ؛ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ مَرَّ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ، وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ [ذَلِكَ] فِيهَا. فَالصَّلَاةُ مَثَلًا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِخْلَاصِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَالِانْتِصَابُ عَلَى قَدَمِ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَذْكِيرُ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] . وَقَالَ: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ ٢ أَكْبَرُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٥] . وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ" ٣. ثُمَّ إِنَّ لَهَا مَقَاصِدَ تَابِعَةً؛ كَالنَّهْيِ عن الفحشاء والمنكر، والاستراحة إليها

стр. 1360

مِنْ أَنْكَادِ الدُّنْيَا فِي الْخَبَرِ: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ" ١، وَفِي الصَّحِيحِ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" ٢، وَطَلَبِ الرِّزْقِ بِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] . وَفِي الْحَدِيثِ٣ تَفْسِيرُ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْجَاحِ الْحَاجَاتِ؛ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ٤ وَصَلَاةِ الْحَاجَةِ، وَطَلَبِ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النار، وهي الفائدة العامة الخالصة، وَكَوْنِ الْمُصَلِّي فِي خِفَارَةِ اللَّهِ، فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ لَمْ يَزَلْ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ" ٥، وَنَيْلِ أَشْرَفِ الْمَنَازِلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] ؛ فَأُعْطِيَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ. وَفِي الصِّيَامِ سَدُّ مَسَالِكِ الشَّيْطَانِ، وَالدُّخُولُ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى التحصين فِي الْعُزْبَةِ فِي الْحَدِيثِ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ؛ فَلْيَتَزَوَّجْ"، ثُمَّ قَالَ: "وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وجاء" ٦.

стр. 1361

وَقَالَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" ١. وَقَالَ: "وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ" ٢. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ فِيهَا فَوَائِدُ أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ الْعَامَّةُ، وَفَوَائِدُ دُنْيَوِيَّةٌ، وَهِيَ كُلُّهَا تَابِعَةٌ٣ لِلْفَائِدَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَعْدَ هَذَا يَتْبَعُ الْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ فَوَائِدِهَا وَسِوَاهَا، وَهِيَ تَابِعَةٌ؛ فَيُنْظَرُ فِيهَا بِحَسَبِ التَّقْسِيمِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَالْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُؤَكِّدُ كَطَلَبِ الْأَجْرِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ، وَضِدُّهُ كَطَلَبِ الْمَالِ وَالْجَاهِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَقْصِدُ الْأَصْلِيُّ، بَلْ هُوَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، والثالث كطلب قطع الشهوة بالصيام، وسائر

стр. 1362

مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحُظُوظِ، وَيَنْبَغِي تَحْقِيقُ النَّظَرِ فِيهَا، وَفِي الثَّانِي الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ التَّأَكُّدِ، وَمَا يَقْتَضِي مِنْ ذَلِكَ ضِدَّ التَّأَكُّدِ عَيْنًا، وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ عَيْنًا. وَأَيْضًا؛ فَهُنَا نَظَرٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ مِنْ حَيْثُ يُطْلَبُ بِهَا الْمَوَاهِبُ الَّتِي هِيَ نَتَائِجُ مَوْهُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ الْمُطِيعِ وَحِلًى يُحَلِّيهِ بِهَا، وَأَوَّلُ ذَلِكَ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى إِذَا قُصِدَ بَاعِثًا عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي أَصْلُ الْقَصْدِ بِهِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ وَالتَّوَاضُعُ لِعَظَمَتِهِ؛ كَانَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ مِنْ جِهَتِهِ صَحِيحًا، لَا دَخَلَ فِيهِ وَلَا شَوْبَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الرُّجُوعُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ ذَلِكَ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِمَّا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ طَلَبًا لِلْإِجَارَةِ وَصَاحِبُهُ عَبْدُ سُوءٍ؛ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ الطَّرَفُ الْآخَرُ الْعَامِلُ لِأَجْلِ أَنْ يُحْمَدَ أَوْ يُعَظَّمَ أَوْ يُعْطَى؛ فَهَذَا عَامِلٌ١ عَلَى الرِّيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ عَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ أَصَالَةٍ؛ إِذْ لَا إِخْلَاصَ فِيهِ فَهُوَ عَبَثٌ، وَإِنْ فُرِضَ خَالِصًا لِلَّهِ لَكِنْ قُصِدَ بِهِ حُصُولُ هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ فَلَيْسَ هَذَا الْقَصْدُ بمقوٍ لِلْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، بَلْ هُوَ مُقَوٍّ لِتَرْكِ الْإِخْلَاصِ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إِلَى الْعَطَاءِ؛ فَيَسْأَلُ مِنَ اللَّهِ الْعَطَاءَ، وَيَسْأَلُ لَهُ لِأَجْلِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الضَّرَّاءِ بِسَبَبِ الْمَنْعِ وَفَقْدِ الْأَسْبَابِ، وَيَكُونُ عَمَلُهُ بِمُقْتَضَى مَحْضِ الْإِخْلَاصِ لَا لِيَرَاهُ النَّاسُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ عَمَلٌ مقتضٍ لِمَا شُرِعَ لَهُ التَّعَبُّدُ٢ ومقوٍ لَهُ، وَأَصْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] .

стр. 1363

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "كَانَ إِذَا اضْطَرَّ أَهْلُهُ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرِزْقِهِ؛ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ"١ لِأَجْلِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَهَذِهِ صَلَاةٌ لِلَّهِ يُسْتَمْنَحُ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ. وَعَلَى هَذَا الْمَهِيعِ جَرَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ٢ وشيخه فيمن أظهر علمه لِتَثْبُتَ عَدَالَتُهُ، وَتَصِحَّ إِمَامَتُهُ، وَلِيُقْتَدَى بِهِ إِذَا كَانَ مَأْمُورًا شَرْعًا بِذَلِكَ لِتَوَفُّرِ شُرُوطِهِ فِيهِ وَعَدَمِ مَنْ يَقُومُ ذَلِكَ٣ الْمَقَامَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَتِلْكَ الْعِبَادَةُ الظَّاهِرَةُ لَا تَقْدَحُ فِي أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ مَنْ يَقْصِدُ٤ [نَفْسَ] ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ النَّاسِ أَوِ الْإِمَامَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مَخُوفٌ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْعَمَلُ الْمُدَاوَمَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا فِي طَلَبِ الْجَاهِ وَالتَّعْظِيمِ مِنَ الْخَلْقِ بِالْعِبَادَةِ. وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ هُنَا الِانْقِطَاعُ إِلَى الْعَمَلِ لِنَيْلِ دَرَجَةِ الْوِلَايَةِ أَوِ الْعِلْمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَجْرِي فِيهِ الْأَمْرَانِ٥، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٧٤] . وَحَدِيثُ النَّخْلَةِ حِينَ قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: "لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إلي من كذا وكذا"٦.

стр. 1364

وانظر في مسألة "العتبية"١ فأرى أَنَّ اخْتِلَافَ مَالِكٍ وَشَيْخِهِ فِيهَا إِنَّمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. وَمِمَّا يُشْكِلُ مِنْ هَذَا النَّمَطِ التَّعَبُّدُ بِقَصْدِ تَجْرِيدِ النَّفْسِ بِالْعَمَلِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَرُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَنَيْلِ الْكَرَامَاتِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى غَرَائِبِ الْعُلُومِ وَالْعَوَالِمِ الرُّوحَانِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ قَصْدَ مِثْلِ هَذَا بِالتَّعَبُّدِ جَائِزٌ وَسَائِغٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ إِلَى طَلَبِ نَيْلِ دَرَجَةِ الْوِلَايَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ خَوَاصِّ اللَّهِ وَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الطَّلَبِ مَقْصُودٌ فِي الشَّرْعِ التَّرَقِّي إِلَيْهِ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَمْثِلَةِ قَبْلَ هَذَا، وَلَا فرق، وقد يقال: إنه خارج عن نمظ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ تَخَرُّصٌ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ٢، وَيَزِيدُ بِأَنَّهُ جَعَلَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَسِيلَةً إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَصْدِ دَاخِلٌ بِوَجْهٍ مَا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ١١] . كَذَلِكَ هَذَا إِنْ وَصَلَ إِلَى مَا طَلَبَ فَرِحَ بِهِ، وَصَارَ هُوَ قَصْدُهُ مِنَ التَّعَبُّدِ؛ فَقَوِيَ فِي نَفْسِهِ مَقْصُودُهُ وَضَعُفَتِ الْعِبَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَمَى بِالْعِبَادَةِ، وَرُبَّمَا كَذَّبَ بِنَتَائِجِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَهَبُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُخْلِصِينَ، وَقَدْ رُوِيَ أن

стр. 1365

بَعْضَ النَّاسِ سَمِعَ بِحَدِيثِ: مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا؛ ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"١؛ فَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ لِيَنَالَ الْحِكْمَةَ، فَلَمْ يفتح له

стр. 1366

بابها، فلبغت الْقِصَّةُ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ؛ فَقَالَ: "هَذَا أَخْلَصَ لِلْحِكْمَةِ وَلَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ"، وَهَكَذَا يَجْرِي الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا أَعْلَمُ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَا غُيِّبَ عَنِ الْإِنْسَانِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ لَمْ يُطْلَبْ بِدَرَكِهِ، وَلَا حُضَّ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَفِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ ؛ فَقَالَ: مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو رَقِيقًا كَالْخَيْطِ، ثُمَّ يَنْمُو إِلَى أَنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى حالته الأولى؟ فنزلت١:

стр. 1367

﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٩] ؛ فَجَعَلَ إِتْيَانَ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا مِثَالًا شَامِلًا لِمُقْتَضَى هَذَا السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ تَطَلُّبٌ لِمَا لَمْ يُؤْمَرُ بِتَطَلُّبِهِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى مِقْدَارِ الْمَعْرِفَةِ بِمَصْنُوعَاتِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْعَوَالِمُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَخَوَارِقُ الْعَادَاتِ فِيهَا تَقْوِيَةٌ لِلنَّفْسِ، وَاتِّسَاعٌ فِي دَرَجَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ شَرْعًا لِأَجْلِ الْعَمَلِ حَسَبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَمَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ كافٍ وَفَوْقَ الْكِفَايَةِ؛ فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلٌ، وَأَيْضًا إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠] ؛ فَإِنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ طَلَبَ الْخَوَارِقِ بِالدُّعَاءِ، وَطَلَبَ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ١ لَا نَكِيرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَنْ أَخَذَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ أَنْ يَرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؛ فَالدُّعَاءُ بَابُهُ مَفْتُوحٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ شَرْعًا مَا لَمْ يدعُ بِمَعْصِيَةِ، وَالْعِبَادَةُ إِنَّمَا الْقَصْدُ بِهَا التَّوَجُّهُ لِلَّهِ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ لَهُ، وَالْخُضُوعُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَلَا تُحْتَمَلُ الشَّرِكَةُ، وَلَوْلَا أَنَّ طَلَبَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الأخروي مؤكد لإخلاص العمل

стр. 1368

لِلَّهِ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِمَا سَاغَ الْقَصْدُ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ يَعْزُبُ عَنْهُمْ هَذَا الْقَصْدُ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلَانِ مَثَلَيْنِ؟ أَعْنِي طَلَبَ الْخَوَارِقِ بِالدُّعَاءِ مَعَ الْقَصْدِ إِلَيْهَا بِالْعِبَادَةِ، مَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَهُمَا لِمَنْ تَأْمَّلَ! وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ نَجِدْ مَا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ١؛ لَكَانَ لَنَا بَعْضُ الْعُذْرِ فِي التَّخَطِّي عَنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ؛ فَكَيْفَ وَفِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ الْقَرِيبَةِ الْمَأْخَذِ، السَّهْلَةِ الْمُلْتَمَسِ مَا يَفْنَى الدَّهْرُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ، لَمْ يُبْلَغْ مِنْهَا فِي الِاطِّلَاعِ وَالْمَعْرِفَةِ عُشْرُ الْمِعْشَارِ، وَلَوْ نَظَرَ الْعَاقِلُ فِي أَقَلِّ الْآيَاتِ٢، وَأَذَلِّ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَا أَوْدَعَ بَارِيهَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْعَجَائِبِ؛ لَقَضَى الْعَجَبَ، وَانْتَهَى إِلَى الْعَجْزِ فِي إِدْرَاكِهِ٣، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنْ تَنْظُرَ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٥] . ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الْغَاشِيَةِ: ١٧-١٨] إِلَى آخِرِهَا. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] إِلَى تمام الآيات.

стр. 1369

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالنَّظَرِ فِيمَا حَجَبَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ عَادَةً إِلَّا بِخَارِقَةٍ، فَإِنَّهُ إِحَالَةٌ عَلَى مَا يَنْدُرُ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ وَعَوَالِمُ الْغَيْبِ لَمْ تَجِدْهَا مِمَّا أُحِيلَ عَلَى النَّظَرِ فِيهِ، وَلَا مَأْمُورًا بِتَطَلُّبِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَعَلَى ذَوَاتِهَا وَحَقَائِقِهَا؛ فَهَذِهِ التَّفْرِقَةِ كَافِيَةٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ النَّظَرُ فِيهِ شَرْعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا؛ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يُطْلَبَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّطَلُّبِ الْخَاصِّ فَلْسَفِيٌّ؛ فَإِنَّ الِاعْتِنَاءَ بِطَلَبِ تَجْرِيدِ النفس والاطلاع على العوالي الَّتِي وَرَاءَ الْحِسِّ إِنَّمَا نُقِلَ عَنِ الْحُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمُتَعَمِّقِينَ فِي فُنُونِ الْبَحْثِ، مِنَ الْمُتَأَلِّهِينَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يُقَرِّرُونَ لِطَلَبِ هَذَا الْمَعْنَى رِيَاضَةً خَاصَّةً لَمْ تَأْتِ بِهَا الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، مِنَ اشْتِرَاطِ التَّغَذِّي بِالنَّبَاتِ دُونَ الْحَيَوَانِ، أَوْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَيَوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهِمُ الَّتِي لَمْ تُنْقَلْ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَا وُجِدَ مِنْهَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، كَمَا أَنَّ ذِكْرَ التَّجْرِيدِ وَالْعَوَالِمِ الرُّوحَانِيَّةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَكَفَى بِذَلِكَ حُجَّةً فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، كَمَا سَيَأْتِي عَلَى أَثَرِ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ: أَنَّ طَلَبَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنَ الرُّوحَانِيَّاتِ وَعَجَائِبِ الْمُغَيَّبَاتِ؛ كَطَلَبِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ النَّائِيَةِ؛ كَالْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ وَالْبِلَادِ الْقَاصِيَةِ، وَالْمُغَيَّبَاتِ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَصْنَافٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ قَصْدَ أَنْ يَطَّلِعَ الْأَنْدَلُسِيُّ عَلَى قُطْرِ بَغْدَادَ وَخُرَاسَانَ وَأَقْصَى بِلَادِ الصِّينِ؛ فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي مِثْلُهُ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْسُوسَاتِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنُ هَذَا سَائِغًا؛ فَهُوَ مَحْفُوفٌ بِعَوَارِضَ كَثِيرَةٍ، وَقَوَاطِعَ مُعْتَرِضَةٍ تَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمَقْصُودِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ ابْتِلَاءَاتٌ يَبْتَلِي اللَّهُ بِهَا

стр. 1370

عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ١، فَإِذَا وَازَنَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ مَصْلَحَةِ حُصُولِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَيْنَ مَفْسَدَةِ مَا يَعْتَرِضُ٢ صَاحِبَهَا كَانَتْ جِهَةُ الْعَوَارِضِ أَرْجَحَ؛ فَيَصِيرُ طَلَبُهَا مَرْجُوحًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْلُدْ إِلَى طَلَبِهَا الْمُحَقِّقُونَ٣ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، وَلَا رَضُوا بِأَنْ تَكُونَ عِبَادَتُهُمْ يُدَاخِلُهَا أَمْرٌ، حَتَّى بَالَغَ بَعْضُهُمْ؛ فَقَالَ فِي طَلَبِ الثَّوَابِ٤ مَا تَقَدَّمَ، وَأَشَدُّ الْعَوَارِضِ طَلَبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقْتَضِي وَضْعُهَا٥ الْإِخْلَاصَ التَّامَّ فَلَا يَلِيقُ بِهِ طَلَبُ الْحُظُوظِ، فَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ بِالرُّوحَانِيَّاتِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ جِنْسِهِ؛ فَسَارَ كَالْمُسَافِرِ لِيَرَى الْبِلَادَ النَّائِيَةَ، وَالْعَجَائِبَ الْمَبْثُوثَةَ فِي الْأَرْضِ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُجَرَّدُ حَظٍّ لَا عِبَادَةَ فِيهِ، وَمَقْصُودُ الْأَمْرِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ عَاضِدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْعِبَادَةُ فِي الْأَصْلِ، مِنَ التَّحَقُّقِ بِمَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ دَوَاءِ الْحِفْظِ؛ فَقَالَ: تَرْكُ الْمَعَاصِي، وَمِنْ مَشْهُورِ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الطَّاعَةَ تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ٦، كَمَا أَنَّ الشَّرَّ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالشَّرِّ؛ فهل للإنسان
следующие страницы →