Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
الْأَصْلِ هُنَا مِنَ الْإِبَاحَةِ، لِحِكْمَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْمَمْنُوعِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ [هَذَا] الْقِسْمَ مُشَارِكٌ لِمَا قَبْلَهُ فِي وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِكَثْرَةٍ١، فَكَمَا اعْتُبِرَتْ فِي الْمَنْعِ [هُنَاكَ؛ فَلْتُعْتَبَرْ] ٢ هُنَا كَذَلِكَ.
وَأَيْضًا؛ فَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنَ النُّصُوصِ كَثِيرٌ؛ فَقَدْ نَهَى ﵊ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ٣.
وَعَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ٤ بَعْدَ ثَلَاثٍ٥.
стр. 1297
وَعَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ بِتَخْمِيرِ النَّبِيذِ فِيهَا١.
وَبَيَّنَ ﵊ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً؛ فَقَالَ: "لَوْ رَخَّصْتُ فِي هَذِهِ لَأَوْشَكَ أَنَّ تَجْعَلُوهَا مِثْلَ هَذِهِ" ٢، يَعْنِي: أَنَّ النفوس
стр. 1298
لَا تَقِفُ عِنْدَ الْحَدِّ الْمُبَاحِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَوُقُوعُ الْمَفْسَدَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَتْ بِغَالِبَةٍ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَثُرَ وُقُوعُهَا.
وَحَرَّمَ١ ﵊ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ٢.
وَنَهَى عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ٣، وَعَنِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا٤.
стр. 1299
وَعَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وقال: "إنكم إذا فعلتهم ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" ١.
وَحَرَّمَ نِكَاحَ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] .
وحرمت خطبة المعتدة تصريحا ونكاحها٢.
стр. 1300
و [حرم] ١ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَسَائِرَ دَوَاعِي النِّكَاحِ٢، وَكَذَلِكَ الطِّيبُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ للمحرم٣.
стр. 1301
وَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ١.
وَعَنْ هَدِيَّةِ الْمِدْيَانِ٢.
وَعَنْ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ٣.
وَعَنْ تَقَدُّمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ٤.
وَحَرَّمَ صَوْمَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ٥، وَنَدَبَ إِلَى تَعْجِيلِ الْفِطْرِ٦ وَتَأْخِيرِ السحور٧.
стр. 1302
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ذَرِيعَةٌ، وَفِي الْقَصْدِ إِلَى الْإِضْرَارِ وَالْمَفْسَدَةِ فِيهِ كَثْرَةٌ، وَلَيْسَ بِغَالِبٍ وَلَا أَكْثَرِيٍّ١، وَالشَّرِيعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ، وَالتَّحَرُّزِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا إِلَى مَفْسَدَةٍ٢، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ؛ فَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِبِدْعٍ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهَا، رَاجِعٌ إِلَى مَا هُوَ مُكَمِّلٌ؛ إِمَّا لِضَرُورِيٍّ، أَوْ حَاجِيٍّ، أَوْ تَحْسِينِيٍّ، وَلَعَلَّهُ يُقَرَّرُ فِي كتاب الاجتهاد إن شاء الله.
стр. 1303
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
كُلُّ مَنْ كُلِّفَ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ مَعَ الِاخْتِيَارِ١، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَصَالِحَ؛ إِمَّا دِينِيَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ، أَمَّا الدِّينِيَّةُ؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَى قِيَامِ الْغَيْرِ مَقَامَهُ فِيهَا حَسَبَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِيهَا؛ إِذْ لَا يَنُوبُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهَا؛ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنِ الْغَيْرِ بحكم التعيين؛ فلم يكن غيره ملكفًا بِهَا أَصْلًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَيْرُ مُكَلَّفًا بِهَا أَيْضًا؛ لَمَا كَانَتْ مُتَعَيَّنَةً عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ، وَلَا كَانَ مَطْلُوبًا بِهَا أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ، وقد قام بها الغير بحك التَّكْلِيفِ؛ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ مُكَلَّفًا بها، وقد فرضناه مكلفًا بها إلى التَّعْيِينِ، هَذَا خُلْفٌ لَا يَصِحُّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَيْرُ مُكَلَّفًا بِهَا؛ فَإِمَّا عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا كَوْنُهُ عَلَى التَّعْيِينِ فَكَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَيْنًا لَا كِفَايَةً، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا٢، غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَيْهِ عَيْنًا٣ في حالة واحدة، وهو محال.
стр. 1304
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَهُ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ سَاقِطٌ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِتِلْكَ الْمَصَالِحِ أَوْ بِبَعْضِهَا مَعَ اضْطِرَارِهِ إِلَيْهَا؛ فَيَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ الْقِيَامُ بِهَا، وَلِذَلِكَ شُرِعَتِ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِقْرَاضُ، وَالتَّعَاوُنُ، وَغَسْلُ الْمَوْتَى وَدَفْنُهُمْ، وَالْقِيَامُ عَلَى الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهَا عَلَى اسْتِجْلَابِهَا، وَالْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْفَاعِهَا؛ فَعَلَى هَذَا يُقَالُ كُلُّ مَنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ؛ فَعَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ ذَلِكَ الْغَيْرَ ضَرَرٌ؛ فَالْعَبْدُ لَمَّا اسْتَغْرَقَتْ مَنَافِعُهُ مَصَالِحَ سَيِّدِهِ؛ كَانَ سَيِّدُهُ مَطْلُوبًا بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ؛ وَالزَّوْجَةُ كَذَلِكَ صَيَّرَهَا الشَّارِعُ [لِلزَّوْجِ] ١ كَالْأَسِيرِ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَهُوَ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَهَا الْبَاطِنَةَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالظَّاهِرَةَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ عَلَى وَلَدِهِ وَبَيْتِهِ؛ فَكَانَ مُكَلَّفًا بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية٢ [النساء: ٣٤] .
стр. 1305
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَصَالِحِ غَيْرِهِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْدِرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ أَوْ لَا "أَعْنِي الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا"، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ؛ فَلَيْسَ عَلَى الْغَيْرِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ؛ فَالْمَصَالِحُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ حَاصِلَةٌ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُكَلَّفِ، فَطَلَبُ تَحْصِيلِهَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَيْضًا؛ فَمَا تَقَدَّمَ١ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا جارٍ هُنَا، وَمِثَالُ ذَلِكَ السَّيِّدُ، وَالزَّوْجُ، وَالْوَالِدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمَةِ أَوِ الْعَبْدِ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْأَوْلَادُ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ مَنْ تَحْتَ حُكْمِهِ؛ لَمْ يُطْلَبْ غَيْرُهُ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَلَا كُلِّفَ بِهِ، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى مَصَالِحِ غَيْرِهِ؛ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ بِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى٢ لَا تَقْدَحُ في هذا التقدير.
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، أَوْ قَدَرَ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَصَالِحُ الْمُتَعَلِّقَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، فَإِنْ كانت خاصة سقطت، وكانت مصالحه هي المتقدمة؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ شَرْعًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ جارٍ هُنَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، إِلَّا إِذَا أَسْقَطَ حَظَّهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ آخر قد تبين أيضا.
стр. 1306
وَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ عَامَّةً؛ فَعَلَى مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِمُ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يَقُومُوا بِمَصَالِحِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَخِلُّ بِأَصْلِ مَصَالِحِهِمْ، وَلَا يُوقِعْهُمْ فِي مَفْسَدَةٍ تُسَاوِي تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ لِلْمُكَلَّفِ: لَا بُدَّ لَكَ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا يَخُصُّكَ وَمَا يَعُمُّ غَيْرَكَ، أَوْ بِمَا يَخُصُّكَ فَقَطْ، أَوْ بم يَعُمُّ غَيْرَكَ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصْحُّ؛ فَإِنَّا قَدْ فَرَضْنَاهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ، أَوْ مِمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ تُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِهِمَا مَعًا أَصْلًا.
وَالثَّانِي أَيْضًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا؛ إِلَّا إِذَا دَخَلَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إِلَّا بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى تَنَازُعٍ١ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا قِيَامُ الْغَيْرِ بِمَصْلَحَتِهِ الخاصة؛ فذلك واجب عليهم، وإلا٢ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا قِيَامُ الْغَيْرِ بِمَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ؛ فَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا٢؛ لَزِمَ تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ بِإِطْلَاقٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ٣، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَعَيَّنَ عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ التَّجَرُّدُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَفْرُوضَةِ.
فَصْلٌ:
إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الثَّالِثَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى مَنْ كُلِّفَ بِهِ عَلَى أَنْ يَقُومَ الْغَيْرُ بِمَصَالِحِهِ؛ فَالشَّرْطُ فِي قِيَامِهِمْ بِمَصَالِحِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْ جِهَةٍ لَا تُخِلُّ بِمَصَالِحِهِمْ وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهَا أيضا ضرر.
стр. 1307
وَقَدْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ إِذْ جَعَلَ الشَّرْعُ فِي الْأَمْوَالِ مَا يَكُونُ مُرْصَدًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَكُونُ فِيهِ حَقٌّ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلَّا لِمُطْلَقِ الْمَصَالِحِ كَيْفَ اتَّفَقَتْ، وَهُوَ "مَالُ بَيْتِ الْمَالِ"؛ فَيَتَعَيَّنُ لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ هَذَا الْمُكَلَّفِ ذَلِكَ الْوَجْهُ بِعَيْنِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الْأَوْقَافِ مَخْصُوصًا بِمِثْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ فَيَحْصُلُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّرَفَيْنِ؛ إِذْ لَوْ فُرِضَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْقَائِمِ، وَضَرَرٌ عَلَى الْمُقُومِ لَهُمْ.
أَمَّا مَضَرَّةُ الْقَائِمِ؛ فَمِنْ جِهَةِ لِحَاقِ الْمِنَّةِ مِنَ الْقَائِمِينِ إِذَا تَعَيَّنُوا فِي الْقِيَامِ بِأَعْيَانِ الْمَصَالِحِ، وَالْمِنَنُ يَأْبَاهَا أَرْبَابُ الْعُقُولِ الْآخِذُونَ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلِذَلِكَ شَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَانْعِقَادِهَا الْقَبُولَ١، وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: إِذَا وُهِبَ الْمَاءُ لِعَادِمِ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَجَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] ؛ فَجَعَلَ الْمَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُبْطِلُ أَجْرَ الصَّدَقَةِ، وَمَا ذَاكَ٢ إِلَّا لِمَا فِي الْمَنِّ مِنْ إِيذَاءِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي كُلِّ مَا فُرِضَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، هَذَا وَجْهٌ، وَوَجْهٌ ثَانٍ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الظُّنُونِ الْمُتَطَرِّقَةِ، وَالتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ٣ عِنْدَ الْقَبُولِ مِنَ الْمُعَيَّنِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ لِلْقَاضِي وَلَا لِسَائِرِ الْحُكَّامِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ
стр. 1308
الْخَصْمَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أُجْرَةً عَلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا، [وَامْتُنِعَ قَبُولُ هَدَايَا النَّاسِ لِلْعُمَّالِ] ١، وَجَعَلَهَا ﵊ مِنَ الْغُلُولِ٢ الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.
وَأَمَّا مَضَرَّةُ الدَّافِعِ؛ فَمِنْ جِهَةِ كُلْفَةِ الْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ عِنْدَ التَّعْيِينِ، وَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وَلَا ضَابِطَ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا تَصِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّفِ لَهَا أُخَيَّةَ الْجِزْيَةِ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ مَشْرُوعٌ إِذَا كَانَتْ مُوَظَّفَةً عَلَى الرِّقَابِ أَوْ عَلَى الْأَمْوَالِ، هَذَا إِلَى مَا يَلْحَقُ فِي ذَلِكَ مِنْ مُضَادَّةِ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي طُلِبَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفُ بِإِقَامَتِهَا؛ إِذْ كَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَيْلِ لِجِهَةِ الْمُبَالِغِ فِي الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ، فَيَكُونُ سَبَبًا فِي إِبْطَالِ الْحَقِّ وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَصْلَحَةِ، وَلِأَجَلِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ نَفْيُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٠٩] .
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧] .
﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
إِلَى سَائِرِ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَبِالْوَجْهِ الْآخَرِ٣ عُلِّلَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1309
فَصْلٌ:
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ إِذَا قَامَ بِهَا لَحِقَهُ ضَرَرٌ وَمَفْسَدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ بِهَا غَيْرُهُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ اللَّاحِقَةُ لَهُ دُنْيَوِيَّةً لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِهَا غَيْرُهُ؛ فَهِيَ مَسْأَلَةُ التُّرْسِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ فَيَجْرِي فِيهَا خِلَافٌ كَمَا مَرَّ، وَلَكِنَّ قَاعِدَةَ "مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ" شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَقَاعِدَةَ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَاصَّةِ"١ شَاهِدَةٌ بِالتَّكْلِيفِ بِهِ؛ فَيَتَوَارَدَانِ عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ احْتَمَلَ الْمَوْضِعُ الْخِلَافَ.
وَإِنْ فُرِضَ فِي هَذَا النَّوْعِ إِسْقَاطُ الْحُظُوظِ؛ فَقَدْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَاعِدَةُ الْإِيثَارِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا؛ فَمِثْلُ هَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِهَا.
وَالثَّانِي: مَا جَاءَ فِي خُصُوصِ الْإِيثَارِ فِي قِصَّةِ٢ أَبِي طَلْحَةَ فِي تَتْرِيسِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَقَوْلِهِ: "نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ"، وَوِقَايَتِهِ لَهُ حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣، وَإِيثَارِ٤ النَّبِيِّ ﷺ غيره على نفسه في
стр. 1310
مُبَادَرَتِهِ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ دُونَ النَّاسِ، حَتَّى يَكُونَ مُتَّقًى بِهِ١؛ فَهُوَ إِيثَارٌ رَاجِعٌ إِلَى تَحَمُّلِ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ عَنِ الْغَيْرِ، وُوَجْهُ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ هنا في مبادرته ﷺ بِنَفْسِهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَالْجُنَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَفِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ وَقَى بِنَفْسِهِ مَنْ يَعُمَّ بَقَاؤُهُ مَصَالِحَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ٢، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَّا عَدَمُهُ؛ فَتَعُمُّ مَفْسَدَتُهُ الدِّينَ وَأَهْلَهُ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ مَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ٣ النُّورِيُّ حِينَ تَقَدَّمَ إِلَى السياف، وقال: "أوثر أصحابي بحياة الساعة" في القصة٤ المشهورة.
стр. 1311
وَإِنْ كَانَتْ أُخْرَوِيَّةً كَالْعِبَادَاتِ اللَّازِمَةِ عَيْنًا، وَالنَّوَاهِي اللازمة اجْتِنَابُهَا عَيْنًا؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ فِي الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ مُخِلًّا بِهَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالنَّوَاهِي الدِّينِيَّةِ قَطْعًا، أَوْ لَا.
فَإِنْ أَخَلَّ بِهَا لَمْ يَسَعِ الدُّخُولُ فِيهَا إِذَا كَانَ الْإِخْلَالُ بِهَا عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الدِّينِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا أَظُنُّ هَذَا الْقِسْمَ وَاقِعًا؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ وَتَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ مَرْفُوعٌ، وَمِثْلُ هَذَا التَّزَاحُمِ فِي الْعَادَاتِ غَيْرُ وَاقِعٍ.
وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِهَا لَكِنَّهُ أَوْرَثَهَا نَقْصًا مَا بِحَيْثُ يُعَدُّ خِلَافُهُ كَمَالًا؛ فَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَلَا تُعَارِضُ الْمَنْدُوبَاتُ الْوَاجِبَاتِ، كَالْخَطِرَاتِ فِي ذَلِكَ الشُّغْلِ الْعَامِّ تَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ وَتُعَارِضُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ فِيهَا بِقَلْبِهِ وَيَنْظُرَ فِيهَا بِحُكْمِ الْغَلَبَةِ١، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ نَحْوُ هَذَا مِنْ تَجْهِيزِ الْجَيْشِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ٢، وَمِنْ نَحْوِ هَذَا قوله ﵊: "إني
стр. 1312
لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ" ١ الْحَدِيثَ.
وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِهَا وَلَا أَوْرَثَهَا نَقْصًا بَعْدُ وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ؛ فَإِنَّهُ٢ يَحُلُّ مَحَلَّ مَفَاسِدَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ، وَعَوَارِضَ تَطْرُقُهُ؛ فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ المفسد الْوَاقِعَةِ فِي الدِّينِ أَمْ لَا؟ كَالْعَالِمِ يَعْتَزِلُ النَّاسَ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ، وكذلك السلطان أو الولي الْعَدْلُ الَّذِي يَصْلُحُ لِإِقَامَةِ تِلْكَ الْوَظَائِفِ، وَالْمُجَاهِدُ إِذَا قَعَدَ عَنِ الْجِهَادِ خَوْفًا مِنْ قَصْدِهِ طَلَبَ الدُّنْيَا بِهِ أَوِ الْمَحْمَدَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ الترك مؤيدًا إِلَى الْإِخْلَالِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ؛ فَالْقَوْلُ هُنَا بِتَقْدِيمِ الْعُمُومِ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِتَعْطِيلِ٣ مَصَالِحِ الْخَلْقِ أَلْبَتَّةَ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ فَرَضْنَا هَذَا الْخَائِفَ مُطَالِبًا بِهَا؛ فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا الْقِيَامُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُدْخِلُهُ فِي تَكْلِيفِ مَا لَا يُطِيقُهُ أَوْ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَالتَّعَرُّضُ لِلْفِتَنِ وَالْمَعَاصِي رَاجِعٌ إِلَى اتِّبَاعِ هَوَى النَّفْسِ٤ خَاصَّةً، لَا سِيَّمَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ؛ لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ تَرْكٍ، وَالتَّرْكُ لَا يُزَاحِمُ الْأَفْعَالَ فِي تَحْصِيلِهِ، وَالْأَفْعَالُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا الْوَاجِبُ، وَهُوَ يَسِيرٌ؛ فَلَا يَنْحَلُّ عَنْ عُنُقِهِ رِبَاطُ الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَلَا يَرْفَعُهُ عَنْهُ مُجَرَّدُ مُتَابِعَةِ الْهَوَى؛ إِذْ لَيْسَ مِنَ الْمَشَقَّاتِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَوِ الْجِهَادُ عَيْنًا، أَوِ الزَّكَاةُ؛ فَلَا يَرْفَعُ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ خَوْفُ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وإن فرض أن يَقَعُ بِهِ؛ بَلْ يُؤْمَرُ بِجِهَادِ نَفْسِهِ فِي الْجَمِيعِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَصَارَ كَالْمُتَسَبِّبِ
стр. 1313
لِنَفْسِهِ فِي الْهَلَكَةِ، فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى دُخُولِهِ فِيمَا فِيهِ هَلَاكُهُ؟
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ -وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الْعَامِّ- لَجَازَ فِي مِثْلِهِ مِمَّا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، نَعَمْ، قَدْ يُقَالُ: إِذَا كَانَ فِي دُخُولِهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى مِنْ ظُلْمٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ؛ فَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَهُوَ سَبَبٌ لِعَزْلِهِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ عَدَالَتِهِ الطَّارِئَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَاقِطًا عَنْهُ بِسَبَبِ الْخَوْفِ، وَإِنَّمَا حَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ وَاقِعٌ١ فِي مُخَالَفَةٍ أَسْقَطَتْ عَدَالَتَهُ؛ فَلَمْ تَصِحَّ إِقَامَتُهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.
وَأَمَّا إِنْ فُرِضَ أَنَّ عَدَمَ إِقَامَتِهِ لَا يُخِلُّ بالمصحلة الْعَامَّةِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ مَثَلًا مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا؛ فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ، قَدْ يُرَجَّحُ جَانِبُ السَّلَامَةِ مِنَ الْعَارِضِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ جَانِبُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً؛ فَلَا يَنْحَتِمُ عَلَيْهِ طَلَبٌ، وَبَيْنَ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ فِي إِقَامَةِ الْمَصْلَحَةِ وَغَنَاءٌ لَيْسَ لِغَيْرِهِ -وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ غَنَاءٌ أَيْضًا- فَيَنْحَتِمُ أَوْ يَتَرَجَّحُ الطَّلَبُ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ التَّوَازُنُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، فَمَا رَجَحَ مِنْهَا غَلَبَ، وَإِنِ اسْتَوَيَا كَانَ مَحَلَّ إِشْكَالٍ وَخِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، قَائِمٍ مِنْ مَسْأَلَةِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ رَاجِحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً.
فَصْلٌ:
وَقَدْ تَكُونُ الْمَفْسَدَةُ مِمَّا يُلْغَى مِثْلُهَا فِي جَانِبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ مِثَالٌ وَاقِعٌ:
حَكَى عِيَاضٌ فِي "الْمَدَارِكِ"٢ أَنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ فَنَاخُسْرُو الدَّيْلَمِيَّ بَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَالْقَاضِي ابْنِ الطَّيِّبِ لِيَحْضُرَا مَجْلِسَهُ لِمُنَاظَرَةِ الْمُعْتَزِلَةِ،
стр. 1314
فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَيْهِمَا؛ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرَةٌ فَسَقَةٌ -لِأَنَّ الدَّيْلَمَ كَانُوا رَوَافِضَ- لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَطَأَ بِسَاطَهُمْ، وَلَيْسَ غَرَضُ الْمَلِكِ مِنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَجْلِسَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَصْحَابِ الْمَحَابِرِ كُلِّهِمْ، وَلَوْ كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ لَنَهَضْتُ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الطَّيِّبِ: فَقُلْتُ لَهُمْ: كَذَا قَالَ١ الْمُحَاسِبِيُّ وَفُلَانٌ وَمَنْ فِي عَصْرِهِمْ: "إِنَّ الْمَأْمُونَ فَاسِقٌ لَا نَحْضُرُ٢ مَجْلِسَهُ"؛ حَتَّى سَاقَ٣ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ إِلَى طَرَسُوسَ وَجَرَى عَلَيْهِ٤ مَا عُرِفَ، وَلَوْ نَاظَرُوهُ لَكَفُّوهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ مَا هُمْ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ، وَأَنْتَ أَيْضًا أَيُّهَا الشَّيْخُ تَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ؛ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مَا جَرَى عَلَى أَحْمَدَ، وَيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَهَا أَنَا خَارِجٌ إِنْ لَمْ تَخْرُجْ. فَقَالَ الشَّيْخُ: "إِذْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ لِهَذَا؛ فَاخْرُجْ" إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ.
فَمِثْلُ هَذَا إِذَا اتَّفَقَ يُلْغِي٥ فِي جَانِبِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ مَا يَقَعُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَفَاسِدِ؛ فَلَا يَكُونُ لَهَا اعْتِبَارٌ٦، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي يَعُودُ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْكُلِّيِّ بِالْإِخْلَالِ وَالْفَسَادِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
стр. 1315
المسألة الثامنة:
التكاليف إذا علم قصد المصحلة فِيهَا؛ فَلِلْمُكَلَّفِ فِي الدُّخُولِ تَحْتَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا:
أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَا فَهِمَ مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِهَا؛ فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَلِّيَهُ مِنْ قَصْدِ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ مَصَالِحَ الْعِبَادِ إِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ التَّعَبُّدِ؛ إِذْ لَيْسَتْ بِعَقْلِيَّةٍ، حَسَبَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ١، وَإِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِمَقْصُودِ التَّعَبُّدِ، فَإِذَا اعْتُبِرَ صَارَ أَمْكَنَ فِي التَّحَقُّقِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَبْعَدَ عَنْ أَخْذِ الْعَادِيَّاتِ لِلْمُكَلَّفِ؛ فَكَمْ مِمَّنْ فَهِمَ الْمَصْلَحَةَ فَلَمْ يَلْوِ عَلَى غَيْرِهَا؛ فَغَابَ عَنْ أَمْرِ الْآمِرِ بِهَا؟ وَهِيَ غَفْلَةٌ تُفَوِّتُ خَيْرَاتٍ كَثِيرَةً، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُهْمِلِ التَّعَبُّدَ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمَصَالِحَ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى انْحِصَارِهَا فِيمَا ظَهَرَ، إِلَّا دَلِيلٌ نَاصٌّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمَا أَقَلَّهُ إِذَا نُظِرَ فِي مَسْلَكِ الْعِلَّةِ النَّصِّيِّ٢؛ إِذْ يَقِلُّ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: "لَمْ أَشْرَعْ هذا الحكم إلا لهذا الْحِكَمِ"٣، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَصْرُ، أَوْ ثَبَتَ فِي مَوْضِعٍ مَا وَلَمْ يَطَّرِدْ؛ كَانَ قَصْدُ تِلْكَ الْحِكْمَةِ رُبَّمَا أَسْقَطَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ أَيْضًا مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، فَنَقَصَ عَنْ كَمَالِ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَا عَسَى أَنْ يَقْصِدَهُ الشَّارِعُ، مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَوْ لم
стр. 1316
يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَكْمَلُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا فَاتَهُ النَّظَرُ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَالْقَصْدُ إليه في التعبد، فإن الذي يعلم أنه هَذَا الْعَمَلَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ كَذَا، ثُمَّ عَمِلَ لِذَلِكَ الْقَصْدِ؛ فَقَدْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ قَاصِدًا لِلْمَصْلَحَةِ، غَافِلًا عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فِيهَا؛ فَيُشْبِهُ مَنْ عَمِلَهَا مِنْ غَيْرِ وُرُودِ أَمْرٍ١، وَالْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَمَلُهُ عَادِيٌّ فَيَفُوتُ قَصْدُ التَّعَبُّدِ، وَقَدْ يَسْتَفِزُّهُ فِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُدْخِلُ عَلَيْهِ قَصْدَ التَّقَرُّبِ إِلَى الْمَخْلُوقِ، أَوِ الْوَجَاهَةِ٢ عِنْدَهُ، أَوْ نَيْلِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمُرْدِيَةِ بِالْأَجْرِ، وَقَدْ يَعْمَلُ هُنَالِكَ لِمُجَرَّدِ حَظِّهِ؛ فَلَا يَكْمُلُ٣ أَجْرُهُ كَمَالَ مَنْ يَقْصِدُ التَّعَبُّدَ.
وَالثَّالِثُ:
أَنْ يَقْصِدَ مُجَرَّدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، فَهِمَ قَصَدَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ لَمْ يَفْهَمْ؛ فَهَذَا أَكْمَلُ وَأَسْلَمُ.
أَمَّا كَوْنُهُ أَكْمَلَ؛ فَلِأَنَّهُ نَصَبَ نَفْسَهُ عَبْدًا مُؤْتَمِرًا، وَمَمْلُوكًا مُلَبِّيًا؛ إِذْ لم يعتبر [إلا مجرد الأمر] ٤.
أيضا، فَإِنَّهُ لَمَّا امْتَثَلَ الْأَمْرَ؛ فَقَدْ وَكَّلَ الْعِلْمَ بِالْمَصْلَحَةِ إِلَى الْعَالِمِ بِهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَلَمْ يَكُنْ لِيَقْصُرَ الْعَمَلَ عَلَى بَعْضِ الْمَصَالِحِ دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَصْلَحَةٍ تَنْشَأُ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ؛ فَصَارَ مُؤْتَمِرًا فِي٥ تَلْبِيَّتِهِ الَّتِي لَمْ يُقَيِّدْهَا بِبَعْضِ الْمَصَالِحِ دُونَ بعض.
стр. 1317
وَأَمَّا كَوْنُهُ أَسْلَمَ؛ فَلِأَنَّ الْعَامِلَ بِالِامْتِثَالِ عَامِلٌ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، وَاقِفٌ عَلَى مَرْكَزِ الْخِدْمَةِ١، فَإِنْ عَرَضَ لَهُ قَصْدُ غَيْرِ اللَّهِ رَدَّهُ قَصْدُ٢ التَّعَبُّدِ، بَلْ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي الْأَكْثَرِ، إِذَا عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَمِلَ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عَدَّ نَفْسَهُ هُنَالِكَ وَاسِطَةً بَيْنَ الْعِبَادِ وَمَصَالِحِهِمْ، وَإِنْ كَانَ وَاسِطَةً لِنَفْسِهِ أَيْضًا؛ فَرُبَّمَا دَاخَلَهُ شَيْءٌ مِنَ اعْتِقَادِ الْمُشَارَكَةِ؛ فَتَقُومُ لِذَلِكَ نَفْسُهُ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ حَظَّهُ هُنَا مَمْحُوٌّ مِنْ جِهَتِهِ، بِمُقْتَضَى وُقُوفِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْحُظُوظِ طَرِيقٌ إِلَى دُخُولِ الدَّوَاخِلِ، وَالْعَمَلُ عَلَى إِسْقَاطِهَا طَرِيقٌ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، وَلِهَذَا بسط في كتاب الأحكام، وبالله التوفيق.
стр. 1318
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:
كُلُّ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ فَلَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى حَالٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ؛ فَلَهُ فِيهِ الْخِيَرَةُ.
أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَالدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ وَلَا تَرْجِعُ لِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ كَثِيرَةٌ، وَأَعْلَاهَا الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ وَمَصَادِرِهَا؛ كَالطَّهَارَةِ عَلَى أَنْوَاعِهَا، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي أَعْلَاهُ الْجِهَادُ١، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ٢ حَقُّ الْغَيْرِ مِنَ الْعِبَادِ، وَكَذَلِكَ الْجِنَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا الْوِزَانِ، جَمِيعُهَا لَا يَصِحُّ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ طَمِعَ أَحَدٌ فِي أَنْ يُسْقِطَ طَهَارَةً لِلصَّلَاةِ أَيَّ طَهَارَةٍ كَانَتْ، أَوْ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، أَوْ زَكَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَبَقِيَ مَطْلُوبًا بِهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَقَصَّى عَنْ عُهْدَتِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ حَاوَلَ اسْتِحْلَالَ مَأْكُولٍ حَيٍّ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ٣ ذَكَاةٍ، أَوْ إِبَاحَةَ مَا حَرَّمَ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ، أَوِ اسْتِحْلَالَ نِكَاحٍ بِغَيْرِ وَلِيٍّ أَوْ صَدَاقٍ، أَوِ الرِّبَا، أَوْ سَائِرَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، أَوْ إسقاط حد الزنى أَوِ الْخَمْرِ أَوِ الْحِرَابَةِ، أَوِ الْأَخْذَ بِالْغُرْمِ وَالْأَدَاءِ عَلَى الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي مَجْمُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ حَتَّى إِذَا كَانَ الْحُكْمُ دَائِرًا بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ؛ لَمْ يَصِحَّ لِلْعَبْدِ إِسْقَاطُ حَقِّهِ إِذَا أَدَّى إلى إسقاط حق الله.
стр. 1319
فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُعْتَرَضُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ مَثَلًا: إِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ ثَابِتٌ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَمَالِ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَبَقَاءِ مَالِهِ فِي يَدِهِ، فَإِذَا أُسْقِطَ ذَلِكَ بِأَنْ سُلِّطَ يَدُ الْغَيْرِ عَلَيْهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ قُلْتَ "لَا" وَهُوَ الْفِقْهُ؛ كَانَ نَقْضًا لِمَا أَصَّلْتَ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَإِذَا أَسْقَطَهُ اقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي إِسْقَاطِهِ، وَالْفِقْهُ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْتَ: "نَعَمْ" خَالَفْتَ الشَّرْعَ؛ إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَلَا أَنْ يَفُوتَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلَا مَالًا مِنْ مَالِهِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] .
ثُمَّ توعد عليه، وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] .
وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَحَرَّمَ شُرْبَ الْخَمْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَصْلَحَةِ الْعَقْلِ بُرْهَةً؛ فَمَا ظَنُّكَ بِتَفْوِيتِهِ جُمْلَةً؟ وَحَجَرَ عَلَى مُبَذِّرِ الْمَالِ، وَنَهَى ﵊ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ١؛ فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِيهِ الْخِيَرَةُ.
لِأَنَّا نُجِيبُ بِأَنَّ إِحْيَاءَ النُّفُوسِ وَكَمَالَ الْعُقُولِ وَالْأَجْسَامِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادِ، لَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدٍ حَيَاتَهُ وَجِسْمَهُ وَعَقْلَهُ الَّذِي٢ بِهِ يَحْصُلُ [لَهُ] ٣ مَا طُلِبَ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ لِلْعَبْدِ إِسْقَاطُهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُبْتَلَى الْمُكَلَّفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَسْبِهِ ولا تسببه، وفات بسبب
стр. 1320
ذَلِكَ نَفْسُهُ أَوْ عَقْلُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ فَهُنَالِكَ يَتَمَحَّضُ حَقُّ الْعَبْدِ؛ إِذْ مَا وقع مما لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فَلَهُ الْخِيَرَةُ فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَقًّا مُسْتَوْفًى فِي العير كَدَيْنٍ مِنَ الدُّيُونِ، فَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَتَرْكُهُ هُوَ الْأَوْلَى إِبْقَاءً عَلَى الْكُلِّيِّ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشُّورَى: ٤٣] .
وَقَالَ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشُّورَى: ٤٠] .
وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ إِنَّمَا هِيَ جَبْرٌ لِمَا فَاتَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ أَوْ جَسَدِهِ؛ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ قَدْ فَاتَ وَلَا جَبْرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ مِمَّا يُمْكِنُ رَفْعُهُ كَالْأَمْرَاضِ إِذَا كَانَ التَّطَبُّبُ غَيْرَ واجب ودفع المظالم عَنْكَ غَيْرُ وَاجِبٍ١ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٍ فِي الْفِقْهِيَّاتِ، وَأَمَّا الْمَالُ؛ فَجَارٍ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ الْحَقُّ لِلْعَبْدِ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٠] . بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ فَأَرَادَ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِتْلَافَهُ فِي غَيْرِ مَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ يُبِيحُهُ الشَّارِعُ؛ فَلَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْحَلَالِ وَتَحْلِيلُ٢ الْحَرَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ مُبْتَدَأٌ وَإِنْشَاءُ كُلِّيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أَلْزَمَهَا الْعِبَادَ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا تَحَكُّمٌ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْعُقُولِ تَحْسِينٌ وَلَا تَقْبِيحٌ تُحَلِّلُ بِهِ أَوْ تُحَرِّمُ؛ فَهُوَ مُجَرَّدُ تَعَدٍّ فِيمَا لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ نَصِيبٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيهِ خِيَرَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ، فَلَا شَيْءَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ إِلَّا وَفِيهِ لِلَّهِ حَقٌّ؛ فَيَقْتَضِي أن ليس للعبد إسقاطه،
стр. 1321
فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا التَّقْرِيرِ حَقٌّ وَاحِدٌ يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهِ مُخَيَّرًا؛ فَقِسْمُ الْعَبْدِ إِذَا ذَاهِبٌ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا قِسْمٌ وَاحِدٌ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الْوَاحِدَ هُوَ الْمُنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حَقًّا لَهُ بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ ذَلِكَ لَهُ، لَا بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ١ هذا المعنى مبسوطًا في الْكِتَابِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمِنْ هُنَا ثَبَتَ لِلْعَبْدِ حَقٌّ وَلِلَّهِ حَقٌّ.
فَأَمَّا مَا هُوَ لِلَّهِ صِرْفًا٢؛ فَلَا مَقَالَ فِيهِ لِلْعَبْدِ.
وَأَمَّا مَا هُوَ لِلْعَبْدِ؛ فَلِلْعَبْدِ فِيهِ الِاخْتِيَارُ مِنْ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالِاخْتِيَارِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا تَخْيِيرُ الْعَبْدِ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ اخْتِيَارُهُ فِي أَنْوَاعِ الْمُتَنَاوَلَاتِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ حَلَالٌ لَهُ، وَفِي أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْمُطَالَبَاتِ بِالْحُقُوقِ؛ فَلَهُ إِسْقَاطُهَا وَلَهُ الِاعْتِيَاضُ٣ منها والتصرف فيما بيده من
стр. 1322
غَيْرِ حَجْرٍ عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى ما ألف من محاسن العبادات، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ كُلُّهُ فِي فَهْمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعِبَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ١، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
стр. 1323
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ ١:
التَّحَيُّلُ بِوَجْهٍ سَائِغٍ مَشْرُوعٍ فِي الظَّاهِرِ أَوْ غَيْرِ سَائِغٍ عَلَى إِسْقَاطِ حُكْمِ أَوْ قَلْبِهِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ، بِحَيْثُ لَا يَسْقُطُ أَوْ لَا يَنْقَلِبُ إِلَّا مَعَ تِلْكَ الْوَاسِطَةِ، فَتُفْعَلُ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى ذَلِكَ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ؛ فَكَأَنَّ التَّحَيُّلَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: قَلْبُ أَحْكَامِ الْأَفْعَالِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ.
وَالْأُخْرَى: جَعْلُ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودِ بِهَا فِي الشَّرْعِ مَعَانٍ وَسَائِلَ إِلَى قَلْبِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ؛ هَلْ٢ يَصِحُّ شَرْعًا الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهِ أَمْ لَا؟
وَهُوَ٣ مَحَلٌّ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَقَبْلَ النَّظَرِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ عَدَمِهَا٤ لَا بُدَّ مِنْ شَرْحِ هَذَا الِاحْتِيَالِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ أَشْيَاءَ وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ؛ إِمَّا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَلَا تَرْتِيبٍ عَلَى سَبَبٍ؛ كَمَا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ وأشباه ذلك،
стр. 1324
و [كما] ١ حرم الزنى وَالرِّبَا وَالْقَتْلَ وَنَحْوَهَا، وَأَوْجَبَ أَيْضًا أَشْيَاءَ مُرَتَّبَةً٢ عَلَى أَسْبَابٍ، وَحَرَّمَ أُخَرَ كَذَلِكَ؛ كَإِيجَابِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَالْوَفَاءِ بِالنُّذُورِ، وَالشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ، وَكَتَحْرِيمِ الْمُطَلَّقَةِ، وَالِانْتِفَاعِ بِالْمَغْصُوبِ أَوِ الْمَسْرُوقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِذَا تَسَبَّبَ الْمُكَلَّفُ فِي إِسْقَاطِ ذَلِكَ الْوُجُوبِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ، بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّسَبُّبِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الظَّاهِرِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ حَلَالًا فِي الظَّاهِرِ أَيْضًا.
فَهَذَا التَّسَبُّبُ يُسَمَّى حِيلَةً وَتَحَيُّلًا، كَمَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، فَأَرَادَ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي إِسْقَاطِهَا كُلِّهَا بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ دَوَاءٍ مُسْبِتٍ٣، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ فَاقِدٌ لِعَقْلِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، أَوْ قَصْرِهَا فَأَنْشَأَ سَفَرًا لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَظَلَّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَسَافَرَ لِيَأْكُلَ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِهِ فَوَهَبَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِتْلَافِ كَيْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَمَا لَوْ أَرَادَ وَطْءَ جَارِيَةِ الْغَيْرِ فَغَصَبَهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا فَوَطِئَهَا بِذَلِكَ، أَوْ أَقَامَ شهود زور على تزويج بكر برضاها قضى الْحَاكِمُ بِذَلِكَ ثُمَّ وَطِئَهَا٤، أَوْ أَرَادَ بَيْعَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَقْدًا بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ فَجَعَلَ العشرة
стр. 1325
ثَمَنًا لِثَوْبٍ ثُمَّ بَاعَ الثَّوْبَ مِنَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ أَرَادَ قَتْلَ فُلَانٍ فَوَضَعَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ سَبَبًا مُجَهَّزًا كَإِشْرَاعِ الرُّمْحِ١ وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَالْفِرَارِ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِهِبَةِ الْمَالِ أَوْ إِتْلَافِهِ أَوْ جَمْعِ مُتَفَرِّقِهِ أَوْ تَفْرِيقِ مُجْتَمِعِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَمْثِلَةِ فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ٢، وَمِثْلُهُ جارٍ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ؛ كَالزَّوْجَةِ تُرْضِعُ جَارِيَةَ الزَّوْجِ أَوِ الضُّرَّةِ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ، أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ لَا يَثْبُتُ؛ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي قَالَبِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ تَحَيُّلٌ عَلَى قَلْبِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ شَرْعًا إِلَى أَحْكَامٍ أُخَرَ، بِفِعْلٍ صَحِيحِ الظَّاهِرِ لَغْوٍ فِي الْبَاطِنِ، كَانَتِ الْأَحْكَامُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ أَوْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ.
стр. 1326
المسألة الحادية عشرة:
لحيل فِي الدِّينِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِي الْجُمْلَةِ١، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَا يَنْحَصِرُ من الكتاب والسنة، لكن في خصوصات٢ يُفْهَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا مَنْعُهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا عَلَى الْقَطْعِ.
فَمِنَ الْكِتَابِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ؛ فَذَمَّهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَشَنَّعَ عَلَيْهِمْ، وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ إِحْرَازًا لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَا لِمَا قُصِدَ لَهُ فِي الشَّرْعِ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ عَلَى اخْتِيَارٍ وَتَصْدِيقٍ قَلْبِيٍّ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى كَانُوا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
وَقِيلَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩] .
وَقَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤] ؛ لِأَنَّهُمْ تَحَيَّلُوا بِمُلَابَسَةِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ إِلَى أَغْرَاضِهِمُ الْفَاسِدَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهِمْ: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٤] .
وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النِّسَاءِ: ٣٨] .
وَقَالَ: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٢] ؛ فذم
стр. 1327
وَتَوَعَّدَ١ لِأَنَّهُ إِظْهَارٌ لِلطَّاعَةِ لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ٢ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [الْقَلَمِ: ١٧-٢٠] ؛ لَمَّا احْتَالُوا على إمساك حق المساكين بما قَصَدُوا الصِّرَامَ فِي غَيْرِ وَقْتِ إِتْيَانِهِمْ٣؛ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِهْلَاكِ مَالِهِمْ.
وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآية [البقرة: ٦٥] . وَأَشْبَاهَهَا؛ لِأَنَّهُمُ احْتَالُوا لِلِاصْطِيَادِ فِي السَّبْتِ بِصُورَةِ٤ الِاصْطِيَادِ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] .
وَفُسِّرَتْ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَرْتَجِعَ الْمَرْأَةَ يقصد بذلك مضارتها،
стр. 1328
بِأَنْ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تُشَارِفَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا حَتَّى تُشَارِفَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَهَكَذَا لَا يَرْتَجِعُهَا لِغَرَضٍ لَهُ فِيهَا سِوَى الْإِضْرَارِ بِهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨] أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِ عَدَدٍ؛ فَكَانَ الرَّجُلُ يَرْتَجِعُ الْمَرْأَةَ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا كَذَلِكَ قَصْدًا؛ فَنَزَلَتِ١: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٩] ، وَنَزَلَ مَعَ ذَلِكَ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] فِيمَنْ كَانَ يُضَارُّ الْمَرْأَةَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا حِيَلٌ عَلَى بُلُوغِ غَرَضٍ٢ لَمْ يُشْرَعْ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢] ، يَعْنِي بِالْوَرَثَةِ بِأَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ احْتِيَالًا عَلَى حِرْمَانِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا ٣ أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] .
وقوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية [النساء: ١٩] .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا المعنى.
стр. 1329
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ: قَوْلُهُ ﵊: "لَا يجمع بين متفرق ولا يفرق بن مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" ١؛ فَهَذَا نَهْيٌ عَنِ الِاحْتِيَالِ لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ أَوْ تَقْلِيلِهِ.
وَقَالَ: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، يَسْتَحِلُّونَ مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" ٢.
وَقَالَ: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ٣ أَنْ تَسْبِقَ؛ فَهُوَ قِمَارٌ"٤.
وَقَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا٥ وباعوها وأكلوا أثمانها"٦.
стр. 1330
وَقَالَ: "ليشربنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ١ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ منهم القردة والخنازير ط٢.
وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَرْفُوعًا: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا، والسحت
стр. 1331
بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ، وَالزِّنَى بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ"١.
وَقَالَ: "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ٢، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"٣.
стр. 1332
.................................................................
стр. 1333
وَقَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" ١.
وَقَالَ: "لعن الله الراشي والمرتشي" ٢.
стр. 1334
وَنَهَى عَنْ هَدِيَّةِ المَدْيَان؛ فَقَالَ: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ؛ فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهَا إِلَّا أَنْ يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" ١.
стр. 1335
وَقَالَ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" ١.
وَجَعَلَ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولًا٢، وَنَهَى٣ عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ٤.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
следующие страницы →