← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فَأَوْضَحُ، فَإِنَّ لِلشَّارِعِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى كَيْفَ يشاء؛ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَقَدْ فَرَضُوا فِي كِتَابِ الأخبار مسألة مختلفًا فيها، تر جع إِلَى الْوِفَاقِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَقَالُوا: خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا كَمُلَتْ شُرُوطَ صِحَّتِهِ؛ هَلْ يَجِبُ عَرْضُهُ عَلَى الْكِتَابِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ١: "لا يجب؛ لأنه لا تتكامل شروطه إلى وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ". وَعِنْدَ عِيسَى بْنِ أَبَانٍ٢ يَجِبُ، مُحْتَجًّا بِحَدِيثٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: "إِذَا رُوِيَ لَكُمْ حَدِيثٌ؛ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ، وَإِلَّا؛ فردّوه"٣.

стр. 1402

فَهَذَا الْخِلَافُ كَمَا تَرَى رَاجِعٌ إِلَى الْوِفَاقِ١، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي دَلِيلِ السُّنَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِلْمَسْأَلَةِ٢ أَصْلٌ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَقَدْ رَدَّتْ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا] حَدِيثَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عليه" ٣ بهذا الأصل نفسه؛

стр. 1403

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٨، ٣٩] . وردَّتْ حَدِيثَ١ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِرَبِّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ

стр. 1404

الْأَبْصَارُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٣] ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ؛ لِاسْتِنَادِهِ١ إِلَى أَصْلٍ آخَرَ لَا يُنَاقِضُ الْآيَةَ، وَهُوَ ثُبُوتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ بِأَدِلَّةٍ قُرْآنِيَّةٍ وَسُنِّيَّةٍ تَبْلُغُ الْقَطْعَ، وَلَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وردَّتْ هِيَ وَابْنُ عَبَّاسٍ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ٢؛ اسْتِنَادًا إِلَى أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ رَفْعُ الْحَرَجِ وَمَا لَا طَاقَةَ بِهِ٣ عَنِ الدِّينِ؛ فلذلك قالا: "فكيف يصنع بالمهراس"٤؟

стр. 1405

................................................................

стр. 1406

وَرَدَّتْ أَيْضًا خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي الشُّؤْمِ، وَقَالَتْ: "إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ"١؛ لِمُعَارَضَتِهِ الْأَصْلَ الْقَطْعِيَّ، أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَلَا طيرة ولا عدوى. وقد اخْتَلَفُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَأُخْبِرَ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِهَا، فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ؛ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ إِلَّا مُهَاجِرَةُ الْفَتْحِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى رُجُوعِهِ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرارًا مَنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ "؛ فَهَذَا اسْتِنَادٌ فِي رَأْيٍ اجْتِهَادِيٍّ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، قَالَ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرَكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ"٢؛ فَهَذَا اسْتِنَادٌ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْأَسْبَابَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِرَعْيِ الْعُدْوَةِ الْمُجْدِبَةِ وَالْعُدْوَةِ الْمُخْصِبَةِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ بِقَدَرِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بحديث٢ الوباء الحاوي لاعتبار الأصلين.

стр. 1407

وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَفِي اعْتِبَارِ السَّلَفِ لَهُ نَقْلٌ كَثِيرٌ. وَلَقَدِ اعْتَمَدَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لِصِحَّتِهِ فِي الِاعْتِبَارِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا١: "جاء الحديث ولا

стр. 1408

أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ؟ "، وَكَانَ يُضَعِّفُهُ وَيَقُولُ: "يُؤْكَلُ صيده؛ فكيف نكره لُعَابُهُ؟ "١. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَرْجِعُ قَوْلُهُ في حديث خيار المجلس٢؛ حيث قال

стр. 1409

بَعْدَ ذِكْرِهِ: "وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ"١ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَجْلِسَ مَجْهُولُ الْمُدَّةِ، وَلَوْ شَرَطَ أَحَدٌ الْخِيَارَ مُدَّةً مَجْهُولَةً لَبَطَلَ إِجْمَاعًا؛ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ شَرْطًا بِالشَّرْعِ؟ ٢ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى أَصْلٍ إِجْمَاعِيٍّ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ قَطْعِيَّةٌ، وَهَى تُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ٣ الظَّنِّيَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ٤ أَثْبَتَ مَالِكٌ خِيَارَ المجلس في التمليك٥ قيل: الطلاق

стр. 1410

يُعَلَّقُ عَلَى الْغَرَرِ، وَيَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ١؛ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا أَهْمَلَ اعْتِبَارَ حَدِيثِ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" ٢، وَقَوْلِهِ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دِينٌ؟ " ٣ الْحَدِيثَ؛ لِمُنَافَاتِهِ لِلْأَصْلِ الْقُرْآنِيِّ الْكُلِّيِّ٤، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٨، ٣٩] ، كَمَا اعْتَبَرَتْهُ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ٥. وَأَنْكَرَ مَالِكٌ حَدِيثَ إِكْفَاءِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ قَبْلَ الْقَسَمِ٦ تَعْوِيلًا عَلَى أَصْلِ رَفْعِ الْحَرَجِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ بالمصالح المرسلة؛ فأجاز

стр. 1411

أكل الطعام١ قبل القسم٢ لمن احتاج إليه، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ٣. وَنَهَى عَنْ صِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مَعَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ٤ فِيهِ؛ تَعْوِيلًا عَلَى أَصْلِ٥ سَدِّ الذَّرَائِعِ٦. وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِي الرَّضَاعِ خَمْسًا وَلَا عَشْرًا؛ لِلْأَصْلِ٧ الْقُرْآنِيِّ فِي قوله:

стр. 1412

﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] . وَفِي مَذْهَبِهِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ. وَهُوَ أَيْضًا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ قَدَّمَ خَبَرَ١ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقِيَاسِ، إِذْ لَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَرَدَّ خَبَرَ٢ الْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الأصول، لأن الأصول قطعية وخبر الواحد

стр. 1413

ظَنِّيٌّ، وَالْعِتْقُ حِلٌّ فِي هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ بَعْدَ مَا نَزَلَ فِي الْمَحَلِّ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ؛ فَلِذَلِكَ رَدَّهُ. كَذَا قَالُوا١. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ٢: "إِذَا جَاءَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُعَارِضًا لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ؛ هَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وَتَرَدَّدَ مَالِكٌ فِي الْمَسْأَلَةِ". قَالَ: "وَمَشْهُورُ قَوْلِهِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنْ عَضَّدَتْهُ قَاعِدَةٌ أُخْرَى قَالَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ تَرَكَهُ". ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَالِكٍ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ؛ قَالَ٣: "لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَارَضَ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ" أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] . الثاني: أَنَّ عِلَّةَ الطَّهَارَةِ هِيَ الْحَيَاةُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي الْكَلْبِ. وَحَدِيثُ الْعَرَايَا٤ إِنْ صَدَمَتْهُ قَاعِدَةُ الربا عضدته قاعدة المعروف".

стр. 1414

وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ مَنْعِ بيع الرطب بالتمر١ لتلك العلة أيضا.

стр. 1415

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ١: "كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ"، قَالَ: "لِأَنَّهُ كان يذهب في ذلك إلى عرضها مَا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ؛ فَمَا شَذَّ مِنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا".

стр. 1416

وَقَدْ رَدَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ مُقْتَضَى حَدِيثِ١ المُصَرَّاة وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِمَا رَآهُ٢ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ، فَإِنَّهُ قَدْ خَالَفَ أَصْلَ٣: "الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ" ٤، وَلِأَنَّ متلف

стр. 1417

الشَّيْءِ إِنَّمَا يُغَرَّمُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، وَأَمَّا غُرْمُ جِنْسٍ آخَرَ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الْعُرُوضِ؛ فَلَا١. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهِ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ وَلَا الثَّابِتِ"٢، وَقَالَ بِهِ فِي الْقَوْلِ الآخر شهادة بأنه لَهُ أَصْلًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ يَصِحُّ رَدُّهُ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يُضَادُّ هَذِهِ الْأُصُولُ الْأُخَرَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ؛ ظَهَرَ وَجْهُ٣ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شاء الله.

стр. 1418

وَأَمَا الرَّابِعُ١، وَهُوَ الظَّنِّيُّ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ وَلَا يُعَارِضُ أَصْلًا قَطْعِيًّا؛ فَهُوَ فِي مَحَلِّ النَّظَرِ، وَبَابُهُ٢ بَابُ الْمُنَاسِبِ الْغَرِيبِ؛ فَقَدْ يُقَالُ: لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ شَرْعٍ عَلَى غَيْرِ مَا عُهِدَ فِي مِثْلِهِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَهَذَانَ يُوهِنَانِ التَّمَسُّكَ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الرِّيبَةِ؛ فَلَا يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ ظَنُّ ثُبُوتِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ مُعَارِضٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ؛ إِذْ٣ كَانَ عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ مُخَالَفَةً، وَكُلُّ مَا خَالَفَ أَصْلًا قَطْعِيًّا مَرْدُودٌ؛ فَهَذَا مَرْدُودٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يُوَجِّهَ الْإِعْمَالَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ عَلَى الْجُمْلَةِ ثَابِتٌ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِأَصْلٍ؛ فَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّ عَضَّدَ الرَّدَّ عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ عَضَّدَ الْقَبُولَ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ؛ فَيَتَعَارَضَانِ وَيَسْلَمُ أَصْلُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ فِي الحديث قوله عليه الصلاة

стр. 1419

وَالسَّلَامُ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" ١، وَقَدْ أَعْمَلَ الْعُلَمَاءُ الْمُنَاسِبَ الْغَرِيبَ فِي أَبْوَابِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي بَابِهِ، فَذَلِكَ غَيْرُ ضَائِرٍ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ. فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأَصْلِ الْقَطْعِيِّ لَيْسَ بِإِقَامَةِ٢ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِهِ؛ كَالدَّلِيلِ على أن العمل بخبر الواحد أبو بِالْقِيَاسِ وَاجِبٌ مَثَلًا، بَلِ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَخَصُّ٣ مِنْ ذَلِكَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" ٤ وَالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُ، وَهُوَ٥ مَعْنًى مُخَالِفٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ الْأُصُولِيُّونَ، والله أعلم.

стр. 1420

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تُنَافِي قَضَايَا الْعُقُولِ١، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا ٢: أَنَّهَا لَوْ نَافَتْهَا؛ لَمْ تَكُنْ أَدِلَّةً لِلْعِبَادِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، لَكِنَّهَا أَدِلَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ؛ فَدَلَّ [عَلَى] ٣ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى قَضَايَا الْعُقُولِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ إِنَّمَا نُصِبَتْ فِي الشَّرِيعَةِ لِتَتَلَقَّاهَا عُقُولُ الْمُكَلَّفِينَ؛ حَتَّى يَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ نَافَتْهَا؛ لَمْ تَتَلَقَّهَا فَضْلًا [عَنْ] ٤ أَنْ تَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا خَارِجَةً٥ عَنْ حُكْمِ الْأَدِلَّةِ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْأَدِلَّةُ الْمَنْصُوبَةُ عَلَى الْأَحْكَامِ الْإِلَهِيَّةِ وَعَلَى الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَالثَّانِي ٦: أَنَّهَا لَوْ نَافَتْهَا؛ لَكَانَ التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضَاهَا تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ بِتَصْدِيقِ مَا لَا يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ وَلَا يَتَصَوَّرُهُ، بل يتصور

стр. 1421

خِلَافَهُ وَيُصَدِّقُهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ امْتَنَعَ عَلَى الْعَقْلِ التَّصْدِيقُ ضَرُورَةً، وَقَدْ فَرَضْنَا وُرُودَ التَّكْلِيفِ الْمُنَافِي التَّصْدِيقَ، وَهُوَ مَعْنَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ بَاطِلٌ حَسَبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْعَقْلُ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ قَطْعًا بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ؛ حَتَّى إِذَا فُقِدَ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ رَأْسًا، وَعُدَّ فَاقِدُهُ كَالْبَهِيمَةِ الْمُهْمَلَةِ، وَهَذَا وَاضِحٌ فِي اعْتِبَارِ تَصْدِيقِ١ الْعَقْلِ بِالْأَدِلَّةِ فِي لُزُومِ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ؛ لَكَانَ لُزُومُ التَّكْلِيفِ عَلَى الْعَاقِلِ أَشَدَّ٢ مِنْ لُزُومِهِ عَلَى الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ وَالنَّائِمِ؛ إِذْ لَا عَقْلَ لِهَؤُلَاءِ يُصَدِّقُ أَوْ لَا يُصَدِّقُ، بِخِلَافِ الْعَاقِلِ الَّذِي يَأْتِيهِ مَا لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ سَاقِطًا عَنْ هَؤُلَاءِ؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ سَاقِطًا عَنِ الْعُقَلَاءِ أَيْضًا، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ؛ فَكَانَ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ بَاطِلًا. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكُفَّارُ أَوَّلَ مَنْ رَدَّ الشَّرِيعَةَ بِهِ٣ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْحِرْصِ عَلَى رَدِّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى كَانُوا يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا؛ فَتَارَةً يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَتَارَةً: مَجْنُونٌ، وَتَارَةً يُكَذِّبُونَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْقُرْآنِ: سِحْرٌ، وَشِعْرٌ، وَافْتِرَاءٌ، وَإِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بِشْرٌ، وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، بَلْ كَانَ أَوْلَى مَا يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ، أَوْ هُوَ مُخَالِفٌ للعقول، أو ما أشبه ذلك، فلما

стр. 1422

لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ دلَّ عَلَى أَنَّهُمْ عَقَلُوا مَا فِيهِ، وَعَرَفُوا جَرَيَانَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ؛ إِلَّا أَنَّهُمْ أَبَوْا مِنَ اتِّبَاعِهِ لِأُمُورٍ أُخَرَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا كَانَ، وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ أَحَدٌ بِهَذَا الْمُدَّعَى؛ فَكَانَ قَاطِعًا فِي نَفْيِهِ عَنْهُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى جَرَيَانِهَا عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ، [بِحَيْثُ تُصَدِّقُهَا الْعُقُولُ] ١ الرَّاجِحَةُ، وَتَنْقَادُ لَهَا طَائِعَةً أَوْ كَارِهَةً٢، وَلَا كَلَامَ فِي عِنَادِ مُعَانِدٍ، وَلَا فِي تَجَاهُلِ مُتَعَامٍ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهَا جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ، لَا أَنَّ الْعُقُولَ حَاكِمَةٌ عَلَيْهَا، وَلَا مُحَسِّنَةٌ فِيهَا وَلَا مُقَبِّحَةٌ، وَبَسْطُ هَذَا الْوَجْهِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ٣ فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلْإِفْهَامِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ، يَصُدُّ عَنِ الْقَوْلِ بِهَا غَيْرُ مَا وَجْهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ أَصْلًا؛ كَفَوَاتِحِ السُّوَرِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَالُوا: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يَعْرِفُهُ الْجُمْهُورُ، [وَفِيهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْعَرَبُ، وَفِيهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ إلا العلماء بالشريعة] ٤، وفيه ما لا يعلمه إلا الله٥؛ فأين جريان هذا

стр. 1423

الْقِسْمُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ مُتَشَابِهَاتٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أو لا١ يعلمها إلى اللَّهُ تَعَالَى؛ كَالْمُتَشَابِهَاتِ الْفُرُوعِيَّةِ، وَكَالْمُتَشَابِهَاتِ الْأُصُولِيَّةِ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِبَاهِهَا إِلَّا أَنَّهَا تَتَشَابَهُ عَلَى الْعُقُولِ؛ فَلَا تَفْهَمُهَا أَصْلًا، أَوْ لَا١ يَفْهَمُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَالْمُعْظَمُ مَصْدُودُونَ عَنْ فَهْمِهَا؛ فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِجَرَيَانِهَا عَلَى فَهْمِ الْعُقُولِ؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِيهَا أَشْيَاءَ اخْتَلَفَتْ عَلَى الْعُقُولِ حَتَّى تَفَرَّقَ النَّاسُ بِهَا فِرَقًا، وَتَحَزَّبُوا أَحْزَابًا، وَصَارَ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فَقَالُوا فِيهَا أَقْوَالًا كُلٌّ عَلَى مِقْدَارِ٢ عَقْلِهِ وَدِينِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْهَلَكَةِ؛ كَنَصَارَى نَجْرَانَ حِينَ اتَّبَعُوا فِي الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ؛ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلْنَا﴾ ، وَ ﴿قَضَيْنَا﴾ ، وَ ﴿خَلَقْنَا﴾ ٣، ثُمَّ [مِنْ] ٤ بَعْدِهِمْ مِنْ أَهْلِ الِانْتِمَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، الطَّاعِنِينَ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالتَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ، ثُمَّ يَلِيهِمْ سَائِرُ الْفِرَقِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكُلُّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنْ خِطَابٍ يَزِلُّ بِهِ٥ الْعَقْلُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَلَوْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ جارية على تعلقات٦ العقول؛ لما وقع في الاعتياد هذا

стр. 1424

الِاخْتِلَافُ، فَلَمَّا وَقَعَ؛ فُهِمَ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ ماله خُرُوجٌ عَنِ الْمَعْقُولِ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ فَوَاتِحَ السُّوَرِ لِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِهَا مَقَالٌ١ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ أَلْبَتَّةَ؛ فَلَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ؛ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ سَلِمَ؛ فَالْقِسْمُ الَّذِي٢ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّرِيعَةِ نَادِرٌ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ، وَلَا تَنْخَرِمُ بِهِ الْكُلِّيَّةُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى فَهْمِهِ، وَلَيْسَ كلامنها فِيهِ، إِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى مَا يُؤَدِّي مَفْهُومًا لَكِنْ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ، وَفَوَاتِحُ السُّوَرِ خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّهَا لَوْ بُيِّنَتْ لَنَا مَعَانِيَهَا؛ لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَعَنِ الثَّانِي٣ أَنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ لَيْسَتْ مِمَّا تُعَارِضُ مُقْتَضَيَاتِ الْعُقُولِ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَهَّمَ فِيهَا ذَلِكَ؛ فَبِنَاءً عَلَى اتِّبَاعِ هَوَاهُ، كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ

стр. 1425

مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] لَا أَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَمْرٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّأْوِيلُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَعْقُولٍ مُوَافِقٍ لَا إِلَى مُخَالِفٍ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهَا مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ فَالْعُقُولُ عَنْهَا مَصْدُودَةٌ لِأَمْرٍ١ خَارِجِيٍّ لَا لِمُخَالَفَتِهِ لَهَا، وَهَذَا كَمَا يَأْتِي فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الْكَلَامِ الْمُحْتَوِي عَلَى جُمَلٍ كَثِيرَةٍ وَأَخْبَارٍ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ الْقَاصِرُ النَّظَرِ فِيهَا الِاخْتِلَافَ، وَكَذَلِكَ الْأَعْجَمِيُّ الطَّبْعِ٢ الَّذِي يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِمَا يَنْظُرُ فِيهِ وَهُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ احْتِجَاجُ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي التَّثْلِيثِ، وَدَعْوَى الْمُلْحِدِينَ عَلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ التَّنَاقُضَ وَالْمُخَالَفَةَ لِلْعُقُولِ، وَضَمُّوا إِلَى ذَلِكَ جَهْلَهُمْ بِحِكَمِ التَّشْرِيعِ، فَخَاضُوا حِينَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي الْخَوْضِ، وَفِيمَا لَمْ يَجُزْ لَهُمُ الْخَوْضُ فِيهِ؛ فَتَاهُوا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لَمَّا كان عَرَبِيَّيْنِ لَمْ يَكُنْ لِيَنْظُرَ فِيهِمَا إِلَّا عَرَبِيٌّ، كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَقَاصِدَهُمَا لَمْ يحل له أن يتكلم فيهما؛ إذًا لَا يَصِحُّ لَهُ نَظَرٌ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِهِمَا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ شَيْءٌ٣ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَلِذَلِكَ مِثَالٌ يَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ٤ سأل ابن عباس؛ فقال له:

стр. 1426

"إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ١ عَلَيَّ. قَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] .

стр. 1427

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٧] . ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٢] . ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ؛ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ: ﴿بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٨-٣٠] ؛ فَذَكَرَ خَلْقَ السماء قبل [خلق] الأرض. ثم قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الْآيَةَ [فُصِّلَتْ: ٩-١١] ؛ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٧٠] ، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ؛ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠١] فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى يُنْفَخُ١ فِي الصُّورِ؛ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] ؛ فَلَا أَنْسَابَ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٧] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٢٣] ، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٢] ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، فَقَالَ المشركون: تعالوا

стр. 1428

نَقُولُ: "مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَتَنْطِقُ أَيْدِيهُمْ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٢] . وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ؛ أَيْ: أَخْرَجَ الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ؛ فَخُلِقَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وذلك قوله؛ أني١ لَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ؛ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ". هَذَا تَمَامُ مَا قَالَ فِي الْجَوَابِ. وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعْقُولٌ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتَى مِنْ بَابِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا ذَكَرَ الطَّاعِنُونَ، وَمَا أَشْكَلَ عَلَى الطَّالِبِينِ، وَمَا وَقَفَ فِيهِ الرَّاسِخُونَ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٢] . وَفِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مِنْ ذَلِكَ بَيَانٌ كافٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ٢ فِي رَفْعِ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرًا، فَمَنْ تَشَوَّفَ إِلَى الْبَسْطِ وَمَدِّ الْبَاعِ وَشِفَاءِ الغليل؛ طلبه في مظانه.

стр. 1429

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ١: الْمَقْصُودُ مِنْ وَضْعِ الْأَدِلَّةِ تَنْزِيلُ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حَسَبِهَا، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ إِلَّا أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ لَهَا اعْتِبَارَانِ:

стр. 1430

اعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ مَعْقُولِيَّتِهَا. وَاعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا فِي الْخَارِجِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُكَلَّفَ بِهِ أَوْ بِتَرْكِهِ أَوِ الْمُخَيَّرَ فِيهِ يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ مَاهِيَّتِهِ مُجَرَّدًا عَنِ الْأَوْصَافِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا وَاللَّاحِقَةِ لَهَا؛ كَانَتْ تِلْكَ الْأَوْصَافُ لَازِمَةً أَوْ غَيْرَ لَازِمَةٍ، وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الْعَقْلِيُّ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ مَاهِيَّتِهِ بِقَيْدِ الِاتِّصَافِ بِالْأَوْصَافِ الزَّائِدَةِ اللَّاحِقَةِ فِي الْخَارِجِ١، لَازِمَةً أَوْ غَيْرَ لَازِمَةٍ، وَهُوَ الِاعْتِبَارُ الْخَارِجِيُّ؛ فَالصَّلَاةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مَثَلًا يُتَصَوَّرُ فِيهَا هَذَانِ الِاعْتِبَارَانِ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مِنَ الْأَنْكِحَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهَا، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِبَارَيْنِ فِيمَا إِذَا نُظِرَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، أَوِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْأَوْصَافِ الَّتِي تُنْقِصُ مِنْ كَمَالِهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْعَالِ. فَإِذَا صَحَّ الِاعْتِبَارَانِ عَقْلًا؛ فَمُنْصَرَفُ الْأَدِلَّةِ إِلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ هُوَ، ألجهة

стр. 1431

الْمَعْقُولِيَّةِ أَمْ لِجِهَةِ الْحُصُولِ [فِي] ١ الْخَارِجِ؟ هَذَا مَجَالُ نَظَرٍ مُحْتَمِلٌ لِلْخِلَافِ٢، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى الْخِلَافِ الْمَنْصُوصُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَأَدِلَّةُ الْمَذَاهِبِ٣ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا مُبَيَّنَةٌ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا يُتَحَرَّى مِنْهُ مَقْصِدُ٤ الشَّارِعِ فِي أَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ. فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ أُمُورٌ٥: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَوِ الْمُخَيَّرَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ حَقَائِقُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَنْطَلِقُ عَلَيْهَا تِلْكَ الْأَسْمَاءُ، وَهَذَا أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ فِي الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّا إِذَا أَوْقَعْنَا الْفِعْلَ عَرَضْنَاهُ عَلَى ذلك في الْمَعْقُولِ الذِّهْنِيِّ، فَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ صَحَّ، وَإِلَّا؛ فَلَا. وَلِصَاحِبِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّخْيِيرِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَقُومَ الْمُكَلَّفُ بِمُقْتَضَاهَا؛ حَتَّى تَكُونَ لَهُ أَفْعَالًا خَارِجِيَّةً لَا أُمُورًا ذِهْنِيَّةً، بَلِ الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ هِيَ مَفْهُومَاتُ٦ الْخِطَابِ، وَمَقْصُودُ٧ الْخِطَابِ لَيْسَ نَفْسَ التَّعَقُّلِ، بَلِ الِانْقِيَادُ، وَذَلِكَ الْأَفْعَالُ الْخَارِجِيَّةُ؛ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَتْ عَمَلِيَّةً أَمِ اعْتِقَادِيَّةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ مَوْصُوفَةً، فَيَكُونَ الْحُكْمُ عليها كذلك٨.

стр. 1432

وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَبِرِ الْمَعْقُولَ الذِّهْنِيَّ فِي الْأَفْعَالِ؛ لَزِمَتْ١ شَنَاعَةُ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ الْمُقَرَّرَةُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَمِنْ لَوَازِمِهِ فِي الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْحَرَامَ، وَيَلْقَى فِيهِ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَرَّ بُطْلَانُهُ. وَلِصَاحِبِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: لَوِ اعْتَبَرْنَا الْمَعْقُولَ الذِّهْنِيَّ مُجَرَّدًا عَنِ الْأَوْصَافِ الْخَارِجِيَّةِ؛ لَزِمَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ الْأَوْصَافُ الْخَارِجِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ؛ فَإِنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ مَعْلُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ٢ وَكَذَلِكَ٣ كَلُّ فِعْلٍ سَائِغٍ فِي نَفْسِهِ وَفِيهِ تَعَاوُنٌ٤ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى أَوْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِحَّ٥ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَا عَنِ الصلاة عند

стр. 1433

طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَهَذَا الْبَابُ وَاسِعٌ جِدًّا. وَالثَّالِثُ: أَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا الْأَفْعَالَ مِنْ حَيْثُ هِيَ خَارِجِيَّةٌ فَقَطْ؛ لَمْ يَصِحَّ لِلْمُكَلَّفِ١ عَمَلٌ إِلَّا فِي النَّادِرِ؛ إِذْ كَانَتِ الْأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ مُرْتَبِطًا٢ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَقَدْ فَرَضُوا مَسْأَلَةَ مَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَانَ وَقْتُهُ، وَأَلْزَمُوا الْمُخَالِفِينَ أَنْ يَقُولُوا بِبُطْلَانِ تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ بِهَا وَاجِبًا، وَهَكَذَا كُلٌّ مَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ إِذَا تَلَازَمَا٣ فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٢] ، لِأَنَّهُمَا إِذَا تَلَازَمَا فِي الْخَارِجِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا كالوصف للثاني٤؛ لَمْ يَكُنِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ صَالِحًا٥، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ خَلْطُ عَمَلَيْنِ، بَلْ صَارَا٦ عَمَلًا وَاحِدًا؛ إِمَّا صَالِحًا، وَإِمَّا سَيِّئًا٧، وَنَصُّ الْآيَةِ يُبْطِلُ هذا، وكذلك جريان

стр. 1434

الْعَوَائِدِ١ فِي الْمُكَلَّفِينَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عَمَلٌ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ. وَلِصَاحِبِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْأُمُورَ الذِّهْنِيَّةَ مُجَرَّدَةٌ مِنَ٢ الْأُمُورِ الخارجية تعقل٣، وما لَا تُعْقَلُ٣ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، أَمَّا أَنَّ مَا لَا يَعْقِلُ٣ لَا يُكَلَّفُ بِهِ؛ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا أَنَّ الْأُمُورَ الذِّهْنِيَّةَ لَا تُعْقَلُ٣ مُجَرَّدَةً؛ فَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا، فِي٤ الْمَحْسُوسَاتِ؛ فَكَالْإِنْسَانِ مَثَلًا، فَإِنَّ مَاهِيَّتَهُ الْمَعْقُولَةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنَ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنُّطْقِيَّةَ لَا تَثْبُتُ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ حَتَّى تَتَخَصَّصَ، وَلَا تَتَخَصَّصُ٥ حَتَّى تَتَشَخَّصَ، وَلَا تَتَشَخَّصُ حَتَّى تَمْتَازَ عَنْ سِوَاهَا مِنَ الْمُتَشَخِّصَاتِ بِأُمُورٍ أُخَرَ؛ فَنَوْعُ الْإِنْسَانِ يَلْزَمُهُ خَوَاصُّ كُلِّيَّةٌ هِيَ لَهُ أَوْصَافٌ؛ كَالضَّحِكِ، وَانْتِصَابِ الْقَامَةِ، وَعَرْضِ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوِهَا وَخَوَاصُّ شَخْصِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي امْتَازَ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِ الْإِنْسَانِ عَنِ الْآخَرِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ؛ لَمْ يَظْهَرِ الْإِنْسَانُ فِي الْخَارِجِ ألبتة. فقد صارت إذًا الأمور الخارجية الْعَارِضَةُ لَازِمَةً لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْخَارِجِ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِيَّاتِ؛ فَكَالصَّلَاةِ مَثَلًا؛ فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا المركبة من القيام

стр. 1435

وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ في الخارج إلى عَلَى كَيْفِيَّاتٍ وَأَحْوَالٍ وَهَيْئَاتٍ شَتَّى، وَتِلْكَ الْهَيْئَاتُ مُحْكَمَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْمَاهِيَّةِ حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهَا بِالْكَمَالِ أَوِ النُّقْصَانِ وَالصِّحَّةِ أَوِ١ الْبُطْلَانِ، وَهِيَ مُتَشَخِّصَاتٌ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ عَلَى صَاحِبِهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ هِيَ فِي الذِّهْنِ كَالْمَعْدُومِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهَا بِمَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ٢، وَلَيْسَ إِلَّا أَفْعَالًا مَوْصُوفَةً بِأُمُورٍ خَاصَّةٍ لَازِمَةٍ، وَأُمُورٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ مُخَاطِبٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِهَا؛ فَهُوَ إِذًا مُخَاطَبٌ بِمَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُحَصِّلَهُ فِي الْخَارِجِ، فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ؛ فَهُوَ إِذًا مُخَاطَبٌ بِهَا لَا بِغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ؛ فَلَمْ تَحْصُلْ إِذًا عَلَى حَقِيقَتِهَا، بَلْ عَلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى، وَالَّتِي خُوطِبَ بِهَا لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ. فَإِنْ قِيلَ: فَيُشْكِلُ مَعْنَى الْآيَةِ إِذًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٢] ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَحْصُلُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ٣ وَتَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الِاعْتِبَارُ الذِّهْنِيُّ. قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الْمُتَعَارِضَةَ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ بِمُتَلَازِمَةٍ لِحُصُولِهَا فِي زَمَانَيْنِ وَفِي حَالَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَإِذَا تَلَازَمَتْ حَتَّى صَارَ أَحَدُهَا كَالْوَصْفِ لِلْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ كَالْوَصْفِ السَّلْبِيِّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي عَدَمِ التَّلَازُمِ لِأَنَّ الْوَصْفَ السَّلْبِيَّ اعْتِبَارِيٌّ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ لَيْسَ صِفَةً وجودية، وأما إن كانت

стр. 1436

صِفَةً وُجُودِيَّةً أَوْ كَالصِّفَةِ الْوُجُودِيَّةِ١، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الْحَاصِلِ فِي الْخَارِجِ، وَلَا يَدْخُلُ مِثْلُهُ تَحْتَ الْآيَةِ٢، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ غَيْرُ الْمُبْطِلَةِ أَوِ النُّقْصَانُ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِمَا حَصَلَ فِي الْخَارِجِ جَارِيًا مَجْرَى الْمُخَاطَبِ بِهِ؛ فَالصَّلَاةُ النَّاقِصَةُ أَشْبَهَتْ فِي الْخَارِجِ الصَّلَاةَ الْكَامِلَةَ فَعُومِلَتْ مُعَامَلَتَهَا، لا أنه٣ اعتبر فيها الاعتبار الذِّهْنِيُّ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَشَعَّبُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ. فَصْلٌ: وَيَتَصَدَّى النَّظَرُ٤ هُنَا فِيمَا يَصِيرُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَصْفًا لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ النَّظَرَانِ، وَمَا لا يصير كذلك؛ فلا يجريان فيه.

стр. 1437

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَلَازِمَةَ؛ إِمَّا أَنْ يَصِيرَ أَحَدُهَا وَصْفًا لِلْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا تَلَازُمَ؛ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ تَرْكِ الزِّنَى أَوِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ أَحَدَ التَّرْكَيْنِ لَا يَصِيرُ كَالْوَصْفِ لِلْآخَرِ؛ لِعَدَمِ التَّزَاحُمِ فِي الْعَمَلِ، إِذْ كَانَ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ التَّرْكُ لِكُلِّ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ أَوْ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَزَاحِمَيْنِ١ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى أَمْرٍ سَلْبِيٍّ وَالسَّلْبِيَّاتُ اعْتِبَارِيَّاتٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَصْفًا سَلْبِيًّا أَوْ وُجُودِيًّا، فَإِنْ كَانَ سَلْبِيًّا؛ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ اعْتِبَارُهُ فِيهِ شَرْعًا عَلَى الْخُصُوصِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ٢؛ كَتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا اعْتِدَادَ بِالْوَصْفِ السَّلْبِيِّ؛ كَتَرْكِ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِيمَنْ فَرَّ مِنْ قَضَائِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، [فَإِنَّ الصَّلَاةَ] ٣ وَإِنْ وُصِفَتْ بِأَنَّهَا فِرَارٌ مِنْ وَاجِبٍ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ لَهَا إِلَّا اعْتِبَارِيًّا تَقْدِيرِيًّا، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ وُجُودِيًّا؛ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ؛ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ لِأَوْصَافٍ فِيهَا خَارِجَةٍ عَنْ حَقَائِقِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرُوكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ تُرُوكٌ لا تتلازم في الخارج، وكذلك

стр. 1438

الْأَفْعَالُ مَعَ التُّرُوكِ؛ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ تَلَازُمُهَا شَرْعًا، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى أَنَّ التَّرْكَ إِنَّمَا اعْتُبِرَ مِنْ جِهَةِ فَقْدِ وَصْفٍ وُجُودِيٍّ لِلْفِعْلِ الْوُجُودِيِّ؛ كَالطِّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ مَعَ الْأَفْعَالِ؛ فَهِيَ الَّتِي تَتَلَازَمُ إِذَا قُرِنَتْ فِي الْخَارِجِ، فَيَحْدُثُ مِنْهَا فِعْلٌ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ؛ فَيُنْظَرُ فِيهِ وَفِي وَصْفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَعَلُّقٌ بِبَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.

стр. 1439

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى النَّقْلِ الْمَحْضِ. وَالثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّأْيِ الْمَحْضِ. وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُصُولِ الْأَدِلَّةِ، وَإِلَّا؛ فَكَلُّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرْبَيْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمَنْقُولَاتِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ، كَمَا أَنَّ الرَّأْيَ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إِلَّا إِذَا اسْتَنَدَ إِلَى النَّقْلِ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ؛ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ١، وَيَلْحَقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُوهٌ؛ إِمَّا بِاتِّفَاقٍ، وَإِمَّا بِاخْتِلَافٍ؛ فَيَلْحَقُ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ٢ قِيلَ

стр. 1440

بِهِ وَمَذْهَبُ١ الصَّحَابِيِّ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ بِأَمْرٍ مَنْقُولٍ صِرْفٍ لَا نَظَرَ فِيهِ لِأَحَدٍ. وَيَلْحَقُ بِالضَّرْبِ الثَّانِي الِاسْتِحْسَانُ وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَمْرٍ نَظَرِيٍّ، وَقَدْ تَرْجِعُ إِلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِنْ شَهِدْنَا أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْعُمُومَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، حَسَبَمَا يَتَبَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ٢ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ. فَصْلٌ: ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي أَصْلِهَا مَحْصُورَةٌ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُثْبِتِ الضَّرْبَ الثَّانِيَ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْأَوَّلِ؛ إِذْ مِنْهُ قَامَتْ أَدِلَّةُ صِحَّةِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْعُمْدَةُ، وَقَدْ صَارَ إِذْ ذَاكَ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مُسْتَنَدَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: جِهَةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ. وَالْأُخْرَى: جِهَةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الْأَحْكَامُ الْجُزْئِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ. فَالْأُولَى كَدَلَالَتِهِ عَلَى أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَالصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْحُدُودِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ٣ كَدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَعَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، وَشَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا حُجَّةٌ، وَمَا كَانَ نحو ذلك.
следующие страницы →