← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

صِفَةً وُجُودِيَّةً أَوْ كَالصِّفَةِ الْوُجُودِيَّةِ١، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الْحَاصِلِ فِي الْخَارِجِ، وَلَا يَدْخُلُ مِثْلُهُ تَحْتَ الْآيَةِ٢، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ غَيْرُ الْمُبْطِلَةِ أَوِ النُّقْصَانُ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِمَا حَصَلَ فِي الْخَارِجِ جَارِيًا مَجْرَى الْمُخَاطَبِ بِهِ؛ فَالصَّلَاةُ النَّاقِصَةُ أَشْبَهَتْ فِي الْخَارِجِ الصَّلَاةَ الْكَامِلَةَ فَعُومِلَتْ مُعَامَلَتَهَا، لا أنه٣ اعتبر فيها الاعتبار الذِّهْنِيُّ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَشَعَّبُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ. فَصْلٌ: وَيَتَصَدَّى النَّظَرُ٤ هُنَا فِيمَا يَصِيرُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَصْفًا لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ النَّظَرَانِ، وَمَا لا يصير كذلك؛ فلا يجريان فيه.

стр. 1437

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَلَازِمَةَ؛ إِمَّا أَنْ يَصِيرَ أَحَدُهَا وَصْفًا لِلْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا تَلَازُمَ؛ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ تَرْكِ الزِّنَى أَوِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ أَحَدَ التَّرْكَيْنِ لَا يَصِيرُ كَالْوَصْفِ لِلْآخَرِ؛ لِعَدَمِ التَّزَاحُمِ فِي الْعَمَلِ، إِذْ كَانَ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ التَّرْكُ لِكُلِّ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ أَوْ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَزَاحِمَيْنِ١ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى أَمْرٍ سَلْبِيٍّ وَالسَّلْبِيَّاتُ اعْتِبَارِيَّاتٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَصْفًا سَلْبِيًّا أَوْ وُجُودِيًّا، فَإِنْ كَانَ سَلْبِيًّا؛ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ اعْتِبَارُهُ فِيهِ شَرْعًا عَلَى الْخُصُوصِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ٢؛ كَتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا اعْتِدَادَ بِالْوَصْفِ السَّلْبِيِّ؛ كَتَرْكِ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِيمَنْ فَرَّ مِنْ قَضَائِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، [فَإِنَّ الصَّلَاةَ] ٣ وَإِنْ وُصِفَتْ بِأَنَّهَا فِرَارٌ مِنْ وَاجِبٍ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ لَهَا إِلَّا اعْتِبَارِيًّا تَقْدِيرِيًّا، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ وُجُودِيًّا؛ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ؛ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ لِأَوْصَافٍ فِيهَا خَارِجَةٍ عَنْ حَقَائِقِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرُوكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ تُرُوكٌ لا تتلازم في الخارج، وكذلك

стр. 1438

الْأَفْعَالُ مَعَ التُّرُوكِ؛ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ تَلَازُمُهَا شَرْعًا، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى أَنَّ التَّرْكَ إِنَّمَا اعْتُبِرَ مِنْ جِهَةِ فَقْدِ وَصْفٍ وُجُودِيٍّ لِلْفِعْلِ الْوُجُودِيِّ؛ كَالطِّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ مَعَ الْأَفْعَالِ؛ فَهِيَ الَّتِي تَتَلَازَمُ إِذَا قُرِنَتْ فِي الْخَارِجِ، فَيَحْدُثُ مِنْهَا فِعْلٌ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ؛ فَيُنْظَرُ فِيهِ وَفِي وَصْفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَعَلُّقٌ بِبَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.

стр. 1439

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى النَّقْلِ الْمَحْضِ. وَالثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّأْيِ الْمَحْضِ. وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُصُولِ الْأَدِلَّةِ، وَإِلَّا؛ فَكَلُّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرْبَيْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمَنْقُولَاتِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ، كَمَا أَنَّ الرَّأْيَ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إِلَّا إِذَا اسْتَنَدَ إِلَى النَّقْلِ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ؛ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ١، وَيَلْحَقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُوهٌ؛ إِمَّا بِاتِّفَاقٍ، وَإِمَّا بِاخْتِلَافٍ؛ فَيَلْحَقُ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ٢ قِيلَ

стр. 1440

بِهِ وَمَذْهَبُ١ الصَّحَابِيِّ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ بِأَمْرٍ مَنْقُولٍ صِرْفٍ لَا نَظَرَ فِيهِ لِأَحَدٍ. وَيَلْحَقُ بِالضَّرْبِ الثَّانِي الِاسْتِحْسَانُ وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَمْرٍ نَظَرِيٍّ، وَقَدْ تَرْجِعُ إِلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِنْ شَهِدْنَا أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْعُمُومَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، حَسَبَمَا يَتَبَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ٢ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ. فَصْلٌ: ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي أَصْلِهَا مَحْصُورَةٌ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُثْبِتِ الضَّرْبَ الثَّانِيَ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْأَوَّلِ؛ إِذْ مِنْهُ قَامَتْ أَدِلَّةُ صِحَّةِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْعُمْدَةُ، وَقَدْ صَارَ إِذْ ذَاكَ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مُسْتَنَدَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: جِهَةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ. وَالْأُخْرَى: جِهَةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الْأَحْكَامُ الْجُزْئِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ. فَالْأُولَى كَدَلَالَتِهِ عَلَى أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَالصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْحُدُودِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ٣ كَدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَعَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، وَشَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا حُجَّةٌ، وَمَا كَانَ نحو ذلك.

стр. 1441

فَصْلٌ: ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى الْكِتَابِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ الرسول ﷺ الْمُعْجِزَةُ، وَقَدْ حَصَرَ ﵊ مُعْجِزَتَهُ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: "وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ" ١، هَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ كَثِيرٌ جِدًّا، بَعْضُهُ يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ٢، وَلَكِنَّ مُعْجِزَةَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] . وَقَالَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَتَكْرَارُهُ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الطَّاعَةِ بِمَا أَتَى بِهِ مِمَّا فِي الْكِتَابِ وَمِمَّا لَيْسَ فِيهِ مِمَّا هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ، وَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الْحَشْرِ: ٧] . وَقَالَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . إلى ما أشبه ذلك.

стр. 1442

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السُنَّةَ إِنَّمَا جَاءَتْ مُبِيِّنَةً لِلْكِتَابِ وَشَارِحَةً لِمَعَانِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] . وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] ، وَذَلِكَ التَّبْلِيغُ مِنْ وَجْهَيْنِ: تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ الْكِتَابُ. وَبَيَانُ مَعَانِيهِ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ ﷺ [وَجَزَاهُ عَنَّا أَفْضَلَ الْجَزَاءِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ] ؛ فَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَوَارِدَ السُّنَّةِ وَجَدْتَهَا بَيَانًا لِلْكِتَابِ، هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْعَامُّ فِيهَا. وَتَمَامُ بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ مَذْكُورٌ بَعْدُ١ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَالْغَايَةُ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهَا أَنْظَارُ النُّظَّارِ وَمَدَارِكُ أَهْلِ الاجتهاد، وليس وراءه مرمى؛ فإنه كَلَامُ اللَّهِ الْقَدِيمُ: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النَّجْمِ: ٤٢] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . وقل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] . وَبَيَانُ هَذَا مَذْكُورٌ بَعْدُ٢ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 1443

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ ١: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ فَمَبْنِىٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: رَاجِعَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ مَنَاطِ٢ الْحُكْمِ. وَالْأُخْرَى: تَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. فَالْأُولَى نَظَرِيَّةٌ وَأَعْنِي بِالنَّظَرِيَّةِ هُنَا٣ مَا سِوَى النَّقْلِيَّةِ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أُثْبِتَتْ بِالضَّرُورَةِ أَمْ بِالْفِكْرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَلَا أَعْنِي بِالنَّظَرِيَّةِ مُقَابِلَ الضَّرُورِيَّةِ، وَالثَّانِيَةُ نَقْلِيَّةٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ شَرْعِيٍّ، بَلْ هَذَا٤ جَارٍ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ؛ فَيَصِحُّ أَنْ نَقُولَ: الْأُولَى رَاجِعَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَالثَّانِيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْحُكْمِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ الْمَطَالِبِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا قُلْتَ: إِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ؛ فَلَا يَتِمُّ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ٥ حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ يُشَارُ إِلَى المقصود

стр. 1444

مِنْهُ لِيُسْتَعْمَلَ أَوْ لَا يُسْتَعْمَلَ، لِأَنَّ الشَّرَائِعَ إنما جاءن لِتَحْكُمَ عَلَى الْفَاعِلِينَ مِنْ جِهَةِ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، فَإِذَا شَرَعَ الْمُكَلَّفُ فِي تَنَاوُلِ خَمْرٍ مَثَلًا؛ قِيلَ لَهُ: أَهَذَا خَمْرٌ أَمْ لَا؟ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ خَمْرًا أَوْ غَيْرَ خَمْرٍ، وَهُوَ مَعْنَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، فَإِذَا وُجِدَ فِيهِ أَمَارَةُ الْخَمْرِ أَوْ حَقِيقَتُهَا بِنَظَرٍ مُعْتَبَرٍ؛ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا خَمْرٌ، فَيُقَالُ لَهُ: كُلُّ خَمْرٍ حَرَامُ الِاسْتِعْمَالِ. فَيَجْتَنِبُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ: هَلْ هُوَ مُطْلَقٌ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ بِرُؤْيَةِ اللَّوْنِ، وَبِذَوْقِ الطَّعْمِ وَشَمِّ الرَّائِحَةِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ؛ فَقَدْ تَحَقَّقَ مَنَاطُهُ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَهِىَ الْمُقَدِّمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ يُضِيفُ إِلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ ثَانِيَةً نَقْلِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَاءٍ مُطْلَقٍ؛ فَالْوُضُوءُ بِهِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَظَرَ: هَلْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْوُضُوءِ أَمْ لَا؟ فَيَنْظُرُ: هَلْ هُوَ مُحْدِثٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ تَحَقَّقَ الْحَدَثُ؛ فَقَدْ حَقَّقَ مَنَاطَ الْحُكْمِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِالْوُضُوءِ، [وَإِنْ تَحَقَّقَ فَقْدُهُ؛ فَكَذَلِكَ؛ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبِ الْوُضُوءِ] ١، وَهَى الْمُقَدِّمَةُ النَّقْلِيَّةُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مُطْلَقَةً٢ وَمُقَيَّدَةً٣، وَذَلِكَ مُقْتَضَى إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ وهي النقلية، ولا ينزل الحكم بها إلى على ما

стр. 1445

تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَنَاطُ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ عَلَى التَّقْيِيدِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُقَدِّمَةِ النَّظَرِيَّةِ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. نَعَمْ، وَفِي اللُّغَوِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ؛ فَإِنَّا إِذَا قُلْنَا: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وَأَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ [مَا] الَّذِي يُرْفَعُ مِنَ الِاسْمَيْنِ وَمَا الَّذِي يُنْصَبُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَاعِلِ مِنَ الْمَفْعُولِ، فَإِذَا حَقَّقْنَا الْفَاعِلَ وَمَيَّزْنَاهُ؛ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى [الْمُقَدِّمَةِ] ١ النَّقْلِيَّةِ، وَهَى أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ، وَنَصَبْنَا الْمَفْعُولَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَفْعُولٍ مَنْصُوبٌ، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُصَغِّرَ عَقْرَبًا حَقَّقْنَا أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ؛ فَيَسْتَحِقُّ مِنْ أَبْنِيَةِ التَّصْغِيرِ بِنْيَةَ "فُعَيْعِلٍ"٢ لِأَنَّ كُلَّ رُبَاعِيٍّ عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ تَصْغِيرُهُ عَلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ عُلُومِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ؛ فَكَمَا إِذَا نَظَرْنَا فِي الْعَالَمِ؛ هَلْ هُوَ حَادِثٌ أَمْ لَا؟ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ٣ وَهُوَ الْعَالَمُ، فَنَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا، وَهِيَ الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى، ثُمَّ نَأْتِي بِمُقَدِّمَةٍ مُسَلَّمَةٍ وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ. لَكِنَّا قُلْنَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَسَائِرِ النَّقْلِيَّاتِ: إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ نَظَرِيَّةً، وَهِيَ الْمُفِيدَةُ لِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ -وَذَلِكَ مُطَّرِدٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ أَيْضًا-، وَالْأُخْرَى نَقْلِيَّةً؛ فَمَا الَّذِي يَجْرِي فِي الْعَقْلِيَّاتِ مَجْرَى النَّقْلِيَّاتِ؟ هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَأَمُّلِهِ. وَالَّذِي يُقَالُ فِيهِ٤ أَنَّ خَاصِّيَّةَ الْمُقَدِّمَةِ النَّقْلِيَّةِ أَنْ تكون مسلمة إذا تحقق

стр. 1446

أَنَّهَا نَقْلِيَّةٌ؛ فَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ تَصْحِيحِهَا نَقْلًا، وَنَظِيرُ هَذَا١ فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْمُقَدِّمَاتُ الْمُسَلَّمَةُ، وَهِيَ الضَّرُورِيَّاتُ وَمَا تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهَا مِمَّا يَقَعُ مُسَلَّمًا عِنْدَ الْخَصْمِ؛ فَهَذِهِ خَاصِّيَّةُ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً، وَخَاصِّيَّةُ الْأُخْرَى أَنْ تَكُونَ تَحْقِيقَ مَنَاطِ الْأَمْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَسْطِ هُنَا؛ فَإِنَّ التَّأَمُّلَ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِيهِ، وَأَيْضًا فِي فَصْلِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لَهُ بَيَانٌ آخر، وبالله التوفيق.

стр. 1447

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ١ مُطْلَقًا غَيْرُ مُقَيِّدٍ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ قَانُونٌ وَلَا ضَابِطٌ مَخْصُوصٌ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ وُكِّلَ إِلَى نَظَرِ الْمُكَلَّفِ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ مَا تَجِدُهُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى؛ كَالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْعَفْوِ، وَالصَّبْرِ، وَالشُّكْرِ فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَالظُّلْمِ، وَالْفَحْشَاءِ، وَالْمُنْكِرِ، وَالْبَغْيِ، وَنَقْضِ الْعَهْدِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ. وَكُلُّ دَلِيلٍ ثَبَتَ فِيهَا٢ مُقَيَّدًا غَيْرَ مُطْلَقٍ، وَجُعِلَ لَهُ قَانُونٌ وَضَابِطٌ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى تَعَبُّدِيٍّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ نَظَرُ الْمُكَلَّفِ لَوْ وُكِّلَ إِلَى نَظَرِهِ؛ إِذِ الْعِبَادَاتُ لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي أَصْلِهَا فَضْلًا عَنْ كَيْفِيَّاتِهَا٣، وَكَذَلِكَ فِي الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جَنْسِهَا، وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ فِي الْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي كَثِيرٌ فِي الْأُصُولِ الْمَدَنِيَّةِ٤؛ لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَقْيِيدَاتٌ لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ إِطْلَاقُهُ، أَوْ إِنْشَاءُ أَحْكَامٍ وَارِدَاتٍ عَلَى أَسْبَابٍ جُزْئِيَّةٍ، وَيَتَبَيَّنُ ذلك بإيراد مسألة مستأنفة.

стр. 1448

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ١: فَنَقُولُ: إِذَا رَأَيْتَ٢ فِي الْمَدَنِيَّاتِ أَصْلًا كُلِّيًّا فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ جُزْئِيًّا٣ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ، أَوْ تَكْمِيلًا٤ لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِحِفْظِهَا خَمْسَةٌ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّسْلُ٥، وَالْمَالُ. أَمَّا الدِّينُ؛ فَهُوَ أَصْلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَمَا نَشَأَ عَنْهُمَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ. وَأَمَّا النَّفْسُ؛ فَظَاهِرٌ إِنْزَالُ حِفْظِهَا بِمَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] . ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٨] ,. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٦ [الأنعام: ١١٩] . وأشباه ذلك.

стр. 1449

وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ تَحْرِيمُ مَا يُفْسِدُهُ وَهُوَ الْخَمْرُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ١؛ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَكِيَّاتِ مُجْمَلًا، إِذْ هُوَ دَاخَلٌ فِي حُرْمَةِ حِفْظِ النَّفْسِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَمَنَافِعِهَا٢ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ مَنَافِعُهَا٣؛ فَالْعَقْلُ مَحْفُوظٌ شَرْعًا فِي الْأُصُولِ الْمَكِّيَّةِ عَمَّا يُزِيلُهُ رَأْسًا كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ [وَإِنَّمَا اسْتُدْرِكَ بِالْمَدِينَةِ حِفْظُهُ عَمَّا يُزِيلُهُ] سَاعَةً أَوْ لَحْظَةً٤، ثُمَّ يَعُودُ كأنه غطي ثم كشف عنه.

стр. 1450

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ حِفْظَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ١ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَثَالِبَهَا فِي الْقُرْآنِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩١] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَظَهَرَ أَنَّهَا مِنَ الْعَوْنِ على الإثم والعدوان. وأم النَّسْلُ٢؛ فَقَدْ وَرَدَ الْمَكِّيُّ مِنَ الْقُرْآنِ بِتَحْرِيمِ الزنى، وَالْأَمْرِ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ إِلَّا عَلَى الْأَزْوَاجِ أَوْ مِلْكِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا الْمَالُ؛ فَوَرَدَ فِيهِ٣ تَحْرِيمُ الظُّلْمِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْإِسْرَافِ، وَالْبَغْيِ وَنَقْصِ المكيال والميزان٤، وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَمَا دَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَأَمَّا الْعِرْضُ الْمُلْحَقُ بِهَا؛ فَدَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ عَنْ أَذِايَّاتِ٥ النُّفُوسِ. وَلَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي الْحِفْظِ مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ٦ إِلَّا وَحِفْظُهَا من جانب

стр. 1451

الوجود حاصل؛ ففي الأربع الأواخر ظاهر، وأم الدِّينُ؛ فَرَاجِعٌ إِلَى التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَالِانْقِيَادِ بِالْجَوَارِحِ١، وَالتَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ آتٍ بِالْمَقْصُودِ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ورسوله واليوم الآخر؛ ليتفرع٢ عَنْ ذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ٣ مُفَصَّلًا فِي الْمَدَنِيِّ؛ فَالْأَصْلُ وَارِدٌ فِي الْمَكِّيِّ، وَالِانْقِيَادُ بِالْجَوَارِحِ حَاصِلٌ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ٤، وَيَكُونُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ تَكْمِيلًا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَكِّيِّ مِنْ ذَلِكَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى الِانْقِيَادِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالْحَجُّ؛ فَمَدَنِيَّانِ مِنْ بَابِ التَّكْمِيلِ٥، عَلَى أَنَّ٦ الْحَجَّ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْعَرَبِ أَوَّلًا وِرَاثَةً عَنْ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ؛ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَصْلَحَ مِنْهُ مَا أَفْسَدُوا٧، وردهم فيه إلى مشاعرهم٨.

стр. 1452

وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ أَيْضًا؛ فَقَدْ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ أَيْضًا، حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ حَتَّى نَسَخَهُ رَمَضَانُ، وَانْظُرْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ١؛ فَأَحْكَمَهُمَا التشريع المدني، وأقرهما عل ما أراد٢ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّمَامِ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ أَيَّامِهِ٣؛ حِينَ قَالَ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣] ؛ فَلَهُمَا أَصْلٌ فِي الْمَكِّيِّ عَلَى الْجُمْلَةِ٤. وَالْجِهَادُ الَّذِي شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ فَرْعٌ٥ مِنْ فُرُوعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ مُقَرَّرٌ بِمَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لُقْمَانَ: ١٧] ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

стр. 1453

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ ١: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يُمْكِنُ أَخْذُهُ كُلِّيًّا، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ كُلِّيًّا أَمْ جُزْئِيًّا٢ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَنَدَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا، أَوْ جُزْئِيًّا، فَإِنْ كَانَ [كُلِّيًّا؛ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا، فَبِحَسَبِ النَّازِلَةِ لا بحسب التشريع في الأصل بأدلة٤:

стр. 1454

- مِنْهَا] ١ عُمُومُ التَّشْرِيعِ فِي الْأَصْلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سَبَأٍ: ٢٨] . ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] . وَهَذَا مَعْنًى مَقْطُوعٌ بِهِ، لَا يَخْرِمُ٢ الْقَطْعَ بِهِ مَا جَاءَ٣ مِنْ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ٤ وَعِنَاقِ أَبِي بُرْدَةَ٥، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "بُعِثْتُ لِلْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ" ٦. - وَمِنْهَا أَصْلُ شَرْعِيَّةِ٧ الْقِيَاسِ؛ إِذْ لَا مَعْنَى له إلا جعل الخاص الصيغة كالعام الصِّيغَةِ فِي الْمَعْنَى٨، وَهُوَ مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَخْذُ الدَّلِيلِ كُلِّيًّا بِإِطْلَاقٍ؛ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] ؛ فَإِنَّ نَفْسَ التَّزْوِيجِ لَا صِيغَةَ لَهُ تَقْتَضِي عُمُومًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ لِأَجْلِ التَّأَسِّي؛ فَقَالَ: ﴿لِكَيْ لا﴾ ، ولذلك قال:

стр. 1455

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١] هَذَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ بِأَشْيَاءَ؛ كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لَهُ١، وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ أَزْوَاجِهِ مِنْ بعده٢، والزيادة على أربع، فذلك٣ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ شُمُولِ الْأَدِلَّةِ فِيمَا سِوَى ذلك المستنثى؛ فَغَيْرُهُ أَحَقُّ أَنْ تَكُونَ الْأَدِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَقْصُودَةَ الْعُمُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا صِيَغُ عُمُومٍ، وَهَكَذَا الصِّيَغُ الْمُطْلَقَةُ تَجْرِي فِي الْحُكْمِ مَجْرَى الْعَامَّةِ. - وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَالْقَوْلُ كَقَوْلِهِ: "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ"٤، وَقَوْلِهِ فِي قَضَايَا خَاصَّةٍ سُئِلَ فِيهَا؛ أَهِيَ لنا

стр. 1456

خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً: "بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً" ١، كما في قضية الذي نزلت فيه:

стр. 1457

﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] وَأَشْبَاهِهَا. وَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ ﵊ قُدْوَةً لِلنَّاسِ؛ كَمَا ظَهَرَ فِي حَدِيثِ الْإِصْبَاحِ جُنْبًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ١، وَالْغَسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ٢. وَقَوْلُهُ: "إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ" ٣. وَقَوْلُهُ: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" ٤.

стр. 1458

و "خذوا عني مناسككم" ١. وهو كثير.

стр. 1459

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ١: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ؛ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي جُعِلَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ كَيْفَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، وَهُوَ فِي أَوَّلِ٢ الْأَمْرِ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ، وَيَدْخُلُ هُنَا جَمِيعُ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] . وَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الرُّومِ: ٤٠] . وَهَذَا الضَّرْبُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمُوَالِفِ٣ وَالْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عند

стр. 1460

مَنْ لَهُ عَقْلٌ؛ فَلَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى الْمُوَافِقِ [فِي النِّحْلَةِ] ١. وَالثَّانِي: مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فِي النِّحْلَةِ، وَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَحْكَامِ التكليفية؛ كدلالاة الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى الطَّلَبِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَدَلَالَةِ٢ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٨] ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٣] ، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] ؛ فَإِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَمْثَالَهَا لَمْ تُوضَعْ وَضْعَ الْبَرَاهِينِ، وَلَا أُتِيَ بِهَا فِي مَحَلِّ اسْتِدْلَالٍ، بَلْ جِيءَ بِهَا قَضَايَا يُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا مُسَلَّمَةً مُتَلَقَّاةً بِالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا بُرْهَانُهَا فِي الْحَقِيقَةِ الْمُعْجِزَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ الْآتِي بِهَا، فَإِذَا٣ ثَبَتَ بِرِهَانُ الْمُعْجِزَةِ؛ ثَبَتَ الصِّدْقُ وَإِذَا ثَبَتَ الصِّدْقُ؛ ثَبَتَ التَّكْلِيفُ عَلَى الْمُكَلَّفِ. فَالْعَالِمُ إِذَا اسْتَدَلَّ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ أَخَذَ الدَّلِيلَ إِنْشَائِيًّا كَأَنَّهُ هُوَ وَاضِعُهُ، وَإِذَا اسْتَدَلَّ بِالضَّرْبِ الثَّانِي أَخَذَهُ مَعْنًى مُسَلَّمًا لِفَهْمِ مُقْتَضَاهُ إِلْزَامًا وَالْتِزَامًا، فَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّلِيلِ عَلَى الضَّرْبَيْنِ؛ فَهُوَ إِطْلَاقٌ بِنَوْعٍ مِنِ اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ خِلَافُهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ جارٍ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي نَتِيجَةٌ أَنْتَجَتْهَا الْمُعْجِزَةُ فَصَارَتْ قولا مقبولا فقط.

стр. 1461

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي اللَّفْظِ؛ لَمْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِىِّ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَعْمِيمِ١ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، بِشَرْطِ٢ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَإِلَّا، فلا. فمثال ذلك مع وجود الشرط قوله تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يُونُسَ: ٣١] ؛ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ كَإِخْرَاجِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ مِنَ النُّطْفَةِ الْمَيِّتَةِ وَبِالْعَكْسِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَاهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ الْمَجَازِيَّيْنِ الْمُسْتَعْمَلَيْنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] ، وَرُبَّمَا ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ الْجَمِيعَ٣ مُرَادٌ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِتَعْمِيمِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَلِهَذَا الأصل أمثلة كثيرة.

стр. 1462

وَمِثَالُ مَا تَخَلَّفَ فِيهِ الشَّرْطُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] . فَالْمُفَسِّرُونَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكْرِ مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ أَوْ سُكْرُ النَّوْمِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ مُسْتَعْمَلٌ، وَأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْغُسْلَ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَلَوْ فُسِّرَ عَلَى أَنَّ السُّكْرَ هُوَ سُكْرُ الْغَفْلَةِ وَالشَّهْوَةِ وَحُبِّ الدُّنْيَا الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِ الْعِبَادَةِ فِي اعْتِبَارِ التَّقْوَى كَمَا مَنَعَ١ سُكْرُ الشَّرَابِ مِنَ الْجَوَازِ فِي صُلْبِ الْفِقْهِ، وَأَنَّ الْجَنَابَةَ الْمُرَادُ بِهَا التَّضَمُّخُ٢ بِدَنَسِ الذُّنُوبِ، وَالِاغْتِسَالُ هُوَ التَّوْبَةُ؛ لَكَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْ مِثْلَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا عَهْدَ لَهَا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْهَمُ٣ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالِاغْتِسَالِ إِلَّا الْحَقِيقَةَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّعْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] إِشَارَةٌ إلى خلق الْكَوْنَيْنِ٤؛ فَهَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ لَا فِي حَقَائِقِهَا الْمُسْتَعْمَلَةِ وَلَا فِي مَجَازَاتِهَا، وَرُبَّمَا نُقِلَ فِي [مَعْنَى] قَوْلِهِ ﷺ : "تداوَوا؛ فَإِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ" ٥ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً٦ إِلَى التَّدَاوِي بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَمْرَاضِ الذُّنُوبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ

стр. 1463

مُعْتَبَرٍ١؛ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مِثْلِهِ، وَأَوَّلُ قَاطِعٍ فِيهِ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَرَبِيًّا وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ إِنَّمَا جَاءَتْ عَلَى مَا هُوَ مَعْهُودٌ لَهُمْ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي مَوْضِعِهِ٢ من هذا الكتاب، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي مَوْضِعِهِ٢ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَإِنْ نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ نَحْوُهُ عَنْ رَجُلٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَالْقَوْلُ فِيهِ مبسوط بعد هذا٣ بحول الله.

стр. 1464

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ١: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِي السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيًّا، أَوْ لَا يَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا أَوْ فِي وَقْتٍ مَا، أَوْ لَا يَثْبُتُ بِهِ عَمَلٌ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيًّا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَلَا فِي الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِهِ، وَهِيَ السُّنَّةُ الْمُتَّبَعَةُ وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، كَانَ الدَّلِيلُ مِمَّا يَقْتَضِي إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ فِي الطِّهَارَاتِ وَالصَّلَوَاتِ عَلَى تَنَوُّعِهَا مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ، وَالزَّكَاةِ بِشُرُوطِهَا، وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ، وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالْبُيُوعِ وَسِوَاهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الشَّرِيعَةِ، وبيَّنها ﵊ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ إِقْرَارِهِ، وَوَقَعَ فِعْلُهُ أَوْ فِعْلُ صَحَابَتِهِ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيًّا، وَبِالْجُمْلَةِ سَاوَى الْقَوْلُ الْفِعْلَ وَلَمْ يُخَالِفْهُ بِوَجْهٍ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ وَصِحَّةِ الْعَمَلِ مِنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا عَمِلَ بِهِ الْأَوَّلُونَ؛ جَرَى فِيهِ مَا تَقَدَّمَ٢ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنَ اعْتِبَارِ٣ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَقَعَ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا قَلِيلًا أَوْ فِي وقت٤ من الأوقات أو حال

стр. 1465

مِنَ الْأَحْوَالِ، وَوَقَعَ إِيثَارُ غَيْرِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ دَائِمًا١ أَوْ أَكْثَرِيًّا؛ فَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ السُّنَّةُ الْمُتَّبَعَةُ وَالطَّرِيقُ السَّابِلَةُ٢، وَأَمَّا٣ مَا لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا؛ فَيَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ وَفِي الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِهِ، وَالْمُثَابَرَةُ عَلَى مَا هُوَ الْأَعَمُّ وَالْأَكْثَرُ؛ فَإِنَّ إِدَامَةَ الْأَوَّلِينَ لِلْعَمَلِ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذَا الْأَقَلِّ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى شَرْعِيٍّ، أَوْ لِغَيْرِ مَعْنًى شَرْعِيٍّ، وَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مَعْنًى شَرْعِيٍّ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى شَرْعِيٍّ تَحَرَّوُا الْعَمَلَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ الْقَلِيلِ كَالْمُعَارِضِ لِلْمَعْنَى الَّذِي تَحَرَّوُا الْعَمَلَ عَلَى وَفْقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا فِي الْحَقِيقَةِ٤؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَرِّي مَا تَحَرَّوْا وَمُوَافَقَةِ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا الْمَنْقُولَ الَّذِي قَلَّ الْعَمَلُ بِهِ مع ما كثر العمل به

стр. 1466

يَقْتَضِيَانِ١ التَّخْيِيرَ؛ فَعَمَلُهُمْ إِذَا حُقِّقَ النَّظَرُ فِيهِ لَا يَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّخْيِيرِ، بَلِ اقْتَضَى أَنَّ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ هُوَ الْأَوْلَى فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْوَاقِعُ عَلَى وَفْقِ الْآخَرِ لَا حَرَجَ فِيهِ، كَمَا نَقُولُ فِي الْمُبَاحِ مَعَ الْمَنْدُوبِ: إِنَّ وَضْعَهُمَا بِحَسَبِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ يُشْبِهُ الْمُخَيَّرَ فِيهِ؛ إِذْ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْجُمْلَةِ٢؛ فَصَارَ الْمُكَلَّفُ كَالْمُخَيَّرِ فِيهِمَا، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَنْدُوبُ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنَ الْمُبَاحِ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَإِلَى هَذَا٣؛ فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْأُصُولِ أَنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ لَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِهَا حُجَّةً مَا لَمْ يُعَضِّدْهَا دَلِيلٌ آخَرُ؛ لِاحْتِمَالِهَا فِي أَنْفُسِهَا، وَإِمْكَانِ٤ أَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْمُسْتَمِرُّ، وَمِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ٥ الْأَحْكَامِ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ تَرَجَّحَ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْقَلِيلِ، وَلِهَذَا الْقِسْمِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ لِلْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَجْهٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْقِلَّةِ، حَتَّى إِذَا عُدِمَ السَّبَبُ عُدِمَ الْمُسَبَّبُ، وله مواضع؛ كوقوعه بيانًا لحدود حدت.

стр. 1467

أَوْ أَوْقَاتٍ عُيِّنَتْ، أَوْ نَحْوِ١ ذَلِكَ. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَيْنِ٢، وَبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 1468

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ" ١؛ فَصَلَاتُهُ فِي الْيَوْمِ٢ فِي أَوَاخِرِ الْأَوْقَاتِ وَقَعَ موقع البيان لآخر وقت الِاخْتِيَارِيٍّ الَّذِي لَا يُتَعَدَّى، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُثَابِرًا عَلَى أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا عِنْدَ عَارِضٍ؛ كَالْإِبْرَادِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ٣ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ في السفر٤، وأشباه ذلك.

стр. 1469

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" ١، إِلَخْ بَيَانٌ لِأَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ لَا مُطْلَقًا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُفْهَمُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ" ٢ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَلِ٣ عَلَى وَفْقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ؛ فَالْأَمْرُ

стр. 1470

وَاضِحٌ. وَبِهِ أَيْضًا يُفْهَمُ١ وَجْهُ إِنْكَارِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَإِنْكَارِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَذَلِكَ٢، وَاحْتِجَاجِ عُرْوَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ"٣، وَلَفَظُ: "كَانَ يفعل" يقتضي الكثرة٤

стр. 1471

بِحَسَبِ الْعُرْفِ؛ فَكَأَنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِ فِي مُخَالَفَةِ ما دوام عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، كَمَا احْتَجَّ أَيْضًا أَبُو مَسْعُودٍ عَلَى الْمُغَيَّرَةِ بِأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى إِلَى أَنْ قَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتَ" ١ وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلدَّاخِلِ لِلْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ " ٢، وَأَشْبَاهِهِ. وَكَمَا جَاءَ فِي قِيَامِ رسول الله ﷺ في رمضان في المسجد، ثم ترك ذلك

стр. 1472

مَخَافَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ١، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ؛ حَتَّى جَاءَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَعَمِلَ بِذَلِكَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْإِيجَابِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ٢؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ كِبَارُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَنْصَرِفُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وَلَا يَقُومُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَاسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ٣. وَإِلَى هَذَا الْأَصْلِ٤ رَدَّتْ عَائِشَةُ تَرْكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْإِدَامَةَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؛ فَعَمِلَتْ بِهَا لِزَوَالِ الْعِلَّةِ بِمَوْتِهِ، فَقَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ٥ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي [سبحة] الضحى قط، وإني لأسبحها"٦.

стр. 1473

وَفِي رِوَايَةٍ: "وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعَ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ"١. وَكَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ: "لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ٢ مَا تَرَكْتُهَا"٣. فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا فَهِمَتْ مِنْ تَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ للمداومة على الضحى؛

стр. 1474

فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا١. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ ثُمَّ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ٢، وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْ ذَلِكَ -عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا- أَنَّ النَّهْيَ لِلرِّفْقِ؛ فَوَاصَلُوا٣، وَلَمْ يُوَاصِلُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا وَاصَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَانَ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْوِصَالِ، وَلَمْ يَتَخَوَّفُوا عَاقِبَتَهُ مِنَ الضَّعْفِ عَنِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ، وَحُكْمُهُ الَّذِي يَنْبَغِي فِيهِ الْمُوَافَقَةُ لِلْعَمَلِ الْغَالِبِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَتَرْكُ الْقَلِيلِ أَوْ تَقْلِيلُهُ حَسَبَمَا فَعَلُوهُ، أَمَّا فِيمَا كَانَ٤ تَعْرِيفًا بِحَدٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَقَدِ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ الْأَوَّلُ٥ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى؛ فَكَذَلِكَ يكون بالنسبة إلى

стр. 1475

مَا جَاءَ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وأما غيره؛ فكذلك أيضا، ويظهر ذلك بالنظر في الأمثرة الْمَذْكُورَةِ. فَقِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَرْكُهُ بِإِطْلَاقٍ مَخَافَةَ التَّشْرِيعِ يُوجَدُ مِثْلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ الْمُقْتَدَى بهم؛ فإن هؤلاء منتصبون١، لأن يقتد بِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَ، وَفِي بَابِ الْبَيَانِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ لِهَذَا٢ بَيَانٌ؛ فَيُوشِكُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْجَاهِلُ بِالْفِعْلِ إِذَا رَأَى الْعَالِمَ مُدَاوِمًا عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَسَدُّ الذَّرَائِعِ مَطْلُوبٌ مَشْرُوعٌ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الشَّرْعِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ لَهُ ذِكْرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ الصَّحَابَةُ كَمَا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ؛ فَلَا بَأْسَ، وَسُنَّتُهُمْ [سُنَّةٌ] مَاضِيَةٌ، وَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ فِيهَا هَذَا الْمَحْظُورَ الَّذِي هُوَ ظَنُّ الْوُجُوبِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا٣ عَلَى إِعْمَالِهِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ إِلَّا وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَيَتَحَرَّوْنَهُ أَيْضًا؛ فَكَانَ عَلَى قَوْلِهِمْ وَعَمَلِهِمِ الْقِيَامُ فِي الْبُيُوتِ أَوْلَى٤، وَلِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ أَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَسْتَظْهِرِ الْقُرْآنَ، أَوْ لِمَنْ لَا يَقْوَى إِلَّا بِالتَّأَسِّي، فَكَانَتْ أَوْلَوِيَّتُهُ لِعُذْرٍ كَالرُّخْصَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْبُيُوتَ أَوْلَى٥؛ فعلى كل
следующие страницы →