Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
بِحَسَبِ الْعُرْفِ؛ فَكَأَنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِ فِي مُخَالَفَةِ ما دوام عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، كَمَا احْتَجَّ أَيْضًا أَبُو مَسْعُودٍ عَلَى الْمُغَيَّرَةِ بِأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى إِلَى أَنْ قَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتَ" ١ وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلدَّاخِلِ لِلْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ " ٢، وَأَشْبَاهِهِ.
وَكَمَا جَاءَ فِي قِيَامِ رسول الله ﷺ في رمضان في المسجد، ثم ترك ذلك
стр. 1472
مَخَافَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ١، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ؛ حَتَّى جَاءَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَعَمِلَ بِذَلِكَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْإِيجَابِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ٢؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ كِبَارُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَنْصَرِفُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وَلَا يَقُومُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَاسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ٣.
وَإِلَى هَذَا الْأَصْلِ٤ رَدَّتْ عَائِشَةُ تَرْكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْإِدَامَةَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؛ فَعَمِلَتْ بِهَا لِزَوَالِ الْعِلَّةِ بِمَوْتِهِ، فَقَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ٥ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي [سبحة] الضحى قط، وإني لأسبحها"٦.
стр. 1473
وَفِي رِوَايَةٍ: "وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعَ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ"١.
وَكَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ: "لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ٢ مَا تَرَكْتُهَا"٣.
فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا فَهِمَتْ مِنْ تَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ للمداومة على الضحى؛
стр. 1474
فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا١.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ ثُمَّ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ٢، وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْ ذَلِكَ -عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا- أَنَّ النَّهْيَ لِلرِّفْقِ؛ فَوَاصَلُوا٣، وَلَمْ يُوَاصِلُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا وَاصَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَانَ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْوِصَالِ، وَلَمْ يَتَخَوَّفُوا عَاقِبَتَهُ مِنَ الضَّعْفِ عَنِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ.
وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ، وَحُكْمُهُ الَّذِي يَنْبَغِي فِيهِ الْمُوَافَقَةُ لِلْعَمَلِ الْغَالِبِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَتَرْكُ الْقَلِيلِ أَوْ تَقْلِيلُهُ حَسَبَمَا فَعَلُوهُ، أَمَّا فِيمَا كَانَ٤ تَعْرِيفًا بِحَدٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَقَدِ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ الْأَوَّلُ٥ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى؛ فَكَذَلِكَ يكون بالنسبة إلى
стр. 1475
مَا جَاءَ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وأما غيره؛ فكذلك أيضا، ويظهر ذلك بالنظر في الأمثرة الْمَذْكُورَةِ.
فَقِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَرْكُهُ بِإِطْلَاقٍ مَخَافَةَ التَّشْرِيعِ يُوجَدُ مِثْلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ الْمُقْتَدَى بهم؛ فإن هؤلاء منتصبون١، لأن يقتد بِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَ، وَفِي بَابِ الْبَيَانِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ لِهَذَا٢ بَيَانٌ؛ فَيُوشِكُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْجَاهِلُ بِالْفِعْلِ إِذَا رَأَى الْعَالِمَ مُدَاوِمًا عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَسَدُّ الذَّرَائِعِ مَطْلُوبٌ مَشْرُوعٌ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الشَّرْعِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ لَهُ ذِكْرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ الصَّحَابَةُ كَمَا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ؛ فَلَا بَأْسَ، وَسُنَّتُهُمْ [سُنَّةٌ] مَاضِيَةٌ، وَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ فِيهَا هَذَا الْمَحْظُورَ الَّذِي هُوَ ظَنُّ الْوُجُوبِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا٣ عَلَى إِعْمَالِهِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ إِلَّا وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَيَتَحَرَّوْنَهُ أَيْضًا؛ فَكَانَ عَلَى قَوْلِهِمْ وَعَمَلِهِمِ الْقِيَامُ فِي الْبُيُوتِ أَوْلَى٤، وَلِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ أَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَسْتَظْهِرِ الْقُرْآنَ، أَوْ لِمَنْ لَا يَقْوَى إِلَّا بِالتَّأَسِّي، فَكَانَتْ أَوْلَوِيَّتُهُ لِعُذْرٍ كَالرُّخْصَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْبُيُوتَ أَوْلَى٥؛ فعلى كل
стр. 1476
تقدير ما دوام عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْمُقَدَّمُ، وَمَا رَآهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ فَسُنَّةٌ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْبَغِي تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْهَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ العمل في الصحابة.
وأما١ صلاة الضحى؛ فشاهدة عَائِشَةَ بِأَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا قَطُّ دَلِيلٌ عَلَى قِلَّةِ عَمَلِهِ بِهَا، ثُمَّ الصَّحَابَةُ لَمْ يُنْقَلْ عنهم عموم العمل بها، وإنما دوام مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا مِنْهُمْ بِمَكَانٍ لَا يُتَأَسَّى بِهِمْ فِيهِ كَالْبُيُوتِ؛ عَمَلًا٢ بِقَاعِدَةِ الدَّوَامِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَلِأَنَّ عَائِشَةَ فَهِمَتْ أَنَّهُ لَوْلَا خَوْفُ الْإِيجَابِ لَدَاوَمَ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي عَمَلِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ؛ إِلَّا أَنَّ ضَمِيمَةَ إِخْفَائِهَا يَصُدُّ عَنِ الِاقْتِدَاءِ.
وَمِنْ هُنَا لَمْ تُشْرَعِ الْجَمَاعَةُ فِي النَّوَافِلِ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ فِي بَعْضِ مُؤَكَّدَاتِهَا؛ كَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَنَحْوِهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ بَيَّنَ ﵊ أَنَّ النَّوَافِلَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، حَتَّى جَعَلَهَا فِي ظَاهِرِ لفظ الحديث٣ أفضل من
стр. 1477
صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ الَّتِي يُصلى فِيهَا؛ فَلِذَلِكَ صَلَّى ﵊ فِي بَيْتِ مُلَيْكَةَ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ١، وَصَلَّى بِابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ بِاللَّيْلِ جَمَاعَةً٢، وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَلَا شَهَرَهُ فِيهِمْ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ [عَامَّةُ] عَمَلِهِ فِي النَّوَافِلِ عَلَى حَالِ الِانْفِرَادِ؛ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ كُلُّهَا -مَعَ مَا انْضَافَ إِلَيْهَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ٣ أَيْضًا لَمْ يُشْتَهَرْ٤ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ وَلَا وَاظَبُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ دَائِمًا وَلَا كَثِيرًا- أَنَّهُ مَرْجُوحٌ، وَأَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى أَصْلِ الذَّرِيعَةِ اشْتَدَّ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْقَضَايَا؛ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ أَوْلَى، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مَالِكٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُجِيزُ الجماعة في النافلة
стр. 1478
فِي الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَا يَكُونُ مَظِنَّةَ اشْتِهَارٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ يَكْرَهُهُ١.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوِصَالِ٢؛ فَإِنَّ الْأَحَقَّ وَالْأَوْلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَامَّتُهُمْ، وَلَمْ يُوَاصِلْ خَاصَّتُهُمْ حَتَّى كَانُوا فِي صِيَامِهِمْ كَالْعَامَّةِ فِي تَرْكِهِمْ لَهُ؛ لِمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْقُوَّةِ الَّتِي هِيَ أُنْمُوذَجٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إِنِّي أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" ٣، مَعَ أن بعض٤ من كاد يَسْرِدُ الصِّيَامَ قَالَ بَعْدَ مَا ضَعُفَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَطْلَبُ الْمُكَلَّفَ بِالرِّفْقِ وَالْقَصْدِ خَوْفَ الِانْقِطَاعِ -وَقَدْ مَرَّ لِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي كِتَابِ٦ الْأَحْكَامِ- فَكَانَ الْأَحْرَى الْحَمْلَ عَلَى التَّوَسُّطِ، وَلَيْسَ إِلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ وَمَا وَاظَبُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا؛ فَاحْمِلْ نَظَائِرَ هَذَا الضرب.
стр. 1479
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ١، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي عَلَى وُجُوهٍ:
- مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُحْتَمَلًا فِي٢ نَفْسِهِ؛ فَيَخْتَلِفُوا٣ فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَقْوَى عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ أَوْ يُخْتَلَفُ فِي أَصْلِهِ٤، وَالَّذِي هُوَ أَبْرَأُ لِلْعُهْدَةِ وَأَبْلَغُ فِي الِاحْتِيَاطِ تَرْكُهُ وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.
كَقِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ إِكْرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، فَإِنَّ الْعَمَلَ الْمُتَّصِلَ تَرْكُهُ؛ فَقَدْ كَانُوا لَا يَقُومُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ٥، وَكَانَ يَجْلِسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ٦، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ عَمَلٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ؛ حَتَّى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ قَامُوا له في المجلس؛ فقال: "إن تقوموا
стр. 1480
نَقُمْ، وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ، وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"١؛ فَقِيَامُهُ ﷺ لِجَعْفَرٍ ابْنِ عَمِّهِ٢ وَقَوْلُهُ: "قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ" ٣ إِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ فَالْأَوْلَى خِلَافُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ نَظَرْنَا فِيهِ وَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ٤ الْقِيَامُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ٥، أَوْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى اللِّقَاءِ لِشَوْقٍ يجده القائم للمقوم
стр. 1481
لَهُ، أَوْ لِيُفْسِحَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى يَجِدَ مَوْضِعًا لِلْقُعُودِ، أَوْ لِلْإِعَانَةِ عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَمَلُ.
وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَوْضِعُ؛ طُلِبْنَا بِالْوُقُوفِ مَعَ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ الْقَلِيلُ غَيْرَ١ مُعَارِضٍ لَهُ، فَنَحْنُ فِي اتِّبَاعِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى بَيِّنَةٍ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةٍ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ رَجَعْنَا إِلَى هَذَا الْمُحْتَمَلِ؛ لَمْ نَجِدْ فِيهِ مَعَ الْمُعَارِضِ الْأَقْوَى وَجْهًا لِلتَّمَسُّكِ إِلَّا مِنْ بَابِ التَّمَسُّكِ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لَا يَقْوَى قُوَّةَ مُعَارِضِهِ٢.
وَمِثْلُ ذَلِكَ قِصَّةُ مَالِكٍ مَعَ سُفْيَانَ فِي الْمُعَانَقَةِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ لَهُ: "كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِجَعْفَرٍ". فَقَالَ سُفْيَانُ: مَا يَخُصُّهُ يَخُصُّنَا، وَمَا يَعُمُّهُ يَعُمُّنَا إِذَا كُنَّا صَالِحِينَ٣، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ عَمِلَ فِي الْمُعَانَقَةِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ؛ فَجَعَلَ مُعَانَقَةَ النَّبِيِّ ﵊ أَمْرًا خَاصًّا، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ؛ فَالَّذِي يَنْبَغِي وَقْفُهُ عَلَى مَا جَرَى فِيهِ.
وَكَذَلِكَ تَقْبِيلُ الْيَدِ إِنْ فَرَضْنَا أَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ مَا رُوِيَ فِيهِ٤ فإنه لم يقع
стр. 1482
تَقْبِيلُ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا نَادِرًا، ثُمَّ لَمْ يَسْتَمِرَّ فِيهِ عَمَلٌ إِلَّا التَّرْكُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ فَدَلَّ عَلَى مَرْجُوحِيَّتِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ سُجُودُ الشُّكْرِ إِنْ فَرَضْنَا ثُبُوتَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْبَشَائِرِ الَّتِي تَوَالَتْ عَلَيْهِ، وَالنِّعَمِ الَّتِي أُفْرِغَتْ عَلَيْهِ إِفْرَاغًا؛ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مُوَاظَبَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا جَاءَ عَنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ مِثْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ إِذْ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ٢؛ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهِ تَرْكًا لِلْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ.
وَمِنْ هَذَا الْمَكَانِ يُتَطَلَّعُ إِلَى قَصْدِ مَالِكٍ ﵀ فِي جَعْلِهِ الْعَمَلَ٣ مُقَدَّمًا عَلَى الْأَحَادِيثِ؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا يُرَاعِي كُلَّ الْمُرَاعَاةِ الْعَمَلَ الْمُسْتَمِرَّ وَالْأَكْثَرَ٤ وَيَتْرُكُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَإِنْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ، وَكَانَ مِمَّنْ أَدْرَكَ التابعين وراقب
стр. 1483
أَعْمَالَهُمْ، وَكَانَ الْعَمَلُ الْمُسْتَمِرُّ فِيهِمْ مَأْخُوذًا عَنِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا فِيهِمْ إِلَّا وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ فِي قُوَّةِ الْمُسْتَمِرِّ.
وَقَدْ قِيلَ لِمَالِكٍ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّ التَّشَهُّدَ فَرْضٌ. فَقَالَ: "أَمَا كَانَ أَحَدٌ يَعْرِفُ التَّشَهُّدَ؟ ". فَأَشَارَ إِلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ١ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ كَالْمُبْتَدِعِ الَّذِي جَاءَ بِخِلَافِ مَا عليه ما تَقَدَّمَ.
وَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُفَ عَنِ الْأَذَانِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: "وَمَا حَاجَتُكَ إِلَى ذَلِكَ؟ فَعَجَبًا مِنْ فَقِيهٍ يَسْأَلُ عَنِ الْأَذَانِ"، ثُمَّ قَالَ لَهُ مَالِكٌ: "وَكَيْفَ الْأَذَانُ عِنْدَكُمْ؟ ". فَذَكَرَ مَذْهَبَهُمْ فِيهِ؛ فَقَالَ: "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ ". فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ بِلَالًا لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ سَأَلُوهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمْ، فَأَذَّنَ لَهُمْ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: "مَا أَدْرِي مَا أَذَانُ يَوْمٍ؟ وَمَا صَلَاةُ يَوْمٍ؟ هَذَا مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَلَدُهُ مِنْ بعد يُؤَذِّنُونَ فِي حَيَاتِهِ وَعِنْدَ قَبْرِهِ، وَبِحَضْرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ"٢.
فَأَشَارَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَثَبَتَ مُسْتَمِرًّا أَثْبَتُ فِي الِاتِّبَاعِ وَأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ٣.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي "الْعُتْبِيَّةِ"٤ أَصْلًا لِهَذَا الْمَعْنَى عَظِيمًا يَجِلُّ مَوْقِعُهُ عِنْدَ مَنْ نَظَرَ إِلَى مَغْزَاهُ، وَذَلِكَ أنه سئل عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِيهِ٥ الْأَمْرُ يُحِبُّهُ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا؛ فَقَالَ: "لَا يَفْعَلُ، لَيْسَ مِمَّا مَضَى من أمر الناس". فقيل له: إن أبا بكر الصديق
стр. 1484
-فِيمَا يَذْكُرُونَ- سَجَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شُكْرًا١؛ أَفَسَمِعْتَ ذلك؟ قال: "ما سمعت ذلك، و [أنا] أَرَى أَنْ [قَدْ] كَذَبُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا مِنَ الضَّلَالِ أَنْ يَسْمَعَ الْمَرْءُ الشَّيْءَ فَيَقُولَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ خِلَافًا". ثُمَّ قَالَ: "قَدْ فُتِحَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ؛ أَفَسَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ؟ إِذَا جَاءَكَ مِثْلُ هَذَا مِمَّا كَانَ فِي النَّاسِ وَجَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ لَا يُسْمَعُ عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ؛ فَعَلَيْكَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَذُكِرَ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِيهِمْ؛ فَهَلْ سَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ؟ فَهَذَا إِجْمَاعٌ، إِذَا جَاءَكَ الْأَمْرُ لَا تَعْرِفُهُ؛ فَدَعْهُ"٢.
هَذَا مَا قَالَ.
وَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الْعَمَلَ الْعَامَّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَفِي أَيِّ مَحَلٍّ وَقَعَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَلَائِلِ مَا نُقِلَ، وَلَا نَوَادِرِ الْأَفْعَالِ إِذَا عَارَضَهَا الْأَمْرُ الْعَامُّ وَالْكَثِيرُ.
- وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَلِيلُ خَاصًّا بِزَمَانِهِ أَوْ بِصَاحِبِهِ الذي عمل به، أو خاص بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ؛ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي غَيْرِ مَا تَقَيَّدَ بِهِ؛ كَمَا قَالُوا فِي مَسْحِهِ ﵊ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ فِي الْوُضُوءِ: أَنَّهُ كَانَ بِهِ مَرَضٌ٣، وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ ﵊ عن ادخار لحوم الأضاحي
стр. 1485
بَعْدَ ثلاثٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِذْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجَلِ الدَّافَّةِ" ١.
- وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا فُعِلَ فَلْتَةً٢؛ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَا يَشْرَعُهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا يَأْذَنُ فِيهِ ابْتِدَاءً لِأَحَدٍ؛ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ إِذْنًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ٣ الَّذِي بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﵊ فِي أَمْرٍ فَعَمِلَ فِيهِ، ثُمَّ رَأَى أَنْ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يَحُلَّهُ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ ﵊: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ" ٤، وَتَرَكَهُ كذلك حتى حكم الله فيه٥.
стр. 1486
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يَقْتَضِي أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا، أَمَّا الِابْتِدَاءُ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا دَوَامًا؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيهِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِزَمَانِهِ؛ إِذْ لَا وُصُولَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَقَدِ انْقَطَعَ بَعْدَهُ؛ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْقَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يُنْتَظُرَ١ الْحُكْمُ فِيهِ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، لَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ؛ فَإِذًا الْعَمَلُ بِمِثْلِهِ أَشَدُّ غَرَرًا؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ تَشْرِيعٌ يَشْهَدُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ [قَبْلَهُ] ٢ تَشْرِيعٌ؛ لَكَانَ اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ كَافِيًا فِي مَرْجُوحِيَّتِهِ.
- وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ رَأْيًا لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ؛ إِذْ كَانَ فِي زَمَانِهِ ﵊ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَيُجِيزَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الِاجْتِهَادِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَكَلَ بَرَدًا وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ؛ فَقِيلَ لَهُ: أَتَأْكُلُ الْبَرَدَ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ فَقَالَ: "إِنَّمَا هُوَ بَرَدٌ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ نُطَهِّرُ بِهِ بُطُونَنَا، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ"٣.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: "وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ لَمْ يقف النبي ﵊
стр. 1487
عَلَيْهِ١؛ فَيُعَلِّمَهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِيهِ". قَالَ٢: "وَقَدْ كَانَ مِثْلُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَلَمْ يرَ ذَلِكَ عُمَرُ شَيْئًا، إِذْ لَمْ يُخْبَرْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ"٣.
فَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ؛ قَالَ: "وَالَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ؛ قَالَ: كُنْتُ عَنْ يَمِينِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يُفْتِي النَّاسَ فِي الْغُسْلِ٤ مِنَ الْجَنَابَةِ بِرَأْيهِ. فَقَالَ: أَعْجِلْ٥ بِهِ عَلَيَّ! فَجَاءَ زَيْدٌ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تُفْتِيَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ مِنَ الجنابة في مسجد النبي عليه الصلاة والسام بِرَأْيِكَ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَفْتَيْتُ بِرَأْيِي، وَلَكِنِّي٦ سَمِعْتُ مِنْ أَعْمَامِي شَيْئًا فَقُلْتُ بِهِ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَعْمَامِكَ؟ فَقَالَ: مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيَّ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا يَقُولُ هَذَا الْفَتَى؟ فَقَلْتُ: إِنَّا كُنَّا نفعله٧ على عهد رسول الله
стр. 1488
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَا نَغْتَسِلُ. قَالَ: أَفَسَأَلْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: لَا". ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "لَئِنْ أُخبرت بِأَحَدٍ يَفْعَلُهُ ثُمَّ لَا يَغْتَسِلُ لَأَنْهَكْتُهُ عُقُوبَةً"١.
فَهَذَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ٢، وَالشَّاهِدُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا اسْتَمَرَّ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ عَلَى حَالٍ؛ فَكَفَى بِمِثْلِهِ حُجَّةً عَلَى التَّرْكِ.
- وَمِنْهَا: [إِمْكَانُ] أَنْ يَكُونَ عُمِلَ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ نُسِخَ، فَتُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ جُمْلَةً؛ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً بِإِطْلَاقٍ، فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ فِي مِثْلِهِ الْوُقُوفُ مَعَ الْأَمْرِ الْعَامِّ.
وَمِثَالُهُ حَدِيثُ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ٣؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِمْرَارُ عَمَلٍ بِهِ وَلَا كَثْرَةٌ، فَإِنَّ غَالِبَ الرِّوَايَةِ فِيهِ دَائِرَةٌ عَلَى عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ٤،] وَهُمَا أَوَّلُ من
стр. 1489
خَالَفَاهُ١ فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ، فَقَالَتْ: "أَطْعِمُوا عَنْهَا"٢، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] ٣؛ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ"٤.
قَالَ مَالِكٌ: "وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ أَمَرُوا أَحَدًا أَنْ يَصُومَ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ كل أحد عن نفسه"٥.
стр. 1490
فَهَذَا إِخْبَارٌ بِتَرْكِ الْعَمَلِ دَائِمًا فِي مُعْظَمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ يَلِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ١، كَمَا أَنَّهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ عَمَلِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ عَنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ الَّذِي فِي الْمُفَصَّلِ، وَقِيلَ لَهُ: أَتَسْجُدُ أَنْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ: "لَا". وَقِيلَ٢ لَهُ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لَكَ لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَقَالَ: "أَحَبُّ الْأَحَادِيثِ إِلَيَّ مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَجْتَمِعِ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ مِنْ حَدِيثِ النَّاسِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ؛ فَالْقُرْآنُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَفِيهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ٣؛ فَكَيْفَ بِالْأَحَادِيثِ؟ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَيْهِ"٤.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ النَّاسِخُ لِلْآخَرِ؛ إِذْ كَانُوا إِنَّمَا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥.
стр. 1491
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْيَا الْفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ"١، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَمَّا أَخَذَ مَالِكٌ بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ وَطَرَحَ مَا سِوَاهُ؛ انْضَبَطَ لَهُ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ عَلَى يُسْرٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَثَمَّ أَقْسَامٌ أخر يستل عَلَى الْحُكْمِ فِيهَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَتَحَرَّى الْعَمَلَ عَلَى وَفْقِ الْأَوَّلِينَ؛ فَلَا يُسَامِحُ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ بِالْقَلِيلِ؛ إِلَّا قَلِيلًا وَعِنْدَ الْحَاجَةِ وَمَسِّ الضَّرُورَةِ إِنِ اقْتَضَى٢ مَعْنَى التَّخْيِيرِ، وَلَمْ يَخَفْ٣ نَسْخَ العمل، أو عدم ٤ صحة في الدليل،
стр. 1492
أَوِ احْتِمَالًا١ لَا يَنْهَضُ بِهِ الدَّلِيلُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
أَمَّا لَوْ عَمِلَ بِالْقَلِيلِ دَائِمًا؛ لَلَزِمَهُ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: الْمُخَالَفَةُ لِلْأَوَّلِينَ فِي تَرْكِهِمُ الدَّوَامَ عَلَيْهَا، وَفِي مُخَالَفَةِ السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ مَا فِيهَا.
وَالثَّانِي٢: اسْتِلْزَامُ تَرْكِ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ؛ إِذِ الْفَرْضُ أَنَّهُمْ دَاوَمُوا عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْآثَارِ، فَإِدَامَةُ الْعَمَلِ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا لَمْ يُدَاوِمُوا عَلَيْهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ٣: أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى انْدِرَاسِ أَعْلَامِ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَاشْتِهَارِ مَا خَالَفَهُ؛ إِذِ الِاقْتِدَاءُ بِالْأَفْعَالِ أَبْلَغُ مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِالْأَقْوَالِ، فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ؛ كَانَ أَشَدَّ.
الحذرَ الحذرَ٤ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِينَ! فَلَوْ كَانَ ثَمَّ فَضْلٌ [مَا] ٥؛ لَكَانَ الْأَوَّلُونَ أَحَقَّ بِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَثْبُتَ عَنِ الْأَوَّلِينَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ عَلَى حَالٍ؛ فَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ جَارِيَةٌ هُنَا بِالْأَوْلَى، وَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا زَعَمُوا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَعْزُبْ عَنْ فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثُمَّ يَفْهَمُهُ هَؤُلَاءِ، فَعَمَلُ الْأَوَّلِينَ كَيْفَ كَانَ مُصَادِمٌ لِمُقْتَضَى هَذَا الْمَفْهُومِ وَمُعَارِضٌ لَهُ، وَلَوْ كَانَ تَرْكَ الْعَمَلِ٦؛ فَمَا عَمِلَ بِهِ
стр. 1493
الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأَوَّلِينَ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ١، فَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ؛ فَهُوَ السُّنَّةُ وَالْأَمْرُ الْمُعْتَبَرُ، وَهُوَ الْهُدَى، وَلَيْسَ ثَمَّ إِلَّا صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ؛ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ الْأَوَّلِينَ فَهُوَ عَلَى خَطَأٍ، وَهَذَا كافٍ٢، وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ الْعُلَمَاءُ بِمِثْلِهِ جارٍ هَذَا الْمَجْرَى٣.
وَمِنْ هُنَالِكَ لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ السُّنَّةِ دَعْوَى الرَّافِضَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ كَافَّةِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهِ أَوْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ، وَكَثِيرًا مَا تَجِدُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يُحَمِّلُونَهُمَا٤ مَذَاهِبَهُمْ، وَيُغَبِّرُونَ بِمُشْتَبِهَاتِهِمَا٥ فِي وُجُوهِ الْعَامَّةِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى شيء.
ولذلك أمثلة كثيرة كالاستلالات الباطنية على سوء مذهبهم بما هو شهير
стр. 1494
فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ، وَسَيَأْتِي مِنْهُ أَشْيَاءُ فِي دَلِيلِ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتِدْلَالِ التَّنَاسُخِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا زَعَمُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٨] .
وَكَثِيرٌ مِنْ فِرَقِ الِاعْتِقَادَاتِ١ تَعَلَّقَ بِظَوَاهِرَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي تَصْحِيحِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ؛ مِمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ وَلَا وَقَعَ بِبَالِ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهُ أَيْضًا اسْتِدْلَالُ مَنْ أَجَازَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْإِدَارَةِ٢، وَذِكْرَ اللَّهِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَبِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ٣ بِقَوْلِهِ ﵊: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ويتدارسُونه فِيمَا بَيْنَهُمُ" ٤ الْحَدِيثَ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ... " ٥ إِلَخْ، وَبِسَائِرِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ مجالس الذكر.
стр. 1495
وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ دُعَاءِ الْمُؤَذِّنِينَ بِاللَّيْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٥] .
وَبِجَهْرِ قُوَّامِ اللَّيْلِ بِالْقُرْآنِ، وَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى الرَّقْصِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا بِحَدِيثِ لَعِبِ الْحَبَشَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، وَقَوْلِهِ ﵊ لَهُمْ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ" ١.
وَاسْتِدْلَالُ كُلِّ مَنِ اخْتَرَعَ بِدْعَةً أَوِ اسْتَحْسَنَ مُحْدَثَةً لَمْ تَكُنْ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ، بِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَرَعُوا أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَكَتْبِ الْمُصْحَفِ، وَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ، وَتَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، وَتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَصْلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ٢؛ فَخَلَطُوا وَغَلِطُوا، واتبعوا ما
стр. 1496
تَشَابَهَ مِنَ الشَّرِيعَةِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَا، وَهُوَ كُلُّهُ خَطَأٌ عَلَى الدِّينِ، وَاتِّبَاعٌ لِسَبِيلِ الْمُلْحِدِينَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا هَذِهِ الْمَدَارِكَ، وَعَبَرُوا عَلَى١ هَذِهِ الْمَسَالِكِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَدْرَكُوا مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يفهمه الأولون، وحادوا٢ عَنْ فَهْمِهَا وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الصَّوَابُ إِذِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ هُمْ كَانُوا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا إِلَّا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمُحْدَثَاتُ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ، وَلَا عَمِلُوا بِهَا؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَرَعَةَ بِحَالٍ، وَصَارَ عَمَلُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ دَلِيلًا إِجْمَاعِيًّا عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ فِي استدلالاتهم٣ وَعَمَلِهِمْ مُخْطِئُونَ وَمُخَالِفُونَ٤ لِلسُّنَّةِ.
فَيُقَالُ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ: هَلْ وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَنْبَطْتَ فِي عَمَلِ الْأَوَّلِينَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ -وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ- فَيُقَالُ لَهُ: أَفَكَانُوا غَافِلِينَ عَمَّا تَنَبَّهْتَ لَهُ أَوْ جَاهِلِينَ بِهِ، أَمْ لَا؟ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ فَتْحٌ لِبَابِ الْفَضِيحَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَارِفِينَ بِمَآخِذِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، كَمَا كَانُوا عَارِفِينَ بِمَآخِذِ غَيْرِهَا؛ قِيلَ لَهُ: فَمَا الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا عَلَى٥ زَعْمِكَ حَتَّى خَالَفُوهَا إِلَى غَيْرِهَا؟ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِيهَا عَلَى الْخَطَأِ دُونَكَ أَيُّهَا المُتَقَوِّل، وَالْبُرْهَانُ الشَّرْعِيُّ وَالْعَادِيُّ دَالٌّ عَلَى عَكْسِ الْقَضِيَّةِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ مُخَالِفًا لما عليه السلف الصلاح؛ فَهُوَ الضَّلَالُ بِعَيْنِهِ.
فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مَا انْتَحَلَهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْأَوَّلِينَ، وَإِذَا كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ وَوُجِدَ لَهُ فِي الْأَدِلَّةِ مَسَاغٍ؛ فَلَا مخالفة، إنما
стр. 1497
الْمُخَالَفَةُ أَنْ يُعَانِدَ مَا نَقَلَ عَنْهُمْ بِضِدِّهِ، وَهُوَ الْبِدْعَةُ الْمُنْكَرَةُ، قِيلَ لَهُ: بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ مَا سُكِتَ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ تَكُونَ مَظِنَّةُ الْعَمَلِ بِهِ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا مَضَى فِيهِ؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَى مُخَالَفَتِهِ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ لِمَا عَمِلَ بِهِ هَؤُلَاءِ مُضَادٌ لَهُ، فَمَنِ اسْتَلْحَقَهُ صَارَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ.
وَالثَّانِي:
أَنْ لَا تُوجَدَ مَظِنَّةُ الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ تُوجَدَ؛ فَيُشْرَعُ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ يُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ فِي مِثْلِهِ، وَهِيَ الْمَصَالِحُ١ الْمُرْسَلَةُ، وَهِيَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا؛ إِذْ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ؛ فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُ ذَلِكَ تَحْتَ جِنْسِ الْبِدَعِ.
وَأَيْضًا؛ فَالْمَصَالِحُ٢ الْمُرْسَلَةُ -عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا- لَا تَدْخُلُ فِي التَّعَبُّدَاتِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ أَصْلِ الْمِلَّةِ، وَحِيَاطَةِ أَهْلِهَا فِي تَصَرُّفَاتِهِمُ الْعَادِيَّةِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ مَالِكًا وَهُوَ الْمُسْتَرْسِلُ فِي الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مُشَدِّدًا فِي الْعِبَادَاتِ أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِينَ؛ فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَكَرِهَ أَشْيَاءَ، وَإِنْ كَانَ إِطْلَاقُ الْأَدِلَّةِ لَا يَنْفِيهَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا تَقَيَّدَتْ مُطْلَقَاتُهَا بِالْعَمَلِ؛ فَلَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَمَهَّدَ أَيْضًا فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُطْلَقَ إِذَا وَقَعَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ؛ لَمْ يَكُنْ حجة في غيره٣.
стр. 1498
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ أَوِ الْإِذْنَ إِذَا وَقَعَ عَلَى أَمْرٍ لَهُ دَلِيلٌ مُطْلَقٌ؛ فَرَأَيْتُ الْأَوَّلِينَ قَدْ عَنَوْا١ بِهِ عَلَى وَجْهٍ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُهُمْ؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، بَلْ هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى دَلِيلٍ يَتْبَعُهُ فِي إِعْمَالِ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ؛ فَإِذًا لَيْسَ مَا انْتَحَلَ هَذَا الْمُخَالِفُ الْعَمَلَ بِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَلَا مِنْ قَبِيلِ مَا أَصْلُهُ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِذًا أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ٢ قَبِيلِ الْمُعَارِضِ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْأَقْدَمِينَ، وَكَفَى بِذَلِكَ مَزِلَّةُ قَدَمٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِعَمَلِ الْأَوَّلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ لَيْسَتْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِيهَا مَا هُوَ٣ خَفِيفٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَدِيدٌ، وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ يَسْتَدْعِي طُولًا؛ فلنَكِلْهُ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَكِنَّ الْمُخَالِفَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبْلُغَ فِي اجْتِهَادِهِ غاية الوسع٤ أو لا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِ الِاجْتِهَادَ حَقَّهُ وَقَصَّرَ فِيهِ؛ فَهُوَ آثِمٌ حَسْبَمَا بَيَّنَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ.
وَالثَّانِي:
أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ غلطا أو
стр. 1499
مُغَالَطَةً إِذْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَهْلُ الرُّتْبَةِ، وَلَا رَأَوْهُ أَهْلًا لِلدُّخُولِ مَعَهُمْ؛ فَهَذَا مَذْمُومٌ.
وَقَلَّمَا تَقَعُ الْمُخَالَفَةُ لِعَمَلِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقِسْمِ١؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ وإن اختلفوا فالأمر العام في المسائل أن يختلفوا إِلَّا فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ٢، أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ [مِنْ] مَوَارِدِ الظُّنُونِ لَا ذِكْرَ لَهُمْ فِيهَا؛ فَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الْأَوَّلِينَ فِي الْعَمَلِ، وَالثَّانِي يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَرَيَانُ عَلَى مَا ورد فيه العمل.
أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي٣؛ فَإِنَّ أَهْلَهُ لَا يَعْرِفُونَ مَا فِي مُوَافَقَةِ الْعَمَلِ مِنْ أَوْجُهِ الرُّجْحَانِ؛ فَإِنَّ مُوَافَقَتَهُ شَاهِدٌ لِلدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ، وَمُصَدِّقٌ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يُصَدِّقُهُ الْإِجْمَاعُ؛ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِعْلِيٌّ، بِخِلَافٍ٤ مَا إِذَا خَالَفَهُ؛ فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ مُوهِنَةٌ لَهُ أَوْ مكذبة.
стр. 1500
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ مُخَلِّصٌ لِلْأَدِلَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الْمَحَامِلِ١ الْمُقَدَّرَةِ الْمُوهِنَةِ٢؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَتَى نَظَرَ فِي دَلِيلٍ عَلَى مَسْأَلَةٍ احْتَاجَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، لَا يَسْتَقِيمُ إِعْمَالُ الدَّلِيلِ دُونَهَا، وَالنَّظَرُ فِي أَعْمَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَاطِعٌ لِاحْتِمَالَاتِهَا [حَتْمًا] ٣، وَمُعَيِّنٌ لِنَاسِخِهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا، وَمُبَيِّنٌ لِمُجْمَلِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ عَوْنٌ فِي سُلُوكِ سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ ظَوَاهِرَ الْأَدِلَّةِ إِذَا اعْتُبِرَتْ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى الْأَوَّلِينَ فِيهَا مُؤَدِّيَةٌ إِلَى التَّعَارُضِ وَالِاخْتِلَافِ وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعْنًى، وَلِأَنَّ تَعَارُضَ الظَّوَاهِرِ كَثِيرٌ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا.
وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِرْقَةً مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ وَلَا أَحَدًا مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَحْكَامِ لَا الْفُرُوعِيَّةِ وَلَا الْأُصُولِيَّةِ يَعْجِزُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَذْهَبِهِ بِظَوَاهِرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ ذَلِكَ أَمْثِلَةٌ، بَلْ قَدْ شَاهَدْنَا وَرَأَيْنَا مِنَ الْفُسَّاقِ مَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَسَائِلِ الْفِسْقِ بِأَدِلَّةٍ يَنْسُبُهَا إِلَى الشَّرِيعَةِ الْمُنَزَّهَةِ، وَفِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَالْأَخْبَارِ مِنْ ذَلِكَ أَطْرَافٌ مَا أَشْنَعَهَا٤ فِي الِافْتِئَاتِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَانْظُرْ فِي مَسْأَلَةِ التَّدَاوِي مِنَ الْخُمَارِ فِي "دُرَّةِ الْغَوَّاصِ"٥ لِلْحَرِيرِيِّ وَأَشْبَاهِهَا، بَلْ قَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ
стр. 1501
النَّصَارَى١ عَلَى صِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ الْآنَ بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ تَحَيَّلَ؛ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ فِي التَّوْحِيدِ، ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٣] .
فَلِهَذَا٢ كُلِّهِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ نَاظِرٍ فِي الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ مُرَاعَاةُ مَا فَهِمَ مِنْهُ الْأَوَّلُونَ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ فَهُوَ أَحْرَى بِالصَّوَابِ، وَأَقْوَمُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَلِهَذَا الْأَمْرِ سَبَبٌ نَذْكُرُهُ بِحَوْلِ الله على الاختصار، وهي:
стр. 1502
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ١:
فَاعْلَمْ أَنَّ أَخْذَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ يَقَعُ فِي الْوُجُودِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يُؤْخَذَ الدَّلِيلُ مَأْخَذَ الِافْتِقَارِ وَاقْتِبَاسِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْحُكْمِ لِيُعْرَضَ عَلَيْهِ النَّازِلَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِتَقَعَ فِي الْوُجُودِ عَلَى وِفَاقِ مَا أَعْطَى الدَّلِيلُ مِنَ الْحُكْمِ، أَمَّا قَبْلَ وُقُوعِهَا؛ فَبِأَنْ٢ تُوقَعَ عَلَى وَفْقِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا؛ فَلْيَتَلَافَى الْأَمْرَ، وَيَسْتَدْرِكِ الْخَطَأَ الْوَاقِعَ فِيهَا، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَوْ يَقْطَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ قَصْدُ الشَّارِعِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ شَأْنُ اقْتِبَاسِ السَّلَفِ الصَّالِحِ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يُؤْخَذَ مَأْخَذَ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى صِحَّةِ غَرَضِهِ فِي النَّازِلَةِ الْعَارِضَةِ، أَنْ يَظْهَرَ [فِي] ٣ بَادِئِ الرَّأْيِ مُوَافَقَةُ ذَلِكَ الْغَرَضِ لِلدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَنْزِيلُ الدَّلِيلِ عَلَى وَفْقِ غَرَضِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ شَأْنُ اقْتِبَاسِ الزَّائِغِينَ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَيَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ٤ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ؛ فَلَيْسَ مَقْصُودُهُمُ الاقتباس منها، وغنما مرادجهم الْفِتْنَةُ بِهَا بِهَوَاهُمْ؛ إِذْ هُوَ السَّابِقُ الْمُعْتَبَرُ، وَأَخْذُ الْأَدِلَّةِ فِيهِ بِالتَّبَعِ لِتَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي زَيْغِهِمْ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لَيْسَ لَهُمْ هَوًى يُقَدِّمُونَهُ عَلَى أَحْكَامِ الْأَدِلَّةِ؛ فَلِذَلِكَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ
стр. 1503
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، وَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] ، فيتبرؤون إِلَى اللَّهِ مِمَّا ارْتَكَبَهُ أُولَئِكَ الزَّائِغُونَ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مُحَكِّمِينَ لِلدَّلِيلِ عَلَى أَهْوَائِهِمْ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ لِتُخْرِجَ الْمُكَلَّفَ عَنْ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، وَأَهْلُ الْوَجْهِ الثَّانِي يُحَكِّمُونَ أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الْأَدِلَّةِ حَتَّى تَكُونَ الْأَدِلَّةُ فِي أَخْذِهِمْ لَهَا تَبَعًا، وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 1504
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ:
اقْتِضَاءُ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَحَالِّهَا عَلَى وَجْهَيْنِ١:
أَحَدُهُمَا:
الِاقْتِضَاءُ الْأَصْلِيُّ قَبْلَ طُرُوءِ الْعَوَارِضِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ عَلَى الْمَحَلِّ مُجَرَّدًا عَنِ التَّوَابِعِ وَالْإِضَافَاتِ؛ كَالْحُكْمِ بِإِبَاحَةِ الصَّيْدِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَسَنِّ النِّكَاحِ، وَنَدْبِ الصَّدَقَاتِ غَيْرَ الزَّكَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي:
الِاقْتِضَاءُ التَّبَعِيُّ، وَهُوَ الْوَاقِعُ عَلَى الْمَحَلِّ مَعَ اعْتِبَارِ التَّوَابِعِ وَالْإِضَافَاتِ؛ كَالْحُكْمِ بِإِبَاحَةِ النِّكَاحِ لِمَنْ لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، وَوُجُوبِهِ عَلَى مَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ، وَكَرَاهِيَةِ الصَّيْدِ لِمَنْ قَصَدَ فِيهِ اللَّهْوَ، وَكَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ حَضَرَهُ الطَّعَامُ أَوْ لِمَنْ يدافع٢ الأخبثان، وبالجمة كُلُّ مَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ الْأَصْلِيُّ لِاقْتِرَانِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ؛ فَهَلْ يَصِحُّ الاقتصار في الاستدلال على٣ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، أَمْ لَا بُدَّ من اعتبار التوابع والإضافات حتى يقيد٤ دَلِيلُ الْإِطْلَاقِ بِالْأَدِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِاعْتِبَارِهَا؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ نَظَرٌ وَتَفْصِيلٌ.
فَلَا يَخْلُو أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ عَلَى الْحُكْمِ مُفْرَدًا مُجَرَّدًا عَنِ اعتبار الواقع أو لا؛ فَإِنْ أَخَذَهُ مُجَرَّدًا صَحَّ الِاسْتِدْلَالُ، وَإِنَّ أَخَذَهُ٥ بِقَيْدِ الْوُقُوعِ فَلَا يَصِحُّ٦، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَأْخُوذَ بِقَيْدِ الْوُقُوعِ مَعْنَاهُ التَّنْزِيلُ عَلَى المناط
стр. 1505
الْمُعَيَّنِ، وَتَعْيِينُ الْمَنَاطِ مُوجَبٌ -فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّوَازِلِ- إِلَى ضَمَائِمَ وَتَقْيِيدَاتٍ لَا يَشْعُرُ الْمُكَلَّفُ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّعْيِينِ، وَإِذَا لَمْ يَشْعُرْ بِهَا لَمْ يَلْزَمْ بَيَانُهَا؛ إِذْ لَيْسَ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ، بِخِلَافِ [مَا] ١ إِذَا اقْتَرَنَ الْمَنَاطُ بِأَمْرٍ مُحْتَاجٍ إِلَى اعْتِبَارِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ فَلَا بُدَّ من اعتباره.
فقول الله تعالى: ﴿يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ٩٥] ، لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلًا كَانَتْ مُقَرِّرَةً لِحُكْمٍ أَصْلِيٍّ مُنَزَّلٍ عَلَى مَنَاطٍ [أَصْلِيٍّ] ١ مِنَ الْقُدْرَةِ وَإِمْكَانِ الامتثال وهو السابع؛ فلم يتنزل٢ حُكْمُ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَمَّا اشْتَبَهَ٣ ذُو الضَّرَرِ ظَنَّ أَنَّ عُمُومَ نَفْيِ الِاسْتِوَاءِ، يَسْتَوِي٤ فِيهِ ذُو الضَّرَرِ وَغَيْرُهُ، فَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلَ الرُّخْصَةَ؛ فَنَزَلَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ .
وَلَمَّا قَالَ ﵊: "مَنْ نُوقش الْحِسَابَ؛ عُذب" ٥ بناء على
стр. 1506
تأصيل قاعدة أخروي، سَأَلَتْ عَائِشَةُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٨] ؛ لِأَنَّهُ يُشْكِلُ دُخُولُهُ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ؛ فَبَيَّنَ ﵊ أَنَّ ذَلِكَ الْعَرْضُ لَا الْحِسَابُ الْمُنَاقَشُ فِيهِ.
وَقَالَ ﵊: "مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ" ١ إِلَخْ؛ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةِ: هَلْ هِيَ الطَّبِيعِيَّةُ٢ أَمْ لَا؟ فَأَخْبَرَهَا أَنْ "لَا" وَتَبَيَّنَ مَنَاطُ الْكَرَاهِيَةِ الْمُرَادَةِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] تَنْزِيلًا عَلَى الْمَنَاطِ الْمُعْتَادِ، فَلَمَّا عُرِضَ مَنَاطٌ آخَرُ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ الْمَرَضُ؛ بيَّنه ﵊ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ٣ حِينَ جُحِش شِقُّه.
وَقَالَ ﵊: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ" ٤، ثُمَّ لَمَّا تعين
стр. 1507
مُنَاطٌ فِيهِ نَظَرٌ؛ قَالَ ﵊ لِأَبِي ذَرٍّ: "لَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ" ١.
وَالْأَمْثِلَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا تُحْصَى، وَاسْتِقْرَاؤُهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ هَذَا التَّفْصِيلِ، فَلَوْ فُرِضَ نُزُولُ حُكْمٍ عَامٍّ، ثُمَّ أَتَى كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ يَتَثَبَّتُ فِي مُقْتَضَى ذَلِكَ الْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ لَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى وَفْقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، نَظِيرَ وَصِيَّتِهِ ﵊ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ وَوَصِيَّتِهِ لِبَعْضٍ بِأَمْرٍ آخَرَ؛ كَمَا قَالَ: "قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" ٢، وَقَالَ لآخر: "لا تغضب" ٣، وكما قَبِلَ من
стр. 1508
بَعْضِهِمْ جَمِيعَ مَالِهِ١، وَمِنْ بَعْضِهِمْ شَطْرَهُ٢، وَرَدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا أَتَى بِهِ٣ بَعْدَ تَحْرِيضِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَى سَائِرِ الْأَمْثَالِ.
فَصْلٌ
وَلِتَعَيُّنِ الْمَنَاطِ مَوَاضِعُ:
- مِنْهَا: الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِتَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ، كَمَا إِذَا نَزَلَتْ آيَةٌ أَوْ جَاءَ حَدِيثٌ عَلَى سَبَبٍ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَأْتِي بِحَسَبِهِ، وَعَلَى وَفَاقِ الْبَيَانِ التَّمَامُ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى٤: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [فَتَابَ عَلَيْكُمْ] ﴾ الآية
стр. 1509
[الْبَقَرَةِ: ١٨٧] ؛ إِذْ كَانَ نَاسٌ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ؛ فَجَاءَتِ الْآيَةُ تُبِيحُ لَهُمْ مَا كَانَ مَمْنُوعًا قَبْلُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ خِيَانَةً منهم لأنفسهم.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ١﴾ الآية [النساء: ٣] ؛ إِذْ نَزَلَتْ عِنْدَ وُجُودِ مَظِنَّةِ خَوْفِ أَنْ لَا يُقْسِطُوا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... " ٢ الْحَدِيثَ، أَتَى فِيهِ بِتَمْثِيلِ الْهِجْرَةِ لَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَبُ، وَقَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" ٣ مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْأَعْقَابِ يُسَاوِيهَا حُكْمًا، لَكِنَّهُ كَانَ السَّبَبُ فِي الْحَدِيثِ التقصير في الاستيعاب في غسل الرجلين، ومع ذَلِكَ كَثِيرٌ.
- وَمِنْهَا: أَنْ يُتَوَهَّمَ بَعْضُ الْمَنَاطَاتِ دَاخِلًا فِي حُكْمٍ [عَامٍّ] ، أَوْ خَارِجًا عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ٤؛ فَمِثَالُ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ؛ عذب" ٥.
стр. 1510
وَقَوْلُهُ: "مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" ١.
وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُصَلِّي: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ وقد جاء فيما نزل علي ّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [إِذَا دَعَاكُمْ] ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ؟ " ٢.
أَوْ كَمَا قَالَ ﵊؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا ثَبَتَ عَلَى صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ نَازِلَتَهُ الْمُعَيَّنَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا مَعْنَى الْآيَةِ.
- وَمِنْهَا: أَنْ يَقَعَ اللَّفْظُ الْمُخَاطَبُ بِهِ مُجْمَلًا، بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الْمَقْصُودُ بِهِ ابْتِدَاءً؛ فَيَفْتَقِرُ الْمُكَلَّفُ عِنْدَ الْعَمَلِ إِلَى بَيَانِهِ، وَهَذَا الْإِجْمَالُ قَدْ يَقَعُ لِعَامَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؛ فَمِثَالُ الْعَامِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ١٠] ؛ فَإِنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمَقْصُودَ بِهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ؛ فَجَاءَتْ أَقْوَالُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالُهُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ.
وَمِثَالُ الْخَاصِّ٣ قِصَّةُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ٤ فِي فهم الخيط الأبيض من
следующие страницы →