← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قَوْلِي: إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ؛ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ [اللَّهُ] ١ عَلَيَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنّ﴾ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ [التَّوْبَةِ: ٧٥-٧٨] ؛ أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ؟ ". قُلْنَا: لَا. قَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ، أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآءُ، وَأَمَّا قَوْلِي: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ؛ فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَال﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٧٢] ؛ فَكُلُّ إِنْسَانٍ مُؤْتَمَنٍ عَلَى دَيْنِهِ، فَالْمُؤْمِنُ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَيَصُومُ وَيُصَلِّي فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْمُنَافِقُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ؟ ". قُلْنَا: لَا. قَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ، أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بَرَآءُ" ٢. وَمَنْ تَأَمَّلَ الشَّرِيعَةَ وَجَدَ مِنْ هَذَا مَا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ قَلْبُهُ فِي اعْتِمَادِ هَذَا الْأَصْلِ، وَبِاللَّهِ التوفيق.

стр. 1612

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي ضَرْبَانِ١ صَرِيحٌ، وَغَيْرُ صَرِيحٍ، فَأَمَّا الصَّرِيحُ؛ فَلَهُ نَظَرَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِهِ لَا يُعْتَبَرُ٢ فِيهِ عِلَّةٌ مَصْلَحِيَّةٌ، وَهَذَا٣ نَظَرُ مَنْ يَجْرِي مَعَ مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ٤ مَجْرَى التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيلٍ؛ فَلَا فَرْقَ عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا النَّظَرِ بَيْنَ أَمْرٍ وَأَمْرٍ، وَلَا بَيْنَ نَهْيٍ وَنَهْيٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ مَعَ قَوْلِهِ: "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ" ٥. وَقَوْلِهِ: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] . وَقَوْلِهِ: "وَلَا تَصُومُوا يَوْمَ النَّحْرِ" ٦ مَثَلًا مَعَ قوله: "لا تواصلوا" ٧.

стр. 1613

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْهَمُ١ فِيهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَهَذَا نَحْوَ مَا فِي "الصَّحِيحِ"؛ أَنَّهُ ﵊ خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ ابن كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي؛ فَقَالَ ﵊: "يَا أُبَيُّ! "؛ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى فخفف فَخَفَّفَ ثُمَّ انْصَرَفَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أُبَيُّ! مَا مَنَعَكَ أن تجيبني إذ دَعَوْتُكَ؟ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنْتُ أُصَلِّي. فَقَالَ: "أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ؟ ". قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ٢ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ؛ فَهَذَا مِنْهُ ﵊ إِشَارَةٌ٣ إِلَى النَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُعَارِضٌ. وَفِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ؛ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: "اجْلِسُوا". فَجَلَسَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ له: "تعال يا

стр. 1614

عَبْدَ اللَّهِ" ١. وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالطَّرِيقِ يَقُولُ: "اجْلِسُوا". فَجَلَسَ بِالطَّرِيقِ، فَمَرَّ بِهِ ﵊؛ فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ ". فَقَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ اجْلِسُوا. فَقَالَ لَهُ: "زَادَكَ اللَّهُ طاعة"٢.

стр. 1615

وَفِي الْبُخَارِيِّ: قَالَ ﵊ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" ١، فَأَدْرَكَهُمْ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الطَّرِيقِ؛ فَقَالَ بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، وَلَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ فلم يعنف٢ واحدة من الطائفتين.

стр. 1616

...........................................................................................................

стр. 1617

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَسَخُوا الْبَيْعَ الْوَاقِعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ؛ لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْع﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] . وَهَذَا وَجْهٌ مِنَ الِاعْتِبَارِ يُمْكِنُ الِانْصِرَافُ إِلَيْهِ وَالْقَوْلُ بِهِ عَامًّا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَرْجَحَ مِنْهُ، وَلَهُ مَجَالٌ فِي النَّظَرِ مُنْفَسِحٌ؛ فَمِنْ وُجُوهِهِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَخْلُو أَنْ نَعْتَبِرَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الْمَصَالِحَ، أَوَّلًا، فَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهَا؛ فَذَلِكَ أَحْرَى فِي الْوُقُوفِ مَعَ مُجَرَّدِهَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَاهَا؛ فَلَمْ يَحْصُلْ١ لَنَا مِنْ مَعْقُولِهَا أَمْرٌ يَتَحَصَّلُ٢ عِنْدَنَا دُونَ٣ اعْتِبَارِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي؛ فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ عَلِمْنَاهَا عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَنَحْنُ جَاهِلُونَ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ فَقَدْ عَلِمْنَا أن حد الزنى مثلا لمعنى الزجر بكونه٤ في

стр. 1618

الْمُحْصَنِ الرَّجْمَ، دُونَ ضَرْبِ الْعُنُقِ، أَوِ الْجَلْدِ إِلَى الْمَوْتِ، أَوْ إِلَى عَدَدٍ مَعْلُومٍ، أَوِ السَّجْنِ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوْ بَذْلِ مَالٍ كَالْكَفَّارَاتِ، وَفِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ دون رجم، أَوِ الْقَتْلِ أَوْ زِيَادَةِ عَدَدِ الْجَلْدِ عَلَى الْمِائَةِ أَوْ نُقْصَانِهِ عَنْهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الزَّجْرِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْعَقْلِ. هَذَا كُلُّهُ لَمْ نَقِفْ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ فِيمَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ نَعْقِلْ ذَلِكَ -وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلْعُقُولِ- دَلَّ عَلَى أَنَّ فِيمَا حُدَّ مِنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لَا نَعْلَمُهَا، وَهَكَذَا يُجْرَى الْحُكْمُ فِي سَائِرِ مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، أَمَّا التَّعَبُّدَاتُ١؛ فَهِيَ أَحْرَى بِذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ لَنَا إِذًا وِزْرٌ٢ دُونَ الْوُقُوفِ مَعَ مُجَرَّدِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي. وَكَثِيرًا٣ مَا يَظْهَرُ لَنَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ لِلْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ مَعْنًى مَصْلَحِيٌّ، وَيَكُونُ٤ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، يُبَيِّنُهُ نَصٌّ آخَرُ يُعَارِضُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى ذَلِكَ النَّصِّ دُونَ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَأَيْضًا٥؛ فَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا بد فيه من معنى

стр. 1619

تَعَبُّدِيٍّ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ لَمْ يَكُنْ لِإِهْمَالِهِ سَبِيلٌ؛ فَكُلُّ مَعْنَى يُؤَدِّى إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا سَبِيلَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، فَإِذَا الْمَعْنَى١ الْمَفْهُومُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِنْ كَرَّ عَلَيْهِ بِالْإِهْمَالِ؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا؛ فَالْحَاصِلُ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ دُونَهُ؛ فَآلَ الْأَمْرُ فِي الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى اعْتِبَارِهَا مَعَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي إِعْرَاضٌ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ الْمَعْلُومَةِ؛ كَمَا فِي قَوْلِ٢ الْقَائِلِ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي بَالَ فِيهِ الْإِنْسَانُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاءِ؛ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا أَيْضًا مَعَارِضٌ بِمَا يُضَادُّهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ فِي تَتَبُّعِ الْمَعَانِي مَعَ إِلْغَاءِ الصِّيَغِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﵊: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شاةٌ" ٣: إِنَّ الْمَعْنَى قِيمَةُ شَاةٍ؛ لِأَنَّ المقصود سد الخلة، وذلك حاصل

стр. 1620

بِقِيمَةِ الشَّاةِ؛ فَجَعَلَ الْمَوْجُودَ مَعْدُومًا، وَالْمَعْدُومَ مَوْجُودًا، وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَنْ لَا تَكُونَ الشَّاةُ وَاجِبَةٌ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهِ الْمُخَالَفَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ تَتَبُّعِ الْمَعَانِي. وَإِذَا كَانَتِ الْمَعَانِي غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَقْصُودُ الصِّيَغِ؛ فَاتِّبَاعُ أَنْفُسِ الصِّيَغِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ وَاجِبٌ لِأَنَّهَا مَعَ الْمَعَانِي كَالْأَصْلِ مَعَ الْفَرْعِ، وَلَا يَصِحُّ اتِّبَاعُ الْفَرْعِ مَعَ إِلْغَاءِ الْأَصْلِ، وَيَكْفِي مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى رُجْحَانِ هَذَا النَّحْوِ مَا ذُكِرَ. وَالثَّانِي مِنَ النَّظَرَيْنِ: هُوَ مِنْ حَيْثُ يُفْهَمُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي قَصْدٌ شَرْعِيٌّ بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ١، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنَ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ أَوِ الْمَقَالِيَّةِ الدالة على

стр. 1621

أَعْيَانِ الْمَصَالِحِ فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَالْمَفَاسِدِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ١؛ فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالْإِدَامَةُ٢ لَهَا، وَمِنْ قَوْلِهِ: "اكْلَفُوا مِنَ العمل ما لكم له طَاقَةٌ" ٣ الرِّفْقُ بِالْمُكَلَّفِ خَوْفَ الْعَنَتِ أَوِ الِانْقِطَاعِ، لَا أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْسُ التَّقْلِيلِ مِنَ الْعِبَادَةِ، أَوْ تَرْكُ الدَّوَامِ عَلَى التَّوَجُّهِ لِلَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] مَقْصُودُهُ الْحِفْظُ عَلَى إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَعَدَمُ التَّفْرِيطِ فِيهَا، لَا الْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا فَقَطْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] جارٍ مَجْرَى التَّوْكِيدِ لِذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُلَابَسَةِ الشَّاغِلِ عَنِ السَّعْيِ، لَا أَنَّ الْمَقْصُودَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا٤ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، عَلَى حَدِّ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ٥، أَوْ بَيْعِ الرِّبَا، أَوْ نَحْوِهِمَا٦. وَكَذَلِكَ إِذَا قال: "لا تصوموا يوم النحر" ٧ المفهوم مَثَلًا قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى تَرْكِ إِيقَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ خُصُوصًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: "لَا تُوَاصِلُوا" ٨، أَوْ قوله: "لا

стр. 1622

تَصُومُوا الدَّهْرَ" ١ الرِّفْقُ بِالْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيمَا لَا يُحْصِيهِ وَلَا يَدُومُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ ﵊ يُوَاصِلُ وَيَسْرُدُ الصَّوْمَ٢، كان يصوم حتى يقال٣: لا يفطر، ويفطر حتى يقال٣: لا يصوم٤. وواصل ﵊، وواصل السلف الصالح مع علمهم بالنهي؛ تحققًا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة٥، لا أن مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الَّتِي مَغْزَاهَا رَاجِعٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ مَغْزَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْإِبَاحَةُ٦، وَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ لَا تَقْتَضِي بِوَضْعِهَا الْأَصْلِيِّ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٢] ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض﴾ [الْجُمُعَةِ: ١٠] ؛ إِذْ عُلِمَ قطعًا أن مقصود

стр. 1623

الشَّارِعِ لَيْسَ مُلَابَسَةَ الِاصْطِيَادِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ، وَلَا الِانْتِشَارَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَدْ زَالَ، وَهُوَ انْقِضَاءُ١ الصَّلَاةِ، وَزَوَالُ٢ حُكْمِ الْإِحْرَامِ. فَهَذَا النَّظَرُ يُعَضِّدُهُ الِاسْتِقْرَاءُ أَيْضًا، وَقَدْ مَرَّ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ شَرْعًا، وَأَنَّ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهَا، فَلَوْ تَرَكْنَا اعْتِبَارَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لَكُنَّا قَدْ خَالَفْنَا٣ الشَّارِعَ مِنْ حَيْثُ قَصْدِنَا مُوَافَقَتَهُ، فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ وَقَعَ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا أَلْغَيْنَا النَّظَرَ فِيهَا فِي التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ؛ كُنَّا قَدْ أَهْمَلْنَا فِي الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الْأَمْرِ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِيهِ؛ فَيُوشِكُ٤ أَنْ نُخَالِفَهُ فِي بَعْضِ مَوَارِدِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوِصَالَ وَسَرْدَ٥ الصِّيَامِ قَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَقَدْ وَاصَلَ ﵊ بأصحابه حين نهاهم فلم ينتهوا٦.

стр. 1624

وَفِي هَذَا أَمْرَانِ إِنْ أَخَذْنَا بِظَاهِرِ النَّهْيِ: أحدهما: أنه نهاهم فلم ينتهوا؛ فلوا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ ظَاهِرُهُ لَكَانُوا قَدْ عَانَدُوا نَهْيَهُ بِالْمُخَالَفَةِ مُشَافَهَةً، وَقَابَلُوهُ بِالْعِصْيَانِ صُرَاحًا، وَفِي الْقَوْلِ بِهَذَا مَا فِيهِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ وَاصَلَ بِهِمْ حِينَ لَمْ يَمْتَثِلُوا نَهْيَهُ، وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لَكَانَ تَنَاقُضًا١، وَحَاشَى لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ النَّهْيُ لِلرِّفْقِ بِهِمْ خَاصَّةً، وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يُسَامِحُوا أَنْفُسَهُمْ بِالرَّاحَةِ، وَطَلَبُوا فَضِيلَةَ احْتِمَالِ التَّعَبِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ؛ أَرَادَ ﵊ أَنْ يُرِيَهُمْ بِالْفِعْلِ مَا نَهَاهُمْ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ دُخُولُ الْمَشَقَّةِ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ نَهْيَهُ ﵊ هُوَ الرِّفْقُ بِهِمْ، وَالْأَخْلَقُ بِالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لَا يَصْبِرُونَ عَلَى احْتِمَالِ اللَّأْوَاءِ٢ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِمْ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَأَمَرَ بِأَشْيَاءَ، وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهَا إِطْلَاقًا لِيَحْمِلَهَا الْمُكَلَّفُ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى التَّوَسُّطِ، لَا عَلَى مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَجَاءَ الْأَمْرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمُطْلَقَةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ وَسَائِرِ الْمَنَاهِي الْمُطْلَقَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ جُعِلَ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَمُنَّتُهُ٣، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ مُجَرَّدًا مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي. وَقَدْ نَهَى ﵊ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ٤، وَذَكَرَ مِنْهُ أشياء؛ كبيع

стр. 1625

الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُزْهَى١، وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ٢، وَالْحَصَاةِ٣ وَغَيْرِهَا. وَإِذَا أَخَذْنَا بِمُقْتَضَى مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ امْتَنَعَ عَلَيْنَا بَيْعٌ كَثِيرٌ مِمَّا هُوَ جَائِزٌ بيعه

стр. 1626

وَشِرَاؤُهُ؛ كَبَيْعِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْقَسْطَلِ١ فِي قِشْرِهَا، وَبَيْعِ الْخَشَبَةِ٢ وَالْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ، وَالْمَقَاثِي كُلِّهَا، بَلْ كَانَ يَمْتَنِعُ كُلُّ مَا فِيهِ وَجْهٌ مَغَيَّبٌ؛ كَالدِّيَارِ، وَالْحَوَانِيتِ الْمُغَيَّبَةِ الْأُسُسِ، وَالْأَنْقَاضِ٣، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ بِالْجَوَازِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصِحُّ٤ فِيهِ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ غَرَرًا مُتَرَدِّدًا٥ بَيْنَ السَّلَامَةِ وَالْعَطَبِ؛ فَهُوَ مِمَّا خُصَّ بِالْمَعْنَى٦ الْمَصْلَحِيِّ، وَلَا يُتْبَعُ فِيهِ اللفظ بمجرده.

стр. 1627

وَأَيْضًا؛ فَالْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ عَلَى تساوٍ فِي دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا هُوَ مِنْهَا أَمْرُ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ وَمَا هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ لَا تُعْلَمُ مِنَ النُّصُوصِ، وَإِنْ عُلِمَ مِنْهَا بَعْضٌ؛ فَالْأَكْثَرُ مِنْهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَمَا حَصَلَ لَنَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا إِلَّا بِاتِّبَاعِ الْمَعَانِي، وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَصَالِحِ، وَفِي أَيِّ مَرْتَبَةٍ١ تَقَعُ، وَبِالِاسْتِقْرَاءِ٢ الْمَعْنَوِيِّ، وَلَمْ نَسْتَنِدْ فِيهِ لِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ فِي الْأَمْرِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ، لَا عَلَى أَقْسَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالنَّهِيُ كَذَلِكَ أَيْضًا، بَلْ نَقُولُ: كَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ مَعْنَى٣ الْمُسَاقِ فِي دَلَالَةِ الصِّيَغِ، وَإِلَّا صَارَ ضحكة وهزءة٤، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ أَسَدٌ أَوْ حِمَارٌ، أَوْ عَظِيمُ الرَّمَادِ، أَوْ جَبَانُ الْكَلْبِ، وفلانة بعيدة مهوى القرط٥، وما لا

стр. 1628

يَنْحَصِرُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، لَوِ اعْتُبِرَ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ ؟ وَعَلَى هَذَا الْمُسَاقِ يَجْرِي التَّفْرِيقُ١ بَيْنَ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَصَبِّهِ مِنَ الْإِنَاءِ فِيهِ. وَقَدْ حَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ٢ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ٣ أَنَّهُ نَاظَرَ أَبَا بَكْرِ بْنَ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيَّ فِي الْقَوْلِ بِالظَّاهِرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ٣: "أَنْتَ تَلْتَزِمُ الظَّوَاهِرَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] ؛ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّتَيْنِ؟ فَقَالَ مُجِيبًا: الذَّرَّتَانِ ذَرَّةٌ وَذَرَّةٌ. فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ٣: فَلَوْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَنِصْفٍ؟ فَتَبَلَّدَ وَانْقَطَعَ"٤. وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَذْهَبَ دَاوُدَ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ٥، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ تَغَالِيًا فِي رَدِّ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ؛ فالعمل بالظواهر أيضًا

стр. 1629

عَلَى تَتَبُّعٍ وتغالٍ بَعِيدٌ عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، كَمَا أَنَّ إِهْمَالَهَا إِسْرَافٌ أَيْضًا، كَمَا تَقَدَّمَ [تَقْرِيرُهُ] فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَسَيُذْكَرُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَعَمِلَ الْعَامِلُ عَلَى مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ مِنْ عِلَّةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَهُوَ جارٍ عَلَى السَّنَنِ الْقَوِيمِ، مُوَافِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي وِرْدِهِ وَصَدَرِهِ، وَلِذَلِكَ أَخَذَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَنْفُسَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالتَّحَرِّي فِي الْأَخْذِ بِالْعَزَائِمِ، وَقَهَرُوهَا تَحْتَ مَشَقَّاتِ التَّعَبُّدِ؛ فَإِنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ وَارِدَةٌ مَقْصُودَةٌ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي ﴿لِنَنْظُرَ ١ كَيْفَ تَعْمَلُون﴾ [يُونُسَ: ١٤] ، وَ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: ٢] . لَكِنَّ لَمَّا كَانَ الْمُكَلَّفُ ضَعِيفًا فِي نَفْسِهِ، ضَعِيفًا فِي عَزْمِهِ ضَعِيفًا فِي صَبْرِهِ؛ عَذَرَهُ رَبُّهُ الَّذِي عَلِمَهُ كَذَلِكَ وَخَلَقَهُ عَلَيْهِ؛ فَجَعَلَ٢ لَهُ مِنْ جِهَةِ ضَعْفِهِ رِفْقًا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ فِي الدُّخُولِ فِي الْأَعْمَالِ، وَأَدْخَلَ فِي قَلْبِهِ حُبَّ الطَّاعَةِ وَقَوَّاهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَعَهُ عِنْدَ صَبْرِهِ عَلَى بَعْضِ الزَّعَازِعِ الْمُشَوَّشَةِ، وَالْخَوَاطِرِ الْمُشْغِبَةِ٣، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُ مَجَالًا فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عن صَدَمَاتِهِ، وَتَهْيِئَةً لَهُ فِي أَوَّلِ الْعَمَلِ بِالتَّخْفِيفِ، اسْتِقْبَالًا بِذَلِكَ ثِقَلَ الْمُدَاوَمَةِ، حَتَّى لَا يَصْعُبَ عليه البقاء فيه والاستمرار عليه، فإذا دخل الْعَبْدَ حُبُّ الْخَيْرِ، وَانْفَتَحَ لَهُ يُسْرُ الْمَشَقَّةِ؛ صار

стр. 1630

الثَّقِيلُ عَلَيْهِ خَفِيفًا، فَتَوَخَّى مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٨] ، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٦] . فَكَأَنَّ الْمَشَقَّةَ وضدها إضافيان لا حقيقيتان١ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسَائِلِ الرُّخَصِ فَالْأَمْرُ مُتَوَجِّهٌ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَقِيهُ نَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الْمُرَادُ بِهِمَا الرِّفْقُ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعَبْدِ؛ اشْتَرَكَتِ الرُّخْصُ مَعَهُمَا فِي هَذَا الْقَصْدِ، فَكَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي الْعَزَائِمِ مَقْصُودًا أَنْ يَمْتَثِلَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَفِي الرِّفْقِ رَاجِعًا إِلَى جِهَةِ الْعَبْدِ: إِذَا اخْتَارَ مُقْتَضَى الرِّفْقِ؛ فَمِثْلَ الرُّخْصَةِ، وَإِذَا اخْتَارَ خِلَافَهُ؛ فَعَلَى مُقْتَضَى الْعَزِيمَةِ الَّتِي اقْتَضَاهَا قَوْلُهُ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٨] وَأَشْبَاهُهُ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي غَيْرُ الصَّرِيحَةِ؛ فَضُرُوبٌ: أَحَدُهَا: مَا جَاءَ مَجِيءَ الْإِخْبَارِ عَنْ تَقْرِيرِ الْحُكْمِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٣] . ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٣] . ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ٢ [النِّسَاءِ: ١٤١] . ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِين﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْأَمْرِ؛ فَهَذَا ظَاهِرُ الْحُكْمِ، وَهُوَ جارٍ مَجْرَى الصَّرِيحِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَالثَّانِي: مَا جَاءَ مَجِيءَ مَدْحِهِ أَوْ مَدْحِ فَاعِلِهِ فِي الأوامر، أو ذمه أو ذم فاعله

стр. 1631

فِي النَّوَاهِي، وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ فِي الْأَوَامِرِ وَتَرْتِيبِ الْعِقَابِ فِي النَّوَاهِي أَوِ الْإِخْبَارِ١ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ فِي الْأَوَامِرِ وَالْبُغْضِ وَالْكَرَاهِيَةِ أَوْ عَدَمِ الْحُبِّ فِي النَّوَاهِي. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الْحَدِيدِ: ١٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُون﴾ [الْأَعْرَافِ: ٨١] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النِّسَاءِ: ١٣] . وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣١] . ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر﴾ [الزُّمَرِ: ٧] . ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِنَّ هذه الأشياء الدالة عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ فِي الْمَحْمُودِ، وَطَلَبِ التَّرْكِ فِي الْمَذْمُومِ، مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ. وَالثَّالِثُ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ؛ كَالْمَفْرُوضِ فِي مَسْأَلَةِ "مَا لا٢ يتم

стр. 1632

الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ"، وَفِي مَسْأَلَةِ "الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ نَهْيٌ١ عَنْ ضِدِّهِ؟ "، و"كون الْمُبَاحِ مَأْمُورًا بِهِ"٢ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْكَعْبِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الَّتِي هِيَ لُزُومِيَّةٌ لِلْأَعْمَالِ، لَا مَقْصُودَةٌ لِأَنْفُسِهَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا وَفِي اعْتِبَارِهَا، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ، وَلَكِنْ إِذَا بَنَيْنَا عَلَى اعْتِبَارِهَا؛ فَعَلَى الْقَصْدِ الثَّانِي لَا عَلَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ، بَلْ هِيَ أَضْعَفُ٣ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْأَوَامِرِ والنواهي الصريحة التبعية؛ كقوله: ﴿وَذَرُوا

стр. 1633

الْبَيْع﴾ [الْجُمُعَةِ: ٩] ؛ لِأَنَّ رُتْبَةَ الصَّرِيحِ لَيْسَتْ كَرُتْبَةِ الضِّمْنِيِّ فِي الِاعْتِبَارِ أَصْلًا. وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ الْمَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ: مَقَاصِدٌ أَصْلِيَّةٌ وَمَقَاصِدٌ تَابِعَةٌ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مُسْتَمَدٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِقْهٌ كَثِيرٌ١، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَسْأَلَةٍ٢ تُقَرِّرُهَا فِي فَصْلٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، حَتَّى تُتَّخَذَ دُسْتُورًا لِأَمْثَالِهَا فِي فِقْهِ الشَّرِيعَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ. فصل "الغضب" عند الفقهاء هو التعدي على الرقاب، و"التعدي" مُخْتَصٌّ بِالتَّعَدِّي عَلَى الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ٣. فَإِذَا قَصَدَ الْغَاصِبُ تَمَلُّكَ رَقَبَةِ الْمَغْصُوبِ؛ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، آثِمٌ٤ فِيمَا فَعَلَ مِنْ جِهَةِ مَا قَصَدَ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا الرَّقَبَةَ؛ فَكَانَ النَّهْيُ أَوَّلًا عَنِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَأَمَّا التَّعَدِّي عَلَى الْمَنَافِعِ؛ فَالْقَصْدُ فِيهِ تَمَلُّكُ الْمَنَافِعِ دُونَ الرَّقَبَةِ؛ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ الِانْتِفَاعِ مِنْ جِهَةِ مَا قَصَدَ، وَهُوَ لَمْ يقصد إلا

стр. 1634

الْمَنَافِعَ، لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُلْزِمُهُ١ الْآخَرُ بِالْحُكْمِ التَّبَعِيِّ، وَبِالْقَصْدِ الثَّانِي لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ. فَإِذَا كَانَ غَاصِبًا؛ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلرِّقَابِ لَا لِلْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ، لَا بِأَرْفَعِ٢ الْقِيَمِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ تَابِعٌ، فَإِذَا كَانَ تَابِعًا؛ صَارَ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِفَاعِ تَابِعًا لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الرَّقَبَةِ، فَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنَافِعِ؛ إِلَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ٣ الْعُلَمَاءِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مُشَارِكَةٌ٤ فِي الْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لعموم قوله ﵊:

стр. 1635

"الْخَرَاجُ ١ بِالضَّمَانِ" ٢، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الِانْتِفَاعِ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْغَصْبِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ صَحِيحًا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ٣ مَعَ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ. وَهَذَا الْبَحْثُ جارٍ فِي مَسْأَلَةِ "مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ؛ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ "، فَإِنْ قُلْنَا: "غَيْرُ وَاجِبٍ"؛ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا: "وَاجِبٌ"؛ فَلَيْسَ وُجُوبُهُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ "الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ؟ "، و"النهي عَنِ الشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ"، فَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حُكْمٌ مُنْحَتِمٌ إِلَّا عِنْدَ فرضه بالقصد الأول، وليس

стр. 1636

كَذَلِكَ. أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا؛ فَضَمَانُهُ ضَمَانُ١ التَّعَدِّي لَا ضَمَانُ الْغَصْبِ؛ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ تَابِعَةٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ صَارَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ الرَّقَبَةِ تَابِعًا لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَنَافِعِ، فَلِذَلِكَ يَضْمَنُ بِأَرْفَعِ٢ الْقِيَمِ مُطْلَقًا، وَيَضْمَنُ مَا قَلَّ وَمَا كَثُرَ، وَأَمَّا ضَمَانُ الرَّقَبَةِ فِي التَّعَدِّي؛ فَعِنْدَ التَّلَفِ٣ خَاصَّةً، مِنْ حَيْثُ كَانَ تَلَفُهَا عَائِدًا عَلَى الْمَنَافِعِ بِالتَّلَفِ بِخِلَافِ الْغَصْبِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلَوْ كَانَ أَمْرُهُمَا وَاحِدًا؛ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ: "إِذَا حَبَسَ الْمَغْصُوبَ أَوِ الْمَسْرُوقَ عَنْ أَسْوَاقِهِ وَمَنَافِعِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بِحَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ٤ وَإِنْ كان مستعيرًا٥ أو متكاريًا ضمن قيمته"٦

стр. 1637

وَهَذَا التَّفْرِيعُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِلَّا فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى غَيْرِهِ؛ فَالْمَأْخَذُ آخَرُ، وَالْأَصْلُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ١ ثَابِتٌ. فَالْقَائِلُ٢ بِاسْتِوَاءِ الْبَابَيْنِ يَنْبَنِي قَوْلَهُ عَلَى مَآخِذَ: - مِنْهَا: الْقَاعِدَةُ الَّتِي يَذْكُرُهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ، وَهِيَ: "هَلِ الدَّوَامُ كَالِابْتِدَاءِ؟ "٣، فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ الدَّوَامُ كَالِابْتِدَاءِ؛ فَذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْغَصْبِ؛ فَالضَّمَانُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَالْمَنَافِعُ تَابِعَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ كَالِابْتِدَاءِ؛ فَالْغَاصِبُ فِي كُلِّ حِينٍ كَالْمُبْتَدِئِ لِلْغَصْبِ، فَهُوَ ضَامِنٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ ضَمَانًا جَدِيدًا: فَيَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ الْمَغْصُوبَ بِأَرْفَعِ٤ الْقِيَمِ كَمَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: "لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَمَتَى لَمْ يَرُدَّهُ؛ كَانَ كَمُغْتَصِبِهِ حِينَئِذٍ". - وَمِنْهَا: الْقَاعِدَةُ الْمُتَقَرِّرَةُ، وَهِيَ "أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يَمْلِكُهَا فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا بَارِيهَا تَعَالَى، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ مِنْهَا الْمَنَافِعُ"٥، وَإِذَا كَانَ كذلك؛ فهل القصد إلى

стр. 1638

مِلْكِ الرِّقَابِ مُنْصَرِفٌ إِلَى مِلْكِ الْمَنَافِعِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مُنْصَرِفٌ إِلَيْهَا إِذْ أَعْيَانُ الرِّقَابِ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ أَعْيَانٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ؛ فَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي فِي١ ضِمَانِ الْمَنَافِعِ، وإن قلنا: ليس بمنصرف؛ فهو مقتضى٢ التَّفْرِقَةِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا قَصَدَ تَمَلُّكَ الرَّقَبَةِ؛ فَهَلْ يَتَقَرَّرُ لَهُ عَلَيْهَا شُبْهَةُ مِلْكٍ بِسَبَبِ ضَمَانِهِ لَهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهَا [شُبْهَةُ مَالِكٍ] ٣، كَالَّذِي فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ ﵊: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" ٤، فَكَانَتْ كُلُّ غَلَّةٍ، وَثَمَنٍ يَعْلُو أَوْ يَسْفُلُ، أَوْ حَادِثٍ يَحْدُثُ لِلْغَاصِبِ وَعَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الضَّمَانِ؛ كَالِاسْتِحْقَاقِ وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يتقرر له عليها شبهة ملك، بل المغضوب عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ؛ فَكُلُّ مَا يَحْدُثُ مِنْ غَلَّةٍ وَمَنْفَعَةٍ فَعَلَى مِلْكِهِ فَهِيَ لَهُ؛ فَلَا بُدَّ لِلْغَاصِبِ مِنْ غُرْمِهَا لِأَنَّهُ قَدْ غَصَبَهَا أَيْضًا. وَأَمَّا٥ مَا يَحْدُثُ مِنْ نَقْصٍ؛ فَعَلَى الغاصب بعدائه٦ لأن نقص الشيء

стр. 1639

المغضوب إِتْلَافٌ لِبَعْضِ ذَاتِهِ، فَيَضْمَنُهُ كَمَا يَضْمَنُ الْمُتَعَدِّي عَلَى الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الذَّاتِ مِنْ جُمْلَةِ المنافع، هذا أيضا ً مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ الْخِلَافُ. - وَمِنْهَا: أن يقال: هل المغضوب إِذَا رُدَّ بِحَالِهِ إِلَى يَدِ صَاحِبِهِ يُعَدُّ كَالْمُتَعَدِّي فِيهِ لِأَنَّ الصُّورَةَ فِيهِمَا مَعًا وَاحِدَةٌ، وَلَا أَثَرَ لِقَصْدِ الْغَصْبِ إِذَا كَانَ الْغَاصِبُ قَدْ رَدَّ مَا غَصَبَ اسْتِرْوَاحًا مِنْ قَاعِدَةِ مَالِكٍ فِي اعْتِبَارِ الْأَفْعَالِ دُونَ النَّظَرِ إِلَى الْمَقَاصِدِ، وَإِلْغَائِهِ الْوَسَائِطَ، أَمْ لَا يُعَدُّ كَذَلِكَ؟ فَالَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ هُنَا أَنَّ لِلْقَصْدِ أَثَرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ مَالِكٌ فِي الْغَاصِبِ أَوِ السَّارِقِ إِذَا حَبَسَ الشَّيْءَ الْمَأْخُوذَ عَنْ أَسْوَاقِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بِحَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعِيرًا أَوْ مُتَكَارِيًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ١: "لَوْلَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ؛ لَجَعَلْتُ عَلَى السَّارِقِ مِثْلَ مَا جُعِلَ عَلَى الْمُتَكَارِي". فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَلَيْهَا، مَعَ بَقَاءِ الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى حَالِهَا، وَهَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَوَامِرِ أَوِ النَّوَاهِي بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ فَحُكْمُهُ مُنْحَتِمٌ، بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْهُ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، فَإِذَا نَظَرَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ ظَهَرَ وَجْهُ الْخِلَافِ، وَرُبَّمَا٢ خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ تَرْجِعُ إِلَى الِاسْتِحْسَانِ، وَلَا تَنْقُضُ أَصْلَ الْقَاعِدَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إِذَا عُرِضَتْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَبَيَّنَ٣ مِنْهُ وَجْهُ صِحَّةِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ بُطْلَانِهَا، ووجه مذهب ابن

стр. 1640

حَنْبَلٍ وَأَصْبُغَ وَسَائِرِ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِهَا. وَقَدْ أَذْكَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةً أُخْرَى تَرْجِعُ١ إِلَى هَذَا المعنى، وهي:

стр. 1641

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إِذَا تَوَارَدَا عَلَى مُتَلَازِمَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا مَأْمُورًا١ بِهِ وَالْآخِرُ مَنْهِيًّا عَنْهُ عِنْدَ فَرْضِ الِانْفِرَادِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا فِي حُكْمِ التَّبَعِ لِلْآخَرِ وَجُودًا أَوْ عَدَمًا٢ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ٣ مِنَ الِاقْتِضَاءَيْنِ مَا انْصَرَفَ إِلَى جِهَةِ الْمَتْبُوعِ، وَأَمَّا مَا انْصَرَفَ إِلَى جِهَةِ التَّابِعِ؛ فَمُلْغًى وَسَاقِطُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ٤ تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، هَذَا٥ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ هُنَالِكَ غَيْرَ صَرِيحٍ وَهُنَا صَرِيحٌ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِذَا ثَبَتَ حُكْمُ التَّبَعِيَّةِ، وَلِذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ الْقَائِلَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ لَمْ يبنَ على كون النهي تبعيًّا٦، وإنما

стр. 1642

بَنَى الْبُطْلَانَ عَلَى كَوْنِهِ مَقْصُودًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِذَا تَوَارَدَا عَلَى الْمُتَلَازِمَيْنِ؛ أَمَّا أَنْ يَرِدَا مَعًا عَلَيْهِمَا١، أَوْ لَا يَرِدَا أَلْبَتَّةَ، أَوْ يَرِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ قَدْ فَرَضْنَاهُمَا مُتَلَازِمَيْنِ؛ فَلَا يُمْكِنُ الِامْتِثَالُ فِي التَّلَبُّسِ بِهِمَا لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَمِنْ حَيْثُ أَخَذَ فِي الْعَمَلِ صَادَمَهُ النَّهْيُ عَنْهُ، وَمِنْ حَيْثُ تَرَكَهُ صَادَمَهُ الْأَمْرُ؛ فَيُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ٢، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ٣؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالثَّانِي كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الطَّلَبَيْنِ تَوَجَّهَا فَلَا يُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا مَعًا؛ فَلَمْ يبقَ إِلَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ أَحَدُهُمَا دُونَ الثَّانِي، وَقَدْ فَرَضْنَا أَحَدَهُمَا مَتْبُوعًا وَهُوَ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا، وَالْآخَرُ تَابِعًا وَهُوَ الْمَقْصُودُ ثَانِيًا؛ فَتَعَيَّنَ تَوَجُّهُ مَا تَعَلَّقَ بِالْمَتْبُوعِ دُونَ مَا تَعَلَّقَ بِالتَّابِعِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَكْسُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْقُولِ. وَالثَّالِثُ: الِاسْتِقْرَاءُ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ كَالْعَقْدِ عَلَى الْأُصُولِ مَعَ مَنَافِعِهَا٤ وَغَلَّاتِهَا، وَالْعَقْدِ عَلَى الرِّقَابِ مَعَ مَنَافِعِهَا وَغَلَّاتِهَا؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا يُقْصَدُ فِي نَفْسِهِ؛ فَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الرِّقَابَ ويتبعها منافعها، وله أيضًا أن

стр. 1643

يَتَمَلَّكُ أَنْفُسَ الْمَنَافِعِ خَاصَّةً، وَتَتْبَعُهَا الرِّقَابُ مِنْ جِهَةِ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ، وَيَصِحُّ الْقَصْدُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَمِثْلُ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ يَتَبَيَّنُ فِيهَا وَجْهُ التَّبَعِيَّةِ بِصُوَرٍ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ فِي شِرَاءِ الدَّارِ أَوِ الْفَدَّانِ١ أَوِ الْجَنَّةِ٢ أَوِ الْعَبْدِ أَوِ الدَّابَّةِ أَوِ الثَّوْبِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ عَقْدٌ عَلَى الرِّقَابِ لَا عَلَى الْمَنَافِعِ التَّابِعَةِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ قَدْ تَكُونُ مَوْجُودَةً٣، وَالْغَالِبُ أَنْ تَكُونَ وَقْتَ الْعَقْدِ مَعْدُومَةً، وَإِذَا كَانَتْ مَعْدُومَةً؛ امْتَنَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا لِلْجَهْلِ بِهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَمِنْ كُلِّ طَرِيقٍ؛ إِذْ لَا يَدْرِي مِقْدَارَهَا وَلَا صِفَتَهَا وَلَا مُدَّتَهَا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ لَا يَدْرِي هَلْ تُوجَدُ مِنْ أَصْلٍ أَمْ لَا؛ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا عَلَى فَرْضِ انْفِرَادِهَا٤ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمَجْهُولِ، بَلِ الْعَقْدُ عَلَى الْأَبْضَاعِ٥ لِمَنَافِعِهَا جَائِزٌ، وَلَوِ انْفَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ٦؛ لَامْتَنَعَ مُطْلَقًا إِنْ كَانَ وَطْئًا، وَلَامْتَنَعَ فِيمَا سوى البضع أيضًا إلا بضابط

стр. 1644

يُخْرِجُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ؛ كَالْخِدْمَةِ، وَالصَّنْعَةِ، وَسَائِرِ مَنَافِعِ الرِّقَابِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ. وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ١ أَيْضًا كَمَنَافِعِ الْأَحْرَارِ، يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الْإِجَارَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ٢ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الرِّقَابِ بِاتِّفَاقٍ٣، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَالْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ فِيهِ يَسْتَتْبِعُ الْعَقْدَ عَلَى الرَّقَبَةِ؛ إِذِ الْحُرُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ زَمَنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ مِنْ رَقَبَتِهِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ أَثَرُ كَوْنِ الرَّقَبَةِ مَعْقُودًا عَلَيْهَا، لَكِنْ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى الْجُمْلَةِ يُعْطَى أَنَّ التَّوَابِعَ مَعَ الْمَتْبُوعَاتِ لَا يُتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ تَوَابِعُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إِذَا قُصِدَتِ ابْتِدَاءً، وَهِيَ إِذْ ذَاكَ مَتْبُوعَةٌ لَا تَابِعَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ بِأُمُورٍ: أَحَدِهَا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ٤ قَالُوا: إِنَّ الرِّقَابَ -وَبِالْجُمْلَةِ الذَّوَاتِ٥- لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ٦ فِي التَّمَلُّكِ شَرْعًا مَنَافِعُ الرِّقَابِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ هِيَ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الْعِبَادِ [بِالْمَصَالِحِ] ٧، لَا أَنْفُسَ الذَّوَاتِ؛ فذات الأرض أو

стр. 1645

الدار أو الثواب أَوِ الدِّرْهَمِ مَثَلًا لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا ضُرٌّ مِنْ حَيْثُ هِيَ ذَوَاتٌ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ١ المقصود بها من حيث إن الأرض تزرع مثلا، والدار تسكن، والثواب يُلْبَسُ، وَالدِّرْهَمَ٢ يُشْتَرَى بِهِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْمَنْفَعَةِ؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ حَسْبَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْعَقْدُ أَوَّلًا إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْمَنَافِعِ خَاصَّةً، وَالرِّقَابُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمِلْكِ؛ فَلَا تَابِعَ وَلَا مَتْبُوعَ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَشْبَاهِهِ تَابِعٌ وَمَتْبُوعٌ بَطَلَ، فَكُلُّ مَا فُرِضَ٣ مِنَ الْمَسَائِلِ خَارِجٌ عَنْ تَمْثِيلِ الْأَصْلَ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ أَوَّلًا وَاقِعًا فِي الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ ثَانِيًا. وَالثَّانِي: إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الذَّوَاتَ هِيَ الْمَعْقُودُ٤ عَلَيْهَا؛ فَالْمَنَافِعُ هِيَ الْمَقْصُودُ [أَوَّلًا] ٥ مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الذَّوَاتَ لَا نَفْعَ فيها ولا ضر من حيث هي ذوات؛ فَصَارَ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا هِيَ الْمَنَافِعُ، وَحِينَ كَانَتِ المنافع لا تحصل على

стр. 1646

الْجُمْلَةِ إِلَّا عِنْدَ تَحْصِيلِ الذَّوَاتِ؛ سَعَى الْعُقَلَاءُ فِي تَحْصِيلِهَا؛ فَالتَّابِعُ إِذًا فِي الْقَصْدِ هِيَ الذَّوَاتُ وَالْمَتْبُوعُ هُوَ١ الْمَنَافِعُ فَاقْتَضَى هَذَا بِحُكْمِ مَا تُحُصِّلَ٢ أَوَّلًا أَنْ تَكُونَ الذَّوَاتُ مَعَ الْمَنَافِعِ فِي حُكْمِ٣ الْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ إِذْ لَا تَكُونُ ذَاتُ الْحُرِّ تَابِعَةً لِحُكْمِ مَنَافِعِهِ بِاتِّفَاقٍ، بَلْ لَا تَكُونُ الْإِجَارَةُ وَلَا الْكِرَاءُ فِي شَيْءٍ يَتْبَعُهُ ذَاتُ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ فَاكْتِرَاءُ الدَّارِ يُمَلِّك مَنْفَعَتَهَا وَلَا يَتْبَعُهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مُسْتَأْجِرٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا أَصْلٌ مُنْخَرِمٌ إِنْ كَانَ مَبْنِيًّا٤ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّا وَجَدْنَا الشَّارِعَ نَصَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ؛ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ" ٥، وَقَالَ: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ؛ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" ٦؛ فَهَذَانَ حديثان لم يجعلا

стр. 1647

الْمَنْفَعَةَ لِلْمُبْتَاعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، مَعَ أَنَّهَا عِنْدَكُمْ١ تَابِعَةٌ لِلْأُصُولِ كَسَائِرِ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ، بَلْ جَعَلَ فِيهِمَا التَّابِعَ لِلْبَائِعِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ انْفِصَالِ الثَّمَرَةِ عَنِ الْأَصْلِ حُكْمًا، وَهُوَ يُعْطَى فِي الشَّرْعِ انْفِصَالَ التَّابِعِ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ؛ فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمَنَافِعَ مَقْصُودَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُقَلَاءِ وَأَرْبَابِ الْعَوَائِدِ، وَإِنْ فُرِضَ الْأَصْلُ مَقْصُودًا؛ فَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ، وَلِذَلِكَ يُزَادُ فِي ثَمَنِ الْأَصْلِ بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْمَنَافِعِ، وَيَنْقُصُ مِنْهُ٢ بِحَسَبِ نُقْصَانِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَكَيْفَ تَكُونُ الْمَنَافِعُ مُلْغَاةً وَهِيَ مَثْمُونَةٌ٣، مُعْتَدٌّ بِهَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، مقصودة؟ فهذا٤ يقتضي القصد إليها عدم الْقَصْدِ إِلَيْهَا مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهَا عَادِيٌّ وَعَدَمُ الْقَصْدِ إِلَيْهَا شَرْعِيٌّ، فَانْفَصَلَا فَلَا تَنَاقُضَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَوْنُ الشَّارِعِ غَيْرَ قَاصِدٍ لَهَا فِي الْحُكْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا عُرْفًا وَعَادَةً؛ لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ إِجْرَاءَ٥ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعَوَائِدِ،

стр. 1648

وَمِنْ أُصُولِهِ مُرَاعَاةُ١ الْمَصَالِحِ وَمَقَاصِدُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا، أَعَنَى: فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَصَالِحَ الْأُصُولِ هِيَ الْمَنَافِعُ، وَأَنَّ الْمَنَافِعَ مَقْصُودَةٌ عَادَةً وَعُرْفًا لِلْعُقَلَاءِ؛ ثَبَتَ٢ أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَقَدْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَنَافِعَ مُلْغَاةٌ شَرْعًا مَعَ الْأُصُولِ؛ فَهِيَ إِذًا مُلْغَاةٌ فِي عَادَاتِ الْعُقَلَاءِ، لَكِنْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ فِي عَادَاتِ الْعُقَلَاءِ، هَذَا خُلْفٌ مُحَالٌ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَا أَصَّلُوهُ٣ صَحِيحٌ وَلَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِنَا؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ٤ أَيْضًا لَيْسَ٥ للعبد فيها ملك حقيقي إلا مثل ما له فِي الصِّفَاتِ وَالذَّوَاتِ؛ فَكَمَا تُضَافُ الْأَفْعَالُ إِلَى الْعِبَادِ كَذَلِكَ تُضَافُ إِلَيْهِمُ الصِّفَاتُ وَالذَّوَاتُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا هُوَ لَنَا مُكْتَسَبٌ، وَلَيْسَ لَنَا مِنَ الصِّفَاتِ وَلَا الذَّوَاتِ شَيْءٌ مُكْتَسَبٌ لَنَا، وَمَا أُضِيفَ لَنَا مِنَ الْأَفْعَالِ كَسْبًا؛ فَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ لِمُسَبِّبَاتٍ هِيَ أَنْفُسُ٦ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ أَوْ طَرِيقٌ إليها، ومن جهتها

стр. 1649

كُلِّفْنَا فِي الْأَسْبَابِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَأَمَّا أَنْفُسُ الْمُسَبَّبَاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُسَبَّبَاتٌ؛ فَمَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فَكَمَا يَجُوزُ إِضَافَةُ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ إِلَيْنَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ دَاخِلَةٍ تَحْتَ قُدْرَتِنَا؛ كَذَلِكَ الذَّوَاتُ يَصِحُّ إِضَافَتُهَا إِلَيْنَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِنَا. وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا مَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِتْلَافِ وَالتَّغْيِيرِ؛ كَذَبْحِ الْحَيَوَانِ وَقَتْلِهِ لِلْمَأْكَلَةِ، وَإِتْلَافِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأُبِيحَ لَنَا إِتْلَافُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِذَا كَانَ مُؤْذِيًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا وَكَانَ إِتْلَافُهُ تَكْمِلَةً لِمَا١ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَا حَاجِيٍّ مِنَ الْمَنَافِعِ؛ كَإِزَالَةِ الشَّجَرَةِ الْمَانِعَةِ لِلشَّمْسِ عَنْكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فجواز التصرف في أنفس الذوات بالإتلاف والتغير وَغَيْرِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَمَلُّكِهَا شَرْعًا، وَلَا يَبْقَى بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ أَطْلَقَ تِلْكَ الْعِبَارَةَ -أَنَّ الذَّوَاتَ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللَّهُ- سِوَى الْخِلَافِ فِي اصْطِلَاحٍ، وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْمَعْنَى؛ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ مِلْكُ الذَّوَاتِ وَكَانَتِ الْمَنَافِعُ نَاشِئَةً عَنْهَا؛ صَحَّ كَوْنُ الْمَنَافِعِ تَابِعَةً، وَتُصُوِّرَ٢ مَعْنَى الْقَاعِدَةِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ سُلِّمَ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ فِي التَّفْصِيلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، أَمَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَنَافِعُ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ، إِلَّا أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا ضَابِطَ لَهَا إِلَّا ذَوَاتُهَا الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنَافِعَ الأعيان لا تنحصر، وإن انحصرت

стр. 1650

الْأَعْيَانُ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَثَلًا قَدْ هُيّئ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ إِلَى كُلِّ مَا يَصْلُحُ لَهُ الْآدَمِيُّ مِنَ الخِدم، وَالْحِرَفِ، وَالصَّنَائِعِ، وَالْعُلُومِ، وَالتَّعَبُّدَاتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ تَكَادُ تَفُوتُ الْحَصْرَ، وَكُلُّ نَوْعٍ تَحْتَهُ أَشْخَاصٌ مِنَ الْمَنَافِعِ لَا تَتَنَاهَى، هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْعَادَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَمِيعِ هذه الأمور؛ فدخوله في جنس واحد معرقًا فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِ أَصْنَافِهِ يَكْفِي١ فِي حَصْرِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْمَنَافِعِ، بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ شَخْصٍ مِنْهَا تَصِحُّ مُؤَاجَرَتُهُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَيْرِ بِأُجْرَةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا عُمُرُهُ٢، وَكَذَلِكَ كَلُّ رَقَبَةٍ مِنَ الرِّقَابِ وَعَيْنٍ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا؛ فَالنَّظَرُ إِلَى الْأَعْيَانِ نَظَرٌ إِلَى كُلِّيَّاتِ الْمَنَافِعِ. وَأَمَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَنَافِعِ فَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا يَحْصُرُ٣ مِنْهَا بَعْضٌ إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْقَصْدُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، فَحَصَلَ الْقَصْدُ مِنْ جِهَتِهَا جُزْئِيًّا لَا كُلِّيًّا، وَلَمْ تَنْضَبِطِ الْمَنَافِعُ مِنْ جِهَتِهَا٤ قَصْدًا، لَا فِي الْوُقُوعِ وُجُودًا وَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِحُصُولِ الْجَهَالَةِ حَتَّى يُضْبَطَ مِنْهَا بَعْضٌ إِلَى حَدٍّ مَحْدُودٍ، وَشَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌ، فَإِذَا النَّظَرُ إِلَى الْمَنَافِعِ خُصُوصًا٥ نَظَرٌ إِلَى جُزْئِيَّاتِ الْمَنَافِعِ، وَالْكُلِّيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجُزْئِيِّ طَبْعًا وَعَقْلًا، وَهُوَ أَيْضًا مُقَدَّمٌ شَرْعًا كَمَا مَرَّ٦.
следующие страницы →