← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الْجُمْلَةِ إِلَّا عِنْدَ تَحْصِيلِ الذَّوَاتِ؛ سَعَى الْعُقَلَاءُ فِي تَحْصِيلِهَا؛ فَالتَّابِعُ إِذًا فِي الْقَصْدِ هِيَ الذَّوَاتُ وَالْمَتْبُوعُ هُوَ١ الْمَنَافِعُ فَاقْتَضَى هَذَا بِحُكْمِ مَا تُحُصِّلَ٢ أَوَّلًا أَنْ تَكُونَ الذَّوَاتُ مَعَ الْمَنَافِعِ فِي حُكْمِ٣ الْمَعْدُومِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ إِذْ لَا تَكُونُ ذَاتُ الْحُرِّ تَابِعَةً لِحُكْمِ مَنَافِعِهِ بِاتِّفَاقٍ، بَلْ لَا تَكُونُ الْإِجَارَةُ وَلَا الْكِرَاءُ فِي شَيْءٍ يَتْبَعُهُ ذَاتُ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ فَاكْتِرَاءُ الدَّارِ يُمَلِّك مَنْفَعَتَهَا وَلَا يَتْبَعُهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مُسْتَأْجِرٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا أَصْلٌ مُنْخَرِمٌ إِنْ كَانَ مَبْنِيًّا٤ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّا وَجَدْنَا الشَّارِعَ نَصَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ؛ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ" ٥، وَقَالَ: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ؛ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" ٦؛ فَهَذَانَ حديثان لم يجعلا

стр. 1647

الْمَنْفَعَةَ لِلْمُبْتَاعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، مَعَ أَنَّهَا عِنْدَكُمْ١ تَابِعَةٌ لِلْأُصُولِ كَسَائِرِ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ، بَلْ جَعَلَ فِيهِمَا التَّابِعَ لِلْبَائِعِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا عِنْدَ انْفِصَالِ الثَّمَرَةِ عَنِ الْأَصْلِ حُكْمًا، وَهُوَ يُعْطَى فِي الشَّرْعِ انْفِصَالَ التَّابِعِ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ؛ فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمَنَافِعَ مَقْصُودَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُقَلَاءِ وَأَرْبَابِ الْعَوَائِدِ، وَإِنْ فُرِضَ الْأَصْلُ مَقْصُودًا؛ فَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ، وَلِذَلِكَ يُزَادُ فِي ثَمَنِ الْأَصْلِ بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْمَنَافِعِ، وَيَنْقُصُ مِنْهُ٢ بِحَسَبِ نُقْصَانِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَكَيْفَ تَكُونُ الْمَنَافِعُ مُلْغَاةً وَهِيَ مَثْمُونَةٌ٣، مُعْتَدٌّ بِهَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، مقصودة؟ فهذا٤ يقتضي القصد إليها عدم الْقَصْدِ إِلَيْهَا مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهَا عَادِيٌّ وَعَدَمُ الْقَصْدِ إِلَيْهَا شَرْعِيٌّ، فَانْفَصَلَا فَلَا تَنَاقُضَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَوْنُ الشَّارِعِ غَيْرَ قَاصِدٍ لَهَا فِي الْحُكْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا عُرْفًا وَعَادَةً؛ لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ إِجْرَاءَ٥ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعَوَائِدِ،

стр. 1648

وَمِنْ أُصُولِهِ مُرَاعَاةُ١ الْمَصَالِحِ وَمَقَاصِدُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا، أَعَنَى: فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَصَالِحَ الْأُصُولِ هِيَ الْمَنَافِعُ، وَأَنَّ الْمَنَافِعَ مَقْصُودَةٌ عَادَةً وَعُرْفًا لِلْعُقَلَاءِ؛ ثَبَتَ٢ أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَقَدْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَنَافِعَ مُلْغَاةٌ شَرْعًا مَعَ الْأُصُولِ؛ فَهِيَ إِذًا مُلْغَاةٌ فِي عَادَاتِ الْعُقَلَاءِ، لَكِنْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ فِي عَادَاتِ الْعُقَلَاءِ، هَذَا خُلْفٌ مُحَالٌ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَا أَصَّلُوهُ٣ صَحِيحٌ وَلَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِنَا؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ٤ أَيْضًا لَيْسَ٥ للعبد فيها ملك حقيقي إلا مثل ما له فِي الصِّفَاتِ وَالذَّوَاتِ؛ فَكَمَا تُضَافُ الْأَفْعَالُ إِلَى الْعِبَادِ كَذَلِكَ تُضَافُ إِلَيْهِمُ الصِّفَاتُ وَالذَّوَاتُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا هُوَ لَنَا مُكْتَسَبٌ، وَلَيْسَ لَنَا مِنَ الصِّفَاتِ وَلَا الذَّوَاتِ شَيْءٌ مُكْتَسَبٌ لَنَا، وَمَا أُضِيفَ لَنَا مِنَ الْأَفْعَالِ كَسْبًا؛ فَإِنَّمَا هِيَ أَسْبَابٌ لِمُسَبِّبَاتٍ هِيَ أَنْفُسُ٦ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ أَوْ طَرِيقٌ إليها، ومن جهتها

стр. 1649

كُلِّفْنَا فِي الْأَسْبَابِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَأَمَّا أَنْفُسُ الْمُسَبَّبَاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُسَبَّبَاتٌ؛ فَمَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فَكَمَا يَجُوزُ إِضَافَةُ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ إِلَيْنَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ دَاخِلَةٍ تَحْتَ قُدْرَتِنَا؛ كَذَلِكَ الذَّوَاتُ يَصِحُّ إِضَافَتُهَا إِلَيْنَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِنَا. وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا مَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِتْلَافِ وَالتَّغْيِيرِ؛ كَذَبْحِ الْحَيَوَانِ وَقَتْلِهِ لِلْمَأْكَلَةِ، وَإِتْلَافِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأُبِيحَ لَنَا إِتْلَافُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِذَا كَانَ مُؤْذِيًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا وَكَانَ إِتْلَافُهُ تَكْمِلَةً لِمَا١ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَا حَاجِيٍّ مِنَ الْمَنَافِعِ؛ كَإِزَالَةِ الشَّجَرَةِ الْمَانِعَةِ لِلشَّمْسِ عَنْكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فجواز التصرف في أنفس الذوات بالإتلاف والتغير وَغَيْرِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَمَلُّكِهَا شَرْعًا، وَلَا يَبْقَى بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ أَطْلَقَ تِلْكَ الْعِبَارَةَ -أَنَّ الذَّوَاتَ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللَّهُ- سِوَى الْخِلَافِ فِي اصْطِلَاحٍ، وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْمَعْنَى؛ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ مِلْكُ الذَّوَاتِ وَكَانَتِ الْمَنَافِعُ نَاشِئَةً عَنْهَا؛ صَحَّ كَوْنُ الْمَنَافِعِ تَابِعَةً، وَتُصُوِّرَ٢ مَعْنَى الْقَاعِدَةِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ سُلِّمَ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ فِي التَّفْصِيلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، أَمَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَنَافِعُ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ، إِلَّا أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا ضَابِطَ لَهَا إِلَّا ذَوَاتُهَا الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنَافِعَ الأعيان لا تنحصر، وإن انحصرت

стр. 1650

الْأَعْيَانُ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَثَلًا قَدْ هُيّئ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ إِلَى كُلِّ مَا يَصْلُحُ لَهُ الْآدَمِيُّ مِنَ الخِدم، وَالْحِرَفِ، وَالصَّنَائِعِ، وَالْعُلُومِ، وَالتَّعَبُّدَاتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ تَكَادُ تَفُوتُ الْحَصْرَ، وَكُلُّ نَوْعٍ تَحْتَهُ أَشْخَاصٌ مِنَ الْمَنَافِعِ لَا تَتَنَاهَى، هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْعَادَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَمِيعِ هذه الأمور؛ فدخوله في جنس واحد معرقًا فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِ أَصْنَافِهِ يَكْفِي١ فِي حَصْرِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْمَنَافِعِ، بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ شَخْصٍ مِنْهَا تَصِحُّ مُؤَاجَرَتُهُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَيْرِ بِأُجْرَةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا عُمُرُهُ٢، وَكَذَلِكَ كَلُّ رَقَبَةٍ مِنَ الرِّقَابِ وَعَيْنٍ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا؛ فَالنَّظَرُ إِلَى الْأَعْيَانِ نَظَرٌ إِلَى كُلِّيَّاتِ الْمَنَافِعِ. وَأَمَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَنَافِعِ فَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا يَحْصُرُ٣ مِنْهَا بَعْضٌ إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْقَصْدُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، فَحَصَلَ الْقَصْدُ مِنْ جِهَتِهَا جُزْئِيًّا لَا كُلِّيًّا، وَلَمْ تَنْضَبِطِ الْمَنَافِعُ مِنْ جِهَتِهَا٤ قَصْدًا، لَا فِي الْوُقُوعِ وُجُودًا وَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِحُصُولِ الْجَهَالَةِ حَتَّى يُضْبَطَ مِنْهَا بَعْضٌ إِلَى حَدٍّ مَحْدُودٍ، وَشَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌ، فَإِذَا النَّظَرُ إِلَى الْمَنَافِعِ خُصُوصًا٥ نَظَرٌ إِلَى جُزْئِيَّاتِ الْمَنَافِعِ، وَالْكُلِّيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجُزْئِيِّ طَبْعًا وَعَقْلًا، وَهُوَ أَيْضًا مُقَدَّمٌ شَرْعًا كَمَا مَرَّ٦.

стр. 1651

فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا -عَلَى تَسْلِيمٍ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَنَافِعُ- أَنَّ الذَّوَاتَ هِيَ الْمُقَدَّمَةُ الْمَقْصُودَةُ أَوَّلًا، الْمَتْبُوعَةُ، وَأَنَّ الْمَنَافِعَ هِيَ التَّابِعَةُ، وَظَهَرَ لَكَ حِكْمَةُ الشَّارِعِ فِي إِجَازَةِ مِلْكِ الرِّقَابِ لِأَجْلِ الْمَنَافِعِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ وَلَا مَحْصُورَةٍ، وَمَنْعِ مِلْكِ الْمَنَافِعِ خُصُوصًا١ إِلَّا عَلَى الْحَصْرِ وَالضَّبْطِ وَالْعِلْمِ الْمُقَيَّدِ الْمُحَاطِ بِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ أَنْفُسَ الرِّقَابِ ضَابِطٌ كُلِّيٌّ لِجُمْلَةِ الْمَنَافِعِ؛ فَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْكُلِّيَّةِ الْحَاصِلَةِ، بِخِلَافِ أَنْفُسِ الْمَنَافِعِ مُسْتَقِلَّةٍ بِالنَّظَرِ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ فِي أَنْفُسِهَا، وَلَا مَعْلُومَةٌ أَمَدًا وَلَا حَدًّا وَلَا قَصْدًا وَلَا ثَمَنًا وَلَا مَثْمُونًا، فَإِذَا رُدَّتْ٢ إِلَى ضَابِطٍ يَلِيقُ بِهَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَاتِ أَمْكَنَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، وَالْقَصْدُ فِي الْعَادَةِ إِلَيْهَا؛ فَإِنْ أَجَازَهُ٣ الشَّارِعُ جَازَ، وَإِلَّا امْتَنَعَ. وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنَ الْمَنَافِعِ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةُ؛ فَالرِّقَابُ تَابِعَةٌ؛ إِذْ هِيَ الْوَسَائِلُ إِلَى الْمَقْصُودِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا مُطْلَقًا؛ فَمَمْنُوعٌ بِمَا تَقَدَّمَ٤، وَإِنْ أَرَادَ تَبَعِيَّةً مَا فَمُسَلَّمٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَحْظُورٌ؛ فَإِنَّ الْأُمُورَ٥ الْكُلِّيَّةَ قَدْ تَتْبَعُ جُزْئِيَّاتِهَا بِوَجْهٍ مَا، وَلَا يلزم من ذلك تبعيتها لها مطلقًا.

стр. 1652

وَأَيْضًا؛ فَالْإِيمَانُ١ أَصْلُ الدِّينِ، ثُمَّ إِنَّكَ تَجِدُهُ وَسِيلَةً وَشَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، حَسْبَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ، وَالشَّرْطُ مِنْ تَوَابِعِ الْمَشْرُوطِ؛ فَيَلْزَمُ إِذًا عَلَى مُقْتَضَى السُّؤَالِ أَنْ تَكُونَ الْأَعْمَالُ هِيَ الْأُصُولُ وَالْإِيمَانُ تَابِعٌ لَهَا، أَوَّلًا تَرَى أَنَّهُ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا؟ لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ التَّبَعِيَّةُ إِنْ ظَهَرَتْ فِي الْأَصْلِ جُزْئِيَّةً لَا كُلِّيَّةً. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْمَنَافِعِ بِانْفِرَادِهَا يَتْبَعُهَا الْأُصُولُ، مِنْ حَيْثُ٢ إِنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُسْتَوْفَى إِلَّا مِنَ الْأُصُولِ؛ فَلَا تَخْلُو الْأُصُولُ مِنْ إِبْقَاءِ يَدِ الْمُنْتَفِعِ عَلَيْهَا وَتَحْجِيرِهَا عَنِ انْتِفَاعِ صاحبها بها، كالعقد على الأصول سواء، وهي مَعْنَى الْمِلْكِ؛ إِلَّا أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، ومنقضٍ بِانْقِضَائِهَا؛ فَلَمْ يُسَمَّ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي الْعُرْفِ مِلْكًا، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْعَادِيَّ وَالشَّرْعِيَّ قَدْ جَرَى بِأَنَّ التَّمَلُّكَ فِي الرِّقَابِ هُوَ التَّمَلُّكُ الْمُطْلَقُ الْأَبَدِيُّ، الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ إِلَّا بِالْمَوْتِ، أَوْ بِانْتِفَاعِ صَاحِبِهَا بِهَا أَوِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهَا. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ نَفْسَهُ مِنَ الذِّمِّيِّ٣ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْمُسْلِمِ صَارَ كَأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ رَقَبَتَهُ، وَامْتَنَعَ٤ شِرَاءُ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطٍ فِيهِ تَحْجِيرٌ؛

стр. 1653

كَشِرَاءِ الْأَمَةِ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ١ وَلَا يَهَبَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا حَجَرَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَنَافِعِ الرَّقَبَةِ؛ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمْلُكْهَا مِلْكًا تَامًّا، وَلَيْسَ بِشَرِكَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَلَى الشِّيَاعِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَانْظُرْ فِي تَعْلِيلِ٢ مَالِكٍ الْمَسْأَلَةَ٣ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ بِالْوَلِيدَةِ إِذَا بِيعَتْ فِي "الْمُوَطَّأِ"٤؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ الْمُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مُؤَسِّسٌ لَا مُنْخَرِمٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ مَا ذُكِرَ فِيهِ شَاهِدٌ٥ عَلَى صِحَّةِ الْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَةَ لَمَّا بَرَزَتْ فِي الْأَصْلِ بَرَزَتْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ؛ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا أَوَّلًا بِسَبَبِ سَبْقِ اسْتِحْقَاقِهِ لِأَصْلِهَا، عَلَى حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأَصْلِ، فَلَمَّا صَارَ الْأَصْلُ لِلْمُشْتَرِي وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ اشْتِرَاطٌ، وَكَانَتْ قَدْ أُبْرِزَتْ وَتَمَيَّزَتْ بِنَفْسِهَا عَنْ أَصْلِهَا؛ لَمْ تَنْتَقِلِ الْمَنْفَعَةُ إِلَيْهِ بِانْتِقَالِ الْأَصْلِ، إِذْ كَانَتْ قَدْ تَعَيَّنَتْ مَنْفَعَةٌ لِمَنْ كَانَ الْأَصْلُ إِلَيْهِ، فَلَوْ صَارَتْ لِلْمُشْتَرِي إِعْمَالًا لِلتَّبَعِيَّةِ؛ لَكَانَ هَذَا الْعَمَلُ بِعَيْنِهِ قَطْعًا وَإِهْمَالًا لِلتَّبَعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَائِعِ، وَهُوَ السَّابِقُ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّبَعِيَّةِ؛ فَثَبَتَتْ أَنَّهَا [لَهُ] ٦ دُونَ الْمُشْتَرِي. وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ لَمَّا بَرَزَ فِي يَدِ الْعَبْدِ ولم ينفصل٧ عنه أشبه الثمرة مع

стр. 1654

الْأَصْلِ؛ فَاسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ الثَّانِي لَهُ، فَإِنِ اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي؛ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنَّمَا جَازَ اشْتِرَاطُهُ وَإِنَّ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَانِعُ١ مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ التَّبَعِيَّةِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الطِّيبِ مُضْطَرَّةٌ إِلَى أَصْلِهَا لَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إِلَّا مَعَ اسْتِصْحَابِهِ؛ فَأَشْبَهَتْ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ الْأَصْلِ. وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ٢ شِرَاؤُهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْعَبْدِ وَفِي حَوْزِهِ، لَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ إِلَّا بِحُكْمِ الِانْتِزَاعِ؛ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تَطِبْ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ لِلْأَصْلِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ٣، غَيْرَ أَنَّ مَسْأَلَةَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَمَالِ الْعَبْدِ تَعَارَضَ فِيهَا جِهَتَانِ لِلتَّبَعِيَّةِ: جِهَةُ الْبَائِعِ وِجِهَةُ الْمُشْتَرِي؟ فَكَانَ الْبَائِعُ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ الْأَوَّلُ، فَإِنِ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ انْتَقَلَتِ التَّبَعِيَّةُ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا. وَالْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ الْقَصْدَ إِلَى الْمَنَافِعِ لَا إِشْكَالَ فِي حُصُولِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْأَصْلِ يَبْقَى النَّظَرُ: هَلْ [هِيَ] ٤ مَقْصُودَةٌ مِنْ حَيْثُ أَنْفَسِهَا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، أَمْ هِيَ مَقْصُودَةٌ مِنْ حَيْثُ رُجُوعِهَا إِلَى الْأَصْلِ كَوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهَا مَقْصُودَةٌ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِقْلَالِ: فَغَيْرُ صَحِيحٍ لأن المنافع

стр. 1655

الَّتِي١ لَمْ تَبْرُزْ إِلَى الْوُجُودِ بَعْدُ مَقْصُودَةٌ، وَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَعَ الْأَصْلِ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بمقصودة إلا من جهة الأصل؛ فالقصد راجح إِلَى الْأَصْلِ، فَالشَّجَرَةُ إِذَا اشْتُرِيَتْ أَوِ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ خِدْمَةً أَوْ صِنَاعَةً وَلَمْ يَسْتَفِدْ مَالًا، وَالْأَرْضُ قَبْلَ أَنْ تُكْرَى أَوْ تَزْدَرِعَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ مَقْصُودٌ فِيهَا هَذِهِ الْمَنَافِعُ وَغَيْرُهَا؛ لَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْأَعْيَانِ وَالرِّقَابِ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِ الْمَنَافِعِ إِذْ هِيَ غَيْرُ٢ مَوْجُودَةٍ بَعْدُ؛ فَلَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ إِذَا قُصِدَ الِاسْتِقْلَالُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْأَصْلُ. فَالْمَنَافِعُ إِنَّمَا هِيَ كَالْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ؛ كَشِرَاءِ الْعَبْدِ الْكَاتِبِ٣ لِمَنْفَعَةِ الْكِتَابَةِ، أَوِ الْعَالِمِ٤ لِلِانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِهِ الَّتِي لَا تَسْتَقِلُّ فِي أَنْفُسِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِلَّ؛ لِأَنَّ أَوْصَافَ الذَّاتِ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهَا دُونَ الذَّاتِ قَدْ٥ زِيدَ فِي أَثْمَانِ الرِّقَابِ لِأَجْلِهَا؛ فَحَصَلَ لِجِهَتِهَا٦ قِسْطٌ مِنَ الثمن؛

стр. 1656

لَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِقْلَالِ، بَلْ مِنْ حَيْثُ الرِّقَابِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الرِّقَابَ هِيَ ضَوَابِطُ الْمَنَافِعِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ١؛ انْدَفَعَ التَّنَافِي وَالتَّنَاقُضُ، وَصَحَّ الْأَصْلُ الْمُقَرَّرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ٢ أَنَّ الطَّلَبَيْنِ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى هَذَا الْمَجْمُوعِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا تَوَجَّهَ الطَّلَبُ إِلَى الْمَتْبُوعِ خَاصَّةً. فَصْلٌ وَبَقِيَ هُنَا تَقْسِيمٌ مُلَائِمٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ مَنَافِعَ الرِّقَابِ وَهَى الَّتِي قُلْنَا إِنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا عَلَى الْجُمْلَةِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ فِي أَصْلِهِ بِالْقُوَّةِ لَمْ يَبْرُزْ إِلَى الْفِعْلِ لَا حُكْمًا وَلَا وُجُودًا؛ كَثَمَرَةِ الشَّجَرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ قَبْلَ الْحَمْلِ، وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ، وَوَطْءٍ قَبْلَ٣ حُصُولِ التَّهْيِئَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا خِلَافَ في هذا القسم أن المنافع هنا

стр. 1657

غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الْحُكْمِ؛ إِذْ لَمْ تَبْرُزْ إِلَى الْوُجُودِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَسْتَقِلَّ؛ فَلَا قَصْدَ إِلَيْهَا هُنَا أَلْبَتَّةَ، وَحُكْمُهَا التَّبَعِيَّةُ كَمَا١ لَوِ انْفَرَدَتْ فِيهِ الرَّقَبَةُ بِالِاعْتِبَارِ. وَالثَّانِي: مَا ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ الِاسْتِقْلَالِ وَجُودًا وَحُكْمًا أَوْ حُكْمًا عَادِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا؛ كَالثَّمَرَةِ بَعْدَ الْيُبْسِ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ بَعْدَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ أُمِّهِ، وَمَالِ الْعَبْدِ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ حُكْمَ التَّبَعِيَّةِ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ، وَحُكْمُهُ٢ مَعَ الْأَصْلِ حُكْمُ غَيْرِ الْمُتَلَازِمَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا قَصْدًا، لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: مَا فِيهِ الشَّائِبَتَانِ؛ فَمُبَايَنَةُ الْأَصْلِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ، لَكِنْ عَلَى غَيْرِ الِاسْتِقْلَالِ؛ فَلَا هُوَ مُنْتَظِمٌ فِي سِلْكِ الْأَوَّلِ وَلَا فِي الثَّانِي، وَهُوَ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: مَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ مَحْسُوسًا؛ كَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ قَبْلَ مُزَايَلَةِ٣ الْأَصْلِ، وَالْعَبْدِ ذِي الْمَالِ الْحَاضِرِ تَحْتَ مِلْكِهِ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ قبل الاستغاء عَنْ أُمِّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْآخَرُ: مَا كَانَ فِي حُكْمِ الْمَحْسُوسِ؛ كَمَنَافِعِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ التَّهْيِئَةُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ؛ كَاللُّبْسِ، وَالرُّكُوبِ، وَالْوَطْءِ، وَالْخِدْمَةِ، وَالِاسْتِصْنَاعِ، وَالِازْدِرَاعِ، وَالسُّكْنَى، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرْبَيْنِ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ صَاحِبِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَانْفَرَدَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ.

стр. 1658

فَالطَّرَفَانِ١ يَتَجَاذَبَانِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَلَكِنْ لَمَّا ثَبَتَتِ التَّبَعِيَّةُ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ ارْتَفَعَ تَوَارُدُ الطَّلَبَيْنِ عَنْهُ٢، وَصَارَ الْمُعْتَبَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِجِهَةِ الْمَتْبُوعِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَمَّا بَرَزَ التَّابِعُ وَصَارَ مِمَّا يَقْصِدُ؛ تَعَلُّقَ الْغَرَضِ فِي الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَلَا يُنَازَعُ فِي هَذَا أَيْضًا؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الشَّجَرَةُ الْمُثْمِرَةُ فِي قِيمَتِهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُثْمِرَةً، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ دُونَ مَالٍ لَا تَكُونُ قِيمَتُهُ كَقِيمَتِهِ مَعَ الْمَالِ، وَلَا الْعَبْدُ الْكَاتِبُ٣ كَالْعَبْدِ غَيْرِ الْكَاتِبِ، فَصَارَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ بِسَبَبِ تَجَاذُبِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ.

стр. 1659

وَأَيْضًا؛ فَلَيْسَ تَجَاذُبُ الطَّرَفَيْنِ [فِيهِ] ١ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، بَلْ يَقْوَى الْمَيْلُ إِلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي حَالٍ، وَلَا يَقْوَى فِي حَالٍ أُخْرَى، وأنت تعلم أن الثمرة حين بروزها [وَقَبْلَ] ٢ الْإِبَارِ٣ لَيْسَتْ فِي الْقَصْدِ وَلَا فِي الْحُكْمِ كَمَا بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَلَا هِيَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ كَمَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَبْلَ الْيُبْسِ؛ فَإِنَّهَا قَبْلَ الْإِبَارِ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا أُبِّرَتْ؛ فَهِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ، فَتَكُونَ لَهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، فَإِذَا بَدَا صَلَاحُهَا؛ فَقَدْ قَرُبَتْ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ وَبَعُدَتْ مِنَ التَّبَعِيَّةِ؛ فَجَازَ بَيْعُهَا بِانْفِرَادِهَا، وَلَكِنَّ مَن اعْتَبَرَ الِاسْتِقْلَالَ قَالَ: هِيَ مَبِيعَةٌ عَلَى حُكْمِ الْجَذِّ٤ كَمَا لَوْ يَبِسَتْ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ؛ فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا. وَمَنِ اعْتَبَرَ عَدَمَ الِاسْتِقْلَالِ وَأَبْقَى حُكْمَ التَّبَعِيَّةِ؛ قَالَ: حُكْمُهَا عَلَى التَّبَعِيَّةِ لِمَا٥ بَقِيَ مِنْ مَقَاصِدِ الْأَصْلِ٦ فِيهَا وَوَضْعَ٧ فِيهَا الْجَوَائِحَ اعْتِبَارًا بِأَنَّهَا لما افترقت إلى الأصل كانت كالمضمومة إِلَيْهِ التَّابِعَةِ لَهُ؛ فَكَأَنَّهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْأَصْلِ، وَحِينَ٨ تَعَيَّنَ وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْمُعْتَادِ صَارَتْ كَالْمُسْتَقِلَّةِ؛ فَكَانَتِ الْجَائِحَةُ الْيَسِيرَةُ مُغْتَفِرَةٌ فيها؛ لأن اليسير في الكثير كالتبع.

стр. 1660

وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفُوا فِي السَّقْيِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ: هَلْ هُوَ عَلَى الْبَائِعِ، أَمْ عَلَى المبتاع؟ فإذا انتهى الطيب من الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَا تَضْطَرُّ إِلَى الْأَصْلِ فِيهِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ عَلَى جِهَةِ التَّكْمِلَةِ مِن بَقَاءِ النَّضَارَةِ وَحِفْظِ الْمَائِيَّةِ؛ اخْتُلِفَ: هَلْ بَقِيَ فِيهَا حُكْمُ الْجَائِحَةِ، أَمْ لَا؟ بِنَاءً١ عَلَى أَنَّهَا اسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِهَا وَخَرَجَتْ عَنْ تَبَعِيَّةِ الْأَصْلِ مُطْلَقًا أَمْ لَا، فَإِذَا انْقَطَعَتِ الْمَائِيَّةُ وَالنَّضَارَةُ؛ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِقْلَالِ، فَانْقَطَعَتِ التَّبَعِيَّةُ، وَعَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ يَجْرِي الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ. فَصْلٌ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَتَرَكَّبُ فَوَائِدُ: - مِنْهَا: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ تَبَعِيَّةٌ جارٍ٢ فِي الْحُكْمِ مَجْرَى التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ الْمُتَّفَقِ٣ عَلَيْهِ، مَا لم يعارضه أصل آخر٤، كمسألة الإجارة

стр. 1661

عَلَى الْإِمَامَةِ، مَعَ١ الْأَذَانِ أَوْ خِدْمَةِ الْمَسْجِدِ، وَمَسْأَلَةِ اكْتِرَاءِ الدَّارِ تَكُونُ فِيهَا الشَّجَرَةُ، أَوْ مُسَاقَاةِ الشَّجَرِ يَكُونُ بَيْنَهَا الْبَيَاضُ الْيَسِيرُ٢، وَمَسْأَلَةِ الصَّرْفِ٣ وَالْبَيْعِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَلَازَمُ فِي الْحِسِّ٤ أَوْ فِي الْقَصْدِ أَوْ فِي الْمَعْنَى، وَيَكُونُ بَيْنَهَا قلَّة وَكَثْرَةٌ؛ فَإِنَّ لِلْقَلِيلِ مَعَ

стр. 1662

الكثير حكم التبيعة، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ فِي الْوُجُودِ، وَلَكِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْقَلِيلَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى الْكَثِيرِ فِي حُكْمِ الْمُلْغَى قَصْدًا؛ فَكَانَ كَالْمُلْغَى حُكْمًا. - وَمِنْهَا١ أَنَّ كُلَّ تَابِعٍ قُصِدَ؛ فَهَلْ تَكُونُ زِيَادَةُ الثَّمَنِ لِأَجْلِهِ مَقْصُودَةً عَلَى الْجُمْلَةِ لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، أَمْ هِيَ مَقْصُودَةٌ على الجملة والتفصيل؟ والحق الذي تقتضيه التبيعة أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ جُمَلِيًّا لَا تَفْصِيلِيًّا؛ إِذْ لَوْ كَانَ تَفْصِيلِيًّا لَصَارَ إِلَى حُكْمِ الِاسْتِقْلَالِ؛ فَكَانَ النَّهْيُ وَارِدًا عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ إِذَا فُرِضَ هَذَا الْقَصْدُ، فَإِنْ كَانَ جُمَلِيًّا؛ صَحَّ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ حُكْمُ التَّبَعِيَّةِ؛ فَلَهُ جِهَتَانِ: جِهَةُ زِيَادَةِ الثَّمَنِ لِأَجْلِهِ. وَجِهَةُ عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَى التَّفْصِيلِ فِيهِ. فَإِذَا فَاتَ ذَلِكَ التَّابِعُ؛ فَهَلْ يُرْجَعُ بِقِيمَتِهِ أَمْ لَا؟ يُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ، وَلِأَجْلِهِ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ دَاخِلَةٍ تَحْتَ هَذَا الضَّابِطِ، كَالْعَبْدِ إِذَا رُد بِعَيْبٍ وَقَدْ كَانَ أَتْلَفَ مَالَهُ؛ فَهَلْ يَرْجِعُ على البائع بالثمن كله، أو لَا٢ وَكَذَلِكَ ثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ، وَصُوفُ الْغَنَمِ، وَأَشْبَاهُ ذلك.

стр. 1663

- وَمِنْهَا: قَاعِدَةُ: الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ؛ فَالْخَرَاجُ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ، فَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ حَاصِلًا فِيهِ شَرْعًا؛ فَمَنَافِعُهُ تابعة، سواء طرأ بعد ذلك استحقاق أم لَا، فَإِنْ طَرَأَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَانَ كَانْتِقَالِ الْمِلْكِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ١ وَتَأَمَّلْ مَسَائِلَ الرُّجُوعِ٢ بالغلَّات فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ عَدَمِ الرُّجُوعِ؛ تَجِدْهَا جَارِيَةً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. - وَمِنْهَا: فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مَا كَانَ تَابِعًا لِلشَّيْءِ الْمُسْتَصْنَعِ فِيهِ، هل٣ يضمنه الصناع؛ كَجَفْنِ السَّيْفِ، وَمِنْدِيلِ [الثَّوْبِ] ٤، وَطَبَقِ الْخُبْزِ، وَنُسْخَةِ الْكِتَابِ الْمُسْتَنْسَخِ، وَوِعَاءِ الْقَمْحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَابِعٌ؛ كَمَا يَضْمَنُ نَفْسَ الْمُسْتَصْنَعِ أَمْ لَا؟ فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ الصانع.

стр. 1664

- وَمِنْهَا: فِي الصَّرْفِ مَا كَانَ مِنْ حِلْيَةِ١ السيف والمصحف ونحوهما تابعًا أو غير٢ تَابِعٍ. وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ٣. فَصْلٌ ٤ وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا٥ منفعة فيه من المعقود عليه في

стр. 1665

الْمُعَاوَضَاتِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَوْ مَنَافِعُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا حَرَامًا أَنْ ينتفع به؛ فلا إشكال في أن جارٍ مَجْرَى مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا حَلَالًا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِهِ وَعَلَيْهِ. وَهَذَانَ الْقَسَمَانِ وَإِنْ تُصُوِّرَا فِي الذِّهْنِ بعيدٌ أَنْ يُوجَدَا فِي الْخَارِجِ؛ إِذْ مَا مِنْ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا إِلَّا وَفِيهَا جِهَةُ مَصْلَحَةٍ وَجِهَةُ مَفْسَدَةٍ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا فِي كِتَابِ١ الْمَقَاصِدِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ؛ فَيَرْجِعُ الْقَسَمَانِ إِذًا إِلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ أَنْ يكون بعض المنافع حلالًا وبعضها حرامًا؛ فههنا مُعْظَمُ نَظَرِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَوَّلًا ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَصَالَةِ عُرْفًا، وَالْجَانِبُ الْآخَرُ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْعَادَةِ؛ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ٢ عَلَى الْخُصُوصِ وَعَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ الْحُكْمَ لِمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْأَصَالَةِ وَالْعُرْفِ، وَالْآخَرُ لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا الْجَانِبَ التَّابِعَ لَمْ يَصِحَّ٣ لَنَا تَمَلُّكُ عَيْنٍ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَلَا عَقْدٌ عَلَيْهِ لِأَجْلِ مَنَافِعِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنَافِعَ محرمة، وهو من الأدلة٤ على سقوط

стр. 1666

الطَّلَبِ فِي جِهَةِ التَّابِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَأَنَّ جِهَةَ التَّبَعِيَّةِ يُلْغَى فِيهَا مَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنَ الطلب؛ فكذلك ههنا اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَاقِدِ قَصْدٌ إِلَى الْمُحَرَّمِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ فَإِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: اعْتِبَارُ الْقَصْدِ الْأَصِيلِ وَإِلْغَاءِ التَّابِعِ١ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا؛ فَيَرْجِعُ إِلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ. وَالْآخَرُ: اعْتِبَارُ الْقَصْدِ الطَّارِئِ؛ إِذْ صَارَ بِطَرَيَانِهِ٢ سَابِقًا أَوْ كَالسَّابِقِ، وَمَا سِوَاهُ كَالتَّابِعِ؛ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ، وَمِثَالُهُ فِي أَصَالَةِ الْمَنَافِعِ الْمُحَلِّلَةِ٣ شِرَاءُ الْأَمَةِ بِقَصْدِ٤ إِسْلَامِهَا لِلْبِغَاءِ كَسْبًا بِهِ، وَشِرَاءُ الْغُلَامِ لِلْفُجُورِ بِهِ، وَشِرَاءُ الْعِنَبِ لِيُعْصَرَ خَمْرًا، وَالسِّلَاحِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَبَعْضِ الْأَشْيَاءِ لِلتَّدْلِيسِ بِهَا، وفي أصالة

стр. 1667

الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ شِرَاءُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالضَّرْعِ وَالزَّرْعِ عَلَى رَأْيِ مَنْ مَنَعَ١ ذَلِكَ، وَشِرَاءُ٢ السِّرقين لِتَدْمِينِ الْمَزَارِعِ، وَشِرَاءُ الْخَمْرِ لِلتَّخْلِيلِ، وَشِرَاءُ شَحْمِ الْمَيْتَةِ لِتُطْلَى بِهِ السُّفُنُ أَوْ يَسْتَصْبِحَ بِهِ النَّاسُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالْمُنْضَبِطُ هُوَ الْأَوَّلُ٣، وَالشَّوَاهِدُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ مَا يُقْصَدُ بالأصالة

стр. 1668

وَالْعَادَةِ هُوَ الَّذِي جَاءَ فِي الشَّريعة الْقَصْدُ إِلَيْهِ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ؛ فَإِنَّ شِرَاءَ الْأَمَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِي التَّسَرِّي إنْ كَانَتْ مِنْ عليِّ١ الرَّقِيقِ، أَوِ الْخِدْمَةِ إِنْ كَانَتْ مِنَ الْوَخْشِ٢، وَشِرَاءَ الْخَمْرِ لِلشُّرْبِ، وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ لِلْأَكْلِ، هُوَ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ عِنْدَ الْعَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي نَحْوِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] ، فَوَجَّهَ التحليل والتحريم عل أَنْفُسِ الْأَعْيَانِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَفْهُومٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] ، وَأَشْبَاهِهِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا فِي غَيْرِ الْأَكْلِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْمَقَاصِدِ وَأَعْظَمَهَا هُوَ الْأَكْلُ، وَمَا سوى ذلك ما يقصد بالتبع، ولا٣ يُقْصَدُ فِي نَفْسِهِ عَادَةً إِلَّا بِالتَّبَعِيَّةِ لَا حُكْمَ لَهُ. وَقَدْ وَرَدَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ وَأَخَوَاتِهَا، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﵊ فِي شَحْمِ الْمَيْتَةِ: إِنَّهُ تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهِ النَّاسُ؛ فأوردَ مَا دَلَّ عَلَى مَنْعِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَعْذُرْهُمْ بِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ لأن المقصود وهو الْأَكْلُ محرَّم، وَقَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فجَملوها؛ فَبَاعُوهَا وأكلوا أثمانها" ٤.

стр. 1669

وَقَالَ فِي الْخَمْرِ: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا" ١. وَ "إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ "٢ لِأَجْلِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي تَوَجَّهَ إِلَيْهِ التَّحْرِيمُ وَمَا سِوَاهُ تَبَعٌ لَا حُكْمَ لَهُ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَجَازُوا نِكَاحَ الرَّجُلِ لِيَبَرَّ يَمِينَهُ إِذَا حَلَفَ أَنَّ يَتَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْبَقَاءَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ تَوَابِعِ النِّكَاحِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ، وَلَا تُعْتَبَرُ٣ فِي أَنْفُسِهَا، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَوَابِعٌ، وَلَوْ كَانَتِ التَّوَابِعُ مَقْصُودَةً شَرْعًا حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهَا مُقْتَضَاهَا مِنَ الطَّلَبِ؛ لَمْ يَجُزْ كَثِيرٌ مِنَ الْعُقُودِ لِلْجَهَالَةِ بِتِلْكَ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ، بَلْ لَمْ يَجُزِ النِّكَاحُ لِأَنَّ الرجل إذا

стр. 1670

نَكَحَ لَزِمَهُ الْقِيَامُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالْإِنْفَاقِ وَسَائِرِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ إِلَى بَذْلِ الصَّدَاقِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ كَالْعِوَضِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْبُضْعِ، وَهَذَا ثَمَنٌ مَجْهُولٌ؛ فَالْمَنَافِعُ التَّابِعَةُ لِلرَّقَبَةِ١ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا أَوْ لِلْمَنَافِعِ الَّتِي هِيَ سَابِقَةٌ فِي الْمَقَاصِدِ الْعَادِيَّةِ، هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ، وَمَا سِوَاهَا مِمَّا هُوَ تَبَعٌ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ؛ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ قَصْدًا فَيَكُونَ فِيهِ نَظَرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا حُكْمَ لَهُ فِي٢ ظَاهِرِ الشَّرْعِ؛ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ٣، وَلِخُصُوصِ الْحَدِيثِ فِي سُؤَالِهِمْ عَنْ شَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يُقْصَدُ لِطِلَاءِ السُّفُنِ وَلِلِاسْتِصْبَاحِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مِمَّا يَصِحُّ الِانْتِفَاعُ بِالشَّحْمِ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَصْدَ الْخَاصَّ لَا يُعَارِضُ٤ الْقَصْدَ الْعَامَّ. فَإِنْ٥ صَارَ التَّابِعُ غَالِبًا فِي الْقَصْدِ، وَسَابِقًا فِي عرف بعض الأزمنة حتى

стр. 1671

يَعُودَ مَا كَانَ بِالْأَصَالَةِ كَالْمَعْدُومِ الْمُطَّرَحِ١؛ فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الْحُكْمُ، وَمَا أَظُنُّ هَذَا يَتَّفِقُ هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنْ إِنْ فُرِضَ اتِّفَاقُهُ انْقَلَبَ الْحُكْمُ، وَالْقَاعِدَةُ مَعَ ذَلِكَ ثَابِتَةٌ٢ كَمَا وُضِعَتْ فِي الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ٣، وَلَكِنَّ الْقَصْدَ إِلَى التَّابِعِ كَثِيرٌ؛ فَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ مَا يُقْصَدُ مِثْلُهُ عُرْفًا، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَلَى الْجُمْلَةِ اعْتِبَارًا بِالِاحْتِمَالَيْنِ، وَقَاعِدَةُ الذَّرَائِعِ أَيْضًا مَبْنِيَّةٌ عَلَى سَبْقِ٤ الْقَصْدِ إِلَى الْمَمْنُوعِ، وَكَثْرَةُ ذَلِكَ فِي ضَمِّ الْعَقْدَيْنِ، وَمَنْ لَا يَرَاهَا بَنَى عَلَى أَصْلِ القصد في انفكاك العقدين

стр. 1672

عُرْفًا، وَأَنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ خِلَافُ١ ذَلِكَ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ تَبَعًا فِي الْقَصْدِ الْعَادِيِّ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا يَسْبِقُ الْقَصْدَ إِلَيْهِ عَادَةً بِالْأَصَالَةِ؛ كَالْحُلِيِّ وَالْأَوَانِي الْمُحَرَّمَةِ إِذَا فَرَضْنَا الْعَيْنَ وَالصِّيَاغَةَ٢ مَقْصُودَتَيْنِ مَعًا عُرْفًا أَوْ يَسْبِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ عُرْفًا؛ فَهَذَا بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ فِيهِ بِاجْتِمَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَيْهِمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَلَا بُدَّ مِنِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا وَاطِّرَاحِ الْآخَرِ حُكْمًا، أَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ التَّبَعِيَّةِ كَمَا مَرَّ فَيَسْقُطُ الطَّلَبُ الْمُتَوَجِّهُ إِلَى التَّابِعِ، وَأَمَّا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا؛ فَيَصِيرُ التَّابِعُ عَفْوًا٣، وَيَبْقَى التَّعْيِينُ٤؛ فَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَمَوْضِعُ إِشْكَالٍ، وَيَقِلُّ وُقُوعُ مِثْلِ هَذَا فِي الشَّرِيعَةِ، وَإِذَا فُرِضَ وُقُوعُهُ؛ فَكُلُّ أَحَدٍ وَمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ٥ فِي نَحْوِ هَذَا الْقِسْمِ فِي الْبُيُوعِ: "يَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالْمَمْنُوعِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَقْصُودَةً يَقْتَضِي أن لها حصة من الثمن،

стр. 1673

وَالْعَقْدُ وَاحِدٌ١ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا سَبِيلَ إِلَى تَبْعِيضِهِ، وَالْمُعَاوَضَةُ عَلَى الْمُحَرَّمِ مِنْهُ مَمْنُوعَةٌ؛ فَمَنْعُ الْكُلِّ لِاسْتِحَالَةِ التَّمْيِيزِ، وَإِنَّ٢ سَائِرَ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ يَصِيرُ ثَمَنُهَا مَجْهُولًا لَوْ قُدِّرَ انْفِرَادُهُ بِالْعَقْدِ"٣، هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ٤. وَأَيْضًا؛ فقاعدة الذرائع تقوى ههنا، إِذَا قَدْ ثَبَتَ الْقَصْدُ٥ إِلَى الْمَمْنُوعِ. وَأَيْضًا فَقَاعِدَةُ "مُعَارَضَةِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ لِجَلْبِ الْمَصَالِحِ" جَارِيَةٌ هُنَا؛ لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ، وَلِأَنَّ قَاعِدَةَ التعاون٦ تَقْضِي بِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ عَلَى مِثْلِ هَذَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَلِذَلِكَ يُمْنَعُ بِاتِّفَاقٍ شِرَاءُ العنب للخمر قصدًا،

стр. 1674

وَشِرَاءُ السِّلَاحِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَشِرَاءُ الْغُلَامِ لِلْفُجُورِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَصْدُ تَبَعِيًّا؛ فَهَذَا أَوْلَى١ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى الْحُكْمِ بِالْمَنْعِ فِيهِ لَكِنَّهُ٢ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ٣ النَّظَرُ الْخِلَافِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ بالنسبة إلى مقطع الحكم، وكون المعارضة فاسة [أَوْ غَيْرَ فَاسِدَةٍ] ٤، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ بَسْطٌ في كتاب المقاصد.

стр. 1675

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وُرُودُ١ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى شَيْئَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِتَابِعٍ٢ لِلْآخَرِ، وَلَا هُمَا مُتَلَازِمَانِ فِي الْوُجُودِ وَلَا فِي الْعُرْفِ الْجَارِي؛ إِلَّا أَنَّ الْمُكَلِّفَ ذَهَبَ قَصْدُهُ إِلَى جَمْعِهِمَا مَعًا فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ، وَفِي غَرَضٍ وَاحِدٍ؛ كَجَمْعِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلْنَصْطَلِحْ فِي هَذَا الْمَكَانِ عَلَى وَضْعِ الْأَمْرِ فِي مَوْضِعِ الْإِبَاحَةِ٣؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ، ولأن٤ الْأَمْرَ قَدْ يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه﴾ [الْجُمُعَةِ: ١٠] . وَإِنَّمَا٥ قَصَدَ هُنَا الِاخْتِصَارَ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ، وَالْمَعْنَى في المساق المفهوم؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ تَابِعٍ فِي الْقَصْدِ بِالْفَرْضِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُمَا عَلَى حُكْمِ الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ يَأْبَاهُ، وَالْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ في التصرفات،

стр. 1676

وَلِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ مِنَ الشَّرْعِ عَرَّفَ أَنَّ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرًا فِي أَحْكَامٍ لَا تَكُونُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ بَيْنَ مَأْمُورٍ وَمَنْهِيٍّ مَعَ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَ مَأْمُورَيْنِ أَوْ مَنْهِيَّيْنِ؛ فَقَدْ نَهَى ﵊: "عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ " ١، وكل مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ لَجَازَ. وَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ مَعَ جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِانْفِرَادِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، وَقَالَ: "إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؛ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" ٢، وَهُوَ دَاخِلٌ بِالْمَعْنَى فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ حَيْثُ كَانَ لِلْجَمْعِ حُكْمٌ لَيْسَ لِلِانْفِرَادِ؛ فَكَانِ الاجتماع مؤثرًا، وهو

стр. 1677

دَلِيلٌ، وَكَانَ تَأْثِيرُهُ فِي قَطْعِ١ الْأَرْحَامِ وَهُوَ رَفْعُ الِاجْتِمَاعِ، [وَهُوَ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى تَأْثِيرِ الِاجْتِمَاعِ] ٢. وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ٣ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ حَتَّى يُضَمَّ إِلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَوْ مَا بَعْدَهُ٤. وَكَذَلِكَ نَهَى عَنْ تَقَدُّمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ٥ وَعَنْ صِيَامِ يوم الفطر٦ لمثل ذلك أيضًا.

стр. 1678

وَنَهَى عَنْ جَمْعِ الْمُفْتَرِقِ وَتَفْرِيقِ الْمُجْتَمِعِ١ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ لِلِاجْتِمَاعِ٢ تَأْثِيرًا لَيْسَ لِلِانْفِرَادِ، وَاقْتِضَاؤُهُ أَنَّ لِلِانْفِرَادِ حُكْمًا لَيْسَ لِلِاجْتِمَاعِ يُبَيِّنُ أَنَّ لِلِاجْتِمَاعِ حُكْمًا لَيْسَ لِلِانْفِرَادِ، وَلَوْ فِي سَلْبِ٣ الِانْفِرَادِ. وَنَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ فِي الْأَشْرِبَةِ٤؛ لِأَنَّ لِاجْتِمَاعَهُمَا تَأْثِيرًا فِي تَعْجِيلِ صِفَةِ الإسكار.

стр. 1679

وَعَنِ التَّفْرِقَةِ١ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا٢، وَهُوَ فِي "الصحيح".

стр. 1680

وَعَنِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ١، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وهو كثير في الشريعة.

стр. 1681

وَأَيْضًا، فَإِذَا أُخِذَ الدَّلِيلُ فِي الِاجْتِمَاعِ أَعَمَّ١ مِنْ هَذَا؛ تَكَاثَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي الْجُمْلَةِ، كَالْأَمْرِ بِالِاجْتِمَاعِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّفْرِقَةِ٢؛ لِمَا فِي الِاجْتِمَاعِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ فِي الِانْفِرَادِ؛ كَالتَّعَاوُنِ [وَالتَّظَاهُرِ، وَإِظْهَارِ أُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ وَشَعَائِرِهِ، وَإِخْمَادِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتِ الْجَمَاعَاتُ وَالْجُمُعَاتُ وَالْأَعْيَادُ، وَشُرِعَتِ الْمُوَاصَلَاتُ] ٣ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ خُصُوصًا وَبَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عُمُومًا، وَقَدْ مُدِحَ الِاجْتِمَاعُ وَذُمَّ الِافْتِرَاقُ، وَأُمِرَ بِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَذَمِّ ضِدِّهَا وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَأَيْضًا؛ فَالِاعْتِبَارُ النَّظَرِيُّ يَقْضِي أَنَّ لِلِاجْتِمَاعِ أَمْرًا زَائِدًا لَا يُوجَدُ مَعَ الِافْتِرَاقِ، هَذَا وَجْهُ تَأْثِيرِ الِاجْتِمَاعِ. وللافتراق أيضًا تأثير من جهة أخرى، فإنه إِذَا كَانَ لِلِاجْتِمَاعِ معانٍ لَا تَكُونُ فِي الِافْتِرَاقِ؛ فَلِلِافْتِرَاقِ٤ أَيْضًا معانٍ لَا تُزِيلُهَا٥ حَالَةُ الاجتماع؛ فالنهي عن

стр. 1682

الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مُجْتَمِعَيْنِ قَضَى بِأَنَّ لِافْتِرَاقِهِمَا١ مَعْنًى هُوَ٢ مَوْجُودٌ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ إِذْ لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالِاجْتِمَاعِ، وَلَكِنَّهُمَا نَشَأَ بَيْنَهُمَا مَعْنًى زَائِدٌ لِأَجْلِهِ وَقَعَ النَّهْيُ، وَزِيَادَةُ الْمَعْنَى فِي الِاجْتِمَاعِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْدِمَ مَعَانِي الِانْفِرَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمِثْلُهُ٣ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَمَا٤ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنْ كَانَ لِلِاجْتِمَاعِ معانٍ لا تكون في الانفراد؛ فللأفراد٥ فِي الِاجْتِمَاعِ خَوَاصٌّ لَا تَبْطُلُ بِهِ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَمِعَيْنِ مَعَانِيَ لَوْ بَطَلَتْ لَبَطَلَتْ مَعَانِي الِاجْتِمَاعِ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْضَاءِ مَعَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ مَجْمُوعَهَا هُوَ الْإِنْسَانُ، وَلَكِنْ لَوْ فُرِضَ اجتماعها من وجه واحد وعلى٦ تَحْصِيلِ مَعْنَى وَاحِدٍ؛ لَبَطَلَ الْإِنْسَانُ، بَلِ الرَّأْسُ يُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ، وَالْيَدُ تُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُهُ الرِّجْلُ، وَهَكَذَا الْأَعْضَاءُ الْمُتَشَابِهَةُ كَالْعِظَامِ وَالْعَصَبِ وَالْعُرُوقِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فافهم مثله في سائر٧ الاجتماعات.

стр. 1683

فَالْأَمْرُ١ بِالِاجْتِمَاعِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْفُرْقَةِ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِفَوَائِدِ٢ الْأَفْرَادِ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ، فَمِنْ حَيْثُ حَصَلَتِ الْفَائِدَةُ بِالِاجْتِمَاعِ؛ فَهِيَ حَاصِلَةٌ مِنْ جِهَةِ الِافْتِرَاقِ أَيْضًا حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ، وَأَيْضًا؛ فَمِنْ حَيْثُ كَانَ الِاجْتِمَاعُ فِي شَيْئَيْنِ يَصِحُّ اسْتِقْلَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ يَصِحُّ أَنْ يُعْتَبَرَا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْضًا؛ فَيَتَعَارَضَانِ فِي مِثْلِ مَسْأَلَتِنَا حَتَّى يُنْظَرَ فِيهَا؛ فَلَيْسَ اعْتِبَارُ الِاجْتِمَاعِ وَحْدَهُ بِأَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الِانْفِرَادِ. وَلِكُلٍّ وَجْهٌ تَتَجَاذَبُهُ أَنْظَارُ الْمُجْتَهِدِينَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَحِينَ امْتَزَجَ الْأَمْرَانِ فِي الْمَقْصِدِ٣ صَارَا فِي الْحُكْمِ كَالْمُتَلَازِمَيْنِ فِي الْوُجُودِ اللَّذَيْنِ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ [مَعًا] ٤ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَلَازِمَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا بِالْأَمْرِ أَوْ بِالنَّهْيِ أَوْ لَا٥؛ فَإِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُجْرَى عَلَيْهِمَا حُكْمُ الِانْفِكَاكِ وَالِاسْتِقْلَالِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْوُجُودِيِّ وَالِاسْتِعْمَالِ، إِذَا كَانَ الشَّأْنُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ في مسألة

стр. 1684

"الصَّفْقَةِ تَجْمَعُ بَيْنَ حَرَامٍ وَحَلَالٍ"١، وَوَجْهُ كُلِّ قَوْلِ مِنْهُمَا قَدْ ظَهَرَ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الَّذِي يُسَاعِدُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَأْثِيرُ الِاجْتِمَاعِ وَأَنَّ لَهُ حُكْمًا لَا يَكُونُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ؛ فَقَدْ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوعِ كَالتَّابِعِ٢ مَعَ الْمَتْبُوعِ؛ فَإِنَّهُ صَارَ جُزْءًا مِنَ الْجُمْلَةِ، وَبَعْضُ الْجُمْلَةِ تَابِعٌ لِلْجُمْلَةِ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبَاحًا بِالْجُزْءِ مَطْلُوبًا بِالْكُلِّ، أَوْ مَنْدُوبًا بِالْجُزْءِ وَاجِبًا بِالْكُلِّ، وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ الَّتِي يَخْتَلِفُ٣ فِيهَا حُكْمُ الْجُزْءِ مَعَ الْكُلِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعًا، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْجُمْلَةِ وَجَدْنَا مَحَلَّ النَّهْيِ مَوْجُودًا فِي الْجُمْلَةِ، فَتَوَجَّهَ٤ النَّهْيُ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ الْمَازِرِيِّ [وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ] ٥. لِأَنَّا نقول: إن صار كل واحد من الجزأين كَالتَّابِعِ مَعَ الْمَتْبُوعِ؛ فَلَيْسَ جُزْءُ٦ الْحَرَامِ بِأَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا، وَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ لَا يُنْكَرُ، وَلَهُ مُعَارِضٌ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْأَفْرَادِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا تَوْجِيهُ الْمَازِرِيِّ؛ فَاعْتِبَارُهُ مُخْتَلَفٌ٧ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنَ الْأَمْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ فَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ إليه مجتهد، ويمكن أن لا.

стр. 1685

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْأَمْرَانِ١ يَتَوَارَدَانِ عَلَى شَيْئَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ تَابِعٍ لِصَاحِبِهِ، إِذَا ذَهَبَ قصد المكلف إلى جمعهما٢ في عمل واحد أو في٣ غرض واحد؛ فقد تقدم أن للجميع تأثير، وَأَنَّ فِي الْجَمْعِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الِانْفِرَادِ، كَمَا أَنَّ مَعْنَى الِانْفِرَادِ لَا يَبْطُلُ بِالِاجْتِمَاعِ. وَلَكِنْ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا منافي الأحكام لأحكام الآخر، أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ٤ رَجَعَ فِي الْحُكْمِ إِلَى اجْتِمَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الشَّيْئَيْنِ يَجْتَمِعَانِ٥ قَصْدًا وَذَلِكَ مُقْتَضَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لَهُ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ تَقْتَرِنُ بِهِ؛ فَهِيَ مَنُوطَةٌ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْمَصَالِحِ الْمَوْضُوعَةِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِينَ، كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ عَادَةً أَوْ عِبَادَةً، فَإِنِ اقْتَرَنَ عَمَلَانِ وَكَانَتْ أَحْكَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تُنَافِي أَحْكَامَ الْآخَرِ، فَمِنْ حَيْثُ صَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْقَصْدِ الِاجْتِمَاعِيِّ اجْتَمَعَتِ الْأَحْكَامُ الْمُتَنَافِيَةُ الَّتِي وُضِعَتْ المصالح؛ فتنافت وجوه المصالح وتدافعت، وإذا تنافت؛
следующие страницы →