← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الْحُكْمِ مَذْكُورًا مَعَ غَيْرِهِ فِي النَّصِّ؛ فَيُنَقَّحُ بِالِاجْتِهَادِ، حَتَّى يُمَيَّزَ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ مِمَّا هُوَ مُلْغًى، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَضْرِبُ صَدْرَهُ١. وَقَدْ قَسَّمَهُ٢ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَقْسَامٍ ذَكَرَهَا فِي "شِفَاءِ الغليل"٣، وهو مبسوط

стр. 2312

فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، قَالُوا: وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ بَابِ الْقِيَاسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ إِنْكَارِهِ١ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ راجع إلى نوع من تأويل الظاهر. وَالثَّانِي: الْمُسَمَّى بِتَخْرِيجِ٢ الْمَنَاطِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أن النص الدال على

стр. 2313

الْحُكْمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَنَاطِ؛ فَكَأَنَّهُ أُخْرِجَ بِالْبَحْثِ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ١ الْقِيَاسِيُّ، وَهُوَ مَعْلُومٌ. وَالثَّالِثُ: هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ٢ ضربان:

стр. 2314

أَحَدُهُمَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَنْوَاعِ لَا إِلَى الْأَشْخَاصِ، كَتَعْيِينِ١ نَوْعِ الْمَثَلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَنَوْعِ الرَّقَبَةِ فِي الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَمَا أشبه ذلك، وقد تقدم التنبيه عليه. الضرب الثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ مَنَاطٍ فِيمَا تَحَقَّقَ مَنَاطُ حُكْمِهِ، فَكَأَنَّ تَحْقِيقَ٢ الْمَنَاطِ عَلَى قِسْمَيْنِ: - تَحْقِيقٌ عَامٌّ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ. - وَتَحْقِيقٌ خَاصٌّ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِّ. وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوَّلَ نَظَرٌ فِي تَعْيِينِ الْمَنَاطِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لِمُكَلَّفٍ مَا، فَإِذَا نَظَرَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَدَالَةِ مَثَلًا، وَوَجَدَ هَذَا الشَّخْصَ مُتَّصِفًا بِهَا عَلَى حَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ، أَوْقَعَ٣ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهِ النَّصُّ مِنَ التَّكَالِيفِ الْمَنُوطَةِ بِالْعُدُولِ، مِنَ الشَّهَادَاتِ وَالِانْتِصَابِ لِلْوِلَايَاتِ٤ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ وَهَكَذَا إِذَا نَظَرَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي النَّدْبِيَّةِ، وَالْأُمُورِ الْإِبَاحِيَّةِ، وَوَجَدَ الْمُكَلَّفِينَ وَالْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْجُمْلَةِ، أَوْقَعَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ تِلْكَ النُّصُوصِ، كَمَا يُوَقِّعُ عَلَيْهِمْ نُصُوصَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى شَيْءٍ٥ غَيْرِ الْقَبُولِ الْمَشْرُوطِ بِالتَّهْيِئَةِ الظَّاهِرَةِ، فَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ فِي أَحْكَامِ تِلْكَ النُّصُوصِ عَلَى سَوَاءٍ فِي هَذَا النَّظَرِ. أَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ النَّظَرُ الْخَاصُّ، فَأَعْلَى مِنْ هَذَا وَأَدَقُّ، وَهُوَ فِي الحقيقة

стр. 2315

ناشىء عَنْ نَتِيجَةِ التَّقْوَى الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ١. [الْأَنْفَالِ: ٢٩] . وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحِكْمَةِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٩] . قَالَ مالك: "من شأن ابن آدم أن لا يَعْلَمَ ثُمَّ يَعْلَمَ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٩] ٢. وَقَالَ أَيْضًا: "إِنَّ الْحِكْمَةَ مَسْحَةُ مَلَكٍ على قلب العبد"٣. وقال أيضًا: "الْحِكْمَةُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ"٤. وَقَالَ: "أَيْضًا يَقَعُ بِقَلْبِي أَنَّ الْحِكْمَةَ الْفِقْهُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَأَمْرٌ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْقُلُوبَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ"٥. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ كِتَابَةَ الْعِلْمِ -يُرِيدُ مَا كَانَ نَحْوَ الْفَتَاوَى؛ فَسُئِلَ: مَا الَّذِي نَصْنَعُ؟ فَقَالَ: تَحْفَظُونَ وَتَفْهَمُونَ حَتَّى تَسْتَنِيرَ قُلُوبُكُمْ، ثُمَّ لَا تَحْتَاجُونَ إِلَى الْكِتَابِ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ الْخَاصِّ نَظَرٌ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلَائِلِ التَّكْلِيفِيَّةِ، بِحَيْثُ يَتَعَرَّفُ مِنْهُ مَدَاخِلَ الشيطان، ومداخل

стр. 2316

الْهَوَى وَالْحُظُوظَ الْعَاجِلَةَ، حَتَّى يُلْقِيَهَا١ هَذَا الْمُجْتَهِدُ عَلَى ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ مُقَيَّدَةً بِقُيُودِ التَّحَرُّزِ مِنْ تِلْكَ الْمَدَاخِلِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّكْلِيفِ الْمُنْحَتِمِ وَغَيْرِهِ٢. وَيَخْتَصُّ غَيْرُ الْمُنْحَتِمِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يَصْلُحُ بِكُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ، بِحَسَبِ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَحَالٍ دُونَ حَالٍ، وَشَخْصٍ، دُونَ شَخْصٍ إِذِ النُّفُوسُ لَيْسَتْ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّهَا فِي الْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ كَذَلِكَ، فَرُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَدْخُلُ بِسَبَبِهِ عَلَى رَجُلٍ ضَرَرٌ أَوْ فَتْرَةٌ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخَرَ، وَرُبَّ عَمَلٍ يَكُونُ حَظُّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِلِ أَقْوَى مِنْهُ فِي عَمَلٍ آخَرَ، وَيَكُونُ بَرِيئًا مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَصَاحِبُ هَذَا التَّحْقِيقِ الْخَاصِّ هُوَ الَّذِي رُزِقَ نُورًا يَعْرِفُ بِهِ النُّفُوسَ وَمَرَامِيَهَا وَتَفَاوُتَ إِدْرَاكِهَا، وَقُوَّةَ تَحَمُّلِهَا لِلتَّكَالِيفِ، وَصَبْرَهَا عَلَى حَمْلِ أَعْبَائِهَا أَوْ ضَعْفَهَا، وَيَعْرِفُ الْتِفَاتَهَا إِلَى الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ أَوْ عَدَمَ الْتِفَاتِهَا، فَهُوَ يَحْمِلُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْ أَحْكَامِ النُّصُوصِ مَا يَلِيقُ بِهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ الشَّرْعِيُّ فِي تَلَقِّي التَّكَالِيفِ، فَكَأَنَّهُ يَخُصُّ عُمُومَ الْمُكَلَّفِينَ وَالتَّكَالِيفِ بِهَذَا التَّحْقِيقِ، لَكِنْ مِمَّا ثَبَتَ عُمُومُهُ٣ فِي التَّحْقِيقِ الْأَوَّلِ الْعَامِّ، ويقيد به ما ثبت إطلاقه في الأول، أَوْ يَضُمُّ قَيْدًا أَوْ قُيُودًا لِمَا ثَبَتَ له في الأول بعض القيود.

стр. 2317

هَذَا مَعْنَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ هُنَا. وَبَقِيَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَا سِوَاهُ قَدْ تَكَفَّلَ الْأُصُولِيُّونَ بِبَيَانِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ مُطْلَقِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِنْ تَشَوَّفَ أَحَدٌ إِلَى خُصُوصِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ؛ فَالْأَدِلَّةُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ بِحَوْلِ اللَّهِ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَخَيْرِ الْأَعْمَالِ، وَعَرَّفَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، فَأَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَوْ حُمِلَ عَلَى إِطْلَاقِهِ أَوْ عُمُومِهِ لَاقْتَضَى مَعَ غَيْرِهِ التَّضَادَّ فِي التفضيل١، فَفِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ ﵊ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ". قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ" ٢. وَسُئِلَ ﵊: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سبيل الله" ٣.

стр. 2318

وَفِي النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ" ١. وَفِي التِّرْمِذِيِّ: [سُئِلَ] أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ"٢. وَفِي "الصَّحِيحِ" فِي قَوْلِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ".... إِلَخْ، قَالَ: "وَلَمْ يَأْتِ أحد بأفضل مما جاء به" الحديث٣.

стр. 2319

وَفِي النَّسَائِيِّ: "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ" ١. وَفِي الْبَزَّارِ: أَيُّ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ؟ قال: "دعاء المرء لنفسه"٢.

стр. 2320

وَفِي التِّرْمِذِيُّ: "مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْضَلَ فِي مِيزَانِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ" ١. وَفِي الْبَزَّارِ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا خَفِيفَتَانِ عَلَى الظَّهْرِ وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ غَيْرِهِمَا؟ عَلَيْكَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَطُولِ الصَّمْتِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا عمل الخلائق بمثلهما"٢.

стр. 2321

وفي مسلم: أي المسملين خَيْرٌ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ١. وَفِيهِ: سُئِلَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" ٢. وَفِي "الصَّحِيحِ": "وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ" ٣.

стр. 2322

وَفِي التِّرْمِذِيِّ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" ١. وَفِيهِ: "أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ"٢. إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ جَمِيعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، وَيُشْعِرُ إِشْعَارًا ظَاهِرًا بِأَنَّ الْقَصْدَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ٣ إِلَى الْوَقْتِ أَوْ إلى حال السائل.

стр. 2323

وَقَدْ دَعَا١ ﵇ لِأَنَسٍ بِكَثْرَةِ الْمَالِ فَبُورِكَ لَهُ فِيهِ. وَقَالَ لِثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ حِينَ سَأَلَهُ٢ الدُّعَاءَ لَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ: "قَلِيلٌ تُؤَدِي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ"٣. وَقَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ لَا تَأَمَّرنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ" ٤. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كِلَا الْعَمَلَيْنِ٥ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ لِمَنْ قَامَ فِيهِ بِحَقِّ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ فِي الْإِمَارَةِ وَالْحُكْمِ: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يمين الرحمن" الحديث٦.

стр. 2324

وَقَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ"، ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُمَا لَمَّا عَلِمَ لَهُ خُصُوصًا فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ. وَفِي "أَحْكَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ" عَنِ ابْنِ سِيرِينَ؛ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُخَافِتُ، وَكَانَ عُمَرُ يَجْهَرُ -يَعْنِي: فِي الصَّلَاةِ؛ فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: أُنَاجِي رَبِّي وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ لِعُمَرَ: كيف تفعل؟ قال: أوقظ الوسنان، وأخسأ الشَّيْطَانَ، وَأُرْضِي الرَّحْمَنَ. فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: "ارْفَعْ شَيْئًا" وَقِيلَ لِعُمَرَ: "اخْفِضْ شَيْئًا"٢ وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ ﵊ قَصَدَ٣ إِخْرَاجَ كُلِّ وَاحِدٍ منهما

стр. 2325

عَنِ اخْتِيَارِهِ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ صَحِيحًا. وَفِي "الصَّحِيحِ": أَنَّ نَاسًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ" ١. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "مَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ"٢. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مِثْلِهِ؛ قَالَ: "إِذَا وَجَدْتَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الْحَدِيدِ: ٣] ٣. فَأَجَابَ٤ النَّبِيُّ ﵊ بِأَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجَابَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِأَمْرٍ آخَرَ وَالْعَارِضُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ. وَفِي "الصَّحِيحِ": "إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ الله في النار" ٥.

стр. 2326

وَآثَرَ ﵊ فِي بَعْضِ الْغَنَائِمِ قَوْمًا، وَوَكَلَ قَوْمًا إِلَى إِيمَانِهِمْ١ لِعِلْمِهِ بِالْفَرِيقَيْنِ، وَقَبِلَ ﵊ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ٢، وَنَدَبَ غَيْرَهُ إِلَى اسْتِبْقَاءِ بَعْضِهِ وَقَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" ٣، وَجَاءَ آخَرُ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنَ الذَّهَبِ؛ فردها في وجهه٤.

стр. 2327

وَقَالَ عَلِيٌّ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يكذَّب اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟! "١، فَجَعَلَ إِلْقَاءَ الْعِلْمِ مُقَيَّدًا، فَرُبَّ مَسْأَلَةٍ تَصْلُحُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ٢، وَقَدْ قَالُوا فِي الرَّبَّانِيِّ: إِنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ٣ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ٤، فَهَذَا التَّرْتِيبُ مِنْ ذلك.

стр. 2328

وَرُوِيَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: "الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ فَقِهَ فِي الْقُرْآنِ، وَعَرَفَ مَكِيدَةَ الشَّيْطَانِ"١، فَقَوْلُهُ: "وَعَرَفَ مَكِيدَةَ الشَّيْطَانِ" هُوَ النُّكْتَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، قال: "قلت للزبير بن العوام: ما لي أَرَاكُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً؟ قَالَ: نُبَادِرُ الْوَسْوَاسَ"٢. هَذَا مَعَ أَنَّ التَّطْوِيلَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَكِنْ جَاءَ مَا يُعَارِضُهُ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ: "أفتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ " ٣. وَلَوْ تُتُبِّعَ هَذَا النَّوْعُ لَكَثُرَ جِدًّا، وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ كَثِيرٌ. وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فِي الْأَنْوَاعِ وَاتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ٤ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ فَرَّعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]

стр. 2329

إِنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّخْيِيرِ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالِاجْتِهَادِ، فَالْقَتْلُ فِي مَوْضِعٍ وَالصَّلْبُ فِي مَوْضِعٍ، وَالْقَطْعُ فِي مَوْضِعٍ وَالنَّفْيُ فِي مَوْضِعٍ، وَكَذَلِكَ التَّخْيِيرُ فِي الْأُسَارَى مِنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ الْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ وَعَدُّوهُ مِنَ السُّنَنِ، وَلَكِنْ قَسَّمُوهُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَنَظَرُوا فِي ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ وَإِنْ كَانَ نَظَرًا نَوْعِيًّا؛ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالنَّظَرِ الشَّخْصِيِّ، فَالْجَمِيعُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ قَدْ يستبعد ببادىء الرَّأْيِ وَبِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ؛ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَغْزَاهُ وَمَوْرِدُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ وَأَمْثَالُهُ كافٍ مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ بِصِحَّةِ هَذَا الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قلَّما نَبَّهُوا عَلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذَا١ الِاجْتِهَادِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ٢ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ أَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ؟ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ، إِذْ لَا يَخْلُو أَنْ يُرَادَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ارْتِفَاعُهُ [بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ صَحَّ إِيقَاعُ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ، أَوْ يراد أنه لا يصح ارتفاعه] وَلَا بِالْجُزْئِيَّةِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَسَائِرُ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ كَذَلِكَ. أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْوَقَائِعَ فِي الْوُجُودِ لَا تَنْحَصِرُ؛ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهَا تَحْتَ الْأَدِلَّةِ الْمُنْحَصِرَةِ، وَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى فَتْحِ بَابِ الاجتهاد من القياس وغيره، فلا

стр. 2330

بُدَّ مِنْ حُدُوثِ وَقَائِعَ لَا تَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهَا، وَلَا يُوجَدُ لِلْأَوَّلِينَ فِيهَا اجْتِهَادٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فَإِمَّا أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فِيهَا مَعَ أَهْوَائِهِمْ، أَوْ يُنْظَرَ فِيهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ أَيْضًا اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ فَسَادٌ؛ فَلَا يَكُونُ بُدٌّ مِنَ التَّوَقُّفِ لَا إِلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى تَعْطِيلِ التَّكْلِيفِ لُزُومًا، وَهُوَ مؤدٍّ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ١؛ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ لِأَنَّ الْوَقَائِعَ الْمَفْرُوضَةَ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَبَاطِلٌ؛ إِذْ لَا يَتَعَطَّلُ مُطْلَقُ التَّكْلِيفِ بِتَعَذُّرِ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ، فَيُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُ فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَاصِّ وَفِي غَيْرِهِ٢، فَلَمْ يَظْهَرْ بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ فَرْقٌ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ الْخَاصَّ كُلِّيٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ، عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْوَقَائِعِ أَوْ أَكْثَرِهَا، فَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُهُ لَارْتَفَعَ مُعْظَمُ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ أَوْ جَمِيعُهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فُرِضَ فِي زَمَانٍ مَا ارْتَفَعَتِ الشَّرِيعَةُ ضَرْبَةَ لَازِبٍ٣ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْوَقَائِعَ الْمُتَجَدِّدَةَ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، لِاتِّسَاعِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ من المتقدمين فيمكن تقليده فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ، فَلَا تَتَعَطَّلُ الشَّرِيعَةُ بتعطل

стр. 2331

بعض الجزئيات، كما لو فرض العجز في تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ دُونَ السَّائِرِ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ؛ فوضح أنهما ليسا سواء٢، والله أعلم

стр. 2332

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا تَحْصُلُ١ دَرَجَةُ الِاجْتِهَادِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُ٢ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلَى كمالها.

стр. 2333

والثاني: الممكن مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ فِيهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ، وَأَنَّ الْمَصَالِحَ إِنَّمَا اعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ وَضَعَهَا الشَّارِعُ كَذَلِكَ، لَا مِنْ حَيْثُ إِدْرَاكِ١ المكلَّف؛ إِذِ الْمَصَالِحُ تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات٢،

стр. 2334

وَاسْتَقَرَّ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ أَنْ الْمَصَالِحَ عَلَى ثَلَاثِ١ مَرَاتِبَ، فَإِذَا بَلَغَ الْإِنْسَانُ مَبْلَغًا، فَهِمَ عَنِ الشَّارِعِ فِيهِ قَصْدَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ٢ مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ وَصْفٌ هُوَ السَّبَبُ٣ فِي تَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْخَلِيفَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي التَّعْلِيمِ وَالْفُتْيَا وَالْحُكْمِ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ كَالْخَادِمِ لِلْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ مَعَارِفَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ أَوَّلًا، وَمِنْ هنا كان خادما٤ للأول، وفي

стр. 2335

اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ ثَانِيًا، لَكِنْ لَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْفَهْمِ إِلَّا فِي الِاسْتِنْبَاطِ؛ فَلِذَلِكَ جُعِلَ شَرْطًا ثَانِيًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ السَّبَبَ فِي بُلُوغِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالثَّانِي وَسِيلَةٌ. لَكِنَّ١ هَذِهِ الْمَعَارِفَ تَارَةً يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَالِمًا بِهَا مُجْتَهِدًا فِيهَا، وَتَارَةً يَكُونُ حَافِظًا لَهَا مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَقَاصِدِهَا غَيْرَ بَالِغٍ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ حَافِظٍ وَلَا عَارِفٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ عَالِمٌ بِغَايَتِهَا وَأَنَّ لَهُ افْتِقَارًا٢ إِلَيْهَا فِي مَسْأَلَتِهِ الَّتِي يَجْتَهِدُ فِيهَا؛ فَهُوَ بِحَيْثُ إِذَا عَنَّتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ يَنْظُرُ فِيهَا زَاوَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِتِلْكَ الْمَعَارِفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَسْأَلَتِهِ؛ فَلَا يَقْضِي فِيهَا إِلَّا بِمَشُورَتِهِمْ، وَلَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ مَرْتَبَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا فِي نَيْلِ الْمَعَارِفِ الْمَذْكُورَةِ. فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهَا كَمَا كَانَ مَالِكٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ؛ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَقَاصِدِهَا كَمَا قَالُوا فِي الشَّافِعِيِّ٣ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ؛ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ؛ فَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مَعَ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِ فِي تِلْكَ الْمَعَارِفِ كَذَلِكَ٤؛ فَكَالثَّانِي وإلا؛ فكالعدم.

стр. 2336

فَصْلٌ: وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ١ الْمُجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ عِلْمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْجُمْلَةِ، بَلِ الْأَمْرُ يَنْقَسِمُ: فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عِلْمٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَصَّلَ وَصْفُ الِاجْتِهَادِ بِكُنْهِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهِ حَقِيقَةً حَتَّى يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ؛ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِهِ مُعَيَّنًا فِيهِ وَلَكِنْ لَا يُخِلُّ التقليد فيه بحقيقة

стр. 2337

الِاجْتِهَادِ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَطَالِبَ١ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا: أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ عِلْمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاجْتِهَادُ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ مِمَّنْ سِوَى٢ الصَّحَابَةِ، وَنَحْنُ نُمَثِّلُ بِالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ فَالشَّافِعِيُّ عِنْدَهُمْ مقلِّد فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فِي انْتِقَادِهِ وَمَعْرِفَتِهِ٣، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ أَهْلِهِ مَالِكًا وَحْدَهُ، وَتَرَاهُ فِي الْأَحْكَامِ يُحِيلُ عَلَى غَيْرِهِ كَأَهْلِ التَّجَارِبِ وَالطِّبِّ وَالْحَيْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ وَالْحُكْمُ٤ لا يستقل دون ذلك

стр. 2338

الِاجْتِهَادِ. وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا فِي الْمُجْتَهِدِ الِاجْتِهَادُ فِي كُلِّ مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الْحُكْمُ؛ لَمْ يَصِحَّ لِحَاكِمٍ أَنْ يَنْتَصِبَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ حَتَّى يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الْحُكْمُ الَّذِي يُوَجِّهُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِلطَّالِبِ١، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِي ٢: أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ٣ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي كُلِّ عِلْمٍ أَنْ تُبَرْهَنَ مُقَدِّمَاتُهُ فِيهِ بِحَالٍ، بَلْ يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ مَن فَعَل ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَدْخَلَ فِي عِلْمِهِ عِلْمًا آخَرَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ، فَكَمَا يَصِحُّ لِلطَّبِيبِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنَ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ أَنَّ الأُسطقصات٤ أَرْبَعَةٌ، وَأَنَّ مِزَاجَ الْإِنْسَانِ أَعْدَلُ الْأَمْزِجَةِ فِيمَا يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مزاج الإنسان، وغير ذلك من المقدمات، وكذلك يَصِحُّ أَنْ يُسَلِّمَ الْمُجْتَهِدُ مِنَ الْقَارِئِ أَنَّ قوله تعالى:

стр. 2339

﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، بِالْخَفْضِ مَرْوِيٌّ١ عَلَى الصِّحَّةِ، وَمِنَ الْمُحَدِّثِ أَنَّ الْحَدِيثَ الْفُلَانِيَّ صَحِيحٌ أَوْ سَقِيمٌ، وَمِنْ عَالِمِ٢ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة﴾ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَمِنَ اللُّغَوِيِّ أَنَّ الْقُرْءَ يُطْلَقُ٣ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، بَلْ بَرَاهِينُ الْهَنْدَسَةِ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ٤ مَسَلَّمَةٍ فِي عِلْمٍ آخَرَ، مَأْخُوذَةٍ فِي عِلْمِ الْهَنْدَسَةِ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلُومِ الْيَقِينِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي حُصُولِ الْيَقِينِ لِلْمُهَنْدِسِ أَوِ الْحَاسِبِ فِي مَطَالِبِ عِلْمِهِ، وَقَدْ أَجَازَ٥ النُّظَّارُ وُقُوعَ الِاجْتِهَادِ في الشريعة من الكافر المنكر

стр. 2340

لِوُجُودِ الصَّانِعِ وَالرِّسَالَةِ وَالشَّرِيعَةِ، إِذْ كَانَ الِاجْتِهَادُ إِنَّمَا يَنْبَنِي١ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ تُفْرَضُ صِحَّتُهَا، كَانَتْ كذلك في نفس الأمر أولا وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ إِطْنَابٍ فِيهِ. فَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا لَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِصِحَّةِ اجْتِهَادِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى فَرْضِ٢ صِحَّةِ تلك المقدمات، وبرهان الخلف٣ مبني على

стр. 2341

مُقَدِّمَاتٍ بَاطِلَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، تُفْرَضُ صَحِيحَةً فيينى عليها، فيفيد النباء عَلَيْهَا الْعِلْمَ بِالْمَطْلُوبِ؛ فَمَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَوْعًا مِنَ الِاجْتِهَادِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ أَنْ يَعْرِفَهُ، فَضْلًا أَنْ يكون مجتهدًا فيه، وهو الاجتهاد في تفتيح٢ الْمَنَاطِ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ ٣ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ خَاصَّةً، وَإِذَا ثَبَتَ نَوْعٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ دُونَ الِاجْتِهَادِ٤ فِي تِلْكَ الْمَعَارِفِ ثَبَتَ مُطْلَقُ الِاجْتِهَادِ بِدُونِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: إِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مقلِّدا فِي بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ لَمْ تَصْفُ لَهُ مَسْأَلَةٌ مَعْلُومَةٌ: لِأَنَّ مَسْأَلَةً يُقَلِّدُ فِي بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهَا لَا تكون مُجْتَهِدًا فِيهَا بِإِطْلَاقٍ، فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُوصَفَ صَاحِبُهَا بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ بِإِطْلَاقٍ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ

стр. 2342

فِي مُجْتَهِدٍ يَعْتَمِدُ عَلَى اجْتِهَادِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ مَعَ تَقْلِيدِهِ فِي بَعْضِ الْمَعَارِفِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا. فَالْجَوَابُ: إِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي العلم بالمسألة١ المجتهد فيها بإطلاق لا شرطًا فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَعَارِفَ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ مَاهِيَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا الِاجْتِهَادُ يُتَوَصَّلُ إليها بِهَا، فَإِذَا كَانَتْ مُحَصَّلَةً بِتَقْلِيدٍ أَوْ بِاجْتِهَادٍ أَوْ بِفَرْضِ٢ مُحَالٍ، بِحَيْثُ يُفْرَضُ تَسْلِيمُ صَاحِبِ تِلْكَ الْمَعَارِفِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا مَا حُصِّلَ هَذَا ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ؛ كَانَ بِنَاؤُهُ صَحِيحًا لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ قَدْ وَقَعَ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ٣ الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ؛ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ كَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ أَخَذُوا عَنْهُمْ وَانْتَفَعُوا بِهِمْ، وَصَارُوا فِي عِدَادِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ أَنَّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مُقَلِّدُونَ فِي الْأُصُولِ لِأَئِمَّتِهِمْ، ثُمَّ اجْتَهَدُوا بِنَاءً عَلَى مُقَدِّمَاتٍ مُقَلَّدٍ فِيهَا، وَاعْتُبِرَتْ أَقْوَالُهُمْ وَاتُّبِعَتْ آرَاؤُهُمْ، وَعُمِلَ عَلَى وَفْقِهَا، مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِأَئِمَّتِهِمْ وَمُوَافَقَتِهِمْ، فَصَارَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ قَوْلُ أشهب أو

стр. 2343

غَيْرِهِمَا مُعْتَبَرًا فِي الْخِلَافِ عَلَى إِمَامِهِمْ، كَمَا كَانَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيِّ وَالْبُوَيْطِيِّ مَعَ الشَّافِعِيِّ١، فَإِذًا لَا ضَرَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ٢ مَعَ التَّقْلِيدِ فِي بَعْضِ الْقَوَاعِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسْأَلَةِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا. وَأَمَّا الثَّانِي مِنَ الْمَطَالِبِ: وَهُوَ فَرْضُ عِلْمٍ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عِلْمٌ لَا يَحْصُلُ الِاجْتِهَادُ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فيه، فهو لا بُدٍّ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا فُرِضَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ فِي الْعَادَةِ الْوُصُولُ إِلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ دُونَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلِهِ عَلَى تَمَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مُبْهَمٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيُسْأَلُ عَنْ تَعْيِينِهِ. وَالْأَقْرَبُ فِي الْعُلُومِ إِلَى أَنْ يَكُونَ هَكَذَا عِلْمُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا أَعْنِي بِذَلِكَ النَّحْوَ وَحْدَهُ، وَلَا التَّصْرِيفَ وَحْدَهُ، وَلَا اللُّغَةَ، وَلَا عِلْمَ الْمَعَانِي، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسَانِ، بَلِ الْمُرَادُ جُمْلَةُ عِلْمِ اللِّسَانِ ألفاظ أو معاني كيف تصورت، ما عدا الْغَرِيبِ٣، وَالتَّصْرِيفَ الْمُسَمَّى بِالْفِعْلِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالشِّعْرِ من حيث هو الشعر كَالْعَرُوضِ وَالْقَافِيَةِ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مُفْتَقَرٍ إِلَيْهِ هنا، وإن

стр. 2344

كَانَ الْعِلْمُ بِهِ كَمَالًا فِي الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبَيَانُ تَعَيُّنِ١ هَذَا الْعِلْمِ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَرَبِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَتْ عَرَبِيَّةً؛ فَلَا يَفْهَمُهَا حَقَّ الْفَهْمِ إِلَّا مَنْ فَهِمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةِ حَقَّ الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُمَا سِيَّانِ٢ فِي النَّمَطِ مَا عَدَا وُجُوهَ الْإِعْجَازِ، فَإِذَا فَرَضْنَا مُبْتَدِئًا فِي فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ مُبْتَدِئٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ، أَوْ مُتَوَسِّطًا؛ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَوَسِّطُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ النِّهَايَةِ، فَإِنِ انْتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الْغَايَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَكَانَ فَهْمُهُ فِيهَا٣ حُجَّةً كَمَا كَانَ فَهْمُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُصَحَاءِ الَّذِينَ فَهِمُوا الْقُرْآنَ حُجَّةً، فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ شَأْوَهُمْ؛ فَقَدْ نَقَصَهُ مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ بِمِقْدَارِ التَّقْصِيرِ عَنْهُمْ، وَكُلُّ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ لَمْ يُعَدَّ حُجَّةً، وَلَا كَانَ قَوْلُهُ فِيهَا مَقْبُولًا. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَبْلَغَ الْأَئِمَّةِ فِيهَا؛ كَالْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ، وَالْأَخْفَشِ، وَالْجَرْمِيِّ، وَالْمَازِنِيِّ وَمَنْ سِوَاهُمْ، وَقَدْ قَالَ الْجَرْمِيُّ٤: "أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أُفْتِي الناس [في الفقه] من كتاب سيبويه"٥.

стр. 2345

وَفَسَّرُوا ذَلِكَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِهِ بِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكِتَابُ سِيبَوَيْهِ يُتَعَلَّمُ مِنْهُ النَّظَرُ وَالتَّفْتِيشُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْوِ، فَقَدْ نَبَّهَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَقَاصِدِ الْعَرَبِ، وَأَنْحَاءِ تَصَرُّفَاتِهَا فِي أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا، وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى بَيَانِ أَنَّ الْفَاعِلَ مَرْفُوعٌ وَالْمَفْعُولَ مَنْصُوبٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ يُبَيِّنُ فِي كُلِّ بَابٍ مَا يَلِيقُ بِهِ، حَتَّى إِنَّهُ احْتَوَى عَلَى عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَوُجُوهِ تَصَرُّفَاتِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، وَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ الْجَرْمِيُّ عَلَى مَا قَالَ، وَهُوَ كَلَامٌ يُرْوَى عَنْهُ فِي صَدْرِ١ "كِتَابِ سِيبَوَيْهِ" مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَدْ نَفَوْا هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ؛ فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَى الْأُصُولِيِّ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ، الْبَاحِثِينَ عَنْ دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَمُشْكِلَاتِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهَا مَا تَتَيَسَّرُ بِهِ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ بِالْكِتَابِ٢ وَالسُّنَّةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ٣ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ٤ فِي هَذَا الشَّرْطِ: "إِنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ خِطَابُ الْعَرَبِ وَعَادَتَهُمْ فِي الِاسْتِعْمَالِ، حَتَّى يُمَيَّزَ٥ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ وَمُجْمَلِهِ٦، وَحَقِيقَتِهِ ومجازه، وعامه وخاصه،

стр. 2346

ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه، ونصه وفحواه ولحنه ومفهمومه". وَهَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ قَالَ: "وَالتَّخْفِيفُ١ فِيهِ [أَنَّهُ] ٢ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ٣ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ، وَأَنْ يَعْلَمَ٤ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَيَتَعَمَّقَ فِي النَّحْوِ". وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ، فَالَّذِي نُفِيَ اللُّزُومُ فِيهِ٥ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْرِيرُ الْفَهْمِ حَتَّى يضاهي٦ العربي في ذلك

стр. 2347

الْمِقْدَارِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَلَا أَنْ يَسْتَعْمِلَ الدَّقَائِقَ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَرُبَّمَا يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَيَبْنِي فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى التَّقْلِيدِ المحض، فيأتي في الكلام على مسائل الشرعية بِمَا السُّكُوتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ١ تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ جَلَالَةً فِي الدِّينِ، وَعِلْمًا فِي الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي "رِسَالَتِهِ"٢ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى٣، وَأَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْعَرَبَ بِكِتَابِهِ بِلِسَانِهَا عَلَى مَا تَعْرِفُ مِنْ مَعَانِيهَا٤، ثُمَّ ذَكَرَ٥ مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِيهَا اتِّسَاعَ لِسَانِهَا وَأَنْ تَخَاطَبَ بِالْعَامِّ مُرَادًا بِهِ ظَاهِرُهُ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا يُدْخِلُهُ فِي الْكَلَامِ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَيُعْرَفُ بِالسِّيَاقِ، وَبِالْكَلَامِ يُنْبِئُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ، وَآخِرُهُ عَنْ أَوَّلِهِ، وَأَنْ تَتَكَلَّمَ بِالشَّيْءِ تُعَرِّفُهُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَمَا تُعَرِّفُ بِالْإِشَارَةِ وَتُسَمِّي الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِالْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمَعَانِي الْكَثِيرَةَ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ.

стр. 2348

ثُمَّ قَالَ١: "فَمَنْ جَهِلَ هَذَا مِنْ لِسَانِهَا- وَبِلِسَانِهَا نَزَلَ الْكِتَابُ وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَتَكَلَّفَ الْقَوْلَ فِي عِلْمِهَا تَكَلُّفَ مَا يَجْهَلُ بَعْضَهُ، وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا جَهِلَ وَمَا لَمْ تُثْبِتْهُ معرفته٢؛ كانت موافقته للصواب٣ وإن وافقه من حيث لا يعرف غَيْرَ مَحْمُودَةٍ، وَكَانَ بِخَطَئِهِ غَيْرَ مَعْذُورٍ، إِذَا نَطَقَ ٤ فِيمَا لَا يُحِيطُ عِلْمُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ فِيهِ". هَذَا قَوْلُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَغَالِبُ مَا صُنِّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنَ الْفُنُونِ إِنَّمَا هُوَ الْمَطَالِبِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تَكَفَّلَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا بِالْجَوَابِ عَنْهَا، وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ؛ فَقَدْ يَكْفِي فِيهِ التَّقْلِيدُ، كَالْكَلَامِ فِي الْأَحْكَامِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا؛ كَأَحْكَامِ النَّسْخِ، وَأَحْكَامِ الْحَدِيثِ، وَمَا أَشْبَهَ٥ ذَلِكَ. فالحصل أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْمُجْتَهِدِ٦ فِي الشَّرِيعَةِ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ فَهْمُ خِطَابِهَا لَهُ وَصْفًا غَيْرَ مُتَكَلَّفٍ ولا متوقف فيه في الغلب إِلَّا بِمِقْدَارِ تَوَقُّفِ الْفَطِنِ لِكَلَامِ اللَّبِيبِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ مِنَ الْمَطَالِبِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْعُلُومِ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَالِمًا بِهَا؛ فَقَدْ مَرَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا بَنَى اجْتِهَادَهُ عَلَى التَّقْلِيدِ فِي بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ السَّابِقَةِ عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ في كونه مجتهدًا في عين مسألته،

стр. 2349

كَالْمُهَنْدِسِ إِذَا بَنَى بَعْضَ بَرَاهِينِهِ عَلَى صِحَّةِ وجود الدئراة مثلًا: فلا يضره في صحة برهان تَقْلِيدُهُ لِصَاحِبِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ وَهُوَ الْمُبَرْهِنُ عَلَى وُجُودِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُهَنْدِسُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ بِالْبُرْهَانِ، وَكَمَا قَالُوا فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ في علم الحديث ولم يقدح ذلك من صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ، بَلْ كَمَا يَبْنِي الْقَاضِي فِي تَغْرِيمِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ عَلَى اجْتِهَادِ الْمُقَوِّمِ لِلسِّلَعِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ هُوَ ذَلِكَ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَكَمَا بَنَى مَالِكٌ أَحْكَامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ عَلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ مِنْ عَادَاتِهِنَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ غَيْرَ عَارِفٍ به، وما أشبه ذلك.

стр. 2350

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا تَرْجِعُ١ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي فُرُوعِهَا وَإِنْ كَثُرَ الْخِلَافُ، كَمَا أَنَّهَا فِي أُصُولِهَا كَذَلِكَ؛ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا ٢ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٢] ؛ فَنَفَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ البتة،
следующие страницы →