← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه، ونصه وفحواه ولحنه ومفهمومه". وَهَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ قَالَ: "وَالتَّخْفِيفُ١ فِيهِ [أَنَّهُ] ٢ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ٣ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ، وَأَنْ يَعْلَمَ٤ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَيَتَعَمَّقَ فِي النَّحْوِ". وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ، فَالَّذِي نُفِيَ اللُّزُومُ فِيهِ٥ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْرِيرُ الْفَهْمِ حَتَّى يضاهي٦ العربي في ذلك

стр. 2347

الْمِقْدَارِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَعْرِفَ جَمِيعَ اللُّغَةِ وَلَا أَنْ يَسْتَعْمِلَ الدَّقَائِقَ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَرُبَّمَا يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَيَبْنِي فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى التَّقْلِيدِ المحض، فيأتي في الكلام على مسائل الشرعية بِمَا السُّكُوتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ١ تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ جَلَالَةً فِي الدِّينِ، وَعِلْمًا فِي الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي "رِسَالَتِهِ"٢ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى٣، وَأَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْعَرَبَ بِكِتَابِهِ بِلِسَانِهَا عَلَى مَا تَعْرِفُ مِنْ مَعَانِيهَا٤، ثُمَّ ذَكَرَ٥ مِمَّا يُعْرَفُ مِنْ مَعَانِيهَا اتِّسَاعَ لِسَانِهَا وَأَنْ تَخَاطَبَ بِالْعَامِّ مُرَادًا بِهِ ظَاهِرُهُ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا يُدْخِلُهُ فِي الْكَلَامِ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَيُعْرَفُ بِالسِّيَاقِ، وَبِالْكَلَامِ يُنْبِئُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ، وَآخِرُهُ عَنْ أَوَّلِهِ، وَأَنْ تَتَكَلَّمَ بِالشَّيْءِ تُعَرِّفُهُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَمَا تُعَرِّفُ بِالْإِشَارَةِ وَتُسَمِّي الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِالْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمَعَانِي الْكَثِيرَةَ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ.

стр. 2348

ثُمَّ قَالَ١: "فَمَنْ جَهِلَ هَذَا مِنْ لِسَانِهَا- وَبِلِسَانِهَا نَزَلَ الْكِتَابُ وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَتَكَلَّفَ الْقَوْلَ فِي عِلْمِهَا تَكَلُّفَ مَا يَجْهَلُ بَعْضَهُ، وَمَنْ تَكَلَّفَ مَا جَهِلَ وَمَا لَمْ تُثْبِتْهُ معرفته٢؛ كانت موافقته للصواب٣ وإن وافقه من حيث لا يعرف غَيْرَ مَحْمُودَةٍ، وَكَانَ بِخَطَئِهِ غَيْرَ مَعْذُورٍ، إِذَا نَطَقَ ٤ فِيمَا لَا يُحِيطُ عِلْمُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ فِيهِ". هَذَا قَوْلُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَغَالِبُ مَا صُنِّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنَ الْفُنُونِ إِنَّمَا هُوَ الْمَطَالِبِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تَكَفَّلَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا بِالْجَوَابِ عَنْهَا، وَمَا سِوَاهَا مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ؛ فَقَدْ يَكْفِي فِيهِ التَّقْلِيدُ، كَالْكَلَامِ فِي الْأَحْكَامِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا؛ كَأَحْكَامِ النَّسْخِ، وَأَحْكَامِ الْحَدِيثِ، وَمَا أَشْبَهَ٥ ذَلِكَ. فالحصل أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْمُجْتَهِدِ٦ فِي الشَّرِيعَةِ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ فَهْمُ خِطَابِهَا لَهُ وَصْفًا غَيْرَ مُتَكَلَّفٍ ولا متوقف فيه في الغلب إِلَّا بِمِقْدَارِ تَوَقُّفِ الْفَطِنِ لِكَلَامِ اللَّبِيبِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ مِنَ الْمَطَالِبِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْعُلُومِ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَالِمًا بِهَا؛ فَقَدْ مَرَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا بَنَى اجْتِهَادَهُ عَلَى التَّقْلِيدِ فِي بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ السَّابِقَةِ عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ في كونه مجتهدًا في عين مسألته،

стр. 2349

كَالْمُهَنْدِسِ إِذَا بَنَى بَعْضَ بَرَاهِينِهِ عَلَى صِحَّةِ وجود الدئراة مثلًا: فلا يضره في صحة برهان تَقْلِيدُهُ لِصَاحِبِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ وَهُوَ الْمُبَرْهِنُ عَلَى وُجُودِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُهَنْدِسُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ بِالْبُرْهَانِ، وَكَمَا قَالُوا فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ في علم الحديث ولم يقدح ذلك من صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ، بَلْ كَمَا يَبْنِي الْقَاضِي فِي تَغْرِيمِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ عَلَى اجْتِهَادِ الْمُقَوِّمِ لِلسِّلَعِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ هُوَ ذَلِكَ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَكَمَا بَنَى مَالِكٌ أَحْكَامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ عَلَى مَا يَعْرِفُهُ النِّسَاءُ مِنْ عَادَاتِهِنَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ غَيْرَ عَارِفٍ به، وما أشبه ذلك.

стр. 2350

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا تَرْجِعُ١ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي فُرُوعِهَا وَإِنْ كَثُرَ الْخِلَافُ، كَمَا أَنَّهَا فِي أُصُولِهَا كَذَلِكَ؛ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا ٢ كَثِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٢] ؛ فَنَفَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ البتة،

стр. 2351

وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى حَالٍ. وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٥٩] ، وَهَذِهِ الْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي رَفْعِ١ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ؛ فَإِنَّهُ رَدَّ الْمُتَنَازِعِينَ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِيَرْتَفِعَ الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الِاخْتِلَافَ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ رَفْعُ تَنَازُعٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ٢. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٣ ... الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٥] ، وَالْبَيِّنَاتُ هِيَ الشَّرِيعَةُ، فَلَوْلَا أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي الِاخْتِلَافَ وَلَا تَقْبَلُهُ الْبَتَّةَ لَمَا قِيلَ لَهُمْ: مِنْ بَعْدِ كَذَا، وَلَكَانَ لَهُمْ فِيهَا أَبْلَغُ الْعُذْرِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَالشَّرِيعَةُ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٣] فَبَيَّنَ أَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ عَامٌّ في

стр. 2352

جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلِهَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٣] ، وَلَا يَكُونُ حَاكِمًا بَيْنَهُمْ إِلَّا مَعَ كَوْنِهِ قَوْلًا وَاحِدًا فَصْلًا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ. وَقَالَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾ [الشُّورَى: ١٣] ، ثُمَّ ذَكَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَحَذَّرَ الْأُمَّةَ أَنْ يَأْخُذُوا بِسُنَّتِهِمْ؛ فَقَالَ: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشُّورَى: ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٦] . وَالْآيَاتُ فِي ذم الاختلاف والأمر بالرحوع إِلَى الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ كُلُّهُ، قَاطِعٌ فِي أَنَّهَا لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى مَأْخَذٍ وَاحِدٍ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ، قَالَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: "ذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ وَأَمَرَ عِنْدَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ". [فَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ مِنْ دِينِهِ مَا ذَمَّهُ، وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِنْ حُكْمِهِ مَا أَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ عِنْدَهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"] . وَالثَّانِي: أَنَّ عَامَّةَ ٢ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ أُثبتوا فِي القرآن والسنة الناسخ

стр. 2353

والمنسوخ على الجملة، وحذروا من الجهل وَالْخَطَأِ فِيهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا بَيْنَ دَلِيلَيْنِ يَتَعَارَضَانِ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا بِحَالٍ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ؛ فَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ مِنَ الدِّينِ لَمَا كَانَ لِإِثْبَاتِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ -مِنْ غَيْرِ نَصٍّ قَاطِعٍ فِيهِ- فَائِدَةٌ، وَلَكَانَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ كَلَامًا فِيمَا لَا يَجْنِي ثَمَرَةً؛ إِذْ كَانَ يَصِحُّ الْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، اسْتِنَادًا إِلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ؛ كَالْعُمُومِ٢ وَالْخُصُوصِ، وَالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، وَمَا أَشْبَهَ٣ ذَلِكَ؛ فَكَانَتْ تَنْخَرِمُ هَذِهِ الْأُصُولُ كُلُّهَا، وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الشَّرِيعَةِ مَسَاغٌ لِلْخِلَافِ لَأَدَّى إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ إِذَا فَرَضْنَا تَعَارُضَهُمَا وَفَرَضْنَاهُمَا مَقْصُودَيْنِ مَعًا لِلشَّارِعِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ بِمُقْتَضَاهُمَا، أَوْ لَا، أَوْ مَطْلُوبٌ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَالْجَمِيعُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي "افْعَلْ"، "لَا تَفْعَلْ" لِمُكَلَّفٍ وَاحِدٍ.

стр. 2354

مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ عَيْنُ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ١ الْفَرْضِ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ؛ إِذْ كَانَ الْفَرْضُ٢ تَوَجُّهَ الطَّلَبِ بِهِمَا؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَوَّلُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الدَّلِيلَيْنِ بِحَسَبِ شخصين أو حالتين؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْفَرْضِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ وَاحِدٌ لَا قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا انْصَرَفَ كُلُّ دَلِيلٍ إِلَى جِهَةٍ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ اخْتِلَافٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ التَّرْجِيحِ٣ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِعْمَالُ أَحَدِ دَلِيلَيْنِ متعارضين جزافًا٤ من غير

стр. 2355

نَظَرٍ فِي تَرْجِيحِهِ عَلَى الْآخَرِ، وَالْقَوْلُ بِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي الشَّرِيعَةِ يَرْفَعُ بَابَ التَّرْجِيحِ جُمْلَةً؛ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَصْلًا شَرْعِيًّا لِصِحَّةِ وُقُوعِ التَّعَارُضِ فِي الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ١ ذَلِكَ فَاسِدٌ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ إِذَا قَصَدَهُمَا الشَّارِعُ مَثَلًا لَمْ يَتَحَصَّلْ مَقْصُودُهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ٢ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ: "افْعَلْ" "لَا تَفْعَلْ"؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ طَلَبَ الْفِعْلِ لِقَوْلِهِ: "لَا تَفْعَلْ"، وَلَا طَلَبَ تَرْكِهِ لِقَوْلِهِ: "افْعَلْ"، فَلَا يَتَحَصَّلُ لِلْمُكَلَّفِ فَهْمُ التَّكْلِيفِ؛ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُهُ عَلَى حَالٍ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى التَّطْوِيلِ؛ لفساد الاختلاف في الشريعة.

стр. 2356

فَإِنْ قِيلَ: إِنْ كَانَ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الِاخْتِلَافِ فَثَمَّ مَا يَقْتَضِي وُقُوعَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ وَقَعَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ: - مِنْهَا: إِنْزَالُ الْمُتَشَابِهَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَجَالٌ لِلِاخْتِلَافِ لِتَبَايُنِ الْأَنْظَارِ وَاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَالْمَدَارِكِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ التَّوَقُّفُ فِيهَا هُوَ الْمَحْمُودَ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا قَدْ وَقَعَ، وَوَضْعُ الشَّارِعِ لَهَا مَقْصُودٌ لَهُ، وَإِذَا كَانَ مَقْصُودًا لَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْمَآلَاتِ؛ فَقَدْ جُعِلَ سَبِيلًا إِلَى الِاخْتِلَافِ٢، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْفَى عَنِ الشَّارِعِ رَفْعُ٣ مَجَالِ الِاخْتِلَافِ جُمْلَةً. - وَمِنْهَا: الْأُمُورُ الِاجْتِهَادِيَّةُ الَّتِي جَعَلَ الشَّارِعُ فيها للاختلاف مجالًا؛ فكثيرًا ما تتوارد عل الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ أَدِلَّةٌ قِيَاسِيَّةٌ٤ وَغَيْرُ قِيَاسِيَّةٍ، بِحَيْثُ يظهر بينهما التَّعَارُضُ، وَمَجَالُ٥ الِاجْتِهَادِ مِمَّا٦ قَصَدَهُ الشَّارِعُ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ حِينَ شَرَعَ الْقِيَاسَ وَوَضَعَ الظَّوَاهِرَ التي تختلف فِي أَمْثَالِهَا النُّظَّارُ لِيَجْتَهِدُوا فَيُثَابُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ بقوله ﵊:

стр. 2357

"إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ" ١ فَهَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ مِنْ موضع الخلاف بسبب وضح محاله. -ومنها: أن العلماء الراسخين [و] ٢ الأئمة الْمُتَّقِينَ اخْتَلَفُوا٣: هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَمِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ؟ وَالْجَمِيعُ سَوَّغُوا هَذَا الِاخْتِلَافَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ مَسَاغًا فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَأَيْضًا؛ فَالْقَائِلُونَ بِالتَّصْوِيبِ مَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ صَوَابٌ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ حَقٌّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ وَلَا مَحْظُورٍ فِي الشَّرِيعَةِ.

стр. 2358

وَأَيْضًا؛ فَطَائِفَةٌ١ مِنَ الْعُلَمَاءِ جَوَّزُوا أَنْ يَأْتِيَ في الشريعة دليلان متعارضان، ويجويز ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ فِي الِاخْتِلَافِ. وَطَائِفَةٌ أَيْضًا رَأَوْا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ٢؛ فَكُلُّ قَوْلِ صَحَابِيٍّ وَإِنْ عَارَضَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ آخَرَ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ، وَلِلْمُكَلَّفِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَسَّكٌ، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" ٣، فَأَجَازَ جَمَاعَةٌ الْأَخْذَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ في أعمالهم، لا يعلم الْعَامِلُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ، وَرَأَى أَنَّ خَيْرًا مِنْهُ قَدْ عَمِلَهُ"٤. وَعَنْهُ أَيْضًا: "أَيَّ ذَلِكَ أَخَذْتَ بِهِ لم يكن في نفسك منه شيء"٥.

стр. 2359

وَمِثْلُ مَعْنَاهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِهِمْ حُمْرَ النَّعَمِ"، قَالَ الْقَاسِمُ: "لَقَدْ أَعْجَبَنِي قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، وإنما أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ؛ فَلَوْ أَخَذَ أَحَدٌ بِقَوْلِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَ فِي سَعَةٍ"١. وَقَالَ بِمِثْلِ ذلك جماعة من العلماء. وأيضًا؛ فَإِنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ [إِلَى الْعَامَّةِ كَالْأَدِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى] ٢ الْمُجْتَهِدِينَ، وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ أَنْ يُقَلِّدَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ شَاءَ٣، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ فِي الْأَدِلَّةِ إِذَا تَعَارَضَتْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَاقْتَضَى كُلُّ وَاحِدٍ ضِدَّ حُكْمِ الْآخَرِ وَلَمْ يَكُنْ٤ ثَمَّ تَرْجِيحٌ؛ فَلَهُ

стр. 2360

الْخِيَرَةُ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهَا شَاءَ، لِأَنَّهُمَا صَارَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَالِاخْتِلَافُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لا يشاء إِلَّا مِنْ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ إِذًا فِي الشَّرِيعَةِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ؛ إِلَّا أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَنْعِ الِاخْتِلَافِ يُحْمَلُ على الاختلاف في أصول الدِّينِ لَا فِي فُرُوعِهِ، بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ فِي الْفُرُوعِ مِنْ لَدُنْ زَمَانِ الصَّحَابَةِ إِلَى زَمَانِنَا. فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ الْمُعْتَرَضَ بِهَا يَجِبُ أَنْ يُحَقَّقَ النَّظَرُ فِيهَا بِحَسَبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُخَيَّلَةِ١. أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُتَشَابِهَاتِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُدَعَى فِيهَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ قَصْدَ الِاخْتِلَافِ شَرْعًا٢؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ، وَكَوْنِهَا٣ قَدْ وُضِعَتْ؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤٢] لَا نَظَرَ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ

стр. 2361

رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ١ [هُودٍ: ١١٨] ؛ فَفَرْقٌ بَيْنَ الْوَضْعِ الْقَدَرِيِّ٢ الَّذِي لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ -وَهُوَ الْمَوْضُوعُ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ الَّتِي لَا مَرَدَّ لَهَا- وَبَيْنَ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ وَفْقَ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣ [الْبَقَرَةِ: ٢] . وَقَالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦] . وَمَرَّ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَوَامِرِ؛ فمسألة المتشابهات من الثاني٤ لا من

стр. 2362

الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَدُلَّ عَلَى وَضْعِ الِاخْتِلَافِ شَرْعًا١، بَلْ وَضْعُهَا لِلِابْتِلَاءِ؛ فَيَعْمَلُ الرَّاسِخُونَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَيَقَعُ الزَّائِغُونَ فِي اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الراسخون هُمُ الْمُصِيبُونَ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ فِي الْإِيمَانِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ عَلِمُوهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمُوهَا، وَأَنَّ الزَّائِغِينَ هُمُ الْمُخْطِئُونَ؛ فَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا أَمْرٌ٢ وَاحِدٌ، لَا أَمْرَانِ وَلَا ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ [إِنْزَالُ] ٣ الْمُتَشَابِهِ عَلَمًا لِلِاخْتِلَافِ وَلَا أَصْلًا فِيهِ, وَأَيْضًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْقَسِمِ الْمُخْتَلِفُونَ فِيهِ إِلَى مُصِيبٍ وَمُخْطِئٍ٤، بَلْ كَانَ يَكُونُ الْجَمِيعُ مُصِيبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَصْدِ الْوَاضِعِ لِلشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِصَابَةَ إِنَّمَا هِيَ بِمُوَافَقَةِ [قَصْدِ] ٣ الشَّارِعِ، وَأَنَّ الْخَطَأَ بِمُخَالَفَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا مُنْقَسِمِينَ إِلَى مُصِيبٍ وَمُخْطِئٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اخْتِلَافٍ شَرْعًا. وَأَمَّا مَوَاضِعُ الِاجْتِهَادِ٥؛ فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى نَمَطِ التَّشَابُهِ لأنها دائرة بين

стр. 2363

طَرَفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ شَرْعِيَّيْنِ؛ فَقَدْ يَخْفَى هُنَالِكَ وَجْهُ الصَّوَابِ مِنْ وَجْهِ الْخَطَأِ. وَعَلَى كُلِّ تقدير إن قيل بأن المصيب واحدًا١؛ فَقَدْ شَهِدَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَوْضِعَ لَيْسَ مَجَالَ الِاخْتِلَافِ، وَلَا هُوَ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الِاخْتِلَافِ، بَلْ هُوَ مَجَالُ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ، وَإِبْلَاغِ الْجُهْدِ؛ فِي طَلَبِ مَقْصِدِ الشَّارِعِ الْمُتَّحِدِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ عَلَى وَفْقِ الْأَدِلَّةِ الْمُقَرَّرَةِ أَوَّلًا، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْكُلَّ مُصِيبُونَ٢؛ فَلَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَوْ مَنْ قَلَّدَهُ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ عَمَّا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَلَا الْفَتْوَى إِلَّا بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ

стр. 2364

عِنْدَهُمْ إِضَافِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ١، فَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ سَائِغًا عَلَى الْإِطْلَاقِ٢؛ لَكَانَ فِيهِ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ إِلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّهُ إِضَافِيٌّ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ اخْتِلَافٌ مُقَرَّرٌ عَلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا الْجَمِيعُ مُحَوِّمُونَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ هُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، لَا قَوْلَانِ مُقَرَّرَانِ؛ فَلَمْ يَظْهَرْ إِذًا مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ وَضْعُ أَصْلٍ لِلِاخْتِلَافِ، بَلْ وَضْعُ مَوْضِعٍ لِلِاجْتِهَادِ فِي التَّحْوِيمِ عَلَى إِصَابَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ، وَمِنْ هُنَاكَ لَا تَجِدُ مُجْتَهِدًا يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ قَوْلَيْنِ مَعًا٣ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ قَوْلًا وَاحِدًا وَيَنْفِي مَا عَدَاهُ. وَقَدْ مَرَّ٤ جَوَابُ مَسْأَلَةِ التَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ. وَأَمَّا تَجْوِيزُ أَنْ يَأْتِيَ دَلِيلَانِ مُتَعَارِضَانِ، فَإِنْ أَرَادَ الذَّاهِبُونَ إِلَى ذَلِكَ التَّعَارُضَ فِي الظَّاهِرِ وَفِي أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَالْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ جَائِزٌ، وَلَكِنْ لَا يَقْضِي ذَلِكَ بِجَوَازِ التَّعَارُضِ في أدلة الشريعة، وإن أرادوا تجويز

стр. 2365

ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَهَذَا لَا يَنْتَحِلُهُ مَنْ يَفْهَمُ الشَّرِيعَةَ لِوُرُودِ١ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأدلة عليه، ولا أظن [أن] ٢ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهُ٣. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ؛ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الظَّنِّيَّاتِ إِنْ سَلِمَ صِحَّةُ الْحَدِيثِ، عَلَى أَنَّهُ مَطْعُونٌ فِي سَنَدِهِ، وَمَسْأَلَتُنَا قَطْعِيَّةٌ وَلَا يُعَارِضُ الظَّنُّ الْقَطْعَ٤. وَالثَّانِي: عَلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ٥ حُجَّةٌ عَلَى انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَيْ أَنَّ مَنِ اسْتَنَدَ٦ إِلَى قَوْلِ أَحَدِهِمْ؛ فَمُصِيبٌ٧ مِنْ حَيْثُ قَلَّدَ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ، لَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ٨ واحد؛

стр. 2366

فَإِنَّ هَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ وَسِعَةٌ؛ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَعَةٌ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ، قِيلَ لَهُ: فَمَنْ يَقُولُ إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ [هَكَذَا، لَا يَكُونُ] قَوْلَانِ مُخْتَلِفَيْنِ١ صَوَابَيْنِ". وَلَوْ سَلِمَ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ فَتْحِ بَابِ الِاجْتِهَادِ، وَأَنَّ مَسَائِلَ الِاجْتِهَادِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا سَعَةً بِتَوْسِعَةِ مَجَالِ الِاجْتِهَادِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ٢: "إِنَّمَا التَّوْسِعَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوْسِعَةٌ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ تَوْسِعَةً أَنْ٣ يَقُولَ الْإِنْسَانُ٤ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عِنْدَهُ فِيهِ فَلَا، وَلَكِنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا، فَاخْتَلَفُوا". قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ٥: "كَلَامُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا حَسَنٌ جِدًّا". وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: "إِنَّ اخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ" يُوَافِقُ مَا تقدم٦، وذلك

стр. 2367

لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَإِنَّمَا جَاءَتْ حَاكِمَةً بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ [وَقَدْ ذَمَّتِ الْمُخْتَلِفِينَ] فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الدِّينِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَامًّا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، حَسْبَمَا اقْتَضَتْهُ الظَّوَاهِرُ الْمُتَضَافِرَةُ وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ، فما جَاءَتْهُمْ١ مَوَاضِعُ الِاشْتِبَاهِ وَكَلُوا مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عَمَلٌ إِلَى عَالِمِهِ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلُهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ النَّظَرِ فِي مُتَعَلِّقَاتِ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ كَمُلَتْ، فَلَا يُمْكِنُ خُلُوُّ الْوَقَائِعِ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ؛ فَتَحَرَّوْا أَقْرَبَ الْوُجُوهِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ الشَّرْعِيُّ، وَالْفِطَرُ وَالْأَنْظَارُ تَخْتَلِفُ؛ فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ مِنْ هُنَا لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي هَذِهِ الْمُشْتَبِهَاتِ الْفَرْعِيَّةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهَا -وَهُمُ الْقُدْوَةُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَالْجَرْيِ عَلَى مَقَاصِدِهَا- لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ ذَلِكَ الْبَابَ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ الِاخْتِلَافِ، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَمَوَاضِعُ الِاشْتِبَاهِ مظانٌّ الِاخْتِلَافِ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فِيهَا؛ فَكَانَ الْمَجَالُ يَضِيقُ عَلَى مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا اجْتَهَدُوا وَنَشَأَ مِنِ اجْتِهَادِهِمْ فِي تَحَرِّي الصَّوَابِ الِاخْتِلَافُ؛ سَهُلَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ سُلُوكُ الطَّرِيقِ، فَلِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِهِمْ حُمْرَ النَّعَمِ"٢. وَقَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفُوا"٣. وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِينَ؛ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، لَا فَرْقَ بَيْنَ مُصَادَفَةِ الْمُجْتَهِدِ الدَّلِيلَ، وَمُصَادَفَةِ الْعَامِّيِّ الْمُفْتِيَ؛ فَتَعَارُضُ الْفَتْوَيَيْنِ عَلَيْهِ كَتَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ٤ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ اتِّبَاعُ الدَّلِيلَيْنِ مَعًا، وَلَا اتِّبَاعُ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَرْجِيحٍ، كَذَلِكَ لا يجوز

стр. 2368

لِلْعَامِّيِّ اتِّبَاعُ الْمُفْتِيَيْنِ مَعًا وَلَا أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَرْجِيحٍ١. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ٢: "إِذَا تَعَارَضَا عَلَيْهِ تَخَيَّرَ" غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا قَوْلٌ بِجَوَازِ تَعَارُضِ الدليلين في نفس الأمر وقد مر فِيهِ آنِفًا. وَالثَّانِي: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَصْلِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ أَنَّ فَائِدَةَ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجَ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ، وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ نَقْضٌ لِذَلِكَ الْأَصْلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، وَعَلَى مَصْلَحَةٍ كُلِّيَّةٍ فِي الْجُمْلَةِ، أَمَّا الْجُزْئِيَّةُ، فَمَا يُعْرِبُ عَنْهَا دليل كل حكم وحكمته،

стр. 2369

وَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ؛ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ دَاخِلًا تَحْتَ قَانُونٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تَكَالِيفِ الشَّرْعِ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِ؛ اعْتِقَادًا، وَقَوْلًا، وَعَمَلًا؛ فَلَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ كَالْبَهِيمَةِ الْمُسَيَّبَةِ حَتَّى يَرْتَاضَ بِلِجَامِ الشَّرْعِ، وَمَتَّى خَيَّرْنَا الْمُقَلِّدِينَ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ؛ لِيَنْتَقُوا مِنْهَا أَطْيَبَهَا عِنْدَهُمْ لَمْ يبقَ لَهُمْ مَرْجِعٌ إِلَّا اتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ فِي الِاخْتِيَارِ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَقْصِدِ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ؛ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ عَلَى حَالٍ، وَانْظُرْ فِي الْكِتَابِ "الْمُسْتَظْهِرِيِّ" لِلْغَزَالِيِّ؛ فَثَبَتَ٢ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى [كَوْنِ] ٣ وُجُودِ الْخِلَافِ فِيهَا أَصْلًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ مَقْصُودًا مِنَ الشَّارِعِ، بَلْ ذَلِكَ الْخِلَافُ رَاجِعٌ إِلَى أَنْظَارِ الْمُكَلَّفِينَ وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الِابْتِلَاءِ، وَصَحَّ أَنَّ نَفْيَ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّرِيعَةِ وَذَمَّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا؛ إِذْ لَوْ صَحَّ فِيهَا وَضْعُ فَرْعٍ وَاحِدٍ عَلَى قَصْدِ الِاخْتِلَافِ لَصَحَّ فِيهَا٤ وُجُودُ الِاخْتِلَافِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَحَّ اخْتِلَافٌ مَا صَحَّ كُلُّ الِاخْتِلَافِ وَذَلِكَ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ؛ فَمَا أَدَّى إليه مثله.

стр. 2370

فَصْلٌ: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي قَوَاعِدُ، مِنْهَا١ أنه ليس للمقلد٢ أن تتخير٣ في

стр. 2371

....................................................................

стр. 2372

الْخِلَافِ؛ كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ فَوَرَدَتْ كَذَلِكَ عَلَى الْمُقَلِّدِ؛ فَقَدْ يَعُدُّ بَعْضُ النَّاسِ الْقَوْلَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مُخَيَّرًا فِيهِمَا كَمَا يُخَيَّرُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ فَيَتَّبِعُ هَوَاهُ وَمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ دُونَ مَا يُخَالِفُهُ، وَرُبَّمَا اسْتَظْهَرَ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ بَعْضِ الْمُفْتِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَوَّاهُ بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ" ١، وَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَإِنْ صَحَّ؛ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ فِيمَا إِذَا ذَهَبَ الْمُقَلِّدُ عَفْوًا فَاسْتَفْتَى صَحَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ فَقَلَّدَهُ فِيمَا أَفْتَاهُ بِهِ فِيمَا لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ قَوْلَا مُفْتِيَيْنِ؛ فَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّبِعٌ لِدَلِيلٍ عِنْدَهُ يَقْتَضِي ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ صَاحِبِهِ؛ فَهُمَا صَاحِبَا دَلِيلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، فَاتِّبَاعُ أَحَدِهِمَا بِالْهَوَى اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ؛ فَلَيْسَ إِلَّا التَّرْجِيحُ بِالْأَعْلَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا٢. وَأَيْضًا فَالْمُجْتَهِدَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّيِّ كَالدَّلِيلَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، التَّرْجِيحُ أَوِ التَّوَقُّفُ كَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ، وَلَوْ جَازَ تَحْكِيمُ٣ التَّشَهِّي وَالْأَغْرَاضِ فِي مِثْلِ هَذَا؛ لَجَازَ لِلْحَاكِمِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ضَابِطًا قُرْآنِيًّا يَنْفِي اتباع الهوى جملة.

стр. 2373

وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] ، وَهَذَا الْمُقَلِّدُ قَدْ تَنَازَعَ فِي مَسْأَلَتِهِ مُجْتَهِدَانِ؛ فَوَجَبَ رَدُّهَا إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَدِلَّةِ١ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ؛ فَاخْتِيَارُهُ أَحَدَ الْمَذْهَبَيْنِ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ مُضَادٌّ لِلرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ٢ نَزَلَتْ عَلَى سَبَبٍ فِيمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى حُكْمِ الطَّاغُوتِ، وَلِذَلِكَ أَعْقَبَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك﴾ [النساء: ٦٠] . وهذا٤ يَظْهَرُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ"٥. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ٦ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ لَا يحل.

стр. 2374

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ مؤدٍّ إِلَى إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَاصِلَ الْأَمْرِ مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَفْعَلَ إِنْ شَاءَ، وَيَتْرُكَ إِنْ شَاءَ وَهُوَ عَيْنُ إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ١، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَقَيَّدَ بِالتَّرْجِيحِ٢ فَإِنَّهُ مُتْبِعٌ لِلدَّلِيلِ؛ فَلَا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِلْهَوَى وَلَا مُسْقِطًا لِلتَّكْلِيفِ. لَا يُقَالُ: إِذَا اخْتَلَفَا، فَقَلَّدَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ لِقَاءِ الْآخَرِ جَازَ٣؛ فَكَذَلِكَ بَعْدَ لِقَائِهِ، وَالِاجْتِمَاعُ طَرْدِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كَلَّا، بَلْ لِلِاجْتِمَاعِ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الِافْتِرَاقِ طَرِيقٌ مُوَصِّلٌ٤ كَمَا لَوْ وَجَدَ دَلِيلًا وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مُعَارِضِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ. أَمَّا إِذَا اجْتَمَعَا وَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ؛ فَهُمَا كَدَلِيلَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمَا الْمُجْتَهِدُ، وَلَقَدْ أُشْكِلَ الْقَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْقَاضِي ابْنِ الطَّيِّبِ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مقيَّد لَا مُطْلَقٌ؛ فَلَا يُخَيَّرُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي تَخْيِيرِهِ [فِي] ٥ الْعَمَلِ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ قَاصِدًا لِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ، لَا قَاصِدًا لِاتِّبَاعِ هَوَاهُ فِيهِ، وَلَا لِمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الإباحة مفقود ههنا، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى مَمْنُوعٌ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَصْدِ. وَفِي هَذَا الِاعْتِذَارِ مَا فِيهِ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ مُحَالٌ، إِذْ لَا دَلِيلَ لَهُ مَعَ فَرْضِ التَّعَارُضِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ؛ فَلَا يَكُونُ هنالك متبعا إلا هواه.

стр. 2375

فَصْلٌ: وَقَدْ أَدَّى إِغْفَالُ هَذَا الْأَصْلِ إِلَى أَنْ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ مُقَلِّدَةِ الْفُقَهَاءِ يُفْتِي قَرِيبَهُ أَوْ صَدِيقَهُ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ؛ اتِّبَاعًا لِغَرَضِهِ١ وَشَهْوَتِهِ، أَوْ لِغَرَضِ ذَلِكَ الْقَرِيبِ وَذَلِكَ الصَّدِيقِ. وَلَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي الْأَزْمِنَةِ السَّالِفَةِ فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا كَمَا وُجِدَ فِيهِ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ اتِّبَاعًا لِلْغَرَضِ وَالشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَصْلُ قَضِيَّةٍ وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ. فَأَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَصْلُ قَضِيَّةٍ، بَلْ هُوَ فِيمَا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فِي عِبَادَتِهِ أَوْ عَادَتِهِ؛ فَفِيهِ مِنَ الْمَعَايِبِ مَا تَقَدَّمَ وَحَكَى عِيَاضٌ فِي "الْمَدَارِكِ"٢: "قَالَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ: كُنْتُ عِنْدَ الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ إِذْ أَتَاهُ ابْنُ فُلَانٍ٣؛ فَقَالَ لَهُ بُهْلُولٌ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: نَازِلَةٌ، رَجُلٌ ظَلَمَهُ السُّلْطَانُ فأخفيته وحلفت بالطلاق

стр. 2376

ثَلَاثًا مَا أَخْفَيْتُهُ. قَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: مالكٌ يَقُولُ: إِنَّهُ يَحْنَثُ١ فِي زَوْجَتِهِ. فَقَالَ السَّائِلُ: وَأَنَا قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ٢: وَإِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَ هَذَا. فَقَالَ: مَا عِنْدِي غَيْرُ مَا تَسْمَعُ. قَالَ: فَتَرَدَّدَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْبُهْلُولُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثالثة أو الرابعة؛ قال: يابن فُلَانٍ! مَا أَنْصَفْتُمُ النَّاسَ، إِذَا أَتَوْكُمْ فِي نَوَازِلِهِمْ قُلْتُمْ: "قَالَ مَالِكٌ"، "قَالَ مَالِكٌ"، فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمُ النَّوَازِلُ طَلَبْتُمْ لَهَا الرُّخَصَ، الْحَسَنُ يَقُولُ: لَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ، فَقَالَ السَّائِلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُلِّدَهَا٣ الْحَسَنُ؟! " أَوْ كَمَا قَالَ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَصْلُ قَضِيَّةٍ بَيْنَ خَصْمَيْنِ؛ فَالْأَمْرُ أَشَدُّ، وَفِي "الموازيَّة"٤ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "لَا تقضِ بِقِضَاءَيْنِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ أَمْرُكَ". قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: "لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ وَلَمْ يُجَوِّزْهُ لِأَحَدٍ٥، وَذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَقْضِيَ بِقَضَاءِ بعض٦ من

стр. 2377

مَضَى، ثُمَّ يَقْضِي فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ بِعَيْنِهِ عَلَى آخَرَ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مَنْ مَضَى، وَهُوَ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى هَذَا بِفُتْيَا قَوْمٍ وَيَقْضِيَ فِي مِثْلِهِ بِعَيْنِهِ عَلَى قَوْمٍ بِخِلَافِهِ بِفُتْيَا قَوْمٍ آخَرِينَ إِلَّا فَعَلَ؛ فَهَذَا مَا قَدْ عَابَهُ مَنْ مَضَى وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَلَمْ يَرَهُ صَوَابًا". وَمَا قَالَهُ صَوَابٌ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْ نَصْبِ الْحُكَّامِ رَفْعُ التَّشَاجُرِ وَالْخِصَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُ فِيهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ ضَرَرٌ، مَعَ عَدَمِ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ لِلْحَاكِمِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّخْيِيرِ فِي الْأَقْوَالِ مُضَادٌّ لِهَذَا كُلِّهِ. وَحَكَى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ١ "أَنَّ قَاضِيًا مِنْ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ٢ كَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، لَا يَعْدِلُ عَنْ رَأْيِهِ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، فَوَقَعَتْ قَضِيَّةٌ تَفَرَّدَ فِيهَا يَحْيَى وَخَالَفَ جَمِيعَ أَهْلِ الشُّورَى؛ فَأَرْجَأَ الْقَاضِي الْقَضَاءَ فِيهَا حَيَاءً مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، وَرَدَفَتْهُ قَضِيَّةٌ أُخْرَى كَتَبَ بِهَا إِلَى يَحْيَى، فَصَرَفَ يَحْيَى رَسُولَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَا أُشِيرُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ إِذْ تَوَقَّفَ عَلَى الْقَضَاءِ لِفُلَانٍ بِمَا أَشَرْتُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَيْهِ رَسُولُهُ وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ قَلِقَ مِنْهُ، وَرَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى يَحْيَى وَقَالَ لَهُ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ الْأَمْرَ وَقَعَ مِنْكَ هَذَا الْمَوْقِعَ، وَسَوْفَ أَقْضِي لَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَتَفْعَلُ ذَلِكَ صِدْقًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَهُ: فَالْآنَ هَيَّجْتَ غَيْظِي؛ فَإِنِّي ظَنَنْتُ إِذْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي أَنَّكَ تَوَقَّفْتَ مُسْتَخِيرًا لِلَّهِ [مُتَخَيِّرًا] ٣ فِي الْأَقْوَالِ، فَأَمَّا إِذْ صِرْتَ تَتْبَعُ الْهَوَى وَتَقْضِي بِرِضَى مَخْلُوقٍ ضَعِيفٍ؛ فَلَا خَيْرَ فِيمَا تَجِيءُ بِهِ، وَلَا فيَّ إِنْ رَضِيتُهُ مِنْكَ، فاستعفِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَسْتَرُ لَكَ، وَإِلَّا رَفَعْتُ فِي عَزْلِكَ". فَرَفَعَ يَسْتَعْفِي فعُزِل. وقصة محمد بن يحيى ابن لبابة أخو الشيخ ابن لبابة مشهورة، ذكرها.

стр. 2378

عِيَاضٌ١، وَكَانَتْ مِمَّا غَضَّ مِنْ مَنْصِبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عُزِلَ عَنْ قَضَاءِ الْبِيرَةِ لِرَفْعِ أَهْلِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الشُّورَى لِأَشْيَاءَ نُقِمَتْ عَلَيْهِ، وَسَجَّلَ بِسَخْطَتِهِ الْقَاضِي حَبِيبُ بْنُ زِيَادٍ وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه٢ بيته وأن لا يُفْتِيَ أَحَدًا فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ وَقْتًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاصِرَ احْتَاجَ إِلَى شِرَاءِ مِجْشَرٍ٣ مِنْ أَحْبَاسِ الْمَرْضَى بِقُرْطُبَةَ بِعَدْوَةِ النَّهْرِ، فَشَكَا إِلَى الْقَاضِي ابْنِ بَقِيٍّ أَمْرَهُ وَضَرُورَتَهُ إِلَيْهِ لِمُقَابَلَتِهِ مُتَنَزَّهَهُ٤ وَتَأَذِّيهِ بِرُؤْيَتِهِمْ أَوَانَ تَطَلُّعِهِ مِنْ عَلَالِيِّهِ؛ فَقَالَ لَهُ ابْنُ بَقِيٍّ: لَا حِيلَةَ عِنْدِي فِيهِ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَاطَ بِحُرْمَةِ الْحُبْسِ. فَقَالَ لَهُ: فَتَكَلَّمْ مَعَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ، وَعَرِّفْهُمْ رَغْبَتِي وَمَا أَجْزُلُهُ مِنْ أَضْعَافِ الْقِيمَةِ فِيهِ؛ فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَجِدُوا لِي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً. فَتَكَلَّمَ ابْنُ بَقِيٍّ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَجْعَلُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ فَغَضِبَ النَّاصِرُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ الْوُزَرَاءَ بِالتَّوَجُّهِ فِيهِمْ إِلَى الْقَصْرِ وَتَوْبِيخِهِمْ؛ فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْوُزَرَاءِ٥ مُكَالَمَةٌ وَلَمْ يَصِلِ النَّاصِرُ مَعَهُمْ إِلَى مَقْصُودِهِ، وَبَلَغَ ابْنَ لُبَابَةَ هَذَا الْخَبَرُ؛ فَرَفَعَ إِلَى النَّاصِرِ يَغُضُّ مِنْ أَصْحَابِهِ الْفُقَهَاءِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمْ حَجَرُوا عَلَيْهِ وَاسِعًا، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لَأَفْتَاهُ بِجَوَازِ الْمُعَاوَضَةِ وَتَقَلُّدِهَا وَنَاظَرَ أَصْحَابَهُ فِيهَا، فَوَقَعَ الْأَمْرُ بِنَفْسِ النَّاصِرِ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ لُبَابَةَ إِلَى الشُّورَى عَلَى حَالَتِهِ الْأُولَى، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِيَ بِإِعَادَةِ الْمَشُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَاجْتَمَعَ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ، وَجَاءَ ابْنُ لُبَابَةَ آخِرَهُمْ، وَعَرَّفَهُمُ الْقَاضِي ابْنُ بَقِيٍّ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَمَعَهُمْ لأجلها وغبطة٦ المعاوضة فيها،

стр. 2379

فَقَالَ جَمِيعُهُمْ بِقَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحُبْسِ عَنْ وَجْهِهِ، وَابْنُ لُبَابَةَ سَاكِتٌ؛ فقال له القاضي: مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَّا قَوْلُ إِمَامِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؛ فَالَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ١ الْحُبْسَ أَصْلًا، وَهُمْ عُلَمَاءُ أَعْلَامٌ يَهْتَدِي بِهِمْ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ، وَإِذْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ٢ الْحَاجَةِ إِلَى هَذَا الْمِجْشَرِ مَا بِهِ فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ عَنْهُ، وَلَهُ فِي السُّنَّةِ فُسْحَةٌ، وَأَنَا أَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَتَقَلَّدُ ذَلِكَ رَأْيًا، فَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَتْرُكُ قَوْلَ مَالِكٍ الَّذِي أَفْتَى بِهِ أَسْلَافُنَا وَمَضَوْا عَلَيْهِ وَاعْتَقَدْنَاهُ بَعْدَهُمْ وَأَفْتَيْنَا بِهِ لَا نَحِيدُ عَنْهُ بِوَجْهٍ، وَهُوَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأْيُ الْأَئِمَّةِ آبَائِهِ؟ فَقَالَ لَهُ٣ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: نَاشَدْتُكُمُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَلَمْ تَنْزِلْ بِأَحَدٍ مِنْكُمْ مُلِمَّةٌ بَلَغَتْ بِكُمْ أن أخذتهم٤ فِيهَا بِقَوْلِ غَيْرِ مَالِكٍ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِكُمْ وَأَرْخَصْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ؟ ٥ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَوْلَى بِذَلِكَ فَخُذُوا بِهِ مَآخِذَكُمْ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ؛ فَكُلُّهُمْ قُدْوَةٌ. فَسَكَتُوا، فقال للقاضي: أنه٦ إلى أمير

стр. 2380

الْمُؤْمِنِينَ فُتْيَايَ. فَكَتَبَ الْقَاضِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِصُورَةِ الْمَجْلِسِ، وَبَقِيَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَكَانِهِمْ إِلَى أَنْ أَتَى الْجَوَابُ بِأَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِفُتْيَا مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ لُبَابَةَ، وَيُنْفِذَ ذَلِكَ وَيُعَوِّضَ الْمَرْضَى مِنْ هَذَا الْمِجْشَرِ بِأَمْلَاكِهِ بِمِنْيَةِ عَجَبٍ١، وَكَانَتْ عَظِيمَةَ الْقَدْرِ جِدًّا تَزِيدُ أَضْعَافًا عَلَى الْمِجْشَرِ، ثُمَّ جِيءَ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِكِتَابٍ مِنْهُ إِلَى ابْنِ لُبَابَةَ هَذَا بِوِلَايَتِهِ خُطَّةَ الْوَثَائِقِ؛ لِيَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِعَقْدِ هَذِهِ الْمُعَاوَضَةِ؛ فَهَنِئَ بِالْوِلَايَةِ، وَأَمْضَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بِفَتْوَاهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَانْصَرَفُوا؛ فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ لُبَابَةَ يَتَقَلَّدُ خُطَّةَ الْوَثَائِقِ وَالشُّورَى إِلَى أَنْ مات سنة ست وثلاثين وثلاث مائة. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ٢: "ذَاكَرْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا مَرَّةً بِهَذَا الْخَبَرِ؛ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي حَلَّ سِجِلَّ السَّخْطَةِ إِلَى سِجِلِّ السَّخْطَةِ؛ فَهُوَ أَوْلَى وَأَشَدُّ فِي السَّخْطَةِ مِمَّا تَضَمَّنَهُ. أَوْ كَمَا قَالَ. وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ٣ فِي كِتَابِ "التَّبْيِينِ لِسُنَنِ الْمُهْتَدِينَ" حِكَايَةً أُخْرَى فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ قَالَ: "وربما زعم بعضهم أن النظر والاستدلال

стр. 2381

الْأَخْذُ مِنْ أَقَاوِيلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بِأَيِّهَا شَاءَ، دُونَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَلَا يَمِيلَ١ إِلَى مَا مَالَ مِنْهَا لِوَجْهٍ يُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَقْضِي فِي قَضِيَّةٍ بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَإِذَا٢ تَكَرَّرَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مُخَالِفًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَا لِرَأْيٍ تَجَدَّدَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ". قَالَ: "وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُهُ٣ أَنَّهُ اكْتَرَى جُزْءًا مِنْ أَرْضٍ عَلَى الْإِشَاعَةِ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا آخَرَ اكْتَرَى بَاقِيَ الْأَرْضِ، فَأَرَادَ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَغَابَ عَنِ الْبَلَدِ، فَأَفْتَى الْمُكْتَرِي الثَّانِي بِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ أن لا شُفْعَةَ فِي الْإِجَارَاتِ، قَالَ لِي: فَوَرَدْتُ مِنْ سَفَرِي، فَسَأَلْتُ أُولَئِكَ الْفُقَهَاءَ -وَهُمْ أَهْلُ حِفْظٍ فِي الْمَسَائِلِ وَصَلَاحٍ فِي الدِّينِ- عَنْ مَسْأَلَتِي؛ فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَكَ؛ إِذْ كَانَتْ لَكَ الْمَسْأَلَةُ أَخَذْنَا لَكَ بِرِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ بِالشُّفْعَةِ فِيهَا. فَأَفْتَانِي جَمِيعُهُمْ بِالشُّفْعَةِ، فَقُضِيَ لِي بِهَا". قَالَ: وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ عَنْ كَبِيرٍ من فقهاء هذا المصنف مَشْهُورٍ بِالْحِفْظِ وَالتَّقَدُّمِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مُعْلِنًا غَيْرَ مُسْتَتِرٍ: إِنَّ الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ إِذَا وَقَعَتْ لَهُ حُكُومَةٌ أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ". قَالَ الْبَاجِيُّ: "وَلَوِ اعْتَقَدَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ مَا اسْتَجَازَهُ، وَلَوِ اسْتَجَازَهُ لَمْ يُعْلِنْ بِهِ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ". قَالَ: "وَكَثِيرًا مَا يَسْأَلُنِي مَنْ تَقَعُ لَهُ مَسْأَلَةٌ مِنَ الْأَيْمَانِ ونحوها: لعل فيها رواية؟ أم لَعَلَّ فِيهَا رُخْصَةً؟ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو

стр. 2382

كَانَ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ إِنْكَارُ الْفُقَهَاءِ لِمِثْلِ هَذَا لَمَا طُولِبُوا بِهِ وَلَا طَلَبُوهُ مِنِّي وَلَا مِنْ سِوَايَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَسُوغُ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقٌّ، رَضِيَ بِذَلِكَ مَنْ رَضِيَهُ، وَسَخِطَهُ مَنْ سَخِطَهُ، وَإِنَّمَا الْمُفْتِي مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُكْمِهِ؛ فَكَيْفَ يُخْبِرُ عَنْهُ إِلَّا بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَأَوْجَبَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم﴾ ... الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٤٩] ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِهَذَا الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَشْتَهِي، أَوْ يُفْتِي زَيْدًا بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ عَمْرًا لِصَدَاقَةٍ تَكُونُ بَيْنَهُمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ؟ وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ، فَيَجْتَهِدَ فِي طَلَبِهِ، وَنَهَاهُ أَنْ يُخَالِفَهُ وَيَنْحَرِفَ عَنْهُ، وَكَيْفَ لَهُ بِالْخَلَاصِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَعِصْمَتِهِ؟! ". هَذَا مَا ذَكَرَهُ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَقِيهَ١ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْأَغْرَاضِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَلَا أَنْ يفتي به أحدًا٢.

стр. 2383

وَالْمُقَلِّدُ فِي اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا المفتي الذي ذكره؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ بِالْهَوَى، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ؛ فَهُوَ أَحْرَى بِهَذَا الْأَمْرِ. فَصْلٌ: وَقَدْ زَادَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ؛ حَتَّى صَارَ الخلاف في المسائل

стр. 2384

مَعْدُودًا فِي حُجَجِ الْإِبَاحَةِ، وَوَقَعَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ مِنَ الزَّمَانِ الِاعْتِمَادُ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ عَلَى كَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا بِمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ؛ فَإِنَّ لَهُ نَظَرًا آخَرَ١، بَلْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَرُبَّمَا وَقَعَ الْإِفْتَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْمَنْعِ؛ فَيُقَالُ: لَمْ تُمْنَعْ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَيُجْعَلُ الْخِلَافُ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا مُخْتَلَفًا فِيهَا، لَا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الْجَوَازِ، وَلَا لِتَقْلِيدِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنَ الْقَائِلِ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ عَيْنُ الْخَطَأِ عَلَى الشَّرِيعَةِ حَيْثُ جَعَلَ ما ليس بمعتمد متعمدا٢ وَمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ حُجَّةً. حَكَى الْخَطَّابِيُّ٣ فِي مَسْأَلَةِ الْبِتْعِ٤ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ؛ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْأَشْرِبَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ خَمْرِ الْعِنَبِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ؛ حَرَّمْنَا مَا اجْتَمَعُوا٥ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَبَحْنَا مَا سِوَاهُ". قَالَ: "وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَنَازِعِينَ أَنْ يردُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ". قَالَ: "وَلَوْ لَزَمَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ لَلَزَمَ مِثْلُهُ فِي الرِّبَا وَالصَّرْفِ وَنِكَاحِ المتعة؛ لأن الأمة قد اختلف فِيهَا". قَالَ: "وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ حُجَّةً وَبَيَانُ السُّنَّةِ حجة٦ على المختلفين من

стр. 2385

الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِين﴾ . هَذَا مُخْتَصَرُ مَا قَالَ١. وَالْقَائِلُ بِهَذَا رَاجِعٌ إِلَى أَنْ يَتْبَعَ مَا يَشْتَهِيهِ، وَيَجْعَلَ الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ حُجَّةً لَهُ وَيَدْرَأَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، فَهُوَ قَدْ أَخَذَ الْقَوْلَ وَسِيلَةً إِلَى اتِّبَاعِ هَوَاهُ، لَا وَسِيلَةً إِلَى تَقْوَاهُ، وَذَلِكَ أَبْعَدُ [لَهُ] ٢ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ، وَأَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ. وَمِنْ هَذَا أَيْضًا جَعْلُ بَعْضِ النَّاسِ الِاخْتِلَافَ رَحْمَةً لِلتَّوَسُّعِ٣ فِي الْأَقْوَالِ، وَعَدَمِ التَّحْجِيرِ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ٤، وَيَقُولُ: إِنَّ الِاخْتِلَافَ رَحْمَةٌ، وَرُبَّمَا صَرَّحَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ بِالتَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ لَازَمَ الْقَوْلَ الْمَشْهُورَ أَوِ الْمُوَافِقَ لِلدَّلِيلِ أَوِ الرَّاجِحَ عند أهل النظر والذي٥ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُولُ لَهُ: لَقَدْ حَجَرْتَ وَاسِعًا، وَمِلْتَ بِالنَّاسِ إِلَى الْحَرَجِ، وَمَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ كُلُّهُ، وَجَهْلٌ بِمَا وُضِعَتْ لَهُ الشَّرِيعَةُ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ. وَقَدْ مَرَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالُوهُ مَا فِيهِ كفاية، والحمد لله ولكن تقرر منه ههنا بعضا على وجه لم يتقدم مثله، ذلك أَنَّ الْمُتَخَيِّرَ بِالْقَوْلَيْنِ مَثَلًا بِمُجَرَّدِ مُوَافَقَةِ الْغَرَضِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا بِهِ، أَوْ مُفْتِيًا، أَوْ مُقَلِّدًا عَامِلًا بِمَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُفْتِي.
следующие страницы →