← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

فَصَاحِبُ الرَّأْيِ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ أَدِلَّتُهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، فَكُلُّ فَرْدٍ جَاءَ مُخَالِفًا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ شَرْعًا؛ إِذْ قَدْ شَهِدَ الِاسْتِقْرَاءُ بِمَا يُعْتَبَرُ١ مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ عَامٍّ، فَهَذَا الْخَاصُّ الْمُخَالِفُ يَجِبُ رَدُّهُ وَإِعْمَالُ مُقْتَضَى الْكُلِّيِّ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ قَطْعِيٌّ، وَدَلِيلَ الْخَاصِّ ظَنِّيٌّ فَلَا يَتَعَارَضَانِ. وَالظَّاهِرِيُّ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ لِابْتِلَاءِ الْمُكَلَّفِينَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَمَصَالِحُهُمْ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ مَا أَجْرَاهَا الشَّارِعُ، لَا عَلَى حَسَبِ أَنْظَارِهِمْ٢، فَنَحْنُ مِنَ اتِّبَاعِ مُقْتَضَى النُّصُوصِ عَلَى يَقِينٍ فِي الْإِصَابَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِذَلِكَ وَاتِّبَاعُ الْمَعَانِي رَأْيٌ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ النُّصُوصَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ مُخَالِفٌ لِعَامِّ الشَّرِيعَةِ، وَالْخَاصُّ الظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْعَامَّ الْقَطْعِيَّ. فَأَصْحَابُ الرَّأْيِ جَرَّدُوا الْمَعَانِيَ٣، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ الْأَلْفَاظِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ جَرَّدُوا مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ الْمَعَانِي الْقِيَاسِيَّةِ، وَلَمْ تَتَنَزَّلْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ٤ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا نَظَرَتْ فِيهِ الْأُخْرَى بِنَاءً عَلَى كُلِّيِّ مَا اعْتَمَدَتْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ.

стр. 2522

وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى هَذَا الْقَبِيلِ١ مَا خَرَّجَ ثَابِتٌ فِي "الدَّلَائِلِ" عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: "وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي: "أَتَيْتُ مَكَّةَ، فَأَصَبْتُ بِهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ، فَأَتَيْتُ أبا حنفية فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ شَرْطًا قَالَ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ. وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْنَا فِي مَسْأَلَةٍ! فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ٢، فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اشْتَرِي بَرِيرَةَ وَاشْتَرِطِي ٣ لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ" ٤، فَأَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ. فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا قَالَاهُ٥، حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً٦ فَشَرَطْتُ حُمْلَانِي، فَأَجَازَ البيع والشرط"٧ اهـ.

стр. 2523

فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اعْتَمَدَ١ فِي فُتْيَاهُ عَلَى كُلِّيَّةِ مَا اسْتَفَادَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَرَ غَيْرَهُ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ مُعَارِضًا، فاطرح الاعتماد عليه، والله أعلم. و [الحال] الثَّالِثُ: أَنْ يَخُوضَ فِيمَا خَاضَ فِيهِ الطَّرَفَانِ وَيَتَحَقَّقُ بِالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ مُنَزَّلَةً عَلَى الْخُصُوصِيَّاتِ الْفَرْعِيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَصُدُّهُ التَّبَحُّرُ فِي الِاسْتِبْصَارِ بِطَرَفٍ عَنِ التَّبَحُّرِ فِي الِاسْتِبْصَارِ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، فَلَا هُوَ يَجْرِي عَلَى عُمُومٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ٢ أَنْ يَعْرِضَهُ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى تَنَزُّلِ٣ مَا تَلَخَّصَ لَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى الرُّتْبَةِ الَّتِي تَرْقَى مِنْهَا، لَكِنْ بِعِلْمِ الْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ فِيهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا. وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ مِنْ صَاحِبِهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِيهَا، حَاكِمٌ لَهَا، غَيْرُ مَقْهُورٍ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ قَدْ تَسْتَفِزُّهُ مَعَانِيهَا٤ الْكُلِّيَّةُ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْخُصُوصِيَّاتِ، وَكُلُّ رُتْبَةٍ حَكَمَتْ عَلَى صَاحِبِهَا دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ رُسُوخِهِ فِيهَا، وَإِنْ كانت محكومًا

стр. 2524

عَلَيْهَا تَحْتَ نَظَرِهِ وَقَهْرِهِ، فَهُوَ صَاحِبُ التَّمْكِينِ وَالرُّسُوخِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الِانْتِصَابَ لِلِاجْتِهَادِ، وَالتَّعَرُّضَ لِلِاسْتِنْبَاطِ، وَكَثِيرًا مَا يَخْتَلِطُ أَهْلُ الرُّتْبَةِ، الْوُسْطَى بِأَهْلِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، فَيَقَعُ النِّزَاعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ عَدَمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسَمَّى صَاحِبُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ: الرَّبَّانِيَّ، وَالْحَكِيمَ، وَالرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَالِمَ، وَالْفَقِيهَ، وَالْعَاقِلَ؛ لِأَنَّهُ يُرَبَّى بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَيُوُفِّي كُلَّ أَحَدٍ حَقَّهُ حَسْبَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالْعِلْمِ وَصَارَ لَهُ كَالْوَصْفِ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ، وَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ [مِنْ شَرِيعَتِهِ] . وَمِنْ خَاصِّيَتِهِ١ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُجِيبُ السَّائِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ [بِهِ] ٢ فِي حَالَتِهِ عَلَى الْخُصُوصِ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ خَاصٌّ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُجِيبُ مِنْ رَأْسِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِخَاصٍّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَاظِرٌ فِي الْمَآلَاتِ قَبْلَ الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالَاتِ، وَصَاحِبُ الثَّانِيَةِ لَا يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُبَالِي بِالْمَآلِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَكَانَ فِي مَسَاقِهِ كُلِّيًّا، وَلِهَذَا الْمَوْضِعِ أَمْثِلَةٌ كثيرة تقدم منها جملة من مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَمَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الْمَآلِ، وَفِي مَذْهَبِ مالك من ذلك كثير٣.

стр. 2525

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى طَرَفٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ الْخَاصِّ بِالْعُلَمَاءِ وَالْعَامِّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يُوَضِّحُ النَّوْعَيْنِ، وَيُبَيِّنُ جِهَةَ الْمَأْخَذِ فِي الطَّرِيقَيْنِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ الْمَكِّيَّةَ وَهِيَ الْأَوَّلِيَّةُ كَانَتْ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، وَجَارِيَةً عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مَجَارِي الْعَادَاتِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعُقُولِ، وَعَلَى مَا تَحْكُمُهُ١ قَضَايَا مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، مِنَ التَّلَبُّسِ بِكُلِّ٢ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَحَاسِنَ الْعَادَاتِ، وَالتَّبَاعُدِ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ مُنْكَرٌ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، فِيمَا سِوَى مَا الْعَقْلُ مَعْزُولٌ عَنْ تَقْرِيرِهِ جُمْلَةً مِنْ حُدُودِ الصَّلَوَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا٣، فَكَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى أَنْظَارِ الْمُكَلَّفِينَ فِي تِلْكَ الْعَادَاتِ، وَمَصْرُوفًا إِلَى اجْتِهَادِهِمْ لِيَأْخُذَ كُلٌّ بِمَا لَاقَ بِهِ وَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمَحَاسِنِ الْكُلِّيَّاتِ، وَمَا اسْتَطَاعَ مِنْ تِلْكَ الْمَكَارِمِ فِي التَّوَجُّهِ بِهَا لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ، مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي إِعَانَةِ الْمُحْتَاجِينَ، ومؤاساة الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ مُقَرَّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ، عَلَى حَسَبِ مَا تُسْتَحْسِنُهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ فِي ذَلِكَ التَّرْتِيبِ، وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِ الْجِوَارِ وَحُقُوقِ الْمِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَالدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لم ينص على تقييدها بعد.

стр. 2526

وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ وَالْفَوَاحِشِ، عَلَى مَرَاتِبِهَا فِي الْقُبْحِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُثَابِرِينَ عَلَى مُجَانَبَتِهَا مُثَابَرَتَهُمْ عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْمَحَاسِنِ. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي تِلْكَ الْأَحْيَانِ آخِذِينَ فِيهَا بِأَقْصَى مَجْهُودِهِمْ، وَعَامِلِينَ عَلَى مُقْتَضَاهَا بِغَايَةِ مَوْجُودِهِمْ١، وَهَكَذَا بَعْدَ مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَفِي زَمَانِ التَّابِعِينَ. إِلَّا أَنَّ خُطَّةَ الْإِسْلَامِ لَمَّا اتَّسَعَتْ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا رُبَّمَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ مُشَاحَّاتٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَمُطَالَبَاتٌ بِأَقْصَى مَا يَحِقُّ لَهُمْ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ، أَوْ عَرَضَتْ لَهُمْ خُصُوصِيَّاتٌ ضَرُورِيَّاتٌ٢ تَقْتَضِي أَحْكَامًا خَاصَّةً، أَوْ بَدَرَتْ٣ مِنْ بَعْضِهِمْ فَلَتَاتٌ فِي مُخَالَفَةِ الْمَشْرُوعَاتِ، وَارْتِكَابِ الْمَمْنُوعَاتِ، فَاحْتَاجُوا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى حُدُودٍ تَقْتَضِيهَا تِلْكَ الْعَوَارِضُ الطَّارِئَةُ، وَمَشْرُوعَاتٍ تُكْمِلُ لَهُمْ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ، وَتَقْيِيدَاتٍ تَفْصِلُ لَهُمْ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ؛ إِذْ كَانَ أَكْثَرُهَا جُزْئِيَّاتٍ٤ لَا تَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِهَا الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، كَمَا لَمْ تَسْتَقِلَّ بِأُصُولِ الْعِبَادَاتِ وَتَفَاصِيلِ التَّقَرُّبَاتِ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِعَقْلِهِ ذَلِكَ٥ النُّفُوذُ مِنْ عَرَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مَنْ كَانَ عَلَى عَادَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَضُرِّيَ٦ عَلَى اسْتِحْسَانِهَا فَرِيقُهُ وَمَالَ إِلَيْهَا طَبْعُهُ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانَتْ لَهَا فِي عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ جَرَيَانٌ لِمَصَالِحَ رَأَوْهَا وَقَدْ شَابَهَا مَفَاسِدُ مِثْلُهَا أَوْ أَكْثَرُ، هَذَا إِلَى٧ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ

стр. 2527

................................................

стр. 2528

مِنْ فَرْضِ الْجِهَادِ حِينَ قَوُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ وطلبوا١ بِدُعَائِهِمُ الْخَلْقَ إِلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَإِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُبَيِّنُ لَهُمْ كُلَّ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ بغاية البيان: تارة القرآن، وتارة بالنسبة؛ فَتَفَصَّلَتْ تِلْكَ الْمُجْمَلَاتُ الْمَكِّيَّةُ، وَتَبَيَّنَتْ تِلْكَ الْمُحْتَمَلَاتُ، وَقُيِّدَتْ تِلْكَ الْمُطْلِقَاتُ، وَخُصِّصَتْ بِالنَّسْخِ أَوْ غَيْرِهِ تِلْكَ الْعُمُومَاتُ لِيَكُونَ ذَلِكَ الْبَاقِي الْمُحْكَمُ قَانُونًا مُطَّرِدًا وَأَصْلًا مُسْتَنًّا٢، إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وليكون ذلك تماماً

стр. 2529

لِتِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ الْمُقَدَّمَةِ، وَبِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ الْمَحْكَمَةِ، فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً. فَالْأُصُولُ الْأُوَلُ بَاقِيَةٌ لَمْ تَتَبَدَّلْ وَلَمْ تُنْسَخْ؛ لِأَنَّهَا فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ كُلِّيَّاتٌ ضَرُورِيَّاتٌ وَمَا لَحِقَ بِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّسْخُ أَوِ الْبَيَانُ عَلَى وَجْهِهِ١ عِنْدَ الْأُمُورِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ لَا الْكُلِّيَّاتِ. وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَكِّيَّةِ مَعَ الْأَحْكَامِ الْمَدَنِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمَكِّيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِنْصَافِ مِنَ النَّفْسِ، وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي الِامْتِثَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حُقُوقِ اللَّهِ أَوْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْمَدَنِيَّةُ، فَمُنَزَّلَةٌ فِي الْغَالِبِ عَلَى وَقَائِعَ لَمْ تَكُنْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ بَعْضِ الْمُنَازَعَاتِ وَالْمُشَاحَّاتِ، وَالرُّخَصِ وَالتَّخْفِيفَاتِ وَتَقْرِيرِ الْعُقُوبَاتِ -فِي الْجُزْئِيَّاتِ لَا الْكُلِّيَّاتِ، فَإِنَّ الْكُلِّيَّاتِ كَانَتْ مُقَرَّرَةٌ مُحْكَمَةٌ٢ بِمَكَّةَ-، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مَعَ بَقَاءِ الْكُلِّيَّاتِ الْمَكِّيَّةِ عَلَى حَالِهَا، وذلك٣ يُؤْتَى بِهَا فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّاتِ تَقْرِيرًا وَتَأْكِيدًا، فَكَمُلَتْ جُمْلَةُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِالْأَمْرَيْنِ وَتَمَّتْ وَاسِطَتُهَا بِالطَّرَفَيْنِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] . وَإِنَّمَا عَنَى الْفُقَهَاءُ بِتَقْرِيرِ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي هِيَ مظان

стр. 2530

التَّنَازُعِ وَالْمُشَاحَّةِ وَالْأَخْذِ بِالْحُظُوظِ الْخَاصَّةِ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الطَّوَارِئِ الْعَارِضَةِ، وَكَأَنَّهُمْ وَاقِفُونَ لِلنَّاسِ فِي اجْتِهَادِهِمْ عَلَى خَطِّ الْفَصْلِ بَيْنَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ، حَتَّى لَا يَتَجَاوَزُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ إِلَى مَا حَرَّمَ، فَهُمْ يُحَقِّقُونَ لِلنَّاسِ مَنَاطَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ الْخَاصَّةِ، حِينَ صَارَ التَّشَاحُّ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى مُقَارَبَةِ الْحَدِّ الْفَاصِلِ، فَهُمْ يَزَعُونَهُمْ عَنْ [مُقَارَبَتِهِ وَيَمْنَعُونَهُمْ عَنْ] مُدَاخَلَةِ الْحِمَى، وَإِذَا زَلَّ أَحَدُهُمْ يُبَيِّنُ لَهُ الطَّرِيقُ١ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ فِي كُلِّ جُزْئِيَّةٍ آخِذِينَ بِحُجَزِهِمْ٢ تَارَةً بِالشِّدَّةِ٣، وَتَارَةً بِاللِّينِ٤ فَهَذَا النَّمَطُ هُوَ كَانَ مَجَالَ اجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ، وَإِيَّاهُ تَحَرَّوْا. وَأَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ أُصُولِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِعْلًا وَتَرْكًا، فَلَمْ يُفَصِّلُوا الْقَوْلَ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى التَّفْصِيلِ، بَلِ الْإِنْسَانُ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ الْعَمَلِ فِيهِ؛ فَوَكَلُوهُ إِلَى اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ وَاجْتِهَادِهِ؛ إِذْ كَيْفَ مَا فَعَلَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى مُوَافَقَةِ أَمْرِ الشَّارِعِ وَنَهْيِهِ، وَقَدْ تَشْتَبِهُ فِيهِ أُمُورٌ وَلَكِنْ بِحَسَبِ قُرْبِهَا مِنَ الْحَدِّ الْفَاصِلِ؛ فَتَكَلُّمُ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ بُعْدُهُ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِّ أكثر كان اعراقه فِي مُقْتَضَى الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ أَكْثَرَ. وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَوْصَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَفْعَالِهِ تَبَيَّنَ لَكَ فَرْقُ مَا بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَبَوْنُ مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا يؤثر من شيم الصحابة واتصافهم

стр. 2531

بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأُصُولِ، وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ عَوَّلَ مَنْ شُهِرَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ، وَبِذَلِكَ سَادُوا غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبَالِغَهُمْ فِي الِاتِّصَافِ بِأَوْصَافِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ حَازَ مِنَ الدُّنْيَا نَصِيبًا فَافْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْوَقَائِعِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ؛ فَأَجْرَوْهَا بِالْأُصُولِ الْأُولَى عَلَى حَسَبِ مَا اسْتَطَاعُوا، وَأَجْرَوْهَا بِالْفُرُوعِ الثَّوَانِي حِينَ اضْطُرُّوا إِلَى ذَلِكَ؛ فَعَامَلُوا رَبَّهُمْ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا١ إِلَّا الْمُوَفَّقُ الْفَذُّ، وَهُوَ كَانَ شَأْنَ مُعَامَلَاتِ الصَّحَابَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُ السِّيَرِ. وَلَمْ تَزَلِ الْأُصُولُ يَنْدَرِسُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا لِكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا وَالتَّفْرِيعِ فِيهَا؛ حَتَّى صَارَتْ كَالنَّسْيِ الْمَنْسِيِّ، وَصَارَ طَالِبُ الْعَمَلِ بِهَا كَالْغَرِيبِ الْمُقْصَى عَنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: "بَدَأَ هَذَا الدِّينُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" ٢. فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْكُلِّيَّاتِ يُشَارِكُ الْجُمْهُورُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ فَيَخْتَصُّ بِالْعُلَمَاءِ وَاسْتِقْرَاءُ مَا تَقَدَّمَ من الشريعة يبينه.

стр. 2532

فَصْلٌ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ آخِذِينَ بِمُقْتَضَى التَّنْزِيلِ الْمَكِّيِّ عَلَى مَا أَدَّاهُمْ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ وَاحْتِيَاطُهُمْ؛ فَسَبَقُوا غَايَةَ السَّبْقِ حَتَّى سُمُّوا "السَّابِقِينَ" بِإِطْلَاقٍ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَحِقَهُمْ فِي ذَلِكَ السَّبْقِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَمُلَتْ لَهُمْ بِهَا شُعَبُ الْإِيمَانِ وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ، وَصَادَفُوا ذَلِكَ وَقَدْ رَسَخَتْ فِي أُصُولِهَا أقدامهم فكانت المتمات أَسْهَلُ عَلَيْهِمْ؛ فَصَارُوا بِذَلِكَ نُورًا حَتَّى نَزَلَ مَدْحُهُمْ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَقْدَارِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ فِي الدِّينِ أَئِمَّةً؛ فَكَانُوا هُمُ الْقُدْوَةُ الْعُظْمَى فِي أَهْلِ الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، بَلْ زَادُوا فِي الِاجْتِهَادِ وَأَمْعَنُوا فِي الِانْقِيَادِ لِمَا حُدَّ لَهُمْ فِي الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ مَعًا. لَمْ تُزَحْزِحْهُمُ الرُّخْصُ الْمَدَنِيَّاتُ عَنِ الْأَخْذِ بِالْعَزَائِمِ الْمَكِّيَّاتِ، وَلَا صَدَّهُمْ عَنْ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مَا مُتِّعُوا بِهِ مِنَ الْأَخْذِ بِحُظُوظِهِمْ وَهُمْ مِنْهَا فِي سَعَةٍ ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٥] . فَعَلَى١ تَقْرِيرِ٢ هَذَا الْأَصْلِ مَنْ أَخَذَ بِالْأَصْلِ الْأَوَّلِ وَاسْتَقَامَ فِيهِ كَمَا اسْتَقَامُوا فَطُوبَى لَهُ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْأَصْلِ الثاني فبها ونعمت، وعلى الأول جرى

стр. 2533

الصُّوفِيَّةُ الْأُوَلُ١، وَعَلَى الثَّانِي جَرَى مَنْ عَدَاهُمْ ممن لم يلتزم ما التزموه، ومن ههنا يُفْهَمُ شَأْنُ الْمُنْقَطِعِينَ إِلَى اللَّهِ فِيمَا امْتَازُوا بِهِ مِنْ نِحْلَتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِبَادِئِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا أُمُورًا لَا تُوجَدُ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَلَا هِيَ مِمَّا يَلْزَمُهُمْ شَرْعًا؛ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَكَلَّفُوا مَا لَمْ يُكَلَّفُوا، وَدَخَلُوا عَلَى غَيْرِ مَدْخَلِ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ. وَحَاشَ لِلَّهِ! مَا كَانُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ وَقَدْ بَنَوْا نِحْلَتَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَهُمْ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنَ الْخَلِيقَةِ، لَكِنْ إِذَا فَهِمْتَ حَالَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي التَّكْلِيفِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، وَنُصُوصِ التَّنْزِيلِ الْمَكِّيِّ [الْمُحْكَمِ] الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ، وَتَنْزِيلِ أَعْمَالِهِمْ عَلَيْهِ؛ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ تِلْكَ الطَّرِيقَ٢ سَلَكَ هَؤُلَاءِ، وَبِاتِّبَاعِهَا عَنَوْا٣ عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَادَّ الْمَدَنِيَّ الْمُفَسِّرَ. فَإِذَا سَمِعْتَ مَثَلًا أَنَّ بَعْضَهُمْ سُئِلَ عَمَّا يَجِبُ مِنَ الزَّكَاةِ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: "أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا؛ فَالْكُلُّ لِلَّهِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِكُمْ؛ فَخَمْسَةُ دَرَاهِمَ"، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا يُسْتَمَدُّ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ فَإِنَّ التَّنْزِيلَ الْمَكِّيَّ أَمَرَ فِيهِ بِمُطْلَقِ إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ وَكَّلَ إِلَى اجْتِهَادِ الْمُنْفِقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالِاحْتِيَاطُ فِي مِثْلِ هَذَا٤ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَدِّ الْخَلَّاتِ وَضُرُوبِ الْحَاجَاتِ، إِلَى غَايَةٍ تَسْكُنُ إِلَيْهَا نَفْسُ الْمُنْفِقِ؛ فَأَخَذَ هَذَا الْمَسْئُولُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بما أفتى به، والتزمه

стр. 2534

مَذْهَبًا فِي تَعَبُّدِهِ، وَفَاءً بِحَقِّ الْخِدْمَةِ، وَشُكْرِ النِّعْمَةِ وَإِسْقَاطًا لِحُظُوظِ نَفْسِهِ، وَقِيَامًا عَلَى قَدَمِ الْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ حَتَّى لَمْ يَبْقِ لِنَفْسِهِ حَظًّا وَإِنْ أَثْبَتَهُ لَهُ الشَّارِعُ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ لله خزائن السموات وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] . وَقَالَ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذريات: ٥٧] . وَقَالَ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٢] . وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا نَحْوٌ مِنَ التَّعَبُّدِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ فِي مُلْتَزَمِهِ: إِنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الطَّرِيقَةِ، وَلَا متكلَّف فِي التَّعَبُّدِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا الْمَيْدَانُ لَا يَسْرَحُ فِيهِ كُلُّ النَّاسِ قُيِّدَ فِي التَّنْزِيلِ الْمَدَنِيِّ حِينَ فُرِضَتِ الزَّكَوَاتُ؛ فَصَارَتْ هِيَ الْوَاجِبَةُ انْحِتَامًا، مُقَدَّرَةٌ لَا تَتَعَدَّى إِلَى مَا دُونَهَا، وَبَقِيَ مَا سِوَاهَا عَلَى حُكْمِ الْخِيَرَةِ؛ فَاتَّسَعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَجَالُ الْإِبْقَاءِ جَوَازًا، وَالْإِنْفَاقِ نَدْبًا؛ فَمِنْ مُقِلٍّ فِي إِنْفَاقِهِ وَمِنْ مُكْثِرٍ؛ وَالْجَمِيعُ مَحْمُودُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا اسْتَفْسَرَ الْمَسْئُولُ السَّائِلَ لِيُجِيبَهُ عَنْ مُقْتَضَى سُؤَالِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَنْتَهِي فِي الْإِنْفَاقِ إِلَى إِنْفَاذِ الْجَمِيعِ، بَلْ يُبْقِي بِيَدِهِ مَا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُوَافِقٌ فِي الْقَصْدِ لِمَنْ لَمْ يبقِ شَيْئًا، عِلْمًا بِـ"أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سوى الزكاة"١، وهو يَتَعَيَّنُ تَحْقِيقًا، وَإِنَّمَا فِيهِ الِاجْتِهَادِ؛ فَلَا يَزَالُ نَاظِرًا فِي ذَلِكَ مُجْتَهِدًا فِيهِ مَا بَقِيَ بيده منه شيء.

стр. 2535

مُتَحَمِّلًا١ مِنْهُ أَمَانَةً لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا إِلَّا بِنَفَاذِهِ، أَوْ كَالْوَكِيلِ فِيهِ لِخَلْقِ اللَّهِ، سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْهُمْ٢ أَمْ لَا. وَهَذَا كَانَ غَالِبُ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ إِمْسَاكُهُمْ مُضَادًّا لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ إِلَّا أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ أُجْرِيَ عَلَى اعْتِبَارِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَادِيَاتِ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ لِلْعَادِيَّاتِ عِنْدَهُ مَزِيَّةٌ فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعِبَادِ. وَأَمَّا مَنْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ حَظًّا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ حَظُّهُ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْمُبَاحَاتِ عَلَى شَرْطِ عَدَمِ الْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبَاتِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَكِّيَّةِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذُكِرَ؛ فَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْقِسْمِ٣ مُعَامَلُونَ حُكْمًا بِمَا قَصَدُوا مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُظُوظِ؛ فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَهُمَا مَنْ لَا يَأْخُذُ بِتَسَبُّبِهِ أَوْ يَأْخُذُ بِهِ وَلَكِنْ عَلَى نِسْبَةِ الْقِسْمَةِ وَنَحْوِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا تَقَعُ الْفُتْيَا بِمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ خَاصٌّ لَا عَامٌّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حَالَةٍ يَكُونُ الْمُسْتَفْتِي عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ يَعْمَلُ لِلَّهِ وَيَتْرُكُ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِهِ؛ فَسَقَطَ لَهُ طَلَبُ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ، فَسَاغَ أَنْ يُفْتِيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ حَالَتِي، فَاحْمِلْنِي عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَلَا بُدَّ أن يحمله على ما تقضيه٤، كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِلْمُفْتِي: إِنِّي عَاهَدْتُ الله على أن لا أَمَسَّ فَرَجِي بِيَمِينِي، أَوْ عَزَمْتُ عَلَى أَلَّا أسأل أحدا شيئًا، وأن لا تَمَسَّ يَدِي يَدَ مُشْرِكٍ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؛ فإنه عقد [عقدًا]

стр. 2536

لِلَّهِ عَلَى فِعْلِ فَضْلٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٩١] . وَمَدَحَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُوفِينَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ الْمُتَجَرِّدِينَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ مِمَّا يُطْلَبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مانع، وفي الحديث: "إِنَّ خَيْرًا لِأَحَدِكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا" ١؛ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقَعُ لَهُ سَوْطُهُ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ٢. وَقَالَ عُثْمَانُ: مَا مَسَسْتُ ذَكَرِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣. وَقِصَّةُ حَمِيِّ الدَّبْرِ٤ ظَاهِرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ إِذْ عَاهَدَ اللَّهَ أن لا يَمَسَّ مُشْرِكًا، فَحَمَتْهُ الدَّبْرُ حِينَ اسْتُشْهِدَ أَنْ يمسه مشرك، الحديث كما وقع٥.

стр. 2537

غَيْرَ أَنَّ الْفُتْيَا بِمِثْلِ هَذَا اخْتُصَّتْ بِشُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُبَاشِرُونَ لِأَرْبَابِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ؛ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي الْغَالِبِ مَعَ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِحَظِّهِ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهُ لَهُ الشَّارِعُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُفْتِيَهُ بِمُقْتَضَاهُ، وَحُدُودُ الْحُظُوظِ مَعْلُومَةٌ فِي فَنِّ الْفِقْهِ، فَلَوْ فَرَضْنَا أَحَدًا جَاءَ سَائِلًا وَحَالُهُ مَا تَقَدَّمَ؛ لَكَانَ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يُفْتِيَهُ بِمُقْتَضَاهُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا خِلَافَ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ صَرَّحَ بِالْجَمِيعِ، لَكِنْ جَعَلَ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَهِيَ الْمُتَكَلَّمُ فِيهَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ، وَلَمْ يُلْزِمْهَا أَحَدًا؛ لِأَنَّهَا اخْتِيَارِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْأُخْرَى الْعَامَّةِ؛ فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْفُتْيَا بِهَا عُمُومًا كَسَائِرِ مَا يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ لَازِمَةٍ؛ فَلَمْ تَقَعِ الْفُتْيَا بِهَا عَلَى مُقْتَضَى اللُّزُومِ؟ قِيلَ: لَمْ يُفْتِ بِهَا [عَلَى] ١ مُقْتَضَى اللُّزُومِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ السَّائِلُ مِنْ حَيْثُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يفتي لها وَهُوَ طَالِبٌ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ حَسْبَمَا اسْتَدْعَاهُ حَالُهُ، وَأَصْلُ الْإِلْزَامِ مَعْمُولٌ بِهِ شَرْعًا؛ أصله النظر والوفاء بالوعد٢ في

стр. 2538

التَّبَرُّعَاتِ، وَمِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مَا هُوَ لَازِمٌ١؛ كَالْمُتْعَةِ فِي الطَّلَاقِ، وَحَدِيثُ: "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ" ٢. وَكَانَ ﵊ يُعَامِلُ أَصْحَابَهُ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ وَيَمِيلُ بِهِمْ إِلَيْهَا؛ كَحَدِيثِ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا٣. وَقَوْلُهُ: "مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ ٤ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ" الْحَدِيثَ بِطُولِهِ٥. وَقَوْلُهُ: "مَنْ ذَا الَّذِي تَأَلَّى ٦ عَلَى الله لا يفعل الخير؟ " ٧.

стр. 2539

وَإِشَارَتُهُ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْ غَرِيمِهِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِهِ١. وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ٢ فِي شَأْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ ائْتَلَى أن لا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٢٢] ، وَبِذَلِكَ عَمِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي حُكْمِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى أَرْضِهِ وَقَالَ: "وَاللَّهِ؛ ليمرَّنَّ به ولو على بطنك"٣.

стр. 2540

إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَأَخَصُّ١ مِنْ هَذَا فُتْيَا أَهْلِ الْوَرَعِ إِذَا عَلِمْتَ دَرَجَةَ الْوَرَعِ فِي مَرَاتِبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُفْتِي بِمَا تَقْتَضِيهِ مَرْتَبَتُهُ، كَمَا يُحْكَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ عَنِ الْغَزَلِ بِضَوْءِ مَشَاعِلِ السُّلْطَانِ؛ فَسَأَلَهَا: "مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أُخْتُ بِشْرٍ الْحَافِي. فَأَجَابَهَا بِتَرْكِ الْغَزَلِ بِضَوْئِهَا"٢. هَذَا مَعْنَى الْحِكَايَةِ دُونَ لَفْظِهَا. وَقَدْ حَكَى مُطَرِّفٌ٣ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ مَالِكٌ يَسْتَعْمِلُ فِي نَفْسِهِ مَا لَا يُفتي بِهِ النَّاسَ"٤، يَعْنِي: الْعَوَامَّ، وَيَقُولُ: "لَا يَكُونُ الْعَالِمُ عَالِمًا حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ وَحَتَّى يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ بِمَا٥ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ٦ إِثْمٌ". هَذَا كَلَامُهُ. وَفِي هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَالْحِكَايَاتِ عَنْهُمْ كَثِيرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2541

الطَّرَفُ الثَّانِي: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُجْتَهِدِ مِنَ الْأَحْكَامِ فيما يتعلق بفتواه ... الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمُفْتِي قَائِمٌ١ فِي الْأُمَّةِ مَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النَّقْلُ الشَّرْعِيُّ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ" ٢. وَفِي "الصَّحِيحِ": "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ؛ حَتَّى إِنِّي لِأَرَى الرِّيَّ يخرج من أظفاري، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْعِلْمُ" ٣. وهو في معنى الميراث.

стр. 2542

وبُعث النَّبِيُّ ﷺ نَذِيرًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هُودٍ: ١٢] . وَقَالَ فِي الْعُلَمَاءِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ؛ لِقَوْلِهِ: "أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ" ١. وَقَالَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً" ٢. وَقَالَ: "تَسْمَعُونَ ويُسمَع مِنْكُمْ، ويُسمَع مِمَّنْ يَسمَع منكم" ٣.

стр. 2543

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ النَّبِيِّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُفْتِيَ شَارِعٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَا يُبَلِّغُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ إِمَّا مَنْقُولٌ عَنْ صَاحِبِهَا، وَإِمَّا مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الْمَنْقُولِ؛ فَالْأَوَّلُ يَكُونُ فِيهِ مُبَلِّغًا، وَالثَّانِي يَكُونُ فِيهِ قَائِمًا مَقَامَهُ فِي إِنْشَاءِ الْأَحْكَامِ، وإنشاءُ الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ لِلشَّارِعِ١، فَإِذَا كَانَ لِلْمُجْتَهِدِ إِنْشَاءُ الْأَحْكَامِ بِحَسَبِ نَظَرِهِ وَاجْتِهَادِهِ؛ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ شَارِعٌ، وَاجِبٌ اتِّبَاعُهُ٢ وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ ما قاله، وهذه هي الخلافة على

стр. 2544

التَّحْقِيقِ١، بَلِ الْقِسْمُ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُبَلِّغٌ لَا بُدَّ مِنْ نَظَرِهِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ فَهْمِ الْمَعَانِي مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ جِهَةِ تَحْقِيقِ مَنَاطِهَا وَتَنْزِيلِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ رَاجِعٌ إِلَيْهِ فِيهَا؛ فَقَدْ قَامَ مَقَامَ الشَّارِعِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ٢ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ؛ فَقَدْ أُدْرِجَتِ النبوة بين جنبيه"٣.

стр. 2545

وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالْمُفْتِي مخبِرٌ عَنِ اللَّهِ كَالنَّبِيِّ، ومُوقع لِلشَّرِيعَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِحَسَبِ نَظَرِهِ كَالنَّبِيِّ، وَنَافِذٌ أَمْرُهُ فِي الْأُمَّةِ بِمَنْشُورِ١ الْخِلَافَةِ كَالنَّبِيِّ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا أُولِي الْأَمْرِ، وقُرنت طَاعَتُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] . وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا انْبَنَى عَلَيْهِ معنى آخر وهو:

стр. 2546

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَذَلِكَ أَنَّ الْفَتْوَى مِنَ الْمُفْتِي تَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ؛ فَأَمَّا الْفَتْوَى بِالْقَوْلِ؛ فَهُوَ الْأَمْرُ الْمَشْهُورُ وَلَا كَلَامَ فِيهِ. وَأَمَّا بِالْفِعْلِ؛ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ فِي مَعْهُودِ١ الِاسْتِعْمَالِ؛ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَوْلِ الْمُصَرَّحِ بِهِ كَقَوْلِهِ ﵊: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" ٢ وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ. وَسُئِلَ ﵊ فِي حَجَّتِهِ؛ فَقَالَ٣: "ذبحتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ" فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ؛ قال: "ولا حرج" ٤.

стр. 2547

وَقَالَ: "يُقْبَضُ الْعَلَمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ؛ فَحَرَّفَهَا؛ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ١. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ حِينَ أَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ٢. وَحِينَ سُئِلَ ﵊ عَنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ قَالَ لِلسَّائِلِ: "صَلِّ مَعَنَا ٣ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ". ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "الْوَقْتُ ما بين هذين" ٤.

стр. 2548

أَوْ كَمَا قَالَ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا. وَالثَّانِي: مَا يَقْتَضِيهِ كَوْنُهُ أُسْوَةً يُقْتَدَى بِهِ، وَمَبْعُوثًا لِذَلِكَ قَصْدًا، وَأَصْلُهُ٢ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] . وَقَالَ قبل ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٢١] . وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيم﴾ [الممتحنة: ٤] إلى آخر القصة٣.

стр. 2549

وَالتَّأَسِّي: إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ، وشَرْعُ مَن قبلَنا شَرْعٌ لَنَا١. وَقَالَ ﵊ لِأُمِّ سَلَمَةَ: "أَلَا أَخَبَرْتِيهِ أَنِّي أُقَبِّل وَأَنَا صَائِمٌ" ٢. وَقَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" ٣، وَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" ٤. وَحَدِيثُ٥ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ أَشْهَرُ مِنْ أن يخفى، ولذلك

стр. 2550

جَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ أَفْعَالَهُ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ كَأَقْوَالِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَثَبَتَ لِلْمُفْتِي أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ النَّبِيِّ وَنَائِبٌ مَنَابَهُ؛ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مَحَلٌّ لِلِاقْتِدَاءِ أَيْضًا، فَمَا قُصِدَ بِهَا الْبَيَانُ وَالْإِعْلَامُ؛ فَظَاهَرٌ، وَمَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَارِثٌ، وَقَدْ كَانَ الْمُوَرِّثُ [قُدْوَةً] ١ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ مُطْلَقًا٢؛ فَكَذَلِكَ٣ الْوَارِثُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَنْتَصِبَ أَفْعَالُهُ مُقْتَدًى بِهَا كَمَا انْتَصَبَتْ أَقْوَالُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّأَسِّيَ بِالْأَفْعَالِ -بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُعظَّم فِي النَّاسِ- سِرٌّ مَبْثُوثٌ فِي طِبَاعِ٤ الْبَشَرِ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ بِوَجْهٍ وَلَا بِحَالٍ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الِاعْتِيَادِ وَالتَّكْرَارِ، وَإِذَا صَادَفَ مَحَبَّةً وَمَيْلًا إِلَى الْمُتَأَسَّى بِهِ، وَمَتَى وَجَدْتَ٥ التَّأَسِّيَ بِمَنْ هَذَا شَأْنُهُ مَفْقُودًا فِي بَعْضِ النَّاسِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا تُرِكَ لتأسٍ آخَرَ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ٦ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَحَلَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: حِينَ دَعَاهُمْ ﵊ [إِلَى الْخُرُوجِ] مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ؛ فَكَانَ مِنْ آكَدِ مُتَمَسَّكَاتِهِمُ التَّأَسِّي بِالْآبَاءِ٧؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾

стр. 2551

[لُقْمَانَ: ٢١] وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص: ٥] . ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحْذِيرَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَكَانُوا عَاكِفِينَ عَلَى مَا عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ، إِلَى أَنْ نُوصِبُوا بِالْحَرْبِ١ وَهُمْ رَاضُونَ بِذَلِكَ؛ حَتَّى كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا دُعوا بِهِ التَّأَسِّي بِأَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، وَأُضِيفَتِ الْمِلَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ؛ فَكَانَ ذَلِكَ بَابًا لِلدُّعَاءِ إِلَى التَّأَسِّي بِأَكْبَرِ آبَائِهِمْ عِنْدَهُمْ، وبيَّن لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُهُمْ تَسْتَحْسِنُهَا وَتَعْمَلُ بِكَثِيرٍ مِنْهَا؛ فَكَانَ التَّأَسِّي دَاعِيًا إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ التَّأَسِّي، وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ مَا دُعُوا بِهِ مِنْ٢ جِهَةِ التَّلَطُّفِ بِالرِّفْقِ وَمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَبِذَلِكَ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] . وَقَوْلُهُ٣: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] . فَكَانَ هَذَا الْوَجْهُ مِنَ التَّلَطُّفِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ نَوْعًا مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي كَانَ ﵊ يَدْعُو بِهَا. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَانَ خُلُق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَدَّقَ الفعلُ القولَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مما دعا إلى اتِّباعه والتأسي

стр. 2552

بِهِ١؛ فَانْقَادُوا وَرَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ. وَالْمَحَلُّ الثَّانِي: حِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَعَرَفُوا الْحَقَّ، وَتَسَابَقُوا إِلَى الِانْقِيَادِ لِأَوَامِرِ النَّبِيِّ ﵊ وَنَوَاهِيهِ، فَرُبَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْأَمْرِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِمْ؛ فَتَوَجَّهُوا إِلَى مَا يُفْعَلُ تَرْجِيحًا لَهُ عَلَى مَا يَقُولُ، وَقَضِيَّتُهُ ﵊ مَعَهُمْ فِي تَوَقُّفِهِمْ عَنِ الْإِحْلَالِ بَعْدَ مَا أَمَرَهُمْ؛ حَتَّى قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: "أَمَا تَرَيْنَ أَنَّ قَوْمَكِ أَمَرْتُهُمْ فَلَا يَأْتَمِرُونَ؟ ". فَقَالَتِ: اذْبَحْ وَاحْلِقْ. فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَاتَّبَعُوهُ٢. وَنَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ؛ فَلَمْ يَنْتَهُوا وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ يُوَاصِلُ؛ فَقَالَ: "إِنِّي أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" ٣، وَلَمَّا تَابَعُوا فِي الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ حَتَّى يَعْجِزُوا، وَقَالَ: "لَوْ مُدَّ لَنَا فِي الشَّهْرِ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ" ٤. وَسَافَرَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ وَأَمْرَهُمْ بِالْإِفْطَارِ وَكَانَ هُوَ صَائِمًا؛ فَتَوَقَّفُوا أَوْ تَوَقَّفَ بعضهم حتى أفطر هو فأفطروا٥.

стр. 2553

وَكَانُوا يَبْحَثُونَ عَنْ أَفْعَالِهِ١ كَمَا يَبْحَثُونَ عَنْ أَقْوَالِهِ، وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ الْمَوَاضِعِ عَلَى الْعَالِمِ الْمُنْتَصِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بَيَانٌ آخَرُ فِي بَابِ الْبَيَانِ؛ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَالْمَعْنَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ. وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعْصُومًا، فَكَانَ عَمَلُهُ لِلِاقْتِدَاءِ مَحَلًّا بِلَا إِشْكَالٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لِلْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ فَضْلًا عَنِ الْإِيمَانِ، فَأَفْعَالُهُ لَا يُوثَقُ بِهَا؛ فَلَا تَكُونُ مُقْتَدًى بِهَا. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنِ اعْتَبَرَ هَذَا الِاحْتِمَالَ فِي نَصْبِ أَفْعَالِهِ حُجَّةً لِلْمُسْتَفْتِي؛ فَلِيَعْتَبِرْ مِثْلَهُ فِي نَصْبِ أَقْوَالِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فِيهَا الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْكَذِبُ عَمْدًا وَسَهْوًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا فِي الْأَقْوَالِ؛ لَمْ يَكُنْ٢ مُعْتَبَرًا فِي الْأَفْعَالِ، وَلِأَجْلِ هَذَا تُسْتَعْظَمُ شَرْعًا زَلَّةُ الْعَالَمِ كَمَا تَبَيَّنَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَفِي بَابِ الْبَيَانِ؛ فَحَقٌّ٣ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَنْتَصِبَ لِلْفَتْوَى بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَفْعَالِهِ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ؛ لِيُتَّخَذَ فِيهَا أُسْوَةً. وَأَمَّا الْإِقْرَارُ؛ فَرَاجِعٌ [فِي الْمَعْنَى] إِلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ فِعْلٌ، وَكَفُّ الْمُفْتِي عَنِ الْإِنْكَارِ إِذَا رَأَى فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ كَتَصْرِيحِهِ بِجَوَازِهِ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْأُصُولِيُّونَ ذَلِكَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَكَذَلِكَ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى

стр. 2554

الْمُنْتَصِبِ بِالْفَتْوَى، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَتْوَى الْفِعْلِيَّةِ جارٍ هُنَا بِلَا إِشْكَالٍ، وَمِنْ هُنَا ثَابَرَ١ السَّلَفُ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ٢، وَلَمْ يُبَالُوا فِي ذَلِكَ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مَنْ عَوْدِ الْمَضَرَّاتِ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَمَنْ أَخَذَ بِالرُّخْصَةِ٣ فِي تَرْكِ الْإِنْكَارِ فَرَّ بِدِينِهِ وَاسْتَخْفَى بِنَفْسِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِخْلَالِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ الْإِنْكَارِ؛ فَإِنَّ ارْتِكَابَ خَيْرِ الشَّرَّيْنِ أَوْلَى مِنَ ارْتِكَابِ شَرِّهِمَا٤، وَهُوَ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى إِعْمَالِ الْقَاعِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْمَرَاتِبُ الثَّلَاثُ فِي هَذَا الْوَجْهِ مَذْكُورَةٌ شَوَاهِدُهَا فِي مَوَاضِعِهَا من الكتب المصنفة فيه٥.

стр. 2555

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَنْبَنِي عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَهِيَ أَنَّ الْفُتْيَا لَا تَصِحُّ مِنْ مُخَالِفٍ١ لِمُقْتَضَى الْعِلْمِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْأُصُولِيُّونَ قَدْ نَبَّهُوا عَلَيْهِ وَبَيَّنُوهُ؛ فَهُوَ فِي كَلَامِهِمْ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ بِالتَّفْصِيلِ الْمُقَرَّرِ فِي أَقْسَامِ الْفُتْيَا. فَأَمَّا فُتْيَاهُ بِالْقَوْلِ؛ فَإِذَا جَرَتْ أَقْوَالُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، [فَلَا يُوثَقُ بِمَا يُفْتِي بِهِ؛ لِإِمْكَانِ جَرَيَانِهَا كَسَائِرِ أَقْوَالِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ] ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ أَقْوَالِهِ، فَيُمْكِنُ٢ جَرَيَانُهَا عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ؛ فَلَا يُوثَقُ بِهَا. وَأَمَّا أَفْعَالُهُ، فَإِذَا جَرَتْ عَلَى خِلَافِ أَفْعَالِ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعَلَمِ؛ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا وَلَا جَعْلُهَا أُسْوَةً فِي جُمْلَةِ أَعْمَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وَكَذَلِكَ إِقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَفْعَالِهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ عَائِدٌ٣ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِالتَّأْثِيرِ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ بِجَوَارِحِهِ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي قَوْلِهِ، وَالْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِجَوَارِحِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَسْتَمِدُّ مِنْ أَمْرٍ وَاحِدٍ٤ قَلْبِيٍّ. هَذَا بَيَانُ عَدَمِ صِحَّةِ الْفُتْيَا منه على الجملة.

стр. 2556

وَأَمَّا عَلَى التَّفْصِيلِ؛ فَإِنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا أَمَرَ مَثَلًا بِالصَّمْتِ عَمًّا لَا يَعْنِي؛ فَإِنْ كَانَ صَامِتًا عَمًّا لَا يَعْنِي فَفَتْوَاهُ صَادِقَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْخَائِضِينَ فِيمَا لَا يَعْنِي فَهِيَ غَيْرُ صَادِقَةٍ١، وَإِذَا دلَّك عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ زَاهِدٌ فِيهَا صَدَقَتْ فُتْيَاهُ، وَإِنْ كَانَ رَاغِبًا فِي الدُّنْيَا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، وَإِنْ دلَّك عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ مُحَافِظًا عَلَيْهَا صَدَقَتْ فُتْيَاهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ سَائِرُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ فِي الْأَوَامِرِ، وَمِثْلُهَا النَّوَاهِي؛ فَإِذَا نَهَى عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مُنْتَهِيًا عَنْهَا صَدَقَتْ فُتْيَاهُ، أَوْ نَهَى عَنِ الْكَذِبِ وَهُوَ صَادِقُ اللِّسَانِ، أَوْ عَنِ الزِّنَى وَهُوَ لَا يَزْنِي، أَوْ عَنِ التَّفَحُّشِ وَهُوَ لَا يَتَفَحَّشُ، أَوْ عَنْ مُخَالَطَةِ الْأَشْرَارِ وَهُوَ لَا يُخَالِطُهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ الصَّادِقُ الْفُتْيَا وَالَّذِي٢ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ وَيُقْتَدَى بِفِعْلِهِ؛ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ عَلَامَةَ صِدْقِ الْقَوْلِ مُطَابَقَةُ الْفِعْلِ، بَلْ هُوَ الصِّدْقُ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه﴾ ٣ [الْأَحْزَابِ: ٢٣] . وَقَالَ فِي ضِدِّهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَن﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُون﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٥-٧٧] . فَاعْتُبِرَ فِي الصِّدْقِ مُطَابَقَةُ الْقَوْلِ الْفِعْلَ، وَفِي الْكَذِبِ مُخَالَفَتُهُ. وَقَالَ تَعَالَى فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين﴾ ٤ [التوبة: ١١٩] .

стр. 2557

وَهَكَذَا إِذَا أَخْبَرَ الْعَالِمُ عَنِ الْحُكْمِ أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ؛ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَإِنْ وَافَقَ صَدَقَ وَإِنْ خَالَفَ كَذَبَ؛ فَالْفُتْيَا لَا تَصِحُّ مَعَ الْمُخَالَفَةِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ مَعَ الْمُوَافَقَةِ. وَحَسْبُ النَّاظِرِ مِنْ ذَلِكَ١ سَيِّدُ الْبَشَرِ ﷺ ، حَيْثُ كَانَتْ أَفْعَالُهُ مَعَ أَقْوَالِهِ عَلَى الْوِفَاقِ٢ وَالتَّمَامِ؛ حَتَّى أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ: يُحِلُّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ٣. وَحِينَ سَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنْ أَمْرٍ؛ فَقَالَ: "إِنِّي أَفْعَلُهُ". فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. غَضِبَ ﷺ وَقَالَ: "وَاللَّهِ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ ٤ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" ٥. وَفِي الْقُرْآنِ عَنْ شُعَيْبٍ ﵇: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الْأَعْرَافِ: ٨٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه﴾ [هود: ٨٨] .

стр. 2558

فَبَيَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْقَوْلِ الْفِعْلَ تَقْتَضِي كَذِبَ الْقَوْلِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا، وَقَدْ قَالُوا فِي عِصْمَةِ١ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ: إِنَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تَنْفِرُ عَمَّنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى جَارٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى فِيمَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى فُرُوعِ الْمِلَّةِ فَضْلًا عَنْ أُصُولِهَا؛ فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ [وَلَا يَفْعَلُونَهُ] وَنَاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَأْتُونَهُ -عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ- لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى٢ منفِّر وَأَقْرَبَ صادٍّ عَنِ الاتباع؛ فمن كان في رتبة الوارثة لَهُمْ؛ فَمِنْ حَقِيقَةِ نَيْلِهِ الرُّتْبَةَ ظُهُورُ الْفِعْلِ عَلَى مِصْدَاقِ الْقَوْلِ. وَلَمَّا نَهَى٣ عَنِ الرِّبَا قَالَ: "وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رَبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" ٤. وَحِينَ وَضَعَ الدِّمَاءَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ قَالَ: "وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمُنَا: دم ربيعة بن الحارث" ٥.

стр. 2559

وَقَالَ حِينَ شُفِعَ لَهُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ١. وَكُلُّهُ ظَاهِرٌ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى مُطَابَقَةِ الْقَوْلِ الْفِعْلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى قَرَابَتِهِ، وَأَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ سَوَاءٌ. وَالْأَدِلَّةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَقَدْ ذَمَّ الشَّرْعُ الْفَاعِلَ بِخِلَافِ مَا يَقُولُ؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٤٤] . وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون﴾ [الصف: ٢-٣] .

стр. 2560

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَ ابن مِهْرَانَ يَقُولُ: "إِنَّ الْقَاصَّ١ الْمُتَكَلِّمَ يَنْتَظِرُ الْمَقْتَ٢، وَالْمُسْتَمِعُ يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون﴾ الْآيَةَ [الصَّفِّ: ٢] ، هُوَ الرَّجُلُ يُقَرِّظُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْخَيْرِ؟ أَوْ هُوَ الرَّجُلُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى٣ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَقْصِيرٌ؟ فَقَالَ: كِلَاهُمَا"٤. فَإِنْ قِيلَ: إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتَ تَعَذَّرَ الْقِيَامُ بِالْفَتْوَى وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُؤْتَمِرًا أَوْ مُنْتَهِيًا، وَإِلَّا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى خَرْمِ الْأَصْلِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ كُلَّ تَكْمِلَةٍ أَدَّتْ إِلَى انْخِرَامِ الْأَصْلِ الْمُكَمِّلِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٌ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا٥، وَمِثْلُهُ الِانْتِصَابُ لِلْفَتْوَى، وَمَنِ الَّذِي يُوجَدُ لَا يزلُّ وَلَا يضلُّ وَلَا يُخَالِفُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْبَعِيدَةِ عَنْ زَمَانِ النُّبُوَّةِ؟ نَعَمْ، لَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ مَنْ طَابَقَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلتَّقَدُّمِ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ، وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: إِذَا عَدِمَ ذَلِكَ لم يصح الانتصاب؛ هذا مشكل جدا.
следующие страницы →