← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ، وَلَكِنَّهُ أُبِيحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَرْفَقَةِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ ضِيقٌ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَمِثْلُهُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ١ بِخُرْصِهَا تَمْرًا، فَإِنَّهُ بَيْعُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، لَكِنَّهُ أُبِيحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُعَرِّي وَالْمُعَرَّى، وَلَوِ امْتَنَعَ مُطْلَقًا، لَكَانَ وَسِيلَةً لِمَنْعِ الْإِعْرَاءِ، كَمَا أَنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ لَوِ امْتَنَعَ فِي الْقَرْضِ لَامْتَنَعَ أَصْلُ الرِّفْقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمِثْلُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْمَطَرِ٢ وَجَمْعُ الْمُسَافِرِ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ، وَسَائِرُ التَّرَخُّصَاتِ الَّتِي٣ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا تَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْمَآلِ فِي تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ أَوْ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى الْخُصُوصِ، حَيْثُ كَانَ الدَّلِيلُ الْعَامُّ يَقْتَضِي مَنْعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَوْ بَقِينَا مَعَ أَصْلِ الدَّلِيلِ الْعَامِّ لَأَدَّى إِلَى رَفْعِ مَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ رَعْيُ ذَلِكَ الْمَآلِ إِلَى أَقْصَاهُ، وَمِثْلُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْعَوْرَاتِ فِي التَّدَاوِي، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ الْعَامُّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَأَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَثِيرَةً. هَذَا نَمَطٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ القاعدة، وعليها بنى٤

стр. 2487

مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِحْسَانِ بِأَنَّهُ إِيثَارُ١ تَرْكِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ على طريق الاستثاء وَالتَّرَخُّصِ، لِمُعَارَضَةِ مَا يُعَارَضُ بِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَقْسَامًا، فَمِنْهُ تَرْكُ الدَّلِيلِ لِلْعُرْفِ كَرَدِّ الْأَيْمَانِ إِلَى الْعُرْفِ، وَتَرْكُهُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ كَتَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ، أَوْ تَرْكُهُ لِلْإِجْمَاعِ كَإِيجَابِ الْغُرْمِ عَلَى مَنْ قَطَّ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي٢، وَتَرْكُهُ فِي الْيَسِيرِ لِتَفَاهَتِهِ لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْخَلْقِ، كَإِجَازَةِ التَّفَاضُلِ الْيَسِيرِ فِي الْمُرَاطَلَةِ الْكَثِيرَةِ، وَإِجَازَةِ بَيْعٍ وَصَرْفٍ فِي الْيَسِيرِ. وَقَالَ فِي "أَحْكَامِ الْقُرْآنِ": "الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا وعند الحنفية هو العمل٣

стр. 2488

بأقوى الدليلين، فالعلموم إِذَا اسْتَمَرَّ وَالْقِيَاسُ إِذَا اطَّرَدَ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ، مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مَعْنًى، وَيَسْتَحْسِنُ مَالِكٌ أَنْ يُخَصَّ بِالْمَصْلَحَةِ، وَيَسْتَحْسِنَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد

стр. 2489

بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَيَرَيَانِ مَعًا تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ وَنَقْضَ الْعِلَّةِ، وَلَا يَرَى الشَّافِعِيُّ لِعِلَّةِ الشَّرْعِ إِذَا ثَبَتَتْ تَخْصِيصًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَ هُوَ نَظَرٌ١ فِي مَآلَاتِ الْأَحْكَامِ، مِنْ غَيْرِ اقْتِصَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْعَامِّ وَالْقِيَاسِ الْعَامِّ". وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا. وَفِي "الْعُتَبِيَّةِ"٢ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَطَآنِ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَتَأْتِي بِوَلَدٍ، فَيُنْكِرُ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ دُونَ الْآخَرِ، أَنَّهُ يَكْشِفُ مُنْكِرَ الْوَلَدِ عَنْ وَطْئِهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي صِفَتِهِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْإِنْزَالُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْعَزْلَ مِنَ الْوَطْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، فَقَالَ أَصْبَغُ: إِنِّي أَسْتَحْسِنُ هُنَا أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْآخَرِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً، فَلَعَلَّهُ غُلِبَ وَلَا يَدْرِي، وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي نَحْوِ هَذَا: "إِنَّ الْوِكَاءَ قَدْ يَتَفَلَّتُ"٣. قَالَ: "وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْعِلْمِ قَدْ يَكُونُ أَغْلَبَ مِنَ الْقِيَاسِ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ وَيَرْوِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ الِاسْتِحْسَانُ"٤. فَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ غَيْرُ خارج عن مقتضى الأدلة، إلا أنه

стр. 2490

نَظَرٌ إِلَى لَوَازِمِ الْأَدِلَّةِ وَمَآلَاتِهَا؛ إِذْ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقِيَاسِ هُنَا كَانَ الشَّرِيكَانِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَا يَعْزِلَانِ أَوْ يُنْزِلَانِ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَا حُكْمَ لَهُ إِذْ أُقِرَّ بِالْوَطْءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَزْلِ وَعَدَمِهِ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ، لَكِنَّ الِاسْتِحْسَانَ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مَعَ الْإِنْزَالِ وَلَا يَكُونُ مَعَ الْعَزْلِ إِلَّا نَادِرًا، فَأَجْرَى الْحُكْمَ عَلَى الْغَالِبِ١، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فَلَوْ لَمْ يَعْتَبِرِ٢ الْمَآلَ فِي جَرَيَانِ الدَّلِيلِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْعَزْلِ وَالْإِنْزَالِ، وَقَدْ بَالَغَ أَصْبَغُ فِي الِاسْتِحْسَانِ حَتَّى قَالَ: "إِنَّ الْمُغْرِقَ فِي الْقِيَاسِ يَكَادُ يُفَارِقُ السُّنَّةَ٣ وَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ عِمَادُ الْعِلْمِ"، وَالْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ تُعَضِّدُ٤ مَا قَالَ. وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ أَيْضًا تُسْتَمَدُّ قَاعِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْأُمُورَ الضَّرُورِيَّةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَاجِيَّةِ أَوِ التَّكْمِيلِيَّةِ إِذَا اكْتَنَفَتْهَا مِنْ خَارِجٍ أُمُورٌ لَا تُرْضَى شَرْعًا، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ التَّحَفُّظِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ٥، كَالنِّكَاحِ الَّذِي يَلْزَمُهُ طَلَبُ قُوتِ العيال مع ضيق طرق الحلال

стр. 2491

وَاتِّسَاعِ أَوْجُهِ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَكَثِيرًا مَا يُلْجِئُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الِاكْتِسَابِ لَهُمْ بِمَا لَا يجوز، ولكنه١ غير مانع لما يؤول إِلَيْهِ التَّحَرُّزُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الْمُرْبِيَةِ٢ عَلَى تَوَقُّعِ مَفْسَدَةِ التَّعَرُّضِ، وَلَوِ اعْتُبِرَ مِثْلُ هَذَا فِي النِّكَاحِ فِي مِثْلِ زَمَانِنَا، لَأَدَّى إِلَى إِبْطَالِ أَصْلِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَكَذَلِكَ طَلَبُ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ فِي طَرِيقِهِ مَنَاكِرُ يَسْمَعُهَا وَيَرَاهَا، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ وَإِقَامَةُ وَظَائِفَ شَرْعِيَّةٍ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِقَامَتِهَا إِلَّا بِمُشَاهَدَةِ مَا لَا يُرْتَضَى، فَلَا يُخْرِجُ هَذَا الْعَارِضُ تِلْكَ الْأُمُورَ عَنْ أُصُولِهَا؛ لِأَنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ وَقَوَاعِدُ الْمَصَالِحِ وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمهما٣ حَقَّ الْفَهْمِ، فَإِنَّهَا مَثَارُ اخْتِلَافٍ وَتَنَازُعٍ، وَمَا يُنْقَلُ٤ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَضَايَا أَعْيَانٌ لَا حُجَّةَ فِي مُجَرَّدِهَا حَتَّى يُعْقَلَ مَعْنَاهَا، فَتَصِيرَ إِلَى مُوَافَقَةِ مَا تَقَرَّرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ مَآلَاتِ الْأَعْمَالِ، فَاعْتِبَارُهَا لَازِمٌ فِي كُلِّ حكم على الإطلاق، والله أعلم.

стр. 2492

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَحَالِّ الْخِلَافِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَمْ يَقَعْ هُنَالِكَ تَفْصِيلٌ، وَقَدْ أَلَّفَ ابْنُ السَّيِّدِ كِتَابًا١ فِي أَسْبَابِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، وَحَصَرَهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: الِاشْتِرَاكُ الْوَاقِعُ فِي الْأَلْفَاظِ، وَاحْتِمَالُهَا لِلتَّأْوِيلَاتِ، وَجَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: اشْتِرَاكٌ فِي مَوْضُوعِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ٢ كَالْقُرْءِ وَأَوْ٣ فِي آيَةِ الحرابة. واشتراك في أحواله العارضة في التصريف، نَحْوَ: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ ٤ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] .

стр. 2493

وَاشْتِرَاكٌ مِنْ قِبَلِ التَّرْكِيبِ، نَحْوَ: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ ١ [فَاطِرٍ: ١٠] . ﴿وَمَا قَتَلُوهُ٢ يَقِينًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٧] . وَالثَّانِي دَوَرَانُ اللَّفْظِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَجَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مَا يَرْجِعُ إِلَى اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، نَحْوَ حديث النزول٣، ﴿اللَّهُ نُورُ

стр. 2494

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١ [النور: ٣٥] .

стр. 2495

وَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَحْوَالِهِ، نَحْوَ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ١ [سَبَأٍ: ٣٣] وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْخِلَافِ.

стр. 2496

وَمَا يَرْجِعُ إِلَى جِهَةِ التَّرْكِيبِ، كَإِيرَادِ الْمُمْتَنِعِ بصورة الممكن١، ومنه:

стр. 2497

"لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ" الْحَدِيثَ١، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا٢ يُورَدُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ بِصُورَةِ غَيْرِهِ، كَالْأَمْرِ بِصُورَةِ الْخَبَرِ وَالْمَدْحِ بِصُورَةِ الذَّمِّ، وَالتَّكْثِيرِ بِصُورَةِ التَّقْلِيلِ، وَعَكْسُهَا. وَالثَّالِثُ: دَوَرَانُ الدَّلِيلِ بَيْنَ الِاسْتِقْلَالِ بِالْحُكْمِ وَعَدَمِهِ كَحَدِيثِ٣ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شبرمة في مسألة البيع والشرط٤،

стр. 2498

وَكَمَسْأَلَةِ١ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ وَالِاكْتِسَابِ. وَالرَّابِعُ: دَوَرَانُهُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، نَحْوَ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي٢ الدِّين﴾ [البقرة: ٢٥٦] .

стр. 2499

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ [الْبَقَرَةِ: ٣١] . وَالْخَامِسُ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ، وَلَهُ ثَمَانِي عِلَلٍ قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا٢. وَالسَّادِسُ: جِهَاتُ٣ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ. وَالسَّابِعُ: دَعْوَى النسخ وعدمه٤.

стр. 2500

وَالثَّامِنُ: وُرُودُ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوهٍ تَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ وَغَيْرَهَا كَالِاخْتِلَافِ فِي الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَوُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ١. هَذِهِ تَرَاجِمُ مَا أَوْرَدَ ابْنُ السَّيِّدِ فِي كِتَابِهِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّفْصِيلَ فَعَلَيْهِ بِهِ، وَلَكِنْ إِذَا عُرِضَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَبَيَّنَ بِهِ تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فيها، وبالله التوفيق.

стр. 2501

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: مِنَ الْخِلَافِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنَ الْأَقْوَالِ خَطَأً مُخَالِفًا لِمَقْطُوعٍ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْخِلَافَ وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَتَجِدُ الْمُفَسِّرِينَ يَنْقُلُونَ عَنِ السَّلَفِ فِي مَعَانِي أَلْفَاظِ الْكِتَابِ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِي الظَّاهِرِ، فَإِذَا اعْتَبَرْتَهَا وَجَدْتَهَا تَتَلَاقَى١ عَلَى الْعِبَارَةِ كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَالْأَقْوَالِ إِذَا أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهَا وَالْقَوْلُ بِجَمِيعِهَا مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِمَقْصِدِ الْقَائِلِ، فَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا عَنْهُ، وَهَكَذَا يُتَّفَقُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوَى الْأَئِمَّةِ وَكَلَامِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَجِبُ تَحْقِيقُهُ، فَإِنَّ نَقْلَ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةٍ لَا خِلَافَ فِيهَا فِي الْحَقِيقَةِ خَطَأٌ، كَمَا أَنَّ نَقْلَ الْوِفَاقِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ لَا يَصِحُّ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلِنَقْلِ الْخِلَافِ هنا٢ أسباب:

стр. 2502

أَحَدُهَا: أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَيَكُونَ ذَلِكَ الْمَنْقُولُ بَعْضَ مَا يَشْمَلُهُ اللَّفْظُ، ثُمَّ يَذْكُرَ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَائِلُ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِمَّا يَشْمَلُهُ اللَّفْظُ أَيْضًا، فَيَنُصُّهُمَا الْمُفَسِّرُونَ عَلَى نَصِّهِمَا، فَيُظَنُّ أَنَّهُ خِلَافٌ، كَمَا نَقَلُوا فِي الْمَنِّ أَنَّهُ خُبْزُ رُقَاقٍ، وَقِيلَ: زَنْجَبِيلٌ، وَقِيلَ: التَّرَنْجَبِينُ وَقِيلَ: شَرَابٌ مَزَجُوهُ بِالْمَاءِ، فَهَذَا كُلُّهُ يَشْمَلُهُ١ اللَّفْظُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ"٢، فَيَكُونُ الْمَنُّ جُمْلَةَ نِعَمٍ، ذَكَرَ النَّاسُ مِنْهَا آحَادًا. وَالثَّانِي: أَنْ يُذْكَرَ فِي النَّقْلِ أَشْيَاءُ تَتَّفِقُ فِي الْمَعْنَى بِحَيْثُ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَكُونُ التَّفْسِيرُ فِيهَا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَيُوهِمُ نَقْلُهَا عَلَى اخْتِلَافِ اللَّفْظِ أَنَّهُ خِلَافٌ مُحَقَّقٌ، كَمَا قَالُوا فِي السَّلْوَى إِنَّهُ طَيْرٌ يُشْبِهُ السِّمَانِيَّ وَقِيلَ: طَيْرٌ أَحْمَرُ صِفَتُهُ كَذَا، وَقِيلَ: طَيْرٌ بِالْهِنْدِ أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْمَنِّ: شَيْءٌ يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ فَيُؤْكَلُ وَقِيلَ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ، وَقِيلَ: التَّرَنْجَبِينُ وَقِيلَ: مِثْلُ رُبٍّ غَلِيظٍ وَقِيلَ: عَسَلٌ جَامِدٌ، فَمِثْلُ هَذَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فِيهَا٣.

стр. 2503

وَالثَّالِثُ: أَنْ يُذْكَرَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ عَلَى تَفْسِيرِ اللُّغَةِ، وَيُذْكَرَ الْآخَرُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَ تَقْرِيرِ الْإِعْرَابِ١ وَتَفْسِيرِ الْمَعْنَى، وَهُمَا مَعًا يَرْجِعَانِ إِلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ اللُّغَوِيَّ رَاجِعٌ إِلَى تَقْرِيرِ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَالْآخَرَ٢ رَاجِعٌ إِلَى تَقْرِيرِ الْمَعْنَى فِي الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِين﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٧٣] ، أَيِ: الْمُسَافِرِينَ، وَقِيلَ: النَّازِلِينَ بِالْأَرْضِ الْقِوَاءِ وَهِيَ الْقَفْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] ، أَيْ: دَاهِيَةٌ تَفْجَؤُهُمْ٣، وَقِيلَ: سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْبَاهُ ذلك.

стр. 2504

والرابع: أن لا يَتَوَارَدَ الْخِلَافُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، كَاخْتِلَافِهِمْ١ فِي أن المفهوم له عموم أولا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَخْتَلِفُ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ٢ أَنَّهُ عَامٌّ فِيمَا سِوَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَالَّذِينَ نَفَوُا الْعُمُومَ أَرَادُوا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَيْضًا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ، عَلَى هَذَا السَّبِيلِ فَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، وَيُنْقَلُ فِيهَا الْأَقْوَالُ [على] ٣ عَلَى أَنَّهَا خِلَافٌ. وَالْخَامِسُ: يَخْتَصُّ بِالْآحَادِ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِهِمْ، كَاخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِمَامِ الْوَاحِدِ، بِنَاءً عَلَى تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ وَالرُّجُوعِ عَمَّا أفتى به إلى خلافه،

стр. 2505

فَمِثْلُ هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ خِلَافًا فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَ الْإِمَامِ عَنِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي اطِّرَاحٌ مِنْهُ لِلْأَوَّلِ وَنَسْخٌ لَهُ بِالثَّانِي، وَفِي هَذَا مِنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَنَازُعٌ، وَالْحَقُّ فِيهِ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا١، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَصِحُّ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ عَلَى أَعَمِّ مِمَّا ذُكِرَ كَأَنْ يَخْتِلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، كَمَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٢ فِي الْمُتْعَةِ وَرِبَا الْفَضْلِ، وَكَرُجُوعِ٣ الْأَنْصَارِ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَى مِثْلُ هَذَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. وَالسَّادِسُ: أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْعَمَلِ لَا فِي الْحُكْمِ، كَاخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي وُجُوهِ القراءات، فإنهم لم يقرؤوا به على إنكار غيره، بل على

стр. 2506

إِجَازَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِصِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الِاخْتِيَارَاتِ، وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِاخْتِلَافٍ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّاتِ عَلَى الصِّحَّةِ مِنْهَا لَا يَخْتَلِفُونَ١ فِيهَا. وَالسَّابِعُ: أَنْ يَقَعَ تَفْسِيرُ الْآيَةِ أَوِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُفَسِّرِ الْوَاحِدِ عَلَى أَوْجَهٍ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَيَبْنِي عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ خِلَافًا فِي التَّرْجِيحِ، بَلْ عَلَى تَوْسِيعِ الْمَعَانِي خَاصَّةً، فَهَذَا لَيْسَ بمستقر خلافً؛ إِذِ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْتِزَامِ كُلِّ قَائِلٍ احْتِمَالًا يُعَضِّدُهُ بِدَلِيلٍ يُرَجِّحُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ حَتَّى يَبْنِيَ عَلَيْهِ [دُونَ غَيْرِهِ] ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا. وَالثَّامِنُ: أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ فِي تَنْزِيلِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ، فَيَحْمِلُهُ قَوْمٌ عَلَى الْمَجَازِ مَثَلًا وَقَوْمٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَطْلُوبُ أَمْرٌ وَاحِدٌ٢، كَمَا يَقَعُ لِأَرْبَابِ التَّفْسِيرِ كَثِيرًا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي﴾ [يُونُسَ: ٣١] ، فَمِنْهُمْ مَنْ يحمل الحيات وَالْمَوْتَ عَلَى حَقَائِقِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُمَا عَلَى الْمَجَازِ، وَلَا فَرْقَ فِي تَحْصِيلِ الْمَعْنَى بَيْنَهُمَا، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وَظَاهِرٌ لَهَا من يابس الشخت وبائس الشخت وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ ٣، وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ٤ فِيهِ: إِنَّ "بَائِسَ" وَ"يَابِسَ" وَاحِدٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم﴾ [القلم: ٢٠] ،

стр. 2507

فَقِيلَ: كَالنَّهَارِ بَيْضَاءَ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَقِيلَ: كَاللَّيْلِ سَوْدَاءَ لَا شَيْءَ فِيهَا، فَالْمَقْصُودُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَإِنْ شُبِّهَ بِالْمُتَضَادَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَتَلَاقَيَانِ. وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ فِي التَّأْوِيلِ١ وَصَرْفِ الظَّاهِرِ عَنْ مُقْتَضَاهُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ، فَإِنَّ مَقْصُودَ كُلِّ مُتَأَوِّلٍ الصَّرْفُ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ إِلَى وَجْهٍ يَتَلَاقَى مَعَ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلتَّأْوِيلِ٢، وَجَمِيعُ التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا فِي الظَّوَاهِرِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ، وَتَقَعُ فِي غَيْرِهَا كَثِيرًا أَيْضًا، كَتَأْوِيلَاتِهِمْ٣ فِي حَدِيثِ٤ خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِنَاءً عَلَى رَأْيِ٥ مَالِكٍ فيه، وأشباه ذلك.

стр. 2508

وَالْعَاشِرُ: الْخِلَافُ فِي مُجَرَّدِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ مُتَّحِدٌّ١ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْخَبَرِ: هَلْ هُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى صِدْقٍ وَكَذِبٍ خَاصَّةً، أَمْ ثَمَّ قِسْمٌ ثَالِثٌ لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ؟ فَهَذَا خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ٢، وَالْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٣، وَكَذَلِكَ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ يَتَعَلَّقُ النَّظَرُ فِيهِمَا مَعَ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى مُرَادِهِمْ فِيهِمَا. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ٤ فِي مَسْأَلَةِ "الْوِتْرِ أَوَاجِبٌ هُوَ؟ ": "إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّ تَرْكَهُ حَرَامٌ يُجَرَّحُ فَاعِلُهُ بِهِ، فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي مَعْنًى يَصِحُّ أَنْ تَتَنَاوَلَهُ الْأَدِلَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ٥، وَقَالُوا: لَا يَحْرُمُ٦ تَرْكُهُ وَلَا يجرح فاعله، فوصفه

стр. 2509

بِأَنَّهُ وَاجِبٌ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِ". وَمَا قَالَهُ حَقٌّ، فَإِنَّ الْعِبَارَاتِ لَا مُشَاحَّةَ فِيهَا، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا حُكْمٌ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْخِلَافِ فِيهَا. هَذِهِ عَشَرَةُ أَسْبَابٍ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْخِلَافِ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَالٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِ، لِيَقِيسَ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا، فَلَا يَتَسَاهَلُ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى مُخَالَفَةِ١ الْإِجْمَاعِ. فَصْلٌ: وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ مَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْخِلَافِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ يَرْجِعُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْوِفَاقِ١ أَيْضًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ كَمَا تَبَيَّنَ قَبْلَ هَذَا، وَالِاخْتِلَافُ فِي مَسَائِلِهَا رَاجِعٌ إِلَى دَوَرَانِهَا بَيْنَ طَرَفَيْنِ وَاضِحَيْنِ أَيْضًا يَتَعَارَضَانِ فِي أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِلَى خَفَاءِ بَعْضِ الأدلة وعدم الإطلاع عليه.

стр. 2510

أَمَّا هَذَا الثَّانِي، فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلَافًا؛ إِذْ لَوْ فَرَضْنَا اطِّلَاعَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى مَا خَفِيَ عَلَيْهِ لَرَجَعَ١ عَنْ قَوْلِهِ، فَلِذَلِكَ يُنْقَضُ لِأَجْلِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي. أَمَّا الْأَوَّلُ، فَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَحَرٍّ٢ لِقَصْدِ الشَّارِعِ الْمُسْتَبْهَمِ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَاتِّبَاعٌ لِلدَّلِيلِ الْمُرْشِدِ إِلَى تَعَرُّفِ قَصْدِهِ، وَقَدْ تَوَافَقُوا فِي هَذَيْنِ الْقَصْدَيْنِ تَوَافُقًا لَوْ ظَهَرَ مَعَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خِلَافُ مَا رَآهُ لَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَلَوَافَقَ صَاحِبَهُ فِيهِ، فَقَدْ صَارَ هَذَا الْقِسْمُ فِي الْمَعْنَى رَاجِعًا إِلَى الْقِسْمِ الثَّانِي٣، فَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُجُوعُ الْمُجْتَهِدِ عَمَّا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ بِغَيْرِ بَيَانٍ اتِّفَاقًا، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَقُلْنَا بالتخطئة أم قلنا بالتصويب، إذا لا يصح للمجتهد أن يعمل على

стр. 2511

قَوْلِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُخْطِئًا، فَالْإِصَابَةُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَوِّبَةِ إِضَافِيَّةٌ١، فَرَجَعَ الْقَوْلَانِ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَّفِقُونَ لَا مُخْتَلِفُونَ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُوَالَاةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّعَاطُفِ فِيمَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ٢، حَتَّى لَمْ يَصِيرُوا شِيَعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فِرَقًا؛ لِأَنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى طَلَبِ قَصْدِ الشَّارِعِ، فَاخْتِلَافُ الطُّرُقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، كَمَا لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُتَعَبِّدِينَ لِلَّهِ بِالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، كَرَجُلٍ تَقَرُّبُهُ الصَّلَاةُ، وَآخَرَ تَقَرُّبُهُ الصِّيَامُ، وَآخَرَ تَقَرُّبُهُ الصَّدَقَةُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَصْلِ التَّوَجُّهِ لِلَّهِ الْمَعْبُودِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَصْنَافِ التَّوَجُّهِ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُونَ لَمَّا كَانَ قَصْدُهُمْ إِصَابَةَ مَقْصِدِ الشَّارِعِ صَارَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً وَقَوْلُهُمْ وَاحِدًا، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ لَهُمْ وَلَا لِمَنْ قَلَّدَهُمُ التَّعَبُّدُ بِالْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ٣؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِهَا رَاجِعٌ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى، لَا إِلَى تَحَرِّي مَقْصِدِ الشَّارِعِ، وَالْأَقْوَالُ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ لِأَنْفُسِهَا، بَلْ لِيُتَعَرَّفَ مِنْهَا الْمَقْصِدُ الْمُتَّحِدُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّعَبُّدُ مُتَّحِدَ الْوُجْهَةِ، وإلا، لم يصح، والله أعلم.

стр. 2512

فَصْلٌ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ -الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلَافٌ١ - نَاشِئٌ عَنِ الْهَوَى الْمُضِلِّ٢، لَا عَنْ تَحَرِّي قَصْدِ الشَّارِعِ بِاتِّبَاعِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، وَهُوَ الصَّادِرُ عَنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَإِذَا دَخَلَ الْهَوَى أَدَّى إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ حِرْصًا عَلَى الْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ بِإِقَامَةِ الْعُذْرِ فِي الْخِلَافِ، وَأَدَّى إِلَى الْفُرْقَةِ وَالتَّقَاطُعِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، لِاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَعَدَمِ اتِّفَاقِهَا، وَإِنَّمَا جَاءَ الشَّرْعُ بِحَسْمِ مَادَّةِ الْهَوَى بِإِطْلَاقٍ٣، وَإِذَا صَارَ الْهَوَى بَعْضَ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ لَمْ يُنْتَجْ إِلَّا مَا فِيهِ اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَذَلِكَ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ، وَمُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لَيْسَتْ مِنَ الشَّرْعِ فِي شَيْءٍ، فَاتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ حَيْثُ يُظَنُّ أَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلشَّرْعِ، ضَلَالٌ فِي الشَّرْعِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْبِدَعُ ضَلَالَاتٍ، وَجَاءَ: "إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" ٤؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا مُخْطِئٌ مِنْ حَيْثُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مُصِيبٌ، وَدُخُولُ الْأَهْوَاءِ فِي الْأَعْمَالِ خَفِيٌّ٥، فَأَقْوَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا فِي الْخِلَافِ الْمُقَرَّرِ فِي الشَّرْعِ، فَلَا خِلَافَ٦ حِينَئِذٍ فِي مَسَائِلِ الشَّرْعِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اعْتَدُّوا بِهَا فِي الْخِلَافِ الشَّرْعِيِّ، وَنَقَلُوا أَقْوَالَهُمْ فِي عِلْمَيِ الْأُصُولِ، وفرعوا عليها الفروع، واعتبروهم في

стр. 2513

الْإِجْمَاعِ [وَالِاخْتِلَافِ] ، وَهَذَا هُوَ الِاعْتِدَادُ بِأَقْوَالِهِمْ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمُ اعْتَدُّوا بِهَا، بَلْ إِنَّمَا أَتَوْا بِهَا لِيَرُدُّوهَا وَيُبَيِّنُوا فَسَادَهَا، كَمَا أَتَوْا بِأَقْوَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ لِيُوَضِّحُوا مَا فِيهَا، وَذَلِكَ فِي عِلْمَيِ الْأُصُولِ مَعًا بَيِّنٌ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا١ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي: إِذَا سَلِمَ اعْتِدَادُهُمْ بِهَا، فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لِلْهَوَى بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا الْمُتَّبِعُ لِلْهَوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالشَّرِيعَةِ رَأْسًا، وَأَمَّا مَنْ صَدَّقَ بِهَا وَبَلَغَ فِيهَا مَبْلَغًا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ إِلَّا مُقْتَضَى الدَّلِيلِ يَصِيرُ إِلَى حَيْثُ أَصَارَهُ، فَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ، وَلَكِنْ بِحَيْثُ يُزَاحِمُهُ الْهَوَى فِي مَطَالِبِهِ مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ، فَشَارَكَ أَهْلَ الْهَوَى فِي دُخُولِ الْهَوَى فِي نِحْلَتِهِ، وَشَارَكَ أَهْلَ الْحَقِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَأَيْضًا، فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُمُ اتِّحَادُ الْقَصْدِ عَلَى الْجُمْلَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَقِّ فِي مَطْلَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ، وَأَشَدُّ مَسَائِلِ الْخِلَافِ مَثَلًا مَسْأَلَةُ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ حَيْثُ نَفَاهَا مَنْ نَفَاهَا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْفَرِيقَيْنِ وَجَدْنَا كُلَّ فَرِيقٍ حَائِمًا حَوْلَ حِمَى التَّنْزِيهِ وَنَفْيِ النَّقَائِصِ وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْأَدِلَّةِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي الطَّرِيقِ قَدْ لَا يُخِلُّ بِهَذَا الْقَصْدِ فِي الطَّرَفَيْنِ مَعًا٢، وَهَكَذَا إِذَا اعْتُبِرَتْ سَائِرُ الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ. وَإِلَى هَذَا٣، فَإِنَّ مِنْهَا مَا يَشْكُلُ وُرُودُهُ وَيَعْظُمُ خَطْبُ الْخَوْضِ فِيهِ، وَلِهَذَا

стр. 2514

لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الشَّارِعِ خُرُوجُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ بِدَعِهِمْ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا فِي غِمَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتَسَمُوا فِي مَرَاسِمِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْحَالِ، وَكَانَ الشَّارِعُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ قَدْ أَشَارَ إِلَى عَدَمِ تَعْيِينِهِمْ، وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا إِلَّا بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِهِمْ، وَمَدَارِكُ الِاجْتِهَادِ تَخْتَلِفُ، لَمْ يُمْكِنْ١ وَالْحَالُ هَذِهِ إِلَّا حِكَايَةُ أَقْوَالِهِمْ، وَالِاعْتِدَادُ بِتَسْطِيرِهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا، وَاعْتِبَارُهُمْ فِي الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ لِيَسْتَمِرَّ النَّظَرُ فِيهِ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى عَدَمِ الضَّبْطِ٢، وَلِهَذَا تَقْرِيرٌ٣ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ، نُقِلَ خِلَافُهُمْ. وَفِي الْحَقِيقَةِ، فَمِنْ جِهَةِ مَا اتَّفَقُوا فِيهِ مَعَ أَهْلِ الْحَقِّ حَصَلَ التَّآلُفُ، وَمِنْ جِهَةِ مَا اخْتَلَفُوا حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَجِهَةُ الِائْتِلَافِ لَا خِلَافَ فِيهَا فِي الْحَقِيقَةِ لِصِحَّتِهَا وَاتِّحَادِ حُكْمِهَا، وَجِهَةُ الِاخْتِلَافِ هُمْ٤ مُخْطِئُونَ فِيهَا قَطْعًا، فَصَارَتْ أَقْوَالُهُمْ زَلَّاتٍ لَا اعتبار بها في الخلاف، فالاتفاق حاصل إذن عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. فَالْحَاصِلُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ مُتَّحِدَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لِبُسِطَ هَذَا الْمَوْضِعُ بِأَدِلَّتِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَأَمْثِلَتِهِ الشَّافِيَةِ، وَلَكِنْ مَا ذُكِرَ فِيهَا كافٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

стр. 2515

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَرَّ الْكَلَامُ فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ مِنَ الْعُلُومِ، وَأَنَّهُ إِذَا حَصَّلَهَا، فَلَهُ الِاجْتِهَادُ بِالْإِطْلَاقِ. وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ فِيهَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالِاجْتِهَادِ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ إِذَا اسْتَمَرَّ فِي طَلَبِهِ مَرَّتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَنَبَّهَ عَقْلُهُ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا حَفِظَ وَالْبَحْثِ عَنْ أَسْبَابِهِ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ هَذَا عَنْ شُعُورٍ بِمَعْنَى١ مَا حَصَّلَ، لَكِنَّهُ مُجْمَلٌ بَعْدُ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ٢ لَهُ فِي بَعْضِ أَطْرَافِ الْمَسَائِلِ جُزْئِيًّا لَا كُلِّيًّا، وَرُبَّمَا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، فَهُوَ يُنْهِي الْبَحْثَ نِهَايَتَهُ وَمُعَلِّمُهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُعِينُهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فِي تِلْكَ الرُّتْبَةِ، وَيَرْفَعُ عَنْهُ أَوْهَامًا وَإِشْكَالَاتٍ تَعْرِضُ لَهُ فِي طَرِيقِهِ، يَهْدِيهِ إِلَى مَوَاقِعِ إِزَالَتِهَا [وَيُطَارِحُهُ] فِي الْجَرَيَانِ عَلَى مَجْرَاهُ، مُثَبِّتًا قَدَمَهُ، وَرَافِعًا وَحْشَتَهُ، وَمُؤَدِّبًا لَهُ حَتَّى يَتَسَنَّى لَهُ النَّظَرُ وَالْبَحْثُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. فَهَذَا الطَّالِبُ٣ حِينَ بَقَائِهِ هُنَا، يُنَازِعُ الْمَوَارِدَ الشَّرْعِيَّةَ وَتُنَازِعُهُ، وَيُعَارِضُهَا وَتُعَارِضُهُ، طَمَعًا فِي إِدْرَاكِ أُصُولِهَا وَالِاتِّصَالِ بِحِكَمِهَا وَمَقَاصِدِهَا، وَلَمْ تَتَلَخَّصْ لَهُ بَعْدُ، لَا يَصِحُّ٤ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ فِيمَا هُوَ ناظر فيه؛ لأنه لم يتخلص له مسند٤ الِاجْتِهَادِ، وَلَا هُوَ مِنْهُ عَلَى بَيِّنَةٍ بِحَيْثُ يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ بِمَا يَجْتَهِدُ فِيهِ، فَاللَّازِمُ لَهُ الكف والتقليد.

стр. 2516

وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَهِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى تَحْقِيقِ١ مَعْنَى مَا حَصَلَ عَلَى حَسَبِ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ الْبُرْهَانُ الشَّرْعِيُّ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ الْيَقِينُ وَلَا يُعَارِضُهُ شَكٌّ، بَلْ تَصِيرُ الشُّكُوكُ -إِذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ- كَالْبَرَاهِينِ٢ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا فِي يَدَيْهِ، فَهُوَ يَتَعَجَّبُ٣ مِنَ الْمُتَشَكِّكِ فِي مَحْصُولِهِ كَمَا يَتَعَجَّبُ مِنْ ذِي عَيْنَيْنِ لَا يَرَى ضَوْءَ النَّهَارِ لَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ بِهِ٤ الْحَالُ إِلَى أَنْ زَلَّ مَحْفُوظُهُ٥ عَنْ حِفْظِهِ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ، فَلَا يُبَالِي فِي الْقَطْعِ عَلَى الْمَسَائِلِ، أَنُصَّ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى خِلَافِهَا أَمْ لَا. فَإِذَا حَصَلَ الطَّالِبُ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ٦، فَهَلْ يَصِحُّ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ لَا؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَالْتِبَاسٍ، ومما يقع فيه الخلاف.

стр. 2517

وَلِلْمُحْتَجِّ لِلْجَوَازِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ إِذَا كَانَ هَذَا الطَّالِبُ قَدْ صَارَ لَهُ أَوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ، وَتَبَيَّنَتْ لَهُ مَعَانِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى الْتَأَمَتْ وَصَارَ١ بَعْضُهَا عَاضِدًا لِلْبَعْضِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ بِحَقَائِقِهَا مَطْلَبٌ٢، فَالَّذِي حَصَلَ عِنْدَهُ هُوَ كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ، وَعُمْدَةُ النِّحْلَةِ، وَمَنْبَعُ التَّكْلِيفِ، فَلَا عَلَيْهِ أَنَظَرَ فِي خُصُوصِيَّاتِهَا الْمَنْصُوصَةِ٣ أَوْ مَسَائِلِهَا الْجُزْئِيَّةِ أَمْ لَا؛ إِذْ لَا يَزِيدُهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ وَاصِلًا بَعْدُ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ وَاصِلًا، هَذَا خَلْفٌ. وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَالْمَنْصُوصَاتِ إِنَّمَا مَقْصُودُهُ التَّوَصُّلُ إِلَى ذَلِكَ٤ الْمَطْلُوبِ الْكُلِّيِّ الشَّرْعِيِّ، حَتَّى يَبْنِيَ عَلَيْهِ فُتْيَاهُ وَيَرُدَّ إِلَيْهِ حُكْمَ اجْتِهَادِهِ، فَإِذَا كَانَ حَاصِلًا، فَالتَّنَزُّلُ إِلَى الْجُزْئِيَّاتِ طَلَبٌ لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ٥، وَهُوَ أَنَّ كُلِّيَّ الْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ إِنَّمَا انْتَظَمَ لَهُ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَالْخُصُوصِيَّاتِ وَبِمَعَانِيهَا تَرْقَى إِلَى مَا ترقى إليه، فإن تكن في الحال

стр. 2518

غَيْرَ حَاكِمَةٍ عِنْدَهُ لِاسْتِيلَاءِ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ، فَهِيَ حَاكِمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْكُلِّيَّ مِنْهَا انْتَظَمَ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا تَجِدُ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ يَقْطَعُ بِالْحُكْمِ بِأَمْرٍ إِلَّا وَقَامَتْ١ لَهُ الْأَدِلَّةُ الْجُزْئِيَّةُ عَاضِدَةً وَنَاصِرَةً، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تُعَضِّدْهُ وَلَا نَصَرَتْهُ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ٢ مُتَمَكِّنٌ جِدًّا مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَوْجُهٍ: - مِنْهَا: أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ إِذَا فَاجَأَتْهُ حَقَائِقُهَا، وَتَعَاضَدَتْ مَرَامِيهَا، وَاتَّصَلَ لَهُ بِالْبُرْهَانِ مَا كَانَ مِنْهَا عِنْدَهُ مَقْطُوعًا حَتَّى صَارَتِ الشَّرِيعَةُ فِي حَقِّهِ أَمْرًا مُتَّحِدًا وَمَسْلَكًا مُنْتَظِمًا، لَا يَزِلُّ عَنْهُ مِنْ مَوَارِدِهَا فَرْدٌ، وَلَا يَشِذُّ لَهُ عَنِ الِاعْتِبَارِ مِنْهَا خَاصٌّ إِلَّا٣ وَهُوَ مَأْخُوذٌ بِطَرَفٍ لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهِ عَنْ طَرَفٍ آخَرَ لَا بُدَّ أَيْضًا مِنِ اعْتِبَارِهِ؛ إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ الْأَدِلَّةِ أَنَّ اعْتِبَارَ الْكُلِّيِّ مَعَ اطِّرَاحِ الْجُزْئِيِّ خَطَأٌ كَمَا فِي الْعَكْسِ، وَإِذَا كَانَ٤ كَذَلِكَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ أَنْ يَتَرَقَّى إِلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ حَتَّى يُكْمِلَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْمِيلِهِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ لِلْخُصُوصِيَّاتِ٥ خَوَاصَّ يَلِيقُ بِكُلِّ مَحَلٍّ مِنْهَا ما لا يليق بمحل

стр. 2519

آخَرَ كَمَا فِي النِّكَاحِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْمُعَاوَضَاتِ١ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَسُوغُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْهِبَاتِ وَالنِّحَلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَمَا فِي مَالِ الْعَبْدِ٢، وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالْعَرَايَا، وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، بَلْ لِكُلِّ بَابٍ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَلِكُلِّ خَاصٍّ خَاصِّيَّةٌ تَلِيقُ بِهِ لَا تَلِيقُ بِغَيْرِهِ، وَكَمَا فِي التَّرَخُّصَاتِ٣ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ. وَإِذَا٤ كَانَ كَذَلِكَ -وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْجَمِيعَ يَرْجِعُ مَثَلًا إِلَى حِفْظِ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّاتِ وَالتَّكْمِيلِيَّاتِ-، فَتَنْزِيلُ٥ حِفْظِهَا فِي كُلِّ مَحَلٍّ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يُمْكِنُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ خُصُوصِيَّاتِ الْأَحْوَالِ وَالْأَبْوَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ الْجُزْئِيَّةِ فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ الْخُصُوصِيَّاتُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ الْحُكْمِيِّ، لَا فِي حُكْمِ الْمَقْصُودِ الْعَيْنِيِّ بِحَسَبِ كُلِّ نَازِلَةٍ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ جَرَيَانُ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ، وَأَنَّهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ؟ هَذَا لَا يَسْتَمِرُّ مَعَ الْحِفْظِ عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ يَلْزَمُهَا إِذَا٦ لَمْ يَعْتَبِرِ الْخُصُوصِيَّاتِ أَلَّا يَعْتَبِرَ مَحَالَّهَا٧ وَهِيَ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ، بَلْ كَمَا يُجْرِي الْكُلِّيَّاتِ فِي كل جزئية على

стр. 2520

الْإِطْلَاقِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجْرِيَهَا فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِخُصُوصِيَّاتِهِمْ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ كَذَلِكَ عَلَى مَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْفَهْمُ فِي مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ هَذَا١ إِلَّا اعْتِبَارُ خُصُوصِيَّاتِ الْأَدِلَّةِ، فَصَاحِبُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ لَا يُمْكِنُهُ التَّنَزُّلُ إِلَى مَا٢ تَقْتَضِيهِ رُتْبَةُ الْمُجْتَهِدِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لِكُلِّ احْتِمَالٍ مَأْخَذًا، كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْحَقِيقِيِّ فِيهَا بَاقِيَةَ الْإِشْكَالِ٣. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَذْهَبُ مَنْ نَفَى الْقِيَاسَ جُمْلَةً وَأَخَذَ بِالنُّصُوصِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَذْهَبُ مَنْ أَعْمَلَ الْقِيَاسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ جُمْلَةً، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ غَاصَ بِهِ الْفِكْرُ فِي مَنْحًى شَرْعِيٍّ مُطْلَقٍ عَامٍّ اطَّرَدَ لَهُ٤ فِي جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ اطِّرَادًا لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ فِي الشَّرِيعَةِ نَقْصٌ٥ وَلَا تَقْصِيرٌ، بَلْ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ [المائدة: ٣] .

стр. 2521

فَصَاحِبُ الرَّأْيِ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ أَدِلَّتُهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، فَكُلُّ فَرْدٍ جَاءَ مُخَالِفًا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ شَرْعًا؛ إِذْ قَدْ شَهِدَ الِاسْتِقْرَاءُ بِمَا يُعْتَبَرُ١ مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ عَامٍّ، فَهَذَا الْخَاصُّ الْمُخَالِفُ يَجِبُ رَدُّهُ وَإِعْمَالُ مُقْتَضَى الْكُلِّيِّ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ قَطْعِيٌّ، وَدَلِيلَ الْخَاصِّ ظَنِّيٌّ فَلَا يَتَعَارَضَانِ. وَالظَّاهِرِيُّ يَقُولُ: الشَّرِيعَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ لِابْتِلَاءِ الْمُكَلَّفِينَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَمَصَالِحُهُمْ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ مَا أَجْرَاهَا الشَّارِعُ، لَا عَلَى حَسَبِ أَنْظَارِهِمْ٢، فَنَحْنُ مِنَ اتِّبَاعِ مُقْتَضَى النُّصُوصِ عَلَى يَقِينٍ فِي الْإِصَابَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِذَلِكَ وَاتِّبَاعُ الْمَعَانِي رَأْيٌ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ النُّصُوصَ مِنْهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ مُخَالِفٌ لِعَامِّ الشَّرِيعَةِ، وَالْخَاصُّ الظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْعَامَّ الْقَطْعِيَّ. فَأَصْحَابُ الرَّأْيِ جَرَّدُوا الْمَعَانِيَ٣، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ الْأَلْفَاظِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ جَرَّدُوا مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، فَنَظَرُوا فِي الشَّرِيعَةِ بِهَا، وَاطَّرَحُوا خُصُوصِيَّاتِ الْمَعَانِي الْقِيَاسِيَّةِ، وَلَمْ تَتَنَزَّلْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْفِرْقَتَيْنِ٤ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا نَظَرَتْ فِيهِ الْأُخْرَى بِنَاءً عَلَى كُلِّيِّ مَا اعْتَمَدَتْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ.

стр. 2522

وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى هَذَا الْقَبِيلِ١ مَا خَرَّجَ ثَابِتٌ فِي "الدَّلَائِلِ" عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: "وَجَدْتُ فِي كِتَابِ جَدِّي: "أَتَيْتُ مَكَّةَ، فَأَصَبْتُ بِهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ، فَأَتَيْتُ أبا حنفية فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ شَرْطًا قَالَ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ. وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ يَخْتَلِفُونَ عَلَيْنَا فِي مَسْأَلَةٍ! فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ٢، فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اشْتَرِي بَرِيرَةَ وَاشْتَرِطِي ٣ لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ" ٤، فَأَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ. فَأَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا قَالَاهُ٥، حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً٦ فَشَرَطْتُ حُمْلَانِي، فَأَجَازَ البيع والشرط"٧ اهـ.

стр. 2523

فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اعْتَمَدَ١ فِي فُتْيَاهُ عَلَى كُلِّيَّةِ مَا اسْتَفَادَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَرَ غَيْرَهُ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ مُعَارِضًا، فاطرح الاعتماد عليه، والله أعلم. و [الحال] الثَّالِثُ: أَنْ يَخُوضَ فِيمَا خَاضَ فِيهِ الطَّرَفَانِ وَيَتَحَقَّقُ بِالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ مُنَزَّلَةً عَلَى الْخُصُوصِيَّاتِ الْفَرْعِيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَصُدُّهُ التَّبَحُّرُ فِي الِاسْتِبْصَارِ بِطَرَفٍ عَنِ التَّبَحُّرِ فِي الِاسْتِبْصَارِ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، فَلَا هُوَ يَجْرِي عَلَى عُمُومٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ٢ أَنْ يَعْرِضَهُ عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى تَنَزُّلِ٣ مَا تَلَخَّصَ لَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى الرُّتْبَةِ الَّتِي تَرْقَى مِنْهَا، لَكِنْ بِعِلْمِ الْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ فِيهَا عُمُومًا وَخُصُوصًا. وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ مِنْ صَاحِبِهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِيهَا، حَاكِمٌ لَهَا، غَيْرُ مَقْهُورٍ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا مَحْكُومٌ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ قَدْ تَسْتَفِزُّهُ مَعَانِيهَا٤ الْكُلِّيَّةُ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْخُصُوصِيَّاتِ، وَكُلُّ رُتْبَةٍ حَكَمَتْ عَلَى صَاحِبِهَا دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ رُسُوخِهِ فِيهَا، وَإِنْ كانت محكومًا

стр. 2524

عَلَيْهَا تَحْتَ نَظَرِهِ وَقَهْرِهِ، فَهُوَ صَاحِبُ التَّمْكِينِ وَالرُّسُوخِ، فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الِانْتِصَابَ لِلِاجْتِهَادِ، وَالتَّعَرُّضَ لِلِاسْتِنْبَاطِ، وَكَثِيرًا مَا يَخْتَلِطُ أَهْلُ الرُّتْبَةِ، الْوُسْطَى بِأَهْلِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، فَيَقَعُ النِّزَاعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ عَدَمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسَمَّى صَاحِبُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ: الرَّبَّانِيَّ، وَالْحَكِيمَ، وَالرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَالِمَ، وَالْفَقِيهَ، وَالْعَاقِلَ؛ لِأَنَّهُ يُرَبَّى بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَيُوُفِّي كُلَّ أَحَدٍ حَقَّهُ حَسْبَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالْعِلْمِ وَصَارَ لَهُ كَالْوَصْفِ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ، وَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ [مِنْ شَرِيعَتِهِ] . وَمِنْ خَاصِّيَتِهِ١ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُجِيبُ السَّائِلَ عَلَى مَا يَلِيقُ [بِهِ] ٢ فِي حَالَتِهِ عَلَى الْخُصُوصِ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ خَاصٌّ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُجِيبُ مِنْ رَأْسِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِخَاصٍّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَاظِرٌ فِي الْمَآلَاتِ قَبْلَ الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالَاتِ، وَصَاحِبُ الثَّانِيَةِ لَا يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُبَالِي بِالْمَآلِ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَكَانَ فِي مَسَاقِهِ كُلِّيًّا، وَلِهَذَا الْمَوْضِعِ أَمْثِلَةٌ كثيرة تقدم منها جملة من مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَمَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الْمَآلِ، وَفِي مَذْهَبِ مالك من ذلك كثير٣.

стр. 2525

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى طَرَفٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ الْخَاصِّ بِالْعُلَمَاءِ وَالْعَامِّ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يُوَضِّحُ النَّوْعَيْنِ، وَيُبَيِّنُ جِهَةَ الْمَأْخَذِ فِي الطَّرِيقَيْنِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ الْمَكِّيَّةَ وَهِيَ الْأَوَّلِيَّةُ كَانَتْ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، وَجَارِيَةً عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مَجَارِي الْعَادَاتِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعُقُولِ، وَعَلَى مَا تَحْكُمُهُ١ قَضَايَا مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، مِنَ التَّلَبُّسِ بِكُلِّ٢ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَحَاسِنَ الْعَادَاتِ، وَالتَّبَاعُدِ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ مُنْكَرٌ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، فِيمَا سِوَى مَا الْعَقْلُ مَعْزُولٌ عَنْ تَقْرِيرِهِ جُمْلَةً مِنْ حُدُودِ الصَّلَوَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا٣، فَكَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى أَنْظَارِ الْمُكَلَّفِينَ فِي تِلْكَ الْعَادَاتِ، وَمَصْرُوفًا إِلَى اجْتِهَادِهِمْ لِيَأْخُذَ كُلٌّ بِمَا لَاقَ بِهِ وَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمَحَاسِنِ الْكُلِّيَّاتِ، وَمَا اسْتَطَاعَ مِنْ تِلْكَ الْمَكَارِمِ فِي التَّوَجُّهِ بِهَا لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ، مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي إِعَانَةِ الْمُحْتَاجِينَ، ومؤاساة الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ مُقَرَّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ، عَلَى حَسَبِ مَا تُسْتَحْسِنُهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ فِي ذَلِكَ التَّرْتِيبِ، وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِ الْجِوَارِ وَحُقُوقِ الْمِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَالدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لم ينص على تقييدها بعد.
следующие страницы →