← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وَلَا يُقَالُ: إِنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ مَطْلُوبٌ عَلَى الْعُمُومِ؛ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ١ ثَبَتَتْ عِصْمَتُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ -وَإِنْ ظَهَرَتْ مَخَايِلُ٢ احْتِمَالِ إِسَاءَةِ الظَّنِّ فِيهِ- مَطْلُوبٌ٣ بِلَا شَكٍّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّن﴾ الْآيَةَ [الْحُجُرَاتِ: ١٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ١٢] . بَلْ أُمِرَ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ ما لا يعلم كما أمر٤ باعتقاد

стр. 2592

مَا لَا يَعْلَمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النُّورِ: ١٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النُّورِ: ١٦] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يبْن عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا اعْتُبِرَ فِي عَدَالَةِ شَاهِدٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ [بـ] مجرد هَذَا التَّحْسِينِ؛ حَتَّى تَدُلَّ الْأَدِلَّةُ الظَّاهِرَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ الْغَالِبِ. فَإِذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ مَأْمُورًا بِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ كُلُّ مُسْلِمٍ عَدْلًا [عِنْدَ المحسِّن] بِمُجَرَّدِ هَذَا التَّحْسِينِ حَتَّى تَحْصُلَ الْخِبْرَةُ أَوِ التَّزْكِيَةُ١؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَمْرٍ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَإِذَا لَمْ يُثْبِتْهُ لَمْ ينبنِ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَتَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْأَفْعَالِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ. وَمِثَالُهُ كَمَا إِذَا فَعَلَ الْمُقْتَدَى بِهِ فِعْلًا يُحتمل أَنْ يَكُونَ دِينِيًّا تَعَبُّدِيًّا، ويُحتمل أَنْ يَكُونَ دُنْيَوِيًّا رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ على تعين أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ؛ فَيَحْمِلُهُ هَذَا الْمُقْتَدِي عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ إِنَّمَا قَصَدَ الْوَجْهَ الدِّينِيَّ [لَا الدُّنْيَوِيَّ] بِنَاءً عَلَى تَحْسِينِهِ الظَّنَّ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ مِنْ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقْتَدَى بِهِ مَثَلًا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا وَافَقَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ خَالَفَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ يَسْتَلْزِمُ٢ الْمُطَابَقَةَ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا لَمَا أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا، بَلْ بِقَيْدِ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْمُطَابَقَةَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّحْسِينِ بِنَاءٌ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ نَفْسِهِ لَا عَلَى أَمْرٍ٣ حَصَلَ لِذَلِكَ الْمُقْتَدَى بِهِ، لَكِنَّهُ قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءً على ما

стр. 2593

عِنْدَ الْمُقْتَدَى بِهِ؛ فأدَّى إِلَى بِنَاءِ الِاقْتِدَاءِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ عَلَامَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا انْبَنَى عَلَى أَمْرٍ حَصَلَ لِلْمُقْتَدَى بِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا١، وَإِيَّاهُ قَصَد الْمُقْتَدِي بِاقْتِدَائِهِ فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَيَّنَةِ٢. وَالثَّالِثُ٣: أَنَّ هَذَا الِاقْتِدَاءَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنَاقُضَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقتدَى بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ظَنًّا مَثَلًا، وَمُجَرَّدُ تَحْسِينِ الظَّنِّ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا عِلْمًا وَلَا ظَنًّا، وَإِذَا لَمْ يَقْتَضِهِ لَمْ يَكُنْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ فَرَضْنَا أَنَّهُ كَذَلِكَ، هَذَا خَلْفٌ مُتَنَاقِضٌ. وَإِنَّمَا يَشْتَبِهُ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَاطِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِنَفْسِ الظَّنِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّنَّ نَفْسَهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُقْتَدَى بِهِ مَثَلًا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ، حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ، بِخِلَافِ تَحْسِينِ الظَّنِّ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَانَ فِي الْخَارِجِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ أَوْ لَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّنَّ نَاشِئٌ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ ضَرُورَةً٤ لَا انْفِكَاكَ لِلْمُكَلَّفِ٥ عَنْهُ وَتَحْسِينُ الظَّنِّ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ لِلْمُكَلَّفِ غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْيِ بَعْضِ الْخَوَاطِرِ الْمُضْطَرِبَةِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالْمُقْتَدَى بِهِ، فَإِذَا جَاءَهُ خَاطِرُ الِاحْتِمَالِ الأحسن

стр. 2594

قوَّاه وثبتَهُ بتكراره في فِكْرِهِ وَوَعْظِ النَّفْسِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَإِذَا أَتَاهُ خَاطِرُ الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ ضَعَّفَهُ وَنَفَاهُ، وَكَرَّرَ نَفْيَهُ عَلَى فِكْرِهِ، وَمَحَاهُ عَنْ ذِكْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْمُقْتَدَى بِهِ ظَاهِرُهُ وَالْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ الميلُ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَالتَّزَوُّدُ لِلْمَعَادِ، وَالِانْقِطَاعُ إِلَى اللَّهِ، وَمُرَاقَبَةُ أَحْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ؛ فَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْفَرْدَ الْمُحْتَمَلَ مُلْحَقٌ بِذَلِكَ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، شَأْنَ الْأَحْكَامِ الواردة على هذا الوزان. فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْفَرْدَ إِذَا تَعَيَّنَ هَكَذَا عَلَى هَذَا الْفَرْضِ فَقَدْ يَقْوَى الظَّنُّ بِقَصْدِهِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْأُخْرَوِيِّ؛ فَيَكُونُ مَجَالُ الِاجْتِهَادِ كَمَا سَيُذْكَرُ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْفَرْضُ بِنَاءً عَلَى مُجَرَّدِ تَحْسِينِ الظَّنِّ، بَلْ عَلَى نَفْسِ الظَّنِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى دَلِيلٍ يُثِيرُهُ، وَالظَّنُّ الَّذِي يَكُونُ هَكَذَا قَدْ يَنْتَهِضُ فِي الشَّرْعِ سَبَبًا لِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، وَفَرْضُ مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ هكذا، بل على جهة أن لا يَكُونَ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ تَرْجِيحٌ يُثِيرُ مِثْلُهُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَيُضْعِفُ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ كَرَجُلٍ١ مُتَّقٍ لِلَّهِ مُحَافِظٍ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، لَيْسَ [لَهُ] ٢ فِي الدُّنْيَا شُغْلٌ إِلَّا بِمَا كُلِّفَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ؛ فَمِثْلُ هَذَا لَهُ فِي هَذِهِ الدار حالان:

стр. 2595

- حَالٌ دُنْيَوِيٌّ، بِهِ يُقِيمُ مَعَاشَهُ وَيَتَنَاوَلُ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ. - وَحَالٌ أُخْرَوِيٌّ، بِهِ يُقِيمُ أَمْرَ آخِرَتِهِ. فَأَمَّا هَذَا الثَّانِي؛ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي نَفْسِهِ، وَغَيْرُ مُحْتَمِلٍ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالنَّوَادِرِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ مَثَارُ الِاحْتِمَالِ، فَالْمُبَاحُ مَثَلًا يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ حَظِّ نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، فَإِذَا عَمِلَهُ وَلَمْ يُدرَ وَجْهَ أَخْذِهِ؛ فَالْمُقْتَدِي بِهِ بِنَاءً عَلَى تَحْسِينِ ظَنِّهِ بِهِ وَأَنَّهُ إِنَّمَا عَمِلَهُ مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ وَمُتَعَبِّدًا لَهُ بِهِ؛ فَيَعْمَلُ بِهِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إِلَّا تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِالْمُقْتَدَى بِهِ، لَيْسَ له أصل يبني عَلَيْهِ؛ إِذْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا قَوِيًّا أَنْ يَقْصِدَ الْمُقْتَدَى بِهِ نَيْلَ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ حَظِّهِ؛ فَلَا يُصَادِفُ قَصْدَ الْمُقْتَدِي مَحَلًّا، بَلْ إِنْ صَادَفَ صَادَفَ أَمْرًا مُبَاحًا صَيَّرَهُ مُتَقَرِّبًا بِهِ، وَالْمُبَاحُ لَا يَصِحُّ التَّقَرُّبُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. بَلْ نَقُولُ: إِذَا وَقَفَ الْمُقْتَدَى بِهِ وَقْفَةً، أَوْ تَنَاوَلَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهٍ، أَوْ قَبَضَ [عَلَى] لِحْيَتِهِ فِي وَقْتٍ مَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَأَخَذَ هَذَا الْمُقْتَدِي يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْعِبَادَةَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى دُنْيَوِيٍّ أَوْ غَافِلًا؛ كَانَ هَذَا الْمُقْتَدِي مَعْدُودًا مِنَ الْحَمْقَى وَالْمُغَفَّلِينَ؛ فَمِثْلُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمَسْأَلَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ دِرْهَمٌ مَثَلًا، فَأَعْطَاهُ صَدِيقًا لَهُ؛ لِصَدَاقَتِهِ١، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَصْنَعَ بِهِ مُبَاحًا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؛ فَيَقُولُ الْمُقْتَدِي: حُسْنُ الظَّنِّ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ [كَانَ] يَتَصَدَّقُ بِهِ، لَكِنْ آثَرَ بِهِ عَلَى نفسه في هذا الأمر

стр. 2596

الْأُخْرَوِيِّ؛ فَيَجِيءُ١ مِنْهُ جَوَازُ الْإِيثَارِ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَحَظَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِيثِ: "وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ٢، فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ صِحَّةَ الْإِيثَارِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا يَدْعُو٣ بِدَعْوَتِهِ الَّتِي أُعْطِيهَا فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ لَا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا. فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ٤؛ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكُنُهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَا فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَلَا قَدْحَ فِيهِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ كَانَ ﵊ يُحِبُّ مِنَ الدُّنْيَا أَشْيَاءَ، وَيَنَالُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا أُبِيحَ لَهُ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي أمور؛ كحبه للنساء، والطيب٥،

стр. 2597

وَالْحَلْوَاءِ، وَالْعَسَلِ، وَالدُّبَّاءِ١، وَكَرَاهِيَتِهِ لِلضَّبِّ٢، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَكَانَ يَتَرَخَّصُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ٣، وَهُوَ مَنْقُولٌ كَثِيرًا. وَوَجْهٌ ثانٍ٤ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ دَعَا ﵊ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؛ كَاسْتِعَاذَتِهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَالدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالْهَمِّ وَأَنْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ٥، وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورَ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَيَدُلُّ

стр. 2598

عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ جُمْلَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ دَعَوُا الدَّعْوَةَ الْمَضْمُونَةَ الْإِجَابَةِ لَهُمُ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ" ١ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِالدُّنْيَا جَائِزٍ لَهُمْ، وَهُوَ الدُّعَاءُ عَلَيْهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ، حسبما نقله المفسرون٢، وكان من

стр. 2599

الْمُمْكِنِ أَنْ يَدْعُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ فَكَوْنُهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ صَفْوَةُ اللَّهِ مَنْ خَلْقِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِمْ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ مَصْرُوفَةً إِلَى الْآخِرَةِ فَقَطْ، فَكَذَلِكَ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا أَمْرُ الْآخِرَةِ أَلْبَتَّةَ؛ فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَالَ هَذَا العالم. أمر ثَالِثٌ١: وَهُوَ أَنَّا لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ٢؛ لَكُنَّا نَقُولُ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي كُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ ﵊، كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْجِبِلَّةِ الْآدَمِيَّةِ أَوْ لَا؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَصَدَ بِهَا أُمُورًا أُخْرَوِيَّةً وَتَعَبُّدًا مَخْصُوصًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، بل كان يلزم منه أن لا يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ مُخْتَصًّا٣ بِالدُّنْيَا إلا ما بَيَّنَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ إِذْ ذَاكَ كَوْنُهُ دُنْيَوِيًّا لِخَفَاءِ قَصْدِهِ فِيهِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِهِ٤، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُبَيِّنْ جِهَتَهُ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا؛ فَلَا يَحْصُلُ مِنْ بَيَانِ أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا ثبت صَحَّ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ ثَابِتٍ٥، وَأَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلِيلَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أَنَّ الدَّعْوَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْأُمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ:

стр. 2600

"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ" ١؛ فَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِهِ، فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا مَعْنَى الْإِيثَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ ثانٍ عَنْ قَبُولِ الِانْتِفَاعِ فِي٢ جِهَةِ الْمُؤَثِّرِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي إِنْ كَانَ مِثْلَ انْتِصَابِ الْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا شَكَّ فِي٣ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَصْرِيحِهِ٤ بِالِانْتِصَابِ لِلنَّاسِ وَتَصْرِيحِهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَفْعُولِ أَوِ الْمَتْرُوكِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَعَيَّنَ فِيهِ قَصْدُ الْعَالِمِ إِلَى التَّعَبُّدِ بِالْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، بِالْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ: فَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا تَطَرَّقَ إِلَى أَفْعَالِهِ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْمَعْصِيَةُ٥ قَصْدًا، وَإِذَا لَمْ يتعين وجه فعله٦؛ فكيف يصح الاقتداء

стр. 2601

قَصْدًا فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ فِي الْعَادَاتِ؟ وَلِذَلِكَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ١ أَنَّهُ قَالَ: "أَضْعَفُ الْعِلْمِ الرُّؤْيَةُ، يَعْنِي: أَنْ يَقُولَ رَأَيْتُ فُلَانًا يَعْمَلُ كَذَا، وَلَعَلَّهُ فَعَلَهُ سَاهِيًا". وَعَنْ إِيَاسِ ابن مُعَاوِيَةَ: "لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الْفَقِيهِ، وَلَكِنْ سَلْهُ يصدقْك"٢. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ قَالُوا٣: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الْآيَةَ [الزُّخْرُفِ: ٢٢] . وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الْمُرْتَابِ: "سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ"٤. فَالِاقْتِدَاءُ بِمِثْلِ هَذَا الْمَفْرُوضِ كَالِاقْتِدَاءِ بِسَائِرِ النَّاسِ أَوْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ. وَلِلْمُجِيزِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مَعْمُولٌ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ٥، وَإِذَا تَعَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ قَصْدُهُ إِلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ -وَلَا سِيَّمَا في العبادات، ومع التكرار أيضًا،

стр. 2602

وَهُوَ مِنْ أَهِلِ الِاقْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِهِ كَذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ: "إِنَّهُ جَائِزٌ"١، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ، قَالَ٢: "وأراه كان يتحراه"؛ فقد استند

стр. 2603

إِلَى فِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ ظَنِّهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عُمْدَةً مُسْقِطَةً لِحُكْمِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ. فَقَدْ يُلَوَّحُ مِنْ هُنَا أَنَّ مَالِكًا يَعْتَمِدُ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ صَاحِبِهِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ جَهْلًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَفْلَةً؛ فَإِنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ يَقْتَضِي عَمَلَهُ بِهِ، وَتَحَرِّيهِ إِيَّاهُ دَلِيلٌ٢ عَلَى عَدَمِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي مَا اعْتُمِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ السَّلَفِ، إِذَا تَأَمَّلْتَهَا وَجَدْتَهَا قَدِ انْضَمَّتْ إِلَيْهَا قَرَائِنُ عَيَّنَتْ قَصْدَ الْمُقْتَدَى بِهِ، وَجِهَةَ فعله، فصَحَّ الاقتداء. والقسم الثالث: هو٣ أن لا يَتَعَيَّنَ فِعْلُ الْمُقْتَدَى بِهِ لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ وَلَا أُخْرَوِيٍّ، وَلَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى جِهَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَإِنْ قُلْنَا فِي الْقَسَمِ الثَّانِي بِعَدَمِ

стр. 2604

صحة الاقتداء؛ فههنا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ؛ فَقَدْ يَنْقَدِحُ فِيهِ احْتِمَالٌ، فَإِنَّ قَرَائِنَ التَّحَرِّي لِلْفِعْلِ [هُنَالِكَ] ١ مَوْجُودَةٌ؛ فَهِيَ دَلِيلٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الصِّحَّةِ٢. وَأَمَّا ههنا، فَلَمَّا فُقِدَتْ قَوِيَ احْتِمَالُ الْخَطَأِ وَالْغَفْلَةِ وَغَيْرِهِمَا، هَذَا مَعَ اقْتِرَانِ الِاحْتِيَاطِ عَلَى الدِّينِ؛ فَالصَّوَابُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَنْعُ الِاقْتِدَاءِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِالسُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ النَّازِلَةِ الْمُقَلَّدِ فِيهَا، وَيَتَمَكَّنُ قَوْلُ مَنْ قَالَ٣: "لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الفقيه، ولكن سله يصدقْك" ونحوه

стр. 2605

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَدْ تَقَدَّمَ١ أَنَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً: أَمَّا الْحَالُ الْأَوَّلُ؛ فَلَا يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ صَاحِبِهِ كَمَا لَا يُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ بَعْدُ، فَإِذَا كَانَ اجْتِهَادُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ؛ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَعْمَالَهُ إِنْ كَانَتْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ فَهِيَ سَاقِطَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِتَقْلِيدٍ فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ فِي الِاقْتِدَاءِ إِلَى مُقَلِّدِهِ أَوْ إِلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَلِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِدُخُولِ الْعَوَارِضِ٢ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِهَا فَيَصِيرُ عَمَلُهُ مُخَالِفًا فَلَا يُوْثَقُ بِأَنَّ عَمَلَهُ صَحِيحٌ فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ اسْتِفْتَائِهِ، وَيَجْرِي الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا. وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِي؛ فَهُوَ مَوْضِعُ إِشْكَالٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اسْتِفْتَائِهِ٣، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ؛ فَاسْتِفْتَاؤُهُ٣ جارٍ عَلَى النَّظَرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ أَوْ عَدَمِ صِحَّتِهِ. وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ كَصَاحِبِ الْحَالِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ اجْتِهَادِهِ جَرَى الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ وَالنَّظَرِ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَعْمَالِهِ صَاحِبَ حَالٍ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ٤ حَالٍ وَهُوَ

стр. 2606

مِمَّنْ يُسْتَفْتَى؛ فَهَلْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِنَاءً عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا، وَهَلْ يَصِحُّ اسْتِفْتَاؤُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَمْ لَا؟ كُلُّ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِ حَيْثُ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ لَيْسَ بِصَاحِبِ حَالٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ هُوَ ذُو حَالٍ مِثْلُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ عَامِلُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، بَالِغُونَ غَايَةَ الْجُهْدِ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ؛ إِمَّا لِسَائِقِ الْخَوْفِ، أَوْ لِحَادِي الرَّجَاءِ، أَوْ لِحَامِلِ الْمَحَبَّةِ؛ فَحُظُوظُهُمُ الْعَاجِلَةُ قَدْ سَقَطَتْ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِأَمْرٍ شَاغِلٍ عَنْ غَيْرِ مَا هُمْ فِيهِ؛ فَلَيْسَ لَهُمْ عَنِ الْأَعْمَالِ فَتْرَةٌ، وَلَا عَنْ جِدِّ السَّيْرِ رَاحَةٌ، فَمَنْ كَانَ بِهَذَا الْوَصْفِ؛ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ مَنْ هُوَ طَالِبٌ لِحُظُوظِهِ مُشَاحٌّ فِي اسْتِقْصَاءِ مُبَاحَاتِهِ؟! وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَهَّلَ عَلَيْهِمْ مَا عَسُرَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَأَيَّدَهُمْ بِقُوَّةٍ مِنْهُ عَلَى مَا تَحَمَّلُوهُ مِنَ الْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ، حَتَّى صَارَ الشَّاقُّ عَلَى النَّاسِ غَيْرَ شَاقٍّ عَلَيْهِمْ، وَالثَّقِيلُ عَلَى غَيْرِهِمْ خَفِيفًا عَلَيْهِمْ؛ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ ضَعِيفُ الْمِنَّةِ١ عَنْ حَمْلِ تِلْكَ الْأَعْبَاءِ، أَوْ مَرِيضُ الْعَزْمِ فِي قَطْعِ مَسَافَاتِ النَّفْسِ، أَوْ خَامِدُ الطَّلَبِ لِتِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، أَوْ رَاضٍ بِالْأَوَائِلِ عَنِ الْغَايَاتِ؟! فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِاتِّبَاعِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ، وَإِنْ تَطَوَّقُوا ذَلِكَ زَمَانًا؛ فَعَمَّا قَرِيبٍ يَنْقَطِعُونَ٢، وَالْمَطْلُوبُ الدَّوَامُ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حتى تملوا" ٣.

стр. 2607

وَقَالَ: "أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ" ١. وَأَمَرَ٢ بِالْقَصْدِ فِي الْعَمَلِ وَأَنَّهُ مُبَلِّغٌ، وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ" ٣. وَكَرِهَ الْعُنْفَ وَالتَّعَمُّقَ وَالتَّكَلُّفَ وَالتَّشْدِيدَ٤ خَوْفًا مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَقَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ٧] . وَرَفَعَ عَنَّا الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، فَإِذَا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ آيِلًا إِلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ؛ لَمْ يَلِقْ أَنْ يَنْتَصِبُوا مَنْصِبَ الِاقْتِدَاءِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَتَّخِذَهُمْ غَيْرُهُمْ أَئِمَّةً فِيهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَالٍ مِثْلَهُمْ وَغَيْرَ مَخُوفٍ عَلَيْهِ الِانْقِطَاعُ؛ فَإِذْ ذَاكَ يَسُوغُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَهَذَا الْمَقَامُ قَدْ عَرَفَهُ أَهْلُهُ، وَظَهَرَ لَهُمْ بُرْهَانُهُ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ. وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِأَقْوَالِهِ إِذَا اسْتُفْتِيَ فِي الْمَسَائِلِ؛ فَيَحْتَمِلُ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُسْتَفْتَى فِي شَيْءٍ هُوَ فِيهِ صَاحِبُ حَالٍ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَرَى حُكْمُهُ مَجْرَى الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ، فَإِنَّ نُطْقَهُ فِي أحكام أحواله من جملة

стр. 2608

أعماله، والغالب فليه أَنَّهُ يُفْتِي بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ، لَا بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالُ السَّائِلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي سَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَأَنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِنْ أَصْلِ الْعِلْمِ لَا مِنْ رَأْسِ الْحَالِ؛ إِذْ لَيْسَ مَأْخُوذًا فِيهِ.

стр. 2609

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: يُذْكَرُ فِيهَا بَعْضُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَشْهَدُ لِلْعَامِّيِّ بِصِحَّةِ اتِّبَاعِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا فِي فَتْوَاهُ. قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ١: "رُبَّمَا وَرَدَتْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةُ تَمْنَعُنِي مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّوْمِ. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَلَامُكَ عِنْدَ النَّاسِ إِلَّا نَقْرٌ فِي حَجَرٍ، مَا تَقُولُ شَيْئًا إِلَّا تَلَقَّوْهُ مِنْكَ. قَالَ: فَمَنْ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا إِلَّا مَنْ كَانَ هَكَذَا؟ قَالَ الرَّاوِي: فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: مَالِكٌ مَعْصُومٌ". وَقَالَ٢: "إِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي مَسْأَلَةٍ مُنْذُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا اتَّفَقَ لِي فِيهَا رَأْيٌ إِلَى الْآنِ". وَقَالَ٣: "رُبَّمَا وَرَدَتْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةُ فَأُفَكِّرُ فِيهَا لَيَالِيَ". وَكَانَ٤ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ لِلسَّائِلِ: "انْصَرِفْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا". فَيَنْصَرِفُ وَيُرَدِّدُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَبَكَى وَقَالَ: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الْمَسَائِلِ يَوْمٌ وَأَيُّ يَوْمٍ". وَكَانَ إِذَا جَلَسَ؛ نَكَّسَ رَأْسَهُ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَلَمْ يلتفت يمينًا

стр. 2610

وَلَا شِمَالًا، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؛ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ -وَكَانَ أَحْمَرَ- فَيَصْفَرُّ، وَيُنَكِّسُ رَأْسَهُ وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، فَرُبَّمَا سُئِلَ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً؛ فَلَا يُجِيبُ مِنْهَا فِي وَاحِدَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلَاصُهُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ يُجِيبُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ١: "لَكَأَنَّمَا مَالِكٌ وَاللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؛ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ". وَقَالَ٢: "مَا شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُسْأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْقَطْعُ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَلَقَدْ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ بِبَلَدِنَا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّ الْمَوْتَ أَشْرَفَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ زَمَانِنَا هَذَا يَشْتَهُونَ الْكَلَامَ فِيهِ وَالْفُتْيَا، وَلَوْ وَقَفُوا عَلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ غَدًا لَقَلَّلُوا مِنْ هَذَا، وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيًّا وَعَامَّةَ خِيَارِ الصَّحَابَةِ كَانَتْ تَرِدُ عَلَيْهِمُ الْمَسَائِلُ وَهُمْ خَيْرُ الْقَرْنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَانُوا يَجْمَعُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْأَلُونَ، ثُمَّ حِينَئِذٍ يُفْتُونَ فِيهَا، وَأَهْلُ زَمَانِنَا هَذَا قَدْ صَارَ فَخْرُهُمُ الْفُتْيَا؛ فَبِقَدْرِ ذَلِكَ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ". قَالَ٣: "وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ وَلَا مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا الَّذِينَ يُقتدى بِهِمْ

стр. 2611

وَمُعَوَّلُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَلَكِنْ يَقُولُ: أَنَا أَكْرَهُ كَذَا، وَأَرَى كَذَا وَأَمَّا حَلَالٌ وَحَرَامٌ؛ فَهَذَا الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ الْآيَةَ [يُونُسَ: ٥٩] ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَاهُ". قَالَ مُوسَى بْنُ دَاوُدَ١: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "لَا أُحْسِنُ" مِنْ مَالِكٍ، وَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَيْسَ نُبْتَلَى بِهَذَا الْأَمْرِ، لَيْسَ هَذَا بِبَلَدِنَا"، وَكَانَ٢ يَقُولُ لِلرَّجُلِ يَسْأَلُهُ، اذْهَبْ حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكَ، قَالَ الرَّاوِي: فَقُلْتُ: إِنَّ الْفِقْهَ مِنْ بَالِهِ٣ وَمَا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَّا بِالتَّقْوَى. وَسَأَلَ٤ رَجُلٌ مَالِكًا عَنْ مَسْأَلَةٍ -وَذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ فِيهَا مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْمَغْرِبِ- فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرِ الَّذِي أَرْسَلَكَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لِي بِهَا. قَالَ: وَمَنْ يَعْلَمُهَا؟ قَالَ: مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا أَهْلُ الْمَغْرِبِ؛ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا ابْتُلِينَا بِهَذِهِ المسألة ببلدنا، ولا سمعنا أحدا من

стр. 2612

أَشْيَاخِنَا تَكَلَّمَ فِيهَا، وَلَكِنْ تَعُودُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ وَقَدْ حَمَلَ ثِقَلَهُ عَلَى بَغْلِهِ يَقُودُهُ، فَقَالَ: مَسْأَلَتِي! فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! تَرَكْتُ خَلْفِي مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ مِنْكَ. فَقَالَ مَالِكٌ غَيْرَ مُسْتَوْحِشٍ: إِذَا رَجَعْتَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي لَا أُحْسِنُ". وَسَأَلَهُ آخَرُ١ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَجِبْنِي. فَقَالَ: وَيْحَكَ، تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَنِي حُجَّةً بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ؟ فَأَحْتَاجُ أَنَا أَوَّلًا أَنْ أَنْظُرَ كَيْفَ خَلَاصِي ثُمَّ أُخَلِّصُكَ". وَسُئِلَ٢ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا" "لَا أَدْرِي". وَسُئِلَ٣ مِنَ الْعِرَاقِ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً؛ فَمَا أَجَابَ مِنْهَا إِلَّا فِي خَمْسٍ. وَقَدْ٤ قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ: "إِذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ "لَا أَدْرِي"؛ أُصِيبَتْ مقاتله".

стр. 2613

وَيُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ١، وَقَالَ٢: "سَمِعْتُ ابْنَ هُرْمُزَ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُوَرِّثَ الْعَالِمُ جُلَسَاءَهُ قَوْلَ لَا أَدْرِي"، وَكَانَ٣ يَقُولُ فِي أَكْثَرِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ: "لَا أَدْرِي". قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ: "فَقُلْتُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ: يَرْجِعُ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى شَامِهِمْ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى عِرَاقِهِمْ، وَأَهْلُ مِصْرَ إِلَى مصرهم، ثم لعلي أرجع عما أُفْتِيهِمْ٤ بِهِ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُ اللَّيْثَ بِذَلِكَ؛ فَبَكَى وَقَالَ: مَالِكٌ وَاللَّهِ أَقْوَى مِنَ اللَّيْثِ "أَوْ نَحْوُ هَذَا". وَسُئِلَ٥ مَرَّةً عَنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً؛ فَمَا أَجَابَ مِنْهَا إِلَّا فِي وَاحِدَةٍ،

стр. 2614

وَرُبَّمَا سُئِلَ عَنْ مِائَةِ مَسْأَلَةٍ فَيُجِيبُ مِنْهَا فِي خَمْسٍ أَوْ عَشْرٍ، وَيَقُولُ فِي الْبَاقِي: "لَا أَدْرِي". قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ١: "قَالَ لَنَا المغيرة: تعالوا نجتمع [ونستذكر] كل ما بقي علينا ما نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَ عَنْهُ مَالِكًا. فَمَكَثْنَا نَجْمَعُ ذَلِكَ، وَكَتَبْنَاهُ فِي قُنْدَاقٍ٢ وَوَجَّهَ بِهِ الْمُغِيرَةُ إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ الْجَوَابَ؛ فَأَجَابَهُ فِي بَعْضِهِ وَكَتَبَ فِي الْكَثِيرِ مِنْهُ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا قَوْمِ! لَا وَاللَّهِ مَا رَفَعَ اللَّهُ هَذَا الرَّجُلَ إِلَّا بِالتَّقْوَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا فَيَرْضَى أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي؟ ". [وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ فِي لَا أَدْرِي"] ٣ وَ"لَا أُحْسِنُ" كَثِيرَةٌ؛ حَتَّى قِيلَ لَوْ شَاءَ رَجُلٌ أَنْ يَمْلَأَ صَحِيفَتَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ "لَا أَدْرِي" لَفَعَلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ فِي مَسْأَلَةٍ٤. وَقِيلَ٥: "إِذَا قُلْتَ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا أَدْرِي؛ فَمَنْ يَدْرِي؟ قَالَ: وَيْحَكَ أَعَرَفْتَنِي، وَمَنْ أَنَا، وَإِيشِ مَنْزِلَتِي حَتَّى أَدْرِيَ مَا لَا تَدْرُونَ؟ ثُمَّ أَخَذَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ٦، وَقَالَ: هَذَا ابْنُ عُمَرَ يقول "لا أدري"؛ فمن أنا؟ وإنما

стр. 2615

أَهْلَكَ الناسَ العُجْبُ وطَلَبُ الرياسةِ، وَهَذَا يضمحِلُّ عَنْ قَلِيلٍ". وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى١: "قَدِ ابْتُلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا٢، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَا أَدْرِي، وَابْنُ عُمَرَ: لَا أَدْرِي". وَسُئِلَ٣ مَالِكٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: "لَا أَدْرِي. فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنَّهَا مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَ بِهَا الْأَمِيرَ، وَكَانَ السَّائِلُ ذَا قَدر؛ فَغَضِبَ مَالِكٌ وَقَالَ: مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ! لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٥] ؛ فَالْعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَبِخَاصَّةٍ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ بَعْضُهُمْ٤: مَا سَمِعْتُ قَطُّ أَكْثَرَ قَوْلًا مِنْ مَالِكٍ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، وَلَوْ نَشَاءُ أَنْ نَنْصَرِفَ بِأَلْوَاحِنَا مَمْلُوءَةً بِقَوْلِهِ: "لَا أَدْرِي ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٣٢] ؛ لَفَعَلْنَا.

стр. 2616

وَقَالَ١ لَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: "لَيْسَ بَعْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَعْلَمُ بِالْبُيُوعِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. فَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَيْنَ عَلِمُوهَا؟ قَالَ: مِنْكَ. فَقَالَ٢ مَالِكٌ: مَا أَعْلَمُهَا [أَنَا] ؛ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَهَا؟! ". وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ٣: "قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَا حَدَّثْتُ بِهَا قَطُّ وَلَا أُحَدِّثُ بِهَا قَالَ الْفَرَوِيُّ: فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا الْعَمَلُ". وَقَالَ٤ رَجُلٌ لِمَالِكٍ: إِنِ الثَّوْرِيَّ حَدَّثَنَا عَنْكَ فِي كَذَا. فَقَالَ: "إِنِّي لَأُحَدِّثُ فِي كَذَا وَكَذَا حَدِيثًا مَا أَظْهَرْتُهَا بِالْمَدِينَةِ". وَقِيلَ٥ لَهُ: عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ عِنْدَكَ. فَقَالَ: "أَنَا أُحَدِّثُ الناس بكل ما سمعت؟! إني إذن أَحْمَقُ! "، وَفِي رِوَايَةٍ٦: "إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُضِلَّهُمْ إذن! وَلَقَدْ خَرَجَتْ مِنِّي أَحَادِيثُ لَوَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا سَوْطًا وَلَمْ أُحَدِّثْ بِهَا، وإن كنت أجزع الناس من السياط! ".

стр. 2617

وَلَمَّا مَاتَ؛ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ حَدِيثٌ كَثِيرٌ جِدًّا لَمْ يُحَدِّثْ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ١. وَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ: "لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ غَيْرِكَ" تَرَكَهُ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ: "هَذَا مِمَّا٢ يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْبِدَعِ" تَرَكَهُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا يُحَدِّثُ٣ بِغَرَائِبَ. فَقَالَ: "مِنَ الْغَرِيبِ نَفِرُّ". وَكَانَ٤ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ طَرَحَهُ كُلَّهُ، وَقَالَ٥: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ؛ فَانْظُرُوا [فِي] رَأْيِي؛ فَكُلُّ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُوَافِقْ ذَلِكَ فَاتْرُكُوهُ". وَقَالَ٦: "لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ الرَّجُلُ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا يُتَّبَعُ وَيُجْعَلُ سُنَّةً وَيُذْهَبُ بِهِ إِلَى الْأَمْصَارِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ١٧-١٨] . وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَجَابَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ مَكَانَهُ: "لَا أَدْرِي، إِنَّمَا هُوَ الرَّأْيُ وَأَنَا أُخْطِئُ وَأَرْجِعُ، وَكُلُّ مَا أَقُولُ يكتب"٧.

стр. 2618

وَقَالَ أَشْهَبُ١: "وَرَآنِي أَكْتُبُ جَوَابَهُ فِي مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا تَكْتُبْهَا؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَثْبُتُ عَلَيْهَا أَمْ لَا". قَالَ ابْنُ وَهْبٍ٢: "سَمِعْتُهُ يَعِيبُ كَثْرَةَ الْجَوَابِ مِنَ الْعَالِمِ حِينَ يُسأل، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ عِنْدَمَا يُكْثَرُ عَلَيْهِ مِنَ السُّؤَالِ يَكُفُّ، وَيَقُولُ: حَسْبُكُمْ! مَنْ أَكْثَرَ أَخْطَأَ، وَكَانَ يَعِيبُ كَثْرَةَ ذَلِكَ، وَقَالَ: يَتَكَلَّمُ كَأَنَّهُ جَمَلٌ مُغْتَلِمٌ٣ يَقُولُ: هُوَ كَذَا هُوَ كَذَا يُهْدِرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عِرَاقِيٌّ عَنْ رَجُلٍ وَطِئَ دَجَاجَةً مَيِّتَةً فَخَرَجَتْ مِنْهَا بَيْضَةٌ، فَأَفْقَسَتِ الْبَيْضَةُ عِنْدَهُ عَنْ فَرْخٍ: أَيَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: سَلْ عَمَّا يَكُونُ، وَدَعْ مَا لَا يَكُونُ. وَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ نَحْوِ هَذَا فَلَمْ يُجِبْهُ؛ فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَا تُجِيبُنِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! فَقَالَ٤: لَوْ سَأَلْتَ عَمَّا تَنْتَفِعُ بِهِ أَجَبْتُكَ". وَقِيلَ لَهُ٥: إِنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَذْكُرُ فِي مَجْلِسِكَ آبَاءَهَا وَفَضَائِلَهَا. فَقَالَ: "إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِيمَا نَرْجُو بَرَكَتَهُ". قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ٦: "كَانَ مَالِكٌ لَا يَكَادُ يُجِيبُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَحْتَالُونَ أَنْ يَجِيءَ رَجُلٌ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهَا كَأَنَّهَا مَسْأَلَةُ بَلْوَى، فَيُجِيبُ فِيهَا". وَقَالَ٧ لِابْنِ وَهْبٍ: "اتَّقِ هَذَا الْإِكْثَارَ وَهَذَا السَّمَاعَ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ أن

стр. 2619

يُحَدَّثَ بِهِ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَسْمَعُهُ لِأَعْرِفَهُ، لَا لِأُحَدِّثَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا يَسْمَعُ إِنْسَانٌ شَيْئًا إِلَّا يُحَدِّثُ بِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ أَشْيَاءَ مَا تَحَدَّثْتُ بها، وأرجو أن لا أفعل ما عشت، وقد١ ندمت أن لا أَكُونَ طَرَحْتُ مِنَ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا طَرَحْتُ". قَالَ أَشْهَبُ٢: "رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: لَقَدْ لَزِمَ مَالِكٌ كَلِمَةً عِنْدَ فَتْوَاهُ لَوْ وَرَدَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَقَلَعَتْهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"". هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ الْإِنْسَانَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالْفُتْيَا وَالتَّقْلِيدِ لَهُ، وَيَتَبَيَّنُ بِالتَّفَاوُتِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ الرَّاجِحُ مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَلَمْ آتِ بِهَا عَلَى تَرْجِيحِ تَقْلِيدِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ٣ بِسَبَبِ شِدَّةِ اتِّصَافِهِ بِهَا، وَلَكِنْ لِتُتَّخَذَ قَانُونًا فِي سَائِرِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي سَائِرِ هُدَاةِ الْإِسْلَامِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أشد اتصافا بها من بعض٤.

стр. 2620

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: يَسْقُطُ عَنِ الْمُسْتَفْتِي١ التَّكْلِيفُ بِالْعَمَلِ عِنْدَ فَقْدِ الْمُفْتِي، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لَا مِنْ جِهَةِ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَا مِنْ تَقْلِيدٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ -حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْأُصُولِ- فَالْمُقَلِّدُ عِنْدَ فَقْدِ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ رَأْسًا أَحَقُّ وَأَوْلَى. وَالثَّانِي: أَنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَمَلِ قَبْلَ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ؛ إِذْ لَا حُكْمَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ؛ إِذْ شَرْطُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ الْعِلْمُ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ عَالِمٍ [بِهِ] بِالْفَرْضِ؛ فَلَا يَنْتَهِضُ سَبَبُهُ عَلَى حَالٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِالْعَمَلِ؛ لَكَانَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ إِذْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بِهِ لَكُلِّفَ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِثَالِ فِيهِ، وَهُوَ عَيْنُ الْمُحَالِ؛ إِمَّا عَقْلًا وَإِمَّا شرعًا، والمسألة بيِّنَة.

стр. 2621

فَصْلٌ: وَيُتَصَوَّرُ فِي هَذَا الْعَمَلِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: فَقْدُ١ الْعِلْمِ بِهِ أَصْلًا؛ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ أَلْبَتَّةَ. وَالثَّانِي: فَقْدُ الْعِلْمِ لوصفه دُونَ أَصْلِهِ كَالْعَالَمِ بِالطَّهَارَةِ أَوِ الصَّلَاةِ٢ أَوِ الزَّكَاةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِنْ تَفَاصِيلِهَا وَتَقْيِيدَاتِهَا وَأَحْكَامِ الْعَوَارِضِ فِيهَا، كَالسَّهْوِ وَشِبْهِهِ؛ فَيَطْرَأُ عَلَيْهِ فِيهَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِوَجْهِ الْعَمَلِ بِهِ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَكُتُبُ الْفُرُوعِ أَخَصُّ٣ بِهَا مِنْ هذا الموضع.

стр. 2622

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: فَتَاوَى الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَوَامِّ كالأدلة١ الشرعية بالنسبة إلى

стр. 2623

الْمُجْتَهِدِينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ وُجُودَ الْأَدِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِينَ وَعَدَمَهَا سَوَاءٌ؛ إِذْ كَانُوا لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا شَيْئًا؛ فَلَيْسَ النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمْ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٣] . وَالْمُقَلِّدُ غَيْرُ عَالِمٍ؛ فَلَا يَصِحُّ لَهُ إِلَّا سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِلَيْهِمْ مَرْجِعُهُ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ عَلَى الإطلاق، فهم إذن الْقَائِمُونَ لَهُ مَقَامَ الشَّارِعِ، وَأَقْوَالُهُمْ قَائِمَةٌ مَقَامَ [أَقْوَالِ] الشَّارِعِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فَقْدُ الْمُفْتِي١ يُسْقِطُ٢ التَّكْلِيفَ فَذَلِكَ مساوٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ؛ إِذْ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهِ؛ فَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مفتٍ فِي الْعَمَلِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ دَلِيلُ الْعَامِّيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَتَعَلَّقُ٣ بِكِتَابِ الِاجْتِهَادِ نَظَرَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَتَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالْآخَرُ: فِي أحكام السؤال والجواب.

стр. 2624

كتاب لواحق الاجتهاد النظر الأول: في التعارض والترجيح ... النظر الأول: وفيه مَسَائِلُ: بَعْدَ أَنْ نُقَدِّمَ مُقَدِّمَةً لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَحَقَّقَ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ فَأَدِلَّتُهَا عِنْدَهُ لَا تَكَادُ١ تَتَعَارَضُ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ حَقَّقَ٢ مَنَاطَ الْمَسَائِلِ؛ فَلَا يَكَادُ يَقِفُ فِي مُتَشَابِهٍ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَعَارُضَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، فَالْمُتَحَقِّقُ بِهَا مُتَحَقِّقٌ بما في [نفس] الأمر؛ فيلزم أن لا يَكُونَ عِنْدَهُ تَعَارُضٌ، وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ أَلْبَتَّةَ دَلِيلَيْنِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَعَارُضِهِمَا بِحَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْوُقُوفُ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَفْرَادُ الْمُجْتَهِدِينَ غَيْرَ مَعْصُومِينَ مِنَ الْخَطَأِ؛ أَمْكَنَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الأدلة عندهم، فإذا ثبت هذا فنقول:

стр. 2625

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: التَّعَارُضُ إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ جِهَةِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، أَمَّا مِنْ جِهَةِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ بِإِطْلَاقٍ، وَقَدْ مَرَّ آنِفًا فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مِنْ ذَلِكَ -فِي مَسْأَلَةِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ- مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ؛ فَمُمْكِنٌ بِلَا خِلَافٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ إِنَّمَا نَظَرُوا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَهُوَ صَوَابٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلَا تَعَارُضَ١؛ كَالْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ مَعَ الْمُقَيَّدِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ٢.

стр. 2626

لَكِنَّا نَتَكَلَّمُ هُنَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ مِنَ الضَّرْبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْجَمْعُ وَنَسْتَجِرُّ مِنَ الضَّرْبِ الْمُمْكِنِ فِيهِ الْجَمْعُ أَنْوَاعًا مُهِمَّةً، وَبِمَجْمُوعِ النَّظَرِ فِي الضَّرْبَيْنِ يَسْهُلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا عَسُرَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ زَاوَلَ الِاجْتِهَادَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ١. فَأَمَّا مَا لَا يمكن فيه الجمع، وهى:

стр. 2627

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ أَنَّ مَحَالَّ الْخِلَافِ دَائِرَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ ظَهَرَ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَإِنَّ الْوَاسِطَةَ آخِذَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِسَبَبٍ، هُوَ مُتَعَلِّقُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ؛ فَصَارَتِ الْوَاسِطَةُ يَتَجَاذَبُهَا الدَّلِيلَانِ مَعًا: دَلِيلُ النَّفْيِ وَدَلِيلُ الْإِثْبَاتِ، فَتَعَارَضَ عَلَيْهَا الدَّلِيلَانِ؛ فَاحْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ، وَإِلَّا؛ فَالتَّوَقُّفُ وَتَصِيرُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَلَمَّا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ هَذَا الْمَعْنَى؛ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى مَزِيدٍ. إِلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ كَمَا يَصِحُّ تَعَارُضُهَا عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ كَذَلِكَ يَصِحُّ تَعَارُضُ مَا فِي مَعْنَاهَا١ كَمَا فِي تَعَارُضِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهُمَا إِلَيْهِ نِسْبَةُ

стр. 2628

الدَّلِيلَيْنِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الْعَلَامَاتِ١ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ، كَمَا إِذَا انْتُهِبَ نَوْعٌ مِنَ الْمَتَاعِ يَنْدُرُ وُجُودُ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ الِانْتِهَابِ؛ فَيُرَى مِثْلُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَرِعٍ؛ فِيَدُلُّ صَلَاحُ ذِي الْيَدِ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ، وَيَدُلُّ نُدُورُ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ النَّهْبِ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ؛ فَيَتَعَارَضَانِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ الجارَّة إِلَى الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ كَالْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ آدَمِيٌّ، فَيَجْرِي مَجْرَى الْأَحْرَارِ فِي الْمِلْكِ، وَمَالٌ فَيَجْرِي مَجْرَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ فِي سَلْبِ الْمِلْكِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الْأَسْبَابِ؛ كَاخْتِلَاطِ الْمَيْتَةِ بِالذَّكِيَّةِ، وَالزَّوْجَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ؛ إِذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا احْتِمَالُ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَرِّمِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الشُّرُوطِ؛ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ؛ إِذْ قُلْنَا: إِنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ؛ فَإِحْدَاهُمَا تَقْتَضِي إِثْبَاتَ أَمْرٍ، وَالْأُخْرَى تَقْتَضِي نَفْيَهُ، وَكَذَلِكَ مَا جَرَى مَجْرَى [هَذِهِ] ٢ الْأُمُورِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهَا. وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ فِي هَذَا الضَّرْبِ غَيْرُ٣ مُنْحَصِرٍ؛ إِذِ الْوَقَائِعُ الْجُزْئِيَّةُ النوعية

стр. 2629

أَوِ الشَّخْصِيَّةُ لَا تَنْحَصِرُ، وَمَجَارِي الْعَادَاتِ تَقْضِي بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الْجُزْئِيَّاتِ بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَى كُلِّ جُزْئِيٍّ بِحُكْمٍ جُزْئِيٍّ وَاحِدٍ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ضَمَائِمَ تَحْتَفُّ، وَقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ، مِمَّا يُمْكِنُ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ الْمُقَرَّرِ؛ فَيَمْتَنِعُ إِجْرَاؤُهُ فِي جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَوُجُوهُ١ التَّرْجِيحِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَحَلِّ التَّعَارُضِ؛ فَلَا يُمْكِنُ فِي هَذِهِ الْحَالِ [إِلَّا] ٢ الْإِحَالَةُ عَلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي أَوَّلِ٣ كِتَابِ الِاجْتِهَادِ، وَحَقِيقَةُ النَّظَرِ الِالْتِفَاتُ إِلَى كُلِّ طَرَفٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَيُّهُمَا أَسْعَدُ٤ وَأَغْلَبُ٥ أَوْ أَقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الْوَاسِطَةِ؛ فيبنى على٦ إلحاقها به من غير

стр. 2630

مُرَاعَاةٍ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ أَوْ مَعَ مُرَاعَاتِهِ١ كَمَسْأَلَةِ٢ الْعَبْدِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ٣ وَمَنْ خَالَفَهُ وَأَشْبَاهِهَا. فَصْلٌ: هَذَا وَجْهُ النَّظَرِ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ٤ الْأُصُولِيِّينَ، وَإِذَا تَأَمَّلْنَا الْمَعْنَى فِيهِ؛ وَجَدْنَاهُ رَاجِعًا٥ إِلَى الضَّرْبِ الثَّانِي، وَأَنَّ التَّرْجِيحَ رَاجِعٌ إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْجَمْعِ٦، أَوْ إِبْطَالِ٧ أَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، حَسْبَمَا يُذْكَرُ عَلَى أَثَرِ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ فيه الجمع، وهي:
следующие страницы →