← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11435

الموافقات

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (3 211 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

لَكِنَّا نَتَكَلَّمُ هُنَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ مِنَ الضَّرْبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْجَمْعُ وَنَسْتَجِرُّ مِنَ الضَّرْبِ الْمُمْكِنِ فِيهِ الْجَمْعُ أَنْوَاعًا مُهِمَّةً، وَبِمَجْمُوعِ النَّظَرِ فِي الضَّرْبَيْنِ يَسْهُلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا عَسُرَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ زَاوَلَ الِاجْتِهَادَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ١. فَأَمَّا مَا لَا يمكن فيه الجمع، وهى:

стр. 2627

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ أَنَّ مَحَالَّ الْخِلَافِ دَائِرَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ ظَهَرَ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَإِنَّ الْوَاسِطَةَ آخِذَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِسَبَبٍ، هُوَ مُتَعَلِّقُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ؛ فَصَارَتِ الْوَاسِطَةُ يَتَجَاذَبُهَا الدَّلِيلَانِ مَعًا: دَلِيلُ النَّفْيِ وَدَلِيلُ الْإِثْبَاتِ، فَتَعَارَضَ عَلَيْهَا الدَّلِيلَانِ؛ فَاحْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيحِ، وَإِلَّا؛ فَالتَّوَقُّفُ وَتَصِيرُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَلَمَّا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ هَذَا الْمَعْنَى؛ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى مَزِيدٍ. إِلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ كَمَا يَصِحُّ تَعَارُضُهَا عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ كَذَلِكَ يَصِحُّ تَعَارُضُ مَا فِي مَعْنَاهَا١ كَمَا فِي تَعَارُضِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهُمَا إِلَيْهِ نِسْبَةُ

стр. 2628

الدَّلِيلَيْنِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الْعَلَامَاتِ١ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ، كَمَا إِذَا انْتُهِبَ نَوْعٌ مِنَ الْمَتَاعِ يَنْدُرُ وُجُودُ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ الِانْتِهَابِ؛ فَيُرَى مِثْلُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَرِعٍ؛ فِيَدُلُّ صَلَاحُ ذِي الْيَدِ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ، وَيَدُلُّ نُدُورُ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ النَّهْبِ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ؛ فَيَتَعَارَضَانِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ الجارَّة إِلَى الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ كَالْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ آدَمِيٌّ، فَيَجْرِي مَجْرَى الْأَحْرَارِ فِي الْمِلْكِ، وَمَالٌ فَيَجْرِي مَجْرَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ فِي سَلْبِ الْمِلْكِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الْأَسْبَابِ؛ كَاخْتِلَاطِ الْمَيْتَةِ بِالذَّكِيَّةِ، وَالزَّوْجَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ؛ إِذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا احْتِمَالُ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَرِّمِ، وَمِنْهُ تَعَارُضُ الشُّرُوطِ؛ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ؛ إِذْ قُلْنَا: إِنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ؛ فَإِحْدَاهُمَا تَقْتَضِي إِثْبَاتَ أَمْرٍ، وَالْأُخْرَى تَقْتَضِي نَفْيَهُ، وَكَذَلِكَ مَا جَرَى مَجْرَى [هَذِهِ] ٢ الْأُمُورِ دَاخِلٌ فِي حُكْمِهَا. وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ فِي هَذَا الضَّرْبِ غَيْرُ٣ مُنْحَصِرٍ؛ إِذِ الْوَقَائِعُ الْجُزْئِيَّةُ النوعية

стр. 2629

أَوِ الشَّخْصِيَّةُ لَا تَنْحَصِرُ، وَمَجَارِي الْعَادَاتِ تَقْضِي بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الْجُزْئِيَّاتِ بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَى كُلِّ جُزْئِيٍّ بِحُكْمٍ جُزْئِيٍّ وَاحِدٍ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ضَمَائِمَ تَحْتَفُّ، وَقَرَائِنَ تَقْتَرِنُ، مِمَّا يُمْكِنُ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ الْمُقَرَّرِ؛ فَيَمْتَنِعُ إِجْرَاؤُهُ فِي جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَوُجُوهُ١ التَّرْجِيحِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَحَلِّ التَّعَارُضِ؛ فَلَا يُمْكِنُ فِي هَذِهِ الْحَالِ [إِلَّا] ٢ الْإِحَالَةُ عَلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي أَوَّلِ٣ كِتَابِ الِاجْتِهَادِ، وَحَقِيقَةُ النَّظَرِ الِالْتِفَاتُ إِلَى كُلِّ طَرَفٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَيُّهُمَا أَسْعَدُ٤ وَأَغْلَبُ٥ أَوْ أَقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الْوَاسِطَةِ؛ فيبنى على٦ إلحاقها به من غير

стр. 2630

مُرَاعَاةٍ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ أَوْ مَعَ مُرَاعَاتِهِ١ كَمَسْأَلَةِ٢ الْعَبْدِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ٣ وَمَنْ خَالَفَهُ وَأَشْبَاهِهَا. فَصْلٌ: هَذَا وَجْهُ النَّظَرِ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ٤ الْأُصُولِيِّينَ، وَإِذَا تَأَمَّلْنَا الْمَعْنَى فِيهِ؛ وَجَدْنَاهُ رَاجِعًا٥ إِلَى الضَّرْبِ الثَّانِي، وَأَنَّ التَّرْجِيحَ رَاجِعٌ إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْجَمْعِ٦، أَوْ إِبْطَالِ٧ أَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، حَسْبَمَا يُذْكَرُ عَلَى أَثَرِ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ فيه الجمع، وهي:

стр. 2631

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَنَقُولُ: لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الضَّرْبِ صُوَرٌ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ كُلِّيَّةٍ مَعَ جِهَةٍ جُزْئِيَّةٍ [تَحْتَهَا] ١؛ كَالْكَذِبِ الْمُحَرَّمِ مَعَ الْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ الْمُحَرَّمِ مَعَ الْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ بِالزِّنَى؛ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْجُزْئِيُّ رُخْصَةً فِي ذَلِكَ الْكُلِّيِّ، أَوْ لَا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فَقَدْ مَرَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَا يُقْتَبَسُ مِنْهُ الْحُكْمُ٢ تَعَارُضًا وَتَرْجِيحًا، وَذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَكِتَابِ الْأَدِلَّةِ؛ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّكْرَارِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ فِي جِهَتَيْنِ جُزْئِيَّتَيْنِ، كِلْتَاهُمَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ كُلِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ كَتَعَارُضِ حَدِيثَيْنِ٣، أَوْ قِيَاسَيْنِ، أَوْ عَلَامَتَيْنِ٤ عَلَى جُزْئِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ٥ فِيهِ الْجَمْعُ، وَلَكِنْ وَجْهُ النَّظَرِ فِيهِ أَنَّ التَّعَارُضَ إِذَا ظَهَرَ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: "إِمَّا الْحُكْمُ عَلَى أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ بِالْإِهْمَالِ"؛ فَيَبْقَى الْآخَرُ هُوَ الْمُعْمَلُ لَا غَيْرَ؛ وذلك لا يصح إلا مع

стр. 2632

فَرْضِ١ إِبْطَالِهِ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا، أَوْ تَطْرِيقِ غَلَطٍ أَوْ وَهْمٍ فِي السَّنَدِ أَوْ فِي الْمَتْنِ إِنْ كَانَ خَبَرَ آحَادٍ، أَوْ كَوْنِهِ مَظْنُونًا يُعَارِضُ مَقْطُوعًا بِهِ٢، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الْقَادِحَةِ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَإِذَا فُرِضَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لَمْ يُمْكِنْ فَرْضُ اجْتِمَاعِ الدَّلِيلَيْنِ٣ فَيَتَعَارَضَا، وَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّ أَحَدَهُمَا [إِذَا كَانَ] مَنْسُوخًا لَا يُعَدُّ مُعَارِضًا، فَكَذَلِكَ ما في معناه٤؛ فالحكم إذن لِلدَّلِيلِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ عَنْ مُعَارِضٍ مِنْ أَصْلٍ، "وَالْأَمْرُ الثَّانِي الْحُكْمُ عليهما معا بالإعمال"٥، ويلزم من هذا أن لا يَتَوَارَدَ الدَّلِيلَانِ عَلَى مَحَلِّ التَّعَارُضِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ مَعَ فَرْضِ إِعْمَالِهِمَا فِيهِ، فَإِنَّمَا يَتَوَارَدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَإِذْ ذَاكَ يَرْتَفِعُ التَّعَارُضُ أَلْبَتَّةَ؛ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْإِعْمَالَ تَارَةً يَرِدُ عَلَى مَحَلِّ التَّعَارُضِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ فِي رَأْيِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ أَعْمَلَ حُكْمَ الْمِلْكِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ، وَأَهْمَلَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ، وَتَارَةً يَخُصُّ٦ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ؛ فَلَا يَتَوَارَدَانِ على محل التعارض معًا، بل يعمل

стр. 2633

فِي غَيْرِهِ وَيُهْمَلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِمَعْنًى اقْتَضَى ذَلِكَ. وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ مَا يَسْتَثْنِيهِ الْمُجْتَهِدُ صَاحِبُ النَّظَرِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ١. وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقَعَ التَّعَارُضُ فِي جِهَتَيْنِ جُزْئِيَّتَيْنِ لَا تَدْخُلُ٢ إِحْدَاهُمَا تَحْتَ الْأُخْرَى، وَلَا تَرْجِعَانِ إِلَى كُلِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْمُكَلَّفِ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا تَيَمُّمًا؛ فَهُوَ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ مقتضى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] لِمُقْتَضَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] إِلَى آخِرِهَا، أَوْ يَعْكِسُ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ رَاجِعَةٌ إِلَى كُلِّيَّةٍ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، وَالطَّهَارَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى كُلِّيَّةٍ مِنَ التَّحْسِينِيَّاتِ عَلَى قَوْلِ٣ من قال بذلك، أو معارضة ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٠] بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ؛ فَالْأَصْلُ أَنَّ الْجُزْئِيَّ رَاجِعٌ فِي التَّرْجِيحِ إِلَى أَصْلِهِ الْكُلِّيِّ، فَإِنْ رَجَحَ الْكُلِّيُّ؛ فَكَذَلِكَ٤ جُزْئِيُّهُ، أَوْ لَمْ يَرْجَحْ فَجُزْئِيُّهُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ مُعْتَبَرٌ بِكُلِّيِّهِ، وَقَدْ ثبت

стр. 2634

تَرْجِيحُهُ؛ فَكَذَلِكَ يَتَرَجَّحُ جُزْئِيُّهُ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُزْئِيَّ خَادِمٌ لِكُلِّيِّهِ، وَلَيْسَ الْكُلِّيُّ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي الْجُزْئِيِّ؛ فَهُوَ الْحَامِلُ١ لَهُ، حَتَّى إِذَا انْخَرَمَ؛ فَقَدْ يَنْخَرِمُ الْكُلِّيُّ؛ فَهَذَا إِذًا مُتَضَمِّنٌ لَهُ، فَلَوْ رَجَحَ غَيْرُهُ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ غَيْرِ الدَّاخِلَةِ مَعَهُ فِي كُلِّيِّهِ؛ لَلَزِمَ تَرْجِيحُ ذَلِكَ الْغَيْرِ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَقَدْ فَرَضْنَا أَنَّ الْكُلِّيَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْآخَرِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ جُزْئِيِّهِ كَذَلِكَ، وَقَدِ انْجَرَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حُكْمُ الْكُلِّيَّاتِ٢ الشَّامِلَةِ لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْكَلَامِ فِيهَا مَعَ أَنَّ أَحْكَامَهَا مُقْتَبَسَةٌ مِنْ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ٣: أَنْ يَقَعَ التَّعَارُضُ فِي كُلِّيَّيْنِ مِنْ نوع واحد، وهذا في

стр. 2635

ظَاهِرِهِ شَنِيعٌ، وَلَكِنَّهُ فِي التَّحْصِيلِ صَحِيحٌ. وَوَجْهُ شَنَاعَتِهِ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِيَّةَ قَدْ مَرَّ أَنَّهَا قَطْعِيَّةٌ لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلظَّنِّ، وَتَعَارُضُ الْقَطْعِيَّاتِ مُحَالٌ. وَأَمَّا وَجْهُ الصِّحَّةِ؛ فَعَلَى تَرْتِيبٍ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ إِذَا كَانَ الْمَوْضُوعُ لَهُ اعْتِبَارَانِ؛ فَلَا يَكُونُ تَعَارُضًا فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ الجزئيان١ إذا دخلا تحت

стр. 2636

كُلِّيٍّ وَاحِدٍ وَكَانَ مَوْضُوعُهُمَا وَاحِدًا؛ إِلَّا أَنَّ لَهُ اعْتِبَارَيْنِ. فَالْجُزْئِيَّانِ أَمْثِلَتُهُمَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ مَرَّ مِنْهَا١ وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ الْمَيْلُ وَنَحْوُهُ فِي تَحْدِيدِ طَلَبِ الْمَاءِ لِلطُّهُورِ؛ فَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَشَقَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَا يَشُقُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخَرَ فَيُمْنَعُ مِنَ التَّيَمُّمِ؛ فَقَدْ تَعَارَضَ عَلَى الْمَيْلِ دَلِيلَانِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ، وَهَكَذَا رُكُوبُ الْبَحْرِ٢ يُمْنَعُ مِنْهُ بَعْضٌ وَيُبَاحُ لِبَعْضٍ، وَالزَّمَانُ وَاحِدٌ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ وَالْغَرَقِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ فِي الْكُلِّيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ؛ فَلْنَذْكُرْ لَهُ مِثَالًا عَامًّا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وصف الدنيا بوصفين كالمتضادين٣:

стр. 2637

وَصْفٌ يَقْتَضِي ذَمَّهَا وَعَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا وَتَرْكَ اعْتِبَارِهَا. وَوَصْفٌ يَقْتَضِي مَدْحَهَا وَالِالْتِفَاتَ إِلَيْهَا وَأَخْذَ مَا فِيهَا بِيَدِ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ١ شَيْءٌ عَظِيمٌ مُهْدًى مِنْ مَلِكٍ عَظِيمٍ. فَالْأَوَّلُ لَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا جَدْوَى لَهَا وَلَا مَحْصُولَ عِنْدَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ الْآيَةَ٢ [الْحَدِيدِ: ٢٠] . فَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِثْلُ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ الَّذِي لا يوجد في شَيْءٌ وَلَا نَفْعَ فِيهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الَّتِي لَا طَائِلَ تَحْتَهَا وَلَا فَائِدَةَ وَرَاءَهَا٣. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٠] . فَحَصَرَ فَائِدَتَهَا فِي الْغُرُورِ الْمَذْمُومِ الْعَاقِبَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ ٤ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٤] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤] . وَقَالَ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٦] . إِلَى غير ذلك من الآيات.

стр. 2638

وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماء" ١.

стр. 2639

وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ نَسَجَ الزُّهَّادُ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ١ مِنْ ذَمِّ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا لَا شَيْءَ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَالظِّلِّ الزَّائِلِ وَالْحُلْمِ الْمُنْقَطِعِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غَافِرٍ: ٣٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ الآية: [آل عمران: ١٩٦-١٩٧] .

стр. 2640

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الْكَهْفِ: ٤٥] . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُفْهِمَةِ مَعْنَى الِانْقِطَاعِ وَالزَّوَالِ وَبِذَلِكَ تَصِيرُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا أَيْضًا كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ ﵊: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ [قَالَ] ١ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" ٢،

стр. 2641

.........................................................................

стр. 2642

وَهُوَ حَادِي١ الزُّهَّادِ إِلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ. وَأَمَّا الثَّانِي مِنَ الْوَصْفَيْنِ؛ فَلَهُ وَجْهَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا: مَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ ووحدانيته وصفاته العلى، وَعَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ إِلَى ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦-١١] . وَقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ الْآيَةَ [النَّمْلِ: ٦١] . وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الْآيَةَ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ] [الْحَجِّ: ٥-٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّه﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ] [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٤-٩١] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ دَلَائِلُ عَلَى الْعَقَائِدِ وَبَرَاهِينُ عَلَى التَّوْحِيدِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مننٌ وَنِعَمٌ امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، وتعرف إليهم بها في

стр. 2643

أَثْنَاءِ ذَلِكَ، وَاعْتَبَرَهَا وَدَعَا إِلَيْهَا بِنَصْبِهَا لَهُمْ١ وَبَثِّهَا فِيهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ٢ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٢-٣٤] . وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النَّحْلِ: ١٠-١٨] . وَفِيهَا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٨١] . وَفِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة﴾ [النحل: ٦-٨] . فامتن تعالى ههنا وَعَرَّفَ بِنِعَمٍ مِنْ جُمْلَتِهَا الْجَمَالُ وَالزِّينَةُ، وَهُوَ الَّذِي ذَمَّ بِهِ الدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٠] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ حِينَ عَرَّفَ بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ امْتَنَّ بِأَمْثَالِهِ فِي الدُّنْيَا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨-٣٠] .

стр. 2644

وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ [النَّحْلِ: ٨١] . وَقَالَ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥] . وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النَّحْلِ: ٧٢] . وَهُوَ كَثِيرٌ؛ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ فِي الْجَنَّةِ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٥] إِلَى آخِرِ أَنْوَاعِ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٥-٦٩] . وَهُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا؛ [وَأَيْضًا] فَأَنْزَلَ الْأَحْكَامَ وَشَرَعَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ تَخْلِيصًا لِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي خَلَقَهَا لَنَا مِنْ شَوَائِبِ الْكُدُرَاتِ الدُّنْيَوِيَّاتِ وَالْأُخْرَوِيَّاتِ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] يَعْنِي فِي الدُّنْيَا١ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ حِينَ امْتَنَّ بِالنِّعَمِ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٩] . ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سَبَأٍ: ١٥] . وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٤] . فَعَدَّ طَلَبَ الدُّنْيَا فَضْلًا, كَمَا عَدَّ حُبَّ الْإِيمَانِ وَبُغْضَ الْكُفْرِ فضلًا.

стр. 2645

وَالدَّلَائِلُ أَكْثَرُ مِنَ الِاسْتِقْصَاءِ. فَاقْتَضَى الْوَصْفُ الْأَوَّلُ الْمُضَادَّةَ لِلثَّانِي؛ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنَ الْوَصْفِ الْأَوَّلِ يُضَادُّ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ مِنَ الْوَصْفِ الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهَا وَأَنَّهَا مُجَرَّدُ لَعِبٍ لَا مَحْصُولَ لَهُ مُضَادٌّ لِكَوْنِهَا نِعَمًا وَفَضْلًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَصْفِ الْأَوَّلِ مُضَادٌّ لِلْأَوَّلِ مِنَ الْوَصْفِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا زَائِلَةً وَظِلًّا يَتَقَلَّصُ عَمَّا قَرِيبٍ مُضَادٌّ لِكَوْنِهَا بَرَاهِينَ عَلَى وُجُودِ الْبَارِي وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَعَلَى أَنَّ الْآخِرَةَ حَقٌّ؛ فَهِيَ مِرْآةٌ يُرَى فِيهَا الْحَقُّ، فِي كُلِّ مَا هُوَ حَقٌّ، وَهَذَا لَا تَنْفَصِلُ الدُّنْيَا فِيهِ مِنَ الْآخِرَةِ، بَلْ هُوَ فِي الدُّنْيَا لَا يَفْنَى؛ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِأَمْرٍ وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي تُعْطِيهِ؛ فَذَلِكَ الْأَمْرُ مَوْجُودٌ فِيهَا تَحْقِيقُهُ وَهُوَ لَا يَفْنَى، وَإِنْ فَنِيَ مِنْهَا مَا يَظْهَرُ لِلْحِسِّ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى يَنْتَقِلُ إِلَى١ الْآخِرَةِ؛ فَتَكُونُ هُنَالِكَ نَعِيمًا فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بُثَّ فِيهَا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي وُضِعَتْ٢ عُنْوَانًا عَلَيْهِ -كَجَعْلِ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى-[فَالْمَعْنَى] ٣ بَاقٍ وَإِنْ فَنِيَ الْعُنْوَانُ، وَذَلِكَ ضِدُّ كَوْنِهَا مُنْقَضِيَةً بِإِطْلَاقٍ؛ فالوصفان إذن مُتَضَادَّانِ، وَالشَّرِيعَةُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّضَادِّ، مُبَرَّأَةٌ عَنِ الِاخْتِلَافِ؛ فَلَزِمَ٤ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ٥ تَوَارُدَ الْوَصْفَيْنِ عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، أَوْ حَالَتَيْنِ مُتَنَافِيَتَيْنِ، بَيَانُهُ أَنَّ لَهَا نَظَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَظَرٌ مُجَرَّدٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا الدُّنْيَا مِنْ كَوْنِهَا مُتَعَرَّفًا لِلْحَقِّ، وَمُسْتَحَقًّا لِشُكْرِ الْوَاضِعِ لَهَا، بَلْ إنما يعتبر فيها كونها عيشا ومقتنصا

стр. 2646

لِلَّذَّاتِ، وَمَآلًا لِلشَّهَوَاتِ، انْتِظَامًا فِي سِلْكِ الْبَهَائِمِ؛ فَظَاهِرٌ أَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قِشْرٌ بِلَا لُبٍّ، وَلَعِبٌ بِلَا جِدٍّ، وَبَاطِلٌ بِلَا حَقٍّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا النَّظَرِ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا إِلَّا مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا، وَمَلْبُوسًا وَمَنْكُوحًا وَمَرْكُوبًا، مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ، ثُمَّ يَزُولُ عَنْ قَرِيبٍ؛ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ؛ فَذَلِكَ كَأَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ، فَكُلُّ مَا وَصَفَتْهُ الشَّرِيعَةُ فِيهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَقٌّ، وَهُوَ نَظَرُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ يُبْصِرُوا مِنْهَا إِلَّا مَا قَالَ تَعَالَى مِنْ أَنَّهَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفَهَا بِهِ، وَلِذَلِكَ صَارَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النُّورِ: ٣٩] . وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٢٣] . وَالثَّانِي: نَظَرٌ غَيْرُ مُجَرَّدٍ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا الدُّنْيَا؛ فَظَاهِرٌ أَنَّهَا مَلْأَى مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْحِكَمِ، مَبْثُوثٌ فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَطِيرٍ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَةِ شُكْرِ بَعْضِهِ؛ فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا الْعَاقِلُ وَجَدَ كُلَّ [شَيْءٍ فِيهَا نِعْمَةً] ١ يَجِبُ شُكْرُهَا، فَانْتَدَبَ إِلَى ذَلِكَ حَسَبَ قُدْرَتِهِ وَتَهْيِئَتِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ الْقِشْرُ مَحْشُوًّا لُبًّا، بَلْ صَارَ الْقِشْرُ نَفْسُهُ لُبًّا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ نِعَمٌ طَالِبَةٌ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنَالَهَا فَيَشْكُرَ لِلَّهِ بِهَا وَعَلَيْهَا، وَالْبُرْهَانُ٢ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّتِيجَةِ بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ؛ فَلَا دِقَّ وَلَا جِلَّ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ إِلَّا وَالْعَقْلُ عَاجِزٌ عَنْ بُلُوغِ أَدْنَى مَا فِيهِ مِنَ الحكم والنعم، ومن ههنا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الدُّنْيَا بِأَنَّهَا جِدٌّ وَأَنَّهَا حَقٌّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِين، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَق﴾ [الدخان: ٣٨] .

стр. 2647

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الرُّومِ: ٨] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَلِأَجْلِ هَذَا صَارَتْ أَعْمَالُ أَهْلِ [هَذَا] ١ النَّظَرِ مُعْتَبَرَةٌ مُثْبَتَةٌ؛ حَتَّى قِيلَ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون﴾ [التِّينِ: ٦] . ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَة﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] ٣. فَالدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ مَذْمُومَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ مِنْ جِهَةِ النظر

стр. 2648

الثَّانِي، بَلْ هِيَ مَحْمُودَةٌ؛ فَذَمُّهَا بِإِطْلَاقٍ لَا يَسْتَقِيمُ، كَمَا أَنَّ مَدْحَهَا بِإِطْلَاقٍ لَا يَسْتَقِيمُ، وَالْأَخْذُ لَهَا مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى مَذْمُومٌ يُسَمَّى أَخْذُهُ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَحُبًّا فِي الْعَاجِلَةِ، وَضِدُّهُ هُوَ الزُّهْدُ فِيهَا، وَهُوَ تَرْكُهَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَرْكَهَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَطْلُوبٌ، وَالْأَخْذُ لَهَا مِنَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وَلَا يُسَمَّى أَخْذُهُ رَغْبَةً فِيهَا، وَلَا الزُّهْدُ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مَحْمُودٌ، بَلْ يُسَمَّى سَفَهًا وَكَسَلًا وَتَبْذِيرًا. وَمِنْ هُنَا وَجَبَ الْحَجْرُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الْحَالَةِ١ شَرْعًا، وَلِأَجْلِهِ كَانَ الصَّحَابَةُ طَالِبِينَ لَهَا، مُشْتَغِلِينَ بِهَا، عَامِلِينَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ عَوْنٌ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَعَلَى اتِّخَاذِهَا مَرْكَبًا لِلْآخِرَةِ، وَهُمْ كَانُوا أَزْهَدَ النَّاسِ فِيهَا، وَأَوْرَعَ النَّاسِ فِي كَسْبِهَا؛ فَرُبَّمَا سَمِعَ أَخْبَارَهُمْ فِي طَلَبِهَا مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ طَالِبُونَ لَهَا مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى لِجَهْلِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا طَلَبُوهَا مِنَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ؛ فَصَارَ طَلَبُهُمْ لَهَا مِنْ جُمْلَةِ عِبَادَاتِهِمْ، كَمَا أَنَّهُمْ تَرَكُوا طَلَبَهَا مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى؛ فَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ عِبَادَاتِهِمْ، ﵃، وَأَلْحَقَنَا بِهِمْ، وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ، وَوَفَّقَنَا لِمَا وَفَّقَهُمْ لَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَصْلَ؛ فَإِنَّ فِيهِ رَفْعَ شُبَهٍ كَثِيرَةٍ تَرِدُ عَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ وَفِي أَحْوَالِ أَهْلِهَا، وَفِيهِ رَفْعُ مَغَالِطَ تَعْتَرِضُ لِلسَّالِكِينَ لِطَرِيقِ الْآخِرَةِ؛ فَيَفْهَمُونَ الزُّهْدَ وَتَرْكَ الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ؛ كَمَا يَفْهَمُونَ طَلَبَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ؛ فَيَمْدَحُونَ مَا لَا يُمْدَحُ شَرْعًا، وَيَذُمُّونَ مَا لَا يُذَمُّ شَرْعًا. وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفَوَائِدِ فَصْلُ الْقَضِيَّةِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ لَيْسَ الْفَقْرُ أَفْضَلَ مِنَ الْغِنَى بِإِطْلَاقٍ، وَلَا الْغِنَى أَفْضَلَ بِإِطْلَاقٍ، بَلِ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ يَتَفَصَّلُ؛ فَإِنَّ الْغِنَى إِذَا أَمَالَ إِلَى إيثار العاجلة كان بالنسبة إلى

стр. 2649

صَاحِبِهِ مَذْمُومًا، وَكَانَ الْفَقْرُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِنْ أَمَالَ إِلَى إِيثَارِ الْآجِلَةِ؛ فَإِنْفَاقُهُ١ فِي وَجْهِهِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ عَلَى التَّزَوُّدِ لِلْمَعَادِ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ٢، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِفَضْلِهِ. فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ هَذَا النَّظَرِ مَذْكُورٌ فِي أَثْنَاءِ٣ الْكِتَابِ؛ فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ ثَمَّ أَحْكَامًا أُخَرَ تَتَعَلَّقُ بِهِ، قَلَّمَا يَذْكُرُهَا الْأُصُولِيُّونَ، وَلَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ كَالْفُرُوعِ؛ فَلَمْ نَتَعَرَّضْ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُضْطَلِعَ بِهَا يُدْرِكُ الْحُكْمَ فِيهَا بِأَيْسَرِ النَّظَرِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ هُنَا مَا هُوَ كَالضَّابِطِ الْحَاصِرِ، وَالْأَصْلُ الْعَتِيدُ، لِمَنْ تَشَوَّفَ إِلَى ضَوَابِطِ التعارض والترجيح

стр. 2650

النَّظَرُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَهُوَ عِلْمُ الْجَدَلِ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ مُتَقَدِّمٍ وَمُتَأَخِّرٍ١، وَالَّذِي يَلِيقُ مِنْهُ بِغَرَضِ هَذَا الكتاب فرض مسائل:

стр. 2651

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنَّ السُّؤَالَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْ عَالِمٍ أَوْ غَيْرِ عَالِمٍ، وَأَعْنِي بِالْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، وَغَيْرِ الْعَالِمِ الْمُقَلِّدِ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: سُؤَالُ الْعَالِمِ [لِلْعَالِمِ] ١، وَذَلِكَ فِي الْمَشْرُوعِ٢ يَقَعُ عَلَى وُجُوهٍ؛ كَتَحْقِيقِ مَا حَصَلَ، أَوْ رَفْعِ إِشْكَالٍ عَنَّ لَهُ، وَتَذَكُّرِ مَا خَشِيَ عَلَيْهِ النِّسْيَانَ، أَوْ تَنْبِيهِ الْمَسْئُولِ٣ عَلَى خَطَأٍ يُورِدُهُ مَوْرِدَ الِاسْتِفَادَةِ، أَوْ نِيَابَةٍ مِنْهُ عَنِ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ، أَوْ تَحْصِيلِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فَاتَهُ مِنَ الْعِلْمِ٤. وَالثَّانِي: سُؤَالُ الْمُتَعَلِّمِ لِمِثْلِهِ؛ وَذَلِكَ أَيْضًا يَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ كَمُذَاكَرَتِهِ لَهُ بِمَا سَمِعَ، أَوْ طَلَبِهِ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِمَّا سَمِعَهُ الْمَسْئُولُ، أَوْ تَمَرُّنِهِ مَعَهُ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَ لِقَاءِ الْعَالِمِ، أَوِ التَّهَدِّي بِعَقْلِهِ إِلَى فَهْمِ مَا أَلْقَاهُ الْعَالِمُ. وَالثَّالِثُ: سُؤَالُ الْعَالِمِ لِلْمُتَعَلِّمِ، وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ كَذَلِكَ؛ كَتَنْبِيهِهِ عَلَى مَوْضِعِ إِشْكَالٍ يُطْلَبُ رَفْعُهُ، أَوِ اخْتِبَارِ عَقْلِهِ أَيْنَ بَلَغَ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِفَهْمِهِ إِنْ كَانَ لِفَهْمِهِ فَضْلٌ، أَوْ تَنْبِيهِهِ٥ عَلَى مَا عَلِمَ؛ ليستدل به على ما لم يعلم.

стр. 2652

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: سُؤَالُ الْمُتَعَلِّمِ لِلْعَالَمِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ عِلْمِ١ مَا لَمْ يَعْلَمْ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ؛ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مُسْتَحَقٌّ٢ إِنْ عَلِمَ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ عَارِضٌ٣ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَإِلَّا؛ فَالِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ؛ فَلَيْسَ الْجَوَابُ [عَنْهُ] بِمُسْتَحَقٍّ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ فَيَلْزَمُ الْجَوَابُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا سُئِلَ عَنْهُ مُتَعَيِّنًا٤ عَلَيْهِ فِي نازلة واقعة٥ أو في

стр. 2653

أَمْرٍ فِيهِ نَصٌّ١ شَرْعِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَعَلِّمِ، لَا مُطْلَقًا، وَيَكُونُ السَّائِلُ مِمَّنْ يَحْتَمِلُ عَقْلُهُ الْجَوَابَ، وَلَا يُؤَدِّي السُّؤَالُ إِلَى تَعَمُّقٍ وَلَا تَكَلُّفٍ، وَهُوَ مِمَّا يُبْنَى عَلَيْهِ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ فِي مَوَاضِعَ، كَمَا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، أَوِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ٢ لَا نَصَّ فِيهَا لِلشَّارِعِ، وَقَدْ لَا يَجُوزُ، كَمَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ٣ عَقْلُهُ الْجَوَابَ، أَوْ كَانَ فِيهِ تَعَمُّقٌ، أَوْ أَكْثَرَ مِنَ السُّؤَالَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْأَغَالِيطِ، وفيه٤ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جُمْلَةٍ يَتَبَيَّنُ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى بِحَوْلِ اللَّهِ فِي أثناء المسائل الآتية.

стр. 2654

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِكْثَارُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ مَذْمُومٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ ١ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الْآيَةَ: [الْمَائِدَةِ: ١٠١] . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أكُلَّ عَامٍ؟ فَأَعْرَضَ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلَّ عَامٍ "ثَلَاثًا"؟ وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُعْرِضُ، وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ قلتُها لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، وَلَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَكَفَرْتُمْ؛ فَذَرُونِي مَا تَرَكُتْكُمْ" ٢. وَفِي مِثْلِ هَذَا٣ نَزَلَتْ: ﴿لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاء﴾ الآية [المائدة: ١٠١] .

стр. 2655

وَكَرِهَ ﵊ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، وَنَهَى عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ ﵊ يَكْرَهُ السُّؤَالَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ١ فِيهِ حُكْمٌ، وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ؛ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ؛ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا؛ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ؛ لَا عَنْ نِسْيَانٍ؛ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا" ٢. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَا رَأَيْتُ قَوْمًا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ٣ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ ﷺ ، كُلُّهُنَّ فِي القرآن: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] .

стр. 2656

﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٠] . ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَام﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٧] . مَا كَانُوا يُسْأَلُونَ إِلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ"١. يَعْنِي أَنَّ هَذَا كَانَ الْغَالِبَ٢ عَلَيْهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ؛ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" ٣. وَقَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سؤالهم واختلافهم

стр. 2657

عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ" ١. وَقَامَ يَوْمًا وَهُوَ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ؛ فَذَكَرَ السَّاعَةَ وَذَكَرَ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ؛ فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا". قَالَ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ الْبُكَاءِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ يَقُولَ: "سَلُوني". فقام عبد الله ابن حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ؛ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". فَلَمَّا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُوني"؛ بَرَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وبمحمد نبينا. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، وَقَالَ أَوَّلًا: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا أُصلي؛ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" ٢!!. وَظَاهِرُ هَذَا الْمَسَاقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: "سَلُونِي" فِي مَعْرِضِ الْغَضَبِ، تَنْكِيلًا بِهِمْ فِي السُّؤَالِ حَتَّى يَرَوْا عَاقِبَةَ ذَلِكَ؛ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ٣ وَرَدَ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠١] . وَمِثْلُ ذَلِكَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "لو ذبحوا بقرة ما أجزأتهم، وَلَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى ذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ"٤. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ٥: "يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَا عَلَّمَكَ اللَّهُ فِي كتابه من علم؛

стр. 2658

فَاحْمَدِ اللَّهَ، وَمَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكَ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؛ فكِلْهُ إِلَى عَالِمِهِ وَلَا تَتَكَلَّفْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ١ إِلَخْ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: "لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يكن"٢.

стр. 2659

وَفِي الْحَدِيثِ؛ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عن الأغلوطات"١.

стр. 2660

فَسَّرَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ فَقَالَ: "يَعْنِي: صِعَابَ الْمَسَائِلِ"١. وَذُكِرَتِ الْمَسَائِلُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى

стр. 2661

عَنْ عَضْلِ الْمَسَائِلِ؟ ". وَعَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْ أَهْلِ هذا الزمان أن لا أَسْأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا يَسْأَلُونِي [عَنْ شَيْءٍ] ، يَتَكَاثَرُونَ بِالْمَسَائِلِ كَمَا يَتَكَاثَرُونَ أَهْلُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ"٢. وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ" ٣. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ: "نَهَاكُمْ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ" ٤؛ قَالَ: "أَمَّا كَثْرَةُ السُّؤَالِ؛ فَلَا أَدْرِي أَهْوَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ، فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠١] ؛ فَلَا أَدْرِي أَهْوَ هَذَا، أَمِ السُّؤَالُ فِي [مَسْأَلَةِ النَّاسِ في] الاستعطاء؟ " ٥.

стр. 2662

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ١؛ فَإِنَّ اللَّهَ [قَدْ] ٢ بَيَّنَ مَا هُوَ كَائِنٌ"٣. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: "قَالَ لِي مَالِكٌ وَهُوَ يُنْكِرُ كَثْرَةَ الْجَوَابِ لِلْمَسَائِلِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَا عَلِمْتَهُ فَقُلْ بِهِ وَدُلَّ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَاسْكُتْ عنه وإياك أن تتقلد

стр. 2663

لِلنَّاسِ قِلَادَةَ سُوءٍ"١. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ الْأَغَالِيطَ"٢. وَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: "إِنَّ شِرَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِشِرَارِ الْمَسَائِلِ، يُعَنِّتُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ"٣. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "وَاللَّهِ؛ لَقَدْ بَغَّضَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ إليَّ الْمَسْجِدَ حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا عَمْرٍو٤؟ قَالَ: الأرَأَيْتِيُّون"٥. وَقَالَ: "مَا كَلِمَةٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ "أَرَأَيْتَ"٦.

стр. 2664

وَقَالَ أَيْضًا لِدَاوُدَ الْأَوْدِيِّ١: "احْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا [لَهَا شَأْنٌ] ٢: إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَبْتَ فِيهَا؛ فَلَا تَتْبَعْ مَسْأَلَتَكَ٣ أَرَأَيْتَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٤٣] ؛ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، وَالثَّانِيَةُ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؛ فَلَا تَقِسْ٤ شَيْئًا بِشَيْءٍ، فَرُبَّمَا حَرَّمْتَ حَلَالًا أَوْ حَلَّلْتَ حَرَامًا وَالثَّالِثَةُ إِذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَعْلَمُ؛ فَقُلْ لَا أَعْلَمُ وَأَنَا شَرِيكُكَ"٥. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: "بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ كَانُوا يَقُولُونَ: إذا أراد الله أن لا يعلم عبده [خيرًا] أشغله بالأغاليط"٦.

стр. 2665

وَالْآثَارُ كَثِيرَةٌ. وَالْحَاصِلُ [مِنْهَا] أَنَّ كَثْرَةَ السُّؤَالِ وَمُتَابَعَةَ الْمَسَائِلِ بِالْأَبْحَاثِ الْعَقْلِيَّةِ وَالِاحْتِمَالَاتِ النَّظَرِيَّةَ مَذْمُومٌ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ وُعِظُوا فِي كَثْرَةِ السُّؤَالِ حَتَّى امْتَنَعُوا مِنْهُ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابُ فَيَسْأَلُوهُ١ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَحْفَظُوا مِنْهُ الْعِلْمَ، أَلَا تَرَى مَا فِي "الصَّحِيحِ" عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: "نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلِ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ"٢. وَلَقَدْ أَمْسَكُوا عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى جَاءَ جِبْرِيلُ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ وَأَمَارَتِهَا، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ ﵊ أَنَّهُ جِبْرِيلُ، وَقَالَ: "أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا٣ إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا"٤. وَهَكَذَا كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ كَثِيرًا، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَهَابُونَ ذَلِكَ، قَالَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ -وَقَدْ قَدِمَ عَلَى مَالِكٍ: "وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْعَلُونَنِي أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِذَا أَجَابَ يَقُولُونَ: قُلْ لَهُ فَإِنْ كَانَ كَذَا؛ فَأَقُولُ لَهُ: فَضَاقَ عَلَيَّ يَوْمًا فَقَالَ لِي: هَذِهِ سُلَيْسِلَةٌ بِنْتُ سُلَيْسِلَةٍ، إِنْ أَرَدْتَ هَذَا فَعَلَيْكَ بِالْعِرَاقِ"٥، وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ فِقْهَ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَحْوَالَهُمْ لِإِيغَالِهِمْ فِي المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي.
следующие страницы →