← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وَقَوْلُهُ فِي النَّمْلِ ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مسلمين﴾ أَيْ بِإِنْ أَوْ نَهْيٌ وَقَوْلُهُ فِي الْعَنْكَبُوتِ ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا﴾ وَفِي فَاطِرٍ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ وفي يس ﴿ليأكلوا من ثمره﴾ هَلْ هِيَ لَامُ كَيْ أَوْ لَامُ الْأَمْرِ وَفِي الْمُؤْمِنِ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ وَفِي فُصِّلَتْ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ وفي الأحقاف ﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ وَفِي الْقِتَالِ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّصْبِ ظُهُورُهُ فِي مِثْلِهِ ﴿فتكون لهم قلوب﴾ وقوله ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم﴾ وقوله ﴿ألا تطغوا في الميزان﴾ أَيْ لِئَلَّا أَوْ مَجْزُومٌ وَقَوْلُهُ ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يكونوا لكم أعداء﴾ وقوله ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فيعتذرون﴾ فَإِنَّ ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾ دَاخِلٌ مَعَ الْأَوَّلِ فِي النَّفْيِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فَإِنْ كَانَ النُّطْقُ قَدْ نُفِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَالِاعْتِذَارُ نُطْقٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ:

стр. 1647

﴿ولا يؤذن لهم﴾ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ أَيْ فَهُمْ يَعْتَذِرُونَ لَجَازَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي لَا يَنْطِقُونَ أَنَّهُمْ وَإِنْ نَطَقُوا فَمَنْطِقُهُمْ كَلَا نُطْقٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ الَّذِي أَرَادُوهُ كَقَوْلِهِمْ تَكَلَّمْتَ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ وَقَوْلُهُ ﴿فَلَوْ أَنَّ لنا كرة﴾ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ هَذَا قَوْلًا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قلبي﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَامَ كَيْ وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ أَوْ لَامَ الْأَمْرِ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ وَقَوْلُهُ ﴿أَتَذَرُ موسى وقومه ليفسدوا في الأرض﴾ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا وَاللَّامُ زَائِدَةٌ وَمَنْ نَصَبَ ﴿وَيَذَرَكَ﴾ عَطَفَهُ عَلَى ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ رَأَى إِنْ كَانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ أَوْ عِلْمِيَّةً تَعَدَّتْ لِاثْنَيْنِ وَحَيْثُ وَقَعَ بَعْدَ الْبَصْرِيَّةِ مَنْصُوبًا كَانَ الْأَوَّلُ مَفْعُولَهَا وَالثَّانِي حَالًا وَمِمَّا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سكارى وما هم بسكارى﴾ ،فَإِنْ كَانَتْ بَصَرِيَّةً كَانَ النَّاسُ مَفْعُولًا وَسُكَارَى حَالًا وَإِنْ كَانَتْ عِلْمِيَّةً فَهُمَا مَفْعُولَاهَا وَكَذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وترى كل أمة جاثية﴾ وقوله ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وجوههم مسودة﴾

стр. 1648

فهذه الجملة أعني قوله ﴿وجوههم مسودة﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِمَّا عَلَى الْحَالِ إِنْ كَانَتْ بَصَرِيَّةً أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ كَانَتْ قَلْبِيَّةً وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ألم يروا كم أهلكنا﴾ ،فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا فِي الْأَنْعَامِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْفَاءِ ﴿أفلم يروا﴾ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَتَّصِلَ بِمَا كَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فَيُذْكَرُ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَلِتَدُلَّ الْأَلْفُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ عَلَى عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ قَبْلِهَا وَكَذَلِكَ الْفَاءُ لَكِنَّهَا أَشَدُّ اتِّصَالًا مِمَّا قَبْلَهَا وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّصِلَ بِمَا الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَلِفِ دُونَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ لِيَجْرِيَ مَجْرَى الِاسْتِئْنَافِ وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ فِي النحل ﴿ألم يروا إلى الطير﴾ لِاتِّصَالِهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وَسَبِيلُهَا الِاعْتِبَارُ بِالِاسْتِدْلَالِ فَبُنِيَ عَلَيْهِ ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ وَأَمَّا أَرَأَيْتَ فَبِمَعْنَى أَخْبِرْنِي وَلَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا إِلَّا الشَّرْطُ وَبَعْدَهُ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أخذ الله سمعكم﴾ الْآيَةَ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾

стр. 1649

وقوله تعالى: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾ وَأَمَّا رَأَيْتَ الْوَاقِعَةُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فَهِيَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يَلْجَئُونَ فِيهَا وَجَوَابُهَا أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا كَيْفَ يَكُونُ كَذَا بِمَعْنَى عَدَمِ الشَّرْطِ ثُمَّ الِاسْتِفْهَامُ بَعْدَهُ عَلَى نَمَطِ الْآيَاتِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ،فَدَخَلَهَا مَعْنَى التَّعَجُّبِ كَأَنَّهُ قِيلَ أَلَمْ تَعْجَبْ إلى كذا فتعدت بـ "إلى" كَأَنَّهُ أَلَمْ تَنْظُرْ وَدَخَلَتْ"إِلَى" بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَعُلِّقَ الْفِعْلُ عَلَى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَيْسَتْ بِبَدَلٍ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يُعَلَّقُ وَأَمَّا أَرَأَيْتُكَ فَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ لَهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ نَظِيرٌ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ عَلَامَتَيْ خِطَابٍ وَهُمَا التَّاءُ وَالْكَافُ وَالتَّاءُ اسْمٌ بِخِلَافِ الْكَافِ فَإِنَّهَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَرْفٌ يُفِيدُ الْخِطَابَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى مَبْنَاهَا عَلَيْهِ مِنْ مَرْتَبَةٍ وَهُوَ ذِكْرُ الِاسْتِبْعَادِ بِالْهَلَاكِ وَلَيْسَ فِيمَا سِوَاهَا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِخِطَابٍ وَاحِدٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: الْإِتْيَانُ بِأَدَاةِ الْخِطَابِ بَعْدَ الضَّمِيرِ الْمُفِيدِ لِذَلِكَ تَأْكِيدٌ

стр. 1650

بِاسْتِحْكَامِ غَفْلَتِهِ كَمَا تَحَرَّكَ النَّائِمُ بِالْيَدِ وَالْمُفْرِطُ الْغَفْلَةِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَلِهَذَا حُذِفَتِ الْكَافُ فِي آيَةِ يُونُسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهَا ذِكْرُ صَمَمٍ وَلَا بَكَمٍ يُوجِبُ تَأْكِيدَ الْخِطَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهَا قَوْلُهُ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار﴾ إِلَى مَا بَعْدَهُنَّ فَحَصَلَ تَحْرِيكُهُمْ وَتَنْبِيهُهُمْ بِمَا لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إِلَّا التَّذْكِيرُ بِعَذَابِهِمْ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كرمت علي﴾ قال البصريون هذه الكاف زائدة زيدت لمعنى المخاطبة قال محمد بن يزيد وكذلك رويدك زيدا قال والدليل على ذلك أنك إذا قلت أرأيتك زيدا فإنما هي أرأيت زيدا لأن الْكَافُ لَوْ كَانَتِ اسْمًا اسْتَحَالَ أَنْ تُعَدَّى أرأيت إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ يُرِيدُ قَوْلَهُمْ أرأيت زيدا قائما لا يعدي رأيت إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ هُوَ زَيْدٌ وَمَفْعُولٍ آخَرَ هُوَ قَائِمٌ فَالْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ جَعَلَ الْأَدَاةَ الْمُؤَكَّدَ بِهَا الْخِطَابُ فِي أرأيتكم ضمير لَمْ يَلْزَمْهُ اعْتِرَاضٌ بِتَعَدِّي فِعْلِ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى مُضْمَرِهِ الْمُتَّصِلِ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي بَابِ الظَّنِّ وَفِي فِعْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ بَابِ ظننت وهما فقدت وعدمت وَكَذَلِكَ تَعَدِّي فِعْلِ الظَّاهِرِ إِلَى مُضْمَرِهِ الْمُتَّصِلِ جَائِزٌ فِي الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ وَالْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ بَابِ الظَّنِّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ "رَأَيْتُ" رُؤْيَةَ الْقَلْبِ فَهِيَ مِنَ الْمُسْتَثْنَى وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ مُطْلَقًا تعدي

стр. 1651

فِعْلِ الْمُضْمَرِ الْمُتَّصِلِ إِلَى ظَاهِرِهِ فَلَا اخْتِلَافَ فِي مَنْعِ هَذَا مِنْ كُلِّ الْأَفْعَالِ وَأَمَّا مَنْ جَرَّدَ أَدَاةَ الْخِطَابِ الْمُؤَكَّدِ بِهَا لِلْحَرْفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْكَافِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَقْوَالٍ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا مَوْضِعَ لها وقال السكاكي: موضعها نصب وقال الفراء: رفع إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَلَهَا مَوْضِعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي فَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى اسم مفرد أو جملة شرط كقوله ﴿أرأيت إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم﴾ الْآيَةَ وَلَا يَقَعُ الشَّرْطُ إِلَّا مَاضِيًا لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُعَلَّقٌ بِـ" أَرَأَيْتُكَ" وَجَوَابُ الشَّرْطِ إِمَّا مَحْذُوفٌ للعلم به وإما للاستفهام مع عامله وَإِذَا ثُنِّيَ هَذَا أَوْ جُمِعَ لَحِقَتْ بِالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ الْكَافُ وَكَانَتِ التَّاءُ مُفْرَدَةً بِكُلِّ حَالٍ قَالَ السِّيرَافِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِفْرَادُهُمْ لِلتَّاءِ اسْتِغْنَاءً بِتَثْنِيَةِ الْكَافِ وَجَمْعِهَا لِأَنَّهَا لِلْخِطَابِ وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ أَرَأَيْتَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي وَغَيْرِهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى عَلِمْتُ وَالثَّانِي: تَكُونُ فِيهِ بِمَعْنَى انْتَبِهْ كَقَوْلِكَ أَرَأَيْتَ زَيْدًا فَإِنِّي أُحِبُّهُ أَيِ انْتَبِهْ لَهُ فَإِنِّي أُحِبُّهُ وَلَا يلزمه الاستفهام

стр. 1652

وَقَدْ يُحْذَفُ الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ جَوَابٌ لِلْعِلْمِ به فلا يذكر كقوله تعالى ﴿قال يا قوم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بالله﴾ فَلَمْ يَأْتِ بِجَوَابٍ وَأَتَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْجَوَابِ وَلَمْ يَأْتِ بِالشَّرْطِ قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غشاوة فمن يهديه﴾ فَـ" مَنْ" الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ "الَّذِي" تَنْبِيهٌ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ أَرَأَيْتَ كَمَا يُلْغَى: عَلِمْتُ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو؟ وَلَا يَجُوزُ هَذَا فِي أَرَأَيْتَ وَلَا بُدَّ مِنَ النَّصْبِ إذا قلت أرأيت زيد أَبُو مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لِأَنَّ دُخُولَ مَعْنَى أَخْبِرْنِي فِيهَا لَا يَجْعَلُهَا بِمَنْزِلَةِ أَخْبِرْنِي فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي خِلَافَ قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي الْقُرْآنِ مُلْغَاةٌ لأن الاستفهام مطلوبها وعليه وقع فِي قَوْلِهِ ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يعلم﴾ فَقَوْلُهُ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ اسْتِفْهَامٌ وَعَلَيْهِ وَقَعَتْ أَرَأَيْتَ وكذلك أرأيتم وأرأيتكم فِي الْأَنْعَامِ وَالِاسْتِفْهَامُ وَاقِعٌ بَعْدَهَا نَحْوَ ﴿هَلْ يهلك إلا القوم الظالمون﴾ و ﴿الفاسقون﴾

стр. 1653

وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَنَعَ سِيبَوَيْهِ فِي أَرَأَيْتَ وأرأيتك وَلَا يُقَالُ أَرَأَيْتَكَ أَبُو مَنْ أَنْتَ قَالَ لكن الذي قال سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ لَكِنْ إِذَا وَلِيَ الِاسْتِفْهَامُ أَرَأَيْتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَفْعُولٌ سِوَى الْجُمْلَةِ وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي التَّنْزِيلِ فَلَيْسَتِ الجملة المستفهم عنها هي مفعول أرأيت ولم يكن لها مفعول مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ وَلَا بُدَّ مِنَ الشَّرْطِ بَعْدَهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا كَمَا تَقُولُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتَ الْعَدُوَّ أَتُقَاتِلُ أَمْ لَا تَقْدِيرُهُ أَرَأَيْتَ رَأْيَكَ وَصُنْعَكَ إِنْ لَقِيتَ العدو فحذف الشَّرْطِ وَهُوَ إِنَّ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ وَمُرْتَبِطٌ بِهِ وَالْجُمْلَةُ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُنْقَطِعٌ إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ بَيَانٍ لِمَا يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ وَلَوْ زَالَ الشَّرْطُ وَوَلِيَهَا الِاسْتِفْهَامُ لقبح كما قال سيبويه وغيره فِي عَلِمْتَ وَهَلْ عَلِمْتَ وَهَلْ رَأَيْتَ وَإِنَّمَا يتجه مَعَ أَرَأَيْتَ خَاصَّةً وَهِيَ الَّتِي دَخَلَهَا مَعْنَى أَخْبِرْنِي عَلِمَ الْعَرَفَانِيَّةُ لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْمَعَانِي نحو: ﴿لا تعلمون شيئا﴾ فَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نعلمهم﴾ وَقَوْلِهِ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ فَالتَّقْدِيرُ لَا تَعْلَمُ خَبَرَهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُ خَبَرَهُمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ صِدْقَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ نِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْيَقِينِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الظَّنِّ أَيْضًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات﴾ وله أن يقول: العلم على حقيقته. وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ اللِّسَانِيُّ

стр. 1654

ظَنَّ أَصْلُهَا لِلِاعْتِقَادِ الرَّاجِحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ ظنا أن يقيما﴾ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ لِأَنَّ الظَّنَّ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ الْيَقِينِ لَوْلَاهُ كَانَ جَهْلًا كَقَوْلِهِ تعالى ﴿يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ ﴿إني ظننت أني ملاق﴾ ﴿وظن أنه الفراق﴾ ﴿ألا يظن أولئك﴾ وَلِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي الْقُرْآنِ ضَابِطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ الظَّنُّ مَحْمُودًا مُثَابًا عَلَيْهِ فَهُوَ الْيَقِينُ وَحَيْثُ وُجِدَ مَذْمُومًا مُتَوَعَّدًا بِالْعِقَابِ عَلَيْهِ فَهُوَ الشَّكُّ الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ ظَنٍّ يَتَّصِلُ بَعْدَهُ "أَنْ" الْخَفِيفَةُ فَهُوَ شَكٌّ كَقَوْلِهِ ﴿إِنْ ظنا أن يقيما حدود الله﴾ وَقَوْلِهِ ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ وَكُلُّ ظَنٍّ يَتَّصِلُ بِهِ أَنَّ الْمُشَدَّدَةُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْيَقِينُ كَقَوْلِهِ ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حسابيه﴾ ﴿وظن أنه الفراق﴾ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُشَدَّدَةَ لِلتَّأْكِيدِ فَدَخَلَتْ عَلَى الْيَقِينِ وَأَنَّ الْخَفِيفَةَ بِخِلَافِهَا فَدَخَلَتْ فِي الشَّكِّ مِثَالُ الْأَوَّلِ، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضعفا﴾ ذكر بِـ" أَنَّ" وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الله﴾ ومثال الثاني: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ وَالْحُسْبَانُ الشَّكُّ فَإِنْ قِيلَ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ من الله إلا إليه﴾

стр. 1655

قيل: لأنها اتَّصَلَتْ بِالْفِعْلِ فَتَمَسَّكْ بِهَذَا الضَّابِطِ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَأَيْتُ الرَّاغِبَ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ الظَّنُّ أَعَمُّ أَلْفَاظِ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا حَصَلَ عَنْ أَمَارَةٍ فَمَتَى قَوِيَتْ أَدَّتْ إِلَى الْعِلْمِ وَمَتَى ضَعُفَتْ جِدًّا لَمْ تَتَجَاوَزْ حَدَّ الْوَهْمِ وَأَنَّهُ مَتَى قوي استعمل فيه أن المشددة وأن الْمُخَفَّفَةُ مِنْهَا وَمَتَى ضَعُفَ اسْتُعْمِلَ مَعَهُ إِنْ المختصة بالمعدومين من الفعل نَحْوُ ظَنَنْتُ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْ يَخْرُجَ فَالظَّنُّ إِذَا كَانَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَحْمُودٌ وَإِذَا كَانَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَمَذْمُومٌ فَمِنَ الْأَوَّلِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنهم ملاقو ربهم﴾ ومن الثاني: ﴿إن هم إلا يظنون﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شيئا﴾ فَائِدَةٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي بَابِ ظَنَّ عَلَى أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بضنين﴾ قَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالظَّاءِ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَالضَّمِيرُ هُوَ الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالضَّادِ وَهُوَ بِمَعْنَى فاعل وفيه ضمير هو فاعله والمعنى بخيل عَلَى الْغَيْبِ فَلَا يَمْنَعُهُ كَمَا تَفْعَلُهُ الْكُهَّانُ وَالْمَعْنَى عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ عَلَى الْغَيْبِ لِأَنَّهُ الصَّادِقُ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظنونا﴾ فإنها بمنزلتها في قولك نزلت بزيد

стр. 1656

شَعَرَ وَمِنْهُ شَعَرَ بِمَعْنَى عَلِمَ وَمَصْدَرُهُ شِعْرَةٌ بِكَسْرِ الشِّينِ كَالْفِطْنَةِ وَقَالُوا لَيْتَ شِعْرِي فَحَذَفُوا التَّاءَ مَعَ الْإِضَافَةِ لِلْكَثْرَةِ قَالَ الْفَارِسِيُّ وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّعَارِ وَهُوَ مَا يَلِي الْجَسَدَ فَكَأَنَّ شَعَرْتُ بِهِ عَلِمْتُهُ عِلْمَ حِسٍّ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ وَلِهَذَا لَمْ يُوصَفْ بِهِ اللَّهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ: ﴿وَهُمْ لا يشعرون﴾ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ لِلْبُعْدِ عَنِ الْفَهْمِ مِنْ وَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَإِنَّ الْبَهِيمَةَ قَدْ تَشْعُرُ بِحَيْثُ كَانَتْ تُحِسُّ فَكَأَنَّهُمْ وُصِفُوا بِنِهَايَةِ الذَّهَابِ عَنِ الْفَهْمِ وَعَلَى هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أموات بل أحياء﴾ إلى قوله ﴿ولكن لا تشعرون﴾ وَلَمْ يَقُلْ لَا تَعْلَمُونَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عَلِمُوا أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُمُ الْعِلْمَ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾ لِأَنَّهُ ليس كل ما علموه يشعرون به كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا عَلِمُوهُ يُحِسُّونَهُ بِحَوَاسِّهِمْ فَلَمَّا كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ بِحَوَاسِّهِمْ حَيَاتَهُمْ وأنهم علموها بإخبار الله وَجَبَ أَنْ يُقَالَ ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾ دُونَ لَا تَعْلَمُونَ عَسَى وَلَعَلَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا رَجَاءً وَطَمَعًا فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ لأن الخلق هم الذين يعرض لَهَمُ الشُّكُوكُ وَالظُّنُونُ وَالْبَارِئُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُمْكِنَةَ لِمَا كَانَ الْخَلْقُ يَشُكُّونَ فِيهَا

стр. 1657

وَلَا يَقْطَعُونَ عَلَى الْكَائِنِ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْكَائِنَ مِنْهَا عَلَى الصِّحَّةِ صَارَتْ لَهَا نِسْبَتَانِ: نِسْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تُسَمَّى نِسْبَةَ قَطْعٍ وَيَقِينٍ وَنِسْبَةٌ إِلَى الْمَخْلُوقِ وَتُسَمَّى نِسْبَةَ شَكٍّ وَظَنٍّ فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ لِذَلِكَ تَرِدُ تَارَةً بِلَفْظِ الْقَطْعِ بِحَسَبِ مَا هِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يحبهم ويحبونه﴾ وَتَارَةً بِلَفْظِ الشَّكِّ بِحَسَبِ مَا هِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ كَقَوْلِهِ ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بالفتح أو أمر من عنده﴾ ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يخشى﴾ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ حِينَ أَرْسَلَهُمَا مَا يُفْضِي إِلَيْهِ حَالُ فِرْعَوْنَ لَكِنْ وَرَدَ اللَّفْظُ بِصُورَةِ مَا يَخْتَلِجُ فِي نَفْسِ مُوسَى وَهَارُونَ مِنَ الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ انْهَضَا إِلَيْهِ وَقُولَا فِي نُفُوسِكُمَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ قَدْ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ وَالْعَرَبُ قَدْ تُخْرِجُ الْكَلَامَ الْمُتَيَقَّنَ فِي صُورَةِ الْمَشْكُوكِ لِأَغْرَاضَ فَتَقُولُ لَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يُسْخِطُنِي فَلَعَلَّكَ إِنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ سَتَنْدَمُ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ يَنْدَمُ لَا محالة ولكنه أخرجه مخرج الشك تحرير لِلْمَعْنَى وَمُبَالَغَةً فِيهِ أَيْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَوْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لَهُ فَكَيْفَ وَهُوَ كَائِنٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَبِنَحْوٍ مِنْ هَذَا فَسَّرَ الزَّجَّاجُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مسلمين﴾ وأما قوله: ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ ،فَاطِّلَاعُهُ إِلَى الْإِلَهِ مُسْتَحِيلٌ فَبِجَهْلِهِ اعْتَقَدَ فِي الْمُسْتَحِيلِ الْإِمْكَانِ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي الْإِلَهِ الْجِسْمِيَّةَ والمكان

стр. 1658

ونص ابن الدهان في لعل جواز استعماله فِي الْمُسْتَحِيلِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ لَعَلَّ زَمَانًا تَوَلَّى يَعُودُ وَقَالَ أَيْضًا: كُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَسَى فَاعِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَهِيَ وَاجِبَةٌ وَقَالَ قَوْمٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ قَالَ تعالى ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ وَلَمْ يُطَلِّقْهُنَّ وَلَمْ يُبَدِّلْ بِهِنَّ وَقَوْلُهُ: ﴿عَسَى ربكم أن يرحمكم﴾ وَهَذِهِ فِي بَنَى النَّضِيرِ وَقَدْ سَبَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَتَلَهُمْ وَأَبَادَهُمْ وَقَالَ أَيْضًا: وَهَذَا عِنْدِي مُتَأَوَّلٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَقْدِيرُهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ يُبْدِلْهُ وَمَا فَعَلَ فَهَذَا شَرْطٌ يَقَعُ فِيهِ الْجَزَاءُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ وَالثَّانِي تَقْدِيرُهُ إِنْ عُدْتُمْ رَحِمَكُمْ وَهُمْ أَصَرُّوا وَعَسَى عَلَى بَابِهَا قَالَ: وَعَسَى مَاضِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى لِأَنَّهُ طمع وذلك حصل فِي شَيْءٍ مُسْتَقْبَلٍ وَقَالَ: قَوْمٌ مَاضِي اللَّفْظِ مُسْتَقْبَلٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ طَمَعٍ يُرِيدُ أَنْ يَقَعَ وَاعْلَمْ أَنَّ عَسَى تُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْفَعُ اسْمًا صَرِيحًا وَيُؤْتَى بَعْدَهُ بِخَبَرٍ وَيَلْزَمُ كَوْنُهُ فِعْلًا مُضَارِعًا نَحْوُ عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَجُوزُ قَائِمًا لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَعَسَى الله أن يأتي بالفتح﴾ فيكون أن والفعل في موضع نصب بـ" عسى"

стр. 1659

وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَرْفُوعُ بِهَا أَنْ وَالْفِعْلُ وَهُوَ عَسَى أَنْ يَقُومَ زَيْدٌ فَلَا يَفْتَقِرُ هنا إلى منصوب ونظيره: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقاما محمودا﴾ لَا يَجُوزُ رَفْعُ رَبِّكِ بِـ "عَسَى" لِئَلَّا يَلْزَمَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِالْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ رَبُّكَ لِأَنَّ مَقَامًا مَحْمُودًا مَنْصُوبٌ بِـ" يَبْعَثَكَ" وَكَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خير لكم﴾ لِأَنَّ الضَّمِيرَيْنِ مُتَّصِلَانِ بِـ" تَكْرَهُوا" وَ"تُحِبُّوا" فلا يكون في عسى ضمير اتخذ قال تعالى: ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾ قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ تَخِذْتُ يَتَعَدَّى إِلَّا إِلَى وَاحِدٍ وَقِيلَ: أَصْلُ اتَّخَذْتُ تَخِذْتُ فَأَمَّا اتخذت فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما: ما يتعدى به إلى مفعول واحد كقوله تعالى: ﴿يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾ ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات﴾ ﴿واتخذوا من دونه آلهة﴾

стр. 1660

﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا﴾ ﴿كمثل العنكبوت اتخذت بيتا﴾ وَالثَّانِي: مَا يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ وَالثَّانِي مِنْهُمَا الْأَوَّلُ فِي الْمَعْنَى وَهُمَا إِمَّا مَذْكُورَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ وقال: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ ﴿فاتخذتموهم سخريا﴾ وَإِمَّا مَعَ حَذْفِ الْأَوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ ،فَمَفْعُولُ اتَّخَذُوا الْأَوَّلُ، الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ الرَّاجِعُ إِلَى الذين الثاني آلهة وقربانا عَلَى الْحَالِ. قَالَ الْكَوَاشِيُّ وَلَوْ نُصِبَ قُرْبَانًا مفعولا ثانيا وآلهته بَدَلًا مِنْهُ فَسَدَ الْمَعْنَى وَإِمَّا مَعَ حَذْفِ الثاني، كقوله: ﴿اتخذتم العجل﴾ ﴿اتخاذكم العجل﴾ ﴿اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عجلا جسدا﴾ ، تَقْدِيرُهُ فِي الْجَمِيعِ اتَّخَذُوهُ آلِهَةً لِأَنَّ نَفْسَ اقْتِنَاءِ الْعِجْلِ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فَيَتَعَيَّنُ تقدير آلهة الثَّالِثُ: مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾

стр. 1661

فَإِنْ جَوَّزْنَا زِيَادَةَ مَنْ فِي الْإِيجَابِ كَانَ مِنَ الْمُتَعَدِّي لِاثْنَيْنِ وَإِنْ مَنَعْنَا كَانَ لِوَاحِدٍ ونظيره جعلت قال ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ ،أَيْ خَلَقَهُمَا فَإِذَا تَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ كَانَ الثَّانِي الأول في المعنى كقوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ أَخَذَ تَجِيءُ بِمَعْنَى غَصَبَ وَمِنْهُ مَنْ أَخَذَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ وَبِمَعْنَى عَاقَبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أخذه أليم شديد﴾ ﴿أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾ ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ ﴿وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس﴾ ﴿فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾ ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا﴾

стр. 1662

وَ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ﴿ايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ وَتَجِيءُ لِلْمُقَارَبَةِ، قَالُوا: أَخَذَ يَفْعَلُ كَذَا كَمَا قَالُوا جَعَلَ يَقُولُ وَكَرَبَ يَقُولُ وَتَجِيءُ قَبْلَ القسم كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ وَبِمَعْنَى اعْمَلْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بقوة﴾ أَيِ اعْمَلُوا بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَانْتَهُوا عَمَّا نهيتهم عنه بجد واجتهاد سأل تتعدى لمفعوليين كَأَعْطَى وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ قَدْ تتعدى بِغَيْرِ حَرْفٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وليسألوا ما أنفقوا﴾ ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ وقد تتعدى بِالْحَرْفِ إِمَّا بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ واقع﴾ وإما بـ "عن" كَقَوْلِكِ: سَلْ عَنْ زَيْدٍ وَكَذَا ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ القرية﴾ وَالْمُتَعَدِّيَةُ لِمَفْعُولَيْنِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ أَعْطَيْتُ كَقَوْلِكَ سَأَلْتُ زَيْدًا بَعْدَ عَمْرٍو حَقًّا أَيِ اسْتَعْطَيْتُهُ أَوْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَفْعَلَ ذلك

стр. 1663

وَالثَّانِي: بِمَنْزِلَةِ: اخْتَرْتُ الرِّجَالَ زَيْدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ولا يسأل حميم حميما﴾ ،أي عن حميم لذهوله عنه والثاني: أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ الثَّانِي مِنْهُمَا اسْتِفْهَامٌ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم﴾ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ، فالمعنىسأل: سَائِلٌ النَّبِيَّ ﷺ أَوِ الْمُسْلِمِينَ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ فَذَكَرَ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ وَسُؤَالُهُمْ عَنِ الْعَذَابِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِعْجَالُهُمْ لَهُ كَاسْتِبْعَادِهِمْ لِوُقُوعِهِ وَلِرَدِّهِمْ مَا يُوعَدُونَ بِهِ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ من قبلهم المثلات﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ" مِنْ" فِيهِ مَوْضِعَ الْمَفْعُولِ الثَّانِي وَأَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفًا وَالصِّفَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حفي عنها﴾ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَنْهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالسُّؤَالِ كَأَنَّهُ يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا فَحَذَفَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فَحَسُنَ ذَلِكَ لِطُولِ الْكَلَامِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: ﴿عنها﴾ بمنزلة بها وتتصل بالحفاوة وعد فعل يتعدى لمفعوليين يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَأَعْطَيْتُهُ وَلَيْسَ كَظَنَنْتُ، قال

стр. 1664

تعالى: ﴿وواعدناكم جانب الطور الأيمن﴾ فَـ "جَانِبَ" مَفْعُولٌ ثَانٍ وَلَا يَكُونُ ظَرْفًا لِاخْتِصَاصِهِ أَيْ وَعُدْنَاكُمْ إِتْيَانَهُ أَوْ مُكْثًا فِيهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ فَالْغَنِيمَةُ تَكُونُ الْغُنْمَ فَإِنْ قُلْتَ: الْغُنْمُ حَدَثٌ لَا يُؤْخَذُ إِنَّمَا يَقَعُ الْأَخْذُ عَلَى الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَعَانِي قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَالْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقِ أَوْ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ أَيْ تَمْلِيكُ مَغَانِمَ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ليستخلفنهم﴾ فَإِنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ إِلَى مَفْعُولٍ ثان ولكن قوله: ﴿ليستخلفنهم﴾ ولهم: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْوَعْدِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين﴾ تبيين للوصية في قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حسنا﴾ ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ ،فَيُحْتَمَلُ انْتِصَابُ الْوَاحِدِ بِالْمَصْدَرِ أَوْ بِأَنَّهُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي وَسُمِّيَ الْمَوْعُودُ بِهِ الْوَعْدَ كَالْمَخْلُوقِ الْخَلْقَ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ وَ ﴿إِحْدَى﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ ثَانٍ وَ ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنْهُ أَيْ إِتْيَانَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ تَمْلِيكَهُ وَالطَّائِفَتَانِ الْعِيرُ وَالنَّصْرُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ﴾ فَمَنْ قَدَّرَ فِي أَنَّ الثَّانِيَةَ الْبَدَلُ

стр. 1665

فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّرَ مَحْذُوفًا لِيَتِمَّ الْكَلَامُ فَيَصِحُّ الْبَدَلُ وَالتَّقْدِيرُ أَيَعِدُكُمْ إِرَادَةَ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ لِيَكُونَ اسْمُ الزَّمَانِ خَبَرًا عَنِ الْحَدَثِ وَمَنْ قَدَّرَ فِي الثَّانِيَةِ الْبَدَلَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ فَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلنَّكِرَةِ وَقَدْ عَادَ الضَّمِيرُ فِيهَا إِلَى الْمَوْصُوفِ وَالْفِعْلُ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثلاثين ليلة﴾ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ ظَرْفًا لِأَنَّ الْوَعْدَ لَيْسَ فِي كُلِّهَا بَلْ فِي بَعْضِهَا فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثَانِيًا وَدَّ قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الأصبهاني بمعنى تمنى يستعمل معها لو وإن وَرُبَّمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ وَدُّوا لَوْ أَنْ فَعَلَ وَمَصْدَرُهُ الْوَدَادَةُ وَالِاسْمُ مِنْهُ وُدٌّ وَقَدْ يَتَدَاخَلَانِ فِي الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ وَقَالَ الرَّاغِبُ إِذَا كَانَ وَدَّ بِمَعْنَى أَحَبَّ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ لَوْ فِيهِ أَبَدًا وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، إذا كان بمعنى تمنى صلح للمضي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْمَاضِي لِأَنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ وَإِذَا كَانَ لِلْمَاضِي لَمْ يَجُزْ "أَنْ" وَإِذَا كَانَ لِلْحَالِ أَوْ لِلِاسْتِقْبَالِ جَازَ "أَنْ" وَ"لو" وفيما قاله نظرا لِأَنَّ "أَنْ" تُوصَلُ بِالْمَاضِي نَحْوُ سَرَّنِي أَنْ قمت

стр. 1666

قُلْتُ فَكَانَ الْأَحْسَنُ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِكَلَامِهِ وَهُوَ أَنَّهُ جَوَّزَ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْحَالِ دُخُولَ أَنْ وَهِيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِيهِ قَوَاعِدُ الْأُولَى إِذَا أُضِيفَ إِلَى جِنْسِهِ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ كَقَوْلِكَ زِيدٌ أَشْجَعُ الْأُسُودِ وَأَجْوَدُ السُّحُبِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى زِيدٌ أَشْجَعُ مِنَ الْأُسُودِ وَأَجْوَدُ مِنَ السُّحُبِ وَعَلَيْهِ قوله تعالى ﴿خير الرازقين﴾ و ﴿أحكم الحاكمين﴾ و ﴿أحسن الخالقين﴾ أَيْ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَنْ تَسَمَّى بِرَازِقٍ وَأَحْكَمُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَسَمَّى بِحَاكِمٍ كَذَا قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ السَّعْدِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ الَّذِي تَقَرَّرَ عَنِ الشُّيُوخِ أَنَّ أَفْعَلَ هَذِهِ لَا تُضَافُ إِلَّا وَيَكُونُ الْمُضَافُ بَعْضَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَلَا يُقَالُ هَذَا الْفَرَسُ أَسْبَقُ الْحَمِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضَ الْحَمِيرِ وَعَلَى هَذَا بَنَى الْبَصْرِيُّونَ مَنْعَ زَيْدٌ أَفْضَلُ إِخْوَتِهِ وَأَجَازُوا أَفْضَلُ الْإِخْوَةِ إِلَّا إِذَا أُخْرِجَتْ عَنْ مَعْنَاهَا فَإِنَّهُ قَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ الثَّانِيَةُ إذا ذكر بعد أفعل جنسه وواحد مِنْ آحَادِ جِنْسِهِ وَجَبَ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ كَقَوْلِكَ زيد أحسن الرجال وأحسن رجل وَإِذَا ذُكِرَ بَعْدَ مَا هُوَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَجَبَ نَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ نَحْوُ زَيْدٌ أَحْسَنُ وَجْهًا وَأَغْزَرُ عِلْمًا

стр. 1667

وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أو أشد خشية﴾ وقوله: ﴿أزكى طعاما﴾ فَقَدْ أُضِيفَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ وَانْتَصَبَ وَقَدْ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ هَذَا حَتَّى رَجَعُوا بِهِ إِلَى جَعْلِ أَشَدَّ لِغَيْرِ الْخَشْيَةِ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعْنَى: ﴿يخشون الناس كخشية الله﴾ أَيْ مِثْلِ أَهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ مِثْلِ قَوْمٍ أَشَدَّ خَشْيَةً مِنْ أَهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَلَى مِثْلِ هَذَا يُحْمَلُ مَا خَالَفَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الثَّالِثَةُ: الْأَصْلُ فِيهِ الْأَفْضَلِيَّةُ عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ وَأَشْكَلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هي أكبر من أختها﴾ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا مِنْ آيَةٍ مِنَ التِّسْعِ إِلَّا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَاضِلَةً وَمَفْضُوْلَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ الْغَرَضَ وَصْفُهُنَّ بِالْكِبَرِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعَادَةُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَفَاوَتُ فِي الْفَضْلِ التَّفَاوُتَ الْيَسِيرَ أَنْ تَخْتَلِفَ آرَاءُ النَّاسِ فِي تَفْضِيلِهَا وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ آرَاءُ الْوَاحِدِ فِيهَا كَقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ: مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لَاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يُهْدَى بِهَا السَّارِي وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَعْلَى أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا عِنْدَهُمْ وَقْتَ حُصُولِهَا لِأَنَّ لمشاهدة الآية في النفس أثر عَظِيمًا لَيْسَ لِلْغَائِبِ عَنْهَا الرَّابِعَةُ: قَالُوا: لَا يَنْبَنِي مِنَ الْعَاهَاتِ: فَلَا يُقَالُ: مَا أَعْوَرَ هَذِهِ الْفَرَسَ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:

стр. 1668

﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى﴾ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنَ الضَّلَالَةِ وَهُوَ مَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ لَا مِنْ عَمَى الْبَصَرِ الَّذِي يَحْجُبُ الْمَرْئِيَّاتِ عَنْهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِبَيَانِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ وَعَلَى هَذَا فَالْأَوَّلُ اسْمُ فَاعِلٍ وَالثَّانِي أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ فَقْدِ الْبَصِيرَةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ عَمَى الْعَيْنِ وَالْمَعْنَى مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ أَعْمَى فَلَا يَكُونُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْأَوَّلَ، على عَمَى الْقَلْبِ وَالثَّانِي عَلَى فَقْدِ الْبَصِيرَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَمْرٍو فَأَمَالَ الْأَوَّلَ وَتَرَكَ الْإِمَالَةَ فِي الثَّانِي لَمَّا كَانَ اسْمًا وَالِاسْمُ أَبْعَدُ مِنَ الْإِمَالَةِ الْخَامِسَةُ: يَكْثُرُ حَذْفُ الْمَفْضُولِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَكَانَ أَفْعَلُ خَبَرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خير﴾ ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى ألا ترتابوا﴾ ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ ﴿إنما عند الله هو خير لكم﴾ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أملا﴾ ﴿أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا﴾

стр. 1669

﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ وَقَدْ يُحْذَفُ الْمَفْضُولُ وَأَفْعَلُ لَيْسَ بِخَبَرٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿فإنه يعلم السر وأخفى﴾ السادسة: قد يجيء مجردا عن مَعْنَى التَّفْضِيلِ فَيَكُونُ لِلتَّفْضِيلِ لَا لِلْأَفْضَلِيَّةِ ثُمَّ هُوَ تَارَةً يَجِيءُ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرض﴾ وَمُؤَوَّلًا بِصِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عليه﴾ فـ "أعلم" هاهنا بِمَعْنَى عَالِمٌ بِكُمْ إِذْ لَا مُشَارِكَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى هَيِّنٍ إِذْ لَا تَفَاوُتَ فِي نِسْبَةِ الْمَقْدُورَاتِ إِلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى في النار خير﴾ وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أَوْ لَفْظًا لَا مَعْنًى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أعلم بما يستمعون به﴾ و ﴿نحن أعلم بما يقولون﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ من نفعه﴾ فَمَعْنَاهُ الضَّرَرُ بِعِبَادَتِهِ أَقْرَبُ مِنَ النَّفْعِ بِهَا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ: ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ وَلَا نَفْعَ مِنْ قَبْلِهِ أَلْبَتَّةَ؟ قِيلَ لَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ تَبْعِيدٌ لِنَفْعِهِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ

стр. 1670

لما لم يصح في اعتقادهم هَذَا بَعِيدٌ جَازَ الْإِخْبَارُ بِـ" بُعْدِ" نَفْعِ الْوَثَنِ وَالشَّاهِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ ﴿أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد﴾ السَّابِعَةُ: أَفْعَلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُضَافٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ وَمُعَرَّفٍ بِاللَّامِ، نَحْوُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ وَخَالٍ مِنْهُمَا وَيَلْزَمُ اتِّصَالُهُ بِـ" مِنْ" الَّتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ جَارَّةً لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أنا أكثر منك مالا﴾ وَقَدْ يُسْتَغْنَى بِتَقْدِيرِهَا عَنْ ذِكْرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وأعز نفرا﴾ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ خَبَرًا كقوله: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ وَحَيْثُ أُضِيفَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى جَمْعٍ مُعَرَّفٍ نَحْوُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَلَا يَجُوزُ زَيْدٌ أَفْضَلُ رَجُلٍ وَلَا أَفْضَلُ رِجَالٍ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ لَا بُدَّ أَنْ يكون جماعة يُفَضِّلُهَا وَإِنَّمَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ تَقُولَ أَفْضَلُ الرِّجَالِ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سافلين﴾ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُضَافٍ إِلَيْهِ تَقْدِيرًا بَلِ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ وَقَامَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ وَكَأَنَّهُ قال أسفل قوم سافلين ولا خلاف أَنَّهُ يُضَافُ إِلَى اسْمِ الْجَمْعِ مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا نحو أفضل الناس والقوم وأفضل ناس أفضل قَوْمٍ فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَجَازُوا تَنْكِيرَ هَذَا ولم يجيزوا ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ؟

стр. 1671

قُلْتُ: لِأَنَّ أَفْضَلُ الْقَوْمِ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ بَلْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ فَخَفَّفُوهُ بِتَرْكِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الثَّانِيَةِ إِذَا كَانَ أَفْعَلُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ مُضَافًا جَازَ تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ قَالَ تعالى: ﴿واتبعك الأرذلون﴾ و ﴿بالأخسرين أعمالا﴾ وقال في المفرد ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ وقال في الجمع: ﴿أكابر مجرميها﴾ و ﴿إلا الذين هم أراذلنا﴾ وَتَقُولُ فِي الْمُؤَنَّثِ هَذِهِ الْفُضْلَى قَالَ تَعَالَى: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ ﴿فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ وَحُكْمُ فَعَلَى حُكْمُ أَفْعَلَ لَا يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِ "مِنْ" إِلَّا مُضَافًا أَوْ مُعَرَّفًا بِأَلْ وَأَمَّا قوله: ﴿وأخر متشابهات﴾ فَقَالُوا إِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مِنْ أَيْ وَأُخَرُ مِنْهَا مُتَشَابِهَاتٌ تَنْبِيهٌ لَفَظُ سَوَاءٍ سَوَاءٌ: أَصْلُهُ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَلَيْسَ لَهُ اسْمٌ يَجْرِي عَلَيْهِ يُقَالُ اسْتَوَى اسْتِوَاءً وَسَاوَاهُ مُسَاوَاةً لَا غَيْرَ فَإِذَا وَقَعَ صِفَةً كَانَ بِمَعْنَى مُسْتَوٍ وَلِهَذَا تَقُولُ هُمَا سَوَاءٌ هُمْ سَوَاءٌ كَمَا تَقُولُ هُمَا عَدْلٌ وَهُمْ عَدْلٌ وَالسَّوَاءُ التَّامُّ وَمِنْهُ دِرْهَمٌ سَوَاءٌ أَيْ تَامٌّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿في أربعة أيام سواء﴾ أَيْ مُسْتَوِيَاتٍ وَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى

стр. 1672

الْمَصْدَرِ أَيِ اسْتَوَتِ اسْتِوَاءً كَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّكِرَةِ ويجيء السواء بمعنى الوسط كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أَيْ عَدْلٍ وَهُوَ الْحَقُّ قَالَ ابْنُ أَبِي الربيع: وسواء لا يَرْفَعُ الظَّاهِرَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمُضْمَرِ فِي سَوَاءٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِسَوَاءٍ وَهُوَ مِمَّا جَازَ فِي الْمَعْطُوفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ

стр. 1673

النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ والأدوات ... النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ مِنَ الْأَدَوَاتِ وَالْبَحْثِ عَنْ مَعَانِي الْحُرُوفِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُفَسِّرُ لِاخْتِلَافِ مَدْلُولِهَا وَلِهَذَا تَوَزَّعَ الْكَلَامُ عَلَى حَسَبِ مَوَاقِعِهَا وَتَرَجَّحَ اسْتِعْمَالُهَا فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضلال مبين﴾ ، فَاسْتُعْمِلَتْ "عَلَى" فِي جَانِبِ الْحَقِّ وَ"فِي" فِي جَانِبِ الْبَاطِلِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ كَأَنَّهُ مُسْتَعْلٍ يَرْقُبُ نَظَرُهُ كَيْفَ شَاءَ ظَاهِرَةٌ لَهُ الْأَشْيَاءُ وَصَاحِبُ الْبَاطِلِ كَأَنَّهُ مُنْغَمِسٌ فِي ظَلَامٍ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ فَعَطَفَ هَذِهِ الْجُمَلَ الثَّلَاثَ بِالْفَاءِ ثُمَّ لَمَّا انْقَطَعَ نِظَامُ التَّرْتِيبِ عَطَفَ بِالْوَاوِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وليتلطف﴾ ،إِذْ لَمْ يَكُنِ التَّلَطُّفُ مُتَرَتِّبًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِالطَّعَامِ كَمَا كَانَ الْإِتْيَانُ مِنْهُ مُرَتِّبًا عَلَى التَّوَجُّهِ فِي طَلَبِهِ وَالتَّوَجُّهُ فِي طَلَبِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَى قَطْعِ الْجِدَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ مُدَّةِ اللُّبْثِ بِتَسْلِيمِ الْعِلْمِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَكَمَا فِي قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الْآيَةَ فَعَدَلَ عَنِ اللَّامِ

стр. 1674

إِلَى "فِي" فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ إِيذَانًا بِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ اسْتِحْقَاقًا لِلتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ بِاللَّامِ لِأَنَّ "فِي" لِلْوِعَاءِ فَنَبَّهَ بِاسْتِعْمَالِهَا عَلَى أَنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بِأَنْ يَجْعَلُوا مَظِنَّةً لِوَضْعِ الصَّدَقَاتِ فِيهِمْ كَمَا يُوضَعُ الشَّيْءُ فِي وِعَائِهِ مُسْتَقِرًّا فِيهِ وَفِي تَكْرِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِ دَاخِلًا عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يقل والرقاب لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ فِيهِ أَقْرَبُ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي﴾ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَحْسَنَ بِي وَإِلَيَّ وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمَعَانِي وَأَلْيَقُهَا بِيُوسُفَ ﵇ "بِي" لِأَنَّهُ إِحْسَانٌ دَرَجَ فِيهِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الْغَايَةَ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ ، وَلَمْ يَقُلْ "عَلَى" كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ "على" للاستعلاء والمصلوب لا يجعل على رؤوس النَّخْلِ وَإِنَّمَا يُصْلَبُ فِي وَسَطِهَا فَكَانَتْ فِي أَحْسَنَ مِنْ عَلَى وَقَالَ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فان﴾ ،ولم يقل فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ عِنْدَ الْفَنَاءِ لَيْسَ هُنَاكَ حَالُ الْقَرَارِ وَالتَّمْكِينِ وَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يمشون على الأرض هونا﴾ وقال: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ ، وَمَا قَالَ: عَلَى الْأَرْضِ وَذَلِكَ لَمَّا وَصَفَ الْعِبَادَ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هُمْ عَلَيْهَا مُسْتَوْقِرُونَ وَلَمَّا أَرْشَدَهُ ونهاه عن فعل التبختر قال لا تَمْشِ فِيهَا مَرَحًا بَلِ امْشِ عَلَيْهَا هَوْنًا

стр. 1675

وقال تعالى: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ وقال: ابن عباس الحمد الله الذي قال: ﴿عن صلاتهم ساهون﴾ ،وَلَمْ يَقُلْ فِي صَلَاتِهِمْ وَقَالَ: صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فَلَوْ سَقَطَتْ مِنْ جَازَ كَوْنُ الْحِجَابِ فِي الوسط وإن تباعدت وإذا أتيت بـ" من" أَفَادَتْ أَنَّ الْحِجَابَ ابْتِدَاءٌ مِنْ أَوَّلِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ "مِنْ" وَانْتَهَى إِلَى غَايَتِهِ فَكَأَنَّ الْحِجَابَ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَقَالَ: كرر الجار في قوله: ﴿وعلى سمعهم﴾ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى شِدَّةِ الْخَتْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حِينَ اسْتَجَدَّ لَهُ تَعْدِيَةً أُخْرَى وَهَذَا كَثِيرٌ لَا يُمْكِنُ إِحْصَاؤُهُ وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ مَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ فَلْنَذْكُرْ مُهِمَّاتِ مَطَالِبِهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ

стр. 1676

الْهَمْزَةُ أَصْلُهَا الِاسْتِفْهَامُ وَهُوَ طَلَبُ الْإِفْهَامِ وَتَأْتِي لِطَلَبِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ بِخِلَافِ هَلْ فَإِنَّهَا لِلتَّصَوُّرِ خَاصَّةً وَالْهَمْزَةُ أَغْلَبُ دَوَرَانًا وَلِذَلِكَ كَانَتْ أُمَّ الْبَابِ وَاخْتَصَّتْ بِدُخُولِهَا عَلَى الْوَاوِ نَحْوُ: ﴿أَوَكُلَّمَا عاهدوا﴾ وعلى الفاء نحو: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ وَعَلَى ثُمَّ نَحْوُ: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ وَ"هَلْ" أَظْهَرُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالْفِعْلِ مِنَ الْهَمْزَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ﴿فهل أنتم منتهون﴾ و: ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ ،فذلك لتأكيد الطلب للأوصاف الثلاثة، حَيْثُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ أَدَلُّ عَلَى حُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَثُبُوتِهِ وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى طَلَبِهِ مِنْ فَهَلْ تَشْكُرُونَ وَهَلْ تُسْلِمُونَ لِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُعْدَلُ بِالْهَمْزَةِ عَنْ أَصْلِهَا فَيُتَجَوَّزُ بِهَا عن النفي والإيجاب والتقرير وغير ذلك الْمَعَانِي السَّالِفَةِ فِي بَحْثِ الِاسْتِفْهَامِ مَشْرُوحَةً فَانْظُرْهُ فيه مسألة في دخول الهمزة على رأيت وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى رَأَيْتَ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ أَوِ الْقَلْبِ وَصَارَتْ بِمَعْنَى أخبرني كقولك أرأيك زيدا مَا صَنَعَ فِي الْمَعْنَى تَعَدَّى بِحَرْفٍ وَفِي اللَّفْظِ تَعَدَّى بِنَفْسِهِ

стр. 1677

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ ﴿أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى﴾ ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾ مسألة في دخول الهمزة على "لم" وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى لَمْ أَفَادَتْ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّنْبِيهُ وَالتَّذْكِيرُ نَحْوُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وَالثَّانِي: التَّعَجُّبُ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ كَقَوْلِكَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى فُلَانٍ يَقُولُ كَذَا وَيَعْمَلُ كَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنْهُ وَكَيْفَ كَانَ فَهِيَ تحذير

стр. 1678

أَمْ حَرْفُ عَطْفٍ نَائِبٌ عَنْ تَكْرِيرِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ نَحْوُ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو؟ وَقِيلَ: إِنَّمَا تُشْرِكُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ كَمَا تُشْرِكُ بَيْنَهَا "أَوْ" وَقِيلَ: فِيهَا مَعْنَى الْعَطْفِ وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ كَالْأَلِفِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ لِأَجْلِ مَعْنَى الْعَطْفِ وَقِيلَ هِيَ "أَوْ" أبدلت الميم مِنَ الْوَاوِ لِيُحَوَّلَ إِلَى مَعْنًى يُرِيدُ إِلَى مَعْنَى "أَوْ" وَهِيَ قِسْمَانِ: مُتَّصِلَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ: فَالْمُتَّصِلَةُ: هِيَ الْوَاقِعَةُ فِي الْعَطْفِ وَالْوَارِدُ بَعْدَهَا وَقَبْلَهَا كَلَامٌ وَاحِدٌ وَالْمُرَادُ بِهَا الِاسْتِفْهَامُ عَنِ التَّعْيِينِ فَلِهَذَا يُقَدَّرُ بِأَيْ وَشَرْطُهَا أَنْ تَتَقَدَّمَهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَيَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُفْرَدًا أَوْ فِي تَقْدِيرِهِ وَالْمُنْفَصِلَةُ: مَا فُقِدَ فِيهَا الشَّرْطَانِ أَوْ أحدهما وتقدر بـ"بَلْ" وَالْهَمْزَةُ ثُمَّ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي كَيْفِيَّةِ تقدير المنفصلة في ثلاث مَذَاهِبَ حَكَاهَا الصَّفَّارُ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تُقَدَّرُ بِهِمَا وَهِيَ بِمَعْنَاهُمَا فَتُفِيدُ الْإِضْرَابَ عَمَّا قَبْلَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّحَوُّلِ وَالِانْتِقَالِ كَـ" بَلْ" وَالِاسْتِفْهَامَ عَمَّا بَعْدَهَا وَمِنْ ثَمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْتَفْهِمَ مُبْتَدِئًا كَلَامَكَ بِـ" أَمْ" وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ كَلَامٍ لِإِفَادَتِهَا الْإِضْرَابَ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: وَالْفَارِقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ" بَلْ" أَنَّ مَا بَعْدَ "بَلْ" مَنْفِيٌّ وَمَا بَعْدَ أَمْ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ بَلْ خَاصَّةً والاستفهام محذوف بعدها وليست مُفِيدَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ فِي مَعَانِي القرآن

стр. 1679

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ وَالْإِضْرَابُ مَفْهُومٌ مِنْ أَخْذِكَ فِي كَلَامٍ آخَرَ وَتَرْكِ الْأَوَّلِ قَالَ الصَّفَّارُ: فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يُعْطِي فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ فَيَبْقَى التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَجَّحَ الْأَخِيرُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ كَلَامِهِمْ إِنَّهَا لَإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ وَيَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي حَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ مِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنِ الِاسْتِفْهَامِ وَكَذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَّصِلَةَ يَصِيرُ مَعَهَا الِاسْمَانِ بِمَنْزِلَةِ "أَيْ" وَيَكُونُ مَا ذُكِرَ خَبَرًا عَنْ "أَيْ" فَإِذَا قُلْتَ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ؟ أَمْ عَمْرٌو؟ فَالْمَعْنَى أَيُّهُمَا عِنْدَكَ؟ وَالظَّرْفُ خَبَرٌ لَهُمَا ثُمَّ الْمُتَّصِلَةُ تَكُونُ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى مِثْلِهِ نَحْوُ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خير أم الله الواحد القهار﴾ ،أَيْ أَيُّ الْمَعْبُودِينَ خَيْرٌ وَفِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَأَوَّلَتَيْنِ بِالْمُفْرَدِ نَحْوُ: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شجرتها أم نحن المنشئون﴾ ،أَيِ الْحَالُ هَذِهِ أَمْ هَذِهِ؟ وَالْمُنْقَطِعَةُ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى عَطْفِ الْجُمَلِ وَهِيَ فِي الْخَبَرِ وَالِاسْتِفْهَامِ بِمَثَابَةِ بَلْ وَالْهَمْزَةِ وَمَعْنَاهَا فِي الْقُرْآنِ التَّوْبِيخُ كَمَا كَانَ فِي الْهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات﴾ أَيْ بَلْ أَتَّخَذَ؟ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهَا خَبَرٌ وَالْمُرَادُ بِهَا التَّوْبِيخُ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَجَرَى عَلَى كَلَامِ الْعِبَادِ وَقَوْلِهِ: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا ريب فيه﴾ ثم قال: ﴿أم يقولون

стр. 1680

افتراه﴾ تَقْدِيرُهُ بَلْ أَيَقُولُونَ؟ كَذَا جَعَلَهَا سِيبَوَيْهِ مُنْقَطِعَةً لِأَنَّهَا بَعْدَ الْخَبَرِ. ثُمَّ وَجَّهَ اعْتِرَاضًا: كَيْفَ يستفهم الله عَنْ قَوْلِهِمْ هَذَا وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ جَاءَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُرِيدُ أَنَّ فِي كَلَامِهِمْ يَكُونُ الْمُسْتَفْهِمُ مُحَقِّقًا لِلشَّيْءِ لَكِنْ يُورِدُهُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يتذكر أو يخشى﴾ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَتَذَكَّرُ وَلَا يَخْشَى لَكِنَّهُ أَرَادَ لَعَلَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي رَجَائِكُمَا وَقَوْلِهِ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ تَقْدِيرُهُ بَلْ أَتَّخَذَ؟ بِهَمْزَةٍ مُنْقَطِعَةٍ لِلْإِنْكَارِ وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى بَلْ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أمن خلق السماوات والأرض﴾ وَمَا بَعْدَهَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: وَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدِي إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى بَلْ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يقولون شاعر﴾ وقوله: ﴿أم كان من الغائبين﴾ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ من هذا الذي هو مهين﴾ بِمَعْنَى بَلْ وَلَيْسَ بِحَرْفِ عَطْفٍ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعَانِي: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ أَمْ وَحِينَئِذٍ تَمَّ الْكَلَامُ وَفِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ وَالْأَصْلُ: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أَمْ تُبْصِرُونَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ قُلْتُ: فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً وَعَلَى الثَّانِي مُتَّصِلَةً وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ، قَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِنَّهَا زَائِدَةٌ وَإِنَّ التَّقْدِيرَ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ! وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمْ عَنِ اسْتِوَاءِ عِلْمِهِ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَدْرَكَهُ

стр. 1681

الشَّكُّ فِي تَبَصُّرِهِمْ بَعْدَ مَا مَضَى كَلَامُهُ عَلَى التَّقْرِيرِ وَهُوَ مُثْبَتٌ وَجَوَابُ السُّؤَالِ بَلَى فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الشَّكُّ فِي تَبَصُّرِهِمْ قَالَ: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ وَسَأَلَ ابْنُ طَاهِرٍ شَيْخَهُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ الرَّمَّاكِ: لِمَ لَمْ يَجْعَلْ سِيبَوَيْهِ أَمْ مُتَّصِلَةً! أَيْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ تُبْصِرُونَ؟ أَيْ أَيُّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْكُمْ؟ فَلَمْ يُحْرِ جَوَابًا، وَغَضِبَ وَبَقِيَ جُمُعَةً لَا يُقَرِّرُ حَتَّى اسْتَعْطَفَهُ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ظن أنهم يبصرون لأنه معنى وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ﴾ ،فَأَضْرَبَ عَنِ الْأَوَّلِ وَاسْتَفْهَمَ كَذَلِكَ أَزْيَدٌ عِنْدَكَ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِبْصَارُ وَعَدَمُهُ مُتَعَادِلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَدْءِ بِالنَّفْيِ مَعْنًى فَلَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً وَقَدْ تَحْتَمِلُ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْقَطِعَةَ كَمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ قَالَ الْوَاحِدِيُّ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ قَبْلَهُ اسْتِفْهَامًا رد عليه وهو قوله: ﴿ألم تعلم﴾ وَإِنْ شِئْتَ مُنْقَطِعَةً عَمَّا قَبْلَهَا مُسْتَأْنَفًا بِهَا الِاسْتِفْهَامُ فَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا مُتَوَسِّطًا فِي اللَّفْظِ مُبْتَدَأً فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مصر﴾ الآية ثم قال: ﴿أم أنا خير﴾ انْتَهَى وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ إِنَّهَا هاهنا مُنْقَطِعَةٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ هَمْزَةٌ تَقَعُ مَوْقِعَهَا وَمَوْقِعُ أَمْ أَيُّهُمَا وَالْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ لَيْسَتْ مِنْ أَمْ فِي شَيْءٍ وَالتَّقْدِيرُ بَلْ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا فَخَرَجَ بِـ "أَمْ" مِنْ كَلَامٍ إِلَى آخَرَ

стр. 1682

وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارة أخرى﴾ وَمَعْنَى أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ أَيْ تُرِيدُونَ؟ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجنة﴾ وقوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ ،أَيْ أَيَحْسُدُونَ؟ وَقَوْلِهِ: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أم زاغت عنهم الأبصار﴾ أي زاغت عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ؟ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ البنون﴾ أَيْ أَلَهُ! ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أَيْ أَتَسْأَلُهُمْ أَجْرًا؟ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ قِيلَ: أَيْ أَظَنَنْتَ هَذَا؟ وَمِنْ عَجَائِبِ رَبِّكِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ! وَقِيلَ: بِمَعْنَى أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ كَأَنَّهُ قَالَ أَحَسِبْتَ؟ وَحَسِبْتَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُخَاطِبُهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّ زَيْدًا خَرَجَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيِ اعلم أن زيد خَرَجَ فَعَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ

стр. 1683

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتخذ مما يخلق بنات﴾ تَقْدِيرُهُ بَلْ أَتَّخَذَ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ عَلَى الْإِنْكَارِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ هَمْزَةَ وَصْلٍ لَصَارَ إِثْبَاتًا تَعَالَى الله عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ أَمِ الْمُنْقَطِعَةُ بِمَعْنَى بَلْ وَحْدَهَا دُونَ الْهَمْزَةِ وَمَا بَعْدَ بَلْ مُتَحَقِّقٌ فَيَصِيرُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ مُتَحَقِّقًا تَعَالَى الله عن ذلك مسألة في ضرورة تقدم الاستفهام على "أم" أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا اسْتِفْهَامٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَالَّذِي فِي مَعْنَاهُ التَّسْوِيَةُ فَإِنَّ الَّذِي يَسْتَفْهِمُ اسْتَوَى عِنْدَهُ الطَّرَفَانِ وَلِهَذَا يسأل وكذا المسئول استوى عنه الْأَمْرَانِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُعَادَلَةَ تَقَعُ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ وَبَيْنَ جُمْلَتَيْنِ وَالْجُمْلَتَانِ يَكُونَانِ اسْمِيَّتَيْنِ وَفِعْلِيَّتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَادِلَ بَيْنَ اسْمِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الِاسْمِيَّةُ بِمَعْنَى الْفِعْلِيَّةِ أَوِ الْفِعْلِيَّةُ بِمَعْنَى الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ أَيْ أَمْ صَمَتُّمْ وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أنا خير﴾ لِأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا لَهُ أَنْتَ خَيْرٌ كَانُوا عِنْدَهُ بُصَرَاءَ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنْتُمْ بُصَرَاءُ؟ قَالَ الصَّفَّارُ: إِذَا كَانَتِ الْجُمْلَتَانِ مُوجَبَتَيْنِ قَدَّمْتَ أَيَّهُمَا شِئْتَ وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَنْفِيَّةً أَخَّرْتَهَا فَقُلْتَ أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ لَمْ يَقُمْ وَلَا يَجُوزُ أَلَمْ يَقُمْ أَمْ لَا ولا سواء على ألم ثم أَمْ قُمْتَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ سَوَاءٌ عَلَيَّ أَقُمْتَ أَمْ لَا يُرِيدُونَ أَمْ لَمْ تَقُمْ فَيَحْذِفُونَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا سَوَاءٌ عَلَيَّ أَمْ قُمْتَ لِأَنَّهُ حُذِفَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَحُمِلَتْ سَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمَنْفِيَّةِ عَلَى هَذَا

стр. 1684

قَالَ: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا الِاسْتِفْهَامُ أَوِ التَّسْوِيَةُ بِخِلَافِ أَوْ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُهَا كُلُّ كَلَامٍ إِلَّا التَّسْوِيَةَ فَلَا تَقُولُ سَوَاءٌ عَلَيَّ قُمْتَ أَوْ قَعَدْتَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ سَوَاءً مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّفَّارُ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ السؤال أو غير السؤال بـ "أم" فَإِذَا قُلْتَ: أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو فَجَوَابُ هَذَا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو وَجَوَابُ أَوْ نَعَمْ أولا وَلَوْ قُلْتَ فِي جَوَابِ الْأَوَّلِ نَعَمْ أَوْ لَا كَانَ مُحَالًا لِأَنَّكَ مُدَّعٍ أَنَّ أَحَدَهُمَا عِنْدَهُ فَإِنْ قُلْتَ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فِي جَوَابِ أَقَامَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو؟ قُلْتُ: يَكُونُ تَطَوُّعًا بِمَا لَا يَلْزَمُ وَلَا قِيَاسَ يَمْنَعُهُ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ: وَضْعُ أَمْ لِلْعِلْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِخِلَافِ أَوْ فَأَنْتَ مَعَ أَمْ عَالِمٌ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا عِنْدَهُ مُسْتَفْهِمٌ عَنِ التَّعْيِينِ وَمَعَ أَوْ مُسْتَفْهِمٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ فِي الْخَبَرِ فَإِذَا قُلْتَ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَوْ عَمْرٌو فَمَعْنَاهُ هَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عِنْدَكَ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ جَوَابُهُ نَعَمْ أَوْ لَا مُسْتَقِيمًا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَقِيمًا فِي أَمْ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ التَّعْيِينِ

стр. 1685

إِذَنْ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَدُلَّ عَلَى إِنْشَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَالشَّرْطِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الِارْتِبَاطُ مِنْ غَيْرِهَا نَحْوُ أَزُورُكَ فَتَقُولُ إِذَنْ أُكْرِمَكَ وَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَامِلَةٌ تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فَتَنْصِبُ الْمُضَارِعَ الْمُسْتَقْبَلَ إِذَا صُدِّرَتْ وَلَمْ تُفْصَلْ وَلَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ حَالًا وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِجَوَابٍ ارْتَبَطَ بِمُقَدَّمٍ أَوْ مُنَبِّهَةً عَلَى سَبَبٍ حَصَلَ فِي الْحَالِ وَهِيَ فِي الْحَالِ غَيْرُ عَامِلَةٍ لِأَنَّ الْمُؤَكِّدَاتِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَالْعَامِلَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ نَحْوُ إِنْ تَأْتِنِي إِذَنْ آتِكَ وَاللَّهِ إِذَنْ لَأَفْعَلَنَّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَفُهِمَ الِارْتِبَاطُ وَتَدْخُلُ هَذِهِ على الاسمية نحو أزورك فتقول إن أَنَا أُكْرِمُكَ وَيَجُوزُ تَوَسُّطُهَا وَتَأَخُّرُهَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظالمين﴾ فَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجَوَابِ وَتَرْبُطُهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهَا مَعْنًى ثَالِثًا وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِنْ إِذِ الَّتِي هِيَ ظَرْفُ زَمَنٍ مَاضٍ وَمِنْ جُمْلَةٍ بَعْدَهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لَكِنْ حُذِفَتِ الْجُمْلَةُ تَخْفِيفًا وَأُبْدِلَ التَّنْوِينُ مِنْهَا كَمَا فِي قَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ النَّاصِبَةُ الْمُضَارِعَ لِأَنَّ تِلْكَ تَخْتَصُّ بِهِ وَكَذَلِكَ مَا عَمِلَتْ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ وَهَذِهِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ تَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي نَحْوُ: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجرا عظيما﴾ ﴿إذا لأمسكتم خشية الأنفاق﴾ و: ﴿إذا لأذقناك﴾
следующие страницы →