← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الشَّكُّ فِي تَبَصُّرِهِمْ بَعْدَ مَا مَضَى كَلَامُهُ عَلَى التَّقْرِيرِ وَهُوَ مُثْبَتٌ وَجَوَابُ السُّؤَالِ بَلَى فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الشَّكُّ فِي تَبَصُّرِهِمْ قَالَ: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ وَسَأَلَ ابْنُ طَاهِرٍ شَيْخَهُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ الرَّمَّاكِ: لِمَ لَمْ يَجْعَلْ سِيبَوَيْهِ أَمْ مُتَّصِلَةً! أَيْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ تُبْصِرُونَ؟ أَيْ أَيُّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْكُمْ؟ فَلَمْ يُحْرِ جَوَابًا، وَغَضِبَ وَبَقِيَ جُمُعَةً لَا يُقَرِّرُ حَتَّى اسْتَعْطَفَهُ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ظن أنهم يبصرون لأنه معنى وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ﴾ ،فَأَضْرَبَ عَنِ الْأَوَّلِ وَاسْتَفْهَمَ كَذَلِكَ أَزْيَدٌ عِنْدَكَ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِبْصَارُ وَعَدَمُهُ مُتَعَادِلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَدْءِ بِالنَّفْيِ مَعْنًى فَلَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً وَقَدْ تَحْتَمِلُ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْقَطِعَةَ كَمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ قَالَ الْوَاحِدِيُّ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ قَبْلَهُ اسْتِفْهَامًا رد عليه وهو قوله: ﴿ألم تعلم﴾ وَإِنْ شِئْتَ مُنْقَطِعَةً عَمَّا قَبْلَهَا مُسْتَأْنَفًا بِهَا الِاسْتِفْهَامُ فَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا مُتَوَسِّطًا فِي اللَّفْظِ مُبْتَدَأً فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مصر﴾ الآية ثم قال: ﴿أم أنا خير﴾ انْتَهَى وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ إِنَّهَا هاهنا مُنْقَطِعَةٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ هَمْزَةٌ تَقَعُ مَوْقِعَهَا وَمَوْقِعُ أَمْ أَيُّهُمَا وَالْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ لَيْسَتْ مِنْ أَمْ فِي شَيْءٍ وَالتَّقْدِيرُ بَلْ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا فَخَرَجَ بِـ "أَمْ" مِنْ كَلَامٍ إِلَى آخَرَ

стр. 1682

وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارة أخرى﴾ وَمَعْنَى أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم﴾ أَيْ تُرِيدُونَ؟ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجنة﴾ وقوله: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ ،أَيْ أَيَحْسُدُونَ؟ وَقَوْلِهِ: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أم زاغت عنهم الأبصار﴾ أي زاغت عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ؟ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ البنون﴾ أَيْ أَلَهُ! ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ أَيْ أَتَسْأَلُهُمْ أَجْرًا؟ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ قِيلَ: أَيْ أَظَنَنْتَ هَذَا؟ وَمِنْ عَجَائِبِ رَبِّكِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ! وَقِيلَ: بِمَعْنَى أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ كَأَنَّهُ قَالَ أَحَسِبْتَ؟ وَحَسِبْتَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُخَاطِبُهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّ زَيْدًا خَرَجَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيِ اعلم أن زيد خَرَجَ فَعَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ

стр. 1683

وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتخذ مما يخلق بنات﴾ تَقْدِيرُهُ بَلْ أَتَّخَذَ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ عَلَى الْإِنْكَارِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ هَمْزَةَ وَصْلٍ لَصَارَ إِثْبَاتًا تَعَالَى الله عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ أَمِ الْمُنْقَطِعَةُ بِمَعْنَى بَلْ وَحْدَهَا دُونَ الْهَمْزَةِ وَمَا بَعْدَ بَلْ مُتَحَقِّقٌ فَيَصِيرُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ مُتَحَقِّقًا تَعَالَى الله عن ذلك مسألة في ضرورة تقدم الاستفهام على "أم" أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا اسْتِفْهَامٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَالَّذِي فِي مَعْنَاهُ التَّسْوِيَةُ فَإِنَّ الَّذِي يَسْتَفْهِمُ اسْتَوَى عِنْدَهُ الطَّرَفَانِ وَلِهَذَا يسأل وكذا المسئول استوى عنه الْأَمْرَانِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُعَادَلَةَ تَقَعُ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ وَبَيْنَ جُمْلَتَيْنِ وَالْجُمْلَتَانِ يَكُونَانِ اسْمِيَّتَيْنِ وَفِعْلِيَّتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَادِلَ بَيْنَ اسْمِيَّةٍ وَفِعْلِيَّةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الِاسْمِيَّةُ بِمَعْنَى الْفِعْلِيَّةِ أَوِ الْفِعْلِيَّةُ بِمَعْنَى الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ أَيْ أَمْ صَمَتُّمْ وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أنا خير﴾ لِأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا لَهُ أَنْتَ خَيْرٌ كَانُوا عِنْدَهُ بُصَرَاءَ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنْتُمْ بُصَرَاءُ؟ قَالَ الصَّفَّارُ: إِذَا كَانَتِ الْجُمْلَتَانِ مُوجَبَتَيْنِ قَدَّمْتَ أَيَّهُمَا شِئْتَ وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مَنْفِيَّةً أَخَّرْتَهَا فَقُلْتَ أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ لَمْ يَقُمْ وَلَا يَجُوزُ أَلَمْ يَقُمْ أَمْ لَا ولا سواء على ألم ثم أَمْ قُمْتَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ سَوَاءٌ عَلَيَّ أَقُمْتَ أَمْ لَا يُرِيدُونَ أَمْ لَمْ تَقُمْ فَيَحْذِفُونَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا سَوَاءٌ عَلَيَّ أَمْ قُمْتَ لِأَنَّهُ حُذِفَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَحُمِلَتْ سَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمَنْفِيَّةِ عَلَى هَذَا

стр. 1684

قَالَ: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا الِاسْتِفْهَامُ أَوِ التَّسْوِيَةُ بِخِلَافِ أَوْ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُهَا كُلُّ كَلَامٍ إِلَّا التَّسْوِيَةَ فَلَا تَقُولُ سَوَاءٌ عَلَيَّ قُمْتَ أَوْ قَعَدْتَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ سَوَاءً مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّفَّارُ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ السؤال أو غير السؤال بـ "أم" فَإِذَا قُلْتَ: أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو فَجَوَابُ هَذَا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو وَجَوَابُ أَوْ نَعَمْ أولا وَلَوْ قُلْتَ فِي جَوَابِ الْأَوَّلِ نَعَمْ أَوْ لَا كَانَ مُحَالًا لِأَنَّكَ مُدَّعٍ أَنَّ أَحَدَهُمَا عِنْدَهُ فَإِنْ قُلْتَ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فِي جَوَابِ أَقَامَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو؟ قُلْتُ: يَكُونُ تَطَوُّعًا بِمَا لَا يَلْزَمُ وَلَا قِيَاسَ يَمْنَعُهُ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ: وَضْعُ أَمْ لِلْعِلْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِخِلَافِ أَوْ فَأَنْتَ مَعَ أَمْ عَالِمٌ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا عِنْدَهُ مُسْتَفْهِمٌ عَنِ التَّعْيِينِ وَمَعَ أَوْ مُسْتَفْهِمٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ فِي الْخَبَرِ فَإِذَا قُلْتَ أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَوْ عَمْرٌو فَمَعْنَاهُ هَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عِنْدَكَ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ جَوَابُهُ نَعَمْ أَوْ لَا مُسْتَقِيمًا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَقِيمًا فِي أَمْ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ التَّعْيِينِ

стр. 1685

إِذَنْ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَدُلَّ عَلَى إِنْشَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَالشَّرْطِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الِارْتِبَاطُ مِنْ غَيْرِهَا نَحْوُ أَزُورُكَ فَتَقُولُ إِذَنْ أُكْرِمَكَ وَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ عَامِلَةٌ تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فَتَنْصِبُ الْمُضَارِعَ الْمُسْتَقْبَلَ إِذَا صُدِّرَتْ وَلَمْ تُفْصَلْ وَلَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ حَالًا وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِجَوَابٍ ارْتَبَطَ بِمُقَدَّمٍ أَوْ مُنَبِّهَةً عَلَى سَبَبٍ حَصَلَ فِي الْحَالِ وَهِيَ فِي الْحَالِ غَيْرُ عَامِلَةٍ لِأَنَّ الْمُؤَكِّدَاتِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَالْعَامِلَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ نَحْوُ إِنْ تَأْتِنِي إِذَنْ آتِكَ وَاللَّهِ إِذَنْ لَأَفْعَلَنَّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَفُهِمَ الِارْتِبَاطُ وَتَدْخُلُ هَذِهِ على الاسمية نحو أزورك فتقول إن أَنَا أُكْرِمُكَ وَيَجُوزُ تَوَسُّطُهَا وَتَأَخُّرُهَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظالمين﴾ فَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجَوَابِ وَتَرْبُطُهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهَا مَعْنًى ثَالِثًا وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِنْ إِذِ الَّتِي هِيَ ظَرْفُ زَمَنٍ مَاضٍ وَمِنْ جُمْلَةٍ بَعْدَهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لَكِنْ حُذِفَتِ الْجُمْلَةُ تَخْفِيفًا وَأُبْدِلَ التَّنْوِينُ مِنْهَا كَمَا فِي قَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ النَّاصِبَةُ الْمُضَارِعَ لِأَنَّ تِلْكَ تَخْتَصُّ بِهِ وَكَذَلِكَ مَا عَمِلَتْ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ وَهَذِهِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ تَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي نَحْوُ: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجرا عظيما﴾ ﴿إذا لأمسكتم خشية الأنفاق﴾ و: ﴿إذا لأذقناك﴾

стр. 1686

وَعَلَى الِاسْمِ، نَحْوُ إِنْ كُنْتُ ظَالِمًا فَإِذَنْ حُكْمُكَ فِيَّ مَاضٍ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لمن المقربين﴾ وَرَامَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ جَعْلَهَا فِيهِ بِمَعْنَى بَعْدَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحَاةُ لَكِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ قَدْ تُحْذَفُ الْجُمْلَةُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا إِذْ وَيُعَوِّضُ عَنْهَا التَّنْوِينُ كَيَوْمِئِذٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا حَذْفَ الْجُمْلَةِ مِنْ إِذًا وَتَعْوِيضَ التَّنْوِينِ عَنْهَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ: فِي التَّذْكِرَةِ ذَكَرَ لِي عَلَمُ الدِّينِ الْبَلْقِينِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ رَزِينٍ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ إِذَنْ عِوَضٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلٍ نَحْوِيٍّ انْتَهَى وَقَالَ الْقَاضِي ابن الجويني: وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ لِمَنْ قَالَ أَنَا آتِيكَ إِذَنْ أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى إِذَا أَتَيْتَنِي أُكْرِمُكَ فَحَذَفَ أَتَيْتَنِي وَعَوَّضَ التَّنْوِينُ عَنِ الْجُمْلَةِ فَسَقَطَتِ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَقَالَ: وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقُ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمِثَالِ مَنْصُوبٌ بِـ "إِذَنْ" لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ حَرْفًا نَاصِبًا لِلْفِعْلِ وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ رَفْعُ الْفِعْلِ بَعْدَهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ إِذِ الزَّمَانِيَّةُ مُعَوِّضًا عَنْ جُمْلَتِهِ التَّنْوِينُ كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْزِمُ مَا بَعْدَهَا نَحْوُ مَنْ يَزُرْنِي أُكْرِمْهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ الشَّرْطِيَّةَ وَلَا يُمْنَعُ مَعَ ذَلِكَ الرَّفْعُ بِهَا إِذَا أُرِيدَ الموصولة نحو من يزورني أكرمه قيل: ولولا قَوْلُ النُّحَاةِ إِنَّهُ لَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ وَإِنَّ إِذَنْ عَامِلَةٌ فِي الْمُضَارِعِ لَقِيلَ إِنَّ إِذَنْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ وَإِنَّ مَعْنَاهَا تَقْيِيدُ مَا بَعْدَهَا بِزَمَنٍ أَوْ حَالٍ لِأَنَّ

стр. 1687

مَعْنَى قَوْلِهِمْ: أَنَا أَزُورُكَ فَيَقُولُ السَّامِعُ إِذَنْ أكرمك وهو بِمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَا أُكْرِمُكَ زَمَنَ أَوْ حَالَ أَوْ عِنْدَ زِيَارَتِكَ لِي ثُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَعْنَاهَا الْجَوَابُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ إِذَنْ يَقُومَ زَيْدٌ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ تُجِيبَ به أحد وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضالين﴾ فيحمل عَلَى أَنَّهُ لِجَوَابٍ مُقَدَّرٍ، وَأَنَّهُ أَجَابَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الكافرين﴾ أَيْ بِأَنْعُمِنَا فَأَجَابَ: لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ كُفْرًا لِلنِّعْمَةِ كَمَا زَعَمْتَ بَلْ فَعَلْتُهَا وَأَنَا غَيْرُ عَارِفٍ بِأَنَّ الْوَكْزَةَ تَقْضِي بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ ﴿وأنا من الجاهلين﴾

стр. 1688

إِذَا نَوْعَانِ ظَرْفٌ وَمُفَاجَأَةٌ فَالَّتِي لِلْمُفَاجَأَةِ نَحْوُ: خَرَجْتُ فَإِذَا السَّبْعُ وَتَجِيءُ اسْمًا وَحَرْفًا فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا كَانَتْ ظَرْفَ مَكَانٍ وَإِذَا كَانَتْ حَرْفًا كَانَتْ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي الدَّالَّةِ عَلَى الْمُفَاجَأَةِ كَمَا أَنَّ الْهَمْزَةَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فَإِذَا قُلْتَ خَرَجْتُ فَإِذَا زَيْدٌ فَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ إِذَا ظَرْفَ مَكَانٍ وَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَهَا حَرْفًا فَإِنْ قَدَّرْتَهَا حَرْفًا كَانَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا وَالتَّقْدِيرُ مَوْجُودٌ وَإِنْ قَدَّرْتَهَا ظَرْفًا كَانَ الْخَبَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَمَا تَقُولُ عِنْدِي زَيْدٌ فَتُخْبِرُ بِظَرْفِ الْمَكَانِ عَنِ الْجُثَّةِ وَالْمَعْنَى حَيْثُ خَرَجْتُ فَهُنَاكَ زَيْدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ظَرْفَ زَمَانٍ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ الزَّمَانِ خَبَرًا عَنِ الْجُثَّةِ وَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ لِلزَّمَانِ تَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ مَكَانًا وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يشاء من عباده إذا هم يستبشرون﴾ فَإِذَا الْأُولَى ظَرْفِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ مُفَاجَأَةٌ وَتَجِيءُ ظَرْفَ زَمَانٍ وَحَقُّ زَمَانِهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا نَحْوُ ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمَاضِي مِنَ الزَّمَانِ كَـ "إِذْ" كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض﴾ ،لِأَنَّ قَالُوا مَاضٍ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ زَمَانُهُ مُسْتَقْبَلًا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا على واد النمل﴾ : ﴿حتى إذا جاءوك

стр. 1689

يجادلونك﴾ ﴿حتى إذا بلغ بين السدين﴾ ﴿حتى إذا ساوى بين الصدفين﴾ ﴿حتى إذا جعله نارا﴾ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ،لأن الانفضاض واقع في الماضي وتجئ للحال كقوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ ،: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى﴾ وَالتَّقْدِيرُ وَالنَّجْمِ هَاوِيًا وَاللَّيْلِ غَاشِيًا وَالنَّهَارِ مُتَجَلِّيًا فـ "إذا" ظَرْفُ زَمَانٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ اسْتِقْرَارُ مَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ وَالْعَامِلُ فِيهَا أُقْسِمُ الْمَحْذُوفُ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَقْدِيرَ الْعَامِلِ فِي ذلك وأوضحه الشيخ أثير الدين فقال: إِذَا ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ فِعْلَ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ لِأَنَّ أُقْسِمُ إنشائي فهو في الحال وإذا لِمَا يُسْتَقْبَلُ فَيَأْبَى أَنْ يَعْمَلَ الْحَالُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِاخْتِلَافِ زَمَانِ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ وَلَا جَائِزَ أن يكون ثم مضاف أُقِيمَ الْمُقْسَمُ بِهِ مَقَامَهُ أَيْ وَطُلُوعِ النُّجُومِ وَمَجِيءِ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ فَالطُّلُوعُ حَالٌ وَلَا يَعْمَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ضَرُورَةَ أَنَّ زَمَانَ الْعَامِلِ زَمَانُ الْمَعْمُولِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ نَفْسُ الْمُقْسَمِ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُعْمَلُ وَلَا جَائِزَ أَنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ قَبْلَ الظَّرْفِ وَيَكُونَ قَدْ عَمِلَ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَامِلُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَتَقْدِيرُهُ وَالنَّجْمِ كَائِنًا إِذَا هَوَى وَاللَّيْلِ كَائِنًا إِذَا يَغْشَى لِأَنَّهُ يَلْزَمُ كَائِنًا أَلَّا يَكُونَ مَنْصُوبًا بِعَامِلٍ إِذْ لَا يَصِحُّ أَلَّا يَكُونَ مَعْمُولًا لِشَيْءٍ مِمَّا فَرَضْنَاهُ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا وَأَيْضًا فَيَكُونُ الْمُقْسَمُ بِهِ جُثَّةً وَظُرُوفُ الزَّمَانِ لَا تَكُونُ أَحْوَالًا عَنِ الْجُثَثِ كَمَا لَا تكون أخبارا لهن

стр. 1690

أما الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ فِعْلُ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ أُقْسِمُ بِالنَّجْمِ وَقْتَ هُوِيِّهِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِشْكَالِ فَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزَّمَانَيْنِ لَمَّا اشْتَرَكَا فِي الْوُقُوعِ الْمُحَقَّقِ نَزَلَا مِنْزِلَةَ الزَّمَانِ الْوَاحِدِ وَلِهَذَا يَصِحُّ عَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ شاء جعل لك خيرا من ذلك﴾ ثم قال: ﴿ويجعل﴾ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ الْفَارِسِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو الْفَتْحِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليوم إذ ظلمتم﴾ مُسْتَشْكِلًا إِبْدَالَ إِذْ مِنَ الْيَوْمَ فَقَالَ الْيَوْمَ حَالٌ وَظَلَمْتُمْ فِي الْمَاضِي فَقَالَ إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ مُتَّصِلَتَانِ وَإِنَّهُمَا فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ فَكَأَنَّ الْيَوْمَ مَاضٍ وَكَأَنَّ إِذْ مُسْتَقْبَلُهُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ لِأَنَّ الْحَالَ كَمَا تَأْتِي مُقَارَنَةً تَأْتِي مُقَدَّرَةً وَهِيَ أَنْ تُقَدِّرَ الْمُسْتَقْبَلَ مُقَارَنًا فَتَكُونُ أَطْلَقْتَ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ مَجَازًا وَجَعَلْتَ الْمُسْتَقْبَلَ حَاضِرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ الْعَامِلُ وَلَا يَلْزَمُ مَا قَالَ مِنِ اخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْآنَ أَنْ يقسم بطلوع النجم فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ بِالشَّيْءِ الَّذِي سَيُوجَدُ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ فَقَالَ إِذَا

стр. 1691

ثَبَتَ أَنَّهَا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ فَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ الْقَسَمِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى أُقْسِمُ فِي هَذَا الوقت فَهِيَ إِذَنْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ اللَّيْلِ انْتَهَى وَقَدْ وَقَعَ فِي مَحْذُورٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ اللَّيْلَ عِبَارَةٌ عَنِ الزَّمَانِ الْمَعْرُوفِ فَإِذَا جَعَلْتَ إِذَا مُعْمُوْلَةً لِفِعْلٍ هُوَ حَالٌ مِنَ اللَّيْلِ لَزِمَ وُقُوعُ الزَّمَانِ فِي الزَّمَانِ وَهُوَ محال وَقَوْلُهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ لَهُ عَامِلٌ قُلْنَا: بَلْ لَهُ عَامِلٌ وَهُوَ فِعْلُ الْقَسَمِ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ إِنْشَاءً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الْأَخِيرَةُ فَقَدْ سَأَلَهَا أَبُو الْفَتْحِ فَقَالَ كَيْفَ جَازَ لِظَرْفِ الزَّمَانِ هُنَا أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْجُثَّةِ وَقَدْ عُلِمَ امْتِنَاعُ كَوْنِهِ صِلَةً لَهُ وَصِفَةً وَخَبَرًا! وَأَجَابَ بِأَنَّهَا جَرَتْ مَجْرَى الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَخَّرُ وَيُقَدَّمُ وَهِيَ أَيْضًا بَعِيدَةٌ لَا تَنَالُهَا أَيْدِينَا وَلَا يُحِيطُ عِلْمُنَا بِهَا فِي حَالِ نَصْبِهَا إِحَاطَتُنَا بِمَا يَقْرُبُ مِنْهَا فَجَرَتْ لِذَلِكَ مَجْرَى الْمَعْدُومِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ لِظَرْفِ الزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ النَّجْمِ؟ وَأَجَابَ: بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَجُوزُ فِي الْحَالِ مِنْ حَيْثُ كَانَ فَضْلَةً انْتَهَى وَقَدْ يُقَالُ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا الِامْتِنَاعَ فِي الْحَالِ أَيْضًا فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَحُضُورِ اللَّيْلِ وَتَجْعَلُهُ حَالًا مِنَ الْحُضُورِ لَا مِنَ الْجُثَّةِ وَالتَّحْقِيقُ وَبِهِ يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ إِذَا كَمَا تَجَرَّدَ عَنِ الشَّرْطِيَّةِ كَذَلِكَ تَجَرَّدَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَهِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ لِمُجَرَّدِ الْوَقْتِ مِنْ دُونِ تَعَلُّقٍ بِالشَّيْءِ تُعَلُّقَ الظَّرْفِيَّةِ الصناعية وهي مجرورة المحل هاهنا لِكَوْنِهَا بَدَلًا عَنِ اللَّيْلِ كَمَا جَرَتْ بِـ "حتى" في قوله: ﴿حتى إذا جاءوها﴾ وَالتَّقْدِيرُ أُقْسِمُ بِاللَّيْلِ وَقْتَ

стр. 1692

غِشْيَانِهِ أَيْ أُقْسِمُ بِوَقْتِ غِشْيَانِ اللَّيْلِ وَهَذَا وَاضِحٌ فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ صَارَ أَحَدٌ إِلَى تَجَرُّدِهَا عَنِ الظَّرْفِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ مَعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّسْهِيلِ فَقَالَ وَقَدْ تُفَارِقُهَا الظَّرْفِيَّةُ مَفْعُولًا بِهَا أَوْ مَجْرُورَةً بِحَتَّى أَوْ مُبْتَدَأً وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا زِيَادَةُ رَابِعٍ وَهُوَ الْبَدَلِيَّةُ فَائِدَةٌ وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا لِلِاسْتِمْرَارِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذا ضربوا في الأرض﴾ فَهَذَا فِيمَا مَضَى لَكِنْ دَخَلَتْ "إِذَا" لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا شَأْنُهُمْ أَبَدًا وَمُسْتَمِرٌّ فِيمَا سَيَأْتِي كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَنَدْمَانٍ يَزِيدُ الْكَأْسَ طِيبًا سُقِيْتُ إِذَا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْمُفَاجَأَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مُوَافَقَةِ الشَّيْءِ فِي حَالٍ أَنْتَ فِيهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَلْقَى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هم يقنطون﴾ قَالُوا وَلَا تَقَعُ بَعْدَ "إِذَا" الْمُفَاجَأَةِ إِلَّا الجملة الاسمية وبعد "إذا" إِلَّا الْفِعْلُ الْمَاضِي

стр. 1693

وَمَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ وَتَبِعَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمُفَاجَأَةَ نَقَلَهَا إِلَى الْمَكَانِ عَنِ الزَّمَانِ وَمَعْنَى الْآيَةِ مُوَافَقَةُ الثُّعْبَانِ لِإِلْقَاءِ مُوسَى الْعَصَا فِي الْمَكَانِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ خَرَجْتُ فَإِذَا السَّبُعُ أَيْ فَإِذَا موافقة السبع وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُضَافًا إِلَى الْجُمْلَةِ بَعْدَهَا الثَّانِيَةُ: الظَّرْفِيَّةُ ضَرْبَانِ ظَرْفٌ مَحْضٌ وَظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ فَالْأَوَّلُ: نَحْوُ قَوْلِكِ رَاحَةُ الْمُؤْمِنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿والليل إذا يغشى﴾ ومنه إذا كنت علي راضية وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَكَانَ جَوَابُهَا مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ويصير التقدير الأول إذا يغشى أقسم فيفسد المعنى أَوْ يَصِيرُ الْقَسَمُ مُتَعَلِّقًا عَلَى شَرْطٍ لَا مُطْلَقًا فَيُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْقَسَمُ غَيْرَ حَاصِلٍ الْآنَ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا وُجِدَ شَرْطُهُ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ بَلْ عَلَى حُصُولِ الْقَسَمِ الْآنَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَكَذَا حُكْمُ ﴿وَالنَّجْمِ إذا هوى﴾ ﴿والليل إذا يسر﴾ ومما يتمحض لِلظَّرْفِيَّةِ الْعَارِيَةِ مِنَ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَوَجَبَتِ الْفَاءُ فِي جَوَابِهَا وَالضَّرْبُ الثَّانِي: يَقْتَضِي شَرْطًا وَجَوَابًا وَلِهَذَا تَقَعُ الْفَاءُ بَعْدَهَا عَلَى حَدِّ وُقُوعِهَا بَعْدَ إِذْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فئة فاثبتوا﴾ وَكَذَا كَثُرَ وُقُوعُ الْفِعْلِ بَعْدَ مَاضِي اللَّفْظِ مُسْتَقْبَلَ الْمَعْنَى نَحْوُ إِذَا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ وَمِنْهُ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ وَتَخْتَصُّ الْمُضَمَّنَةُ مَعْنَى الشَّرْطِ بِالْفِعْلِ، وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا لَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى جُمْلَةٍ

стр. 1694

فِعْلِيَّةٍ وَلِهَذَا إِذَا وَقَعَ بَعْدَهَا اسْمٌ قُدِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِعْلٌ مُحَافَظَةً عَلَى أَصْلِهَا فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا كَانَ فَاعِلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ المقدر كقوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا كَانَ مَفْعُولًا وَالْفَاعِلُ فِيهِ أَيْضًا ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ كَقَوْلِهِ *إِذَا ابْنُ أَبِي مُوسَى بِلَالًا بَلَغْتِهِ* وَالتَّقْدِيرُ إِذَا بَلَغْتِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ اخْتِصَاصَهَا بِالْفِعْلِ لِجَوَازِ إِذَا زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ وَعَلَى هَذَا فَالْمَرْفُوعُ بَعْدَهَا مُبْتَدَأٌ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَمَحَلُّ الْجُمْلَةِ بَعْدَهَا الْجَرُّ بِالْإِضَافَةِ وَالْفَاعِلُ فِيهَا جَوَابُهَا وَقِيلَ لَيْسَتْ مُضَافَةً وَالْعَامِلُ فِيهَا الْفِعْلُ الَّذِي يَلِيهَا لَا جَوَابُهَا تَنْبِيهٌ: مِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُفَاجَأَةِ وَالْمُجَازَاةِ أَنَّ إِذَا الَّتِي لِلْمُفَاجَأَةِ لَا يُبْتَدَأُ بِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا هُمْ يقنطون﴾ وَالَّتِي بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ يُبْتَدَأُ بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَقَالَ فِي الْأُولَى إِذَا جَوَابٌ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ وَإِنَّمَا صَارَتْ جَوَابًا بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُبْدَأُ بِهَا كَمَا لَا يُبْدَأُ بِالْفَاءِ قال: ابن النَّحَّاسُ وَلَكِنْ قَدْ عُورِضَ سِيبَوَيْهِ بِأَنَّ الْفَاءَ قَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهَا فَكَيْفَ تَكُونُ عِوَضًا مِنْهَا وَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَدْخُلُ تَوْكِيدًا وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كان حجتهم﴾ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مَتَمَحِّضَةُ الظَّرْفِيَّةِ لِعَدَمِ الْفَاءِ فِي جوابها

стр. 1695

مَعَ مَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا جَوَابَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ لَا جَوَابَ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ بِالْفَاءِ الثَّالِثَةُ: جَوَّزَ ابْنُ مَالِكٍ أَنْ تَجِيءَ لَا ظَرْفًا وَلَا شَرْطًا وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَيْهَا حَتَّى الْجَارَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جاءوها﴾ أَوِ الْوَاقِعَةُ مَفْعُولًا كَقَوْلِهِ ﵇ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَلَيَّ رَاضِيَةً وَكَمَا جَازَ تَجَرُّدُهَا عَنِ الشَّرْطِ جَازَ تَجَرُّدُهَا عَنِ الظَّرْفِ وَتَحَصَّلَ أَنَّهَا تَارَةً ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَفِيهَا معنى الشرط نحو ﴿إذا طلقتم النساء﴾ وَتَارَةً ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ غَيْرُ شَرْطٍ نَحْوُ: ﴿وَيَقُولُ الأنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا﴾ وَتَارَةً ظَرْفٌ غَيْرُ مُسْتَقْبَلٍ نَحْوُ: ﴿إِذَا مَا أتوك لتحملهم﴾ وَتَارَةً لَا ظَرْفٌ وَلَا شَرْطٌ وَتَارَةً لَا تَكُونُ اسْمَ زَمَانٍ وَهِيَ الْمُفَاجَأَةُ الرَّابِعَةُ: أَصْلُ إِذَا الظَّرْفِيَّةِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ كَمَا أَنَّ إِذْ لِمَا مَضَى مِنْهُ ثُمَّ يُتَوَسَّعُ فِيهَا فَتُسْتَعْمَلُ فِي الْفِعْلِ الْمُسْتَمِرِّ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا الْحَاضِرَةِ وَالْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ فَهِيَ فِي ذَلِكَ شَقِيقَةُ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي هُوَ يُفْعَلُ حَيْثُ يُفْعَلُ بِهِ نَحْوُ ذَلِكَ قَالُوا إِذَا اسْتُعْطِيَ فُلَانٌ أَعْطَى وَإِذَا اسْتُنْصِرَ نَصَرَ كَمَا قَالُوا فُلَانٌ يُعْطِي الرَّاغِبَ وَيَنْصُرُ الْمُسْتَغِيثَ مِنْ غَيْرِ قصد إلى تخصيص وقت دون وقت قال الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ الْقَدِيمِ الْخَامِسَةُ: تُجَابُ الشَّرْطِيَّةُ بثلاثة أشياء:

стр. 1696

أَحَدُهَا: الْفِعْلُ نَحْوُ إِذَا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ وَثَانِيهَا: الفاء نحو إذا جئتني فأنا أكرمك وثالثها: "إِذَا" الْمَكَانِيَّةُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ ،وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هم يجأرون﴾ وَمَا قَبْلَهَا إِمَّا جَوَابُهَا نَحْوُ إِذَا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بينهم يومئذ﴾ وَالْمَعْنَى فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ تَقَاطَعُوا وَدَلَّ عليه قوله: ﴿فلا أنساب﴾ وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يومئذ للمجرمين﴾ وَإِنَّمَا احْتِيجَ لِهَذَا التَّقْدِيرِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ ما النَّافِيَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ بُشْرَى مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِي صلته ومن ذلك قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تخرجون﴾ فَالْعَامِلُ فِي إِذَا الْأُولَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وَالتَّقْدِيرُ خَرَجْتُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ تَخْرُجُونَ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَعْمَلَ ما بعد إذا الْمَكَانِيَّةِ فِيمَا قَبْلَهَا وَحُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْفَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور فذلك يومئذ يوم عسير﴾ فَالْعَامِلُ فِي إِذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ وَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ صَعُبَ الْأَمْرُ وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ على رجل ينبئكم إذا مزقتم﴾ فالعامل

стр. 1697

فِي إِذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إنكم لفي خلق جديد﴾ مِنْ مَعْنَى بُعِثْتُمْ أَوْ مَبْعُوثُونَ فَإِنْ قِيلَ: أَيَجُوزُ نَصْبُ إِذَا بِقَوْلِهِ جَدِيدٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ؟ قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَعْمَلَ مَا بَعْدَ إِنَّ فِيمَا قَبْلَهَا وَهَذَا يُسَمَّى مُجَاوَبَةَ الْإِعْرَابِ وَالْمَعْنَى لِلشَّيْءِ الْوَاحِدَ وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ يُلِمُّ بِهِ كَثِيرًا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْمَنْظُومِ وَالْمَنْثُورِ وَالْمَعْنَى يَدْعُو إِلَى أَمْرٍ وَالْإِعْرَابُ يَمْنَعُ مِنْهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ في نوع ما يتعلق بالإعراب السَّادِسَةُ: إِذَا تُوَافِقُ إِنَّ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَتُخَالِفُهَا فِي بَعْضٍ: فَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ فَهِيَ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ شَرْطًا وَجَزَاءً نَحْوُ إِذَا قُمْتَ قُمْتُ وَإِذَا زُرْتَنِي أَكْرَمْتُكَ وَكُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَطْلُبُ الْفِعْلَ فَإِنْ وَقَعَ الِاسْمُ بَعْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُدِّرَ لَهُ فِعْلٌ يَرْفَعُهُ يُفَسِّرُهُ الظَّاهِرُ مِثَالُهُ فِي إِنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وإن امرأة خافت﴾ ﴿إن امرؤ هلك﴾ وقوله: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ وَمِثَالُهُ فِي إِذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشقت﴾ و ﴿إذا الشمس كورت﴾ وَمَا بَعْدَهَا فِي السُّورَةِ مِنَ النَّظَائِرِ وَكَذَا قوله: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ النَّظَائِرِ وَ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةِ﴾ وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي تُخَالِفُهَا فَفِي مَوَاضِعَ:

стр. 1698

الأول: إلا تَدْخُلَ إِلَّا عَلَى مَشْكُوكٍ نَحْوُ إِنْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ وَلَا يَجُوزُ إِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ آتِيكَ لِأَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مُتَيَقَّنٌ ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُتَيَقَّنُ الْوُقُوعِ مُبْهَمَ الْوَقْتِ جَازَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أفإن مت﴾ ونظائره وأما إذا فظاهر كلام النجاة يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ نَحْوُ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأْتِنِي وَقَوْلِهِ: إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها وَقَوْلِهِ *إِذَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهَارِ فَسَلِّمِي* وَذَلِكَ لِكَوْنِهَا لِلزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ بِالْإِضَافَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ ولم يَجْزِمُوا بِهَا فِي الِاخْتِيَارِ لِعَدَمِ إِبْهَامِهَا كَالشُّرُوطِ وَلِذَلِكَ وَرَدَتْ شُرُوطُ الْقُرْآنِ بِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا الشمس كورت﴾ وَنَظَائِرِهَا السَّابِقَةِ لِكَوْنِهَا مُتَحَقِّقَةَ الْوُقُوعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فَقَدْ أَشْكَلَ دُخُولُهَا عَلَى غَيْرِ الْوَاقِعِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّبْدِيلَ مُحْتَمِلٌ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِعَادَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ

стр. 1699

وَالثَّانِي: إِهْلَاكُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَتَبْدِيلُ أَمْثَالِهِمْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بآخرين﴾ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ فِي الدُّنْيَا وَجَبَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا بِمَعْنَى إِنْ الشَّرْطِيَّةِ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فَهِيَ مَكَانُ إِنْ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَأَلَّا يَكُونَ أَلَا تَرَى إِلَى ظُهُورِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين﴾ ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض﴾ وَإِنَّمَا أَجَازَ لِـ "إِذَا" أَنْ تَقَعَ مَوْقِعَ إِنْ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّدَاخُلِ وَالتَّشَابُهِ وَقَالَ: ابن الجويني الَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَالْمَشْكُوكِ لِأَنَّهَا ظَرْفٌ وَشَرْطٌ فَبِالنَّظَرِ إِلَى الشَّرْطِ تَدْخُلُ عَلَى الْمَشْكُوكِ كَـ "إِنْ" وَبِالنَّظَرِ إِلَى الظَّرْفِ تَدْخُلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ كَسَائِرِ الظُّرُوفِ وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ فِيمَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ إِنْ أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْحَثَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمَشْرُوطِ لِاسْتِحْقَاقِ الْجَزَاءِ وَيَمْتَنِعُ فِيهِ لِامْتِنَاعِ الْجَزَاءِ وَإِنَّمَا يُحَثُّ عَلَى فِعْلِ مَا يَجُوزُ أَلَّا يقع أما ما لابد مِنْ وُقُوعِهِ فَلَا يُحَثُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ دُخُولُ إِذَا عَلَى الْمَشْكُوكِ إِذَا لُحِظَتْ فِيهَا الظَّرْفِيَّةُ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ الْتِزَامُ الْجَزَاءِ فِي زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالْتِزَامُ الشَّيْءِ فِي زَمَانٍ لَا يُعْلَمُ وُجُودُ شَرْطٍ فِيهِ لَيْسَ بِالْتِزَامٍ وَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ إِنْ مَجْزُومًا بِهِ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مَا يُنْبِئُ عَنْ تَحَقُّقِهِ فَيَغْلِبُ لَفْظُ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تصبهم سيئة﴾ فَجِيءَ بِـ "إِذَا" فِي جَانِبِ الْحَسَنَةِ وَبِـ "إِنْ" فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَنَةِ جِنْسُ الْحَسَنَةِ وَلِهَذَا عُرِّفَتْ وَحُصُولُ الْحَسَنَةِ الْمُطْلَقَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ فَاقْتَضَتِ الْبَلَاغَةُ التَّعْبِيرَ بِـ "إِذَا" وَجِيءَ بِـ "إِنْ" فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَسَنَةِ الْمُطْلَقَةِ كَالْمَرَضِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّحَّةِ وَالْخَوْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمْنِ

стр. 1700

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ بِلَفْظِ إِذَا مَعَ الضُّرِّ فَقَالَ السَّكَّاكِيُّ نُظِرَ فِي ذَلِكَ إِلَى لَفْظِ الْمَسِّ وَتَنْكِيرِ الضُّرِّ الْمُفِيدِ لِلتَّعْلِيلِ لِيَسْتَقِيمَ التَّوْبِيخُ وَإِلَى النَّاسِ الْمُسْتَحِقِّينَ أَنْ يَلْحَقَهُمْ كُلُّ ضَرَرٍ وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَسَّ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِنَ الضُّرِّ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ وَأَمَّا قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عريض﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أَيْ أَعْرَضَ عَنِ الشُّكْرِ وَذَهَبَ بِنَفْسِهِ وَتَكَبَّرَ وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُعْرِضِ المتكبر لا المطلق الْإِنْسَانِ وَيَكُونُ لَفْظُ إِذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمُعْرِضِ الْمُتَكَبِّرِ يَكُونُ ابْتِلَاؤُهُ بِالشَّرِّ مقطوعا الثَّانِي: مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُخَالِفَةِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ بِـ "إِنْ" إِذَا كَانَ عَدَمًا لَمْ يَمْتَنِعِ الْجَزَاءُ فِي الْحَالِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ وَلَوْ كَانَ الْعَدَمُ مَشْرُوطًا بِـ "إِذَا" وَقَعَ الْجَزَاءُ فِي الْحَالِ مِثْلُ إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا فِي آخِرِ الْعُمْرِ وَإِذَا قَالَ إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ تُطَلَّقُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي زَمَانِ عَدَمِ تَطْلِيقِي لَكِ فَأَيُّ زَمَانٍ تَخَلَّفَ عَنِ التَّطْلِيقِ يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَقَوْلُهُ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى امْتِنَاعِ الطَّلَاقِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَوْتِهِ غَيْرَ مُطَلِّقٍ الثَّالِثُ: أَنَّ إِنْ تَجْزِمُ الْفِعْلَ المضارع إذا دخلت عليه وإذا لَا تَجْزِمُهُ لِأَنَّهَا لَا تَتَمَحَّضُ شَرْطًا بَلْ فِيهَا مَعْنَى الْتِزَامِ الْجَزَاءِ فِي وَقْتِ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا بِالشَّرْطِ

стр. 1701

وَقَدْ جَاءَ الْجَزْمُ بِهَا إِذَا أُرِيدَ بِهَا مَعْنَى إِنْ وَأُعْرِضَ عَمَّا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الزَّمَانِ كَقَوْلِهِ *وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ* الرَّابِعُ: أَنَّ إِذَا هَلْ تُفِيدُ التَّكْرَارَ وَالْعُمُومَ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ عُصْفُورٍ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ فَإِذَا قُلْتَ: إِذَا قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو أَفَادَتْ أَنَّهُ كُلَّمَا قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْعُمُومُ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَأَمَّا إِنْ فَفِيهَا كَلَامٌ عَنِ ابْنِ جِنِّي يَأْتِي فِي بَابِ إِنْ الْخَامِسُ: أَنَّكَ تَقُولُ: أَقُومُ إِذَا قَامَ زيد فيقتضي أن قيامك مُرْتَبِطٌ بِقِيَامِهِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ بَلْ يُعَاقِبُهُ عَلَى الِاتِّصَالِ بِخِلَافِ أَقُومُ إِنْ قَامَ زَيْدٌ فَيَقْتَضِي أَنَّ قِيَامَكَ بَعْدَ قِيَامِهِ وَقَدْ يَكُونُ عَقِبَهُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ فالحاصل إن التقييد بالاستقبال دون اقتضاء مباعدة بخلاف إذا ذكره أبو جعفر ابن الزبير في كتابه ملاك التأويل السَّابِعَةُ: قِيلَ: قَدْ تَأْتِي زَائِدَةً كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السماء انشقت﴾ تَقْدِيرُهُ انْشَقَّتِ السَّمَاءُ كَمَا قَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ، ﴿أتى أمر الله﴾ ورد هذا بأن الجواب مضمر

стр. 1702

ويحوز مَجِيئُهَا بِمَعْنَى إِذْ وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ مَالِكٍ قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا﴾ وَرُدَّ بِفَوَاتِ الْمَعْنَى لِأَنَّ إِذَا تُفِيدُ أَنَّ هَذَا حَالُهُمُ الْمُسْتَمِرُّ بِخِلَافِ إِذْ فَإِنَّهَا لَا تُعْطِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُمْ: إِذَا فَعَلْتَ كَذَا فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: يَكُونُ الْمَأْمُورُ بِهِ قَبْلَ الْفِعْلِ تَقُولُ إِذَا أَتَيْتَ الْبَابَ فَالْبَسْ أَحْسَنَ الثِّيَابِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ كَقَوْلِكَ إِذَا قَرَأْتَ فَتَرَسَّلْ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ فَائِدَةٌ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْحَسَنَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عليهم قاموا﴾ أَنَّهُ يُقَالُ: لِمَ أُتِيَ قَبْلَ أَضَاءَ بِـ "كُلَّمَا"؟ وَقَبْلَ أَظْلَمَ بِـ "إِذَا" وَمَا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي ذَلِكَ؟ وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ تَكْرَارَ الْإِضَاءَةِ يَسْتَلْزِمُ تَكْرَارَ الْإِظْلَامِ فَكَانَ تَنْوِيعُ الكلام أعذب

стр. 1703

الثَّانِي: أَنَّ مَرَاتِبَ الْإِضَاءَةِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَذَكَرَ كُلَّمَا تَنْبِيهًا عَلَى ظُهُورِ التَّعَدُّدِ وَقُوَّتِهِ لِوُجُودِهِ بِالصُّورَةِ وَالنَّوْعِيَّةِ وَالْإِظْلَامُ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يُؤْتَ بِصِيغَةِ التَّكْرَارِ لِضَعْفِ التَّعَدُّدِ فِيهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِالنَّوْعِيَّةِ وَإِنْ حَصَلَ بِالصُّورَةِ الثَّالِثُ: قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ أَنَّهُمْ لَمَّا اشْتَدَّ حِرْصُهُمْ عَلَى الضَّوْءِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ النُّورِ كَانُوا كُلَّمَا حَدَثَ لَهُمْ نُورٌ تَجَدَّدَ لَهُمْ بَاعِثُ الضَّوْءِ فِيهِ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ تَقَدُّمُ فَقْدِهِ وَاخْتِفَاؤُهُ مِنْهُمْ وَأَمَّا التَّوَقُّفُ بِالظَّلَامِ فَهُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْجَوَابِ الثَّانِي لَكِنَّهُ بِمَادَّةٍ أُخْرَى وَيَفْتَرِقَانِ بِأَنَّ جَوَابَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَرْجِعُ التَّكْرَارُ فِيهِ إِلَى جَوَابِ كُلَّمَا لَا إِلَى مَشْرُوطِهَا الَّذِي يَلِيهَا وَيُبَاشِرُهَا فَطَلَبَ تَكْرَارَهُ وَهُوَ الْأَوْلَى فِي مَدْلُولِ التَّكْرَارِ وَالْجَوَابُ الْمُتَقَدِّمُ يَرْجِعُ إِلَى تكرار مشروطها يَتْبَعُهُ الْجَوَابُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَلْزُومُهُ وَتَكَرُّرُهُ فَرْعُ تَكَرُّرِ الْأَوَّلِ الرَّابِعُ: أَنَّ إِضَاءَةَ الْبَرْقِ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِ وَإِظْلَامَهُ لَيْسَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ لِأَنَّ إِضَاءَتَهُ هِيَ لَمَعَانُهُ وَالظَّلَامُ أَمْرٌ يَحْدُثُ عَنِ اخْتِفَائِهِ فَتُظْلِمُ الْأَمَاكِنُ كَظَلَامِ الْأَجْرَامِ الْكَثَائِفِ فَأَتَى بِأَدَاةِ التَّكْرَارِ عِنْدَ الْفِعْلِ الْمُتَكَرِّرِ مِنَ الْبَرْقِ وَبِالْأَدَاةِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ عِنْدَ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ مُتَكَرِّرًا مِنْهُ وَلَا صَادِرًا عَنْهُ الْخَامِسُ: ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِضَاءَةِ الْبَرْقِ الْحَيَاةُ وَبِالظَّلَامِ الْمَوْتُ فَالْمُنَافِقُ تَمُرُّ حَالَةٌ فِي حَيَاتِهِ بِصُورَةِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهَا دَارٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّاهِرِ فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمَوْتِ رُفِعَتْ لَهُ أَعْمَالُهُ وَتَحَقَّقَ مَقَامُهُ فَتَسْتَقِيمُ كُلَّمَا فِي الحياة وإذا فِي الْمَمَاتِ وَهَكَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَأَمِتْنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي" فَاسْتَعْمَلَ مَعَ الْحَيَاةِ لَفْظَ التَّكْرَارِ وَالدَّوَامِ وَاسْتَعْمَلَ مَعَ لَفْظِ الْوَفَاةِ لَفْظَ الِاخْتِصَارِ وَالتَّقْيِيدِ

стр. 1704

وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ إِمَّا لِأَنَّ الْحَيَاةَ مَأْثُورَةٌ لِازْدِيَادِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي الْهِمَمُ الْعَالِيَةُ مَعْقُودَةٌ بِهِ فَعَرَّضَ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ لَا يُتَمَنَّى ولكن إذا نزل وَقْتِهِ رُضِيَ بِهِ وَإِمَّا لِأَنَّ الْحَيَاةَ يَتَكَرَّرُ زَمَانُهَا وَأَمَّا الْمَوْتُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَنْوَارِ هُوَ الْأَصْلُ الْمُسْتَمِرُّ وَأَمَّا خَفَقَانُ الْبَرْقِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ فَعَوَارِضُ تتصل بالحدوث والتكرار فناسب الإتيان فيها بكلما وَفِي تِلْكَ بِـ "إِذَا" وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 1705

إِذْ ظَرْفٌ لِمَاضِي الزَّمَانِ يُضَافُ لِلْجُمْلَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ وَتَقُولُ أَيَّدَكَ اللَّهُ إِذْ فَعَلْتَ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ فَـ "تَرَى" مُسْتَقْبَلٌ وَإِذْ ظَرْفٌ لِلْمَاضِي وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْءَ كَائِنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وَذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْ كَانَ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهِ سَابِقٌ وَقَضَاءَهُ بِهِ نَافِذٌ فَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَوْ تَرَى نَدَمَهُمْ وَخِزْيَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ وقوفهم على النار فـ "إذ" ظرف ماضي لَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَدَمِهِمُ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْمُعَايَنَةِ فَقَدْ صَارَ وَقْتَ التَّوَقُّفِ مَاضِيًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَالَّذِي بَعْدَهُ هُوَ مَفْعُولُ تَرَى وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ مَجِيئَهَا مَفْعُولًا بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا إذ أنتم قليل﴾ ومنعه آخرون وجعلوا المفعول محذوفا وإذ ظَرْفٌ عَامِلُهُ ذَلِكَ الْمَحْذُوفُ وَالتَّقْدِيرُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عليكم﴾ إِذًا وَاذْكُرُوا حَالَكُمْ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِذْ قَالَ الله يا عيسى﴾ قِيلَ: قَالَ: لَهُ ذَلِكَ لَمَّا رَفَعَهُ إِلَيْهِ وَتَكُونُ بِمَعْنَى حِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فيه﴾ أَيْ حِينَ تُفِيضُونَ فِيهِ وَحَرْفَ تَعْلِيلٍ نَحْوُ ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾ ﴿وإذ لم يهتدوا به﴾ وَقِيلَ: تَأْتِي ظَرْفًا لِمَا يُسْتَقْبَلُ بِمَعْنَى إِذَا وَخُرِّجَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا سَبَقَ. وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ وَأَنْكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ لِأَنَّ إِذَا لَا يَجِيءُ بَعْدَهَا الْمُضَارِعُ مَعَ النَّفْيِ

стр. 1706

وَقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ الْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يسر﴾ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ فِيهِ وَقِيلَ تَجِيءُ زَائِدَةً نحو: ﴿وإذ قال ربك للملائكة﴾ وَقِيلَ هِيَ فِيهِ بِمَعْنَى قَدْ وَقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى أَنْ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ عَنْ نَصِّ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ قَالَ وَيَشْهَدُ لَهُ قوله تعالى: ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ قَالَ وَغَفَلَ الْفَارِسِيُّ عَمَّا فِي الْكِتَابِ مِنْ هَذَا وَجَعَلَ الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبَلَ الَّذِي بَعْدَ لَنْ عَامِلًا فِي الظَّرْفِ الْمَاضِي فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ سَآتِيكَ الْيَوْمَ أَمْسِ قَالَ: وَلَيْتَ شِعْرِي مَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ لَمْ يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ فَإِنْ جَوَّزَ وُقُوعَ الْفِعْلِ فِي الظَّرْفِ الْمَاضِي عَلَى أَصْلِهِ فَكَيْفَ يَعْمَلُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فيما قبلها لاسيما مَعَ السِّينِ وَهُوَ قَبِيحٌ أَنْ تَقُولَ غَدًا سَآتِيكَ فَكَيْفَ إِنْ قُلْتَ غَدًا فَسَآتِيكَ فَكَيْفَ إِنْ زِدْتَ عَلَى هَذَا وَقُلْتَ أَمْسِ فَسَآتِيكَ وإذا على أصله بمعنى أمس تنبيه في وقوع إذ بعد واذكر حَيْثُ وَقَعَتْ إِذْ بَعْدَ وَاذْكُرْ فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الزَّمَانُ لِغَرَابَةِ مَا وَقَعَ فِيهِ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُنْظَرَ فِيهِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مريم إذ انتبذت﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صديقا نبيا ذ قال لأبيه﴾ ونظائره

стр. 1707

أَوْ تَقَعُ فِي الْخَبَرِ وَالطَّلَبِ فَأَمَّا فِي الْخَبَرِ فَلَهَا فِيهِ مَعَانٍ الْأَوَّلُ: الشَّكُّ نَحْوُ قام زيد أو عمرو الثاني: الْإِبْهَامُ وَهُوَ إِخْفَاءُ الْأَمْرِ عَلَى السَّامِعِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هدى﴾ وقوله: ﴿أتاها أمرنا ليلا أو نهارا﴾ ،يُرِيدُ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَخَذَ أَهْلُهَا الْأَمْنَ أَتَاهَا أَمْرُنَا وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَيْ فَجْأَةً فَهَذَا إِبْهَامٌ لِأَنَّ الشَّكَّ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يزيدون﴾ فَإِنْ قُلْتَ: يَزِيدُونَ فِعْلٌ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى الْمَجْرُورِ بِـ "إِلَى" فَإِنَّ حَرْفَ الْجَرِّ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ عَلَى الْفِعْلِ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِقَائِمٍ وَيَقْعُدُ عَلَى تَأْوِيلِ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ قُلْتُ: يَزِيدُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فِي محل رفع والتقدير أوهم يَزِيدُونَ قَالَهُ ابْنُ جِنِّي فِي الْمُحْتَسِبِ وَجَازَ عَطْفُ الِاسْمِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ بِـ "أَوْ" لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَقِ الْجُمْلَةِ فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ تَكُونُ أَوْ هُنَا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالزِّيَادَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ؟

стр. 1708

قُلْتُ: الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَلِهَذَا قَدَّرُوا فِي الْمُبْتَدَأِ ضَمِيرَ الْمِائَةِ أَلْفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَأَرْسَلْنَاكَ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ مَعَهَا زِيَادَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا لِلشَّكِّ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبِ أَيْ لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَعَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ الثَّالِثُ: التَّنْوِيعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أشد قسوة﴾ أَيْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ تَارَةً تَزْدَادُ قَسْوَةً وَتَارَةً تُرَدُّ إِلَى قَسْوَتِهَا الْأُولَى فَجِيءَ بِـ "أَوْ" لاختلاف أحوال قلوبهم الرابع: التفصيل كقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هودا أو نصارى﴾ ،أَيْ قَالَتِ الْيَهُودُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا وَقَالَتِ النَّصَارَى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ نَصَارَى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كونوا هودا أو نصارى﴾ الخامس: للإضراب كـ "بل" كقوله: ﴿كلمح البصر أو هو أقرب﴾ و ﴿مائة ألف أو يزيدون﴾ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ السَّادِسُ: بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أو نذرا﴾ ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ ﴿لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا﴾ وَأَمَّا فِي الطَّلَبِ فَلَهَا مَعَانٍ: الْأَوَّلُ: الْإِبَاحَةُ نَحْوُ تَعَلَّمْ فِقْهًا أَوْ نَحْوًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أو بيوت آبائكم﴾ الْآيَةَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ يَعْنِي إِنْ شُبِّهَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْحِجَارَةِ فَصَوَابٌ أَوْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ فَصَوَابٌ

стр. 1709

وقوله: ﴿كمثل الذي استوقد نارا﴾ ﴿أو كصيب﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّمْثِيلَ مُبَاحٌ فِي الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَبَّهْتُمُوهُمْ بِأَيِّ النَّوْعَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ إِبَاحَةٌ لِإِيقَاعِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الثَّانِي: التَّخْيِيرُ نَحْوُ خُذْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ ذَاكَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرض أو سلما في السماء﴾ الْآيَةَ فَتَقْدِيرُهُ فَافْعَلْ كَأَنَّهُ خَيَّرَ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّخْيِيرَ فِيمَا أَصْلُهُ الْمَنْعُ ثُمَّ يَرِدُ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ وَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَاحًا وَيَطْلُبَ الْإِتْيَانَ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يَذْكُرُ بِـ "أَوْ" لِئَلَّا يُوهِمَ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا هُوَ الْوَاجِبُ لَوْ ذُكِرَتِ الْوَاوُ وَلِهَذَا مَثَّلَ النُّحَاةُ الْإِبَاحَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطعام عشرة مساكين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نسك﴾ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا رِفْقًا بِالْمُكَلَّفِ فَلَوْ أَتَى بِالْجَمْعِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ بَلْ يَكُونُ أَفْضَلَ وَأَمَّا تَمْثِيلُ الْأُصُولِيِّينَ بِآيَتَيِ الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ لِلتَّخْيِيرِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ الْبَسِيطِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَحْظُورِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْآخَرَ يَبْقَى مَحْظُورًا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَا عَدَا الْوَاجِبَ تَبَرُّعًا وَلَا يُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْإِبَاحَةِ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَجْمُوعِهِمَا وَهُوَ مَا كَانَ يَجُوزُ فِعْلُهُ أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا وَهُوَ مَا تَقْتَضِيهِ أَوْ

стр. 1710

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ إِطَاعَةِ أَحَدِهِمَا دون الآخر بل النَّهْيُ عَنْ طَاعَتِهِمَا مُفْرَدَيْنِ أَوَ مُجْتَمِعَيْنِ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ أَوْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْوَصْفَانِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: اسْتَشْكَلَ قَوْمٌ وُقُوعَ أَوْ فِي النَّهْيِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ لَوِ انْتَهَى عَنْ أحدهما لم يتمثل ولا يعد يمتثل إِلَّا بِالِانْتِهَاءِ عَنْهُمَا جَمِيعًا فَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَالْأَوْلَى أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَإِنَّمَا جَاءَ التَّعْيِينُ فِيهَا مِنَ الْقَرِينَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى قَبْلَ وُجُودِ النَّهْيِ تُطِيعُ آثِمًا أَوْ كَفُورًا أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَإِذَا جَاءَ النَّهْيُ وَرَدَ عَلَى مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْمَعْنَى فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَلَا تُطِعْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَيَجِيءُ التَّعْمِيمُ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ النَّهْيِ الدَّاخِلِ وَهِيَ عَلَى بَابِهَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الِانْتِهَاءُ عَنْ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَنْتَهِيَ عَنْهُمَا بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ قَالَ فَهَذَا مَعْنًى دَقِيقٌ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ عَلَى بَابِهَا وَأَنَّ التَّعْمِيمَ لَمْ يَجِئْ مِنْهَا وَإِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمَضْمُومِ إِلَيْهَا انْتَهَى وَمِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دين﴾ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ وُجِدَ أَحَدُهُمَا أَوْ وُجِدَا مَعًا وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي اللُّبَابِ: إِنِ اتَّصَلَتْ بِالنَّهْيِ وَجَبَ اجْتِنَابُ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ وَلَوْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا لَفُعِلَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدُهُمَا وَقَالَ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ أَوْ فِي النَّهْيِ نَقِيضِيَّةٌ أَوْ فِي الْإِبَاحَةِ

стр. 1711

فَقَوْلُكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ إِذَنْ فِي مُجَالَسَتِهِمَا وَمُجَالَسَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَضِدُّهُ في النهي لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا أَيْ لَا تُطِعْ هَذَا وَلَا هَذَا وَالْمَعْنَى لَا تُطِعْ أحدهما ومن أطاع منهما كان أحدهما فمن ها هنا كَانَ نَهْيًا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ جَاءَ بِالْوَاوِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا لَأَوْهَمَ الْجَمْعَ وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّهُ لَوِ انْتَهَى عَنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَعُدْ مُمْتَثِلًا بِالِانْتِهَاءِ عَنْهُمَا جَمِيعًا قَالَ الْخَطِيبِيُّ: وَالْأَوْلَى أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَإِنَّمَا جَاءَ التَّعْمِيمُ فِيهَا مِنَ النَّهْيِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ لِأَنَّ الْمَعْنَى قَبْلَ وُجُودِ النَّهْيِ تُطِيعُ آثِمًا أَوْ كَفُورًا أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَالتَّعْمِيمُ فِيهِمَا فَإِذَا جَاءَ النَّهْيُ وَرَدَ عَلَى مَا كَانَ ثَابِتًا فَالْمَعْنَى لَا تُطِعْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَسَمَّى التَّعْمِيمَ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ النَّهْيِ وَهِيَ عَلَى بَابِهَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الِانْتِهَاءُ عَنْ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَنْتَهِيَ عَنْهُمَا بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْتَهِي عَنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ بِغَيْرِ النَّعَمِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يقتلوا أو يصلبوا﴾ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِيهِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهَذَا أَقُولُ والثاني: مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى عَدَمِ التَّشْرِيكِ أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى مُفْرَدَيْهَا بِالْإِفْرَادِ

стр. 1712

بِخِلَافِ الْوَاوِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿بِهِمَا﴾ وَلَوْ كَانَتْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ لَقِيلَ بِهِ وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا وَمَعْنَى ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ إِنْ يَكُنِ الْخَصْمَانِ غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ أَوْ مِنْهُمَا أَيِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ لِأَنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ يُشِيرُ لِلْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِاثْنَيْنِ وَقِيلَ: الْأَوْلَوِيَّةُ الْمَحْكُومُ بِهَا ثَابِتَةٌ لِلْمُفْرَدَيْنِ مَعًا نَحْوُ جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو وَرَأَيْتُهُمَا فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ الْمَعْلُومَيْنِ مِنْ وُجُوهِ الْكَلَامِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قِيلَ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ وَغَيْرُهُ وَلَوْ قِيلَ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِ لَمْ يَشْمَلْهُ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَخْرُجِ الْمَخْلُوقُونَ عَنِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ صَارَ الْمَعْنَى افْعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَوْلَى مِمَّنْ خَلَقَ وَلَوْ قِيلَ أَوْلَى بِهِ لَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ حيث الشهادة فقط

стр. 1713

إن المكسورة الخفية تَرِدُ لِمَعَانٍ الْأَوَّلُ: الشَّرْطِيَّةُ وَهُوَ الْكَثِيرُ نَحْوُ: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ ﴿إن ينتهوا يغفر لهم﴾ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي عَدَمِ جَزْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وعيسى جَازِمٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ قَوْلِهِ وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى المتيقن وجوده إذا أبهم زمانه كقوله: ﴿أفإن مت فهم الخالدون﴾ وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ نَحْوُ: ﴿إِنْ كَانَ للرحمن ولد﴾ وَمِنْ أَحْكَامِهَا أَنَّهَا لِلِاسْتِقْبَالِ وَأَنَّهَا تُخَلِّصُ الْفِعْلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا كَقَوْلِكَ إِنْ أَكْرَمْتَنِي أَكْرَمْتُكَ وَمَعْنَاهُ إِنْ تُكْرِمْنِي وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنْ أَكْرَمْتَنِي الْيَوْمَ فَقَدْ أَكْرَمْتُكَ أَمْسِ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ ،فقيل: معنى أكرمتني اليوم يكون سبب لِلْإِخْبَارِ بِذَلِكَ وَإِنْ ثَبَتَ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِخْبَارِ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهِيَ عَكْسُ لَوْ فَإِنَّهَا لِلْمَاضِي وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُضَارِعِ مَسْأَلَةٌ إِنْ دَخَلَتْ "إن" على لم يكن الجزم بـ"لم" لَا بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾

стр. 1714

﴿فإن لم تفعلوا﴾ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى لَا كَانَ الْجَزْمُ بِهَا لَا بِـ"لَا" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لي﴾ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لَمْ عَامِلٌ يَلْزَمُ مَعْمُولَهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٌ وَإِنْ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَعْمُولِهَا مَعْمُولُ مَعْمُولِهَا نَحْوُ إِنْ زَيْدًا يَضْرِبْ أَضْرِبْهُ وَتَدْخُلُ أَيْضًا عَلَى الْمَاضِي فَلَا تَعْمَلُ فِي لَفْظِهِ وَلَا تُفَارِقُ الْعَمَلَ وَأَمَّا لَا فَلَيْسَتْ عَامِلَةً فِي الْفِعْلِ فأضيف العمل إلى إن الثاني: بِمَنْزِلَةِ لَا وَتَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ،بِدَلِيلِ مَا فِي الْجَاثِيَةِ: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدنيا﴾ وقوله: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾ ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ ﴿إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم﴾ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتي الرحمن عبدا﴾ ﴿إن نحن إلا بشر مثلكم﴾ ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ نَحْوُ: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الحسنى﴾

стр. 1715

﴿إن يقولون إلا كذبا﴾ ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا﴾ ﴿وتظنون إن لبثتم إلا قليلا﴾ ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة﴾ ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ شَرْطَ النَّافِيَةِ مَجِيءُ إِلَّا فِي خَبَرِهَا كَهَذِهِ الْآيَاتِ أَوْ لَمَّا الَّتِي بِمَعْنَاهَا كَقِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عليها حافظ﴾ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ مَا كَانَ نَفْسٌ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا محضرون﴾ ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد﴾ ﴿إن عندكم من سلطان﴾ ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا ليؤمنن به﴾ فَالتَّقْدِيرُ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ

стр. 1716

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أحد من بعده﴾ فَالْأُولَى شَرْطِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ نَافِيَةٌ جَوَابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي أَذِنَتْ بِهِ اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأُولَى وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الشَّجَرِيِّ إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ فِيمَا مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ إِلَّا أَنَّ إِنْ أَحْسَنُ فِي اللَّفْظِ لِمَا فِي مُجَامَعَةِ مِثْلِهَا مِنَ التَّكْرَارِ الْمُسْتَبْشَعِ وَمِثْلُهُ يُتَجَنَّبُ قَالَا وَيَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض ما لم نمكن لكم﴾ وَحَكَى الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا زَائِدَةٌ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَفْخَمُ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَإِنْ نَافِيَةٌ وَقَعَتْ مَكَانَ مَا فَيَخْتَلِفُ اللَّفْظُ وَلَا تَتَّصِلُ مَا بِـ "مَا" وَالْمَعْنَى لَقَدْ أَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْغِنَى مَا لَمْ نُعْطِكُمْ وَنَالَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذَا الْعِقَابُ فَأَنْتُمْ أَحْرَى بِذَلِكَ إِذَا كَفَرْتُمْ وَقِيلَ إِنْ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَيِ الَّذِي إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ طَغَيْتُمْ وَقَالَ وَهَذَا مُطَّرَحٌ فِي التَّأْوِيلِ وَعَنْ قُطْرُبٍ أَنَّهَا بِمَعْنَى قَدْ حَكَاهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ وَيَحْتَمِلُ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرَ مَجِيءَ النَّافِيَةِ وَقَالَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ إِنَّ مَا مَحْذُوفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ مَا إِنْ تَدْعُونَ مَا إِنْ أَدْرِي وَنَظَائِرُهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 1717

وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ مَنَايَانَا وَدُولَةُ آخِرِينَا فَحُذِفَتْ مَا اخْتِصَارًا كَمَا حُذِفَ لَا في ﴿تالله تفتأ﴾ الثَّالِثُ: مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَعْمَلُ فِي اسْمِهَا وَخَبَرِهَا وَيَلْزَمُ خَبَرُهَا اللَّامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ وَيَكْثُرُ إِهْمَالُهَا، نَحْوُ: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا﴾ ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ خَفَّفَ لَمَّا أَيْ أَنَّهُ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْهَا حَافِظٌ الرَّابِعُ: لِلتَّعْلِيلِ بِمَعْنَى إذ عند الكوفيين كقوله: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ بِعُلُوِّهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قالبعضهم: لَوْ كَانَتْ لِلْخَبَرِ لَكَانَ الْخِطَابُ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وكذا: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ ونحوه مما الفعل في مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ وَالْبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ وَهُوَ التَّحْقِيقُ كَالْمَعْنَى مَعَ "إِذَا" وَأَجَابُوا عَنْ دُخُولِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لِنُكْتَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّهْيِيجِ نَحْوُ إِنْ كُنْتَ وَلَدِي فَأَطْعِمْنِي

стр. 1718

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فَالِاسْتِثْنَاءُ مَعَ تَحَقُّقِ الدُّخُولِ تَأَدُّبًا بِأَدَبِ اللَّهِ فِي الْمَشِيئَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الدَّاخِلِينَ لَا مِنَ الرُّؤْيَا لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الرُّؤْيَا وَتَصْدِيقِهَا سَنَةٌ وَمَاتَ بَيْنَهُمَا خَلْقٌ كَثِيرٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ كُلُّكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْخَامِسُ: بِمَعْنَى "لَقَدْ" فِي قوله: ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ أَيْ لَقَدْ كُنَّا ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لمفعولا﴾ و ﴿تالله إن كدت لتردين﴾ ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين﴾ فَائِدَةٌ ادَّعَى ابْنُ جِنِّي فِي كِتَابِ الْقَدْ أَنَّ إِنِ الشَّرْطِيَّةَ تُفِيدُ مَعْنَى التَّكْثِيرِ لِمَا كَانَ فِي هَذَا الشِّيَاعُ وَالْعُمُومُ لِأَنَّهُ شَائِعٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ دُخُولُهَا عَلَى أحد التي لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي النَّفْيِ الْعَامِّ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ الَّذِي لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِيجَابِ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَحَدٌ هُنَا لَيْسَتِ الَّتِي لِلْعُمُومِ بَلْ بِمَنْزِلَةِ أَحَدٍ مِنْ

стр. 1719

أَحَدٍ وَعِشْرِينَ وَنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَهُ مَعْنَى الْعُمُومِ لِأَجْلِ إِنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ ﴿إن امرؤ﴾ تَنْبِيهٌ قِيلَ: قَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِنْ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ فِي مَوَاضِعَ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أردن تحصنا﴾ وقوله: ﴿واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقوله: ﴿إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾ وَقَدْ يُقَالُ أَمَّا الْأُولَى فَيَمْتَنِعُ النَّهْيُ عَنْ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ فَإِنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ يُرِدْنَ الْبِغَاءَ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْمُرَادِ مُمْتَنِعٌ: وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى إِذَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِكْرَاهُهُنَّ عَلَى الزِّنَا إِنْ لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ أَوْ هُوَ شَرْطٌ مُقْحَمٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِكْرَاهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُنَّ لَا يُكْرِهْنَهُنَّ إِلَّا عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْصِينِ وَفَائِدَةُ إِيجَابِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْإِكْرَاهِ فَالْمَعْنَى إِنْ أَرَدْنَ الْعِفَّةَ فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بإرادة ذلك.

стр. 1720

وأما الرابعة فَهُوَ يُشْعِرُ بِالْإِتْمَامِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَأَمَّا الْبَوَاقِي فَظَاهِرُ الشَّرْطِ مُمْتَنِعٌ فِيهِ بِدَلِيلِ التَّعَجُّبِ الْمَذْكُورِ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مُخَالَفَةَ الظَّاهِرِ لِعَارِضٍ
следующие страницы →