← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْبَاءَ إِذَا سَقَطَتِ ارْتَفَعَ اسم الله على الفاعلية كقوله عميرة ودع إن تجهزت غاديا *كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا* وَإِمَّا مَعَ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله: ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾ أَيْ تَبْذُلُونَهَا لَهُمْ وَقَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقوله: ﴿بأيكم المفتون﴾ جُعِلَتِ الْمَفْتُونُ اسْمَ مَفْعُولٍ لَا مَصْدَرًا كَالْمَعْقُولِ وَالْمَعْسُورِ وَالْمَيْسُورِ وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ ﴿تنبت بالدهن﴾ وقوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَنَحْوِهِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِيءُ زَائِدَةً وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِزِيَادَتِهَا إِذَا تَأَدَّى الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِوُجُودِهَا وَحَالَةِ عَدَمِهَا عَلَى السَّوَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذِهِ الْأَمْثِلَةُ فَإِنَّ مَعْنَى: ﴿وَكَفَى بالله شهيدا﴾ ،كما هي في أحسن بزيد ومعنى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ اجعلوا المسح ملاصقا برؤسكم وَكَذَا ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ أَشَارَ إِلَى مُبَاشَرَةِ الْعُضْوِ بِالْمَسْحِ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْسُنْ فِي آيَةِ الْغُسْلِ فَاغْسِلُوا بِوُجُوهِكُمْ لِدَلَالَةِ الْغَسْلِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَهَذَا كَمَا تَتَعَيَّنُ الْمُبَاشَرَةُ فِي قَوْلِكَ أَمْسَكْتُ بِهِ وَتَحْتَمِلُهَا فِي أَمْسَكْتُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلِاخْتِصَارِ

стр. 1752

وأما ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾ فَمَعْنَاهُ: تُلْقُونَ إِلَيْهِمُ النَّصِيحَةَ بِالْمَوَدَّةِ وَقَالَ ابْنُ النَّحَّاسِ: مَعْنَاهُ تُخْبِرُونَهُمْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ الرَّجُلُ أَهْلَ مَوَدَّتِهِ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: ضُمِّنَ ﴿تُلْقُونَ﴾ مَعْنَى تَرْمُونَ مِنَ الرَّمْيِ بِالشَّيْءِ يُقَالُ أَلْقَى زَيْدٌ إِلَيَّ بِكَذَا أَيْ رَمَى بِهِ وَفِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ إِلْقَاءٌ بِكِتَابٍ أَوْ بِرِسَالَةٍ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَوَدَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الْمَوَدَّةِ فَلِهَذَا جِيءَ بِالْبَاءِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ اليوم عليك حسيبا﴾ ،فَلَيْسَتْ زَائِدَةً وَإِلَّا لَلَحِقَ الْفِعْلَ قَبْلَهَا عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ لِلنَّفْسِ وَهُوَ مِمَّا يَغْلُبُ تَأْنِيثُهُ وَجُوِّزَ فِي الْفِعْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ كَانَ مُقَدَّرَةً بَعْدَ كَفَى وَيَكُونَ بِنَفْسِكَ صِفَةً لَهُ قَائِمَةً مَقَامَهُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ الْمَنْصُوبُ بَعْدَهُ أَعْنِي حَسِيبًا كَقَوْلِكَ نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ وَتَجِيءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَهِيَ الْقَائِمَةُ مَقَامَ الْهَمْزَةِ فِي إِيصَالِ الْفِعْلِ اللَّازِمِ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ نحو: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم﴾ أَيْ أَذْهَبَ كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيت﴾ وَلِهَذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَهُمَا مُتَعَاقِبَتَانِ وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿أسرى بعبده﴾ فَقِيلَ: أَسْرَى وَسَرَى بِمَعْنًى كَسَقَى وَأَسْقَى وَالْهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ وَإِنَّمَا الْمُعَدَّى الْبَاءُ فِي بِعَبْدِهِ وَزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ مَفْعُولَ أَسْرَى مَحْذُوفٌ وَأَنَّ التَّعْدِيَةَ بِالْهَمْزَةِ أَيْ أَسْرَى اللَّيْلَةَ بِعَبْدِهِ

стр. 1753

وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ لَا تَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْفَاعِلِ لِلْمَفْعُولِ وَذَهَبَ الْمُبَرِّدُ وَالسُّهَيْلِيُّ أَنَّهَا تَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الْفَاعِلِ لِلْمَفْعُولِ فِي الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْهَمْزَةِ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَذْهَبُ مَعَ سَمْعِهِمْ فَالْمَعْنَى لَأَذْهَبَ سَمْعَهُمْ وَقَالَ الصَّفَّارُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ذَهَبَ الْبَرْقَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَكُونَ الذَّهَابُ عَلَى صِفَةٍ تَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ كما قال ﴿وجاء ربك﴾ قَالَ: وَإِنَّمَا الَّذِي يُبْطِلُ مَذْهَبَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: دِيَارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنًى تَحِلُّ بنا لولا بحاء الرَّكَائِبِ أَيْ تَجْعَلُنَا حُلَّالًا لَا مُحْرِمِينَ وَلَيْسَتِ الدِّيَارُ دَاخِلَةً مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لِكَوْنِ الْبَاءِ بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فإن قلت: كيف جاء: ﴿تنبت بالدهن﴾ وَالْهَمْزَةُ فِي أَنْبَتَ لِلنَّقْلِ؟ قُلْتُ: لَهُمْ فِي الِانْفِصَالِ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً وَالثَّانِي: أَنَّهَا بَاءُ الْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: تُنْبِتُ ثَمَرَهَا وَفِيهِ الدُّهْنُ أَيْ وَفِيهِمَا الدُّهْنُ وَالْمَعْنَى تَنْبُتُ الشَّجَرَةُ بِالدُّهْنِ أَيْ مَا هُوَ مَوْجُودٌ مِنْهُ وَتَخْتَلِطُ بِهِ الْقُوَّةُ بِنَبْتِهَا عَلَى مَوْقِعِ الْمِنَّةِ وَلَطِيفِ الْقُدْرَةِ وَهِدَايَةً إِلَى اسْتِخْرَاجِ صِبْغَةِ الْآكِلِينَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَبَتَ وَأَنْبَتَ بمعنى

стр. 1754

وَلِلِاسْتِعَانَةِ وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلَى آلَةِ الْفِعْلِ نَحْوُ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَمِنْهُ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وَلِلتَّعْلِيلِ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاذكم العجل﴾ ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾ ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ وَلِلْمُصَاحَبَةِ بِمَنْزِلَةِ مَعَ وَتُسَمَّى بَاءَ الْحَالِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿قد جاءكم الرسول بالحق﴾ أي مع الحق أو محقا ﴿يا نوح اهبط بسلام منا﴾ وَلِلظَّرْفِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ فِي وَتَكُونُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ نَحْوُ: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل﴾ ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ وَمَعَ النَّكِرَةِ نَحْوُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنتم أذلة﴾ ﴿نجيناهم بسحر﴾ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ فِي التَّنْبِيهِ وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ الْمَعْرِفَةِ نَحْوُ كُنَّا بِالْبَصْرَةِ وَأَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ

стр. 1755

وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِقَوْلِ الشَّمَّاخِ: وَهُنَّ وُقُوفٌ يَنْتَظِرْنَ قضاءه بضاحي غداة أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِزُ أَيْ فِي ضَاحِي وَهِيَ نكرة وللمجاوزة كـ "عن" نحو: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ أي عن الغمام ﴿بين أيديهم وبأيمانهم﴾ أَيْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَلِلِاسْتِعْلَاءِ كَعَلَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ كَمَا قَالَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عليه﴾ ونحو: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾ أَيْ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مصبحين﴾ وللتبعيض كـ "من" نحو: ﴿يشرب بها عباد الله﴾ أي منها وخرج عليه: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ فَإِنَّ مَسَحَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَهُوَ الْمُزَالُ عَنْهُ وَإِلَى آخَرَ بِحَرْفِ الْجَرِّ وَهُوَ الْمُزِيلُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَامْسَحُوا أيديكم برءوسكم

стр. 1756

بَلْ حَرْفُ إِضْرَابٍ عَنِ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتٍ لِلثَّانِي يَتْلُوهُ جُمْلَةٌ وَمُفْرَدٌ فَالْأَوَّلُ: الْإِضْرَابُ فِيهِ، إِمَّا بِمَعْنَى تَرْكِ الْأَوَّلِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ بِإِبْطَالِهِ وَتُسَمَّى حَرْفَ ابْتِدَاءٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ أَيْ بَلْ هُمْ عِبَادٌ وَكَذَا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ به جنة بل جاءهم بالحق﴾ وَإِمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ آخَرَ وَالْخُرُوجُ مِنْ قِصَّةٍ إِلَى قِصَّةٍ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنِ الْأَوَّلِ وَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَاطِفَةٌ كَمَا قَالَهُ الصَّفَّارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾ ﴿بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ من ربك﴾ ،انْتَقَلَ مِنَ الْقِصَّةِ الْأُولَى إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شك منها بل هم منها عمون﴾ لَيْسَتْ لِلِانْتِقَالِ بَلْ هُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾ وفي موضع: ﴿بل أنتم قوم تجهلون﴾

стр. 1757

وفي موضع: ﴿بل أنتم قوم مسرفون﴾ والمراد تعديد خطاياهم واتصافهم بهذه الصفات وبل لَمْ يَنْوِ مَا أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكُورِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْإِنَاثِ بَلِ اسْتَدْرَكَ بِهَا بَيَانَ عُدْوَانِهِمْ وَخَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَزَعَمَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ إِبْطَالُ مَا لِلْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُهُ لِلثَّانِي إِنْ كَانَ فِي الْإِثْبَاتِ نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو فَهُوَ مِنْ بَابِ الْغَلَطِ فَلَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي كَلَامٍ فَصِيحٍ وَإِنْ كَانَ مَا فِي النَّفْيِ نَحْوُ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْغَلَطِ يَكُونُ عَمْرٌو غَيْرَ جَاءٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُثْبَتًا لِعَمْرٍو الْمَجِيءُ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا انْتَهَى ومنه أيضا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يظلمون بل قلوبهم في غمرة﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كفروا في عزة وشقاق﴾ ، ترك الكلام الأول وأخذ بـ "بل" فِي كَلَامٍ ثَانٍ ثُمَّ قَالَ حِكَايَةً عَنِ المشركين ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذكري﴾ ثم ترك الكلام الأول وأخذ ب بل فِي كَلَامٍ آخَرَ فَقَالَ: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عذاب﴾

стр. 1758

وَالثَّانِي -أَعْنِي مَا يَتْلُوهَا مُفْرَدٌ- فَهِيَ عَاطِفَةٌ ثُمَّ إِنْ تَقَدَّمَهَا إِثْبَاتٌ نَحْوُ اضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا وَأَقَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو فَقَالَ النُّحَاةُ هِيَ تَجْعَلُ مَا قَبْلَهَا كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَيُثْبَتُ مَا بَعْدَهَا وَإِنْ تَقَدَّمَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ فَهِيَ لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهَا عَلَى حَالِهِ وَجَعْلِ ضِدِّهِ لِمَا بَعْدَهَا نَحْوُ مَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَلَا يَقُمْ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَوَافَقَ الْمُبَرِّدُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّهُ أَجَازَ مَعَ ذلك أن تكون ناقلة مع النَّهْيِ أَوِ النَّفْيِ إِلَى مَا بَعْدَهَا وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ قَبْلَهَا النَّفْيُ هَلْ تَنْفِي الْفِعْلَ أَوْ تُوجِبُهُ؟

стр. 1759

بَلَى لَهَا مَوْضِعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ رَدًّا لِنَفْيٍ يَقَعُ قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أَيْ عَمِلْتُمُ السُّوءَ وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ من يموت بلى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سبيل﴾ ثم قال: ﴿بلى﴾ أَيْ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وَالثَّانِي: أَنْ تَقَعَ جَوَابًا لِاسْتِفْهَامِ دَخَلَ عَلَيْهِ نَفْيُ حَقِيقَةٍ فَيَصِيرُ مَعْنَاهَا التَّصْدِيقَ لِمَا قَبْلَهَا كَقَوْلِكَ أَلَمْ أَكُنْ صَدِيقَكَ أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ فَتَقُولُ بَلَى أَيْ كُنْتَ صَدِيقِي وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالوا بلى قد جاءنا نذير﴾ ومنه: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ ،أَيْ أَنْتَ رَبُّنَا فَهِيَ فِي هَذَا الْأَصْلِ تَصْدِيقٌ لِمَا قَبْلَهَا وَفِي الْأَوَّلِ رَدٌّ لِمَا قَبْلَهَا وَتَكْذِيبٌ وَقَوْلُهُ: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالوا بلى﴾ أَيْ كُنْتُمْ مَعَنَا وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَنَ النَّفْيُ بِالِاسْتِفْهَامِ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَالْحَقِيقِيُّ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ

стр. 1760

أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى﴾ : ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى﴾ ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: التَّقْدِيرُ بَلْ نُحْيِيهَا قَادِرِينَ لِأَنَّ الْحِسَابَ إِنَّمَا يَقَعُ مِنَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْيِ جَمْعِ الْعِظَامِ وَبَلَى إِثْبَاتُ فِعْلِ النَّفْيِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَعْدَهَا مَذْكُورًا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: التَّقْدِيرُ فَلْنُحْيِهَا قَادِرِينَ لدلالة أيحسب عليه وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ مَجِيءِ الْجَوَابِ عَلَى نَمَطِ السُّؤَالِ وَالْمَجَازِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بربكم قالوا بلى﴾ فَإِنَّ الِاسْتِفْهَامَ هُنَا لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ هُوَ لِلتَّقْرِيرِ لَكِنَّهُمْ أَجْرَوُا النَّفْيَ مَعَ التَّقْرِيرِ مجرى النفي المجرد في رده بـ "بلى" وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ قَالُوا نَعَمْ لَكَفَرُوا وَوَجْهُهُ أَنَّ نَعَمْ تَصْدِيقٌ لِمَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ نَفْيًا كَانَ أَوْ إِثْبَاتًا وَنَازَعَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْمَحْكِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهِ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ التَّقْرِيرِيَّ إِثْبَاتٌ قَطْعًا وَحِينَئِذٍ فَنَعَمْ فِي الْإِيجَابِ تَصْدِيقٌ لَهُ فَهَلَّا أُجِيبَ بِمَا أُجِيبَ بِهِ الْإِيجَابُ فَإِنَّ قَوْلَكَ أَلَمْ أُعْطِكَ دِرْهَمًا بِمَنْزِلَةِ أَعْطَيْتُكَ وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: ذَكَرَهُ الصَّفَّارُ أَنَّ الْمُقَرِّرَ قَدْ يُوَافِقُهُ الْمُقَرَّرُ فِيمَا يَدَّعِيهِ وَقَدْ لَا فَلَوْ قِيلَ فِي جَوَابِ: أَلَمْ أُعْطِكَ نَعَمْ لَمْ يُدْرَ هَلْ أَرَادَ نَعَمْ لَمْ تُعْطِنِي فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْمُقَرِّرِ أَوْ نَعَمْ أَعْطَيْتَنِي فَيَكُونُ مُوَافِقًا فَلَمَّا كان يلتبس أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى

стр. 1761

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَوْنِ بَلَى إِنَّمَا يُجَابُ بِهَا النَّفْيُ هُوَ الْأَصْلُ وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿بلى قد جاءتك آياتي﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا نَفْيٌ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُقَدَّرٌ فإن معنى ﴿لو أن الله هداني﴾ ما هداني فلذلك أجيب بـ "بلى" الَّتِي هِيَ جَوَابُ النَّفْيِ الْمَعْنَوِيِّ وَلِذَلِكَ حَقَّقَهُ بقوله: ﴿قد جاءتك آياتي﴾ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْهِدَايَاتِ وَمِثْلُهُ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ فَإِنَّهُ سَبَقَ نَفْيٌ وَهُوَ ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ فَجَاءَتِ الْآيَةُ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ عِظَامَهُمْ فَرَدَّ عليهم بقوله: ﴿بلى قادرين﴾ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَقُّ بَلَى أَنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيٍ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ وَهَذَا الْقَيْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النَّفْيِ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ وَأَطْلَقَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّهَا جَوَابُ النَّفْيِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ: حَقُّهَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَى النَّفْيِ ثُمَّ حَمْلُ التَّقْرِيرِ عَلَى النَّفْيِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعَرَبِ وَأَجَابَهُ بِنَعَمْ وَسَأَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَلَّا قُرِنَ الْجَوَابُ بِمَا هُوَ جَوَابٌ لَهُ وهو قوله: ﴿أن الله هداني﴾ ولم يفصل بينهما بآية؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ تَقَدَّمَ عَلَى إِحْدَى الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ فُرِقَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ النَّظْمِ فَلَمْ يَحْسُنْ وَإِنْ تَأَخَّرَتِ الْقَرِينَةُ الْوُسْطَى نُقِضَ التَّرْتِيبُ وَهُوَ التَّحَسُّرُ عَلَى التَّفْرِيطِ فِي الطَّاعَةِ ثُمَّ التَّعْلِيلُ بِفَقْدِ الْهِدَايَةِ ثُمَّ تَمَنِّي الرَّجْعَةِ فَكَانَ الصَّوَابُ مَا جَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ حَكَى أَقْوَالَ النَّفْسِ عَلَى تَرْتِيبِهَا وَنَظْمِهَا ثُمَّ أَجَابَ عَمَّا اقْتَضَى الْجَوَابُ مِنْ بَيْنِهَا

стр. 1762

الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّكَ مَتَى رَأَيْتَ بَلَى أَوْ نعم بعد الكلام يَتَعَلَّقُ بِهَا تَعَلُّقَ الْجَوَابِ وَلَيْسَ قَبْلَهَا مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لَهُ فَاعْلَمْ أَنَّ هُنَاكَ سُؤَالًا مُقَدَّرًا لَفْظُهُ لَفْظُ الْجَوَابِ وَلَكِنَّهُ اخْتُصِرَ وَطُوِيَ ذِكْرُهُ عِلْمًا بِالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فله أجره عند ربه﴾ ،فَقَالَ: الْمُجِيبُ بَلَى وَيُعَادُ السُّؤَالُ فِي الْجَوَابِ وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ به خطيئته﴾ ، لَيْسَتْ بَلَى فِيهِ جَوَابًا لِشَيْءٍ قَبْلَهَا بَلْ مَا قَبْلَهَا دَالٌّ عَلَى مَا هِيَ جَوَابٌ لَهُ وَالتَّقْدِيرُ لَيْسَ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ خَالِدًا فِي النَّارِ أَوْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ فَجَوَابُهُ الْحَقُّ بَلَى وَقَدْ يُكْتَفَى بِذِكْرِ بَعْضِ الْجَوَابِ دَالًّا عَلَى بَاقِيهِ كَمَا قال تعالى: ﴿بلى قادرين﴾ أَيْ بَلَى نَجْمَعُهَا قَادِرِينَ فَذِكْرُ الْجُمْلَةِ بِمَثَابَةِ ذكر الجزاء من الجملة وكاف عنها الثالث: مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّافِعَةِ أَنَّ الْجَوَابَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَلْفُوظٍ بِهِ أَوْ مُقَدَّرٍ فَإِنْ كَانَ المقدر فَالْجَوَابُ بِالْكَلَامِ، كَقَوْلِكَ لِمَنْ تُقَدِّرُهُ مُسْتَفْهِمًا عَنْ قِيَامِ زَيْدٍ قَامَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ نَعَمْ وَلَا لَا لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَا يَعْنِي بِذَلِكَ وإن كان الجواب الملفوظ بِهِ فَإِنْ أَرَدْتَ التَّصْدِيقَ قُلْتَ نَعَمْ وَفِي تَكْذِيبِهِ بَلَى فَتَقُولُ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ أَمَا قَامَ زَيْدٌ نَعَمْ إِذَا صَدَّقْتَهُ وَبَلَى إِذَا كَذَّبْتَهُ وَكَذَلِكَ إِذَا أَدْخَلْتَ أَدَاةَ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى النَّفْيِ وَلَمْ تُرِدِ التَّقْرِيرَ بَلْ أَبْقَيْتَ الكلام

стр. 1763

عَلَى نَفْيِهِ فَتَقُولُ فِي تَصْدِيقِ النَّفْيِ نَعَمْ وَفِي تَكْذِيبِهِ بَلَى نَحْوُ أَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَتَقُولُ فِي تَصْدِيقِ النَّفْيِ نَعَمْ وَفِي تَكْذِيبِهِ بلى الرابع: يَجُوزُ الْإِثْبَاتُ وَالْحَذْفُ بَعْدَ بَلَى فَالْإِثْبَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جاءنا نذير﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قل بلى وربي لتأتينكم﴾ وَمِنَ الْحَذْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الملائكة منزلين بلى إن تصبروا﴾ ،فَالْفِعْلُ الْمَحْذُوفُ بَعْدَ بَلَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَكْفِيكُمْ أَيْ بَلَى يَكْفِيكُمْ إِنْ تَصْبِرُوا وَقَوْلِهِ: ﴿أولم تؤمن قال بلى﴾ ،أَيْ قَدْ آمَنْتُ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النار إلا أياما معدودة﴾ ثُمَّ قَالَ بَلَى أَيْ تَمْسَسْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا من كان هودا أو نصارى﴾ ثُمَّ قَالَ بَلَى أَيْ يَدْخُلُهَا غَيْرُهُمْ وَقَوْلِهِ: ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى﴾ وقد تحذف بلى وما بعدها كقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ معي صبرا﴾ أَيْ بَلَى قُلْتَ لِي

стр. 1764

ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ وَالْهِدَايَةُ سَابِقَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَالْمُرَادُ ثُمَّ دَامَ عَلَى الْهِدَايَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ وَقَدْ تَأْتِي لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شهيد﴾ وقوله: ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ وَتَقُولُ: زَيْدٌ عَالِمٌ كَرِيمٌ ثُمَّ هُوَ شُجَاعٌ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَدْ تَجِيءُ ثُمَّ كَثِيرًا لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فِي قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ مَرْتَبَتَيِ الْفِعْلِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ تَفَاوُتِ رُتْبَتَيِ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فـ "ثم" هُنَا لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْخَلْقِ وَالْجَعْلِ مِنْ رُتْبَةِ الْعَدْلِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ وَصْفِ الْعَادِلِينَ وَمِثْلُهُ قوله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ،دَخَلَتْ لِبَيَانِ تَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْفَكِّ وَالْإِطْعَامِ مِنْ رُتْبَةِ الْإِيمَانِ إِلَّا أَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ تَعَرُّضٍ لِوَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كفروا بربهم يعدلون﴾ أن ثم

стр. 1765

دخلت لبعد ما بين الكفر وخلق السموات وَالْأَرْضِ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الزَّمَخْشَرِيُّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْكَشَّافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَغَفَّارٌ لِمَنْ تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استقاموا﴾ قَالَ كَلِمَةُ التَّرَاخِي دَلَّتْ عَلَى تَبَايُنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ دَلَالَتَهَا عَلَى تَبَايُنِ الْوَقْتَيْنِ فِي جَاءَنِي زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو أَعْنِي أَنَّ مَنْزِلَةَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الخبر مُبَايِنَةٌ لِمَنْزِلَةِ الْخَيْرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا أَعْلَى مِنْهَا وَأَفْضَلُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ قتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر﴾ إِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى ثُمَّ الدَّاخِلَةِ فِي تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ؟ قُلْتُ: الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْكَرَّةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الدُّعَاءِ أَبْلَغُ مِنَ الْأُولَى وَقَوْلُهُ: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ قال جاء بـ "ثم" لِتَرَاخِي الْإِيمَانِ وَتَبَاعُدِهِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ عَلَى الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ السَّابِقُ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ ملة إبراهيم حنيفا﴾ أن ثم هذه فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِجْلَالِ مَحَلِّهِ وَالْإِيذَانِ بِأَنَّهُ أَوْلَى وَأَشْرَفُ مَا أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَأَجَلُّ مَا أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ أَتْبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِلَّتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ ثُمَّ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ وَتَصِيرُ كَالْوَاوِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ الزَّمَانِيَّ لُزُومًا أَمَّا إِذَا قُلْنَا إنها ترد

стр. 1766

لِقَصْدِ التَّفَاوُتِ وَالتَّرَاخِي عَنِ الزَّمَانِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الِانْفِصَالِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الشَّرِيفَةِ لَا أَنْ تَقُولَ إِنَّ ثُمَّ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُهْلَةِ وَتَكُونُ لِلتَّبَايُنِ فِي الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مُهْلَةٍ زَمَانِيَّةٍ بَلْ لِيُعْلَمَ مَوْقِعُ مَا يُعْطَفُ بِهَا وَحَالُهُ وَأَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ كَافِيًا فِيمَا قُصِدَ فِيهِ وَلَمْ يُقْصَدْ فِي هَذَا تَرْتِيبٌ زَمَانِيٌّ بَلْ تَعْظِيمُ الْحَالِ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَتَوَقُّعُهُ وَتَحْرِيكُ النُّفُوسِ لِاعْتِبَارِهِ وَقِيلَ: تأتي للتعجب بنحو: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ وقوله: ﴿ثم يطمع أن أزيد كلا﴾ وَقِيلَ: بِمَعْنَى وَاوِ الْعَطْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثم الله شهيد﴾ أَيْ هُوَ شَهِيدٌ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بيانه﴾ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا لِمَا سَبَقَ قَبْلَهُ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا﴾ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ قَبْلَ خَلْقِنَا فَالْمَعْنَى وَصَوَّرْنَاكُمْ وَقِيلَ: عَلَى بَابِهَا وَالْمَعْنَى ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ صَوَّرَهُ وَابْتَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ صَوَّرَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طين ثم قضى أجلا﴾ وَقَدْ كَانَ قَضَى الْأَجَلَ فَمَعْنَاهُ أُخْبِرُكُمْ أَنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ طِينٍ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَضَيْتُ الأجل كما تقول كلمتك اليوم ثم كلمتك أمس أي أني أخبرك بذالك ثم أخبرك بهذا وَهَذَا يَكُونُ فِي الْجُمَلِ،

стр. 1767

فَأَمَّا عَطْفُ الْمُفْرَدَاتِ فَلَا تَكُونُ إِلَّا لِلتَّرْتِيبِ قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ قِيلَ: وَتَأْتِي زَائِدَةً كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ إلى قوله: ﴿ثم تاب عليهم﴾ لِأَنَّ تَابَ جَوَابُ إِذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إذا ضاقت﴾ وَتَأْتِي لِلِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثم لا ينصرون﴾ فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمَانِعُ مِنَ الْجَزْمِ عَلَى الْعَطْفِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عُدِلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الْجَزَاءِ إِلَى حُكْمِ الْإِخْبَارِ ابْتِدَاءً كَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُمْ لَا يُنْصَرُونَ فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ رَفْعِهِ وَجَزْمِهِ فِي الْمَعْنَى؟ قِيلَ: لَوْ جُزِمَ لَكَانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقَاتَلَتِهِمْ كَتَوَلِّيهِمْ وَحِينَ رُفِعَ كَانَ النَّصْرُ وَعْدًا مُطْلَقًا كَأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ شَأْنُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ أَنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْهَا وَأُبَشِّرُكُمْ بِهَا بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أَنَّهُمْ مَخْذُولُونَ مَنَعْتُ عَنْهُمُ النُّصْرَةَ وَالْقُوَّةَ ثُمَّ لَا يَنْهَضُونَ بَعْدَهَا بِنَجَاحٍ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ أَمْرٌ وَاعْلَمْ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرْفَ اسْتِئْنَافٍ فَفِيهَا مَعْنَى الْعَطْفِ وَهُوَ عَطْفُ الْخَبَرِ عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَكُمْ فَيُهْزَمُونَ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُمْ لَا يُنْصَرُونَ فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّرَاخِي فِي ثُمَّ؟

стр. 1768

قِيلَ التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي تَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِتَوَلِّيهِمُ الْأَدْبَارَ وكقوله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ ثم المفتوحة ظرف للبعيد بمعنى قال تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ وقرئ: ﴿فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد﴾ ،أَيْ هُنَالِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ بِدَلِيلِ: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لله الحق﴾ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وقع آمنتم به﴾ مَعْنَاهُ أَهُنَالِكَ، وَلَيْسَتْ ثُمَّ الْعَاطِفَةَ وَهَذَا وَهْمٌ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْمَضْمُومَةُ بِالْمَفْتُوحَةِ

стр. 1769

حاشا اسم يأتي بمعنى التنزيه كقوله: ﴿حاش لله﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَاشًا لِلَّهِ بِالتَّنْوِينِ كَمَا قيل: ﴿براءة من الله﴾ مِنْ كَذَا أَيْ حَاشًا لِلَّهِ بِالتَّنْوِينِ كَقَوْلِهِمْ رَعْيًا لِزَيْدٍ وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿حَاشَا اللَّهِ﴾ بِالْإِضَافَةِ فَهَذَا مِثْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَعَاذَ اللَّهِ وَقِيلَ: بِمَعْنَى جَانَبَ يُوسُفُ الْمَعْصِيَةَ لِأَجْلِ اللَّهِ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هذا بشرا﴾ قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَهُوَ فَاعِلٌ مِنَ الْحَشَا الَّذِي هُوَ النَّاحِيَةُ أَيْ صَارَ فِي نَاحِيَةٍ أَيْ بَعُدَ مِمَّا رُمِيَ بِهِ وَتَنَحَّى عَنْهُ فَلَمْ يَغْشَهُ وَلَمْ يُلَابِسْهُ فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا قُلْنَا بِاسْمِيَّةِ حَاشَا فَمَا وَجْهُ تَرْكِ التَّنْوِينِ فِي قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُضَافَةٍ؟ قُلْتُ: قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ حَاشَى الْمُشَبَّهَةَ بِحَاشَى الَّذِي هُوَ حَرْفٌ وَأَنَّهُ شَابَهَهُ لَفْظًا ومعنى فجرى مجراه في البناء

стр. 1770

حتى كـ "إلى" لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ مَا بَعْدَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا قَطْعًا كَقَوْلِكَ قام القوم حتى زيد فـ "زيد" هَاهُنَا دَخَلَ فِي الْقِيَامِ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي قَامَ الْقَوْمُ إِلَى زَيْدٍ وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ إِنَّ حَتَّى تَجْرِي مَجْرَى الْوَاوِ وَثُمَّ فِي التَّشْرِيكِ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا قَوْلُهُ ﷺ : "كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ" وَقَوْلِهِ: "أُرِيتُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ" وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَتَّى تَخْتَصُّ بِالْغَايَةِ الْمَضْرُوبَةِ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتَّى رَأَسِهَا وَامْتَنَعَ حَتَّى نصفها أو ثلثها وإلى عَامَّةٌ فِي كُلِّ غَايَةٍ انْتَهَى ثُمَّ الْغَايَةُ تَجِيءُ عَاطِفَةً وَهِيَ لِلْغَايَةِ كَيْفَ وَقَعَتْ إِمَّا فِي الشَّرَفِ كَجَاءَ الْقَوْمُ حَتَّى رَئِيسُهُمْ أَوِ الضعة نحو أسنت الْفِصَالُ حَتَّى الْقَرْعَى أَوْ تَكُونُ جُمْلَةً مِنَ الْقَوْلِ عَلَى حَالٍ هُوَ آخِرُ الْأَحْوَالِ الْمَفْرُوضَةِ أَوِ الْمُتَوَهَّمَةِ بِحَسْبِ ذَلِكَ الشَّأْنِ إِمَّا فِي الشدة نحو: ﴿وزلزلوا حتى يقول﴾ إِذَا أُرِيدَ حِكَايَةُ الْحَالِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَّةِ فَإِنْ أُرِيدَ الِاسْتِقْبَالُ لَزِمَ النَّصْبُ وَإِمَّا فِي الرَّخَاءِ نَحْوُ شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَعِيرُ يَجُرُّ بَطْنَهُ عَلَى الْحِكَايَةِ

стр. 1771

ولانتهاء الغاية نحو: ﴿حتى مطلع الفجر﴾ ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ وَالتَّعْلِيلِ وَعَلَامَتُهَا أَنْ تَحْسُنَ فِي مَوْضِعِهَا كَيْ نَحْوُ حَتَّى تَغِيظَ ذَا الْحَسَدِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين﴾ ويحتملها: ﴿حتى تفيء﴾ وقوله: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم﴾ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ قِيلَ: وَلِلِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد حتى يقولا﴾ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ وَحَرْفُ ابْتِدَاءٍ أَيْ تُبْتَدَأُ بِهِ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أَوِ الْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حتى يقول الرسول﴾ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ. وَكَذَا الدَّاخِلَةُ عَلَى إِذَا في نحو: ﴿حتى إذا فشلتم﴾ وَنَظَائِرِهِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ

стр. 1772

حَيْثُ ظَرْفُ مَكَانٍ قَالَ الْأَخْفَشُ وَلِلزَّمَانِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ تَشْبِيهًا بِالْغَايَاتِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ إِلَى الْجُمْلَةِ كَلَا إِضَافَةٍ وَلِهَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ : مَا بَعْدَ حَيْثُ صِلَةٌ لَهَا وَلَيْسَتْ بِمُضَافَةٍ إِلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُضَافَةً لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا فَصَارَتْ كَالصِّلَةِ لَهَا أَيْ كَالزِّيَادَةِ وَفَهِمَ الْفَارِسِيُّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا مَوْصُولَهٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَمِنَ العرب من يعرب حيث قراءة بعضهم ﴿من حيث لا يعلمون﴾ بالكسر تحتملها وتحتمل الْبِنَاءِ عَلَى الْكَسْرِ وَقَدْ ذَكَرُوا الْوَجْهَيْنِ فِي قراءة: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا ظَرْفٌ لَا يَتَصَرَّفُ وَجَوَّزَ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَوْنَهَا مَفْعُولًا بِهِ عَلَى السَّعَةِ قَالُوا وَلَا تَكُونُ ظَرْفًا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ أَعْلَمَ مِنْهُ فِي مَكَانٍ وَإِذَا كَانَتْ مَفْعُولًا لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا أَعْلَمُ لِأَنَّ أَعْلَمَ لَا يَعْمَلُ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ فَيُقَدَّرُ لَهَا فِعْلٌ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا مَجَازًا وَفِيهِ نَظَرٌ

стр. 1773

دُونَ نَقِيضُ فَوْقَ وَلَهَا مَعَانٍ: أَحَدُهَا: مِنْ ظُرُوفِ الْمَكَانِ الْمُبْهَمِ لِاحْتِمَالِهَا الْجِهَاتِ السِّتَّ وَقِيلَ: هِيَ ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى السُّفْلِ فِي الْمَكَانِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ كَقَوْلِكَ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَأَمَّا دُونَ فَتَقْصِيرٌ عَنِ الْغَايَةِ قَالَ الصَّفَّارُ: لَا يُرِيدُ الْغَايَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلِ الْغَايَةَ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا فَإِذَا قُلْتَ أَنَا دُونَكَ فِي الْعِلْمِ مَعْنَاهُ أَنَا مُقَصِّرٌ عَنْكَ وَهُوَ ظَرْفُ مَكَانٍ مُتَجَوَّزٌ فِيهِ أَيْ أَنَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْعِلْمِ لَا يَبْلُغُ مَوْضِعَكَ وَنَظِيرُهُ فُلَانٌ فَوْقَكَ فِي الْعِلْمِ الثَّانِي: اسْمٌ نحو: ﴿من دونه﴾ الثَّالِثُ: صِفَةٌ، نَحْوُ: هَذَا الشَّيْءُ دُونَ أَيِّ رَدِيءٍ فَيَجْرِي بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَقَدْ تَكُونُ صِفَةً لَا بِمَعْنَى رَدِيءٍ وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَاهُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ رَأَيْتُ رَجُلًا دُونَكَ ثُمَّ قَدْ يُحْذَفُ هَذَا الْمَوْصُوفُ وَتُقَامُ الصِّفَةُ مَقَامَهُ وَحِينَئِذٍ فَلِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَانِ أَحَدُهُمَا إِعْرَابُهَا كَإِعْرَابِ الْمَوْصُولِ وَجَرْيِهَا بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ وَالثَّانِيَةُ إِبْقَاؤُهَا عَلَى أَصْلِهَا من

стр. 1774

الظَّرْفِيَّةِ وَعَلَيْهَا جَاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ،قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَدْنَى مَكَانٍ مِنَ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الدُّونُ لِلْحَقِيرِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْحَالِ نَحْوُ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو أَيْ فِي الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ وَاتُّسِعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي تَجَاوُزِ حَدٍّ إِلَى حَدٍّ نَحْوَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ أَيْ لَا يَتَجَاوَزُونَ وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ دُونَ فِعْلٌ يُقَالُ دَانَ يَدُونُ دَوْنًا وَأُدِينَ إِدَانَةً وَالْمَعْنَى عَلَى الْحَقَارَةِ وَالتَّقْرِيبِ وَهَذَا دُونَ ذَلِكَ أَيْ قَرِيبٌ مِنْهُ وَدَوَّنَ الْكُتُبَ إِذَا جَمَعَهَا لِأَنَّ جَمْعَ الْأَشْيَاءِ إِدْنَاءُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ وَتَقْلِيلُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهَا وَدُونَكَ هَذَا أَصْلُهُ خُذْهُ مِنْ دونك أي من أدنى منك فاختصر.

стр. 1775

ذُو وَذَاتُ بِمَعْنَى صَاحِبٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذو العرش المجيد﴾ ،وقوله: ﴿ذواتا أفنان﴾ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافًا وَلَا يُضَافُ إِلَى صِفَةٍ وَلَا إِلَى ضَمِيرٍ وَإِنَّمَا وُضِعَتْ وُصْلَةً إِلَى وَصْفِ الْأَشْخَاصِ بِالْأَجْنَاسِ كَمَا أَنَّ الَّذِي وُضِعَتْ وُصْلَةً إِلَى وَصْلِ الْمَعَارِفِ بِالْجُمَلِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ التَّوْضِيحُ وَالتَّخْصِيصُ وَالْأَجْنَاسُ أَعَمُّ مِنَ الْأَشْخَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَخْصِيصُهَا لَهَا فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ مَرَرْتُ بِرَجُلِ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَضْلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فَإِذَا قُلْتَ بِذِي عِلْمٍ صَحَّ الْوَصْفُ وَأَفَادَ التَّخْصِيصَ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ تَابِعَةً لِلْمَوْصُوفِ فِي إِعْرَابِهِ وَمَعْنَاهُ وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذي عالم عليم﴾ فَقِيلَ الْعَالِمُ هُنَا مَصْدَرٌ كَالصَّالِحِ وَالْبَاطِلِ وَكَأَنَّهُ قال ﴿وفوق كل ذي علم﴾ فالقراءتان في المعنى سواء وقيل: ذي زائد ة وقيل: من إضافة المسمى إلا الِاسْمِ أَيْ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ يُسَمَّى عَالِمًا أَوْ يُقَالُ لَهُ عَالِمٌ عَلِيمٌ وَلَا يُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْأَشْخَاصِ وَلِهَذَا لَحَنُوا قَوْلَ بَعْضِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَذَوِيهِ

стр. 1776

وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُضَافُ ذُو إِلَى ضَمِيرِ الْأَجْنَاسِ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِأَنَّ ضَمِيرَ الْجِنْسِ هو الجنس في المعنى وَعَنِ ابْنِ بَرِّيٍّ أَنَّهَا تُضَافُ إِلَى مَا يُضَافُ إِلَيْهِ صَاحِبٌ لِأَنَّهَا رَدِيفَتُهُ وَأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ إِضَافَتُهَا لِلضَّمِيرِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ وُصْلَةً وَإِلَّا فَلَا يُمْتَنَعُ وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ ذُو بِمَعْنَى الصَّاحِبِ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ مَوْصُوفًا وَمُضَافًا إِلَيْهِ تَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ ذُو مَالٍ بِالْوَاوِ في الرفع وبالألف في النصب بالياء فِي الْجَرِّ وَمِنْهُ ذُو بَطْنٍ خَارِجَةٍ أَيْ جَنِينِهَا وَأَلْقَتِ الدَّجَاجَةُ ذَا بَطْنِهَا أَيْ بَاضَتْ أَوْ سَلَحَتْ وَتَقُولُ لِلْمُؤَنَّثِ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَالٍ وَلِلْبِنْتَيْنِ ذَوَاتَا مَالٍ وَلِلْجَمَاعَةِ ذَوَاتُ مَالٍ قَالَ: هَذَا أَصْلُ الْكَلِمَةِ ثُمَّ اقْتَطَعُوا عَنْهَا مُقْتَضَاهَا وَأَجْرَوْهَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ التَّامَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ غَيْرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا سِوَاهَا فَقَالُوا ذَاتٌ مُتَمَيِّزَةٌ وَذَاتٌ قَدِيمَةٌ وَمُحْدَثَةٌ وَنَسَبُوا إِلَيْهَا كَمَا هِيَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ عَلَامَةَ التَّأْنِيثِ فَقَالُوا الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ وَاسْتَعْمَلُوهَا اسْتِعْمَالَ النَّفْسِ وَالشَّيْءِ وَعَنِ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي السِّيرَافِيَّ كُلُّ شَيْءٍ ذَاتٌ وَكُلُّ ذَاتٍ شَيْءٌ وَحَكَى صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ قَوْلَ الْعَرَبِ جَعَلَ مَا بَيْنَنَا فِي ذَاتِهِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ يقول فيسمع ويمشى فيسرع ويضرب في ذات الإله فيوجع فال شَيْخُنَا يَعْنِي الزَّمَخْشَرِيَّ إِنْ صَحَّ هَذَا فَالْكَلِمَةُ عَرَبِيَّةٌ وَقَدِ اسْتَمَرَّ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي اسْتِعْمَالِهَا وَأَمَّا قوله: ﴿عليم بذات الصدور﴾ وَقَوْلِهِ فُلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ

стр. 1777

فَمِنَ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى الْإِقْلَالُ لِمُصَاحَبَةِ الْيَدِ وَقَوْلُهُمْ أَصْلَحَ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِ وَذُو الْيَدِ أَحَقُّ انْتَهَى وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْإِضَافَةُ لِـ "ذِي" أَشْرَفُ مِنَ الْإِضَافَةِ لِصَاحِبٍ لِأَنَّ قَوْلَكَ ذُو يُضَافُ إِلَى التَّابِعِ وَصَاحِبٌ يُضَافُ إِلَى الْمَتْبُوعِ تَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا تَقُولُ النَّبِيُّ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَلَى جِهَةٍ مَا وَأَمَّا ذُو فَإِنَّكَ تَقُولُ فِيهَا ذُو الْمَالِ وَذُو الْعَرْشِ فَتَجِدُ الِاسْمَ الْأَوَّلَ مَتْبُوعًا غَيْرَ تَابِعٍ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَقْيَالُ حِمْيَرَ بِالْأَذْوَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ذُو جَدَنَ ذو يزن في الْإِسْلَامِ أَيْضًا ذُو الْعَيْنِ وَذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَذُو السِّمَاكَيْنِ وَذُو الْيَدَيْنِ هَذَا كُلُّهُ تَفْخِيمٌ لِلشَّيْءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي لَفْظَةِ صَاحِبٍ وَبُنِيَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي سُورَةِ الأنبياء: ﴿وذا النون﴾ فَأَضَافَهُ إِلَى النُّونِ وَهُوَ الْحُوتُ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحوت﴾ قَالَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لَكِنْ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَفَاوُتٌ كَبِيرٌ فِي حُسْنِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَالَتَيْنِ وَتَنْزِيلِ الكلام في الموضعين فإنه ذكر في موضع الثناء عليه ذو النُّونِ وَلَمْ يَقُلْ صَاحِبُ النُّونِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ بـ"ذي" أَشْرَفُ مِنْ صَاحِبٍ وَلَفْظُ النُّونِ أَشْرَفُ مِنَ الْحُوتِ لِوُجُودِ هَذَا الِاسْمِ فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ أَوَائِلَ السُّوَرِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ مَا يُشَرِّفُهُ لِذَلِكَ فَالْتَفِتْ إِلَى تَنْزِيلِ الْكَلَامِ فِي الْآيَتَيْنِ يَلُحْ لَكَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْغَرَضِ فَإِنَّ التَّدَبُّرَ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ مفترض وقوله تعالى: ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ أَيِ الْحَالَ بَيْنَكُمْ وَأَزِيلُوا الْمُشَاجَرَةَ وَتَكُونُ لِلْإِرَادَةِ والنية كقوله: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ أي السرائر

стр. 1778

رُوَيْدٌ تَصْغِيرُ رُودٍ وَهُوَ الْمَهْلُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أمهلهم رويدا﴾ أَيْ قَلِيلًا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا أَمْهِلْهُمْ كَانَتْ بِمَعْنَى مَهْلًا وَلَا يُتَكَلَّمُ بِهَا إِلَّا مُصَغَّرًا مَأْمُورًا بِهَا رُبَّمَا لَا يَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهَا إِلَّا مَاضِيًا لِأَنَّ دُخُولَ مَا لَا يُزِيلُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا فِي اللُّغَةِ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقِيلَ عَلَى إِضْمَارِ كَانَ تَقْدِيرُهُ رُبَّمَا كَانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا السِّينُ حَرْفُ اسْتِقْبَالٍ قِيلَ وتأتي للاستمرار كقوله تعالى: ﴿ستجدون آخرين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قبلتهم﴾ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا نَزَلَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ فَجَاءَتِ السِّينُ إِعْلَامًا بِالِاسْتِمْرَارِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَفَادَتِ السِّينُ وُجُودَ الرَّحْمَةِ لَا مَحَالَةَ فَهِيَ تُؤَكِّدُ الْوَعْدَ كَمَا تُؤَكِّدُ الْوَعِيدَ إِذَا قُلْتَ سَأَنْتَقِمُ مِنْكَ

стр. 1779

وَمِثْلُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ مَعْنَى السِّينِ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ إِلَى حِينٍ وَقَالَ الطِّيبِيُّ مُرَادُ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ السِّينَ فِي الْإِثْبَاتِ مُقَابِلَةُ إِنْ فِي النَّفْيِ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ السِّينُ تَوْكِيدٌ لِلْوَعْدِ بَلْ كَانَتْ حِينَئِذٍ تَوْكِيدًا لِلْمَوْعُودِ بِهِ كَمَا أَنَّ لَوْ تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ بِهَا وَتَأْتِي زَائِدَةٌ كقوله: ﴿يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده﴾ أي تجيبون وقوله: ﴿ويستجيب الذين آمنوا﴾

стр. 1780

سَوْفَ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى التَّأْخِيرِ وَالتَّنْفِيسِ وَزَمَانُهُ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ السِّينِ لِمَا فِيهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّسْوِيفِ وَمِنْهُ قِيلَ: فُلَانٌ يُسَوِّفُ فُلَانًا قال تعالى: ﴿وسوف تسألون﴾ وَقَالَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ﴾ فَقَرَّبَ الْقَوْلَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الْخَشَّابِ فِي شَرْحِ الْجُمَلِ وَابْنُ يَعِيشَ وَابْنُ أَبَانٍ وَابْنُ بَابَشَاذَ وَابْنُ عُصْفُورٍ وَغَيْرُهُمْ وَمَنَعَ ابْنُ مَالِكٍ كَوْنَ التَّرَاخِي فِي سَوْفَ أَكْثَرَ بِأَنَّ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ مُتَقَابِلَانِ وَالْمَاضِي لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا مُطْلَقُ الْمُضِيِّ دُونَ تَعَرُّضٍ لِقُرْبِ الزَّمَانِ أَوْ بُعْدِهِ فَكَذَا الْمُسْتَقْبَلُ لِيَجْرِيَ الْمُتَقَابِلَانِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اسْتُعْمِلَا فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وَفِي سُورَةِ التَّكَاثُرِ: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿سوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ قُلْتُ: وَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قوله تعالى: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين﴾ ،وقوله: ﴿فسيدخلهم في رحمة منه وفضل﴾ معبرا بِهِ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ وَلِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْوَالَ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا قُرِنَ بِالسِّينِ لِمَا فِي الدُّنْيَا وَمَا قُرِنَ بِسَوْفَ لِمَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يخفى خروج

стр. 1781

قوله: ﴿كلا سيعلمون﴾ ، وقوله: ﴿كلا سوف تعلمون﴾ عَنْ دَعْوَاهُ لِأَنَّ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ مَعَ سَوْفَ لَا إِسْكَانَ فِيهِ وَمَعَ السِّينِ لِلْمُبَالَغَةِ وَقَصْدِ تَقْرِيبِ الْوُقُوعِ بِخِلَافِ سَيَقُومُ زَيْدٌ وَسَوْفَ يَقُومُ مِمَّا الْقَصْدُ فِيهِ الْإِخْبَارُ الْمُجَرَّدُ وَفَرَّقَ ابْنُ بَابَشَاذَ أَيْضًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَوْفَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَعْدِ مِثَالُ الْوَعِيدِ: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ من أضل سبيلا﴾ و ﴿كلا سيعلمون﴾ وَأَمْثَالُهَا فِي الْوَعْدِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ جَمِيعًا فَالْوَعْدُ لِأَجْلِ الْمُؤْمِنِينَ والمحبين وَالْوَعِيدُ لِمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ جَوَابِ الْمُرْتَدِّينَ بِكَوْنِهِمْ أَعِزَّةً عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الْكَافِرِينَ وَالْأَكْثَرُ فِي السِّينِ الْوَعْدُ وَتَأْتِي لِلْوَعِيدِ مِثَالُ الْوَعْدِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ ودا﴾ وَمِثَالُ الْوَعِيدِ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ ينقلبون﴾

стр. 1782

عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ حَقِيقَةً نَحْوُ: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تحملون﴾ أو مجازا نحو ﴿ولهم علي ذنب﴾ ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يموت﴾ فَهِيَ بِمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَالْإِسْنَادِ أَيْ أَضَفْتُ تَوَكُّلِي وَأَسْنَدْتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى الِاسْتِعْلَاءِ فإنها لا تفيده هاهنا وللمصاحبة كقوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ وَتَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ نَحْوُ: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هداكم﴾ أَيْ لِهِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا ذُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِي الْغَالِبِ مَعَ الْحَمْدِ لَمْ تَقْتَرِنْ بعلى نَحْوُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض﴾ وَإِذَا أُرِيدَتِ النِّعْمَةُ أُتِيَ بِـ "عَلَى" فَفِي الْحَدِيثِ كَانَ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" ثُمَّ أَوْرَدَ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْعُلُوَّ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَتَجِيءُ لِلظَّرْفِيَّةِ نَحْوُ: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ على حين غفلة من أهلها﴾

стр. 1783

ونحو: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ أَوْ فِي زَمَنِ سليمان أي زمن ملكه ويحتمل أن تتلوا ضَمِنَ مَعْنَى تَقُولُ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ علينا﴾ وَبِمَعْنَى مِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ وَحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوليان﴾ أَيْ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مقضيا﴾ أَيْ كَانَ الْوُرُودُ حَتْمًا مَقْضِيًّا مِنْ رَبِّكَ وبمعنى عند نحو: ﴿ولهم علي ذنب﴾ ،أي عندي والباء نحو: ﴿حقيق على أن لا أقول﴾ وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ ﵁ بِالْبَاءِ تَنْبِيهٌ حَيْثُ وَرَدَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَتْ فِي جَانِبِ الْفَضْلِ كَانَ مَعْنَاهُ الْوُقُوعُ وَتَأْكِيدُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ وقوله: ﴿ثم إن علينا حسابهم﴾

стр. 1784

عَنْ تَقْتَضِي مُجَاوَزَةَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ نَحْوَ غَيْرِهِ وَتَعَدِّيهِ عَنْهُ تَقُولُ أَطْعَمْتُهُ عَنْ جُوعٍ أَيْ أَزَلْتُ عَنْهُ الْجُوعَ وَرَمَيْتُ عَنِ الْقَوْسِ أَيْ طَرَحْتُ السَّهْمَ عَنْهَا وَقَوْلُكَ أَخَذْتُ الْعِلْمَ عَنْ فُلَانٍ مَجَازٌ لِأَنَّ عِلْمَهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ وَوَجْهُ الْمَجَازِ أَنَّكَ لَمَّا تَلَقَّيْتَهُ مِنْهُ صَارَ كَالْمُنْتَقِلِ إِلَيْكَ عَنْ مَحَلِّهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ لِأَنَّهُمْ إِذَا خَالَفُوا أَمْرَهُ بَعُدُوا عَنْهُ وَتَجَاوَزُوهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ: عَنْ تُسْتَعْمَلُ أَعَمَّ مِنْ عَلَى لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِهَاتِ السِّتِّ وكذلك وقع موقع على قَوْلِهِ: إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ وَلَوْ قلت: أطعمته من جُوعٍ وَكَسَوْتُهُ عَلَى عُرْيٍ لَمْ يَصِحَّ وَتَجِيءُ لِلْبَدَلِ نَحْوُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئا﴾ وَلِلِاسْتِعْلَاءِ نَحْوُ: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نفسه﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ ربي﴾ أي قدمته عليه وقيل: عَلَى بَابِهَا أَيْ مُنْصَرِفًا عَنْ ذِكْرِ رَبِّي وَحَكَى الرُّمَّانِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ أَحْبَبْتُ مِنْ أَحَبَّ الْبَعِيرُ إِحْبَابًا إِذَا بَرَكَ فَلَمْ يَقُمْ فَـ "عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ التَّضْمِينَ أَيْ تَثَبَّطْتُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي وَعَلَى هَذَا فَـ "حُبَّ الْخَيْرِ" مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ

стр. 1785

وَلِلتَّعْلِيلِ، نَحْوُ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عن موعدة﴾ ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾ وَبِمَعْنَى بَعْدَ نَحْوُ: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ ،بِدَلِيلِ أَنَّ فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ بَعْدِ مواضعه ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ وَبِمَعْنَى مِنْ نَحْوُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عن عباده﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ بِدَلِيلِ، ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر﴾ وَبِمَعْنَى الْبَاءِ نَحْوُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وَقِيلَ عَلَى حَقِيقَتِهَا أَيْ وَمَا يَصْدُرُ قَوْلُهُ عَنْ هَوًى وَقِيلَ لِلْمُجَاوَزَةِ لِأَنَّ نُطْقَهُ مُتَبَاعِدٌ عن الهوى متجاوز عَنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الباء نفي عنه النطق في حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِالْهَوَى وَهُوَ صَحِيحٌ وَاذَا كَانَتْ عَلَى بَابِهَا نُفِيَ عَنْهُ التَّعَلُّقُ حَالَ كَوْنِهِ مُجَاوِزًا عَنِ الْهَوَى فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النُّطْقُ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِالْهَوَى وَهُوَ فَاسِدٌ

стр. 1786

عَسَى لِلتَّرَجِّي فِي الْمَحْبُوبِ وَالْإِشْفَاقِ فِي الْمَكْرُوهِ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تحبوا شيئا وهو شر لكم﴾ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَتَأْتِي لِلْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قَالَ: وَقَالَ الْكِسَائِيُّ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَسَى عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ فَهُوَ مُوَحَّدٌ نحو: ﴿عسى أن يكونوا خيرا منهم﴾ ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا﴾ ، وَوُحِّدَ عَلَى عَسَى الْأَمْرُ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَمَا كَانَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فَهُوَ يُجْمَعُ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ هَلْ عَدَوْتُمْ ذَلِكَ؟ هَلْ جُزْتُمُوهُ؟ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَلُّ عَسَى فِي الْقُرْآنِ فهي واجبة وقال الشافعي: يُقَالُ: عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ عَسَى فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَاجِبَةٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ فَمَا ﵏ بَلْ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَوْقَعَ عَلَيْهِمُ الْعُقُوبَةَ

стр. 1787

وَفِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أن يبدله أزواجا خيرا منكن﴾ ،وَلَازَمْنَهُ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الْقَاعِدَةَ وَأَبْطَلَ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرْطٍ أَيْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ فَلَمَّا زَالَ الشَّرْطُ وَانْقَضَى الْوَقْتُ وَجَبَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ فَعَلَى هَذَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ بَابِهَا الَّذِي هُوَ الْإِيجَابُ وكذلك قوله: ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ تَقْدِيرُهُ وَاجِبٌ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ أَيْ لَبَتَّ طَلَاقَكُنَّ وَلَمْ يَبُتَّ طَلَاقَهُنَّ فَلَا يَجِبُ التَّبْدِيلُ وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ التحريم: ﴿عسى ربه﴾ إِطْمَاعٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْجَبَابِرَةِ مِنَ الْإِجَابَةِ بِـ "لَعَلَّ" وَعَسَى وَوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَوْقِعَ الْقَطْعِ وَالْبَتِّ وَالثَّانِي أَنْ تَجِيءَ تَعْلِيمًا لِلْعِبَادِ وُجُوبَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الخوف والرجاء

стр. 1788

عِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ بِمَعْنَى لَدُنْ إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُعْرَبَةٌ وَكَانَ الْقِيَاسُ بِنَاءَهَا لِافْتِقَارِهَا إِلَى ما تضاف إليه كـ "لدن" وإذ وَلَكِنْ أَعْرَبُوا عِنْدَ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِيهَا فَأَوْقَعُوهَا عَلَى مَا هُوَ مِلْكُ الشَّخْصِ حَضَرَهُ أَوْ غَابَ عَنْهُ بِخِلَافِ لَدُنْ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لَدُنْ فُلَانٍ إِلَّا إِذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الْقَائِلِ فَـ "عِنْدَ" بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَعَمُّ مِنْ لَدُنْ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وعلمناه من لدنا علما﴾ أَيْ مِنَ الْعِلْمِ الْخَاصِّ بِنَا وَهُوَ عِلْمُ الْغَيْبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ ،الظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى عِنْدَكَ وَكَأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ لَدُنْ لِمَا ذَكَرْنَا فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ بَيْنَ يَدَيْ لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ بِجِهَةِ أَمَامَ فَإِنَّ مِنْ حَقِيقَتِهَا الْكَوْنَ مِنْ جِهَتَيْ مُسَامَتَةِ الْبَدَنِ وَتُفِيدُ معنى القرب وقد تجيء بمعنى وراء وأمام إِذَا تَضَمَّنَتْ مَعْنَى قَبْلُ كَـ "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ" وَقَدْ تَجِيءُ وَرَاءَ بِمَعْنَى لَدَى الْمُضَمَّنِ مَعْنَى أَمَامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ﴿من ورائه جهنم﴾

стр. 1789

﴿ويكفرون بما وراءه﴾ وقوله: ﴿من وراء جدر﴾ ،وَيَتَنَاوَلُ الْحَالَيْنِ بِالتَّضَايُفِ وَقَدْ يُطْلَقُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الطَّوَاعِيَةِ وَتَرْكِ الِاخْتِيَارِ مَعَ الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ ،مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّقْدِيمِ أَوِ التَّقَدُّمِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَرَةِ بِالرَّأْيِ وَالْقَوْلِ أَيْ لَا تُقَدِّمُوا الْقَوْلَ أَوْ لَا تُقَدِّمُوا بِالْقَوْلِ بَيْنَ يَدَيْ قَوْلِ اللَّهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَمْلَأَ بِالْمَعْنَى وَإِذَا ثبت أن عند ولدى للقرب فتارة يكون حقيقيا كقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عندها جنة المأوى﴾ ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ وتارة مجازا إِمَّا قُرْبَ الْمَنْزِلَةِ وَالزُّلْفَى، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عند ربهم يرزقون﴾ ﴿إن الذين عند ربك﴾ وَعَلَى هَذَا قِيلَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ أَوْ قُرْبَ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجنة﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمْدِي وَهَزْلِي وَجِدِّي كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي" أَيْ فِي دَائِرَتِي إِشَارَةً لِأَحْوَالِ أُمَّتِهِ وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُ الْعِصْمَةُ وَتَارَةً بِمَعْنَى الْفَضْلِ، وَمِنْهُ: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ مِنْ فَضْلِكَ وَإِحْسَانِكَ وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ الحكم كقوله: ﴿فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾

стр. 1790

﴿وهو عند الله عظيم﴾ أَيْ فِي حُكْمِهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ فِي حُكْمِكَ وَقِيلَ بِحَذْفِ عِنْدَ فِي الْكَلَامِ وَهِيَ مُرَادَةٌ لِلْإِيجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَقُّ من ربك﴾ ﴿رسول من الله﴾ ﴿عذاب من الرحمن﴾ ،أَيْ مِنْ عِنْدِ الرَّحْمَنِ لِظُهُورِ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ من الله نور﴾ وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَ لِلْحُضُورِ نَحْوُ: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مستقرا عنده﴾ وَقَدْ يَكُونُ الْحُضُورُ وَالْقُرْبُ مَعْنَوِيَّيْنِ نَحْوُ: ﴿قَالَ الذي عنده علم من الكتاب﴾ وَيَجُوزُ: وَأَنْزَلَ عِنْدَكَ
следующие страницы →