Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أحد من بعده﴾ فَالْأُولَى شَرْطِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ نَافِيَةٌ جَوَابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي أَذِنَتْ بِهِ اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأُولَى وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ الشَّجَرِيِّ إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ فِيمَا مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ إِلَّا أَنَّ إِنْ أَحْسَنُ فِي اللَّفْظِ لِمَا فِي مُجَامَعَةِ مِثْلِهَا مِنَ التَّكْرَارِ الْمُسْتَبْشَعِ وَمِثْلُهُ يُتَجَنَّبُ قَالَا وَيَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض ما لم نمكن لكم﴾ وَحَكَى الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا زَائِدَةٌ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَفْخَمُ
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَإِنْ نَافِيَةٌ وَقَعَتْ مَكَانَ مَا فَيَخْتَلِفُ اللَّفْظُ وَلَا تَتَّصِلُ مَا بِـ "مَا" وَالْمَعْنَى لَقَدْ أَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْغِنَى مَا لَمْ نُعْطِكُمْ وَنَالَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هَذَا الْعِقَابُ فَأَنْتُمْ أَحْرَى بِذَلِكَ إِذَا كَفَرْتُمْ
وَقِيلَ إِنْ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَيِ الَّذِي إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ طَغَيْتُمْ
وَقَالَ وَهَذَا مُطَّرَحٌ فِي التَّأْوِيلِ
وَعَنْ قُطْرُبٍ أَنَّهَا بِمَعْنَى قَدْ حَكَاهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ
وَيَحْتَمِلُ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ
وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرَ مَجِيءَ النَّافِيَةِ وَقَالَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ إِنَّ مَا مَحْذُوفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ مَا إِنْ تَدْعُونَ مَا إِنْ أَدْرِي وَنَظَائِرُهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 1717
وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ
مَنَايَانَا وَدُولَةُ آخِرِينَا
فَحُذِفَتْ مَا اخْتِصَارًا كَمَا حُذِفَ لَا في ﴿تالله تفتأ﴾
الثَّالِثُ: مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَعْمَلُ فِي اسْمِهَا وَخَبَرِهَا وَيَلْزَمُ خَبَرُهَا اللَّامَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾
وَيَكْثُرُ إِهْمَالُهَا، نَحْوُ: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا﴾ ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ خَفَّفَ لَمَّا أَيْ أَنَّهُ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْهَا حَافِظٌ
الرَّابِعُ: لِلتَّعْلِيلِ بِمَعْنَى إذ عند الكوفيين كقوله: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ بِعُلُوِّهِمْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ
وَقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
قالبعضهم: لَوْ كَانَتْ لِلْخَبَرِ لَكَانَ الْخِطَابُ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ
وكذا: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ ونحوه مما الفعل في مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ وَالْبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ وَهُوَ التَّحْقِيقُ كَالْمَعْنَى مَعَ "إِذَا"
وَأَجَابُوا عَنْ دُخُولِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لِنُكْتَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّهْيِيجِ نَحْوُ إِنْ كُنْتَ وَلَدِي فَأَطْعِمْنِي
стр. 1718
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فَالِاسْتِثْنَاءُ مَعَ تَحَقُّقِ الدُّخُولِ تَأَدُّبًا بِأَدَبِ اللَّهِ فِي الْمَشِيئَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الدَّاخِلِينَ لَا مِنَ الرُّؤْيَا لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الرُّؤْيَا وَتَصْدِيقِهَا سَنَةٌ وَمَاتَ بَيْنَهُمَا خَلْقٌ كَثِيرٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ كُلُّكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
الْخَامِسُ: بِمَعْنَى "لَقَدْ" فِي قوله: ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ أَيْ لَقَدْ كُنَّا
﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لمفعولا﴾
و ﴿تالله إن كدت لتردين﴾
﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين﴾
فَائِدَةٌ
ادَّعَى ابْنُ جِنِّي فِي كِتَابِ الْقَدْ أَنَّ إِنِ الشَّرْطِيَّةَ تُفِيدُ مَعْنَى التَّكْثِيرِ لِمَا كَانَ فِي هَذَا الشِّيَاعُ وَالْعُمُومُ لِأَنَّهُ شَائِعٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ دُخُولُهَا عَلَى أحد التي لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي النَّفْيِ الْعَامِّ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ الَّذِي لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِيجَابِ
قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَحَدٌ هُنَا لَيْسَتِ الَّتِي لِلْعُمُومِ بَلْ بِمَنْزِلَةِ أَحَدٍ مِنْ
стр. 1719
أَحَدٍ وَعِشْرِينَ وَنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَهُ مَعْنَى الْعُمُومِ لِأَجْلِ إِنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ ﴿إن امرؤ﴾
تَنْبِيهٌ
قِيلَ: قَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِنْ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ فِي مَوَاضِعَ:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أردن تحصنا﴾
وقوله: ﴿واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ ،
وَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾
وقوله: ﴿إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾
وَقَدْ يُقَالُ أَمَّا الْأُولَى فَيَمْتَنِعُ النَّهْيُ عَنْ إِرَادَةِ التَّحَصُّنِ فَإِنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ يُرِدْنَ الْبِغَاءَ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْمُرَادِ مُمْتَنِعٌ:
وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى إِذَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِكْرَاهُهُنَّ عَلَى الزِّنَا إِنْ لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ أَوْ هُوَ شَرْطٌ مُقْحَمٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِكْرَاهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُنَّ لَا يُكْرِهْنَهُنَّ إِلَّا عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْصِينِ وَفَائِدَةُ إِيجَابِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْإِكْرَاهِ فَالْمَعْنَى إِنْ أَرَدْنَ الْعِفَّةَ فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بإرادة ذلك.
стр. 1720
وأما الرابعة فَهُوَ يُشْعِرُ بِالْإِتْمَامِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَأَمَّا الْبَوَاقِي فَظَاهِرُ الشَّرْطِ مُمْتَنِعٌ فِيهِ بِدَلِيلِ التَّعَجُّبِ الْمَذْكُورِ لَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مُخَالَفَةَ الظَّاهِرِ لِعَارِضٍ
стр. 1721
أَنْ الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةُ النُّونِ
تَرِدُ لِمَعَانٍ:
الْأَوَّلُ: حَرْفًا مَصْدَرِيًّا نَاصِبًا لِلْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَتَقَعُ مَعَهُ فِي مَوْقِعِ الْمُبْتَدَأِ وَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ
فَالْمُبْتَدَأُ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، نَحْوُ: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾
﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾
﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾
وَالْفَاعِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ من الأعراب أن يتخلفوا﴾
﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا﴾
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ فِي قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ جَوَابَ
وَتَقَعُ مَعَهُ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ بِهِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوُ: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾
﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ ﴿فأردت أن أعيبها﴾
стр. 1722
﴿وأمرت لأن أكون﴾
وقوله: ﴿فإن استطعت أن تبتغي﴾
﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ﴾ ،مَعْنَاهُ بِأَنْ أَنْذِرْ فَلَمَّا حُذِفَتِ الْبَاءُ تَعَدَّى الْفِعْلُ فَنُصِبَ
وَمِنْهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: ﴿إِلَّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله﴾ نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا أَمَرْتَنِي به﴾
وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾ ، ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا﴾ أَيْ مِنْ قَبْلِ إِتْيَانِكَ
وَإِنَّمَا لَمْ يُنْصَبْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أوحينا﴾ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى لِوَحْيِنَا لِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَهَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْإِعْرَابِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا أَنْ تَعْمَلَ فِيهِ الْعَوَامِلُ
وَقَدْ يَعْرِضُ لِـ "أَنْ" هَذِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا﴾
أَيْ بِأَنْ يَقُولُوا كَمَا قُدِّرَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لهم﴾ أَيْ بِأَنَّ لَهُمْ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَنَفَاهَا الْخَلِيلُ عَلَى أَصْلِ الْجَرِّ
وَتَقَعُ بَعْدَ عَسَى فَتَكُونُ مَعَ صِلَتِهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنْصُوبٍ إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً نَحْوُ عَسَى زَيْدٌ أَنْ يَقُومَ
стр. 1723
ومثله: ﴿عسى ربكم أن يرحمكم﴾
وَتَكُونُ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ إِنْ كَانَتْ تَامَّةً كَقَوْلِكَ عَسَى أَنْ يَنْطَلِقَ زَيْدٌ وَمِثْلُهُ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعسى أن تحبوا شيئا﴾
الثَّانِي: مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَتَقَعُ بَعْدَ فِعْلِ الْيَقِينِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَيَكُونُ اسْمُهَا ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَتَقَعُ بَعْدَهَا الْجُمْلَةُ خَبَرًا عَنْهَا نَحْوُ: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا﴾
﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾
﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾
﴿وأن عسى أن يكون﴾
﴿وألو استقاموا﴾
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
وجعل ابن الشجري منه: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم﴾ ،أَيْ أَنَّهُ يَا إِبْرَاهِيمُ
الثَّالِثُ: مُفَسِّرَةً بِمَنْزِلَةِ أَيِ الَّتِي لِتَفْسِيرِ مَا قَبْلَهَا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ تَمَامِ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْجُمْلَةِ وَعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِمَا بَعْدَهَا وَأَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي تُفَسِّرُهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يا إبراهيم﴾ ﴿فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا﴾ ﴿أن طهرا بيتي﴾
стр. 1724
قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: تَكُونُ هَذِهِ فِي الْأَمْرِ خَاصَّةً وَإِنَّمَا شَرْطُ مَجِيئِهَا بَعْدَ كَلَامٍ تَامٍّ لِأَنَّهَا تَفْسِيرٌ وَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ لِأَنَّهَا حَرْفٌ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَعْنَى
وَخَرَجَ بِالْأَوَّلِ: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَمْ يَتِمَّ فَإِنَّ مَا قَبْلَهَا مُبْتَدَأٌ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ نَاصِبَةً لِوُقُوعِ الِاسْمِ بَعْدَهَا بِمُقْتَضَى أَنَّهَا الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا﴾ فَقِيلَ إِنَّهَا مُفَسِّرَةٌ لِأَنَّ الِانْطِلَاقَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الْقَوْلِ
وَقَالَ: الْخَلِيلُ يُرِيدُونَ أَنَّهُمُ انْطَلَقُوا فِي الْكَلَامِ بِهَذَا وَهُوَ امْشُوا أَيِ أَكْثِرُوا يُقَالُ أَمَشَى الرَّجُلُ وَمَشَى إِذَا كَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ فَهُوَ لَا يُرِيدُ انْطَلِقُوا بِالْمَشْيِ الَّذِي هُوَ انْتِقَالٌ إِنَّمَا يُرِيدُ قَالُوا هَذَا
وَقِيلَ: عِبَارَةٌ عَنِ الأخذ في القول فيكون بمنزلة صريحه وأن مُفَسِّرَةً وَقِيلَ مَصْدَرِيَّةً
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَتْ بَعْدَ صَرِيحِ الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله﴾
قُلْنَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ
وَقَالَ الصَّفَّارُ: لَا تُتَصَوَّرُ الْمَصْدَرِيَّةُ هُنَا بِمَعْنَى إِلَّا عِبَادَةَ اللَّهِ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَقَعُ بَعْدَهُ الْمُفْرَدُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقُولُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَقُولِ نَحْوُ قُلْتُ خَبَرًا وَشِعْرًا لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْكَلَامِ أَوْ يَقُولُ قُلْتُ زَيْدًا أَيْ هَذَا اللَّفْظَ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَثَبَتَ أَنَّهَا تَفْسِيرِيَّةٌ أَيِ اعبدوا الله
стр. 1725
وَقَالَ السِّيرَافِيُّ: لَيْسَتْ أَنْ تَفْسِيرًا لِلْقَوْلِ بَلْ لِلْقَوْلِ بَلْ لِلْأَمْرِ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ فَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا قُلْتَ لِي أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ لَمْ يَجُزْ لِذِكْرِ الْقَوْلِ
الرَّابِعُ: زَائِدَةً وَتَكُونُ بَعْدَ لَمَّا التَّوْقِيتِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَلَمَّا أن جاءت رسلنا لوطا
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رسلنا لوطا﴾ فَجَاءَ فِيهَا عَلَى الْأَصْلِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا أن جاء البشير﴾ فَجِيءَ بِـ "أَنْ" وَلَمْ يَأْتِ عَلَى الْأَصْلِ مِنَ الْحَذْفِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَجِيءُ الْبَشِيرِ إِلَى يَعْقُوبَ ﵇ بَعْدَ طُولِ الْحُزْنِ وَتَبَاعُدِ الْمُدَّةِ نَاسَبَ ذَلِكَ زِيَادَةُ أَنْ لِمَا فِي مُقْتَضَى وَصْفِهَا مِنَ التَّرَاخِي
وَذَهَبَ الْأَخْفَشُ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَنْصِبُ الْفِعْلَ وَهِيَ مَزِيدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سبيل الله﴾ ﴿وما لكم ألا تنفقوا﴾ وأن فِي الْآيَتَيْنِ زَائِدَةٌ بِدَلِيلِ: ﴿وَمَا لَنَا لَا نؤمن بالله﴾
الْخَامِسُ: شَرْطِيَّةً فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ تضل إحداهما فتذكر﴾
قَالُوا: وَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الْفَاءُ
السَّادِسُ: نَافِيَةً بِمَعْنَى لَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هدى الله أن يؤتى أحد﴾ أَيْ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ
стр. 1726
وَزَعَمَ الْمُبَرِّدُ أَنَّ يُؤْتَى مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ وَاللَّامُ زَائِدَةٌ
وَقِيلَ: إِنَّ يُؤْتَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ أَيْ إِنَّ الْهُدَى أَنْ يُؤْتَى
السَّابِعُ: التَّعْلِيلُ بِمَنْزِلَةِ لِئَلَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لكم أن تَضِلُّوا﴾
وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا
وَكَذَا قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾
وقوله: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى﴾
الثَّامِنُ: بِمَعْنَى إِذْ مَعَ الْمَاضِي كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عجبوا أن جاءهم﴾
وَقِيلَ بَلِ الْمَعْنَى لِأَنْ جَاءَهُمْ أَيْ مِنْ أَجْلِهِ
قِيلَ وَمَعَ الْمُضَارِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بالله ربكم﴾ أَيْ إِذَا آمَنْتُمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ
وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ تَقَعَ أَنْ مِثْلَ مَا فِي نِيَابَتِهَا عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في ربه أن آتاه الله الملك﴾ وقوله: ﴿إلا أن يصدقوا﴾ وَرُدَّ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا لِلتَّعْلِيلِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهُوَ لَائِقٌ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَالتَّقْدِيرُ لِأَنْ آتَاهُ ولئلا يصدقوا
стр. 1727
إِنَّ الْمَكْسُورَةُ الْمُشَدَّدَةُ
لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
وَلِلتَّعْلِيلِ، أَثْبَتَهُ ابْنُ جِنِّي مِنَ النُّحَاةِ وَكَذَا أَهْلُ الْبَيَانِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَوْعِ التَّعْلِيلِ مِنْ قِسْمِ التَّأْكِيدِ
وَبِمَعْنَى "نَعَمْ" فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ فيمن شدد النون
قال أبو إسحاق: عَرَضْتُ هَذَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ فَرَضِيَاهُ
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: كَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا بَعْدَ التَّنَازُعِ عَلَى قَذْفِ النَّبِيِّينَ بِالسِّحْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا
وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ هِيَ بِمَعْنَى أَجَلْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ سُؤَالٌ عَنْ سِحْرِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ﴾ فَتَكُونُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَصْرُوفَةً إِلَى تَصْدِيقِ أَلْسِنَتِهِمْ فِيمَا ادَّعَوْهُ مِنَ السِّحْرِ
وَاسْتَضْعَفَهُ الْفَارِسِيُّ بِدُخُولِ اللَّامِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ
فَإِنْ قُدِّرَتْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا أَيْ فَهُمَا سَاحِرَانِ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَلِيقُ بِهِ الْحَذْفُ
وَقِيلَ: دَخَلَتِ اللَّامُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ أَوْ لِمَا كَانَتْ تَدْخُلُ مَعَهَا فِي الْخَبَرِيَّةِ
وَقِيلَ: جَاءَ عَلَى لُغَةِ بَنِي الْحَارِثِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُثَنَّى بالألف مطلقا
стр. 1728
أن المفتوحة المشددة
يجيء لِلتَّأْكِيدِ كَالْمَكْسُورَةِ وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّكَ لَوْ صَرَّحْتَ بِالْمَصْدَرِ الْمُنْسَبِكِ مِنْهَا لَمْ تُفِدْ تَوْكِيدًا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا عُلِمَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنَّ والفعل والمصدر
وقال: في المفصل إن وأن تُؤَكِّدَانِ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ إِلَّا أَنَّ الْمَكْسُورَةَ الْجُمْلَةُ معها على استقلالها بفائدتها والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لِأَنَّ وَضْعَ إِنَّ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِمَعْنَاهَا فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِالْفَائِدَةِ بَعْدَ دُخُولِهَا وَأَمَّا الْمَفْتُوحَةُ فَوَضْعُهَا وَضْعُ الْمَوْصُولَاتِ فِي أَنَّ الْجُمْلَةَ مَعَهَا كَالْجُمْلَةِ مَعَ الْمَوْصُولِ فَلِذَلِكَ صَارَتْ مَعَ جُمْلَتِهَا فِي حُكْمِ الْخَبَرِ فَاحْتَاجَتْ إِلَى جُزْءٍ آخَرَ لِيَسْتَقِلَّ مَعَهَا بِالْكَلَامِ فَتَقُولُ إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ وَتَسْكُتُ وَتَقُولُ أَعْجَبَنِي أَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ فَلَا تَجِدُ بُدًّا مِنْ هَذَا الْجُزْءِ الَّذِي مَعَهَا لِكَوْنِهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ الْوَاحِدِ إِذْ مَعْنَاهُ أَعْجَبَنِي قِيَامُ زَيْدٍ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْفَائِدَةِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ جُزْءٌ آخَرُ فَكَذَلِكَ الْمَفْتُوحَةُ مَعَ جُمْلَتِهَا وَلِذَلِكَ وَقَعَتْ فَاعِلَةً وَمَفْعُولَةً وَمُضَافًا إِلَيْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَعُ فِيهِ الْمُفْرَدَاتُ
وَمِنْ وُجُوهِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا تُصَدَّرُ بِالْمَفْتُوحَةِ الْجُمْلَةُ كَمَا تُصَدَّرُ بِالْمَكْسُورَةِ لِأَنَّهَا لَوْ صُدِّرَتْ لَوَقَعَتْ مُبْتَدَأً وَالْمُبْتَدَأُ مُعَرَّضٌ لِدُخُولِ إِنَّ فَيُؤَدِّي إِلَى اجْتِمَاعِهِمَا
وَلِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى لَعَلَّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ وَتِلْكَ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ فَقَصَدُوا إِلَى أَنْ تكون هذه مخالفة لتلك في الوضع
стр. 1729
إِنَّمَا
لِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ أَوِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ وَهِيَ لِلْحَصْرِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ كَالنَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ
وَفَرَّقَ الْبَيَانِيُّونَ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ إِنَّمَا مِمَّا يَعْلَمُهُ الْمُخَاطَبُ وَلَا يُنْكِرُهُ كَقَوْلِكَ إِنَّمَا هُوَ أَخُوكَ وَإِنَّمَا هُوَ صَاحِبُكَ الْقَدِيمُ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيُقِرُّ بِهِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الْعَكْسِ فَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُخَاطَبُ وَيُنْكِرُهُ نَحْوُ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا الله﴾
ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُنْزَلُ الْمَعْلُومُ مَنْزِلَةَ الْمَجْهُولِ لِاعْتِبَارٍ مُنَاسِبٍ فَيُسْتَعْمَلُ لَهُ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ نَحْوُ: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ الْآيَةَ وَنَحْوُ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وَالرُّسُلُ مَا كَانُوا عَلَى دَفْعِ الْبَشَرِيَّةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَادِّعَاءُ الْمَلَائِكِيَّةِ لَكِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ وَجَعَلُوا أَنَّهُمْ بِادِّعَائِهِمُ النُّبُوَّةَ يَنْفُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمُ الْبَشَرِيَّةَ فَأُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ مَا يَعْتَقِدُونَ وَأُخْرِجَ الْجَوَابُ أَيْضًا مَخْرَجَ مَا قَالُوا حِكَايَةً لِقَوْلِهِمْ كَمَا يَحْكِي الْمُجَادِلُ كَلَامَ خَصْمِهِ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ كَأَنَّهُ قِيلَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّنَا بَشَرٌ وَلَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ مِنِ اخْتِصَاصِ الْمَلَائِكَةِ بِالرِّسَالَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
وَقَدْ يُنَزَّلُ الْمَجْهُولُ مَنْزِلَةَ الْمَعْلُومِ لِادِّعَاءِ الْمُتَكَلِّمِ ظُهُورَهُ فَيُسْتَعْمَلُ لَهُ إنما كقوله تعالى: ﴿إنما نحن مصلحون﴾ فَإِنَّ كَوْنَهُمْ مُصْلِحِينَ مُنْتَفٍ فَهُوَ مَجْهُولٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بَيْنَهُمْ صَلَاحٌ فَقَدْ نَسَبُوا الْإِصْلَاحَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ كَذَلِكَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ وَلِذَلِكَ جَاءَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مُؤَكَّدًا مِنْ وجوه
стр. 1730
إلى
لانتهاء الغاية وهي مقابلة مِنْ ثُمَّ لَا يَخْلُوا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا أَوْ غَيْرُ دَاخِلٍ وَإِنْ لَمْ يقترن بها قرينة تدل على أن ما بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا أَوْ غَيْرُ دَاخِلٍ فَيُصَارُ إِلَيْهِ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا
وَاخْتُلِفَ فِي دُخُولِ مَا بَعْدَهَا فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا عَلَى مَذَاهِبَ
أَحَدُهَا: لَا تَدْخُلُ إِلَّا مَجَازًا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الشَّيْءِ وَنِهَايَتِهِ الَّتِي هِيَ حَدُّهُ وَمَا بَعْدَ الْحَدِّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ وَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليل﴾
الثَّانِي: عَكْسُهُ أَيْ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا مَجَازًا بِدَلِيلِ آيَةِ الْوُضُوءِ
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِيهِمَا لِوُجُودِ الدُّخُولِ وَعَدَمِهِ
وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا أَوْ جُزْءًا كَالْمَرَافِقِ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ فَقَدْ يَدْخُلُ نَحْوُ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلى المرافق﴾ وَقَدْ لَا يَدْخُلُ نَحْوُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى الليل﴾
وَقِيلَ: فِي آيَةِ الْمَرَافِقِ: إِنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمِرْفَقَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَّكِئُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ فِي رَأْسِ الْعَضُدِ وَذَلِكَ هُوَ الْمِفْصَلُ وَفَرِيقُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ مِفْصَلُ الذِّرَاعِ وَلَا يَجِبُ فِي الْغَسْلِ أَكْثَرُ مِنْهُ
وَقِيلَ: إِلَى تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ إِلَى الْمَرَافِقِ وَلَا يَنْبَغِي وُجُوبُ غَسْلِ الْمِرْفَقِ
стр. 1731
لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ وَلَا يَنْفِيهِ التَّحْدِيدُ كَقَوْلِكَ سِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَا يَقْتَضِي دُخُولَهَا وَلَا يَنْفِيهِ كَذَلِكَ الْمَرَافِقُ إِلَّا أَنَّ غَسْلَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ أَنَّ إِلَى حَرْفٌ مُشْتَرَكٌ يَكُونُ لِلْغَايَةِ وَالْمَعِيَّةِ وَالْيَدُ تُطْلَقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ عَلَى الْكَفَّيْنِ فَقَطْ وَعَلَى الْكَفِّ وَالذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ فَمَنْ جَعَلَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ وَفَهِمَ مِنَ الْيَدِ مَجْمُوعَ الثَّلَاثَةِ أَوْجَبَ دُخُولَهُ فِي الْغَسْلِ وَمَنْ فَهِمَ مِنْ إِلَى الْغَايَةَ وَمِنَ الْيَدِ مَا دُونَ الْمِرْفَقِ لَمْ يُدْخِلْهَا فِي الْغَسْلِ
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَيَلْزَمُ مَنْ جَعَلَهَا بِمَعْنَى مَعَ أَنْ يُوجِبَ غَسْلَهَا إِلَى الْمَنْكِبِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ يَدًا
وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾
﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾
﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾
﴿وأيديكم إلى المرافق﴾
﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾
وَقِيلَ: تَرْجِعُ إِلَى الِانْتِهَاءِ وَالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ مَنْ يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إِلَى نُصْرَةِ اللَّهِ وَمَوْضِعُهَا حَالٌ أَيْ مَنْ أَنْصَارِي مُضَافًا إِلَى اللَّهِ؟
وَالْمَعْنَى فِي الْأُخْرَى: وَلَا تُضِيفُوا أَمْوَالَكُمْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ وَكُنِّيَ عَنْهُ بِالْأَكْلِ كَمَا قَالَ:
﴿وَلَا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أَيْ لَا تَأْخُذُوا
وَقَدْ تَأْتِي لِلتَّبْيِينِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَهِيَ الْمُعَلَّقَةُ فِي تَعَجُّبٍ أَوْ تَفْضِيلٍ بِحُبٍّ أَوْ بُغْضٍ
стр. 1732
مُبَيِّنَةً لِفَاعِلِيَّةِ مَصْحُوبِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السجن أحب إلي﴾
ولموافقة اللام كقوله: ﴿والأمر إليك﴾ وَقِيلَ لِلِانْتِهَاءِ وَأَصْلُهُ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَهْدِي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ وَمُوَافَقَةِ "فِي" فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ لَكَ إلى أن تزكى﴾ وَقِيلَ الْمَعْنَى بَلْ أَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى
وَزَائِدَةً كَقِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تهوي إليهم﴾ بِفَتْحِ الْوَاوِ
وَقِيلَ: ضَمَّنَ تَهْوَى مَعْنَى تَمِيلُ
تَنْبِيهٌ
مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ إِلَى قَدْ تُسْتَعْمَلُ اسْمًا فَيُقَالُ: انْصَرَفْتُ مِنْ إِلَيْكَ كَمَا يُقَالُ غَدَوْتُ مِنْ عَلَيْكَ حَكَاهُ ابْنُ عُصْفُورٍ فِي شَرْحِ أَبْيَاتِ الْإِيضَاحِ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ
وَلَمْ يقف الشيخ ابن حَيَّانَ عَلَى هَذَا فَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قوله: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ ،وقوله:
﴿واضمم إليك جناحك﴾ إِلَى حَرْفُ جَرٍّ بِالْإِجْمَاعِ وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بـ "هزي"
وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ
وَقَدْ يرفع المتصل وهما المدلول وَاحِدٍ فَلَا تَقُولُ ضَرَبْتَنِي وَلَا ضَرَبْتُكَ إِلَّا فِي بَابِ ظَنَّ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ عِنْدَهُمْ بِالْحَرْفِ كَالْمَنْصُوبِ الْمُسْتَقِلِّ فَلَا تَقُولُ هَزَزْتَ إِلَيَّ وَلَا هززت إليك
стр. 1733
أَلَا بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ
تَأْتِي لِلِاسْتِفْتَاحِ وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى تَحْقِيقِ مَا بَعْدَهَا وَلِذَلِكَ قَلَّ وُقُوعُ الْجُمَلِ بَعْدَهَا إِلَّا مُصَدَّرَةً بِنَحْوِ مَا يُتَلَقَّى بِهِ الْقَسَمُ نَحْوُ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ألا إنه بكل شيء محيط﴾
﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾
﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لثمود﴾
﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾
﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾
وَتَأْتِي مُرَكَّبَةً مِنْ كَلِمَتَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَا النَّافِيَةِ
وَالِاسْتِفْهَامُ إِذَا دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَ تَحْقِيقًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾
وقوله: ﴿قال ألا تأكلون﴾
وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُتَّقِينَ وَلَيْسُوا بِآكِلِينَ
وَلِلْعَرْضِ وَهُوَ طَلَبٌ بِلِينٍ نَحْوُ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يغفر الله لكم﴾
﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾
стр. 1734
أَلَّا بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ
حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَنَّ النَّاصِبَةِ وَلَا النَّافِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَّا تعلوا علي﴾ ﴿ألا يسجدوا لله﴾
ثم قيل: المشددة أصل والمخففة فرع قيل بِالْعَكْسِ
وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنَ الْهَاءِ وَبِالْعَكْسِ حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيُّ فِي حَاشِيَةِ سِيبَوَيْهِ
إِلَّا
تَرِدُ لِمَعَانٍ:
الْأَوَّلُ: الِاسْتِثْنَاءُ وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُتَّصِلٍ وَهُوَ مَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نَحْوُ جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا وَإِلَى مُنْقَطِعٍ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ
وَتُقَدَّرُ بِـ "لَكِنْ" كَقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بمصيطر إلا من تولى وكفر﴾ و ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا من شاء﴾ وقوله: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ في سورة الانشقاق و ﴿إلا من تولى وكفر﴾ فِي آخِرِ الْغَاشِيَةِ
стр. 1735
وكذلك: ﴿إلا من ارتضى من رسول﴾ وَدُخُولُ الْفَاءِ فِي ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ دَلِيلُ انْقِطَاعِهِ وَلَوْ كَانَ مُتَّصِلًا لَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ رسول
وقوله: ﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ﴿تَذْكِرَةً﴾ بَدَلًا مِنْ ﴿لِتَشْقَى﴾ وهو منصوب بـ "أنزلنا" تَقْدِيرُهُ مَا أَنْزَلَنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ إِلَّا تَذْكِرَةً
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ فَابْتِغَاءُ وَجْهِ رَبِّهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النِّعَمِ الَّتِي تُجْزَى
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ فَقَوْلُهُمْ: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ لَيْسَ بِحَقٍّ يُوجِبُ إِخْرَاجَهُمْ
وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي قُعُودِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ مُنْقَطِعًا لِأَنَّ الْقَاعِدَ عَنْ ضَرَرٍ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةُ الْجِهَادِ لَيْسَ مُسْتَوِيًا فِي الْأَجْرِ مَعَ الْمُجَاهِدِ لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالْمُجَاهِدُ يَعْمَلُ بِبَدَنِهِ وَقَلْبِهِ وَالْقَاعِدُ بِقَلْبِهِ
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمانها إلا قوم يُونُسَ﴾
إِذْ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا لَكَانَ الْمَعْنَى فَهَلْ آمَنَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فَلَا يُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ طَلَبُ الْإِيمَانِ مِنْ خِلَافِ قَوْمِ يُونُسَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَطْلُبُ مِنْ كُلِّ شَخْصٍ الْإِيمَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَكِنْ قَوْمَ يُونُسَ
стр. 1736
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُمْكِنُ اتِّصَالُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلَا﴾ فِي الْمَعْنَى نَفْيٌ فَإِنَّ الْخِطَابَ لَمَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ نَفْيًا كَانَ مَا بَعْدَ إِلَّا يُوجَبُ إِنْكَارُهُ قَالَ: مَا مِنْ قَرْيَةٍ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ بِأَنْ جعل إلا متقطعة عَمَّا قَبْلَهَا لُغَةً فَصِيحَةً وَإِنْ كَانَ جَعْلُهَا مُتَّصِلَةً أَكْثَرَ وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى لَيْسَ بِقِيَاسٍ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلا من رحم﴾ فَإِنَّ مَنْ رَحِمَ بِمَعْنَى الْمَرْحُومِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعَاصِمِينَ وَإِنَّمَا هُوَ مَعْصُومٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى لَكِنْ
فَإِنْ قِيلَ: يُمْكِنُ اتِّصَالُهُ عَلَى أَنَّ ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ بِمَعْنَى الرَّاحِمِ أَيِ الَّذِي يَرْحَمُ فَيَكُونُ الثَّانِي مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ
قِيلَ: حَمْلُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى أعني قراءة ﴿من رُحِمَ﴾ بِضَمِّ الرَّاءِ حَتَّى يَتَّفِقَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ
الثَّانِي: بِمَعْنَى بَلْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إلا تذكرة﴾ أَيْ بَلْ تَذْكِرَةً
الثَّالِثُ: عَاطِفَةً بِمَعْنَى الْوَاوِ فِي التَّشْرِيكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عليكم حجة إلا الذين ظلموا﴾ معناه ولا الذين ظلموا وقوله: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظلم﴾ أَيْ وَمَنْ ظَلَمَ تَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ المنقطع
стр. 1737
الرَّابِعُ: بِمَعْنَى "غَيْرَ" إِذَا كَانَتْ صِفَةً وَيُعْرَبُ الِاسْمُ بَعْدَ إِلَّا إِعْرَابَ غَيْرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ،وَلَيْسَتْ هُنَا لِلِاسْتِثْنَاءِ وَإِلَّا لَكَانَ التَّقْدِيرُ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ لَيْسَ فِيهِمُ اللَّهُ لَفَسَدَتَا وَهُوَ بَاطِلٌ
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ ، فَلَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءً لَكَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ لَيْسَ شُهُودًا عَلَى الزِّنَا لِأَنَّ الشُّهَدَاءَ عَلَى الزِّنَا يُعْتَبَرُ فِيهِمُ الْعَدَدُ وَلَا يَسْقُطُ الزِّنَا الْمَشْهُودُ بِهِ بِيَمِينِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ
وَإِذَا جُعِلَ وَصْفًا فَقَدْ أُمِنَ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْجِنْسِ فَـ "إِلَّا" هِيَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرَ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِمَّا مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَمَنْ تَوَهَّمَ فِي صِفَةِ اللَّهِ وَاحِدًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أَبْطَلَ
قَالَ: الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ: هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْهُ وَخَاطِرٌ خَطَرَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ العالمين﴾ وقوله: ضل من تدعون إلا إياه اسْتِثْنَاءً وَأَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرَ وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ لِأَنَّ إِلَّا إِذَا كَانَتْ صِفَةً كَانَ إِعْرَابُ الِاسْمِ الْوَاقِعِ بَعْدَهَا إِعْرَابَ الْمَوْصُوفِ بِهَا وَكَانَ تَابِعًا لَهُ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ والجر
وقال: وَالِاسْمُ بَعْدَ إِلَّا فِي الْآيَتَيْنِ مَنْصُوبٌ كَمَا تَرَى وَلَيْسَ قَبْلَ إِلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْصُوبٌ بِإِلَّا
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُوصَفُ بِمَا بَعُدَ إِلَّا سَوَاءٌ كَانَ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا أَوْ مُتَّصِلًا قَالَ الْمُبَرِّدُ وَالْجَرْمِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ لَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ قَلِيلٌ عَلَى الصِّفَةِ لَكَانَ حَسَنًا وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ
стр. 1738
الْخَامِسُ: بِمَعْنَى بَدَلَ وَجَعَلَ ابْنُ الضَّائِعِ مِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لفسدتا﴾ أَيْ بَدَلُ اللَّهِ أَيْ عِوَضُ اللَّهِ وَبِهِ يَخْرُجُ عَلَى الْإِشْكَالِ الْمَشْهُورِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَفِي الْوَصْفِ بِـ "إِلَّا" مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ابْنَ مَالِكٍ جَعَلَهَا فِي الْآيَةِ صِفَةً وَأَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلتَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ فَسَدَتَا لَصَحَّ لَأَنَّ الْفَسَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ
فيقال: ما فائدة الوصف المقتضي ها هنا لِلتَّأْكِيدِ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ آلِهَةً تَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ أَوْ عَلَى الْجَمْعِ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْفَسَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَأَتَى بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ مُرَتَّبٌ عَلَى التَّعَدُّدِ وَهَذَا نَظِيرُ قولهم في: ﴿إلهين اثنين﴾ أَنَّ الْوَصْفَ هُنَا مُخَصَّصٌ لَا مُؤَكَّدٌ لِأَنَّ
: ﴿إلهين﴾ يدل على الجنسية وعلى التثنية فلوا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمْ يُفْهَمُ النَّهْيُ عَنْ أَحَدِهِمَا فأتى بـ "اثنين" لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الِاثْنَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ
السَّادِسُ: لِلْحَصْرِ إِذَا تَقَدَّمَهَا نَفْيٌ:
إِمَّا صَرِيحٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَوْ مُقَدَّرٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا على الخاشعين﴾ فَإِنَّ إِلَّا مَا دَخَلَتْ بَعْدَ لَفْظِ الْإِيجَابِ إِلَّا لِتَأْوِيلِ مَا سَبَقَ إِلَّا بِالنَّفْيِ أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَسْهُلُ وَهُوَ مَعْنَى كَبِيرَةٌ وَإِمَّا لِأَنَّ الْكَلَامَ صَادِقٌ مَعَهَا أَيْ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ بِخِلَافِ ضَرَبْتُ إِلَّا زَيْدًا فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ
стр. 1739
السابع: مركبة من إن الشرطية ولا النَّافِيَةِ وَوَقَعَتْ فِي عِدَّةِ مَوَاقِعَ مِنَ الْقُرْآنِ
نحو: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾
﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض﴾
﴿إلا تنفروا يعذبكم﴾
﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
﴿وإلا تصرف عني كيدهن﴾
وَلِأَجْلِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ غَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ فِي إِلَّا تَفْعَلُوهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُتَّصِلٌ
وَعَجِبْتُ مِنَ ابْنِ مَالِكٍ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ حَيْثُ عَدَّهَا فِي أَقْسَامِ إِلَّا لَكِنَّهُ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ قَالَ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا حَاجَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهَا
فَائِدَةٌ
قَالَ الرُّمَّانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مَعْنَى إِلَّا اللَّازِمُ لَهَا الِاخْتِصَاصُ بِالشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا قُلْتَ جَاءَنِيَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا فَقَدِ اخْتَصَصْتَ زَيْدًا بِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ وَإِذَا قُلْتَ مَا جَاءَنِي إِلَّا زَيْدٌ فَقَدِ اخْتَصَصْتَهُ بِالْمَجِيءِ وَإِذَا قُلْتَ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا رَاكِبًا فَقَدِ اخْتَصَصْتَ هَذِهِ الْحَالَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَشْيِ وَالْعَدْوِ وَنَحْوِهِ
стр. 1740
أَمَّا الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةُ الْمِيمِ
كَلِمَةٌ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْفَاءِ فِي جَوَابِهَا
وقدرها سيبويه بـ "مهما" وَفَائِدَتُهَا فِي الْكَلَامِ: أَنَّهَا تُكْسِبُهُ فَضْلَ تَأْكِيدٍ تَقُولُ زَيْدٌ ذَاهِبٌ، فَإِذَا قَصَدْتَ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ ذَاهِبٌ قُلْتَ: أَمَّا زَيْدٌ فَذَاهِبٌ وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذَاهِبٌ
وَفِي إِيرَادِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إِحْمَادٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَعْيٌ عَلَى الْكَافِرِينَ لِرَمْيِهِمْ بِالْكَلِمَةِ الْحَمْقَاءِ
وَالِاسْمُ الْوَاقِعُ بَعْدَهَا إِنْ كَانَ مرفوعا فهو مبتدأ كقوله: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ ، ﴿وأما الغلام﴾ ، ﴿وأما الجدار﴾
وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا، فَالنَّاصِبُ لَهُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فلا تنهر﴾
وقرئ: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَالرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ لِاشْتِغَالِ الْفِعْلِ عَنْهُمْ بِضَمِيرِهِمْ
وَتُذْكَرُ لِتَفْصِيلِ مَا أَجْمَلَهُ الْمُخَاطِبُ وَلِلِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ مَا ادَّعَى
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ﴿وأما الذين سعدوا
стр. 1741
ففي الجنة﴾ ،فَهَذَا تَفْصِيلٌ لِمَا جُمِعَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يوم مجموع له الناس﴾ وَبَيَانُ أَحْكَامِ الشَّقِيِّ وَالسَّعِيدِ
وَالثَّانِي: كَمَا لَوْ قِيلَ: زَيْدٌ عَالِمٌ شُجَاعٌ كَرِيمٌ فَيُقَالُ أَمَّا زَيْدٌ فَعَالِمٌ أَيْ لَا يُثْبَتُ لَهُ بِمَا ادَّعَى سِوَى الْعِلْمِ
وَاخْتُلِفَ فِي تَعَدُّدِ الْأَقْسَامِ بِهَا فَقِيلَ إِنَّهُ لَازِمٌ وَحُمِلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿والراسخون في العلم﴾ عَلَى مَعْنَى وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ التَّعَدُّدُ بَعْدَهَا وَقَطْعُهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا الله﴾
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ قَدْ يُذْكَرُ فِيهَا قِسْمٌ وَاحِدٌ وَلَا يُنَافِي ذلك أن تكون للتفصيل ما فِي نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ حَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ جُمُعَةَ الْمَوْصِلِيُّ فِي شَرْحِ الدُّرَّةِ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ: وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَكِلُونَ مَعْنَاهُ إِلَى رَبِّهِمْ وَدَلَّ عَلَيْهِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ الْآيَةَ
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي آيَةُ الْبَقَرَةِ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق من ربهم وأما الذين كفروا﴾ ،إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾
وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ فَالْفَاسِقُونَ هَاهُنَا هُمُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وَهُمُ الضَّالُّونَ بِالتَّمْثِيلِ ثُمَّ خَالَفَهُ فَقَالَ وَأَنْتَ إِذَا جَعَلْتَ الْمُتَّبِعِينَ الْمُتَشَابِهَ بِالتَّأْوِيلِ الْمُنَافِقِينَ فِي الْيَهُودِ الْمُحَرِّفِينَ لَهُ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قال الله تعالى: ﴿في قلوبهم زيغ﴾
стр. 1742
أَيْ غَيْرُ الْإِسْلَامِ وَضَحَ لَكَ الْأَمْرُ وَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّاسِخِينَ بِالْمُتَشَابِهِ وَعَلَى هذا فالوقف على
﴿والراسخون في العلم﴾
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أصحاب اليمين فسلام لك﴾ ،فَقِيلَ: الْفَاءُ جَوَابُ أَمَّا وَيَكُونُ الشَّرْطُ لَا جَوَابَ لَهُ وَقَدْ سَدَّ جَوَابُ أَمَّا مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ
وَقِيلَ: بَلْ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوَابِ أَمَّا
وَتَجِيءُ أَيْضًا مركبة من أم المنقطعة وما الِاسْتِفْهَامِيَّةِ وَأُدْغِمَتِ الْمِيمُ فِي الْمِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أماذا كنتم تعملون﴾
стр. 1743
إما المكسورة المشددة
نَحْوُ: اشْتَرِ لِي إِمَّا لَحْمًا وَإِمَّا لَبَنًا
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تتخذ فيهم حسنا﴾
﴿إما أن تلقي وإما أن نكون﴾
﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ وانتصب منا وفداء على المصدر أي من مننتم وفاديتم
وَقَالَ صَاحِبُ الْأَزْهِيَةِ: حُكْمُهَا فِي هَذَا الْقِسْمِ التَّكْرِيرُ وَلَا تَكْرِيرَ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ عِوَضٌ مِنْ تَكْرِيرِهَا تَقُولُ إِمَّا تَقُولُ الْحَقَّ وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَإِلَّا بِمَعْنَى إِمَّا
وَبِمَعْنَى الْإِبْهَامِ، نحو: ﴿إما يعذبهم وإما يتوب عليهم﴾ ﴿إما العذاب وإما الساعة﴾
﴿إما شاكرا وإما كفورا﴾
وَتَكُونُ بِمَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ مُرَكَّبَةً مِنْ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ وما الزَّائِدَةِ وَهَذِهِ لَا تُكَرَّرُ
وَالْأَكْثَرُ فِي جَوَابِهَا نُونُ التَّوْكِيدِ، نَحْوُ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أحدا﴾
стр. 1744
﴿قل رب إما تريني ما يوعدون﴾ ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم﴾ ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ مَعَهَا نُونُ التَّوْكِيدِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إما شاكرا وإما كفورا﴾ فقال البصريون للتخيير فانتصاب شاكرا وكفورا عَلَى الْحَالِ
وَقِيلَ: التَّخْيِيرُ هُنَا رَاجِعٌ إِلَى إِخْبَارِ اللَّهِ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
وَقِيلَ: حَالٌ مُقَيِّدَةٌ أَيْ إِمَّا أَنْ تَجِدَ عِنْدَهُمَا الشُّكْرَ فَهُوَ عَلَامَةُ السَّعَادَةِ أَوِ الْكُفْرَ فَهُوَ عَلَامَةُ الشَّقَاوَةِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ لِلتَّفْصِيلِ
وَأَجَازَ الكوفيون أن تكون ها هنا شَرْطِيَّةً أَيْ إِنْ شَكَرَ وَإِنْ كَفَرَ
قَالَ مَكِّيٌّ: وَهَذَا مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ إِلَّا أَنْ تُضْمِرَ بَعْدَ إِنْ فِعْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ استجارك﴾ وَلَا يَجِبُ إِضْمَارُهُ هُنَا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ رَفْعُ شَاكِرٍ بِذَلِكَ الْفِعْلِ
وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الشَّجَرِيِّ بِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ يُضْمِرُونَ بَعْدَ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ فِعْلًا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ لَفْظِهِ فَيَرْتَفِعُ الِاسْمُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِذَلِكَ الْمُضْمَرِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿إن امرؤ هلك﴾ ﴿وإن امرأة خافت﴾ كَذَلِكَ يُضْمِرُونَ بَعْدَهُ أَفْعَالًا تَنْصِبُ الِاسْمَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِكَ إِنْ زَيْدًا أَكْرَمْتَهُ نَفَعَكَ أَيْ إِنْ أَكْرَمْتَ
أَلْ
تَقَدَّمَتْ بِأَقْسَامِهَا فِي قَاعِدَةِ التَّنْكِيرِ وَالتَّعْرِيفِ
стр. 1745
الْآنَ
اسْمٌ لِلْوَقْتِ الْحَاضِرِ بِالْحَقِيقَةِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ مَجَازًا
وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ حَدٌّ لِلزَّمَانَيْنِ أَيْ ظَرْفٌ لِلْمَاضِي وَظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهَا عَمَّا قَرُبَ مِنَ الْمَاضِي وَمَا يَقْرُبُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ حَكَاهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي اللُّبَابِ
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ لِوَقْتٍ حَضَرَ جَمِيعُهُ كَوَقْتِ فِعْلِ الْإِنْشَاءِ حَالَ النُّطْقِ بِهِ أَوْ ببعضه بقوله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رصدا﴾ ﴿الآن خفف الله عنكم﴾
وَهَذَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْفَارِسِيُّ فَقَالَ الْآنَ يُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ ثُمَّ قَدْ تَتَّسِعُ فِيهِ الْعَرَبُ فَتَقُولُ أَنَا الْآنَ أَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْيَسِيرِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ وَمَا أَتَى بَعْدَهُ كَمَا تَقُولُ أَنَا الْيَوْمَ خَارِجٌ تُرِيدُ بِهِ الْيَوْمَ الَّذِي عَقِبَ اللَّيْلَةِ
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَظَرْفِيَّتُهُ غَالِبَةٌ لَا لازمة
стр. 1746
أُفٍّ
صَوْتٌ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ التَّكَرُّهِ وَالتَّضَجُّرِ وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فَقِيلَ: اسْمٌ لِفِعْلِ الْأَمْرِ أَيْ كُفَّا أَوِ اتْرُكَا
وَقِيلَ: اسْمٌ لِفِعْلٍ مَاضٍ أَيْ كَرِهْتُ وَتَضَجَّرْتُ حَكَاهُمَا أَبُو الْبَقَاءِ
وَحَكَى غَيْرُهُ ثَالِثًا أَنَّهُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُضَارِعٍ أَيْ أَتَضَجَّرُ مِنْكُمَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أُفٍّ لكم﴾ ،فَأَحَالَ أَبُو الْبَقَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْإِسْرَاءِ وَقَضِيَّتُهُ تَسَاوِي الْمَعْنَيَيْنِ
وَقَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي غَرِيبِهِ فِي هَذِهِ أَيْ تَلَفًا لَكُمْ فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَفَسَّرَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ أُفٍّ بمعنى قذرا
стр. 1747
أَنَّى
مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ فَفِي الشَّرْطِ تَكُونُ بِمَعْنَى أَيْنَ نَحْوُ أَنَّى يَقُمْ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو
وَتَأْتِي بِمَعْنَى كَيْفَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾
﴿فأنى لهم﴾ ، ﴿أنى يؤفكون﴾
﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ، أَيْ كَيْفَ شِئْتُمْ مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَتَى شِئْتُمْ وَيَرُدُّهُ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ وَهُوَ طِبْقُ سَبَبِ النُّزُولِ
وَتَجِيءُ بِمَعْنَى مِنْ أَيْنَ نَحْوُ: ﴿أنى لك هذا﴾
وقوله: ﴿أنى يكون لي ولد﴾
﴿أنى يكون لي غلام﴾
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَالْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا أَيْضًا كَيْفَ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ
وَقُرِئَ شَاذًّا: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ أَيْ مِنْ أَيْنَ فَيَكُونُ الْوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إلى طعامه﴾
стр. 1748
وَتَكُونُ بِمَعْنَى مَتَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هذه الله بعد موتها﴾
وقوله: ﴿قلتم أنى هذا﴾ ،وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِنْ أَيْنَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لِلسُّؤَالِ عَنِ الْحَالِ وَعَنِ الْمَكَانِ
قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنَّى مُشَاكِلَةٌ لِمَعْنَى أَيْنَ إِلَّا أَنَّ أَيْنَ لِلْمَوْضِعِ خَاصَّةً وَأَنَّى تَصْلُحُ لِغَيْرِ ذَلِكَ
وَقَالَ ابْنُ الدَّهَّانِ: فِيهَا مَعْنًى يَزِيدُ عَلَى أَيْنَ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ كَانَ يُقَصِّرُ عَنْ مَعْنَى أَنَّى لَكِ لِأَنَّ مَعْنَى أَنَّى لَكِ مِنْ أَيْنَ لَكِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ وقع في الجواب كذلك قوله: ﴿هو من عند الله﴾ ،وَلَمْ يَقُلْ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَجَوَابُ أَنَّى لك غَيْرُ جَوَابِ مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا فَاعْرِفْهُ
стр. 1749
أَيَّانَ
فِي الْكَشَّافِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ قِيلَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ "أَيِّ" فِعْلَانِ مِنْهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَيُّ وَقْتٍ وَأَيُّ فِعْلٍ مِنْ أَوَيْتُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْبَعْضَ آوٍ إِلَى الْكُلِّ مُتَسَانِدٌ إِلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ
وَقِيلَ أَصْلُهُ أَيُّ أَوَانٍ
وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: جَاءَ أَيَّانَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَكَسْرُ هَمْزَتِهَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا أَيُّ أَوَانٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ مِنْ أَوَانٍ وَالْيَاءُ الثَّانِيَةُ مِنْ أَيِّ فَبَعْدَ قَلْبِ الْوَاوِ وَاللَّامِ يَاءً أُدْغِمَتِ الْيَاءُ السَّاكِنَةُ فِيهَا وَجُعِلَتِ الْكَلِمَتَانِ وَاحِدَةً
وَهِيَ فِي الْأَزْمَانِ بِمَنْزِلَةِ مَتَى إِلَّا أَنَّ مَتَى أَشْهَرُ مِنْهَا وَفِي أَيَّانَ تَعْظِيمٌ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ التَّفْخِيمِ بِخِلَافِ مَتَى قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَّانَ مرساها﴾ ، ﴿أيان يبعثون﴾ ، ﴿أيان يوم الدين﴾ ، ﴿أيان يوم القيامة﴾
وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ: إِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِفْهَامِ عَنِ الشَّيْءِ الْمُعَظَّمِ أَمْرُهُ
قَالَ: وَسَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْ كونها شرطا
وذكر بعض المتأخرين مجيئها لدلالتها بِمَنْزِلَةِ مَتَى وَلَكِنْ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ
إِي
حَرْفُ جَوَابٍ بِمَعْنَى نَعَمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ،وَلَا يَأْتِي قَبْلَ النَّهْيِ صِلَةً لَهَا
стр. 1750
حَرْفُ الْبَاءِ
أَصْلُهُ لِلْإِلْصَاقِ وَمَعْنَاهُ اخْتِلَاطُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَيَكُونُ حَقِيقَةً وَهُوَ الْأَكْثَرُ نَحْوُ بِهِ داء ومجازا كـ "مررت بِهِ" إِذْ مَعْنَاهُ جَعَلْتُ مُرُورِي مُلْصَقًا بِمَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْهُ لَا بِهِ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الِاتِّسَاعِ
وَقَدْ جَعَلُوا مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا برؤوسكم﴾
وَقَدْ تَأْتِي زَائِدَةً:
إِمَّا مَعَ الْخَبَرِ نَحْوُ: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾
وَإِمَّا مَعَ الْفَاعِلِ نَحْوُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ فـ "الله" فاعل وشهيدا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَوِ التَّمْيِيزِ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَدَخَلَتْ لِتَأْكِيدِ الِاتِّصَالِ أَيْ لِتَأْكِيدِ شِدَّةِ ارْتِبَاطِ الْفِعْلِ بِالْفَاعِلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَطْلُبُ فَاعِلَهُ طَلَبًا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْبَاءُ تُوَصِّلُ الْأَوَّلَ إِلَى الثَّانِي فَكَأَنَّ الْفِعْلَ يَصِلُ إِلَى الْفَاعِلِ وَزَادَتْهُ الْبَاءُ اتِّصَالًا
قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: فَعَلُوا ذَلِكَ إِيذَانًا بِأَنَّ الْكِفَايَةَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَتْ كَالْكِفَايَةِ مِنْ غَيْرِهِ فِي عِظَمِ الْمَنْزِلَةِ فَضُوعِفَ لَفْظُهَا لِيُضَاعَفَ مَعْنَاهَا
وَقِيلَ: دَخَلَتِ الْبَاءُ لِتَدُلَّ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى اكْتَفُوا بِاللَّهِ
وَقِيلَ: الْفَاعِلُ مُقَدَّرٌ وَالتَّقْدِيرُ كَفَى الِاكْتِفَاءُ بِاللَّهِ فَحُذِفَ الْمَصْدَرُ وَبَقِيَ مَعْمُولُهُ دَالًّا عَلَيْهِ
стр. 1751
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْبَاءَ إِذَا سَقَطَتِ ارْتَفَعَ اسم الله على الفاعلية كقوله
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
*كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا*
وَإِمَّا مَعَ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
وقوله: ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾ أَيْ تَبْذُلُونَهَا لَهُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
وقوله: ﴿بأيكم المفتون﴾ جُعِلَتِ الْمَفْتُونُ اسْمَ مَفْعُولٍ لَا مَصْدَرًا كَالْمَعْقُولِ وَالْمَعْسُورِ وَالْمَيْسُورِ
وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾
﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾
﴿تنبت بالدهن﴾
وقوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَنَحْوِهِ
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِيءُ زَائِدَةً وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِزِيَادَتِهَا إِذَا تَأَدَّى الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِوُجُودِهَا وَحَالَةِ عَدَمِهَا عَلَى السَّوَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذِهِ الْأَمْثِلَةُ فَإِنَّ مَعْنَى: ﴿وَكَفَى بالله شهيدا﴾ ،كما هي في أحسن بزيد ومعنى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ اجعلوا المسح ملاصقا برؤسكم وَكَذَا ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ أَشَارَ إِلَى مُبَاشَرَةِ الْعُضْوِ بِالْمَسْحِ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْسُنْ فِي آيَةِ الْغُسْلِ فَاغْسِلُوا بِوُجُوهِكُمْ لِدَلَالَةِ الْغَسْلِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَهَذَا كَمَا تَتَعَيَّنُ الْمُبَاشَرَةُ فِي قَوْلِكَ أَمْسَكْتُ بِهِ وَتَحْتَمِلُهَا فِي أَمْسَكْتُهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلِاخْتِصَارِ
стр. 1752
وأما ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾ فَمَعْنَاهُ: تُلْقُونَ إِلَيْهِمُ النَّصِيحَةَ بِالْمَوَدَّةِ
وَقَالَ ابْنُ النَّحَّاسِ: مَعْنَاهُ تُخْبِرُونَهُمْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ الرَّجُلُ أَهْلَ مَوَدَّتِهِ
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: ضُمِّنَ ﴿تُلْقُونَ﴾ مَعْنَى تَرْمُونَ مِنَ الرَّمْيِ بِالشَّيْءِ يُقَالُ أَلْقَى زَيْدٌ إِلَيَّ بِكَذَا أَيْ رَمَى بِهِ وَفِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ إِلْقَاءٌ بِكِتَابٍ أَوْ بِرِسَالَةٍ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَوَدَّةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الْمَوَدَّةِ فَلِهَذَا جِيءَ بِالْبَاءِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ اليوم عليك حسيبا﴾ ،فَلَيْسَتْ زَائِدَةً وَإِلَّا لَلَحِقَ الْفِعْلَ قَبْلَهَا عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ لِلنَّفْسِ وَهُوَ مِمَّا يَغْلُبُ تَأْنِيثُهُ
وَجُوِّزَ فِي الْفِعْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ كَانَ مُقَدَّرَةً بَعْدَ كَفَى وَيَكُونَ بِنَفْسِكَ صِفَةً لَهُ قَائِمَةً مَقَامَهُ
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ الْمَنْصُوبُ بَعْدَهُ أَعْنِي حَسِيبًا كَقَوْلِكَ نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ
وَتَجِيءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَهِيَ الْقَائِمَةُ مَقَامَ الْهَمْزَةِ فِي إِيصَالِ الْفِعْلِ اللَّازِمِ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ نحو: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم﴾ أَيْ أَذْهَبَ
كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيت﴾
وَلِهَذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَهُمَا مُتَعَاقِبَتَانِ وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿أسرى بعبده﴾ فَقِيلَ: أَسْرَى وَسَرَى بِمَعْنًى كَسَقَى وَأَسْقَى وَالْهَمْزَةُ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ وَإِنَّمَا الْمُعَدَّى الْبَاءُ فِي بِعَبْدِهِ
وَزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ مَفْعُولَ أَسْرَى مَحْذُوفٌ وَأَنَّ التَّعْدِيَةَ بِالْهَمْزَةِ أَيْ أَسْرَى اللَّيْلَةَ بِعَبْدِهِ
стр. 1753
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ لَا تَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْفَاعِلِ لِلْمَفْعُولِ وَذَهَبَ الْمُبَرِّدُ وَالسُّهَيْلِيُّ أَنَّهَا تَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الْفَاعِلِ لِلْمَفْعُولِ فِي الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْهَمْزَةِ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾
﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَذْهَبُ مَعَ سَمْعِهِمْ فَالْمَعْنَى لَأَذْهَبَ سَمْعَهُمْ
وَقَالَ الصَّفَّارُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ذَهَبَ الْبَرْقَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَكُونَ الذَّهَابُ عَلَى صِفَةٍ تَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ كما قال ﴿وجاء ربك﴾
قَالَ: وَإِنَّمَا الَّذِي يُبْطِلُ مَذْهَبَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
دِيَارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنًى
تَحِلُّ بنا لولا بحاء الرَّكَائِبِ
أَيْ تَجْعَلُنَا حُلَّالًا لَا مُحْرِمِينَ وَلَيْسَتِ الدِّيَارُ دَاخِلَةً مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لِكَوْنِ الْبَاءِ بِمَعْنَى الْهَمْزَةِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فإن قلت: كيف جاء: ﴿تنبت بالدهن﴾ وَالْهَمْزَةُ فِي أَنْبَتَ لِلنَّقْلِ؟
قُلْتُ: لَهُمْ فِي الِانْفِصَالِ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً
وَالثَّانِي: أَنَّهَا بَاءُ الْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: تُنْبِتُ ثَمَرَهَا وَفِيهِ الدُّهْنُ أَيْ وَفِيهِمَا الدُّهْنُ وَالْمَعْنَى تَنْبُتُ الشَّجَرَةُ بِالدُّهْنِ أَيْ مَا هُوَ مَوْجُودٌ مِنْهُ وَتَخْتَلِطُ بِهِ الْقُوَّةُ بِنَبْتِهَا عَلَى مَوْقِعِ الْمِنَّةِ وَلَطِيفِ الْقُدْرَةِ وَهِدَايَةً إِلَى اسْتِخْرَاجِ صِبْغَةِ الْآكِلِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَبَتَ وَأَنْبَتَ بمعنى
стр. 1754
وَلِلِاسْتِعَانَةِ وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلَى آلَةِ الْفِعْلِ نَحْوُ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَمِنْهُ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
وَلِلتَّعْلِيلِ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ باتخاذكم العجل﴾ ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾
﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾
وَلِلْمُصَاحَبَةِ بِمَنْزِلَةِ مَعَ وَتُسَمَّى بَاءَ الْحَالِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿قد جاءكم الرسول بالحق﴾ أي مع الحق أو محقا
﴿يا نوح اهبط بسلام منا﴾
وَلِلظَّرْفِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ فِي
وَتَكُونُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ نَحْوُ: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل﴾
﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾
وَمَعَ النَّكِرَةِ نَحْوُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنتم أذلة﴾
﴿نجيناهم بسحر﴾
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ فِي التَّنْبِيهِ وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَ الْمَعْرِفَةِ نَحْوُ كُنَّا بِالْبَصْرَةِ وَأَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ
стр. 1755
وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِقَوْلِ الشَّمَّاخِ:
وَهُنَّ وُقُوفٌ يَنْتَظِرْنَ قضاءه
بضاحي غداة أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِزُ
أَيْ فِي ضَاحِي وَهِيَ نكرة
وللمجاوزة كـ "عن" نحو: ﴿فاسأل به خبيرا﴾
﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾
﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ أي عن الغمام
﴿بين أيديهم وبأيمانهم﴾ أَيْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ
وَلِلِاسْتِعْلَاءِ كَعَلَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ كَمَا قَالَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عليه﴾
ونحو: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾ أَيْ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مصبحين﴾
وللتبعيض كـ "من" نحو: ﴿يشرب بها عباد الله﴾ أي منها وخرج عليه: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ فَإِنَّ مَسَحَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَهُوَ الْمُزَالُ عَنْهُ وَإِلَى آخَرَ بِحَرْفِ الْجَرِّ وَهُوَ الْمُزِيلُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَامْسَحُوا أيديكم برءوسكم
следующие страницы →