Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
ربكم﴾ الآية إلى: ﴿تتقون﴾ إِطْمَاعُ الْمُؤْمِنِ بِأَنْ يَبْلُغَ بِإِيمَانِهِ دَرَجَةَ التَّقْوَى الْعَالِيَةَ لِأَنَّهُ بِالْإِيمَانِ يَفْتَتِحُهَا وَبِالْإِيمَانِ يَخْتَتِمُهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ الشَّرْعُ مُلْزِمٌ.
وَقَدْ قَالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَدْ جَاءَتْ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ لَكِنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ إِذَا أَطْمَعَ فَعَلَ مَا يُطْمِعُ لَا مَحَالَةَ فَجَرَى إِطْمَاعُهُ مَجْرَى وَعْدِهِ فَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهَا مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ.
وَهَذَا فِيهِ رَائِحَةُ الِاعْتِزَالِ فِي الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الْإِطْمَاعُ دُونَ التَّحْقِيقِ كَيْلَا يَتَّكِلَ الْعِبَادُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم﴾
وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَعَلَّ طَمَعٌ وَإِشْفَاقٌ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَفُسِّرَ في كثير من المواضع بـ "لا" وَقَالُوا إِنَّ الطَّمَعَ وَالْإِشْفَاقَ لَا يَصِحُّ عَلَى الله تعالى.
وقال: وَلَعَلَّ وَإِنْ كَانَ طَمَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي فِي كَلَامِهِمْ تَارَةً طَمَعَ الْمُخَاطِبِ وَتَارَةً طَمَعَ الْمُخَاطَبِ وَتَارَةً طَمَعَ غَيْرِهِمَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّنَا نتبع السحرة﴾ . فَذَلِكَ طَمَعٌ مِنْهُمْ فِي فِرْعَوْنَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ . إِطْمَاعُ مُوسَى وَهَارُونَ وَمَعْنَاهُ قُولَا لَهُ قَوْلًا لينا راجيين أَنْ يَتَذَكَّرَ أَوْ يَخْشَى
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بعض ما يوحى إليك﴾ أَيْ تَظُنُّ بِكَ النَّاسُ
وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لعلك باخع نفسك﴾ ،وقوله: ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ أي راجين الفلاح
стр. 1892
كما قال: كما قال: ﴿يرجون رحمت الله﴾
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلتَّرَجِّي إِلَّا في الممكن لأنه انتظار وَلَا يُنْتَظَرُ إِلَّا فِي مُمْكِنٍ فَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى:
﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ الْآيَةَ فَاطِّلَاعُ فِرْعَوْنَ إِلَى الْإِلَهِ مُسْتَحِيلٌ وَبِجَهْلِهِ اعْتَقَدَ إِمْكَانَهُ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي الْإِلَهِ الْجِسْمِيَّةَ وَالْمَكَانَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
الثَّانِي: لِلتَّعْلِيلِ كقوله تعالى: ﴿فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾
﴿وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون﴾ أَيْ كَيْ.
وَجَعَلَ مِنْهُ ثَعْلَبٌ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ أَيْ كَيْ حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ.
الثَّالِثُ: الِاسْتِفْهَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يحدث بعد ذلك أمرا﴾ ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ وحكى البغوي في تفسيره عن الواقدي أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ لَعَلَّ فإنها للتعليل إلا قوله: ﴿لعلكم تخلدون﴾ فَإِنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ
وَكَوْنُهَا لِلتَّشْبِيهِ غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحَاةُ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أَنَّ "لَعَلَّ" لِلتَّشْبِيهِ
стр. 1893
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا لِلرَّجَاءِ الْمَحْضِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرَجِّيَ وَالتَّمَنِّيَ مِنْ بَابِ الْإِنْشَاءِ كَيْفَ يَتَعَلَّقَانِ بِالْمَاضِي.
وَقَدْ وَقَعَ خَبَرُ ليت ماضيا في قوله: ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى مَنْعِ وُقُوعِ الْمَاضِي خَبَرًا للعل الرماني
стр. 1894
لَيْسَ
فِعْلٌ مَعْنَاهُ نَفْيُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ فِي الْحَالِ إِذَا قُلْتَ لَيْسَ زَيْدًا قَائِمًا نَفَيْتَ قِيَامَهُ فِي حَالِكَ هَذِهِ وَإِنْ قُلْتَ لَيْسَ زَيْدٌ قَائِمًا غَدًا لَمْ يَسْتَقِمْ وَلِهَذَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فَيَكُونُ فِيهَا مُسْتَقْبَلًا.
هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّهَا لِنَفْيِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ عُمُومًا.
وَقِيلَ مُطْلَقًا حَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَقَوَّاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَرُدَّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا يَوْمَ يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾
وَهَذَا نَفْيٌ لِكَوْنِ الْعَذَابِ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهُوَ نَفْيٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَصِحُّ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَنْفِي عَنِ الْحَالِ بِالْقَرِينَةِ نَحْوُ لَيْسَ خَلْقُ اللَّهِ مِثْلَهُ.
وَهَلْ هُوَ لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَوِ الْوَحْدَةِ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ غَيْرَ ابْنِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَفِيهِ شَاهِدٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ لَيْسَ لِلنَّفْيِ الْعَامِّ الْمُسْتَغْرَقِ بِهِ لِلْجِنْسِ وَهُوَ مِمَّا يُغْفَلُ عَنْهُ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لهم طعام إلا من ضريع﴾
لَدُنْ
بِمَعْنَى عِنْدَ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى ابْتِدَائِهَا بِهِ نَحْوُ: أَقَمْتُ عِنْدَهُ مِنْ لدن
стр. 1895
طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا فَتُوَضِّحُ نِهَايَةَ الْفِعْلِ وهي أبلغ من عند قال تعالى:
﴿قد بلغت من لدني عذرا﴾
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا﴾
﴿من لدن حكيم عليم﴾
﴿فهب لي من لدنك وليا﴾ وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي عِنْدَ.
وَقَدْ تحذف نونها قال تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾
﴿هذا ما لدي عتيد﴾
стр. 1896
مَا
تَكُونُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا سِتَّةٌ منها أسماء وستة حروف
ما الاسمية.
فَالِاسْمِيَّةُ ضَرْبَانِ: مَعْرِفَةٌ وَنَكِرَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا حَسُنَ مَوْضِعَهَا الَّذِي فَهِيَ مَعْرِفَةٌ أَوْ شَيْءٌ فَهِيَ نَكِرَةٌ وَإِنْ حَسُنَا مَعًا جَازَ الْأَمْرَانِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ . و ﴿هذا ما لدي عتيد﴾
والنكرة: ضربان ضرب يلزم الصفة وضرب لا يلزمه والذي يلزمه الِاسْتِفْهَامِيَّةُ وَالشَّرْطِيَّةُ وَالتَّعَجُّبُ وَمَا عَدَاهَا تَكُونُ مِنْهُ نَكِرَةً فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ صِفَةٍ تَلْزَمُهَا.
فَالْأَوَّلُ: مِنَ السِّتَّةِ: الْأَسْمَاءُ الْخَبَرِيَّةُ وَهِيَ الْمَوْصُولَةُ وَيَسْتَوِي فِيهَا التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالْإِفْرَادُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ الله باق﴾ .
وقوله: ﴿بما أنزل إليك﴾ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض﴾
فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُذَكَّرَ كَانَتْ لِلتَّذْكِيرِ بِمَعْنَى الَّذِي وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُؤَنَّثَ كَانَتْ لِلتَّأْنِيثِ بِمَعْنَى الَّتِي.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: كَذَا يقول النحويون إنها بمعنى الذي مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنَهُمَا تَخَالُفٌ فِي الْمَعْنَى وَبَعْضِ الْأَحْكَامِ
أَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ مَا اسْمٌ مُبْهَمٌ فِي غَايَةِ الْإِبْهَامِ حَتَّى إِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمَعْدُومِ نَحْوُ: "إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَبِمَا لَمْ يَكُنْ"
стр. 1897
وَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَعْتًا لِمَا قَبْلَهَا وَلَا مَنْعُوتَةً لِأَنَّ صِلَتَهَا تُغْنِيهَا عَنِ النَّعْتِ وَلَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ انْتَهَى.
ثُمَّ لَفْظُهَا مُفْرَدٌ وَمَعْنَاهَا الْجَمْعُ وَيَجُوزُ مُرَاعَاتُهَا فِي الضَّمِيرِ.
وَنَحْوُهُ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَعْنَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا ينفعهم﴾ .
ثم قال: ﴿هؤلاء شفعاؤنا﴾ . لما أراد الجمع.
وكذلك قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يستطيعون﴾
وَمِنْ مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إيمانكم﴾ وَأَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ما عندكم ينفد﴾
وَقَدْ تَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ عِنْدَ اخْتِلَاطِهِ بِمَا لَا يَعْقِلُ تَغْلِيبًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ بِدَلِيلِ نُزُولِ الْآيَةِ بَعْدَهَا مُخَصَّصَةً: ﴿إِنَّ الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾
قَالُوا: وَقَدْ تَأْتِي لِأَنْوَاعِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أَيِ الْأَبْكَارِ إِنْ شِئْتُمْ أَوِ الثَّيِّبَاتِ
وَلَا تَكُونُ لِأَشْخَاصِ مَنْ يَعْقِلُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهَا إِلَّا عَلَى جِنْسٍ
стр. 1898
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ والمراد آدم.
وقوله: ﴿والسماء وما بناها﴾ وقوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ أَيِ اللَّهَ.
فَأَمَّا الْأُولَى فَقِيلَ إِنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ وقال السهيل بَلْ إِنَّهَا وَرَدَتْ فِي مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا مِنْ حَيْثُ كَانَ السُّجُودُ لِمَا يَعْقِلُ وَلَكِنْ لِعِلَّةٍ أخرى وهي المعصية والتكبر فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِمَ عَصَيْتَنِي وَتَكَبَّرْتَ عَلَى مَا خَلَقْتُهُ وَشَرَّفْتُهُ فَلَوْ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَنْ؟ كَانَ اسْتِفْهَامًا مُجَرَّدًا مِنْ تَوْبِيخٍ وَلَتُوُهِّمَ أَنَّهُ وَجَبَ السُّجُودُ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ يَعْقِلُ أَوْ لِعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِيهِ أَوْ لِذَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا آيَةُ السَّمَاءِ فَلِأَنَّ الْقَسَمَ تَعْظِيمٌ لِلْمُقْسَمِ بِهِ مِنْ حَيْثُ مَا فِي خَلْقِهَا مِنَ الْعَظْمَةِ وَالْآيَاتِ فَثَبَتَ لِهَذَا الْقَسَمِ بِالتَّعْظِيمِ كَائِنًا مَا كَانَ وَفِيهِ إِيحَاءٌ إِلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِيجَادِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَنْ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ لِلْمَعْنَى مَقْصُورًا عَلَى ذَاتِهِ دُونَ أَفْعَالِهِ وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ غَلَطُ مَنْ جَعَلَهَا بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ.
وَأَمَّا ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ فَهِيَ عَلَى بَابِهَا لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى مَعْبُودِهِ ﵇ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتُمْ لَا تَعْبُدُونَ مَعْبُودِي
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسُدُونَهُ وَيَقْصِدُونَ مُخَالَفَتَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ مَعْبُودُهُ فَلَا يَصِحُّ فِي اللَّفْظِ إِلَّا لَفْظَةُ مَا لِإِبْهَامِهَا وَمُطَابَقَتِهَا لِغَرَضٍ أَوْ لِازْدِوَاجِ الْكَلَامِ لِأَنَّ مَعْبُودَهُمْ لَا يَعْقِلُ وَكَرَّرَ الْفِعْلَ عَلَى بِنْيَةِ الْمُسْتَقْبَلِ حَيْثُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ إِيمَاءً إِلَى عصمة الله له عن
стр. 1899
الزَّيْغِ وَالتَّبْدِيلِ وَكَرَّرَهُ بِلَفْظٍ حِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَيَتَّبِعُونَ شَهَوَاتِهِمْ بِفَرْضِ أَنْ يعبدوا اليوم مالا يعبدون غدا.
وهاهنا ضابط حسن الفرق بَيْنَ الْخَبَرِيَّةِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ مَا إِذَا جَاءَتْ قَبْلَ لَيْسَ أَوْ لَمْ أَوْ لَا أَوْ بَعْدَ إِلَّا فَإِنَّهَا تَكُونُ خَبَرِيَّةً كَقَوْلِهِ: ﴿ما ليس لي بحق﴾ ﴿ما لم يعلم﴾ ﴿ما لا تعلمون﴾ ﴿إلا ما علمتنا﴾ .
وَشَبَهِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ حَرْفِ الْجَرِّ نَحْوُ رُبَّمَا وَعَمَّا وَفِيمَا وَنَظَائِرِهَا إِلَّا بَعْدَ كَافِ التَّشْبِيهِ.
وَرُبَّمَا كَانَتْ مَصْدَرًا بَعْدَ الْبَاءِ نحو: ﴿بما كانوا يظلمون﴾ ﴿بما كانوا يكذبون﴾ ﴿بما تعملون﴾
وَإِنْ وَقَعَتْ بَيْنَ فِعْلَيْنِ سَابِقُهُمَا عِلْمٌ أَوْ دِرَايَةٌ أَوْ نَظَرٌ جَازَ فِيهَا الْخَبَرُ وَالِاسْتِفْهَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تكتمون﴾
﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾
﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾
﴿هل علمتم ما فعلتم﴾ .
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾
﴿ولتنظر نفس ما قدمت﴾
стр. 1900
الثَّانِي: الشَّرْطِيَّةُ وَلَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ وَيَعْمَلُ فِيهَا مَا بَعْدَهَا مِنَ الْفِعْلِ نَحْوُ مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بخير منها﴾
﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عليم﴾ ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله﴾ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا ممسك لها﴾ فَـ "مَا" فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهَا
الثَّالِثُ: الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِمَعْنَى أي شيء ولها صدر الكلام كالشرط وَيُسْأَلُ بِهَا عَنْ أَعْيَانِ مَا لَا يَعْقِلُ وَأَجْنَاسِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ أَجْنَاسِ الْعُقَلَاءِ وَأَنْوَاعِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ قال تعالى: ﴿ما هي﴾ .
و ﴿ما لونها﴾ ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾
قَالَ الْخَلِيلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مَا اسْتِفْهَامٌ أَيْ أَيَّ شَيْءٍ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟
وَمِثَالُ مَجِيئِهَا لِصِفَاتِ مَنْ يَعْلَمُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ ،وَنَظِيرُهَا لَكِنْ فِي الْمَوْصُولَةِ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لكم من النساء﴾ .
стр. 1901
وَجَوَّزَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يُسْأَلَ بِهَا عَنْ أَعْيَانِ مَنْ يَعْقِلُ أَيْضًا حَكَاهُ الرَّاغِبُ فَإِنْ كَانَ مَأْخَذُهُ قَوْلَهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿وَمَا رب العالمين﴾ . فَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ عَنِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْمَالِكُ وَالْمِلْكُ صِفَةٌ وَلِهَذَا أَجَابَهُ مُوسَى بِالصِّفَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَا سُؤَالٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَجَابَهُ مُوسَى تَنْبِيهًا عَلَى صَوَابِ السُّؤَالِ.
ثُمَّ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا فِي إِعْرَابِهَا وَهُوَ بِحَسَبِ الِاسْمِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ نحو قوله تعالى: ﴿ما لونها﴾ . و ﴿ما هي﴾ ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله﴾ وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ كانت في موضع الخبر كقوله: ﴿ما الرحمن﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ . ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾
الثَّانِيَةُ: فِي حَذْفِ أَلِفِهَا وَيَكْثُرُ فِي حَالَةِ الْخَفْضِ قَصَدُوا مُشَاكَلَةَ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى فَحَذَفُوا الْأَلِفَ كَمَا أَسْقَطُوا الصِّلَةَ وَلَمْ يَحْذِفُوا فِي حَالِ النَّصْبِ وَالرَّفْعِ كَيْلَا تَبْقَى الْكَلِمَةُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهَا حَرْفُ الْجَرِّ أَوْ مُضَافٌ اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْخَافِضَ وَالْمَخْفُوضَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ كقوله تعالى: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ﴿فبم تبشرون﴾ ﴿عم يتساءلون﴾
وأما قوله: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي﴾ ،فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ بِأَيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي فَجَعَلُوا مَا اسْتِفْهَامًا وَقَالَ الْكِسَائِيُّ مَعْنَاهُ بِمَغْفِرَةِ رَبِّي فَجَعَلَهَا مَصْدَرِيَّةً
قَالَ الْهَرَوِيُّ: إِثْبَاتُ الْأَلِفِ فِي مَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ مَعَ اتِّصَالِهَا بِحَرْفِ الْجَرِّ لُغَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لهم﴾ فَقِيلَ إِنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ أَيْ بِأَيِّ شَيْءٍ
стр. 1902
أَغْوَيْتَنِي؟ ثُمَّ ابْتَدَأَ ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ وَقِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ أَيْ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَقْعُدَنَّ أَيْ بِسَبَبِ إِغْوَائِكَ أُقْسِمُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلْقَسَمِ أَيْ فَأُقْسِمُ بِإِغْوَائِكَ لَأَقْعُدَنَّ وَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِالْإِغْوَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ مُكَلَّفًا وَالتَّكْلِيفُ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيفًا لِسَعَادَةِ الْأَبَدِ وَكَانَ جَدِيرًا أَنْ يُقْسِمَ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ تَعَلُّقُهَا بِـ ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ قِيلَ يَصُدُّ عَنْهُ لَامُ الْقَسَمِ أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ وَاللَّهِ لَا بِزَيْدٍ لَأَمُرَّنَّ.
وَالرَّابِعُ: التَّعَجُّبِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ﴿قتل الأنسان ما أكفره﴾
وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي قراءة سعيد بن جبير: ﴿ما غرك بربك الكريم﴾
وتكون في موضع رفع بالابتداء وما خَبَرٌ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ وَالتَّعَجُّبَ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ لِأَنَّكَ إِذَا تَعَجَّبْتَ مِنْ شَيْءٍ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ
وَالْخَامِسُ: نَكِرَةٌ بِمَعْنَى شَيْءٍ وَيَلْزَمُهَا النَّعْتُ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ مَا مُعْجِبًا لَكَ وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فوقها﴾ ، ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ أَيْ نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكُمْ بِهِ
стр. 1903
وَالسَّادِسُ: نَكِرَةٌ بِغَيْرِ صِفَةٍ وَلَا صِلَةٍ كَالتَّعَجُّبِ وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصدقات فنعما هي﴾ ،أَيْ فَنِعْمَ شَيْئًا هِيَ كَمَا تَقُولُ نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ أَيْ نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا زَيْدٌ ثُمَّ قَامَ مَا مَقَامَ الشَّيْءِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ تَجِيءُ مَا مُضْمَرَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ .
أَيْ مَا ثَمَّ.
وَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبينك﴾ . أي ما بيني
﴿لقد تقطع بينكم﴾ .
أي ما بينكم
ما الحرفية
وَأَمَّا الْحَرْفِيَّةُ فَسِتَّةٌ.
الْأَوَّلُ: النَّافِيَةُ وَلَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ فَفِي الأسماء كـ "ليس" تَرْفَعُ وَتَنْصِبُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿ما هذا بشرا﴾
وقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾
عَلَى قِرَاءَةِ كَسْرِ التَّاءِ وَقَوْلِهِ:
﴿فَمَا مِنْكُمْ من أحد عنه حاجزين﴾
وَعَلَى الْأَفْعَالِ فَلَا تَعْمَلُ وَتَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي بِمَعْنَى لَمْ نَحْوُ مَا خَرَجَ أَيْ لَمْ يَخْرُجْ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كانوا مهتدين﴾
وَعَلَى الْمُضَارِعِ لِنَفْيِ الْحَالِ بِمَعْنَى لَا نَحْوَ مَا يَخْرُجُ زَيْدٌ أَيْ لَا يَخْرُجُ نَفَيْتَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ خُرُوجٌ فِي الْحَالِ
стр. 1904
وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ جَحْدًا وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَحْدِ وَالنَّفْيِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَنْفِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هِيَ لِنَفْيِ الْحَالِ فِي اللُّغَتَيْنِ الْحِجَازِيَّةِ وَالتَّمِيمِيَّةِ نَحْوُ مَا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا وَمُنْطَلِقٌ وَلِهَذَا جَعَلَهَا سِيبَوَيْهِ فِي النَّفْيِ جَوَابًا لِـ "قَدْ" فِي الْإِثْبَاتِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَدْ لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الْحَالِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ جَوَابًا لَهَا فِي النَّفْيِ.
قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ لِلنَّفْيِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْكُفَّارِ: ﴿وما نحن بمنشرين﴾ ﴿وما نحن بمبعوثين﴾
وَفِي الْمَاضِي، نَحْوُ: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ ولا نذير﴾ . فَإِنَّهُ وَرَدَ لِلتَّعْلِيلِ عَلَى مَعْنَى كَرَاهَةِ أَنْ يَقُولُوا عِنْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَنَا فِي الدُّنْيَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ وَهَذَا للماضي المحقق وأمثال ذلك كثيرة.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ سِيبَوَيْهِ جَعَلَ فِيهَا مَعْنَى التَّوْكِيدِ لِأَنَّهَا جَرَتْ مَوْضِعَ قَدْ فِي النَّفْيِ فَكَمَا أَنَّ قَدْ فِيهَا مَعْنَى التَّأْكِيدِ فَكَذَلِكَ مَا جُعِلَ جَوَابًا لَهَا.
وَهُنَا ضَابِطٌ وَهُوَ إِذَا مَا أَتَتْ بَعْدَهَا إِلَّا فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ مِنْ نَفْيٍ إِلَّا فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا.
أَوَّلُهَا: فِي الْبَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّا آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا﴾
الثَّانِي: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾
الثَّالِثُ: فِي النِّسَاءِ قَوْلُهُ: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتيتموهن إلا أن يأتين﴾ .
الرَّابِعُ: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا ما قد سلف﴾
стр. 1905
الْخَامِسُ: فِي الْمَائِدَةِ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذكيتم﴾
السَّادِسُ: فِي الْأَنْعَامِ: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ به إلا أن يشاء ربي شيئا﴾
السَّابِعُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلا﴾
الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ فِي هُودٍ: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرض إلا﴾ .
فِي مَوْضِعَيْنِ
أَحَدُهُمَا: فِي ذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ وَالثَّانِي: فِي ذِكْرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ: فِي يُوسُفَ: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سنبله إلا قليلا﴾ .
وفيها: ﴿ما قدمتم لهن إلا﴾ الثَّانِيَ عَشَرَ: فِي الْكَهْفِ: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا الله﴾ . عَلَى خِلَافٍ فِيهَا.
الثَّالِثَ عَشَرَ: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا إلا بالحق﴾ . حَيْثُ كَانَ.
وَالثَّانِي: الْمَصْدَرِيَّةُ، وَهِيَ قِسْمَانِ وَقْتِيَّةٌ وَغَيْرُ وَقْتِيَّةٍ.
فَالْوَقْتِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ نائب عن الظرف الزَّمَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ . وقوله: ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ .
و ﴿ما دمتم حرما﴾ ،أي مدة دوام السموات وَالْأَرْضِ وَوَقْتَ دَوَامِ قِيَامِكُمْ وَإِحْرَامِكُمْ وَتُسَمَّى ظَرْفِيَّةً أَيْضًا
وَغَيْرُ الْوَقْتِيَّةِ هِيَ الَّتِي تُقَدَّرُ مَعَ الْفِعْلِ نَحْوُ بَلَغَنِي مَا صَنَعْتَ أَيْ صُنْعُكَ قال تعالى: ﴿وبما كانوا يكذبون﴾ أَيْ بِتَكْذِيبِهِمْ أَوْ بِكَذِبِهِمْ عَلَى الْقُرْآنِ
стр. 1906
وقوله: ﴿ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ .
وقوله: ﴿كما آمن الناس﴾ .
و ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا﴾ .
و: ﴿بئسما اشتروا﴾ .
أَيْ كَإِيمَانِ النَّاسِ وَكَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَبِئْسَ اشْتِرَاؤُهُمْ.
وَكُلَّمَا أَتَتْ بَعْدَ كَافِ التَّشْبِيهِ أَوْ بِئْسَ فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَصَاحِبُ الْكِتَابِ يَجْعَلُهَا حَرْفًا وَالْأَخْفَشُ يَجْعَلُهَا اسْمًا وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا يَعُودُ عَلَيْهَا مِنْ صِلَتِهَا شَيْءٌ.
وَالثَّالِثُ: الْكَافَّةُ لِلْعَامِلِ عَنْ عَمَلِهِ وَهُوَ مَا يَقَعُ بَيْنَ نَاصِبٍ وَمَنْصُوبٍ أَوْ جَارٍّ وَمَجْرُورٍ أَوْ رَافِعٍ وَمَرْفُوعٍ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الله إله واحد﴾ ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾
والثاني: كقوله: ربما رجل أكرمته وقوله: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾
وَالثَّالِثُ: كَقَوْلِكَ قَلَّمَا تَقُولِينَ وَطَالَمَا تَشْتَكِينَ.
وَالرَّابِعُ: الْمُسَلَّطَةُ وَهِيَ الَّتِي تَجْعَلُ اللَّفْظَ مُتَسَلِّطًا بِالْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا نَحْوَ مَا في إذما وحيثما لأنهما لَا يَعْمَلَانِ بِمُجَرَّدِهِمَا فِي الشَّرْطِ وَيَعْمَلَانِ عِنْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِمَا
وَالْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ مُغَيِّرَةً لِلْحَرْفِ عَنْ حَالِهِ كَقَوْلِهِ فِي لَوْ لَوْمَا غَيَّرَتْهَا إِلَى مَعْنَى هَلَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ مَا تأتينا﴾
стр. 1907
وَالسَّادِسُ: الْمُؤَكِّدُ لِلَّفْظِ وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ صِلَةً وَبَعْضُهُمْ زَائِدَةً وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ حَرْفٌ إِلَّا وَلَهُ مَعْنًى وَيَتَّصِلُ بِهَا الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَتَقَعُ أَبَدًا حَشْوًا أَوْ آخِرًا وَلَا تقع ابتداء وَإِذَا وَقَعَتْ حَشْوًا فَلَا تَقَعُ إِلَّا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَلَازِمَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُؤَكِّدُ زِيَادَتَهَا لِإِقْحَامِهَا بين ما هو كالشيء الواحد.
نحو: ﴿أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا﴾
﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾
وَكَذَا قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾
﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾
﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾
﴿عما قليل﴾
﴿أيما الأجلين قضيت﴾
﴿مما خطيئاتهم﴾
وَجَعَلَ مِنْهُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ الْحُرُوفِ الْخَمْسَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حافظ﴾ قال فَجَعَلَهَا زَائِدَةً
وَأَجَازَ الْفَارِسِيُّ زِيَادَةَ اللَّامِ، وَالْمَعْنَى إِنْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَلَيْهَا حَافِظٌ
стр. 1908
ثُمَّ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لما جميع﴾ .
إنما هو لجميع وما لَغْوٌ.
قَالَ الصَّفَّارُ: وَالَّذِي دَعَاهُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَهَا لَغْوًا وَلَمْ يَجْعَلْهَا مَوْصُولًا لِأَنَّ بَعْدَهَا مفرد فَيَكُونُ مِنْ بَابِ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلَهَا فِي ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ مَوْصُولَةً لِأَنَّ بَعْدَهَا الظَّرْفَ؟
قُلْنَا: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ مَا عَلَى آحَادِ مَنْ يَعْقِلُ أَلَا تَرَى كُلَّ نَفْسٍ وَهَذَا يَمْنَعُ فِي الْآيَتَيْنِ مِنَ الصِّلَةِ
انْتَهَى
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ عِبَارَةَ اللَّغْوِ
стр. 1909
مَنْ
لَا تَكُونُ إِلَّا اسْمًا لِوُقُوعِهَا فَاعِلَةً وَمَفْعُولَةً وَمُبْتَدَأَةً وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا الْمَوْصُولَةُ وَالِاسْتِفْهَامِيَّةُ وَالشَّرْطِيَّةُ وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ.
فَالْمَوْصُولَةُ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يستكبرون﴾ ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾
وَالِاسْتِفْهَامِيَّةُ وَهِيَ الَّتِي أُشْرِبَتْ مَعْنَى النَّفْيِ وَمِنْهُ: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ .
وَ ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضالون﴾
وَلَا يَتَقَيَّدُ جَوَازُ ذَلِكَ بِأَنْ يَتَقَدَّمَهَا الْوَاوُ خِلَافًا لِابْنِ مَالِكٍ فِي التَّسْهِيلِ بِدَلِيلِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
وَالشَّرْطِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ وَ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ .
وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ أَيْ فَرِيقٌ يَقُولُ
стр. 1910
وَقِيلَ: مَوْصُولَةٌ وَضَعَّفَهُ أَبُو الْبَقَاءِ بِأَنَّ الَّذِي يَتَنَاوَلُ أَقْوَامًا بِأَعْيَانِهِمْ وَالْمَعْنَى هَاهُنَا عَلَى الْإِيهَامِ.
وَتَوَسَّطَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ "أَلْ" لِلْجِنْسِ فَنَكِرَةٌ أَوْ لِلْعَهْدِ فَمَوْصُولَةٌ وَكَأَنَّهُ قَصَدَ مُنَاسَبَةَ الْجِنْسِ لِلْجِنْسِ وَالْعَهْدِ لِلْعَهْدِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ وَمَنْ مَوْصُولَةٌ وَلِلْعَهْدِ وَمَنْ نَكِرَةٌ.
ثُمَّ الْمَوْصُولَةُ قَدْ تُوصَفُ بِالْمُفْرَدِ وَبِالْجُمْلَةِ وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فان﴾ .
فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَيْ كُلُّ شَخْصٍ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهَا.
قَالُوا: وَأَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ لِمَنْ يَعْقِلُ وَإِنِ اسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِهِ فَعَلَى الْمَجَازِ.
هَذِهِ عِبَارَةُ الْقُدَمَاءِ وَعَدَلَ جَمَاعَةٌ إِلَى قَوْلِهِمْ مَنْ يَعْلَمُ لِإِطْلَاقِهَا عَلَى الْبَارِي كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله﴾ .
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُوصَفُ بِالْعِلْمِ لَا بِالْعَقْلِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ.
وَضَيَّقَ سِيبَوَيْهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ هِيَ لِلْأَنَاسِيِّ.
فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمِلْكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ من في السماوات﴾ .
فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ يَعُمُّ الْجَمِيعَ بِأَنْ يَقُولَ لِأُولِي الْعِلْمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا يَقِلُّ فِيهَا فَاقْتُصِرَ عَلَى الْأَنَاسِيِّ لِلْغَلَبَةِ.
وَإِذَا أُطْلِقَتْ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ فَإِمَّا لِأَنَّهُ عُومِلَ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ وَإِمَّا لِاخْتِلَاطِهِ بِهِ
فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يخلق﴾ ،وَالَّذِي لَا يَخْلُقُ الْمُرَادُ بِهِ الْأَصْنَامُ لِأَنَّ الْخِطَابَ مَعَ الْعَرَبِ لَكِنَّهُ لَمَّا عُومِلَتْ بِالْعِبَادَةِ عبر عنها بـ "من" بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المراد بـ "من" لَا يَخْلُقُ الْعُمُومَ الشَّامِلَ لِكُلِّ مَا عُبِدَ من دون
стр. 1911
اللَّهِ مِنَ الْعَاقِلِينَ وَغَيْرِهِمْ فَيَكُونُ مَجِيءُ مَنْ هُنَا لِلتَّغْلِيبِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الِاخْتِلَاطُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ من يمشي على بطنه﴾ الْآيَةَ فَعَبَّرَ بِهَا عَمَّنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَهُمُ الْحَيَّاتُ وَعَمَّنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ وَهُمُ البهائم لاختلاطهم مَعَ مَنْ يَعْقِلُ فِي صَدْرِ الْآيَةِ لِأَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ يَشْمَلُ الْعُقَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ فَغَلَبَ عَلَى الجميع حكم العاقل
стр. 1912
فائدة.
قيل: إنما كان "من" لمن يعقل و"ما" لِمَا لَا يَعْقِلُ لِأَنَّ مَوَاضِعَ مَا فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِنْ مَوَاضِعِ مَنْ وَمَا لَا يَعْقِلُ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْقِلُ فَأَعْطَوْا مَا كَثُرَتْ مَوَاضِعُهُ لِلْكَثِيرِ وَأَعْطَوْا مَا قَلَّتْ مَوَاضِعُهُ لِلْقَلِيلِ وَهُوَ مَنْ يَعْقِلُ لِلْمُشَاكَلَةِ وَالْمُجَانَسَةِ
تَنْبِيهٌ.
ذَكَرَ الْأَبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ أَنَّ اخْتِصَاصَ مَنْ بِالْعَاقِلِ وَمَا بِغَيْرِهِ مَخْصُوصٌ بِالْمَوْصُولَتَيْنِ أَمَّا الشَّرْطِيَّةُ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَسْتَدْعِي الْفِعْلَ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ
تَنْبِيهٌ
وَقَدْ سَبَقَ فِي قَاعِدَةِ مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بَيَانُ حُكْمِ مَنْ فِي ذَلِكَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا من كان هودا أو نصارى﴾ فَجَعَلَ اسْمَ كَانَ مُفْرَدًا حَمْلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ وَخَبَرَهَا جَمْعًا حَمْلًا عَلَى مَعْنَاهَا وَلَوْ حَمَلَ الِاسْمَ وَالْخَبَرَ عَلَى اللَّفْظِ مَعًا لَقَالَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَلَوْ حَمَلَهُمَا عَلَى مَعْنَاهَا لَقَالَ إِلَّا مَنْ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى فَصَارَتِ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَاقِلِينَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَنَعَهَا ابْنُ السَّرَّاجِ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الِاسْمُ وَالْخَبَرُ مَعًا عَلَى اللَّفْظِ فَيُقَالُ إِلَّا مَنْ كَانَ عَاقِلًا أَوْ يُحْمَلَا مَعًا عَلَى الْمَعْنَى فَيُقَالُ إِلَّا مَنْ كَانُوا عَاقِلِينَ وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بخلاف قولهم
стр. 1913
مِنْ
حَرْفٌ يَأْتِي لِبِضْعَةَ عَشَرَ مَعْنًى.
الْأَوَّلُ: ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَتِهَا إِلَى الَّتِي لِلِانْتِهَاءِ.
وَذَلِكَ إِمَّا فِي اللَّفْظِ نَحْوَ سِرْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ ما فِي الْمَعْنَى نَحْوُ زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو لِأَنَّ مَعْنَاهُ زِيَادَةُ الْفَضْلِ عَلَى عَمْرٍو وَانْتِهَاؤُهُ فِي الزِّيَادَةِ إِلَى زَيْدٍ.
وَيَكُونُ فِي الْمَكَانِ اتِّفَاقًا نَحْوُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَمَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ نَحْوَ مِنْ فُلَانٍ وَمِنْهُ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سليمان﴾ ،
وَقَوْلِكَ ضَرَبْتُ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ إِذَا أَرَدْتَ الْبِدَاءَةَ مِنَ الصَّغِيرِ وَالنِّهَايَةَ بِالْكَبِيرِ.
وَفِي الزَّمَانِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بعد﴾ فَإِنَّ قَبْلُ وَبَعْدُ ظَرْفَا زَمَانٍ.
وَتَأَوَّلَهُ مُخَالِفُوهُمْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مِنْ تَأْسِيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ فَـ "مِنْ" دَاخِلَةٌ فِي التَّقْدِيرِ عَلَى التَّأْسِيسِ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَأَمَّا قَبْلُ وَبَعْدُ فَلَيْسَتَا ظَرْفَيْنِ فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا هُمَا صِفَتَانِ
الثَّانِي: الْغَايَةُ وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى فِعْلٍ هُوَ مَحَلٌّ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَانْتِهَائِهِ مَعًا نَحْوُ:
стр. 1914
أَخَذْتُ مِنَ التَّابُوتِ فَالتَّابُوتُ مَحَلُّ ابْتِدَاءِ الْأَخْذِ وانتهائه وكذلك أخذته من زيد فـ "زيد" مَحَلٌّ لِابْتِدَاءِ الْأَخْذِ وَانْتِهَائِهِ كَذَلِكَ.
قَالَهُ الصَّفَّارُ وغاير قيله وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تَكُونُ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ مِنْ دَارِي مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ فَابْتِدَاءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ مِنَ الدَّارِ وَانْتِهَاؤُهَا مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ وَكَذَلِكَ شَمَمْتُ الرَّيْحَانَ مِنْ دَارِي مِنَ الطَّرِيقِ فَابْتِدَاءُ الشَّمِّ مِنَ الدَّارِ وَانْتِهَاؤُهُ إِلَى الطَّرِيقِ.
وقال: وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ بَلْ هُمَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَالْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ وَالثَّانِيَةُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي حَقِّ الْمَفْعُولِ وَنَظِيرُهُ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ بِالشَّامِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَتْبِهِ إِلَى عُمَرَ بِالشَّامِ بَلِ الَّذِي كَانَ فِي الشَّامِ عُمَرُ فَقَوْلُهُ بِالشَّامِ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَفْعُولِ.
قَالَ وَزَعَمَ ابْنُ الطَّرَاوَةِ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ لَزِمَهَا إِلَى الِانْتِهَاءِ فَأَجَازَ سِرْتُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَى يَوْمِ الْأَحَدِ لِأَنَّكَ لَوْ لَمْ تَذْكُرْ لَمْ يُدْرَ إِلَى أَيْنَ انْتَهَى السَّيْرُ.
قَالَ الصَّفَّارُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ مِنْ كَلَامِهِمْ وَإِذَا أَرَادَتِ الْعَرَبُ هَذَا أَتَتْ فِيهِ بِمُذْ وَمُنْذُ وَيَكُونُ الِانْتِهَاءُ إِلَى زَمَنِ الْإِخْبَارِ.
الثالث: التبعيض ولها علامتان أن يقع مَوْقِعَهَا وَأَنْ يَعُمَّ مَا قَبْلَهَا مَا بَعْدَهَا إِذَا حُذِفَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تحبون﴾ ،وَلِهَذَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْضَ مَا تحبون
وقوله: ﴿منهم من كلم الله﴾
стр. 1915
وقوله: ﴿إني أسكنت من ذريتي﴾ فَإِنَّهُ كَانَ نَزَلَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ.
الرَّابِعُ: بَيَانُ الْجِنْسِ وَقِيلَ: إِنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ مُطْلَقًا حَكَاهُ التَّرَّاسُ وَلَهَا عَلَامَتَانِ أَنْ يَصِحَّ وَضْعُ الَّذِي مَوْضِعَهَا وَأَنْ يَصِحَّ وُقُوعُهَا صِفَةً لِمَا قَبْلَهَا.
وَقِيلَ هِيَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا تَحْتَهُ أَجْنَاسٌ وَالْمُرَادُ أَحَدُهَا فَإِذَا أَرَدْتَ وَاحِدًا مِنْهَا بَيَّنْتَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ . وَغَيْرَهَا فَلَمَّا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَمْ يُعْلَمِ الْمُرَادُ فَلَمَّا صَرَّحَ بِذِكْرِ الْأَوْثَانِ عُلِمَ أَنَّهَا الْمُرَادُ من الجنس وقرنت بـ "من" لِلْبَيَانِ فَلِذَلِكَ قِيلَ إِنَّهَا لِلْجِنْسِ وَأَمَّا اجْتِنَابُ غَيْرِهَا فَمُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَالتَّقْدِيرُ وَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ أَيِ اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الْوَثَنِيَّ فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنَى الصِّفَةِ.
وَهِيَ بِعَكْسِ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ فَإِنَّ تِلْكَ يَكُونُ مَا قَبْلَهَا بَعْضًا مِمَّا بَعْدَهَا فَإِذَا قُلْتَ أَخَذْتُ دِرْهَمًا مِنَ الدَّرَاهِمِ كَانَ الدِّرْهَمُ بَعْضَ الدَّرَاهِمِ وَهَذِهِ مَا بَعْدَهَا بَعْضٌ مِمَّا قَبْلَهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوْثَانَ بَعْضُ الرِّجْسِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ،أَيِ الَّذِينَ هُمْ أَنْتُمْ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِهَذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا التَّبْعِيضُ.
وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السماء من جبال فيها من برد﴾ .
فَـ "مِنَ" الْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيِ ابْتِدَاءِ الْإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ وَالثَّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ بَعْضِ جِبَالٍ مِنْهَا وَالثَّالِثَةُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ لِأَنَّ الْجِبَالَ تَكُونُ بَرَدًا وَغَيْرَ بَرَدٍ
وَنَظِيرُهَا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فَالْأُولَى لِلْبَيَانِ لِأَنَّ الْكَافِرِينَ نَوْعَانِ كِتَابِيُّونَ
стр. 1916
وَمُشْرِكُونَ وَالثَّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِدُخُولِهَا عَلَى نَكِرَةٍ مَنْفِيَّةٍ وَالثَّالِثَةُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ .
فَالْأَوْلَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَالثَّانِيَةُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ أَوْ زائدة بدليل قوله: ﴿وحلوا أساور﴾ .
وَالثَّالِثَةُ لِبَيَانِ الْجِنْسِ أَوِ التَّبْعِيضِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَوْمُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمَغَارِبَةِ بَيَانَ الْجِنْسِ وَقَالُوا هِيَ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ لِأَنَّ الرِّجْسَ جَامِعٌ لِلْأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا قِيلَ مِنَ الْأَوْثَانِ فَمَعْنَاهُ الِابْتِدَاءُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ لِأَنَّ الرجس ليس هو ذاتها فـ "من" فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَهِيَ فِي أَخَذْتُهُ مِنَ التَّابُوتِ.
وَقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ الرِّجْسَ مِنْهَا هُوَ عِبَادَتُهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ فَهِيَ لِلتَّبْعِيضِ وَيُقَدَّرُ الْخِطَابُ عاما للمؤمنين وغيرهم.
وأما قوله: ﴿من الجبال﴾ فَهُوَ بَدَلٌ مِنَ السَّمَاءِ لِأَنَّ السَّمَاءَ مُشْتَمِلَةً عَلَى جِبَالِ الْبَرَدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَيُنَزِّلُ مِنْ بَرَدٍ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا أُعِيدَ فِيهِ الْعَامِلُ مَعَ الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لمن آمن منهم﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾ .
فَفِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ فَهِيَ لِلتَّبْعِيضِ
وَكَثِيرًا مَا تَقَعُ بَعْدَ مَا وَمَهْمَا لِإِفْرَاطِ إِبْهَامِهِمَا نَحْوُ: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾ ، ﴿ما ننسخ من آية﴾ ﴿مهما تأتنا به من آية﴾ وَهِيَ وَمَخْفُوضُهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ
стр. 1917
وَقَدْ تَقَعُ بَعْدَ غَيْرِهِمَا: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سندس وإستبرق﴾ .
الشَّاهِدُ فِي غَيْرِ الْأُولَى، فَإِنَّ تِلْكَ لِلِابْتِدَاءِ وَقِيلَ زَائِدَةٌ.
الْخَامِسُ: التَّعْلِيلُ وَيُقَدَّرُ بِلَامٍ نَحْوُ: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ .
وقوله: ﴿أطعمهم من جوع﴾ .
أَيْ مِنْ أَجْلِ الْجُوعِ.
وَرَدَّهُ الْأَبْذِيُّ بِأَنَّ الَّذِي فُهِمَ مِنْهُ الْعِلَّةُ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْمُرَادِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلِابْتِدَاءِ أَيِ ابْتِدَاءِ الْإِطْعَامِ مِنْ أَجْلِ الْجُوعِ.
السَّادِسُ: الْبَدَلُ مِنْ حَيْثُ الْعِوَضِ عَنْهُ فَهُوَ كَالسَّبَبِ فِي حُصُولِ الْعِوَضِ فَكَأَنَّهُ مِنْهُ أَتَى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَجَعَلْنَا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ . لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ . أَيْ بَدَلًا مِنَ الْآخِرَةِ وَمَحَلُّهَا مَعَ مَجْرُورِهَا النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا﴾ .
أَيْ بَدَلَ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ رَحْمَةِ اللَّهِ
وقوله: ﴿قل من يكلأكم بالليل والنهار من الرحمن﴾ أَيْ بَدَلَ الرَّحْمَنِ
стр. 1918
السَّابِعُ: بِمَعْنَى عَلَى نَحْوُ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ . أَيْ عَلَى الْقَوْمِ وَقِيلَ عَلَى التَّضْمِينِ أَيْ مَنَعْنَاهُ مِنْهُمْ بِالنَّصْرِ.
الثَّامِنُ: بِمَعْنَى عَنْ نَحْوُ: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ ﴿يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا﴾ .
وَقِيلَ: هِيَ لِلِابْتِدَاءِ فِيهِمَا. وَقَوْلِهِ: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جوع﴾ . فَقَدْ أَشَارَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّ مِنْ هُنَا تُؤَدِّي مَعْنَى عَنْ.
وَقِيلَ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ لِلْعِلَّةِ أَيْ لِأَجْلِ الْجُوعِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الَّذِي فُهِمَ مِنْهُ الْعِلَّةُ إِنَّمَا هُوَ أَجْلُ لَا مِنْ.
وَاخْتَارَ الصَّفَّارُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.
التَّاسِعُ: بِمَعْنَى الْبَاءِ نَحْوُ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خفي﴾ .
حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ يُونُسَ وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ: ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ وَإِنَّمَا نَظَرُهُ بِبَعْضِهَا.
وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ أَبَانَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ من أمر الله﴾ . أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَقَوْلَهُ: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سلام﴾ .
الْعَاشِرُ: بِمَعْنَى فِي نَحْوُ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ من يوم الجمعة﴾
стр. 1919
﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ وَقِيلَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ.
الْحَادِي عَشَرَ: بِمَعْنَى عِنْدَ نَحْوُ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ من الله﴾ .
قال أبو عبيد وَقِيلَ إِنَّهَا لِلْبَدَلِ.
الثَّانِي عَشَرَ: بِمَعْنَى الْفَصْلِ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ نَحْوُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ المفسد من المصلح﴾ ، ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾
الثَّالِثَ عَشَرَ: الزَّائِدَةُ وَلَهَا شَرْطَانِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى نَكِرَةٍ وَأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ نَفْيًا نَحْوَ مَا كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ نَهْيًا نَحْوَ لَا تَضْرِبْ مِنْ رَجُلٍ أَوِ اسْتِفْهَامًا نَحْوُ هَلْ جَاءَكَ مِنْ رَجُلٍ؟
وَأَجْرَى بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ مَجْرَى النَّفْيِ نَحْوُ إِنْ قَامَ رَجُلٌ قَامَ عَمْرٌو.
وَقَالَ الصَّفَّارُ: الصَّحِيحُ الْمَنْعُ
وَلَهَا فِي النَّفْيِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ للتنصيص على العموم وهي الداخلة على مالا يُفِيدُ الْعُمُومَ نَحْوُ مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ فَإِنَّهُ قَبْلَ دُخُولِهَا يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْجِنْسِ وَنَفْيَ الْوَحْدَةِ فَإِذَا دَخَلَتْ مِنْ تُعِينُ نَفْيَ الْجِنْسِ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إله واحد﴾
стр. 1920
﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
وَثَانِيهِمَا: لِتَوْكِيدِ الْعُمُومِ وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الصِّيغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْعُمُومِ نَحْوَ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ أَوْ مِنْ دَيَّارٍ لِأَنَّكَ لَوْ أَسْقَطْتَ مِنْ لَبَقِيَ الْعُمُومُ عَلَى حَالِهِ لَأَنَّ أَحَدًا لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا لِلْعُمُومِ فِي النَّفْيِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَغَايُرِ الْمَعْنَيَيْنِ خِلَافُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِنْ تَسَاوِيهِمَا.
قَالَ الصَّفَّارُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَأَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَى جَاءَنِي رَجُلٌ إِلَّا وَهُوَ يُرَادُ بِهِ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِيهَا تَأْكِيدُ الِاسْتِغْرَاقِ مَعَ أَحَدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الِاسْتِغْرَاقُ فَيُحْمَلُ هَذَا عَلَيْهِ فَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَوْلَى.
قَالَ: وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُؤَكِّدَةَ تَرْجِعُ لِمَعْنَى التَّبْعِيضِ فَإِذَا قُلْتَ مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا أَتَانِي بَعْضُ هَذَا الْجِنْسِ وَلَا كُلُّهُ وَكَذَا مَا أَتَانِي مِنْ أَحَدٍ أَيْ بَعْضٍ مِنَ الْأَحَدَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ: الْأُسْتَاذُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزبير نص سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهَا نَصٌّ فِي الْعُمُومِ قَالَ فَإِذَا قُلْتَ مَا أَتَانِي رَجُلٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تُرِيدَ مَا أَتَاكَ مِنْ رَجُلٍ فِي قُوَّتِهِ وَنَفَاذِهِ بَلْ أَتَاكَ الضعفاء.
والثاني: أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ مَا أَتَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ
وَالثَّالِثُ: أَنْ تُرِيدَ مَا أَتَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ ذلك
стр. 1921
فَإِنْ قُلْتَ: مَا أَتَانِي مِنْ رَجُلٍ كَانَ نَفْيًا لِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مِنْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ وَتَسْتَغْرِقُ.
وَيَلْتَحِقُ بِالنَّفْيِ الِاسْتِفْهَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ ترى من فطور﴾
وجوز الأخفش زيادتها في الإثبات كقوله: ﴿غفر لكم من ذنوبكم﴾ .
وَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ بِدَلِيلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعا﴾
فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى الزِّيَادَةِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ.
وَقَدْ نُوزِعَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ لَوْ كَانَتَا فِي حَقِّ قَبِيلٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا مِنْ قوم نُوحٍ وَالْأُخْرَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا غُفِرَ لِلْبَعْضِ كَانَ الْبَعْضُ الْآخَرُ مُعَاقَبًا عَلَيْهِ فَلَا يَحْصُلُ كَمَالُ التَّرْغِيبِ فِي الْإِيمَانِ إِلَّا بِغُفْرَانِ الْجَمِيعِ.
وَأَيْضًا: فَكَيْفَ يَحْسُنُ التَّبْعِيضُ فِيهَا مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ فَيَصِحُّ قَوْلُ الْأَخْفَشِ فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِغُفْرَانِ بَعْضِ الذُّنُوبِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ إِغْرَاقَ قَوْمِ نُوحٍ عَذَابٌ لَهُمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مُضَافًا إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ فَلَوْ آمَنُوا لَغُفِرَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ مَا اسْتَحَقُّوا بِهِ الْإِغْرَاقَ فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا غُفْرَانُ الذَّنْبِ بِالْإِيمَانِ فِي الْآخِرَةِ فَمَعْلُومٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا آمَنَ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ ذُنُوبٌ وَهِيَ مَظَالِمُ الْعِبَادِ فَثَبَتَ التَّبْعِيضُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِ
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ يَشْمَلُ الْمَاضِيَةَ وَالْمُسْتَقْبَلَةَ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ تُفِيدُ
стр. 1922
الْعُمُومَ فَقِيلَ مِنْ لِتُفِيدَ أَنَّ الْمَغْفُورَ الْمَاضِي وَعَدَمَ إِطْمَاعِهِمْ فِي غُفْرَانِ الْمُسْتَقْبَلِ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يَجْتَنِبُوا الْمَنْهِيَّاتِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَهُوَ حَسَنٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سلف﴾ .
وَسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا أَيْ يَغْفِرُ لَكُمْ بَعْضًا مِنْ ذُنُوبِكُمْ مُحَافَظَةً عَلَى مَعْنَى التَّبْعِيضِ.
وَقِيلَ: بَلِ الْحَذْفُ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّقْدِيرُ يَغْفِرُ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا لَوْ كَشَفَ لَكُمْ عَنْ كُنْهِهِ لَاسْتَعْظَمْتُمْ ذَلِكَ وَالشَّيْءُ إِذَا أَرَادُوا تَفْخِيمَهُ أَبْهَمُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ اليم ما غشيهم﴾ . أَيْ أَمْرٌ عَظِيمٌ
وَقَالَ الصَّفَّارُ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ عَلَى بَابِهَا وَذَلِكَ أَنَّ غَفَرَ تَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ أَحَدُهُمَا بِاللَّامِ فَالْأَخْفَشُ يَجْعَلُ الْمَفْعُولَ الْمُصَرَّحَ الذُّنُوبَ وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي فَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةً وَنَحْنُ نَجْعَلُ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفًا وَقَامَتْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَقَامَهُ أَيْ جُمْلَةً مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَغْفُورَ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ مَا اكْتَسَبُوهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ لا حَالِ الْإِسْلَامِ وَالَّذِي اكْتَسَبُوهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ بَعْضُ ذُنُوبِهِمْ لَا جَمِيعُهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آية الصدقة: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ فَلِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ أَخْذَ الصَّدَقَةِ لَا يَمْحُو كُلَّ السَّيِّئَاتِ.
وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْأَخْفَشُ أَيْضًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ .
أَيْ أَبْصَارَهُمْ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثمرات﴾ .
أَيْ كُلُّ الثَّمَرَاتِ
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نبأ المرسلين﴾
стр. 1923
وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا بَلْ هِيَ فِي الْأَوَّلِ لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ النَّظَرَ قَدْ يَكُونُ عَنْ تَعَمُّدٍ وغير تَعَمُّدِ وَالنَّهْيُ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى نَظَرِ الْعَمْدِ فَقَطْ وَلِهَذَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ .
مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ مِنْ لِأَنَّ حِفْظَ الْفُرُوجِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ فِي النَّظَرِ لِجَوَازِ وُقُوعِهِ اتِّفَاقًا وَقَدْ يُبَاحُ لِلْخِطْبَةِ وَلِلتَّعْلِيمِ وَنَحْوِهِمَا.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ الله وَعَدَ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِيهَا كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَجْنَاسِ الثِّمَارِ مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَزِيَادَةٌ وَلَمْ يَجْعَلْ جَمِيعَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الثِّمَارِ عِنْدَهُمْ بَلْ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَا يَكْفِيهِ وَزِيَادَةٌ عَلَى كِفَايَتِهِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْجِنْسِ عِنْدَهُمْ حَتَّى لَمْ تَبْقَ مَعَهُ بَقِيَّةٌ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ وَصْفُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالتَّنَاهِي.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نقصصهم عليك﴾ لَطِيفَةٌ: إِنَّهَا حَيْثُ وَقَعَتْ فِي خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ لم تذكر كقوله في سورة الصف: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ . إلى قوله: ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾
وقوله في سورة الأحزاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ . إلى قوله: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾
وَقَالَ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ فِي سُورَةِ نُوحٍ: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾
وفي سورة الأحقاف: ﴿يا قومنا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ من
стр. 1924
ذنوبكم﴾ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ لِئَلَّا يُسَوَّى بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْوَعْدِ وَلِهَذَا إِنَّهُ فِي سُورَةِ نُوحٍ وَالْأَحْقَافِ وَعَدَهُمْ مَغْفِرَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ لَا مُطْلَقًا وَهُوَ غُفْرَانُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ لَا مَظَالِمِ الْعِبَادِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْمُلَابَسَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ من بعض﴾ ،أَيْ يُلَابِسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُوَالِيهِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى النَّسْلِ وَالْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ نَسْلِ الْمُنَافِقِ مُؤْمِنٌ وَعَكْسُهُ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ .
وكذا قوله: ﴿ذرية بعضها من بعض﴾ .
كَمَا يَتَبَرَّأُ الْكُفَّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتبعوا من الذين اتبعوا﴾
فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بعض﴾ أَيْ بَعْضُكُمْ يُلَابِسُ بَعْضًا وَيُوَالِيهِ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ يَشْمَلُكُمُ الْإِسْلَامُ
стр. 1925
مَعَ
لِلْمُصَاحَبَةِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مُصَاحَبَةٌ وَاشْتِرَاكٌ إِلَّا فِي حُكْمٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ الْوَاوُ الَّتِي بِمَعْنَى مَعَ إِلَّا بَعْدَ فِعْلٍ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا لِتَصِحَّ الْمَعِيَّةُ.
وَكَمَالُ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ الِاجْتِمَاعُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي بِهِ الِاشْتِرَاكُ دُونَ زَمَانِهِ.
فَالْأَوَّلُ: يَكْثُرُ فِي أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَالْعِلَاجِ نَحْوُ دَخَلْتُ مَعَ زَيْدٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَ عَمْرٍو وَقُمْنَا مَعًا وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾ ، ﴿أرسله معنا غدا﴾ ﴿فأرسل معنا أخانا﴾ ﴿لن أرسله معكم﴾ وَالثَّانِي: يَكْثُرُ فِي الْأَفْعَالِ الْمَعْنَوِيَّةِ نَحْوُ آمَنْتُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَتُبْتُ مَعَ التَّائِبِينَ وَفَهِمْتُ الْمَسْأَلَةَ مع من فهمها ومنه قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾
وقوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ ﴿وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾
﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾
﴿إن معي ربي سيهدين﴾
﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ .
أَيْ بِالْعِنَايَةِ وَالْحِفْظِ
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النبي والذين آمنوا معه﴾ يَعْنِي الَّذِينَ شَارَكُوهُ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ وَالِاشْتِرَاكُ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْمَذَاهِبِ
стр. 1926
وَقَدْ ذَكَرُوا الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ .
قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعِيَّةِ فِي الِاشْتِرَاكِ فَتَمَامُهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الزَّمَانِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَعَ اتِّبَاعِهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِيمَا وَقَعَ بِهِ الِاشْتِرَاكُ دُونَ الزَّمَانِ وَتَقْدِيرُهُ وَاتَّبَعُوا مَعَهُ النُّورَ.
وَقَدْ تَكُونُ الْمُصَاحَبَةُ فِي الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَفْعُولِ وَبَيْنَ الْمُضَافِ كَقَوْلِهِ شَمَمْتُ طِيبًا مَعَ زَيْدٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبرا﴾ .
نَقَلَ ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الشِّعْرِ اسْتِعْمَالُ مَعَ فِي مَعْنًى يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ لِيُلْحَقَ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ:
يَقُومُ مَعَ الرُّمْحِ الرُّدَيْنِيِّ قَامَةً
وَيَقْصُرُ عَنْهُ طُولُ كُلِّ نِجَادِ
وَقَالَ الرَّاغِبُ: مَعَ تَقْتَضِي الِاجْتِمَاعَ إِمَّا فِي الْمَكَانِ نَحْوُ هُمَا مَعًا فِي الدَّارِ أَوْ فِي الزَّمَانِ نَحْوُ وُلِدَا مَعًا أَوْ فِي الْمَعْنَى كَالْمُتَضَايِفَيْنِ نَحْوُ الْأَخُ وَالْأَبُ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا صَارَ أَخًا لِلْآخَرِ فِي حَالِ مَا صَارَ الْآخَرُ أَخَاهُ وَإِمَّا فِي الشَّرَفِ وَالرُّتْبَةِ نَحْوُ هُمَا مَعًا فِي الْعُلُوِّ وتقتضي مع النُّصْرَةِ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ لَفْظُ مَعَ هُوَ الْمَنْصُورُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ معنا﴾
﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾
﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ ، ﴿إن معي ربي سيهدين﴾ انتهى
стр. 1927
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ إِنَّ مَعًا إِذَا أُفْرِدَتْ تُسَاوِي جَمِيعًا مَعْنًى.
وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا قَالَ ثَعْلَبٌ إِذَا قُلْتَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو جَمِيعًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ فِي وَقْتَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ فِي وَاحِدٍ وَإِذَا قُلْتَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعًا فَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَالتَّحْقِيقُ مَا سَبَقَ.
وَيَكُونُ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالْحُضُورِ كقوله: ﴿إنني معكما﴾ أي ناصر كما
﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ . أَيْ مُعِينُهُمْ.
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أَيْ عَالِمٌ بِكُمْ وَمُشَاهِدُكُمْ فَكَأَنَّهُ حَاضِرٌ مَعَهُمْ وَهُوَ ظَرْفُ زَمَانٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إِذَا قُلْتَ كَانَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو أَيْ زَمَنَ مَجِيءِ عَمْرٍو ثُمَّ حُذِفَ الزَّمَنُ وَالْمَجِيءُ وَقَامَتْ "مَعَ" مقامهما
стр. 1928
النُّونِ
لِلتَّأْكِيدِ وَهِيَ إِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً كَانَتْ بمنزلة تأكيد الفعل مرتين أو شديدة فمنزلة تَأْكِيدِهِ ثَلَاثًا وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا من الصاغرين﴾ ، مِنْ حَيْثُ أَكَّدَتِ السِّجْنَ بِالشِّدَّةِ دُونَ مَا بَعْدَهُ إِعْظَامًا.
وَلَمْ يَقَعِ التَّأْكِيدُ بِالْخَفِيفَةِ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: هَذَا وَقَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعًا بالناصية﴾
وَفِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلِ الجماعة الذكور كان ما قبلها مضمونا نَحْوُ يَا رِجَالُ اضْرِبُنَّ زَيْدًا وَمِنْهُ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾ .
فَإِنَّمَا جَاءَ قَبْلَهَا مَفْتُوحًا لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلِ الْجَمَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ وَلَا تَلْحَقُهُ وَاوُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا نَحْنُ نَقُومُ لِيَكُونَ فِعْلُهُمْ كَفِعْلِ الْوَاحِدِ وَالرَّجُلُ الرَّئِيسُ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ كَقَوْلِهِمْ فَلَمَّا دَخَلَتِ النُّونُ هَذَا الفعل مرة أخرى بني آخره معها عَلَى الْفَتْحِ لَمَّا كَانَ لَا يَلْحَقُهُ وَاوُ الْجَمْعِ وَإِنَّمَا يَضُمُّونَ مَا قَبْلَ النُّونِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي تَكُونُ لِلْجَمَاعَةِ وَيَلْحَقُهَا وَاوُ الْجَمْعِ الَّتِي هِيَ ضَمِيرُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ وَاوَ الْجَمْعِ يَكُونُ مَا قَبْلَهَا مَضْمُومًا نَحْوَ قَوْلِكَ يَضْرِبُونَ فَإِذَا دَخَلَتِ النُّونُ حُذِفَتْ نُونُ الْإِعْرَابِ لِدُخُولِهَا وَحُذِفَ الْوَاوُ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ النُّونِ وَبَقِيَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مَضْمُومًا لِيَدُلَّ عَلَيْهِ.
وَمِثْلُهُ: ﴿لَنَكُونَنَّ من الخاسرين﴾
فَإِنْ كَانَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مَفْتُوحًا لَمْ يُحْذَفْهَا وَلَكِنَّهَا تُحَرِّكُهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ نَحْوَ اخْشَوُنَّ زيدا
стр. 1929
الْهَاءِ
تَكُونُ ضَمِيرًا لِلْغَائِبِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ نَحْوُ: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يحاوره﴾ .
وَتَكُونُ لِبَيَانِ السَّكْتِ وَتَلْحَقُ وَقْفًا لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ وَإِنَّمَا تُلْحَقُ بِحَرَكَةِ بِنَاءٍ لَا تُشْبِهُ حَرَكَةَ الإعراب نحو: ﴿ما هيه﴾ .
وكالهاء في ﴿كتابيه﴾ .
و ﴿حسابيه﴾ .
و ﴿سلطانيه﴾ .
و ﴿ماليه﴾ وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تُحْذَفَ وَصْلًا وَتُثْبَتَ وَقْفًا وَإِنَّمَا أُجْرِيَ الْوَصْلُ مَجْرَى الْوَقْفِ أَوْ وُصِلَ بنية الوقف في ﴿كتابيه﴾ و ﴿حسابيه﴾ . اتفاقا فأثبتت الهاء كذا عند الجميع الْقُرَّاءِ إِلَّا حَمْزَةَ فَإِنَّهُ حَذَفَ الْهَاءَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمِ الثَّلَاثِ وَأَثْبَتَهَا وَقْفًا أَعْنِي فِي مَالِيَهْ وَسُلْطَانِيَهْ وَمَاهِيَهْ فِي الْقَارِعَةِ لِأَنَّهَا فِي الْوَقْفِ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَحْصِينِ حَرَكَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وفي الوصل يستغني عنه
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِيَهْ وَحِسَابِيَهْ؟ قِيلَ: إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ
стр. 1930
هَا
كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ
وَثَانِيهِمَا: لِلتَّنْبِيهِ وَلَهَا مَوْضِعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَلْحَقَ الْأَسْمَاءَ الْمُبْهَمَةَ الْمُفْرَدَةَ نَحْوُ هَذَا وَتَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ حَرْفٍ مِنَ الْكَلِمَةِ وَلِهَذَا يَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ومن هؤلاء من يؤمن به﴾
وَيُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾
الثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَا أنتم أولاء تحبونهم﴾ ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم﴾
وَيَدُلُّ عَلَى دُخُولِ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا يَخْلُوا إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ بِهِ الدُّخُولُ عَلَى الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَوِ الْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ فِي الْآيَتَيْنِ دَخَلَ عَلَيْهِمَا حَرْفُ الْإِشَارَةِ فَعُلِمَ أَنَّ دُخُولَهَا إِنَّمَا هو الْجُمْلَةِ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ
следующие страницы →