← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1926–1944 · переход к 1931.

стр. 1926

وَقَدْ ذَكَرُوا الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ . قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعِيَّةِ فِي الِاشْتِرَاكِ فَتَمَامُهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الزَّمَانِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مَعَ اتِّبَاعِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِيمَا وَقَعَ بِهِ الِاشْتِرَاكُ دُونَ الزَّمَانِ وَتَقْدِيرُهُ وَاتَّبَعُوا مَعَهُ النُّورَ. وَقَدْ تَكُونُ الْمُصَاحَبَةُ فِي الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَفْعُولِ وَبَيْنَ الْمُضَافِ كَقَوْلِهِ شَمَمْتُ طِيبًا مَعَ زَيْدٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبرا﴾ . نَقَلَ ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الشِّعْرِ اسْتِعْمَالُ مَعَ فِي مَعْنًى يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ لِيُلْحَقَ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: يَقُومُ مَعَ الرُّمْحِ الرُّدَيْنِيِّ قَامَةً وَيَقْصُرُ عَنْهُ طُولُ كُلِّ نِجَادِ وَقَالَ الرَّاغِبُ: مَعَ تَقْتَضِي الِاجْتِمَاعَ إِمَّا فِي الْمَكَانِ نَحْوُ هُمَا مَعًا فِي الدَّارِ أَوْ فِي الزَّمَانِ نَحْوُ وُلِدَا مَعًا أَوْ فِي الْمَعْنَى كَالْمُتَضَايِفَيْنِ نَحْوُ الْأَخُ وَالْأَبُ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا صَارَ أَخًا لِلْآخَرِ فِي حَالِ مَا صَارَ الْآخَرُ أَخَاهُ وَإِمَّا فِي الشَّرَفِ وَالرُّتْبَةِ نَحْوُ هُمَا مَعًا فِي الْعُلُوِّ وتقتضي مع النُّصْرَةِ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ لَفْظُ مَعَ هُوَ الْمَنْصُورُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ معنا﴾ ﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ ، ﴿إن معي ربي سيهدين﴾ انتهى

стр. 1927

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ إِنَّ مَعًا إِذَا أُفْرِدَتْ تُسَاوِي جَمِيعًا مَعْنًى. وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا قَالَ ثَعْلَبٌ إِذَا قُلْتَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو جَمِيعًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ فِي وَقْتَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ فِي وَاحِدٍ وَإِذَا قُلْتَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعًا فَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَالتَّحْقِيقُ مَا سَبَقَ. وَيَكُونُ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالْحُضُورِ كقوله: ﴿إنني معكما﴾ أي ناصر كما ﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ . أَيْ مُعِينُهُمْ. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أَيْ عَالِمٌ بِكُمْ وَمُشَاهِدُكُمْ فَكَأَنَّهُ حَاضِرٌ مَعَهُمْ وَهُوَ ظَرْفُ زَمَانٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إِذَا قُلْتَ كَانَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو أَيْ زَمَنَ مَجِيءِ عَمْرٍو ثُمَّ حُذِفَ الزَّمَنُ وَالْمَجِيءُ وَقَامَتْ "مَعَ" مقامهما

стр. 1928

النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ وَهِيَ إِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً كَانَتْ بمنزلة تأكيد الفعل مرتين أو شديدة فمنزلة تَأْكِيدِهِ ثَلَاثًا وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا من الصاغرين﴾ ، مِنْ حَيْثُ أَكَّدَتِ السِّجْنَ بِالشِّدَّةِ دُونَ مَا بَعْدَهُ إِعْظَامًا. وَلَمْ يَقَعِ التَّأْكِيدُ بِالْخَفِيفَةِ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: هَذَا وَقَوْلِهِ: ﴿لَنَسْفَعًا بالناصية﴾ وَفِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلِ الجماعة الذكور كان ما قبلها مضمونا نَحْوُ يَا رِجَالُ اضْرِبُنَّ زَيْدًا وَمِنْهُ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ . فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾ . فَإِنَّمَا جَاءَ قَبْلَهَا مَفْتُوحًا لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلِ الْجَمَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ وَلَا تَلْحَقُهُ وَاوُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا نَحْنُ نَقُومُ لِيَكُونَ فِعْلُهُمْ كَفِعْلِ الْوَاحِدِ وَالرَّجُلُ الرَّئِيسُ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ كَقَوْلِهِمْ فَلَمَّا دَخَلَتِ النُّونُ هَذَا الفعل مرة أخرى بني آخره معها عَلَى الْفَتْحِ لَمَّا كَانَ لَا يَلْحَقُهُ وَاوُ الْجَمْعِ وَإِنَّمَا يَضُمُّونَ مَا قَبْلَ النُّونِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي تَكُونُ لِلْجَمَاعَةِ وَيَلْحَقُهَا وَاوُ الْجَمْعِ الَّتِي هِيَ ضَمِيرُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ وَاوَ الْجَمْعِ يَكُونُ مَا قَبْلَهَا مَضْمُومًا نَحْوَ قَوْلِكَ يَضْرِبُونَ فَإِذَا دَخَلَتِ النُّونُ حُذِفَتْ نُونُ الْإِعْرَابِ لِدُخُولِهَا وَحُذِفَ الْوَاوُ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ النُّونِ وَبَقِيَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مَضْمُومًا لِيَدُلَّ عَلَيْهِ. وَمِثْلُهُ: ﴿لَنَكُونَنَّ من الخاسرين﴾ فَإِنْ كَانَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ مَفْتُوحًا لَمْ يُحْذَفْهَا وَلَكِنَّهَا تُحَرِّكُهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ نَحْوَ اخْشَوُنَّ زيدا

стр. 1929

الْهَاءِ تَكُونُ ضَمِيرًا لِلْغَائِبِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ نَحْوُ: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يحاوره﴾ . وَتَكُونُ لِبَيَانِ السَّكْتِ وَتَلْحَقُ وَقْفًا لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ وَإِنَّمَا تُلْحَقُ بِحَرَكَةِ بِنَاءٍ لَا تُشْبِهُ حَرَكَةَ الإعراب نحو: ﴿ما هيه﴾ . وكالهاء في ﴿كتابيه﴾ . و ﴿حسابيه﴾ . و ﴿سلطانيه﴾ . و ﴿ماليه﴾ وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تُحْذَفَ وَصْلًا وَتُثْبَتَ وَقْفًا وَإِنَّمَا أُجْرِيَ الْوَصْلُ مَجْرَى الْوَقْفِ أَوْ وُصِلَ بنية الوقف في ﴿كتابيه﴾ و ﴿حسابيه﴾ . اتفاقا فأثبتت الهاء كذا عند الجميع الْقُرَّاءِ إِلَّا حَمْزَةَ فَإِنَّهُ حَذَفَ الْهَاءَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمِ الثَّلَاثِ وَأَثْبَتَهَا وَقْفًا أَعْنِي فِي مَالِيَهْ وَسُلْطَانِيَهْ وَمَاهِيَهْ فِي الْقَارِعَةِ لِأَنَّهَا فِي الْوَقْفِ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَحْصِينِ حَرَكَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وفي الوصل يستغني عنه فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِيَهْ وَحِسَابِيَهْ؟ قِيلَ: إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ

стр. 1930

هَا كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ وَثَانِيهِمَا: لِلتَّنْبِيهِ وَلَهَا مَوْضِعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَلْحَقَ الْأَسْمَاءَ الْمُبْهَمَةَ الْمُفْرَدَةَ نَحْوُ هَذَا وَتَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ حَرْفٍ مِنَ الْكَلِمَةِ وَلِهَذَا يَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ومن هؤلاء من يؤمن به﴾ وَيُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ الثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَا أنتم أولاء تحبونهم﴾ ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم﴾ وَيَدُلُّ عَلَى دُخُولِ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا يَخْلُوا إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ بِهِ الدُّخُولُ عَلَى الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَوِ الْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ فِي الْآيَتَيْنِ دَخَلَ عَلَيْهِمَا حَرْفُ الْإِشَارَةِ فَعُلِمَ أَنَّ دُخُولَهَا إِنَّمَا هو الْجُمْلَةِ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ

стр. 1931

هَلْ لِلِاسْتِفْهَامِ قِيلَ وَلَا يَكُونُ الْمُسْتَفْهِمُ مَعَهَا إِلَّا فِيمَا لَا ظَنَّ لَهُ فِيهِ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْهَمْزَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِثْبَاتٌ فَإِذَا قُلْتَ أَعِنْدَكَ زَيْدٌ؟ فَقَدْ هَجَسَ فِي نَفْسِكَ أَنَّهُ عِنْدَهُ فَأَرَدْتَ أَنْ تَسْتَثْبِتَهُ بِخِلَافِ هَلْ حَكَاهُ ابْنُ الدَّهَّانِ. وَقَدْ سَبَقَ فُرُوقٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ. وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى قَدْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ﴿هل أتى على الأنسان﴾ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَلْ تَأْتِي لِلتَّقْرِيرِ وَالْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ . أَيْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتى على الأنسان﴾ . على القوم بِأَنَّ الْمُرَادَ آدَمُ فَإِنَّهُ تَوْبِيخٌ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ. وَتَأْتِي بِمَعْنَى مَا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغمام﴾ وبمعنى ألا كقوله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ وبمعنى الأمر نحو: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ . وبمعنى السؤال: ﴿هل من مزيد﴾

стр. 1932

وَبِمَعْنَى التَّمَنِّي: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حجر﴾ وَبِمَعْنَى أَدْعُوكَ نَحْوُ: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تزكى﴾ . فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ هَيْهَاتَ. لِتَبْعِيدِ الشَّيْءِ ومنه: ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾ قال الزجاج البعد لما توعدون وقيل: وَهَذَا غَلَطٌ مِنَ الزَّجَّاجِ أَوْقَعَهُ فِيهِ اللَّامُ فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ بَعُدَ الْأَمْرُ لِمَا تُوعَدُونَ أَيْ لأجله

стр. 1933

الواو الواو العاملة. حَرْفٌ يَكُونُ عَامِلًا وَغَيْرَ عَامِلٍ فَالْعَامِلُ قِسْمَانِ: جَارٌّ وَنَاصِبٌ. فَالْجَارُّ وَاوُ الْقَسَمِ نَحْوُ: ﴿وَاللَّهِ ربنا ما كنا مشركين﴾ واو رُبَّ عَلَى قَوْلٍ كُوفِيٍّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَرَّ بِـ "رُبَّ" الْمَحْذُوفَةِ لَا بِالْوَاوِ. وَالنَّاصِبُ ثِنْتَانِ: وَاوُ مَعَ فَتَنْصِبُ الْمَفْعُولَ مَعَهُ عِنْدَ قَوْمٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِمَا قَبْلَ الْوَاوِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ شِبْهِهِ بِوَاسِطَةِ الْوَاوِ. وَالْوَاوُ الَّتِي يَنْتَصِبُ الْمُضَارِعُ بَعْدَهَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْأَجْوِبَةِ الثَّمَانِيَةِ وَأَنْ يُعْطَفَ بِهَا الْفِعْلُ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى قَوْلٍ كُوفِيٍّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاوَ فِيهِ عَاطِفَةٌ وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ. وَلَهَا قِسْمٌ آخَرُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ تُسَمَّى وَاوَ الصَّرْفِ وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْفِعْلَ كَانَ يَقْتَضِي إِعْرَابًا فَصَرَفَتْهُ الْوَاوُ عنه إلى النصب كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء﴾ على قراءة النصب. الواو غير العاملة وَأَمَّا غَيْرُ الْعَامِلَةِ فَلَهَا مَعَانٍ:

стр. 1934

الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَصْلُهَا الْعَاطِفَةُ تُشْرِكُ فِي الْإِعْرَابِ وَالْحُكْمِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ فَمِنَ الْأَوَّلِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها﴾ فَإِنَّ الْإِخْرَاجَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الزِّلْزَالِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ قَضِيَّةِ الْوُجُودِ لَا مِنَ الْوَاوِ. وَمِنَ الثاني: ﴿واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ ،وَالرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ شَرْعَهُمْ كَانَ مُخَالِفًا لِشَرْعِنَا فِي ذَلِكَ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مُخْبِرًا عَنْ مُنْكِرِي الْبَعْثِ: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدنيا نموت﴾ أَيْ نَحْيَا وَنَمُوتُ. وَقَوْلِهِ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ ليال وثمانية أيام﴾ . وَالْأَيَّامُ هُنَا قَبْلَ اللَّيَالِي إِذْ لَوْ كَانَتِ اللَّيَالِي قَبْلَ الْأَيَّامِ كَانَتِ الْأَيَّامُ مُسَاوِيَةً لِلَّيَالِي وَأَقَلَّ. قَالَ الصَّفَّارُ: وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَقَالَ سَبْعَ لَيَالٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَأَمَّا ثَمَانِيَةٌ فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّرْتِيبِ فَائِدَةٌ: وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خلقت وحيدا﴾ ﴿وذرني والمكذبين﴾ أَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ كَوْنَ الْوَاوِ عَاطِفَةً وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ ﵇ أَنْ يَتْرُكَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ اتْرُكْنِي وَاتْرُكْ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَكَذَلِكَ اتْرُكْنِي وَاتْرُكِ الْمُكَذِّبِينَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ خَلِّ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَهُوَ وَاوُ "مَعَ" كقولك لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها

стр. 1935

والثاني: واو الاستثناء وَتُسَمَّى وَاوَ الْقَطْعِ وَالِابْتِدَاءِ وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَا قَبْلَهَا فِي الْمَعْنَى وَلَا مُشَارِكَةٍ فِي الْإِعْرَابِ وَيَكُونُ بَعْدَهَا الْجُمْلَتَانِ. فَالِاسْمِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وأجل مسمى عنده﴾ وَالْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ ﴿هل تعلم له سميا ويقول الأنسان﴾ . والظاهر أنها الواو العاطفة لكنها تعطف لجمل الَّتِي لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْمُفْرَدَاتِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا. الثَّالِثُ: وَاوُ الْحَالِ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُغْنِيَةٌ عَنْ ضَمِيرِ صَاحِبِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وطائفة قد أهمتهم﴾ وقوله: ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ نَحْوُ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وأنتم تعلمون﴾ ﴿وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب﴾

стр. 1936

﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ﴿لم تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ ألوف حذر الموت﴾ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى ما تعملون﴾ ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شيء﴾ ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . الرَّابِعُ: لِلْإِبَاحَةِ نَحْوُ جَالِسِ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ لأنك أمرت بمجالستهما معا. قال وعلى هذا أخذ مالك قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية الْخَامِسُ: وَاوُ الثَّمَانِيَةِ وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْوَاوَ بَعْدَ السَّبْعَةِ إِيذَانًا بِتَمَامِ الْعَدَدِ فَإِنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَهُمْ هِيَ الْعَقْدُ التَّامُّ كَالْعَشْرَةِ عِنْدَنَا فَيَأْتُونَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَتَقُولُ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ فَيَزِيدُونَ الْوَاوَ إِذَا بَلَغُوا الثَّمَانِيَةَ

стр. 1937

حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدُوسٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قوله تعالى: ﴿سبع ليال وثمانية أيام﴾ وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ خَالَوَيْهِ وَغَيْرِهِ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ . بعد ما ذُكِرَ الْعَدَدُ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ وَاوٍ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى في صفة الجنة: ﴿وفتحت أبوابها﴾ . بِالْوَاوِ لِأَنَّهَا ثَمَانِيَةٌ وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ النار: ﴿فتحت أبوابها﴾ . بِغَيْرِ الْوَاوِ لِأَنَّهَا سَبْعَةٌ وَفُعِلَ ذَلِكَ فَرْقًا بينهما. وقوله: ﴿والناهون عن المنكر﴾ . بَعْدَ مَا ذَكَرَ قَبْلَهَا مِنَ الصِّفَاتِ بِغَيْرِ وَاوٍ. وَقِيلَ دَخَلَتْ فِيهِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي حَالِ أَمْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ فَهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَلَازِمَتَانِ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ثَيِّبَاتٍ وأبكارا﴾ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ لِأَنَّ الْوَاوَ لَوْ أُسْقِطَتْ مِنْهُ لَاسْتَحَالَ الْمَعْنَى لِتَنَاقُضِ الصِّفَتَيْنِ. وَلَمْ يُثْبِتِ الْمُحَقِّقُونَ وَاوَ الثَّمَانِيَةِ وَأَوَّلُوا مَا سَبَقَ عَلَى الْعَطْفِ أَوْ وَاوِ الْحَالِ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي آيَةِ الْجَنَّةِ لِبَيَانِ أَنَّهَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ وَحُذِفَتْ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً قَبْلَ مَجِيئِهِمْ. وَقِيلَ: زِيدَتْ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ عَلَامَةً لِزِيَادَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى غَضَبِهِ وَعُقُوبَتِهِ وَفِيهَا زِيَادَةُ كَلَامٍ سَبَقَ فِي مَبَاحِثِ الْحَذْفِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تَأْتِي فِي الصِّفَاتِ إِلَّا إِذَا تَكَرَّرَتِ النُّعُوتُ وَلَيْسَ كذلك

стр. 1938

بَلْ يَجُوزُ دُخُولُهَا مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ قَالَ تعالى: ﴿ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ . وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وتقول جاءني زيد والعالم. السادس: الزيادة لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ . بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: دَخَلَتِ الْوَاوُ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اتِّصَافَهُ بِهَا أَمْرٌ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ وَضَابِطُهُ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى جُمْلَةِ صِفَةٍ لِلنَّكِرَةِ نَحْوُ جَاءَنِي رَجُلٌ وَمَعَهُ ثَوْبٌ آخَرُ وَكَذَا: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وَقَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ إِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ فِي الْأَزْهَرِيَّةِ فَقَالَ وَتَأْتِي الْوَاوُ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا إِلَّا وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ حَسَنٌ وَفِي الْقُرْآنِ مِنْهُ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ معلوم﴾ . وَقَالَ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ . انْتَهَى وَأَجَازَهُ أَبُو الْبَقَاءِ أَيْضًا فِي الْآيَةِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خير لكم﴾ . فَقَالَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نصب صفة لـ "شيء" وَسَاغَ دُخُولُ الْوَاوِ لَمَّا كَانَتْ صُورَةُ الْجُمْلَةِ هُنَا كَصُورَتِهَا إِذَا كَانَتْ حَالًا

стр. 1939

وَأَجَازَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ وهي خاوية﴾ ، فقال: الجملة في موضع جر صفة لـ "قرية" وأما قوله: ﴿فاضرب به ولا تحنث﴾ فَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا جَوَابَ الْأَمْرِ بِتَقْدِيرِ اضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ. وَيُتَحَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيًا. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرض ولنعلمه﴾ قِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: وَلِنُعَلِّمَهُ فِعْلَنَا ذَلِكَ. كذلك: ﴿وحفظا من كل شيطان﴾ أي وحفظا فعلنا ذلك وقيل: في قوله: ﴿وفتحت أبوابها﴾ : إِنَّهَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ وَجَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ أَيْ سُعِدُوا وَأُدْخِلُوا وَقِيلَ: وَلِيُعْلَمَ فِعْلُنَا ذَلِكَ وَكَذَلِكَ: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ أي حفظا فعلنا ذلك

стр. 1940

وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وناديناه أن يا إبراهيم﴾ . أَيْ نَادَيْنَاهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ عُرِفَ صَبْرُهُ وَنَادَيْنَاهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ من الموقنين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ﴾ . أي لنعلم. وقوله: ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ أَنَّ إِذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهَا إِذَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مدت﴾ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ وَقْتَ انْشِقَاقِ السَّمَاءِ هُوَ وَقْتُ مَدِّ الْأَرْضِ وَانْشِقَاقِهَا وَاسْتَبْعَدَهُ أَبُو الْبَقَاءِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَبَرَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ ولا فائدة في إعلامنا بأن الوقت الِانْشِقَاقِ فِي وَقْتِ الْمَدِّ بَلِ الْغَرَضُ مِنَ الْآيَةِ عِظَمُ الْأَمْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالثَّانِي: بِأَنَّ زيادة الواو تغلب فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِعْمَالِ. وَقَدْ تُحْذَفُ كَثِيرًا مِنَ الْجُمَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قلت﴾ أي وقلت والجواب قوله تعالى: ﴿تولوا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ ربكم توقنون﴾ وفي قول أَكْثَرُ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رب السماوات والأرض﴾ الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾

стр. 1941

وَيْكَأَنَّ قَالَ الْكِسَائِيُّ كَلِمَةُ تَنَدُّمٍ وَتَعَجُّبٍ قَالَ تعالى: ﴿ويكأن الله يبسط الرزق﴾ ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ وَقِيلَ: إِنَّهُ صَوْتٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنِ التَّنَدُّمِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مُسَمَّاهُ نَدِمْتُ أَوْ تَعَجَّبْتُ. وَقَالَ الصَّفَّارُ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ أَلَمْ تَرَ فَإِنْ أَرَادُوا بِهِ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادُوا تَفْسِيرَ الْإِعْرَابِ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى وَيْلَكَ فَكَانَ يَنْبَغِي كسر إن. وقيل: وي تنبيه وكأن لِلتَّشْبِيهِ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ كَأَنَّ زَائِدَةً لَا تُفِيدُ تَشْبِيهًا وَلَمْ يَثْبُتْ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ الْأَمْرُ يُشْبِهُ هَذَا بَلْ هُوَ كَذَا. قُلْتُ: عَنْ هَذَا اعْتَذَرَ سِيبَوَيْهِ فَقَالَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ انْتَبَهُوا فَتَكَلَّمُوا عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِمْ أَوْ نُبِّهُوا فَقِيلَ لَهُمْ أَمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَا عِنْدَكُمْ هَكَذَا. وَهَذَا بَدِيعٌ جِدًّا كَأَنَّهُمْ لَمْ يُحَقِّقُوا هَذَا الْأَمْرَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِلَّا ظَنٌّ فَقَالُوا نُشَبِّهُ أَنْ يَكُونَ الأمر كذا ونهوا ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ هَكَذَا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ انْتَهَى وَقَالَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ كَأَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ بَلِ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ

стр. 1942

وَعَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ حَرْفًا لِلْخِطَابِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ اسْمَ فِعْلٍ لَمْ يُضَفْ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ بِكَمَالِهِ اسْمٌ. وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إِلَى أَنَّ أَصْلَهُ وَيْلَكَ فَحُذِفَتِ اللَّامُ وَفُتِحَتْ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ بِاسْمِ الْفِعْلِ قَبْلَهَا. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ يَقِفَانِ عَلَى الْكَافِ عَلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَالْكِسَائِيُّ يَقِفُ عَلَى الْيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا قِرَاءَتَهُمْ مِنْ نَحْوِهِمْ وَإِنَّمَا أَخَذُوهَا نَقْلًا وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُمْ فِي النَّحْوِ وَلَمْ يَكْتُبُوهَا مُنْفَصِلَةً لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ بِهَا الْكَلَامُ وُصِلَتْ وَيْلٌ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَيْلٌ تَقْبِيحٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مما تصفون﴾ . وَقَدْ تُوضَعُ مَوْضِعَ التَّحَسُّرِ وَالتَّفَجُّعِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿يا ويلتنا﴾ ﴿يَا وَيْلَتَى أَعْجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغراب﴾

стр. 1943

يَا لِنِدَاءِ الْبَعِيدِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَمِنْهُ قَوْلُ الدَّاعِي يَا اللَّهُ وَهُوَ ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حبل الوريد﴾ . اسْتِصْغَارًا لِنَفْسِهِ وَاسْتِبْعَادًا لَهَا مِنْ مَظَانِّ الزُّلْفَى. وَقَدْ يُنَادَى بِهَا الْقَرِيبُ إِذَا كَانَ سَاهِيًا أو غافلا تنزيلا الْبَعِيدِ. وَقَدْ يُنَادَى بِهَا الْقَرِيبُ الَّذِي لَيْسَ بِسَاهٍ وَلَا غَافِلٍ إِذَا كَانَ الْخِطَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَى النِّدَاءِ فِي مَحَلِّ الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ الْمُنَادَى. وَقَدْ تُحْذَفُ نَحْوُ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ﴿ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة﴾ ﴿قال ابن أم﴾ وقد قيل في قوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل﴾ . فِي قِرَاءَةِ تَخْفِيفِ مَنْ إِنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلنِّدَاءِ أَيْ يَا صَاحِبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ تَأْتِي لِلتَّأَسُّفِ وَالتَّلَهُّفِ نَحْوُ: ﴿أَلَّا يسجدوا﴾ وَقِيلَ لِلتَّنْبِيهِ قَالَ: وَلِلتَّلَذُّذِ نَحْوُ: يَا بَرْدَهَا عَلَى الْفُؤَادِ لَوْ تَقِفْ* وَهَذَا مَعَ التَّوْفِيقِ كاف فحصلا*

стр. 1944

فِي آخِرِ النُّسْخَةِ الْمَنْقُولِ مِنْهَا مَا مِثَالُهُ. تَمَّتِ النُّسْخَةُ الْمُبَارَكَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَوْنِهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مُقَرِّبًا بِالْفَوْزِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ السَّعِيدِ رَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ شَعْبَانَ الْفَرْدِ مِنْ شُهُورِ سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ والحمد الله رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَغَفَرَ اللَّهُ لَنَا ولكم ولجميع المسلمين والحمد الله رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الْخَلَلَا ... فجل من لا فيه عيب وعلا