← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَقَالَ ابن عباس الْعَنْكَبُوتِ وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَهَذَا تَرْتِيبُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّتِ الرِّوَايَةُ مِنَ الثِّقَاتِ وَهِيَ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سُورَةً ذِكْرُ تَرْتِيبِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً فَأَوَّلُ مَا نَزَلَ فِيهَا سُورَةُ الْبَقَرَةِ ثُمَّ الْأَنْفَالِ ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ الْأَحْزَابِ ثُمَّ الْمُمْتَحِنَةِ ثُمَّ النِّسَاءِ ثُمَّ ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ ثُمَّ الْحَدِيدِ ثُمَّ مُحَمَّدٍ ثُمَّ الرَّعْدِ ثُمَّ الرَّحْمَنِ ثُمَّ ﴿هَلْ أَتَى﴾ ثُمَّ الطَّلَاقِ ثُمَّ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ ثُمَّ الْحَشْرِ ثُمَّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ النُّورِ ثُمَّ الْحَجِّ ثُمَّ الْمُنَافِقُونَ ثُمَّ المجادلة ثم الحجرات ثم ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ ثُمَّ الصَّفِّ ثُمَّ الْجُمُعَةِ ثُمَّ التَّغَابُنِ ثُمَّ الْفَتْحِ ثُمَّ التَّوْبَةِ ثُمَّ الْمَائِدَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْمَائِدَةِ عَلَى التَّوْبَةِ: "وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ المائدة في خطبة حجة الوداع وقال يأيها النَّاسُ إِنَّ آخِرَ الْقُرْآنِ نُزُولًا سُورَةُ الْمَائِدَةِ فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا" فَهَذَا تَرْتِيبُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَدَنِيَّةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَدَنِيَّةٌ وَقَالَ عَطَاءٌ هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَجَمِيعُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سُورَةً وَجَمِيعُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً عَلَى اختلاف الروايات

стр. 212

ذكر مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَحُكْمُهُ مَدَنِيٌّ مِنْهَا قَوْلُهُ تعالى ﴿يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شعوبا وقبائل﴾ الْآيَةَ وَلَهَا قِصَّةٌ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ وَنُزُولُهَا بِمَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِهَا وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي الْمَائِدَةِ ﴿الْيَوْمَ أكملت لكم دينكم﴾ إلى قوله ﴿الخاسرين﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةَ وَالنَّاسُ وُقُوفٌ بِعَرَفَاتٍ فَبَرَكَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَيْبَةِ الْقُرْآنِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ لِنُزُولِهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ عِدَّةُ آيَاتٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا ذِكْرُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَحِكَمُهُ مَكِّيٌّ مِنْهُ الْمُمْتَحِنَةِ إِلَى آخِرِهَا وَهِيَ قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَسَارَةَ وَالْكِتَابِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ فَخَاطَبَ بِهَا أَهْلَ مَكَّةَ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ من بعد ما ظلموا﴾ إِلَى آخَرَ السُّورَةِ مَدَنِيَّاتٌ يُخَاطِبُ بِهَا أَهْلَ مكة ومنها سورة الرعد يخاطب أَهْلَ مَكَّةَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ

стр. 213

ومن أول براءة إلى قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ خِطَابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وحكمه مدني وما أنزل فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَحُكْمُهُ مَكِّيٌّ مَا يُشْبِهُ تَنْزِيلَ الْمَدِينَةِ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي النَّجْمِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأثم﴾ يعني كل ذنب عاقبته النار ﴿والفواحش﴾ يَعْنِي كُلَّ ذَنْبٍ فِيهِ حَدٌّ ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ وَهُوَ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ مِنَ الذُّنُوبِ نَزَلَتْ فِي نَبْهَانَ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وَاسْتَقَرَّتِ الرِّوَايَةُ بِمَا قُلْنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ حَدٌّ وَلَا غَزْوٌ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هُودٍ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أبي مقبل الحسين بْنِ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي اشْتَرَتْ مِنْهُ التَّمْرَ فَرَاوَدَهَا مَا يُشْبِهُ تَنْزِيلَ مَكَّةَ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا﴾ نزلت في نصارى نجران ومنهم السيد والعاقب

стр. 214

ومنها سورة ﴿والعاديات ضبحا﴾ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ ﴿وَإِذْ قَالُوا اللهم إن كان هذا هو الحق﴾ الْآيَةَ مَا نَزَلَ بِالْجُحْفَةِ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لرادك إلى معاد﴾ نَزَلَتْ بِالْجُحْفَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُهَاجِرٌ مَا نَزَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الزُّخْرُفِ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يعبدون﴾ نَزَلَتْ عَلَيْهِ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ مَا نَزَلَ بِالطَّائِفِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْفُرْقَانِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الْآيَةَ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ وَقَوْلُهُ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يوعون فبشرهم بعذاب أليم﴾ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ مَا نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الرَّعْدِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " اكْتُبْ

стр. 215

"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَتَابَعْنَاكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ إلى قوله ﴿متاب﴾ مَا نَزَلَ لَيْلًا قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي أَوَّلِ سورة الحج ﴿يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عظيم﴾ نَزَلَتْ لَيْلًا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ حَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَالنَّاسُ يَسِيرُونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى في المائدة: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحْرَسُ كُلَّ لَيْلَةٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ فَأَتَاهُ حُذَيْفَةُ وَسَعْدٌ فِي آخَرِينَ مَعَهُمُ الْحَجَفُ وَالسُّيُوفُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَيْمَةٍ مَنْ أَدَمٍ فَبَاتُوا عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ بَعْدَ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْآيَةَ فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رأسه من الخيمة فقال: "يأيها النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدَ عَصَمَنِي اللَّهُ" وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ الآية قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ فِي اللِّحَافِ وَنَزَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرْآنِ نَهَارًا

стр. 216

مَا نَزَلَ مُشَيَّعًا سُورَةُ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً شَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ طَبَّقُوا مَا بين السموات وَالْأَرْضِ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَانَ اللَّهِ وَخَرَّ سَاجِدًا قُلْتُ ذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ جَاءَ مِنْ حديث أبي ابن كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَلَمْ نَرَ لَهُ إِسْنَادًا صَحِيحًا وَقَدْ رُوِيَ مَا يُخَالِفُهُ فَرُوِيَ أَنَّهَا لم ينزل جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ نَزَلَ مِنْهَا آيَاتٌ بِالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا فَقِيلَ ثَلَاثٌ هِيَ قَوْلُهُ تعالى قل تعالوا إِلَخِ الْآيَاتِ وَقِيلَ سِتٌّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَسَائِرُهَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ نَزَلَتْ وَمَعَهَا ثَمَانُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ نَزَلَتْ وَمَعَهَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَسُورَةُ يُونُسَ نَزَلَتْ وَمَعَهَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا نَزَلَتْ وَمَعَهَا عِشْرُونَ أَلْفَ مَلَكٍ وَسَائِرُ الْقُرْآنِ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ بِلَا تَشْيِيعٍ الْآيَاتُ الْمَدَنِيَّاتُ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ مِنْهَا سُورَةُ الْأَنْعَامِ وَهِيَ كُلُّهَا مَكِّيَّةٌ خَلَا سِتِّ آيَاتٍ وَاسْتَقَرَّتْ بِذَلِكَ الروايات ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ

стр. 217

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نزلت في عبد الله بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَخِي عُثْمَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ حِينَ قَالَ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فَأَمْلَاهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخر﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اكتب: ﴿فتبارك الله﴾ إلخ الْآيَةَ فَقَالَ إِنْ كُنْتُ نَبِيًّا فَأَنَا نَبِيٌّ لِأَنَّهُ خَطَرَ بِبَالِي مَا أَمْلَيْتَ عَلَيَّ فَلَحِقَ كافرا وأما قوله: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شيء﴾ فَإِنَّهُ نَزَلَ فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ حِينَ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ وَثَلَاثُ آيَاتٍ من آخرها: ﴿قل تعالوا﴾ إلى قوله: ﴿تتقون﴾ سورة الأعراف مكية إلا ثلاث آيات: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت﴾ إلى قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي قَتْلَى بَدْرٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نعمت الله كفرا﴾ إلخ الآيتين سُورَةُ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا في الله من بعد ما ظلموا﴾ والباقي مدني

стр. 218

سُورَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ يَعْنِي ثَقِيفًا وَلَهُ قِصَّةٌ سُورَةُ الْكَهْفِ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ نَزَلَتْ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَلَهُ قِصَّةٌ سُورَةُ الْقَصَصِ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آية: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ يَعْنِي الْإِنْجِيلَ: ﴿مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي الْفُرْقَانِ نَزَلَتْ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ

стр. 219

قَدِمُوا مِنَ الْحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَسْلَمُوا وَلَهُمْ قِصَّةٌ سُورَةُ الزُّمَرِ مَكِّيَّةٌ غير قوله: ﴿قل يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ الْحَوَامِيمُ كُلُّهَا مَكِّيَّاتٌ غَيْرَ آيَةٍ فِي الْأَحْقَافِ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ الْآيَاتُ الْمَكِّيَّةُ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأنت فيهم﴾ الآية يعني أهل مكة حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ اسْتَقَرَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ سُورَةُ التَّوْبَةِ مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ: ﴿لَقَدْ جاءكم﴾ إِلَخْ السُّورَةِ سُورَةُ الرَّعْدِ مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ إِلَى قوله: ﴿جميعا﴾ سُورَةُ الْحَجِّ مَدَنِيَّةٌ وَفِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ مَكِّيَّاتٌ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ

стр. 220

مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ إلى قوله: ﴿عقيم﴾ وَلَهُ قِصَّةٌ سُورَةُ: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ مَكِّيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿فويل للمصلين﴾ إِلَى آخِرِهَا فَإِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَذَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ مَا حُمِلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوَّلُ سُورَةٍ حُمِلَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ سُورَةُ يُوسُفَ انْطَلَقَ بِهَا عَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ فِي الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فَعَرَضَ عليهم الإسلام فأسلموا وهم أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ قَرَأَهَا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي بَنِي زُرَيْقٍ فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ بُيُوتٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَوَى ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ رومان عن عطاء عن ابن يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ حُمِلَ بَعْدَهَا: ﴿قل هو الله أحد﴾ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ حُمِلَ بَعْدَهَا الْآيَةَ الَّتِي في الأعراف ﴿قل يا أيها النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ إِلَى قوله: ﴿تهتدون﴾ فَأَسْلَمَ عَلَيْهَا طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَهُ قِصَّةٌ مَا حُمِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ مِنْ ذَلِكَ الْأَنْفَالُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الْآيَةَ وَذَلِكَ حِينَ أَوْرَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كِتَابَ مُسْلِمِي مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَيَّرُونَا قَتْلَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَخْذَ الْأَمْوَالِ وَالْأَسَارَى فِي الشَّهْرِ

стр. 221

الْحَرَامِ فَكَتَبَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ إِلَى مُسْلِمِي مَكَّةَ إِنْ عَيَّرُوكُمْ فَعَيِّرُوهُمْ بِمَا صَنَعُوا بِكُمْ ثُمَّ حُمِلَتْ آيَةُ الرِّبَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فِي حُضُورِ ثَقِيفٍ وَبَنِي الْمُغِيرَةِ إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَكَّةَ فقرأ عتاب عليهم: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ فَأَقَرُّوا بِتَحْرِيمِهِ وَتَابُوا وَأَخَذُوا رُءُوسَ الْأَمْوَالِ ثُمَّ حُمِلَتْ مَعَ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ قَرَأَهُنَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى النَّاسِ وَفِي تَرْتِيبِهَا قِصَّةٌ ثُمَّ حُمِلَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ الْآيَةَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ إلى قوله: ﴿عفوا غفورا﴾ فَلَا تُعَاقِبُهُمْ عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْهِجْرَةِ فَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا إِلَى مُسْلِمِي مَكَّةَ قَالَ جُنْدَعُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ لِبَنِيهِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا أَلَسْتُ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنِّي لَا أَهْتَدِي إِلَى الطَّرِيقِ فَحَمَلَهُ بَنُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِالتَّنْعِيمِ فَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْتُهُ فَقَالُوا لَوْ لَحِقَ بِنَا لَكَانَ أَكْمَلَ لِأَجْرِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله ورسوله﴾ إلى قوله ﴿غفورا رحيما﴾

стр. 222

مَا حُمِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ هِيَ سِتُّ آيَاتٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ في خصومة الرهبان والقسيسين: ﴿قل يا أهل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ فَقَرَأَهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمْ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يهوديا ولا نصرانيا﴾ قَالَ النَّجَاشِيُّ صَدَقُوا مَا كَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ قَرَأَ جَعْفَرٌ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الْآيَةَ قَالَ النَّجَاشِيُّ: اللَّهُمَّ إِنِّي وَلِيٌّ لِأَوْلِيَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: صَدَقُوا وَالْمَسِيحِ ثُمَّ أَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ وَأَسْلَمُوا

стр. 223

النَّوْعُ الْعَاشِرُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَآخِرِ مَا نَزَلَ فَأَمَّا أَوَّلُهُ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ : ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ثُمَّ الْمُدَّثِّرِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ صَرِيحًا وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ وَفِي الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ وَهِيَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَقَدْ جَاءَ مَا يُعَارِضُ هَذَا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ جَابِرًا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ قِصَّةَ بَدْءِ الْوَحْيِ فَسَمِعَ آخِرَهَا وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهَا فَتَوَهَّمَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَتْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ: ﴿اقْرَأْ﴾ وَفَتْرَةِ الْوَحْيِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ

стр. 224

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: "بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ فَقَدْ أَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَهُ بِحِرَاءٍ قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ وَأَخْبَرَ في حديث عائشة أن نُزُولَ: ﴿اقْرَأْ﴾ كَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ وَهُوَ أَوَّلُ وَحْيٍ ثُمَّ فَتَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الْوَحْيَ تَتَابَعَ بَعْدَ نزول ﴿يا أيها الْمُدَّثِّرُ﴾ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ: ﴿اقْرَأْ﴾ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مُطْلَقًا وَأَنَّ سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ لَا تَضَادَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بَلْ أَوَّلُ مَا نَزَلِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ بِغَارِ حِرَاءٍ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ ﵂ وَصَبَّتْ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي بيت خديجة ﴿يا أيها الْمُدَّثِّرُ﴾ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿اقْرَأْ﴾ رجع فتدثر فأنزل عليه ﴿يا أيها الْمُدَّثِّرُ﴾ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هَارِبًا وَذَكَرَ نُزُولَ الْمَلَكِ عَلَيْهِ وَقَوْلَهُ قُلْ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إِلَى آخِرِهَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: فِي الِانْتِصَارِ وَهَذَا الْخَبَرُ مُنْقَطِعٌ وَأَثْبَتُ الْأَقَاوِيلِ ﴿اقْرَأْ باسم ربك﴾ ويليه في القوة ﴿يا أيها الْمُدَّثِّرُ﴾ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَقَاوِيلِ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْآيَاتِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وأول ما نزل من أوامر التبليغ ﴿يا أيها الْمُدَّثِّرُ﴾ وَأَوَّلَ مَا نَزَلَ

стр. 225

مِنَ السُّوَرِ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَهَذَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ" "وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ الدِّمَاءُ" وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَوَّلَ مَا يُحْكَمُ فِيهِ مِنَ الْمَظَالِمِ الَّتِي بَيْنَ الْعِبَادِ الدِّمَاءُ وَأَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الْفَرَائِضِ الْبَدَنِيَّةِ الصَّلَاةُ وقيل أول ما نزل للرسالة ﴿يا أيها المدثر﴾ وللنبوة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ فإن العلماء قالوا قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دَالٌّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَحْيِ إِلَى الشَّخْصِ عَلَى لسان الملك بتكليف خاص وقوله تعالى ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ دَلِيلٌ عَلَى رِسَالَتِهِ ﷺ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْوَحْيِ إِلَى الشَّخْصِ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ بِتَكْلِيفٍ عَامٍّ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةَ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ: ﴿اقْرَأْ﴾ ثَلَاثَ آيَاتٍ مَنْ أَوَّلِ نُوحٍ وَثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّثِّرِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ أَوَّلُ سورة أنزلت اقرأ ثم نوح وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّ أَوَّلَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لهم الجنة﴾ وَرَوَى فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الْآيَةَ

стр. 226

وَأَمَّا آخِرُهُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وَعَنْ عَائِشَةَ سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَقِيلَ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا ترجعون فيه إلى الله﴾ وَقَالَ السُّدِّيُّ آخِرُ مَا نَزَلَ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ في الكلالة﴾ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ كَامِلَةً سُورَةُ بَرَاءَةٌ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ النِّسَاءِ وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ ثُمَّ قَالَ وَأَخْطَأَ أَبُو إِسْحَاقَ ثُمَّ سَاقَ سَنَدَهُ مِنْ طُرُقٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِهَا وَوَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا وَقِيلَ تِسْعُ لَيَالٍ انْتَهَى وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ ثُمَّ قَرَأَهَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ثُمَّ قَرَأَ إلى: ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ قَالَ هَذَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فَخَتَمَ بِمَا فَتَحَ بِهِ بِالَّذِي

стр. 227

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ ﵎ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أنا فاعبدون﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ رَوَى الْبُخَارِيُّ آخِرُ مَا نَزَلَ آيَةُ الرِّبَا وَرَوَى مُسْلِمٌ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ جَمِيعًا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ قَائِلُهُ بِضَرْبٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَتَغْلِيبِ الظَّنِّ وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ حَتَّى يَلْزَمَ مَا طَعَنَ بِهِ الطَّاعِنُونَ مِنْ عَدَمِ الضَّبْطِ وَيُحْتَمَلُ أَنًّ كُلًّا مِنْهُمْ أَخْبَرَ عَنْ آخِرِ مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَوْ قَبْلَ مَرَضِهِ بِقَلِيلٍ وَغَيْرُهُ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ هُوَ لِمُفَارَقَتِهِ لَهُ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ بِقُرْآنٍ بَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ الَّتِي هِيَ آخِرُ آيَةٍ تَلَاهَا الرَّسُولُ ﷺ مَعَ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَعَهَا فَيُؤْمَرُ بِرَسْمِ ما نزل معها وَتِلَاوَتِهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ رَسْمِ مَا نَزَلَ آخِرًا وَتِلَاوَتِهِ فَيَظُنُّ سَامِعُ ذَلِكَ أَنَّهُ آخِرُ مَا نَزَلَ فِي التَّرْتِيبِ

стр. 228

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ عَلَى كَمْ لُغَةٍ نَزَلَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى. إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" زَادَ مُسْلِمٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ وَأَخْرَجَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتِنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسِلْهُ اقْرَأْ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَكَذَا أُنْزِلَتْ" ثُمَّ قَالَ لِي اقْرَأْ فَقَرَأْتُ فَقَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنِّي أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ:

стр. 229

اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكُهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﵇" وَأَخْرَجَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسول الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا وَلَا حَرَجَ وَلَكِنْ لَا تَخْتِمُوا ذِكْرَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ وَلَا ذِكْرَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ" وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ سَمُرَةَ يَرْفَعُهُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِالسَّبْعَةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو شَامَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنَّ بَعْضَهُ أُنْزِلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أحرف كحذره والرهب والصدق فَيُقْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ أَرَادَ أُنْزِلَ ابْتِدَاءً على ثلاثة ثم زيد إلى سبعة ومعنى جَمِيعُ ذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْهُ مَا يُقْرَأُ عَلَى حَرْفَيْنِ وَعَلَى ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَمَا يُقَارِبُ مَعْنَاهَا وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لَمْ يَأْتِ فِي مَعْنَى هَذَا السَّبْعِ نَصٌّ وَلَا أَثَرٌ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَعْيِينِهَا وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبَسْتِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا وَقَالَ وَقَفْتُ مِنْهَا عَلَى كَثِيرٍ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْقَارِئِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْحَصْرَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مَحْصُورٌ فِي سَبْعَةٍ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى الْآنَ نَقْرَؤُهَا؟

стр. 230

أَمْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْحَالُ بَعْدَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِالثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَى مَا هُوَ الْآنَ هُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ وَهْبٍ وَالطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلِ اسْتَقَرَّ فِي حَيَاتِهِ ﷺ أَمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَرَأَوْا أَنَّ ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَمَشَقَّةِ نُطْقِهِمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ اقْتَضَتِ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَأُذِنَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى حَرْفِهِ أَيْ عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي اللُّغَةِ إِلَى أَنِ انْضَبَطَ الْأَمْرُ فِي آخِرِ الْعَهْدِ وَتَدَرَّبَتِ الْأَلْسُنُ وَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْوَاحِدَةِ فَعَارَضَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ الْآخِرَةِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ فَنَسَخَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تِلْكَ الْقِرَاءَةَ الْمَأْذُونَ فِيهَا بِمَا أَوْجَبَهُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا النَّاسُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الْآتِي مِنْ مُرَاعَاةِ التَّخْفِيفِ عَلَى الْعَجُوزِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَمِنَ التَّصْرِيحِ فِي بَعْضِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ مثل هلم وتعال القول في القراءات السبع وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَبْعًا اخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنَ الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْكَلِمَةَ الْمَنْظُومَةَ حَرْفًا وَتُسَمِّي الْقَصِيدَةَ بِأَسْرِهَا كَلِمَةً وَالْحَرْفُ يَقَعُ عَلَى الْمَقْطُوعِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَرْفُ أَيْضًا الْمَعْنَى وَالْجِهَةُ قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النحوي

стр. 231

وَالثَّانِي وَهُوَ أَضْعَفُهَا أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعُ قِرَاءَاتٍ وَحُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَالْحَرْفُ هَاهُنَا الْقِرَاءَةُ وَقَدْ بَيَّنَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْقُرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ كُلُّهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَهُوَ الْحَرْفُ الَّذِي كَتَبَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ الْمُصْحَفَ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ قَالَ تَدَبَّرْتُ وُجُوهَ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ فَوَجَدْتُهَا سَبْعَةً مِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ حَرَكَتُهُ وَلَا يَزُولُ مَعْنَاهُ وَلَا صُورَتُهُ مِثْلُ ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ و: ﴿أطهر لكم﴾ ﴿ويضيق صدري﴾ ﴿ويضيق صدري﴾ وَمِنْهَا مَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ وَيَزُولُ بِالْإِعْرَابِ وَلَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ كَقَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ وَ ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ وَمِنْهَا مَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ بِالْحُرُوفِ وَاخْتِلَافِهَا وَلَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ كقوله ﴿كيف ننشزها﴾ و ﴿ننشرها﴾

стр. 232

وَمِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ ﴿كالعهن المنفوش﴾ والصوف الْمَنْفُوشِ وَمِنْهَا مَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَمَعْنَاهُ مِثْلُ ﴿طلح منضود﴾ وَطَلْعٍ وَمِنْهَا بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الموت بالحق﴾ وسكرة الْحَقِّ بِالْمَوْتِ وَمِنْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ مِثْلُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقِرَاءَةُ ابن مسعود ﴿تسع وتسعون نعجة﴾ أنثى ﴿وأما الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنَ﴾ وَكَانَ كَافِرًا قَالَ أبو عمرو وَجْهٌ حَسَنٌ مِنْ وُجُوهِ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ قَالَ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ وَالْآخَرُ مِثْلُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ﴿الذكر والأنثى﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِثْلُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لهم فإنك أنت الغفور الرحيم﴾ وَقِرَاءَةُ عُمَرَ ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَالْكُلُّ حَقٌّ وَالْمُصْحَفُ الْمَنْقُولُ بِالتَّوَاتُرِ مُصْحَفُ عُثْمَانَ وَرَسْمُ الْحُرُوفِ وَاحِدٌ إِلَّا مَا تَنَوَّعَتْ فِيهِ الْمَصَاحِفُ وَهُوَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مِثْلُ اللَّهُ الْغَفُورُ وإن اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ

стр. 233

وَالثَّالِثُ: سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْحَائِهِ فَبَعْضُهَا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَقَصَصٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا قَالَ كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ نَزَلَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ زَاجِرٌ وَآمِرٌ وَحَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ وَقُولُوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربنا﴾ قَالَ وَهُوَ حَدِيثٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَثْبُتُ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَقَالَ هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْهُ ﷺ لِلْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ الَّتِي أَجَازَ لَهُمُ الْقِرَاءَةَ بِهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا وَإِنَّمَا الْحَرْفُ فِي هَذِهِ بِمَعْنَى الْجِهَةِ وَالطَّرِيقَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يعبد الله على حرف﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ رَدَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ مَنْ أَوَّلَهُ بِهَذَا فَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ مِنْهَا حَرَامًا لَا مَا سِوَاهُ أَوْ يَكُونُ حَلَالًا لَا مَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ يُقْرَأُ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ كُلُّهُ أَوْ حَرَامٌ كله أو أمثال كله حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ وَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَهُ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذِهِ لَا تُسَمَّى أَحْرُفًا وَأَيْضًا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى

стр. 234

أَنَّ التَّوْسِعَةَ لَمْ تَقَعْ فِي تَحْرِيمِ حَلَالٍ وَلَا تَحْلِيلِ حَرَامٍ وَلَا فِي تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ لِأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ إِلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَإِبْدَالِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ إِبْدَالِ آيَةِ أَمْثَالٍ بِآيَةِ أَحْكَامٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ هَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ مَسْعُودٍ ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْقَاطِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ سَبْعَةِ أَحْرُفٍ أَيْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللُّغَاتُ الَّتِي أُبِيحَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهَا وَهَذَا الْمُرَادُ بِهِ الْأَنْوَاعُ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعُ لُغَاتٍ لِسَبْعِ قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ هَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ أَيْ نَزَلَ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَبَعْضُهُ نَزَلَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ تَمِيمٍ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ أَزْدٍ وَرَبِيعَةَ وَبَعْضُهُ بِلُغَةِ هَوَازِنَ وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ اللُّغَاتِ وَمَعَانِيهَا فِي هَذَا كُلِّهِ وَاحِدَةٌ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبُ وَحَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْقَاضِي أبي بكر

стр. 235

وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ إِنَّهُ الْمُخْتَارُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عُثْمَانَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِكَتْبِ الْمَصَاحِفِ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدٌ فَاكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مَا نَزَلْ بِلِسَانِهِمْ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شعب الإيمان: إنه الصحيح أي أن الْمُرَادُ اللُّغَاتُ السَّبْعُ الَّتِي هِيَ شَائِعَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَمِعْتُ الْقُرَّاءَ فَوَجَدْتُهُمْ مُتَقَارِبِينَ اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِهِمْ هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ لَكِنْ إِنَّمَا تَجُوزُ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْحُرُوفِ الَّتِي هِيَ مُثْبَتَةٌ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي هُوَ الْإِمَامُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَحَمَلُوهَا عَنْهُمْ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً فِي اللُّغَةِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ إِنْزَالِهِ ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الإمامة وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالُوا لَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ إِلَّا بِلُغَةِ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قومه﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَا نَعْرِفُ فِي الْقُرْآنِ حَرْفًا وَاحِدًا يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ وَغَلَّطَهُ ابن الأنباري بحروف منها: ﴿وعبد الطاغوت﴾ وقوله: ﴿أرسله معنا غدا يرتع ويلعب﴾ وقوله: ﴿باعد بين أسفارنا﴾ وقوله: ﴿بعذاب بئيس﴾ وغير ذلك

стр. 236

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ أَنْكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ سَبْعَ لُغَاتٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُنْكِرِ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ لُغَتِهِ الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ كِلَاهُمَا قُرَشِيٌّ وَقَدِ اخْتَلَفَتْ قِرَاءَتُهُمَا وَمُحَالٌ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ عُمَرُ لُغَتَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا فِي تَعْيِينِ السَّبْعِ فَأَكْثَرُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُ ذَلِكَ وَقَاعِدَتُهُ قُرَيْشٌ ثُمَّ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتُرْضِعَ فِيهِمْ وَنَشَأَ وَتَرَعْرَعَ وَهُوَ مُخَالِطٌ فِي اللِّسَانِ كِنَانَةَ وَهُذَيْلًا وَثَقِيفًا وَخُزَاعَةَ وَأَسَدًا وَضَبَّةَ وَأَلْفَافَهَا لِقُرْبِهِمْ مِنْ مَكَّةَ وَتَكْرَارِهِمْ عَلَيْهَا ثُمَّ مِنْ بَعْدِ هَذِهِ تَمِيمًا وَقَيْسًا وَمَنِ انْضَافَ إِلَيْهِمْ وَسَكَنَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ قَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ: إِنْ قُلْنَا مِنَ الْأَحْرُفِ لقريش ومنها لكنانة وَلِأَسَدٍ وَهُذَيْلٍ وَتَمِيمٍ وَضَبَّةَ وَأَلْفَافِهَا وَقَيْسٍ لَكَانَ قَدْ أَتَى عَلَى قَبَائِلِ مُضَرَ فِي قِرَاءَاتٍ سَبْعٍ تَسْتَوْعِبُ اللُّغَاتِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْهَا الْفَصَاحَةُ وَسَلِمَتْ لُغَاتُهَا مِنْ الدَّخَلِ وَيَسَّرَهَا اللَّهُ لِذَلِكَ ليظهر أنه نَبِيِّهِ بِعَجْزِهَا عَنْ مُعَارَضَةِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَيُثْبِتَ سَلَامَتَهَا أَنَّهَا فِي وَسَطِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي الْحِجَازِ وَنَجْدٍ وَتِهَامَةَ فَلَمْ تُفَرِّقْهَا الْأُمَمُ. وَقِيلَ: هَذِهِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ كُلُّهَا فِي مُضَرَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُثْمَانَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ مُضَرَ قَالُوا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا لِقُرَيْشٍ وَمِنْهَا لِكِنَانَةَ وَمِنْهَا لِأَسَدٍ وَمِنْهَا لِهُذَيْلٍ وَمِنْهَا لِضَبَّةَ وَلِطَابِخَةَ فَهَذِهِ قَبَائِلُ مُضَرَ تَسْتَوْعِبُ سَبْعَ لُغَاتٍ وَتَزِيدُ. قَالَ: أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَنْكَرَ آخَرُونَ كَوْنَ كُلِّ لُغَاتِ مُضَرَ فِي القرآن لأن

стр. 237

فِيهَا شَوَاذَّ لَا يُقْرَأُ بِهَا مِثْلَ كَشْكَشَةِ قَيْسٍ وَعَنْعَنَةِ تَمِيمٍ فَكَشْكَشَةُ قَيْسٍ يَجْعَلُونَ كَافَ الْمُؤَنَّثِ شِينًا فَيَقُولُونَ فِي: ﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سريا﴾ رَبُّشِ تَحْتَشِ وَعَنْعَنَةُ تَمِيمٍ وَيَقُولُونَ فِي أَنْ عَنْ فَيَقْرَءُونَ ﴿فَعَسَى اللَّهُ ((عَنْ)) يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ وَبَعْضُهُمْ يُبْدِلُ السِّينَ تَاءً فَيَقُولُ فِي النَّاسِ النَّاتُ وَهَذِهِ لُغَاتٌ يُرْغَبُ بِالْقُرْآنِ عَنْهَا وَمَا نُقِلَ عَنْ عُثْمَانَ مَعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ أَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَةٍ قُرَيْشٍ وَهَذَا أَثْبَتُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ يُشْكِلُ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَيَقُولُ هَلْ كَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْفِظُ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ سَبْعَ مَرَّاتٍ؟ فَيُقَالُ لَهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا إِنْ قُلْنَا إِنَّ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفِ تَجْتَمِعُ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ قُلْنَا كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي فِي كُلِّ عَرْضَةٍ بِحَرْفٍ إِلَى أَنْ تَمُرَّ سَبْعَةٌ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ خَمْسَةٌ مِنْهَا لِهَوَازِنَ وَثِنْتَانِ لِسَائِرِ النَّاسِ وَالْخَامِسُ: الْمُرَادُ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ نَحْوَ أَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَتَعَالَ وَعَجِّلْ وَأَسْرِعْ وَأَنْظِرْ وَأَخِّرْ وَأَمْهِلْ وَنَحْوِهِ وَكَاللُّغَاتِ الَّتِي فِي أُفٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهَا لُغَاتٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُرَكِّبُ لُغَةً بَعْضَهَا بَعْضًا وَمُحَالٌ أَنْ يُقْرِئَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا بِغَيْرِ لُغَتِهِ وَأُسْنِدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿كُلَّمَا أضاء لهم مشوا فيه﴾ سَعَوْا فِيهِ قَالَ فَهَذَا مَعْنَى السَّبْعَةِ الْأَحْرُفِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ وَهْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ الَّذِي بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْهَا حَرْفٌ واحد

стр. 238

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِنَّمَا هَذِهِ الْأَحْرُفُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَلَيْسَتْ تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ واحتج ابن عبد البر بحديث سلمان بْنِ صُرَدٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَرَأَ أُبَيٌّ آيَةً وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ آيَةً خِلَافَهَا وَقَرَأَ رَجُلٌ آخَرُ خِلَافَهُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: " أَلَمْ تَقْرَأْ آيَةَ كَذَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَلَمْ تَقْرَأْ آيَةَ كَذَا فَقَالَ: كُلُّكُمْ مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ" وَقَالَ: "يَا أُبَيُّ إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقُلْتُ عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ فَقَالَ لِيَ الْمَلَكُ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقُلْتُ عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ فَقَالَ عَلَى ثَلَاثَةٍ هَكَذَا حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ليس فيها إلا شاف قُلْتُ غَفُورًا رَحِيمًا أَوْ قُلْتُ سَمِيعًا حَكِيمًا أَوْ قُلْتُ عَلِيمًا حَكِيمًا أَوْ قُلْتُ عَزِيزًا حَكِيمًا أَيَّ ذَلِكَ قُلْتُ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا ضَرْبَ الْمَثَلِ لِلْحُرُوفِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مَعَانٍ مُتَّفِقٌ مَفْهُومُهَا مُخْتَلِفٌ مَسْمُوعُهَا لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَعْنًى وَضِدُّهُ وَلَا وَجْهَ يُخَالِفُ مَعْنَى وَجْهٍ خِلَافًا يَنْفِيهِ وَيُضَادُّهُ كَالرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْعَذَابِ وَضِدُّهُ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَكَرَةَ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ اقْرَأْ عَلَى حَرْفٍ فَقَالَ مِيكَائِيلُ اسْتَزِدْهُ فَقَالَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَقَالَ مِيكَائِيلُ اسْتَزِدْهُ حَتَّى بَلَغَ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَقَالَ اقْرَأْهُ فَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ إِلَّا أَنْ تَخْلِطَ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ وَآيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ نَحْوَ هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَعَجِّلْ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿لِلَّذِينَ آمنوا انظرونا﴾ "أَمْهِلُونَا أَخِّرُونَا ارْقُبُونَا وَ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مشوا فيه﴾ مَرُّوا فِيهِ سَعَوْا فِيهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِلَّا أَنَّ مُصْحَفَ عُثْمَانَ الَّذِي بِأَيْدِي النَّاسِ الْيَوْمَ هُوَ فِيهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ وَعَلَى هَذَا أهل العلم

стр. 239

قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ مِنْ جَامِعِهِ قَالَ: قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتُرَى أَنْ تَقْرَأَ مِثْلَ مَا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَالَ: جَائِزٌ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" وَمِثْلُ يَعْلَمُونَ وَتَعْلَمُونَ قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى بِاخْتِلَافِهِمْ بَأْسًا وَقَدْ كَانَ النَّاسُ وَلَهُمْ مَصَاحِفُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَقَالَ لِي ذَهَبَ وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ قَالَ أَقْرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا: ﴿إن شجرت الزقوم طعام الأثيم﴾ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ طَعَامُ الْيَتِيمِ فَقَالَ طَعَامُ الْفَاجِرِ فَقُلْتُ لِمَالِكٍ أَتَرَى أَنْ يُقْرَأَ بِذَلِكَ قَالَ نَعَمْ أَرَى أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعًا قَالَ: أَبُو عُمَرَ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يُقْرَأَ بِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزِ الْقِرَاءَةُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَا عَدَا مُصْحَفَ عُثْمَانَ لَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُجْرَى مَجْرَى خَبَرِ الْآحَادِ لَكِنَّهُ لَا يُقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى الْقَطْعِ فِي رَدِّهِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَنْ قَرَأَ فِي صَلَاةٍ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ لَمْ يُصَلَّ وَرَاءَهُ قَالَ وَعُلَمَاءُ مَكِّيُّونَ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا شُذُوذًا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ مِنْهُمُ إلا عثمان وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفِ الَّتِي أُشِيرَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْهَا إِلَّا حَرْفُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي جَمَعَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ الْمَصَاحِفَ

стр. 240

السَّادِسُ: أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى بَعْضِ الْآيَاتِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ فَهَذَا عَلَى سَبْعَةِ أوجه بالنصب والجر والرفع وكل وجه التنوين وَغَيْرِهِ وَسَابِعُهَا: الْجَزْمُ وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ وَنَحْوِهِ وَيُحْتَمَلُ فِي الْقُرْآنِ تِسْعَةُ أَوْجُهٍ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ الْآيَاتِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَجُوزُ فِي حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَآيَاتِهِ كُلِّهَا أَنْ تُقْرَأَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تَحْتَمِلُ أَنْ تُقْرَأَ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ إِلَّا قَلِيلٌ مِثْلَ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ و: ﴿تشابه علينا﴾ و ﴿بعذاب بئيس﴾ وَنَحْوِهِ وَذَلِكَ لَيْسَ هَذَا وَقَالَ الشَّيْخُ: شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ فِي الْمُصْحَفِ هَلْ هُوَ جَمِيعُ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي أُقِيمَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهَا أَوْ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْهَا مَيْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنَّهُ جَمِيعُهَا وَصَرَّحَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ بَعْدِهِ بِأَنَّهُ حَرْفٌ مِنْهَا وَمَالَ الشَّيْخُ الشَّاطِبِيُّ إِلَى قَوْلِ الْقَاضِي فِيمَا جَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَإِلَى قَوْلِ الطَّبَرِيِّ فِيمَا جَمَعَهُ عُثْمَانُ ﵁ وَالسَّابِعُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ ظَهَرَتْ وَاسْتَفَاضَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضَبَطَهَا عَنْهُ الْأَئِمَّةُ وَأَثْبَتَهَا عُثْمَانُ وَالصَّحَابَةُ فِي الْمُصْحَفِ

стр. 241

وَأَخْبَرُوا بِصِحَّتِهَا وَإِنَّمَا حَذَفُوا مِنْهَا مَا لَمْ يَثْبُتْ مُتَوَاتِرًا وَأَنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ تَخْتَلِفُ مَعَانِيهَا تَارَةً وَأَلْفَاظُهَا أُخْرَى وَلَيْسَتْ مُتَضَادَّةً وَلَا مُنَافِيَةً وَالثَّامِنُ: قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ لِضَرُورَةٍ دَعَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّ كُلَّ ذِي لُغَةٍ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ لُغَتِهِ ثُمَّ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَالْكُتَّابُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الضَّرُورَةُ فَارْتَفَعَ حُكْمُ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَعَادَ مَا يُقْرَأُ بِهِ إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَالتَّاسِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ عِلْمُ الْقُرْآنِ يَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ أَشْيَاءَ عِلْمُ الْإِثْبَاتِ وَالْإِيجَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَعِلْمُ التَّوْحِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ ﴿وإلهكم إله واحد﴾ وَعِلْمُ التَّنْزِيهِ كَقَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يخلق﴾ ، ﴿ليس كمثله شيء﴾ وعلم صفات الذات كقوله: ﴿ولله العزة﴾ ، ﴿الملك القدوس﴾ وعلم صفات الفعل كقوله: ﴿واعبدوا الله﴾ .: ﴿واتقوا الله﴾ ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، ﴿لا تأكلوا الربا﴾

стр. 242

وَعِلْمُ الْعَفْوِ وَالْعَذَابِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا الله﴾ ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عذابي هو العذاب الأليم﴾ وَعِلْمُ الْحَشْرِ وَالْحِسَابِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وعلم النبوات كقوله: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ والإمامات كقوله: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر منكم﴾ ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ ﴿كنتم خير أمة﴾ والعاشر: أن المراد به سَبْعَةُ أَشْيَاءَ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ وَالنَّصُّ والمؤول وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُفَسَّرُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَأَقْسَامُهُ حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي بِسَنَدٍ لَهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْحَادِي عَشَرَ: حَكَاهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْحَذْفُ وَالصِّلَةُ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَالْقَلْبُ وَالِاسْتِعَارَةُ وَالتَّكْرَارُ وَالْكِنَايَةُ وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُفَسَّرُ وَالظَّاهِرُ وَالْغَرِيبُ وَالثَّانِي عَشَرَ: وَحَكَاهُ عَنِ النُّحَاةِ أَنَّهَا التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ وَالتَّصْرِيفُ

стр. 243

وَالْإِعْرَابُ وَالْأَقْسَامُ وَجَوَابُهَا وَالْجَمْعُ وَالتَّفْرِيقُ وَالتَّصْغِيرُ وَالتَّعْظِيمُ وَاخْتِلَافُ الْأَدَوَاتِ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهَا بِمَعْنًى وَمَا لَا يَخْتَلِفُ فِي الْأَدَاءِ وَاللَّفْظِ جَمِيعًا وَالثَّالِثَ عَشَرَ: حَكَاهُ عَنِ الْقُرَّاءِ أَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ التِّلَاوَةِ وَكَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَا مِنْ إِظْهَارٍ وَإِدْغَامٍ وَتَفْخِيمٍ وَتَرْقِيقٍ وَإِمَالَةٍ وَإِشْبَاعٍ وَمَدٍّ وَقَصْرٍ وَتَخْفِيفٍ وَتَلْيِينٍ وَتَشْدِيدٍ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَحَكَاهُ عَنِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمُبَادَلَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَهِيَ الزُّهْدُ وَالْقَنَاعَةُ مَعَ الْيَقِينِ وَالْحَزْمُ وَالْخِدْمَةُ مَعَ الْحَيَاءِ وَالْكَرَمِ وَالْفُتُوَّةُ مَعَ الْفَقْرِ وَالْمُجَاهَدَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ مَعَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّضَرُّعُ وَالِاسْتِغْفَارُ مَعَ الرِّضَا وَالشُّكْرُ وَالصَّبْرُ مَعَ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمَحَبَّةُ وَالشَّوْقُ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ قِيلَ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ إِلَى الصِّحَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَبْعُ لُغَاتٍ وَالسِّرُّ فِي إِنْزَالِهِ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ تَسْهِيلُهُ عَلَى النَّاسِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن للذكر﴾ فَلَوْ كَانَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ لَانْعَكَسَ الْمَقْصُودُ قَالَ وَهَذِهِ السَّبْعَةُ الَّتِي نَتَدَاوَلُهَا الْيَوْمَ غَيْرُ تِلْكَ بَلْ هَذِهِ حُرُوفٌ مِنْ تلك الأحرف السبعة كَانَتْ مَشْهُورَةً وَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ لَكِنْ لَمَّا خَافَتِ الصَّحَابَةُ مِنِ اخْتِلَافِ الْقُرْآنِ رَأَوْا جَمْعَهُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ تَعَيَّنَ كُلُّ حَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ وَلَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ الْآنَ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَشْبَهُ بِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَحْرُفِ اللُّغَاتُ وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ كُلُّ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ بِلُغَتِهِمْ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُمْ مِنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ

стр. 244

وَالْإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ وَالْإِشْمَامِ وَالْهَمْزِ وَالتَّلْيِينِ وَالْمَدِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ اللُّغَاتِ إِلَى سَبْعَةِ أَوْجَهٍ مِنْهَا فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّ الْحَرْفَ هُوَ الطَّرَفُ وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ من يعبد الله على حرف﴾ أَيْ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يَعْبُدَهُ فِي السَّرَّاءِ دُونَ الضَّرَّاءِ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ هِيَ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الَّتِي قَرَأَهَا الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْمُصْحَفِ وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ اخْتِيَارَاتُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ اخْتَارَ فِيمَا رَوَى وَعَلِمَ وَجْهَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا هُوَ الْأَحْسَنُ عِنْدَهُ وَالْأَوْلَى وَلَزِمَ طَرِيقَةً مِنْهَا وَرَوَاهَا وَقَرَأَ بِهَا وَاشْتُهِرَتْ عَنْهُ وَنُسِبَتْ إِلَيْهِ فَقِيلَ حَرْفُ نَافِعٍ وَحَرْفُ ابْنِ كَثِيرٍ وَلَمْ يَمْنَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَرْفَ الْآخَرِ وَلَا أَنْكَرَهُ بَلْ سَوَّغَهُ وَحَسَّنَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارَانِ وَأَكْثَرُ وَكُلٌّ صَحِيحٌ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا صَحَّ عَنْهُمْ وَكَانَ الْإِنْزَالُ عَلَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ تَوْسِعَةً مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ إِذْ لَوْ كُلِّفَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ تَرْكَ لُغَتِهِ والعدول عن عادة نشئوا عَلَيْهَا مِنَ الْإِمَالَةِ وَالْهَمْزِ وَالتَّلْيِينِ وَالْمَدِّ وَغَيْرِهِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأُ كِتَابًا قَطُّ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ

стр. 245

النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ: فِي كَيْفِيَّةِ إِنْزَالِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِنْزَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أحدها أَنَّهُ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ عَلَى حَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي عِشْرِينَ لَيْلَةِ قَدْرٍ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةٍ وَقِيلَ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةِ قَدْرٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقِيلَ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةِ قَدْرٍ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مَا يُقَدِّرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنْزَالَهُ فِي كُلِّ السَّنَةِ ثُمَّ يَنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ ابْتُدِئَ إِنْزَالُهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهُرُ وَأَصَحُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ

стр. 246

وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جِهَةِ حَسَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فُصِلَ الْقُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ فَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَحَسَّانُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْأَشْرَسِ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَبِالثَّانِي: قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَبِالثَّالِثِ: قَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْإِنْزَالِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ إِظْهَارُ الْقُرْآنِ وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَفْهَمَ كَلَامَهُ جِبْرِيلَ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ عَالٍ مِنَ الْمَكَانِ وَعَلَّمَهُ قِرَاءَتَهُ ثُمَّ جِبْرِيلُ أَدَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ يَهْبِطُ فِي الْمَكَانِ وَالتَّنْزِيلُ لَهُ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْخَلَعَ مِنْ صُورَةِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ وَأَخَذَهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَلَكَ انْخَلَعَ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ حَتَّى يَأْخُذَ الرَّسُولُ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ أَصْعَبُ الْحَالَيْنِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ حِكَايَةَ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا هُوَ أَحَدُهَا أَنَّهُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى وَأَنَّ جِبْرِيلَ حَفِظَ الْقُرْآنَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَنَزَلَ بِهِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَحْرُفَ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا بِقَدْرِ جَبَلِ قَافٍ وَأَنَّ تَحْتَ كُلِّ حَرْفٍ مَعَانٍ لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْغَزَالِي إِنَّ هَذِهِ الْأَحْرُفَ سُتْرَةٌ لمعانيه

стр. 247

وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَعَانِي خَاصَّةً وَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ وَالثَّالِثُ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ إِنَّمَا أَلْقَى عَلَيْهِ الْمَعْنَى وَأَنَّهُ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ يَقْرَءُونَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ثُمَّ إِنَّهُ أُنْزِلَ بِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: مَا السِّرُّ فِي إِنْزَالِهِ جُمْلَةً إِلَى السَّمَاءِ قِيلَ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِأَمْرِهِ وأمر من نزل عليه وذلك بإعلان سكان السموات السَّبْعِ أَنَّ هَذَا آخِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ لِأَشْرَفِ الْأُمَمِ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ إِلَيْهِمْ لِيُنْزِلَهُ عَلَيْهِمْ وَلَوْلَا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ نُزُولَهُ مُنَجَّمًا بِسَبَبِ الْوَقَائِعِ لَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ جُمْلَةً فَإِنْ قِيلَ: فِي أَيِّ زَمَانٍ نَزَلَ جُمْلَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بَعْدَ ظُهُورِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَمْ قَبْلَهَا قُلْتُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَبْلَهَا وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَوَجْهُ التَّفْخِيمِ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا فَفَائِدَتُهُ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ فَإِنْ قُلْتَ: فَقَوْلُهُ ﴿إِنَّا أنزلناه في ليلة الْقَدْرِ﴾ مِنْ جُمْلَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ جُمْلَةً أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَمَا نَزَلَ جُمْلَةً؟ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ فَمَا وَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ قُلْتُ ذَكَرَ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا حَكَمْنَا بِإِنْزَالِهِ فِي الْقَدْرِ وَقَضَائِهِ وَقَدَّرْنَاهُ فِي الْأَزَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الْمَاضِي وَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْ يَنْزِلُ جُمْلَةً فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَاخْتِيرَ لَفْظُ الْمَاضِي إِمَّا لِتَحَقُّقِهِ وَكَوْنِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ حَالَ اتِّصَالِهِ بِالْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ يَكُونُ الْمُضِيُّ فِي مَعْنَاهُ مُحَقَّقًا لِأَنَّ نُزُولَهُ مُنَجَّمًا كَانَ بَعْدَ نُزُولِهِ جُمْلَةً

стр. 248

فَإِنْ قُلْتَ: مَا السِّرُّ فِي نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ مُنَجَّمًا وَهَلَّا نَزَلَ جُمْلَةً كَسَائِرِ الْكُتُبِ قُلْتُ هَذَا سُؤَالٌ قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَوَابَهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جملة واحدة﴾ ، يَعْنُونَ كَمَا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرسل فأجابهم الله بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أَيْ أَنْزَلْنَاهُ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ به فؤادك﴾ أَيْ لِنُقَوِّيَ بِهِ قَلْبَكَ فَإِنَّ الْوَحْيَ إِذَا كَانَ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ كَانَ أَقْوَى لِلْقَلْبِ وَأَشَدَّ عِنَايَةً بِالْمُرْسَلِ إِلَيْهِ وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَثْرَةَ نُزُولِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ وَتَجْدِيدَ الْعَهْدِ بِهِ وَبِمَا مَعَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ الْوَارِدَةِ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ الْعَزِيزِ فَحَدَثَ لَهُ مِنَ السُّرُورِ مَا تَقْصُرُ عَنْهُ الْعِبَارَةُ وَلِهَذَا كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ لِكَثْرَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ ﵇ وقيل: معنى ﴿لنثبت به فؤادك﴾ لنحفظه فَإِنَّهُ ﵇ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ فَفُرِّقَ عَلَيْهِ لِيُيَسَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ كَاتِبًا قَارِئًا فَيُمْكِنُهُ حِفْظُ الْجَمِيعِ إِذَا نُزِّلَ جُمْلَةً فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ فِي الْقُدْرَةِ إِذَا نُزِّلَ جُمْلَةً أَنْ يَحْفَظَهُ النَّبِيُّ ﷺ دُفْعَةً قُلْتُ لَيْسَ كُلُّ مُمْكِنٍ لَازِمَ الْوُقُوعِ وَأَيْضًا فِي الْقُرْآنِ أَجْوِبَةٌ عَنْ أَسْئِلَةٍ فَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ تَفَرُّقِ النُّزُولِ وَلِأَنَّ بَعْضَهُ مَنْسُوخٌ وَبَعْضَهُ نَاسِخٌ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا أُنْزِلَ مُفَرَّقًا وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: قِيلَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ جُمْلَةً لِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى نَبِيٍّ يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ وَهُوَ مُوسَى وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ مُفَرَّقًا لِأَنَّهُ أُنْزِلَ غَيْرَ مَكْتُوبٍ عَلَى نَبِيٍّ أُمِّيٍّ وَقِيلَ مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ لِأَجْلِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً أَنَّ مِنْهُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمِنْهُ مَا هُوَ جَوَابٌ لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ أُمُورٍ وَمِنْهُ مَا هُوَ إِنْكَارٌ لِمَا كَانَ انْتَهَى

стр. 249

وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَآخِرِهِ عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ أَوْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَقِيلَ عَشْرٌ وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهَا عَشْرٌ وَكَانَ كُلَّمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَمَرَ بِكِتَابَتِهِ وَيَقُولُ فِي مُفْتَرِقَاتِ الْآيَاتِ ضَعُوا هَذِهِ فِي سُورَةِ كَذَا وَكَانَ يَعْرِضُهُ جِبْرِيلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً وَعَامَ مَاتَ مَرَّتَيْنِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ فَاطِمَةَ ﵄ أَسَرَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ وَأَنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حُضُورُ أَجْلِي وَأَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ وَقَدْ كَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الِاعْتِكَافَ فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يعتكف عشرا

стр. 250

النوع الثاث عَشَرَ: فِي بَيَانِ جَمْعِهِ وَمَنْ حَفِظَهُ مِنَ الصحابة ﵃ ... النوع الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي بَيَانِ جَمْعِهِ وَمَنْ حَفِظَهُ من الصحابة ﵃ جمع القرآن على عهد أبي بكر رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عِنْدَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِيَوْمِ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَقَدْ رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا أَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ وَاجْمَعْهُ قال زيد فو الله لوكلفني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ
следующие страницы →