Полный текст (1 944 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الرَّابِعُ: أَلَّا يَكُونَ فِي تَعْيِينِهِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ وَالْمُرَادُ بِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ وَالْمُرَادُ أَيْلَةُ وَقِيلَ طَبَرِيَّةُ
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ والمراد نينوى
﴿أتيا أهل قرية﴾ قِيلَ بَرْقَةُ
فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ فِي قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾
قِيلَ: آزَرُ اسْمُ صَنَمٍ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ دَعْ آزَرَ وَقِيلَ كَلِمَةُ زَجْرٍ وَقِيلَ بَلْ هُوَ اسْمُ أَبِيهِ وَعَلَى هَذَا فَالْفَائِدَةُ أَنَّ الْأَبَ يُطْلَقُ عَلَى الْجَدِّ فَقَالَ آزَرَ لِرَفْعِ الْمَجَازِ
الْخَامِسُ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْمِيمِ وَهُوَ غير خاص بخلاف مالو عُيِّنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلى الله ورسوله﴾ ، قَالَ: عِكْرِمَةُ أَقَمْتُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَسَأَلُ عَنْهُ حَتَّى عَرَفْتُهُ هُوَ ضَمْرَةُ بْنُ الْعِيصِ وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ وَكَانَ مَرِيضًا فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْهِجْرَةِ خَرَجَ مِنْهَا فَمَاتَ بِالتَّنْعِيمِ
وَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وعلانية﴾ قيل نزلت في علي كان معه أربع دَوَانِقَ فَتَصَدَّقَ بِوَاحِدٍ بِالنَّهَارِ وَآخَرَ بِاللَّيْلِ وَآخَرَ سِرًّا وَآخَرَ عَلَانِيَةً
стр. 177
وقوله: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ قِيلَ نَزَلَتْ فِي عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ كَانَ له كلاب خمسة قَدْ سَمَّاهَا بِأَسْمَاءِ أَعْلَامٍ
السَّادِسُ: تَعْظِيمُهُ بِالْوَصْفِ الْكَامِلِ دُونَ الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الفضل منكم﴾ والمراد الصديق
وكذلك: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ يعني محمدا ﴿وصدق به﴾ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَدَخَلَ فِي الْآيَةِ كُلُّ مصدق ولذلك قال ﴿أولئك هم المتقون﴾
السَّابِعُ تَحْقِيرُهُ بِالْوَصْفِ النَّاقِصِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كفروا بآياتنا﴾
وقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ والمراد فيها العاص بن وائل
وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ وَالْمُرَادُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ
وأما قوله: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ فذكره هنالك للتنبيه على أن ما له لِلنَّارِ ذَاتِ اللَّهَبِ
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: قَدْ يَكُونُ لِلشَّخْصِ اسْمَانِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لنكتة فمنه قوله تعالى في مخاطبة الْكِتَابِيِّينَ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَلَمْ يُذْكَرُوا فِي القرآن إلا
стр. 178
بِهَذَا دُونَ يَا بَنِي يَعْقُوبَ وَسِرُّهُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا خُوطِبُوا بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَذُكِّرُوا بِدِينِ أَسْلَافِهِمْ مَوْعِظَةً لَهُمْ وَتَنْبِيهًا مِنْ غَفْلَتِهِمْ سُمُّوا بِالِاسْمِ الَّذِي فِيهِ تَذْكِرَةٌ بِاللَّهِ فَإِنَّ إِسْرَائِيلَ اسْمٌ مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي التَّأْوِيلِ وَلِهَذَا لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا إِلَى الْإِسْلَامِ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ إن الله قد حسن اسْمَ أَبِيكُمْ يُحَرِّضُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اسْمُهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَلَمَّا ذَكَرَ مَوْهِبَتَهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَتَبْشِيرَهُ بِهِ قَالَ يَعْقُوبَ وَكَانَ أَوْلَى مِنْ إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهَا مَوْهِبَةٌ تَعْقُبُ أُخْرَى وَبُشْرَى عَقَّبَ بِهَا بُشْرَى فَقَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسحاق يعقوب﴾ وَإِنْ كَانَ اسْمُ يَعْقُوبَ عِبْرَانِيًّا لَكِنَّ لَفْظَهُ مُوَافِقٌ لِلْعَرَبِيِّ مِنَ الْعَقِبِ وَالتَّعْقِيبِ فَانْظُرْ مُشَاكَلَةَ الِاسْمَيْنِ لِلْمَقَامَيْنِ فَإِنَّهُ مِنَ الْعَجَائِبِ
وَكَذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ نُوحًا سَمَّاهُ بِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْغَفَّارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى كَثْرَةِ نَوْحِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ عِيسَى ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسمه أحمد﴾ وَلَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدًا حَتَّى كَانَ أَحْمَدَ حَمِدَ رَبَّهُ فَنَبَّأَهُ وَشَرَّفَهُ فَلِذَلِكَ تَقَدَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَذَكَّرَهُ عِيسَى بِهِ
وَمِنْهُ أَنَّ مَدْيَنَ هُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ إِلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَيْثُ أَخْبَرَ عَنْ مَدْيَنَ قَالَ أخاهم شعيبا وَحَيْثُ أَخْبَرَ عَنِ الْأَيْكَةِ لَمْ يَقُلْ أَخُوهُمْ والحكمة فيه
стр. 179
أنه لما عرفها بِالنَّسَبِ وَهُوَ أَخُوهُمْ فِي ذَلِكَ النَّسَبِ ذَكَّرَهُ وَلَمَّا عَرَّفَهُمْ بِالْأَيْكَةِ الَّتِي أَصَابَهُمْ فِيهَا الْعَذَابُ لَمْ يَقُلْ أَخُوهُمْ وَأَخْرَجَهُ عَنْهُمْ
وَمِنْهُ: ﴿وَذَا النون﴾ فَأَضَافَهُ إِلَى الْحُوتِ وَالْمُرَادُ يُونُسُ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحوت﴾ والإضافة بذي أشرف من الإضافة بصاحب وَلَفْظُ النُّونِ أَشْرَفُ مِنَ الْحُوتِ وَلِذَلِكَ وُجِدَ في حروف التهجي كقوله ﴿ن والقلم﴾ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ قَسَمٌ وَلَيْسَ فِي الْآخَرِ مَا يُشَرِّفُهُ بِذَلِكَ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يدا أبي لهب﴾ فَعَدَلَ عَنِ الِاسْمِ إِلَى الْكُنْيَةِ إِمَّا لِاشْتِهَارِهِ بِهَا أَوْ لِقُبْحِ الِاسْمِ فَقَدْ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ اللَّهُ قَبِيلَةً مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ بِاسْمِهَا إِلَّا قُرَيْشًا سَمَّاهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ لِيَبْقَى عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ ذِكْرُهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ بَالَغَ فِي الصِّفَاتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ إِنْسَانًا بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم﴾ الْآيَةَ قِيلَ إِنَّهُ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ
وَقَوْلِهِ: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ قِيلَ إِنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ كَانَ يَهْمِزُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 180
الثَّالِثُ: قِيلَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَةً فِي الْقُرْآنِ وَسَمَّاهَا بِاسْمِهَا إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ اسْمَهَا فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا لِحِكْمَةٍ ذَكَرَهَا بَعْضُ الْأَشْيَاخِ قَالَ إِنَّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم ولا يبتذلون أسماءهم يُكَنُّونَ عَنِ الزَّوْجَةِ بِالْعُرْسِ وَالْعِيَالِ وَالْأَهْلِ وَنَحْوِهِ فَإِذَا ذَكَرُوا الْإِمَاءَ لَمْ يُكَنُّوا عَنْهُنَّ وَلَمْ يَصُونُوا أَسْمَاءَهُنَّ عَنِ الذِّكْرِ وَالتَّصْرِيحِ بِهَا فَلَمَّا قَالَتِ النَّصَارَى فِي مَرْيَمَ وَفِي ابْنِهَا مَا قَالَتْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِهَا وَلَمْ يُكَنِّ عنها تأكيدا لأمر العبودية الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لَهَا وَإِجْرَاءً لِلْكَلَامِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذِكْرِ أَبْنَائِهَا وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ عِيسَى لَا أَبَ لَهُ وَاعْتِقَادُ هَذَا وَاجِبٌ فَإِذَا تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مَنْسُوبًا إِلَى الْأُمِّ اسْتَشْعَرَتِ الْقُلُوبُ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا اعْتِقَادُهُ مِنْ نَفْيِ الْأَبِ عَنْهُ وَتَنْزِيهِ الْأُمِّ الطَّاهِرَةِ عَنْ مَقَالَةِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
الرَّابِعُ: وَأَمَّا الرِّجَالُ فَذَكَرَ مِنْهُمْ كَثِيرًا وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ إِنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ زَيْدًا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ السِّجِلِّ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ الْمُرَادُ بقوله تعالى: ﴿كطي السجل للكتب﴾
стр. 181
النَّوْعُ السَّابِعُ: فِي أَسْرَارِ الْفَوَاتِحِ وَالسُّوَرِ
اعْلَمْ أَنَّ سُوَرَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً وَفِيهَا يُلْغَزُ فَيُقَالُ أَيُّ شَيْءٍ إِذَا عَدَدْتَهُ زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَإِذَا عَدَدْتَ نِصْفَهُ كان دون العشرين؟
وقد افتح كِتَابَهُ الْعَزِيزَ بِعَشَرَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ السُّوَرِ عَنْهَا
الاستفتاح بالثناء
الْأَوَّلُ: اسْتِفْتَاحُهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالثَّنَاءُ قِسْمَانِ إِثْبَاتٌ لِصِفَاتِ الْمَدْحِ وَنَفْيٌ وَتَنْزِيهٌ مِنْ صفات النقص
والإثبات نَحْوُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فِي خَمْسِ سُوَرٍ وَ ﴿تَبَارَكَ﴾ فِي سُورَتَيْنِ الْفَرْقَانِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفرقان﴾ والملك ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾
стр. 182
والتنزيه نحو ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ﴿سبح لله ما في السماوات﴾ ﴿يسبح لله﴾ كِلَاهُمَا فِي سَبْعِ سُوَرٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سورة استفتحت بالثناء على الله لِثُبُوتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنِصْفُهَا لِسَلْبِ النَّقَائِصِ
قُلْتُ وَهُوَ سِرٌّ عَظِيمٌ مِنْ أَسْرَارِ الْأُلُوهِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْعَجَائِبِ سَبَّحَ لِلَّهِ هَذِهِ كَلِمَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا فَبَدَأَ بِالْمَصْدَرِ مِنْهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ثُمَّ الْمَاضِي سَبَّحَ لِلَّهِ في الحديد والحشر والصف لِأَنَّهُ أَسْبَقُ الزَّمَانَيْنِ ثُمَّ الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْجُمُعَةِ والتغابن ثُمَّ بِالْأَمْرِ فِي سُورَةِ الْأَعْلَى اسْتِيعَابًا لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا وَهِيَ أَرْبَعٌ الْمَصْدَرُ وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَالْأَمْرُ الْمُخَاطَبُ فَهَذِهِ أُعْجُوبَةٌ وَبُرْهَانٌ
٢ الاستفتاح بحروف التهجي
الثَّانِي اسْتِفْتَاحُ السُّوَرِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي نَحْوُ الم المص المر كهيعص طه طس طسم حم حمعسق ق ن وَذَلِكَ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْحُرُوفَ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا السُّوَرَ وَجَدْتَهَا نِصْفَ
стр. 183
أَسَامِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالْمِيمَ وَالصَّادَ وَالرَّاءَ وَالْكَافَ وَالْهَاءَ وَالْيَاءَ وَالْعَيْنَ وَالطَّاءَ وَالسِّينَ وَالْخَاءَ وَالْقَافَ وَالنُّونَ فِي تِسْعٍ وعشرين عَدَدُ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ ثُمَّ تَجِدُهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى أصناف أجناس الحروف المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة وَالْمُسْتَعْلِيَةِ وَالْمُنْخَفِضَةِ وَحُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ ثُمَّ إِذَا اسْتَقْرَيْتَ الْكَلَامَ تَجِدُ هَذِهِ الْحُرُوفَ هِيَ أَكْثَرُ دَوْرًا مِمَّا بَقِيَ وَدَلِيلُهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَمَّا كَانَتْ أَكْثَرَ تَدَاوُرًا جَاءَتْ فِي مُعْظَمِ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ فَسُبْحَانَ الَّذِي دَقَّتْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَتُهُ انْتَهَى
قِيلَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَافِ الشَّدِيدَةُ وَالْمُنْفَتِحَةُ وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى نِصْفَهَا أَمَّا حُرُوفُ الصَّفِيرِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهَا نِصْفٌ فَجَاءَ مِنْهَا السِّينُ وَالصَّادُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الزَّايُ وَكَذَلِكَ الْحُرُوفُ اللَّيِّنَةُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ مِنْهَا اثْنَيْنِ الْأَلِفَ وَالْيَاءَ أَمَّا الْمُكَرَّرُ وَهُوَ الرَّاءُ وَالْهَاوِي وَهُوَ الْأَلِفُ وَالْمُنْحَرِفُ وَهُوَ اللَّامُ فَذَكَرَهَا
وَلَمْ يَأْتِ خَارِجًا عَنْ هَذَا النَّمَطِ إِلَّا مَا بَيْنَ الشَّدِيدَةِ وَالرِّخْوَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَهَذَا التَّدَاخُلُ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ قِسْمٍ قَبْلَهُ وَلَوْلَاهُ لَمَا انْقَسَمَتْ هَذِهِ الأقسام كلها
ووهم الزمخشري في عدد حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ إِنَّمَا ذَكَرَ نِصْفَهَا فَإِنَّهَا خَمْسَةٌ ذُكِرَ مِنْهَا حَرْفَانِ الْقَافُ وَالطَّاءُ
стр. 184
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا جَاءَتْ عَلَى نِصْفِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِآيَةٍ فَلْيَأْخُذِ الشَّطْرَ الْبَاقِيَ وَيُرَكِّبْ عَلَيْهِ لَفْظًا مُعَارَضَةً لِلْقُرْآنِ وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُتَهَجَّاةَ فِي أَوَّلِ السُّوَرِ ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ حَرْفًا فَالْكَافُ وَالنُّونُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَالْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالْهَاءُ وَالْقَافُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ وَالصَّادُ فِي ثَلَاثَةٍ وَالطَّاءُ فِي أَرْبَعَةٍ وَالسِّينُ فِي خَمْسَةٍ وَالرَّاءُ فِي سِتَّةٍ وَالْحَاءُ فِي سَبْعَةٍ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْمِيمُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا
كُنْ وَاحِدٌ عَيْهَقٌ اثنان ثلاثة صا ... دُ الطَّاءُ أَرْبَعَةٌ وَالسِّينُ خَمْسٌ عَلَا
وَالرَّاءُ سِتٌّ وَسَبْعُ الْحَاءُ آلُ وَدَجٍ ... وَمِيمُهَا سَبْعَ عَشْرٍ تَمَّ وَاكْتَمَلَا
وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ فِي تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً وَجُمْلَتُهَا مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ نَصٌّ حَكِيمٌ قَاطِعٌ لَهُ سِرٌّ
وَجَمَعَهَا السُّهَيْلِيُّ فِي قَوْلِهِ أَلَمْ يَسْطَعْ نُورُ حَقٍّ كُرِهَ
وَهَذَا الضَّابِطُ فِي لَفْظِهِ ثِقَلٌ وَهُوَ غَيْرُ عَذْبٍ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي اللَّفْظِ وَلَوْ قَالَ لَمْ يكرها نص حق سطح لَكَانَ أَعْذَبَ
وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ بِقَوْلِهِ طَرَقَ سمعك النصيحة وصن سرا يقطعك حمله وعلى صِرَاطِ حَقٍّ يُمْسِكُهُ وَقِيلَ مَنْ حَرَصَ عَلَى بَطِّهِ كَاسِرٌ وَقِيلَ سِرٌّ حَصِينٌ قَطَعَ كَلَامَهُ
ثُمَّ بَنَيْتُهَا ثَلَاثَةَ حُرُوفٍ مُوَحَّدَةٍ ص ق ن وَعَشَرَةً مَثْنَى طه طس يس حم وَاثْنَا عَشَرَ مُثَلَّثَةَ الْحُرُوفِ الم الر طسم وَاثْنَانِ حُرُوفُهَا أَرْبَعَةٌ المص المر وَاثْنَانِ حُرُوفُهَا خمسة كهيعص حمعسق
وَأَكْثَرُ هَذِهِ السُّوَرِ الَّتِي ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ الْحُرُوفِ ذُكِرَ مِنْهَا مَا هُوَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَمَا هُوَ أَرْبَعَةٌ أَحْرُفٍ سُورَتَانِ وَمَا ابْتُدِئَ بِخَمْسَةِ أحرف سورتان
стр. 185
وَأَمَّا مَا بُدِئَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَرْفًا وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اسْمًا لِشَيْءٍ خَاصٍّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ حَرْفًا وَقَالَ أَرَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْحُرُوفَ مُفْرَدَهَا ومنظومتها
فأما ما ابتدئ بِثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَفِيهِ سِرٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ إِذَا بُدِئَ بِهَا أَوَّلًا كَانَتْ هَمْزَةً وَهِيَ أَوَّلُ الْمَخَارِجِ مِنْ أَقْصَى الصَّدْرِ وَاللَّامُ مِنْ وَسَطِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَهِيَ أَشَدُّ الْحُرُوفِ اعْتِمَادًا عَلَى اللِّسَانِ وَالْمِيمُ آخِرُ الْحُرُوفِ وَمَخْرَجُهَا مِنَ الْفَمِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَصْلُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ أَعْنِي الْحَلْقَ وَاللِّسَانَ وَالشَّفَتَيْنِ وَتَرَتَّبَتْ فِي التَّنْزِيلِ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى الْوَسَطِ إِلَى النِّهَايَةِ
فَهَذِهِ الْحُرُوفُ تَعْتَمِدُ الْمَخَارِجَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي يَتَفَرَّعُ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ مَخْرَجًا لِيَصِيرَ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا عَلَيْهَا مَدَارُ كَلَامِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ مَعَ تَضَمُّنِهَا سِرًّا عَجِيبًا وَهُوَ أَنَّ الْأَلِفَ لِلْبِدَايَةِ وَاللَّامَ لِلتَّوَسُّطِ وَالْمِيمَ لِلنِّهَايَةِ فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْأَحْرُفُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَالْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا
وَكُلُّ سُورَةٍ اسْتَفْتَحَتْ بِهَذِهِ الْأَحْرُفِ فَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَبْدَأِ الْخَلْقِ وَنِهَايَتِهِ وَتَوَسُّطِهِ مُشْتَمِلَةً عَلَى خَلْقِ الْعَالَمِ وَغَايَتِهِ وَعَلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْبِدَايَةِ مِنَ الشرائع والأوامر فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السَّجْدَةِ وَسُورَةِ الرُّومِ
وَأَيْضًا فَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ كَثُرَتْ فِي الْفَوَاتِحِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَامِ
وَأَيْضًا مِنْ أَسْرَارِ عِلْمِ الْحُرُوفِ أَنَّ الْهَمْزَةَ مِنَ الرِّئَةِ فَهِيَ أَعْمَقُ الْحُرُوفِ وَاللَّامَ مَخْرَجُهَا مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ مُلْصَقَةٌ بِصَدْرِ الْغَارِ الْأَعْلَى مِنَ الْفَمِ فَصَوْتُهَا يَمْلَأُ مَا وَرَاءَهَا مِنْ هَوَاءِ الْفَمِ وَالْمِيمَ مُطَبَقَةٌ لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا وَيُرْمَزُ بِهِنَّ إِلَى بَاقِي الْحُرُوفِ كَمَا رَمَزَ
стр. 186
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" إِلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِمَا
وَتَأَمَّلِ اقْتِرَانَ الطَّاءِ بِالسِّينِ وَالْهَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الطَّاءَ جَمَعَتْ مِنْ صِفَاتِ الْحُرُوفِ خَمْسَ صِفَاتٍ لَمْ يَجْمَعْهَا غَيْرُهَا وَهِيَ
الْجَهْرُ وَالشِّدَّةُ وَالِاسْتِعْلَاءُ وَالْإِطْبَاقُ وَالْإِصْمَاتُ وَالسِّينُ مَهْمُوسٌ رِخْوٌ مُسْتَفِلٌ صَفِيرٌ مُنْفَتِحٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ إِلَى الطَّاءِ حَرْفٌ يُقَابِلُهَا كَالسِّينِ وَالْهَاءِ فَذَكَرَ الْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ جَمَعَا صِفَاتِ الْحُرُوفِ
وَتَأَمَّلِ السُّورَةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ كَيْفَ تَجِدُ السُّورَةَ مَبْنِيَّةً عَلَى كَلِمَةِ ذَلِكَ الْحَرْفِ فمن ذلك: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ فَإِنَّ السُّورَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَلِمَاتِ الْقَافِيَةِ مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَمِنْ ذِكْرِ الْخَلْقِ وَتَكْرَارِ الْقَوْلِ وَمُرَاجَعَتِهِ مِرَارًا وَالْقُرْبِ مِنِ ابْنِ آدَمَ وَتَلَقِّي الْمَلَكَيْنِ وَقَوْلِ الْعَتِيدِ وَذِكْرِ الرَّقِيبِ وَذِكْرِ السَّابِقِ وَالْقَرِينِ وَالْإِلْقَاءِ فِي جَهَنَّمَ وَالتَّقَدُّمِ بِالْوَعْدِ وَذِكْرِ الْمُتَّقِينَ وَذِكْرِ الْقَلْبِ وَالْقَرْنِ وَالتَّنْقِيبِ فِي الْبِلَادِ وَذِكْرِ الْقَتْلِ مَرَّتَيْنِ وَتَشَقُّقِ الْأَرْضِ وَإِلْقَاءِ الرَّوَاسِي فِيهَا وَبُسُوقِ النَّخْلِ وَالرِّزْقِ وَذِكْرِ الْقَوْمِ وَخَوْفِ الْوَعِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَسِرٌّ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَعَانِي السُّورَةِ مُنَاسِبٌ لِمَا فِي حَرْفِ الْقَافِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجَهْرِ وَالْقَلْقَلَةِ وَالِانْفِتَاحِ وَإِذَا أَرَدْتَ زِيَادَةَ إِيضَاحٍ فَتَأَمَّلْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ص مِنَ الْخُصُومَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ فَأَوَّلُهَا خُصُومَةُ الْكُفَّارِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وقولهم: ﴿أجعل الآلهة
стр. 187
إلها واحدا﴾ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِمْ ثُمَّ اخْتِصَامُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ دَاوُدَ ثُمَّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ اخْتِصَامُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى فِي الْعِلْمِ وَهُوَ الدَّرَجَاتُ وَالْكَفَّارَاتُ ثُمَّ تَخَاصُمُ إِبْلِيسَ وَاعْتِرَاضُهُ عَلَى رَبِّهِ وَأَمْرُهُ بِالسُّجُودِ ثُمَّ اخْتِصَامُهُ ثَانِيًا فِي شَأْنِ بَنِيهِ وَحَلِفِهِ لَيُغْوِينَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا أَهْلَ الْإِخْلَاصِ مِنْهُمْ
وَكَذَلِكَ سُورَةُ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ فَإِنَّ فَوَاصِلَهَا كُلَّهَا عَلَى هَذَا الْوَزْنِ مَعَ مَا تَضَمَّنَتْ مِنَ الْأَلْفَاظِ النُّونِيَّةِ
وَتَأَمَّلْ سُورَةَ الْأَعْرَافِ زَادَ فِيهَا ص لِأَجْلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حرج﴾ وَشَرَحَ فِيهَا قَصَصَ آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى المص: ﴿أَلَمْ نشرح لك صدرك﴾ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُصَوِّرُ وَقِيلَ أَشَارَ بِالْمِيمِ لِمُحَمَّدٍ وَبِالصَّادِ لِلصِّدِّيقِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمُصَاحَبَةِ الصَّادِ الْمِيمَ وَأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا كَمُصَاحَبَةِ الصِّدِّيقِ لِمُحَمَّدٍ وَمُتَابَعَتِهِ لَهُ
وَجَعَلَ السُّهَيْلِيُّ هَذَا مِنْ أَسْرَارِ الْفَوَاتِحِ وَزَادَ فِي الرَّعْدِ رَاءً لِأَجْلِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الذي رفع السماوات﴾ وَلِأَجْلِ ذِكْرِ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَغَيْرِهِمَا
وَاعْلَمْ أَنَّ عَادَةَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْحُرُوفِ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿الم ذلك الكتاب﴾ وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت والروم فيسأل عن حكمة ذلك.
تنبيهات
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْفَوَاتِحِ الشَّرِيفَةِ
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ لَمْ يَعُدُّوا شَيْئًا مِنْهَا آيَةً وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَمِنْهَا مَا عَدُّوهُ آيَةً وَمِنْهَا
стр. 188
مَا لَمْ يُعِدُّوهُ آيَةً وَهُوَ عِلْمٌ تَوْقِيفِيٌّ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ كَمَعْرِفَةِ السُّوَرِ أَمَّا الم فَآيَةٌ حَيْثُ وَقَعَتْ مِنَ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بها وهي ست وكذلك المص آية والمر لم تعد آية والر ليست بآية من سورها الخمس وطسم آية في سوريتيها وطه ويس آيتان وطس ليست بآية وحم آية في سورها كلها وحم عسق آيتان وكهيعص آية واحدة وص وق ون لَمْ تُعَدَّ وَاحِدَةٌ مِنْهَا آيَةً وَإِنَّمَا عُدَّ مَا هُوَ فِي حُكْمِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ آيَةً كما عد الرحمن وحده ومداهمتان وحدها آيتين على طريق التوقيف:
وقال الو احدي فِي الْبَسِيطِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ لَا يُعَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا آيَةً إِلَّا فِي طه وَسِرُّهُ أَنَّ جَمِيعَهَا لَا يُشَاكِلُ مَا بَعْدَهُ مِنْ رُءُوسِ الْآيِ فَلِهَذَا لَمْ يُعَدَّ آيَةً بِخِلَافِ طه فَإِنَّهَا تُشَاكِلُ مَا بَعْدَهَا
الثَّانِي: هذه الفواتح الشريفة على ضربين
أحدهما: امالا يتأتى فيه إعراب نحو كهيعص والم
وَالثَّانِي: مَا يَتَأَتَّى فِيهِ وَهُوَ إِمَّا أَنْ يكون اسما مفردا كص وق ون أَوْ أَسْمَاءً عِدَّةً مَجْمُوعُهَا عَلَى زِنَةِ مُفْرَدٍ ك حم وطس ويس فَإِنَّهَا مُوَازَنَةٌ لِقَابِيلَ وَهَابِيلَ وَكَذَلِكَ طسم يَتَأَتَّى فيها أن تفتح نونها فتصير ميم مضمومة إلى طس فيجعلا اسما واحدا كدار انجرد فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ مَحْكِيٌّ لَيْسَ إِلَّا وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَسَائِغٌ فِيهِ الْأَمْرَانِ الْإِعْرَابُ وَالْحِكَايَةُ
стр. 189
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُوقَفُ عَلَى جَمِيعِهَا وَقْفَ التَّمَامِ إِنْ حُمِلَتْ عَلَى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ تُجْعَلْ أَسْمَاءً لِلسُّورِ وَيُنْعَقْ بِهَا كَمَا يُنْعَقُ بِالْأَصْوَاتِ أَوْ جُعِلَتْ وَحْدَهَا أَخْبَارَ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿الم الله﴾ أَيْ هَذِهِ السُّورَةُ الم ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
الرَّابِعُ: أَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ الشَّرِيفَةِ عَلَى صُورَةِ الْحُرُوفِ أَنْفُسِهَا لَا عَلَى صُورَةِ أَسَامِيهَا وَعُلِّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْكَلِمَةَ لَمَّا كَانَتْ مُرَكَّبَةً مِنْ ذَوَاتِ الْحُرُوفِ وَاسْتَمَرَّتِ الْعَادَةُ مَتَى تَهَجَّيْتَ وَمَتَى قِيلَ لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ كَيْتَ وَكَيْتَ أَنْ يُلْفَظَ بِالْأَسْمَاءِ وَتَقَعَ فِي الْكِتَابَةِ الْحُرُوفُ أَنْفُسُهَا فَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ لِلْمُشَاكَلَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي كِتَابَةِ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ وَأَيْضًا فَإِنَّ شُهْرَةَ أَمْرِهَا وَإِقَامَةَ ألسنة الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ لَهَا وَأَنَّ اللَّافِظَ بِهَا غَيْرُ مُتَهَجَّاةٍ لَا يَجِيءُ بِطَائِلٍ فِيهَا وَأَنَّ بَعْضَهَا مُفْرَدٌ لَا يَخْطُرُ بِبَالٍ غَيْرُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مَوْرِدِهِ أَمِنْتَ وُقُوعَ اللَّبْسِ فِيهَا وَقَدِ اتَّفَقَتْ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ أَشْيَاءُ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسَاتِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا عِلْمُ الْخَطِّ وَالْهِجَاءِ ثُمَّ مَا عَادَ ذَلِكَ بِنَكِيرٍ وَلَا نُقْصَانٍ لِاسْتِقَامَةِ اللَّفْظِ وَبَقَاءِ الْحِفْظِ وَكَانَ اتِّبَاعُ خَطِّ الْمُصْحَفِ سُنَّةً لَا تُخَالَفُ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوَائِلَ السُّوَرِ عَلَى قولين:
стр. 190
أَحَدِهِمَا: أَنَّ هَذَا عِلْمٌ مَسْتُورٌ وَسِرٌّ مَحْجُوبٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي كُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ وَسِرُّهُ فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ قَالَ الشَّعْبِيُّ إِنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ .
قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ وَقَدْ أَنْكَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْخَلْقُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَدَبُّرِهِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا مَعَ الْإِحَاطَةِ بِمَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ كَمَا جَازَ التَّعَبُّدُ بِمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فِي الْأَفْعَالِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي الْأَقْوَالِ بِأَنْ يَأْمُرَنَا اللَّهُ تَارَةً بِأَنْ نَتَكَلَّمَ بِمَا نَقِفُ عَلَى مَعْنَاهُ وَتَارَةً بِمَا لَا نَقِفُ عَلَى مَعْنَاهُ وَيَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ ظُهُورَ الِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا مَعْلُومٌ وَذَكَرُوا فِيهِ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ وَجْهًا فَمِنْهَا الْبَعِيدُ وَمِنْهَا القريب
أحدها وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا مَأْخُوذٌ مِنِ اسْمٍ من أسمائه سبحانه فالألف من الله واللام من لطيف والميم من مجيد أو الألف من آلائه واللام من لطفه والميم مَنْ مَجْدِهِ
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَهَذَا وَجْهٌ جَيِّدٌ وَلَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ شَاهِدٌ
قُلْنَا لَهَا قِفِي فَقَالَتْ ق فَعَبَّرَ عَنْ قَوْلِهَا وقفت بق
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ بِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ مُحَمَّدٌ هُوَ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ لَا شَكَّ فِيهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِ هَذِهِ الْحُرُوفِ إِذْ كَانَتْ مَادَّةَ البيان وما في كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ بِاللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهِيَ أُصُولُ كَلَامِ الْأُمَمِ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِ: ﴿الْفَجْرِ﴾ ﴿وَالطُّورِ﴾ فَكَذَلِكَ شَأْنُ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي الْقَسَمِ بِهَا
стр. 191
الثَّالِثُ: أَنَّهَا الدَّائِرَةُ مِنَ الْحُرُوفِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ فَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ آلَائِهِ أَوْ بَلَائِهِ أَوْ مُدَّةِ أَقْوَامٍ أَوْ آجَالِهِمْ فَالْأَلِفُ سَنَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ الْفُرْقَانَ فَلَمْ يَدَعْ نَظْمًا عَجِيبًا وَلَا عِلْمًا نَافِعًا إِلَّا أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ عَلِمَ ذَلِكَ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ
الرَّابِعُ: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى الم أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي المص أنا الله أفصل والر أَنَا اللَّهُ أَرَى وَنَحْوُهُ مِنْ دَلَالَةِ الْحَرْفِ الواحد على الاسم العام وَالصِّفَةِ التَّامَّةِ
الْخَامِسُ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلسُّورِ فَ الم اسم لهذه وحم اسْمٌ لِتِلْكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ وُضِعَتْ لِلتَّمْيِيزِ فَهَكَذَا هَذِهِ الْحُرُوفُ وُضِعَتْ لِتَمْيِيزِ هَذِهِ السُّوَرِ مِنْ غَيْرِهَا وَنَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ وَأَنَّ سِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ وَجَدْنَا الم افْتُتِحَ بِهَا عِدَّةُ سُوَرٍ فَأَيْنَ التَّمْيِيزُ قُلْنَا قَدْ يَقَعُ الْوِفَاقُ بَيْنَ اسْمَيْنِ لِشَخْصَيْنِ ثُمَّ يُمَيِّزُ بَعْدَ ذَلِكَ بصفة وقعت كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ وَزَيْدٌ ثُمَّ يُمَيَّزَانِ بِأَنْ يُقَالَ زَيْدٌ الْفَقِيهُ وَزَيْدٌ النَّحْوِيُّ فَكَذَلِكَ إِذَا قرأ القارئ الم ذلك الكتاب فَقَدْ مَيَّزَهَا عَنْ الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
السَّادِسُ: أَنْ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَسِرُّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَأَظُنُّ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُ مِنَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ
стр. 192
قُلْتُ وَقَدِ اسْتَخْرَجَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَغْرِبِ مِنْ قوله تعالى ﴿الم غلبت الرُّومِ﴾ فُتُوحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِنْقَاذَهُ مِنَ الْعَدُوِّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَكَانَ كَمَا قَالَ
السَّابِعُ: أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ لَغَوْا فِيهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ والغوا فيه﴾ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا النَّظْمَ الْبَدِيعَ لِيَعْجَبُوا مِنْهُ وَيَكُونُ تَعَجُّبُهُمْ سَبَبًا لِاسْتِمَاعِهِمْ وَاسْتِمَاعُهُمْ لَهُ سَبَبًا لِاسْتِمَاعِ مَا بَعْدَهُ فَتَرِقُّ الْقُلُوبُ وَتَلِينُ الْأَفْئِدَةُ
الثَّامِنُ: أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ ذُكِرَتْ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي هِيَ أب ت ث فَجَاءَ بَعْضُهَا مُقَطَّعًا وَجَاءَ تَمَامُهَا مُؤَلَّفًا لِيَدُلَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ أَنَّهُ بِالْحُرُوفِ الَّتِي يَعْقِلُونَهَا وَيَبْنُونَ كَلَامَهُمْ مِنْهَا
التَّاسِعُ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ أَنْ تُجْعَلَ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ كُلُّهَا تَأْوِيلًا وَاحِدًا فَيُقَالُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا افْتَتَحَ السُّوَرَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ إِرَادَةً مِنْهُ لِلدَّلَالَةِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ لَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فَتَكُونُ هَذِهِ الْحُرُوفُ جَامِعَةً لِأَنْ تَكُونَ افْتِتَاحًا وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَأْخُوذًا مِنِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ وَضَعَهَا هَذَا الْوَضْعَ فَسَمَّى بِهَا وَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا فِي آجَالِ قَوْمٍ وَأَرْزَاقِ آخَرِينَ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِنْعَامِهِ وَإِفْضَالِهِ وَمَجْدِهِ وَأَنَّ الِافْتِتَاحَ بِهَا سَبَبٌ لِأَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ وَأَنَّ فِيهَا إِعْلَامًا لِلْعَرَبِ أَنَّ الْقُرْآنَ الدَّالَّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ وَأَنَّ عَجْزَهُمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ نُزُولِهِ بِالْحُرُوفِ الْمُتَعَالِمَةِ بَيْنَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَجُحُودِهِمْ وَأَنَّ كُلَّ عَدَدٍ مِنْهَا إِذَا وَقَعَ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ فَهُوَ اسْمٌ لِتِلْكَ السُّورَةِ
قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ الْجَامِعُ لِلتَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 193
الْعَاشِرُ: أَنَّهَا كَالْمُهَيِّجَةِ لِمَنْ سَمِعَهَا مِنَ الْفُصَحَاءِ وَالْمُوقِظَةِ لِلْهِمَمِ الرَّاقِدَةِ مِنَ الْبُلَغَاءِ لِطَلَبِ التَّسَاجُلِ والأخذ في التفاصيل وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ زَمْجَرَةِ الرَّعْدِ قِبَلَ النَّاظِرِ فِي الْأَعْلَامِ لِتَعْرِفَ الْأَرْضُ فَضْلَ الْغَمَامِ وَتَحَفَظَ مَا أُفِيضَ عَلَيْهَا مِنَ الْإِنْعَامِ وَمَا هَذَا شَأْنُهُ خَلِيقٌ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَعَانِيهِ بَعْدَ حِفْظِ مَبَانِيهِ
الْحَادِيَ عَشَرَ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ تِعْدَادَ هَذِهِ الْحُرُوفِ مِمَّنْ لَمْ يُمَارِسِ الْخَطَّ وَلَمْ يُعَانِ الطَّرِيقَةَ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾
الثَّانِيَ عَشَرَ: انْحِصَارُهَا فِي نِصْفِ أَسْمَاءِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ لِأَنَّهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَهَذَا وَاضِحٌ عَلَى مَنْ عَدَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ حَرْفًا وَقَالَ لَا مُرَكَّبَةٌ مِنَ اللَّامِ وَالْأَلِفِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا وَالنُّطْقُ بِلَا فِي الْهِجَاءِ كَالنُّطْقِ فِي لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاضِعَ جَعَلَ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ صَدْرَ اسْمِهِ إِلَّا الْأَلِفَ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُبْتَدَأَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَى السُّكُونِ فَلَا يَقْبَلُ الْحَرَكَةَ أَصْلًا تُوِصِّلَ إِلَيْهِ بِاللَّامِ لِأَنَّهَا شَابَهَتْهُ فِي الِاعْتِدَادِ وَالِانْتِصَابِ وَلِذَلِكَ يُكْتَبُ عَلَى صُورَةِ الْأَلِفِ إِلَّا إِذَا اتَّصَلَ بِمَا بَعْدَهُ
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ اسْمُ الْأَلِفِ فِي أَوَّلِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ قُلْتُ ذَلِكَ اسْمُ الْهَمْزَةِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صَدْرُهُ وَالثَّانِي أنتها صَدْرُ مَا تَصَدَّرَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ لِتَكُونَ صُورَتُهُ ثَلَاثًا وَإِنَّمَا كَانَتْ صَدْرَهُ لِأَنَّ صُورَتَهَا كَالْمُتَكَرِّرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لِأَنَّهَا تَلْبَسُ صُورَةَ الْعَيْنِ وَصُورَةَ الْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ لِمَا يَعْرِضُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَلِذَلِكَ أَخَّرُوا مَا بَعْدَ الطَّاءِ
стр. 194
وَالظَّاءِ وَالْعَيْنِ لِأَنَّ صُورَتَهَا لَيْسَتْ مُتَكَرِّرَةً وَجَوَابُهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَرْفَ لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ فَيَتَعَيَّنُ سُقُوطُ حَرْفٍ لِأَنَّهُ الْأَلْيَقُ بِالْإِيجَازِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: مَجِيئُهَا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً بِعَدَدِ الْحُرُوفِ فَإِنْ قُلْتَ هَلَّا رُوعِيَ صُورَتُهَا كَمَا رُوعِيَ عَدَدُهَا قُلْتُ عُرِضَ لِبَعْضِهَا الثِّقَلُ لَفْظًا فَأُهْمِلَ.
فَصْلٌ
اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ ضَرُورِيَّةً فِي النُّطْقِ وَاجِبَةً فِي الْهِجَاءِ لَازِمَةَ التَّقَدُّمِ فِي الْخَطِّ وَالنُّطْقِ إِذِ الْمُفْرَدُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ فَقُدِّمَتْ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتُ عَلَى مُرَكَّبَاتِهَا فِي الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فِي الْمُفْرَدِ مَا فِي الْمُرَكَّبِ بَلْ فِي الْمُرَكَّبِ مَا فِي الْمُفْرَدِ وَزِيَادَةٌ وَلَمَّا كَانَ نُزُولُ الْقُرْآنِ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ بَاقِيًا إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَا كِتَابَ بَعْدَهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى حُرُوفَهُ كَالْعَلَائِمِ مُبَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ مِنْ قَبِيلِ تِلْكَ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا حَتَّى كَأَنَّهَا تَتِمَّةٌ لَهَا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُدَّةٌ
وَأَمَّا نُزُولُ ذَلِكَ فِي مُدَدٍ وَأَزْمِنَةٍ أَوْ نُزُولُ سُوَرٍ خَالِيَةٍ عَنِ الْحُرُوفِ فَبِحَسَبِ تِلْكَ الْوَقَائِعِ وَأَمَّا تَرْتِيبُ وَضْعِهَا فِي الْمُصْحَفِ أَعْنِي السُّوَرَ فَلَهُ أَسْبَابٌ مَذْكُورَةٌ فِي النَّوْعِ الثَّالِثَ عَشَرَ
وَأَمَّا زِيَادَةُ بَعْضِ الْحُرُوفِ فِي بَعْضِ السُّوَرِ وَتَغْيِير بَعْضِهَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِعْلَامُ بِالْحُرُوفِ فَقَطْ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى فَرَضَ الْإِنْسَانُ فِي بَعْضِهَا شَيْئًا مِثْلَ ﴿الم﴾ السَّجْدَةِ لَزِمَهُ فِي مِثْلِهَا مِثْلُهُ كألف لَامْ مِيمْ الْبَقَرَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ دَلَّهُ ذَلِكَ الثَّانِي عَلَى بُطْلَانِ الْأَوَّلِ وَتَحَقَّقَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ هِيَ عَلَامَاتُ الْمَكْتُوبِ وَالْمَنْطُوقِ وَأَمَّا كَوْنُهَا اخْتَصَّتْ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ
стр. 195
ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى السُّوَرِ وَأَنَّهَا احْتَوَتْ عَلَى جُمْلَةِ الْمَنْطُوقِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ وَلِهَذَا حَصَلَتْ فِي تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً بِعَدَدِ جُمْلَةِ الْحُرُوفِ وَلَوْ كَانَ الْقَصْدُ الِاحْتِوَاءَ عَلَى نِصْفِ الْكِتَابِ لَجَاءَتْ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً وَهَذَا الِاحْتِوَاءُ لَيْسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ مِنْ وَجْهٍ يَرْجِعُ إِلَى النُّطْقِ وَالْفَصَاحَةِ وَتَرْكِيبِ أَلْفَاظِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا يَقْتَضِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ التَّعْجِيزُ وَيَحْتَمِلُ لِأَنْ يَكُونَ لَمَعَانٍ أُخَرَ يَجِدُهَا مَنْ يَفْتَحِ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالتَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ أَوْ هِبَةً مِنْ لَدُنْهُ سُبْحَانَهُ
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي بَقِيَّةِ السُّوَرِ أَيْضًا كَمَا فِي ذَوَاتِ الْحُرُوفِ بَلْ هَذِهِ خُصِّصَتْ بِعَلَامَاتٍ لِفَضِيلَةٍ وَجَبَ مِنْ أَجْلِهَا أَنْ تُعْلَمَ عَلَيْهَا السُّوَرُ لِيُنَبِّهَ عَلَى فَضْلِهَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاحْتِمَالِ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً لِتَكُونَ عِدَّةُ السُّوَرِ دَالَّةً لَنَا عَلَى عِدَّةِ الْحُرُوفِ فَتَكُونَ السُّوَرُ مِنْ جِهَةِ الْعِدَّةِ مُؤَدِّيَةً إِلَى الْحُرُوفِ مِنْ جِهَةِ الْعِدَّةِ فَيُعْلَمَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ عِوَضٌ عَنْ تِسْعَةٍ وعشرين
٣ـ الاستفتاح بالنداء
النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ اسْتِفْتَاحِ السُّوَرِ النِّدَاءُ نَحْوُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النبي﴾ ﴿يا أيها المدثر﴾ وذلك في عشر سور
стр. 196
٤ـ الاستفتاح بالجمل الخبرية
الرَّابِعُ: الْجُمَلُ الْخَبَرِيَّةُ نَحْوُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ﴿براءة من الله﴾ ﴿أتى أمر الله﴾ ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ ﴿سورة أنزلناها﴾ ﴿تنزيل الكتاب﴾ ﴿الذين كفروا﴾ ﴿إنا فتحنا﴾ ﴿اقتربت الساعة﴾ ﴿الرحمن علم القرآن﴾ ﴿قد سمع الله﴾ ﴿الحاقة﴾ ﴿سأل سائل﴾ ﴿إنا أرسلنا﴾ ﴿لا أقسم﴾ في موضعين ﴿عبس﴾ ﴿إنا أنزلناه﴾ ﴿لم يكن﴾ ﴿القارعة﴾ ﴿ألهاكم﴾ ﴿إنا أعطيناك﴾ فتلك ثلاث وعشرون سورة
٥ـ الاستفتاح بالقسم
الْخَامِسُ الْقَسَمُ نَحْوُ ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ ﴿وَالطُّورِ﴾ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَالتِّينِ﴾ ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ فتلك خمس عشرة سورة
стр. 197
٦ـ الاستفتاح بالشرط
السَّادِسُ: الشَّرْطُ نَحْوُ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ ﴿إِذَا جاء نصر الله﴾ فذلك سبع سور
٧ـ الاستفتاح بالأمر
االسَّابِعُ الِاسْتِفْتَاحُ بِالْأَمْرِ فِي سِتِّ سُوَرٍ ﴿قُلْ أوحي﴾ ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ﴿قل يا أيها الْكَافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ في سورتين
٨ـ الاستفتاح بالاستفهام
الثامن لفظ الاستفهام في ﴿هل أتى﴾ ﴿عم يتساءلون﴾ ﴿هل أتاك﴾ ﴿ألم نشرح﴾ ﴿ألم تر﴾ ﴿أرأيت﴾ فتلك ست سور
٩ـ الاستفتاح بالدعاء
التَّاسِعُ الدُّعَاءُ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾
١٠ ـ الاستفتاح بالتعليل
الْعَاشِرُ التَّعْلِيلُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ نَحْوِ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾
هَكَذَا جَمَعَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ قَالَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِسْمِ
стр. 198
الدُّعَاءِ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْخَبَرِ وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ كُلُّهُ خَبَرٌ إِلَّا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ أَيْضًا فِي
قِسْمِ الْأَمْرِ وَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بعبده﴾
يَحْتَمِلُ الْأَمْرَ وَالْخَبَرَ وَنُظِمَ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ
أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ بِثُبُو ... تِ الْمَدْحِ وَالسَّلْبِ لَمَّا اسْتَفْتَحَ السُّوَرَا
وَالْأَمْرُ شَرْطُ الندا التعليل والقسم الدعا حُرُوفُ التَّهَجِّي اسْتَفْهِمِ الْخَبَرَا
стр. 199
النَّوْعُ الثَّامِنُ: فِي خَوَاتِمِ السُّوَرِ
وَهِيَ مِثْلُ الْفَوَاتِحِ فِي الْحُسْنِ لِأَنَّهَا آخِرُ مَا يَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ فَلِهَذَا جَاءَتْ مُتَضَمِّنَةً لِلْمَعَانِي الْبَدِيعَةِ مَعَ إِيذَانِ السَّامِعِ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ حَتَّى يَرْتَفِعَ مَعَهُ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُذْكَرُ بَعْدُ
وَمِنْ أَوْضَحِهِ خَاتِمَةُ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ وَخَاتِمَةُ سُورَةِ الْأَحْقَافِ: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا القوم الفاسقون﴾ وَلِأَنَّهَا بَيْنَ أَدْعِيَةٍ وَوَصَايَا وَفَرَائِضَ وَمَوَاعِظَ وَتَحْمِيدٍ وَتَهْلِيلٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَتَفْصِيلِ جُمْلَةِ الْمَطْلُوبِ فِي خَاتِمَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِذِ الْمَطْلُوبُ الْأَعْلَى الْإِيمَانُ الْمَحْفُوظُ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُسَبِّبَةِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَالضَّلَالِ فَفَصَّلَ جُمْلَةَ ذَلِكَ بُقُولِهِ ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ وَالْمُرَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْإِنْعَامَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ ليتناول كل إنعام لأن من أنعم عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْإِيمَانِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضالين﴾ يعني أنهم جمعوا بين النعمة الْمُطْلَقَةِ وَهِيَ نِعْمَةُ الْإِيمَانِ وَبَيْنَ السَّلَامَةِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَالضَّلَالِ الْمُسَبَّبَيْنِ عَنْ مَعَاصِيهِ وَتَعَدِّي حدوده
стр. 200
وَكَالدُّعَاءِ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سورة البقرة
وَكَالْوَصَايَا الَّتِي خُتِمَتْ بِهَا سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ بِالصَّبْرِ عَلَى تَكَالِيفِ الدِّينِ وَالْمُصَابَرَةِ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ وَمُعَاقَبَتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الْحَرْبِ وَالْمُرَابَطَةِ فِي الْغَزْوِ الْمَحْضُوضِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وَالتَّقْوَى الْمَوْعُودِ عَلَيْهَا بِالتَّوْفِيقِ فِي الْمَضَايِقِ وَسُهُولَةِ الرِّزْقِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ، وَبِالْفَلَاحِ لِأَنَّ ﴿لَعَلَّ﴾ مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ
وَكَالْوَصَايَا والفرائض التي ختمت بها سورة النساء وَحَسُنَ الْخَتْمُ بِهَا لِأَنَّهَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْأَحْكَامِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
وَكَالتَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ الْمَائِدَةِ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير﴾ وَلِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ اخْتُيرَتْ مَا عَلَى مَنْ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَجْنَاسَ كُلَّهَا
وَكَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ الْعِقَابِ بِالسُّرْعَةِ وَتَوْكِيدِ الرَّحْمَةِ بِالْكَلَامِ الْمُفِيدِ لِتَحْقِيقِ الوقوع
стр. 201
وَكَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْعِبَادَةِ بِوَصْفِ حَالِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي ختمت به سورة الأعراف وَالْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ الَّذِي خَتَمَ به الأنفال
وَوَصْفِ الرَّسُولِ وَمَدْحِهِ وَالِاعْتِدَادِ عَلَى الْأُمَمِ بِهِ وَتَسْلِيمِهِ وَوَصَّيْتِهِ وَالتَّهْلِيلِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ بَرَاءَةٌ
وَتَسْلِيَتِهِ ﵊ الَّذِي خَتَمَ بِهَا سورة يونس ومثلها خاتمة هود وَوَصْفِ الْقُرْآنِ وَمَدْحِهِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ سُورَةَ يوسف
وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ كَذَّبَ الرَّسُولَ الَّذِي خَتَمَ به الرعد
стр. 202
وَمَدْحِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ فَائِدَتِهِ وَالْعِلَّةِ فِي أَنَّهُ إله واحد الذي ختمت به إبراهيم ووصيته الرسول التي ختم بها الحجر وَتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ بِطُمَأْنِينَتِهِ وَوَعْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي ختمت به النحل والتحميد الذي ختمت به سبحان وَتَحْضِيضِ الرَّسُولِ عَلَى الْبَلَاغِ وَالْإِقْرَارِ بِالتَّنْزِيهِ وَالْأَمْرِ بالتوحيد الذي ختمت به الكهف وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى نِصْفِ الْقُرْآنِ لِيَكُونَ مِثَالًا لمن نظر في بقيته
فصل: في مناسبة فواتح السور وخواتمها
وَمِنْ أَسْرَارِهِ مُنَاسَبَةُ فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَخَوَاتِمِهَا وَتَأَمُّلْ سُورَةَ الْقَصَصِ وَبُدَاءَتِهَا بِقِصَّةِ مَبْدَأِ أَمْرِ مُوسَى ونصرته وقوله: ﴿فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾ وَخُرُوجِهِ مِنْ وَطَنِهِ وَنُصْرَتِهِ وَإِسْعَافِهِ بِالْمُكَالَمَةِ وَخَتْمِهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَلَّا يكون ظهيرا
стр. 203
لِلْكَافِرِينَ وَتَسْلِيَتِهِ بِخُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ وَالْوَعْدِ بِعَوْدِهِ إليها بقوله ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى معاد﴾
قَالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فَاتِحَةَ سُورَةِ المؤمنين: ﴿قد أفلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَأَوْرَدَ فِي خَاتِمَتِهَا: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكافرون﴾ فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة
فصل: في مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي قبلها
وَمِنْ أَسْرَارِهِ مُنَاسَبَةُ فَاتِحَةِ السُّورَةِ بِخَاتِمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا حَتَّى إِنَّ مِنْهَا مَا يُظْهِرُ تَعَلُّقُهَا بِهِ لَفْظًا كَمَا قِيلَ فِي
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكول﴾ ﴿لإيلاف قُرَيْشٍ﴾
وَفِي الْكَوَاشِيِّ لَمَّا خَتَمَ سُورَةَ النِّسَاءِ آمِرًا بِالتَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ بَيْنَ الْعِبَادِ أَكَّدَ ذَلِكَ بقوله في أول سورة المائدة ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾
стр. 204
النَّوْعُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ
وَمَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَتَرْتِيبِ ذَلِكَ
وَمِنْ فَوَائِدِهِ مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْمَكِّيُّ أَكْثَرُ مِنَ الْمَدَنِيِّ
اعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ اصْطِلَاحَاتٍ
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَكِّيَّ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَالْمَدَنِيَّ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمَكِّيَّ مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَالْمَدَنِيَّ مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَكِّيَّ مَا وَقَعَ خِطَابًا لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدَنِيَّ مَا وَقَعَ خِطَابًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ الْكُفْرُ فَخُوطِبُوا يأيها النَّاسُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ دَاخِلًا فِيهَا وَكَانَ الغالب على أهل المدينة الإيمان فخوطبوا يأيها الَّذِينَ آمَنُوا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ دَاخِلًا فِيهِمْ
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ إِلَّا آيَةً وَهِيَ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيه إلى الله﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بمنى انتهى
стр. 205
ونزولها هناك لا يخرجها عن المدني بالاصطلاح الثَّانِي أَنَّ مَا نَزَلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ هِيَ مَدَنِيَّةٌ إِلَّا آيَةً واحدة نزلت في مكة في عثمان ابن طَلْحَةَ حِينَ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ وَيُسَلِّمَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أهلها﴾ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ
وَمِنْ جُمْلَةِ عَلَامَاتِهِ أن كل سورة فيها يأيها الناس وليس فيها يأيها الَّذِينَ آمَنُوا فَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَفِي الْحَجِّ اخْتِلَافٌ وَكُلُّ سُورَةٍ فِيهَا كَلَّا فَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَكُلُّ سُورَةٍ فِيهَا حُرُوفُ الْمُعْجَمِ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا البقرة وآل عِمْرَانَ وَفِي الرَّعْدِ خِلَافٌ وَكُلُّ سُورَةٍ فِيهَا قِصَّةُ آدَمَ وَإِبْلِيسَ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ سِوَى الْبَقَرَةِ وَكُلُّ سُورَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ فَمَدَنِيَّةٌ سِوَى الْعَنْكَبُوتِ
وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَتْ فِيهَا الْحُدُودُ وَالْفَرَائِضُ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ
وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدارمي بِإِسْنَادِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ قَالَ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَمَا نَزَلَ فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ النَّبِيَّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَهُوَ مِنَ الْمَكِّيِّ
стр. 206
وَمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَسْفَارِهِ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَهُوَ مِنَ الْمَدَنِيِّ وَمَا كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ يأيها الذين آمنوا فهو مدني وما كان يأيها النَّاسُ فَهُوَ مَكِّيٌّ
وَذَكَرَ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ مَا كَانَ مِنْ حَدٍّ أَوْ فَرِيضَةٍ فَإِنَّهُ أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْأُمَمِ وَالْعَذَابِ فَإِنَّهُ أُنْزِلَ بِمَكَّةَ
وَقَالَ الْجَعْبَرِيُّ لِمَعْرِفَةِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ طَرِيقَانِ سَمَاعِيٌّ وَقِيَاسِيٌّ فَالسَّمَاعِيُّ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا نُزُولُهُ بِأَحَدِهِمَا وَالْقِيَاسِيُّ قَالَ عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كل سورة فيها يأيها النَّاسُ فَقَطْ أَوْ كَلَّا أَوْ أَوَّلُهَا حُرُوفُ تهج سوى الزهراوين والرعد فِي وَجْهٍ أَوْ فِيهَا قِصَّةُ آدَمَ وَإِبْلِيسَ سِوَى الطُّولَى فَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَكُلُّ سُورَةٍ فِيهَا قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مَكِّيَّةٌ وَكُلُّ سُورَةٍ فِيهَا فَرِيضَةٌ أَوْ حَدٌّ فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ انْتَهَى
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ نزل فيه يأيها النَّاسُ فَهُوَ بِمَكَّةَ وَكُلُّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ يأيها الَّذِينَ آمَنُوا فَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَهَذَا مُرْسَلٌ قَدْ أُسْنِدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
стр. 207
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِجْرَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهِ
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي أَوَاخِرَ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يَرْوِيهِ غَيْرُ قَيْسٍ عَنْ عَلْقَمَةَ مُرْسَلًا وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّا قَيْسٌ انْتَهَى
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِيهِ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَهَذَا الْقَوْلُ إِنْ أَخَذَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ وَفِيهَا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ وفيها ﴿يا أيها النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وسورة النساء مدنية وفيها: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾ وفيها: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس﴾ وسورة الحج مكية وفيها: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ فَإِنْ أَرَادَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْغَالِبَ ذَلِكَ فَهُوَ صَحِيحٌ وَلِذَا قَالَ مَكِّيٌّ: هَذَا
стр. 208
إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَكْثَرِ وَلَيْسَ بِعَامٍّ وَفِي كثير من السور المكية ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انْتَهَى
وَالْأَقْرَبُ تَنْزِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ مَكِّيٌّ وَمَدَّنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ الْمَقْصُودُ بِهِ أَوْ جُلُّ الْمَقْصُودِ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَفِي تَفْسِيرِ الرَّازِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْحَسَنِ أَنَّ ما في القرآن يأيها الناس مكي وما كان يأيها الَّذِينَ آمَنُوا فَبِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ إِنْ كَانَ الرُّجُوعُ فِي هَذَا إِلَى النَّقْلِ فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِيهِ حُصُولَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْكَثْرَةِ دُونَ مَكَّةَ فَضَعِيفٌ إِذْ يَجُوزُ خِطَابُ الْمُؤْمِنِينَ بِصِفَتِهِمْ وَاسْمِهِمْ وَجِنْسِهِمْ وَيُؤْمَرُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِبَادَةِ كَمَا يُؤْمَرُ الْمُؤْمِنُونَ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهَا والازدياد منها انتهى
فصل
ويقع السؤال أَنَّهُ هَلْ نَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَيَانِ ذَلِكَ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: فِي الِانْتِصَارِ إِنَّمَا هَذَا يَرْجِعُ لِحِفْظِ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ مَعْرِفَةِ مُعَظِّمِي الْعَالِمِ وَالْخَطِيبِ وَأَهْلِ الْحِرْصِ عَلَى حِفْظِ كَلَامِهِ وَمَعْرِفَةِ كُتُبِهِ وَمُصَنَّفَاتِهِ مِنْ أَنْ يَعْرِفُوا مَا صَنَّفَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَحَالُ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ أَمْثَلُ وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ أَشَدُّ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ وَلَا وَرَدَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ اعْلَمُوا أَنَّ قدر ما نزل بِمَكَّةَ كَذَا وَبِالْمَدِينَةِ كَذَا وَفَصَّلَهُ لَهُمْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لَظَهَرَ وَانْتَشَرَ وَإِنَّمَا لَمْ يفعله أنه لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ فَرَائِضِ الْأُمَّةِ وَإِنْ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ تَارِيخِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِيُعْرَفَ الْحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُمَا فَقَدْ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِغَيْرِ نَصِّ الرَّسُولِ بِعَيْنِهِ وَقَوْلُهُ
стр. 209
هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ الْمَكِّيُّ وَهَذَا هُوَ الْآخِرُ الْمَدَنِيُّ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَمَّا لَمْ يَعْتَبِرُوا أَنَّ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ تَفْصِيلَ جَمِيعِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ مِمَّا لَا يَسُوغُ الْجَهْلُ بِهِ لَمْ تَتَوَفَّرِ الدَّوَاعِي عَلَى إِخْبَارِهِمْ بِهِ وَمُوَاصَلَةِ ذِكْرِهِ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَاغَ أَنْ يَخْتَلِفَ فِي بَعْضِ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ مَكِّيٌّ أَوْ مَدَنِيٌّ وَأَنْ يعلموا فِي الْقَوْلِ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَلْزَمِ النَّقْلَ عَنْهُمْ ذِكْرُ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ قَبْلَ إِسْلَامِهِ مَكِّيَّةً أَوْ مَدَنِيَّةً فَيَجُوزُ أَنْ يَقِفَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَطَلَ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ وُجُوبِ نَقْلِ هَذَا أَوْ شُهْرَتِهِ فِي النَّاسِ وَلُزُومِ الْعِلْمِ بِهِ لَهُمْ وَوُجُوبِ ارْتِفَاعِ الْخِلَافِ فِيهِ
فَصْلٌ
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ عُلُومِ الْقُرْآنِ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِ الْقُرْآنِ عِلْمُ نُزُولِهِ وَجِهَاتِهِ وَتَرْتِيبِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ ابْتِدَاءً وَوَسَطًا وَانْتِهَاءً وَتَرْتِيبِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ كَذَلِكَ ثُمَّ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَحُكْمُهُ مَدَنِيٌّ وَمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَحُكْمُهُ مَكِّيٌّ وَمَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَهْلِ مَكَّةَ ثُمَّ مَا يُشْبِهُ نُزُولَ الْمَكِّيِّ فِي الْمَدَنِيِّ وَمَا يُشْبِهُ نُزُولَ الْمَدَنِيِّ فِي الْمَكِّيِّ ثُمَّ مَا نَزَلَ بِالْجُحْفَةِ وَمَا نَزَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا نَزَلَ بِالطَّائِفِ وَمَا نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ مَا نَزَلَ لَيْلًا وَمَا نَزَلَ نَهَارًا وَمَا نَزَلَ مُشَيَّعًا وَمَا نَزَلَ مُفْرَدًا ثُمَّ الْآيَاتِ الْمُدْنِيَاتِ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَالْآيَاتِ الْمَكِّيَّةِ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ ثُمَّ مَا حُمِلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَا حُمِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ وَمَا حُمِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثُمَّ مَا نَزَلَ مُجْمَلًا وَمَا نَزَلَ مُفَسَّرًا وَمَا نَزَلَ مَرْمُوزًا ثُمَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَدَنِيٌّ هَذِهِ خَمْسَةُ وَعِشْرُونَ وَجْهًا مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا وَيُمَيِّزْ بَيْنَهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تعالى
стр. 210
ذِكْرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَرْتِيبُهُ
أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثُمَّ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ثُمَّ ﴿يا أيها المزمل﴾ ثم ﴿يا أيها الْمُدَّثِّرُ﴾ ثُمَّ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ثُمَّ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ثُمَّ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ثُمَّ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ثُمَّ ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ثُمَّ ﴿وَالضُّحَى﴾ ثُمَّ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ثُمَّ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ثُمَّ ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ ثُمَّ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ثُمَّ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ثُمَّ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي﴾ ثُمَّ ﴿قُلْ يا أيها الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ سُورَةُ الْفِيلِ ثُمَّ الْفَلَقِ ثُمَّ النَّاسِ ثُمَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُمَّ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ثُمَّ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ثُمَّ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ثُمَّ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ثُمَّ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ثُمَّ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ثُمَّ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ثُمَّ ﴿الْقَارِعَةِ﴾ ثُمَّ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ الْهُمَزَةِ ثُمَّ الْمُرْسَلَاتِ ثُمَّ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ ثُمَّ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ثُمَّ الطَّارِقِ ثُمَّ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ثُمَّ ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ ثُمَّ الْأَعْرَافِ ثُمَّ الْجِنِّ ثُمَّ ﴿يس﴾ ثُمَّ الْفُرْقَانِ ثُمَّ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ مَرْيَمَ ثُمَّ طه ثُمَّ الْوَاقِعَةِ ثُمَّ الشُّعَرَاءِ ثُمَّ النَّمْلِ ثُمَّ الْقَصَصِ ثُمَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ يُونُسَ ثُمَّ هُودٍ ثُمَّ يُوسُفَ ثُمَّ الْحِجْرِ ثُمَّ الْأَنْعَامِ ثُمَّ الصَّافَّاتِ ثُمَّ لُقْمَانَ ثُمَّ سَبَأٍ ثُمَّ الزُّمَرِ ثُمَّ حم الْمُؤْمِنِ ثُمَّ حم السَّجْدَةِ ثُمَّ حم عسق ثُمَّ حم الزُّخْرُفِ ثُمَّ حم الدُّخَانِ ثُمَّ حم الْجَاثِيَةِ ثُمَّ حم الْأَحْقَافِ ثُمَّ وَالذَّارِيَاتِ ثُمَّ الْغَاشِيَةِ ثُمَّ الْكَهْفِ ثُمَّ النَّحْلِ ثُمَّ نُوحٍ ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الْمُؤْمِنُونَ ثُمَّ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ ثُمَّ ﴿وَالطُّورِ﴾ ثُمَّ الْمُلْكِ ثُمَّ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ثُمَّ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ ثُمَّ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ثُمَّ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ ثُمَّ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ثم الروم
стр. 211
وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَقَالَ ابن عباس الْعَنْكَبُوتِ وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَهَذَا تَرْتِيبُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّتِ الرِّوَايَةُ مِنَ الثِّقَاتِ وَهِيَ
خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سُورَةً
ذِكْرُ تَرْتِيبِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ
وَهُوَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً
فَأَوَّلُ مَا نَزَلَ فِيهَا سُورَةُ الْبَقَرَةِ ثُمَّ الْأَنْفَالِ ثُمَّ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ الْأَحْزَابِ ثُمَّ الْمُمْتَحِنَةِ ثُمَّ النِّسَاءِ ثُمَّ ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ ثُمَّ الْحَدِيدِ ثُمَّ مُحَمَّدٍ ثُمَّ الرَّعْدِ ثُمَّ الرَّحْمَنِ ثُمَّ ﴿هَلْ أَتَى﴾ ثُمَّ الطَّلَاقِ ثُمَّ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ ثُمَّ الْحَشْرِ ثُمَّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ النُّورِ ثُمَّ الْحَجِّ ثُمَّ الْمُنَافِقُونَ ثُمَّ المجادلة ثم الحجرات ثم ﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ ثُمَّ الصَّفِّ ثُمَّ الْجُمُعَةِ ثُمَّ التَّغَابُنِ ثُمَّ الْفَتْحِ ثُمَّ التَّوْبَةِ ثُمَّ الْمَائِدَةِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْمَائِدَةِ عَلَى التَّوْبَةِ: "وَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ المائدة في خطبة حجة الوداع وقال يأيها النَّاسُ إِنَّ آخِرَ الْقُرْآنِ نُزُولًا سُورَةُ الْمَائِدَةِ فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا"
فَهَذَا تَرْتِيبُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَدَنِيَّةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَدَنِيَّةٌ وَقَالَ عَطَاءٌ هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَجَمِيعُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سُورَةً وَجَمِيعُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً عَلَى اختلاف الروايات
стр. 212
ذكر مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَحُكْمُهُ مَدَنِيٌّ
مِنْهَا قَوْلُهُ تعالى ﴿يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شعوبا وقبائل﴾ الْآيَةَ وَلَهَا قِصَّةٌ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ وَنُزُولُهَا بِمَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِهَا وَهِيَ
مَدَنِيَّةٌ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ
وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي الْمَائِدَةِ ﴿الْيَوْمَ أكملت لكم دينكم﴾ إلى قوله ﴿الخاسرين﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةَ وَالنَّاسُ وُقُوفٌ بِعَرَفَاتٍ فَبَرَكَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَيْبَةِ الْقُرْآنِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ لِنُزُولِهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ عِدَّةُ آيَاتٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا
ذِكْرُ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَحِكَمُهُ مَكِّيٌّ
مِنْهُ الْمُمْتَحِنَةِ إِلَى آخِرِهَا وَهِيَ قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَسَارَةَ وَالْكِتَابِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ فَخَاطَبَ بِهَا أَهْلَ مَكَّةَ
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ من بعد ما ظلموا﴾ إِلَى آخَرَ السُّورَةِ مَدَنِيَّاتٌ يُخَاطِبُ بِهَا أَهْلَ مكة
ومنها سورة الرعد يخاطب أَهْلَ مَكَّةَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ
стр. 213
ومن أول براءة إلى قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ خِطَابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ
فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وحكمه مدني وما أنزل فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَحُكْمُهُ مَكِّيٌّ
مَا يُشْبِهُ تَنْزِيلَ الْمَدِينَةِ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي النَّجْمِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأثم﴾ يعني كل ذنب عاقبته النار ﴿والفواحش﴾ يَعْنِي كُلَّ ذَنْبٍ فِيهِ حَدٌّ ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ وَهُوَ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ مِنَ الذُّنُوبِ نَزَلَتْ فِي نَبْهَانَ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وَاسْتَقَرَّتِ الرِّوَايَةُ بِمَا قُلْنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ حَدٌّ وَلَا غَزْوٌ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هُودٍ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أبي مقبل الحسين بْنِ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي اشْتَرَتْ مِنْهُ التَّمْرَ فَرَاوَدَهَا
مَا يُشْبِهُ تَنْزِيلَ مَكَّةَ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا﴾ نزلت في نصارى نجران ومنهم السيد والعاقب
стр. 214
ومنها سورة ﴿والعاديات ضبحا﴾ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ ﴿وَإِذْ قَالُوا اللهم إن كان هذا هو الحق﴾ الْآيَةَ
مَا نَزَلَ بِالْجُحْفَةِ
قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لرادك إلى معاد﴾ نَزَلَتْ بِالْجُحْفَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُهَاجِرٌ
مَا نَزَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ
قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الزُّخْرُفِ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يعبدون﴾ نَزَلَتْ عَلَيْهِ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ
مَا نَزَلَ بِالطَّائِفِ
قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْفُرْقَانِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الْآيَةَ وَلِذَلِكَ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ
وَقَوْلُهُ فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يوعون فبشرهم بعذاب أليم﴾ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ
مَا نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ
قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الرَّعْدِ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " اكْتُبْ
стр. 215
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَتَابَعْنَاكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ إلى قوله ﴿متاب﴾
مَا نَزَلَ لَيْلًا
قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي أَوَّلِ سورة الحج ﴿يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عظيم﴾ نَزَلَتْ لَيْلًا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ حَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَالنَّاسُ يَسِيرُونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى في المائدة: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحْرَسُ كُلَّ لَيْلَةٍ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ فَأَتَاهُ حُذَيْفَةُ وَسَعْدٌ فِي آخَرِينَ مَعَهُمُ الْحَجَفُ وَالسُّيُوفُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَيْمَةٍ مَنْ أَدَمٍ فَبَاتُوا عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ بَعْدَ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْآيَةَ فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رأسه من الخيمة فقال: "يأيها النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدَ عَصَمَنِي اللَّهُ"
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ الآية قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ فِي اللِّحَافِ وَنَزَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرْآنِ نَهَارًا
следующие страницы →