← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْفَوَاصِلُ يَكُنَّ رُءُوسَ آيٍ وَغَيْرَهَا وَكُلُّ رَأْسِ آيَةٍ فَاصِلَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ فَاصِلَةٍ رَأْسَ آيَةٍ فَالْفَاصِلَةُ تَعُمُّ النَّوْعَيْنِ وَتَجْمَعُ الضَّرْبَيْنِ وَلِأَجْلِ كَوْنِ مَعْنَى الْفَاصِلَةِ هَذَا ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ فِي تَمْثِيلِ القوافي ﴿يوم يأت﴾ و ﴿ما كنا نبغ﴾ -وَهُمَا غَيْرُ رَأْسِ آيَتَيْنِ بِإِجْمَاعٍ -مَعَ ﴿إِذَا يسر﴾ وَهُوَ رَأْسُ آيَةٍ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى وَتَقَعُ الْفَاصِلَةُ عِنْدَ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الْخِطَابِ لِتَحْسِينِ الْكَلَامِ بِهَا وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يُبَايِنُ الْقُرْآنُ بِهَا سَائِرَ الْكَلَامِ وَتُسَمَّى فَوَاصِلَ لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ عِنْدَهَا الْكَلَامَانِ وذلك أن آخر الآية قد فَصْلٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا بَعْدَهَا وَلَمْ يُسَمُّوهَا أَسْجَاعًا فَأَمَّا مُنَاسَبَةُ فَوَاصِلَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ فصلت آياته﴾ وَأَمَّا تَجَنُّبُ أَسْجَاعٍ فَلِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ سَجَعَ الطَّيْرُ فَشُرِّفَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنْ يُسْتَعَارَ لِشَيْءٍ فِيهِ لَفْظٌ هُوَ أَصْلٌ فِي صَوْتِ الطَّائِرِ وَلِأَجْلِ تَشْرِيفِهِ عَنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْحَادِثِ فِي اسْمِ السَّجْعِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ آحَادِ النَّاسِ وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِصِفَةٍ لَمْ يَرِدِ الْإِذْنُ بِهَا وَإِنْ صَحَّ الْمَعْنَى ثُمَّ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا السَّجْعُ هُوَ الَّذِي يُقْصَدُ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يُحِيلُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ وَالْفَوَاصِلُ التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة فينفسها قال الرُّمَّانِيُّ فِي كِتَابِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَبَنَى عَلَيْهِ أَنَّ الْفَوَاصِلَ بَلَاغَةٌ وَالسَّجْعَ عَيْبٌ وَتَبِعَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي كِتَابِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَنُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيَّةِ امْتِنَاعُ كَوْنِ فِي الْقُرْآنِ سجعا قَالَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ

стр. 72

قَالَ: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ إِلَى إِثْبَاتِ السَّجْعِ فِي الْقُرْآنِ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَبَيَّنَ فِيهِ فَضَلُّ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ مِنَ الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّفَاضُلُ فِي الْبَيَانِ وَالْفَصَاحَةِ كَالتَّجْنِيسِ وَالِالْتِفَافِ وَنَحْوِهَا قَالَ وَأَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مُوسَى أَفْضَلُ مِنْ هارون ﵉ ولما كان السجع قيل في موضع ﴿هارون وموسى﴾ وَلَمَّا كَانَتِ الْفَوَاصِلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْوَاوِ والنون قيل ﴿موسى وهارون﴾ قَالُوا: وَهَذَا يُفَارِقُ أَمْرَ الشِّعْرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْخِطَابِ إِلَّا مَقْصُودًا إِلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ غَيْرَ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ كَانَ دُونَ الْقَدْرِ الَّذِي نُسَمِّيهِ شِعْرًا وَذَلِكَ الْقَدْرُ يَتَّفِقُ وُجُودُهُ مِنَ الْمُفْحَمِ كَمَا يَتَّفِقُ وَجُودُهُ فِي الشِّعْرِ وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ السَّجْعِ فَهُوَ كَثِيرٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَّفِقَ كُلُّهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ قَالَ: وَبَنَوُا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَحْدِيدِ مَعْنَى السَّجْعِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ مُوَالَاةُ الْكَلَامِ عَلَى وزن واحد قل ابن دريد سجعت الحمامة رَدَّدَتْ صَوْتَهَا قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الَّذِي يَزْعُمُونَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ سَجْعًا لَكَانَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ أَسَالِيبِ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ إِعْجَازٌ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ هُوَ سَجْعٌ مُعْجِزٌ لَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا شِعْرٌ مُعْجِزٌ وَكَيْفَ وَالسَّجْعُ مما كانت

стр. 73

كُهَّانُ الْعَرَبِ تَأْلَفُهُ وَنَفْيُهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَجْدَرُ بِأَنْ يَكُونَ حُجَّةً مِنْ نَفْيِ الشِّعْرِ لِأَنَّ الْكِهَانَةَ تُخَالِفُ النُّبُوَّاتِ بِخِلَافِ الشِّعْرِ وَمَا تَوَهَّمُوا أَنَّهُ سَجْعٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَجِيئَهُ عَلَى صُورَتِهِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ هُوَ لِأَنَّ السَّجْعَ مِنَ الْكَلَامِ يَتْبَعُ الْمَعْنَى فِيهِ اللَّفْظَ الَّذِي يُؤَدِّي السَّجْعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا اتَّفَقَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَى السَّجْعِ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ اللَّفْظَ وَقَعَ فِيهِ تَابِعًا لِلْمَعْنَى وَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَنْتَظِمَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ بِأَلْفَاظِهِ الَّتِي تُؤَدِّي الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ فِيهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُنْتَظِمًا دُونَ اللَّفْظِ وَمَتَى ارْتَبَطَ الْمَعْنَى بِالسَّجْعِ كَانَ إِفَادَةُ السَّجْعِ كَإِفَادَةِ غَيْرِهِ وَمَتَى انْتَظَمَ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ دُونَ السَّجْعِ كَانَ مُسْتَجْلِبًا لِتَحْسِينِ الكلام دون تصحيح المعنى قال وأما ما ذَكَرُوهُ فِي تَقْدِيمِ مُوسَى عَلَى هَارُونَ فِي مَوْضِعٍ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ لِأَجْلِ السَّجْعِ ولتساوي مَقَاطِعِ الْكَلَامِ فَمَرْدُودٌ بَلِ الْفَائِدَةُ فِيهِ إِعَادَةُ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا وَذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ الصَّعْبِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْفَصَاحَةُ وَتَقْوَى الْبَلَاغَةُ وَلِهَذَا أُعِيدَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْقَصَصِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى تَرْتِيبَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بمثله مبتدأ به ومكررا

стр. 74

وَلَوْ أَمْكَنَهُمُ الْمُعَارَضَةُ لَقَصَدُوا تِلْكَ الْقِصَّةَ وَعَبَّرُوا عَنْهَا بِأَلْفَاظٍ لَهُمْ تُؤَدِّي إِلَى تِلْكَ الْمَعَانِي ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال: لهم: ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ فعلى هذا يكون المقصد بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ عَلَى بَعْضٍ وَتَأْخِيرِهَا إِظْهَارُ الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذي توهموه إِلَى أَنْ قَالَ: فَبَانَ بِمَا قُلْنَا أَنَّ الْحُرُوفَ الْوَاقِعَةَ فِي الْفَوَاصِلِ مُنَاسِبَةٌ مَوْقِعَ النَّظَائِرِ التي تقع في الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها فِي بَابِ السَّجْعِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ يَذُمُّونَ كُلَّ سَجْعٍ خَرَجَ عَنِ اعْتِدَالِ الْأَجْزَاءِ فَكَانَ بعض مصاريعه كلمتين وبعضها يبلغ كَلِمَاتٍ وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ فَصَاحَةً بَلْ يَرَوْنَهُ عَجْزًا فَلَوْ فَهِمُوا اشْتِمَالَ الْقُرْآنِ عَلَى السَّجْعِ لَقَالُوا نَحْنُ نُعَارِضُهُ بِسَجْعٍ مُعْتَدِلٍ فَنَزِيدُ فِي الفصاحة على طريق القرآن ونتجاوز حده في البراعة والحسن انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالرُّمَّانِيُّ رَدَّ عَلَيْهِمَا الْخَفَاجِيُّ فِي كِتَابِ سِرِّ الْفَصَاحَةِ فَقَالَ: وَأَمَّا قول الرماني إن السجع عيب والفواصل على الإطلاق بَلَاغَةٌ فَغَلَطٌ فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِالسَّجْعِ مَا يَتْبَعُ الْمَعْنَى وَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَذَلِكَ بَلَاغَةٌ وَالْفَوَاصِلُ مِثْلُهُ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَا تَقَعُ الْمَعَانِي تَابِعَةً لَهُ وَهُوَ مَقْصُودٌ مُتَكَلَّفٌ فَذَلِكَ عَيْبٌ وَالْفَوَاصِلُ مِثْلُهُ

стр. 75

قَالَ وَأَظُنُّ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى تَسْمِيَةِ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ فَوَاصِلَ وَلَمْ يُسَمُّوا مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ سَجْعًا رَغْبَتُهُمْ فِي تَنْزِيهِ الْقُرْآنِ عَنِ الْوَصْفِ اللَّاحِقِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْكَهَنَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا غَرَضٌ فِي التَّسْمِيَةِ قَرِيبٌ وَالْحَقِيقَةُ مَا قُلْنَاهُ ثُمَّ قَالَ وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ الْأَسْجَاعَ حُرُوفٌ مُتَمَاثِلَةٌ فِي مَقَاطِعِ الْفَوَاصِلِ فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ عِنْدَكُمْ أَنَّ السَّجْعَ مَحْمُودٌ فَهَلَّا وَرَدَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَسْجُوعًا وَمَا الْوَجْهُ فِي وُرُودِ بَعْضِهِ مَسْجُوعًا وَبَعْضِهِ غَيْرَ مَسْجُوعٍ قُلْنَا إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَعَلَى عُرْفِهِمْ وَعَادَتِهِمْ وَكَانَ الْفَصِيحُ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ كُلُّهُ مَسْجُوعًا لِمَا فِيهِ من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لاسيما فِيمَا يَطُولُ مِنَ الْكَلَامِ فَلَمْ يَرِدْ كُلُّهُ مسجوعا جريا منه على عرفهم في اللطيفة الْعَالِيَةِ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَمْ يَخْلُ مِنَ السَّجْعِ لِأَنَّهُ يَحْسُنُ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ عَلَى الصِّفَةِ السابقة وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُرُودِ بَعْضِهِ كَذَلِكَ وَبَعْضِهِ بِخِلَافِهِ وَخُصَّتْ فَوَاصِلُ الشِّعْرِ بِاسْمِ الْقَوَافِي لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها في شعره لَا يَخْرُجُ عَنْهَا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ فَاصِلَةٌ لِأَنَّهَا تَفْصِلُ آخِرَ الْكَلَامِ فَالْقَافِيَةُ أَخَصُّ فِي الِاصْطِلَاحِ إِذْ كُلُّ قَافِيَةٍ فَاصِلَةٌ وَلَا عَكْسَ وَيَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُ الْقَافِيَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا سَلَبَ عَنْهُ اسْمَ الشِّعْرِ وجب

стр. 76

سَلْبُ الْقَافِيَةِ أَيْضًا عَنْهُ لِأَنَّهَا مِنْهُ وَخَاصَّةٌ بِهِ فِي الِاصْطِلَاحِ وَكَمَا يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُ الْقَافِيَةِ في القرآن لا تطلق الْفَاصِلَةُ فِي الشِّعْرِ لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ قِيلَ وَقَدْ يَقَعُ فِي الْقُرْآنِ الْإِيطَاءُ وَهُوَ لَيْسَ بِقَبِيحٍ فِيهِ إِنَّمَا يُقَبَّحُ فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ ثُمَّ قَالَ فِي آخَرَيْنِ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ثلاث فواصل متوالية يعلمون يُعَلِّمُونَ يُعَلِّمُونَ فَهَذَا لَا يُقَبَّحُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا وَاحِدًا قِيلَ وَيَقَعُ فِيهِ التَّضْمِينُ وَلَيْسَ بقبيح إنما يقبح في الشعر ومنه سورتا الْفِيلِ وَقُرَيْشٍ فَإِنَّ اللَّامَ فِي: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ قيل إنها متعلقة ﴿فجعلهم﴾ فِي آخِرِ الْفِيلِ وَحَكَى حَازِمٌ فِي مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ خِلَافًا غَرِيبًا فَقَالَ وَلِلنَّاسِ فِي الْكَلَامِ المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب فِي الْكَمِّيَّةِ وَتَتَنَاسَبُ مَقَاطِعُهَا عَلَى ضَرْبٍ مِنْهَا أَوْ بِالنُّقْلَةِ مِنْ ضَرْبٍ وَاقِعٍ فِي ضَرْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مُزْدَوِجٍ فِي كل ضرب

стр. 77

ضَرْبٌ مِنْهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَى الِازْدِوَاجِ وَمِنْ جِهَةِ مَا يَكُونُ غَيْرَ مُقَطَّعٍ إِلَى مَقَادِيرَ بقصد تناسب أَطْرَافِهَا وَتَقَارُبِ مَا بَيْنَهَا فِي كَمِّيَّةِ الْأَلْفَاظِ وَالْحُرُوفِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: مِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ تَقْطِيعَ الْكَلَامِ إِلَى مَقَادِيرَ مُتَنَاسِبَةِ الْأَطْرَافِ غَيْرِ مُتَقَارِبَةٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ إِلَّا مَا يَقَعُ بِهِ الْإِلْمَامُ فِي النَّادِرِ مِنَ الْكَلَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَاسُبَ الْوَاقِعَ بِإِفْرَاغِ الْكَلَامِ فِي قَوَالِبِ التَّقْفِيَةِ وَتَحْلِيَتِهَا بِمُنَاسَبَاتِ الْمَقَاطِعِ أَكِيدٌ جِدًّا. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْوَسَطُ أَنَّ السَّجْعَ لَمَّا كَانَ زِينَةً لِلْكَلَامِ فَقَدْ يَدْعُو إِلَى التكلف فرئي ألا يستعمل في الْكَلَامِ وَأَنْ لَا يُخْلَى الْكَلَامُ بِالْجُمْلَةِ مِنْهُ أَيْضًا وَلَكِنْ يُقْبَلُ مِنَ الْخَاطِرِ فِيهِ مَا اجتلبه عفوا بخلاف التكلف وهذا رأي أبي الفرج قدامة قالحازم: وَكَيْفَ يُعَابُ السَّجْعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَسَالِيبِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فَوَرَدَتِ الْفَوَاصِلُ فِيهِ بِإِزَاءِ وُرُودِ الْأَسْجَاعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِئْ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ جَمِيعًا أَنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًّا عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَلِمَا فِي الطَّبْعِ مِنَ الْمِلَلِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الِافْتِنَانَ فِي ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ أَعْلَى مِنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ضَرْبٍ وَاحِدٍ فَلِهَذَا وَرَدَتْ بَعْضُ آيِ الْقُرْآنِ مُتَمَاثِلَةَ الْمَقَاطِعِ وَبَعْضُهَا غير متماثل [إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل] وَاعْلَمْ أَنَّ إِيقَاعَ الْمُنَاسَبَةِ فِي مَقَاطِعِ الْفَوَاصِلِ حيث تطرد متأكد جدا ومؤثر فِي اعْتِدَالِ نَسَقِ الْكَلَامِ وَحُسْنِ مَوْقِعِهِ مِنَ النَّفْسِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا وَلِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ نَظْمِ الْكَلَامِ لِأَجْلِهَا فِي مَوَاضِعَ:.

стр. 78

أَحَدُهَا زِيَادَةُ حَرْفٍ لِأَجْلِهَا وَلِهَذَا أُلْحِقَتِ الْأَلِفُ بِـ (الظُّنُونِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظنونا﴾ لِأَنَّ مَقَاطِعَ فَوَاصِلِ هَذِهِ السُّورَةِ أَلِفَاتٌ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ تَنْوِينٍ فِي الْوَقْفِ فَزِيدَ عَلَى النُّونِ ألف لِتُسَاوِيَ الْمَقَاطِعَ وَتُنَاسِبَ نِهَايَاتِ الْفَوَاصِلِ وَمِثْلُهُ: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ ، ﴿وأطعنا الرسولا﴾ وَأَنْكَرَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ ذَلِكَ وَقَالَ لَمْ تُزَدِ الْأَلِفُ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الْآيِ كَمَا قَالَ قَوْمٌ لِأَنَّ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وهو يهدي السبيل﴾ وفيها: ﴿فأضلونا السبيلا﴾ . وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا رَأْسُ آيَةٍ وَثَبَتَتِ الْأَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ تِلْكَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَوْ كَانَ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الآي لثبت من الجميع قال: وَإِنَّمَا زِيدَتِ الْأَلِفُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْقِسْمَيْنِ وَاسْتِوَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى غَيْرِ تِلْكَ وَكَذَلِكَ لِحَاقُ هَاءِ السَّكْتِ في قوله: ﴿ما هيه﴾ فِي سُورَةِ الْقَارِعَةِ هَذِهِ الْهَاءُ عَدَّلَتْ مَقَاطِعَ الْفَوَاصِلِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَكَانَ لِلَحَاقِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي الْفَصَاحَةِ وَعَلَى هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ-يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لِحَاقُ النون في المواضع التي قد تَكَلَّمُ فِي لِحَاقِ النُّونِ إِيَّاهَا نَحْوِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ وقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ فَإِنَّ مِنْ مَآخِذِ الْفَصَاحَةِ وَمَذَاهِبِهَا أَنْ يَكُونَ وُرُودُ هَذِهِ النُّونِ فِي مَقَاطِعِ هَذِهِ الْأَنْحَاءِ لِلْآيِ رَاجِحَ الْأَصَالَةِ فِي الْفَصَاحَةِ لِتَكُونَ فَوَاصِلُ السُّوَرِ الْوَارِدِ فِيهَا ذَلِكَ قَدِ اسْتُوثِقَ فِيمَا قَبْلَ حُرُوفِهَا الْمُتَطَرِّفَةِ وُقُوعُ حَرْفَيِ الْمَدِّ وَاللِّينِ

стр. 79

وقوله تعالى: ﴿وطور سينين﴾ وَهُوَ طُورُ سَيْنَاءَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طور سيناء﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يعلمون﴾ كَرَّرَ لَعَلَّ مُرَاعَاةً لِفَوَاصِلِ الْآيِ إِذْ لَوْ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ لَقَالَ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ فَيَعْلَمُوا بِحَذْفِ النُّونِ عَلَى الْجَوَابِ الثَّانِي: حَذْفُ هَمْزَةٍ أَوْ حَرْفٍ اطِّرَادًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿والليل إذا يسر﴾ الثَّالِثُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَجْرُورَاتِ وَبِذَلِكَ يُجَابُ عَنْ سُؤَالٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لكم علينا به تبيعا﴾ فَإِنَّهُ قَدْ تَوَالَتِ الْمَجْرُورَاتُ بِالْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ اللام في: ﴿لكم﴾ والباء في ﴿به﴾ وعلى فِي ﴿عَلَيْنَا﴾ وَكَانَ الْأَحْسَنُ الْفَصْلَ وَجَوَابُهُ أَنَّ تَأَخُّرَ ﴿تَبِيعًا﴾ وَتَرْكَ الْفَصْلِ أَرْجَحُ مِنْ أَنْ يُفْصَلَ بِهِ بَيْنَ بَعْضِ الرَّوَابِطِ وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الَّتِي تَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ علينا به تبيعا﴾ فَإِنَّ فَوَاصِلَهَا كُلَّهَا مَنْصُوبَةٌ مُنَوَّنَةٌ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْلِهِ ﴿تَبِيعًا﴾ لِتَكُونَ نِهَايَةُ هَذِهِ الْآيَةِ مُنَاسِبَةً لِنِهَايَاتِ مَا قَبْلَهَا حَتَّى تَتَنَاسَقَ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ الرَّابِعُ: تَأْخِيرُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُقَدَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نفسه خيفة موسى﴾ لأن أصل الكلام أَنْ يَتَّصِلَ الْفِعْلُ بِفَاعِلِهِ وَيُؤَخَّرَ الْمَفْعُولُ لَكِنْ أُخِّرَ الْفَاعِلُ وَهُوَ مُوسَى لِأَجْلِ رِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ قُلْتُ لِلتَّأْخِيرِ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ النَّفْسَ تَتَشَوَّقُ لِفَاعِلِ أَوْجَسَ فَإِذَا جَاءَ بَعْدَ أَنْ أُخِّرَ وَقَعَ بِمَوْقِعٍ

стр. 80

وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وأجل مسمى﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى ﴿كَلِمَةٌ﴾ وَلِهَذَا رُفِعَ وَالْمَعْنَى ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ فِي التَّأْخِيرِ ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ لَكَانَ الْعَذَابُ لِزَامًا لَكِنَّهُ قَدَّمَ وَأَخَّرَ لِتَشْتَبِكَ رُءُوسُ الْآيِ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلَى الضَّمِيرِ فِي ﴿لَكَانَ﴾ أَيْ لَكَانَ الْأَجَلُ الْعَاجِلُ وَأَجَلٌ مُسَمًّى لَازِمَيْنِ لَهُ كَمَا كَانَا لَازِمَيْنِ لِعَادٍ وَثَمُودَ وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى دُونَ الْأَجَلِ الْعَاجِلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آل فرعون النذر﴾ فَأَخَّرَ الْفَاعِلَ لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون﴾ أَخَّرَ الْفِعْلَ عَنِ الْمَفْعُولِ فِيهَا وَقَدَّمَهُ فِيمَا قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لتوافق رءوس الْآيِ قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَدَّمَ الْمَفْعُولَ لِلِاخْتِصَاصِ وَمِنْهُ تَأْخِيرُ الِاسْتِعَانَةِ عَنِ الْعِبَادَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِيَّاكَ نعبد وإياك نستعين﴾ وَهِيَ قَبْلَ الْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ لِأَجْلِ فَوَاصِلِ السُّورَةِ فِي أَحَدِ الْأَجْوِبَةِ الْخَامِسُ: إِفْرَادُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُجْمَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جنات ونهر﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ الْأَصْلُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّمَا وَحَّدَ لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ فَقَابَلَ بِالتَّوْحِيدِ رُءُوسَ

стр. 81

الْآيِ وَيُقَالُ النَّهْرُ الضِّيَاءُ وَالسَّعَةُ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عضدا﴾ قَالَ: ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ أَيْ أَعْضَادًا وَإِنَّمَا أَفْرَدَ لِيَعْدِلَ رُءُوسَ الْآيِ بِالْإِفْرَادِ وَالْعَضُدُ الْمُعِينُ السَّادِسُ: جَمْعُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُفْرَدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ وَلَا خُلَّةٌ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى لَكِنْ جَمَعَهُ لِأَجْلِ مُنَاسَبَةِ رُءُوسِ الْآيِ السَّابِعُ: تَثْنِيَةُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُفْرَدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قال: الفراء هَذَا بَابُ مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي تَثْنِيَةِ الْبُقْعَةِ الواحدة وجمعها كقوله ديار لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ وَقَوْلِهِ بَطْنُ الْمَكَّتَيْنِ وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى نَوَاحِيهَا أَوْ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ لَهَا وَجْهَيْنِ وَأَنَّكَ إِذَا أَوْصَلْتَهَا وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا يَمِينًا وَشِمَالًا رَأَيْتَ فِي كِلْتَا النَّاحِيَتَيْنِ مَا يَمْلَأُ عَيْنَكَ قُرَّةً وَصَدْرَكَ مَسَرَّةً

стр. 82

قَالَ وَإِنَّمَا ثَنَّاهُمَا لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ رِعَايَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا وَالَّتِي بَعْدَهَا عَلَى هَذَا الْوَزْنِ وَالْقَوَافِي تحتمل في الزيادة والنقصان مالا يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْكَلَامِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَيْهِ وَأَغْلَظَ وَقَالَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي رُءُوسِ الْآيِ زِيَادَةُ هَاءِ السَّكْتِ أَوِ الْأَلِفِ أَوْ حَذْفُ هَمْزَةٍ أَوْ حَرْفٍ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الله وعد جنتين فنجعلهما جَنَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ رُءُوسِ الْآيِ فَمَعَاذَ اللَّهِ وَكَيْفَ هَذَا وَهُوَ يَصِفُهَا بِصِفَاتِ الِاثْنَيْنِ قال: ﴿ذواتا أفنان﴾ ثم قال فيها ﴿فيهما﴾ وَلَوْ أَنَّ قَائِلًا قَالَ فِي خَزَنَةِ النَّارِ إِنَّهُمْ عِشْرُونَ وَإِنَّمَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِرَأْسِ الْآيَةِ مَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَّا كقول الفراء قلت وكأن الملجيء لِلْفَرَّاءِ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى﴾ وَعَكْسُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى﴾ عَلَى أَنَّ هَذَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَإِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ خُصُوصًا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْفَرَّاءِ قوله: ﴿ذواتا أفنان﴾ الثَّامِنُ: تَأْنِيثُ مَا أَصْلُهُ أَنْ يُذْكَرَ كَقَوْلِهِ تعالى ﴿كلا إنه تذكرة﴾ وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَيْهَا لِلْفَاصِلَةِ التَّاسِعُ: كَقَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسم ربك الأعلى﴾ وقال فِي الْعَلَقِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ

стр. 83

ربك الذي خلق﴾ فزاد في الْأُولَى ﴿الْأَعْلَى﴾ وَزَادَ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿خَلَقَ﴾ مُرَاعَاةً لِلْفَوَاصِلِ فِي السُّورَتَيْنِ وَهِيَ فِي سَبِّحْ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ وَفِي الْعَلَقِ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ الْعَاشِرُ: صَرْفُ مَا أَصْلُهُ أَلَّا يَنْصَرِفَ كقوله تعالى: ﴿قواريرا قواريرا﴾ صَرَفَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ آخِرُ الْآيَةِ وَآخِرُ الثَّانِي بِالْأَلِفِ فَحَسُنَ جَعْلُهُ مَنَوَّنًا لِيُقْلَبَ تَنْوِينُهُ أَلِفًا فَيَتَنَاسَبُ مَعَ بَقِيَّةِ الْآيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَلَاسِلَا وأغلالا﴾ فَإِنَّ ﴿سَلَاسِلَا﴾ لَمَّا نُظِمَ إِلَى ﴿وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ صُرِفَ وَنُوِّنَ لِلتَّنَاسُبِ وَبَقِيَ قَوَارِيرَ الثَّانِي فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخِرَ الْآيَةِ جَازَ صَرْفُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَّنَ قَوَارِيرًا الْأَوَّلَ نَاسَبَ أَنْ يُنَوَّنَ قَوَارِيرًا الثَّانِي لِيَتَنَاسَبَا وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يُنَوِّنْ قَوَارِيرًا الثَّانِيَ إِلَّا مَنْ يُنَوِّنُ قَوَارِيرًا الْأَوَّلَ وَزَعَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ صَرْفَ مَا كَانَ جَمْعًا فِي الْقُرْآنِ لِيُنَاسِبَ رُءُوسَ الْآيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا﴾ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ سَلَاسِلًا لَيْسَ رَأْسَ آيَةٍ وَلَا قَوَارِيرًا الثَّانِي وَإِنَّمَا صُرِفَ لِلتَّنَاسُبِ وَاجْتِمَاعِهِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُنْصَرِفَاتِ فَيُرَدُّ إِلَى الأصل ليتناسب معهاونظيره فِي مُرَاعَاةِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْأَفْصَحَ أَنْ يُقَالَ بَدَأَ ثُلَاثِيٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودون﴾ وقال تعالى: ﴿كيف بدأ الخلق﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يعيده﴾ فَجَاءَ بِهِ رُبَاعِيًّا فَصِيحًا لِمَا حَسَّنَهُ مِنَ التَّنَاسُبِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُعِيدُهُ﴾

стр. 84

الْحَادِيَ عَشَرَ: إِمَالَةُ مَا أَصْلُهُ أَلَّا يُمَالَ كإمالة ألف ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾ لِيُشَاكِلَ التَّلَفُّظُ بِهِمَا التَّلَفُّظَ بِمَا بَعْدَهُمَا وَالْإِمَالَةُ أَنْ تَنْحُوَ بِالْأَلِفِ نَحْوَ الْيَاءِ وَالْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ مِنْهَا هُوَ التَّنَاسُبُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ الْإِمَالَةُ لِلْإِمَالَةِ وَقَدْ يُمَالُ لِكَوْنِهَا آخِرَ مُجَاوِرِ مَا أُمِيلَ آخِرُهُ كَأَلِفِ تَلَا فِي قَوْلِهِ تعالى ﴿والقمر إذا تلاها﴾ فَأُمِيلَتْ أَلِفُ تَلَاهَا لِيُشَاكِلَ اللَّفْظُ بِهَا اللَّفْظَ الَّذِي بَعْدَهَا مِمَّا أَلِفُهُ غَيْرُ يَاءٍ نَحْوِ ﴿جلاها﴾ و ﴿غشاها﴾ فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَعَلْتَ إِمَالَةَ ﴿تَلَاهَا﴾ لِمُنَاسَبَةِ ما قبلها أعني ﴿ضحاها﴾ قِيلَ لِأَنَّ أَلِفَ ﴿ضُحَاهَا﴾ عَنْ وَاوٍ وَإِنَّمَا أميل لمناسبة ما بعده الثَّانِيَ عَشَرَ: الْعُدُولُ عَنْ صِيغَةِ الْمُضِيِّ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فَقَالَ ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتأسرون فريقا﴾ وذلك لأجل أنها هنا رأس آية

стр. 85

تفريعات ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين ثُمَّ هُنَا تَفْرِيعَاتٌ الْأَوَّلُ قَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ خَتْمُ كَلِمَةِ الْمَقْطَعِ مِنَ الْفَاصِلَةِ بِحُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ وَإِلْحَاقِ النُّونِ وَحِكْمَتُهُ وُجُودُ التمكن من التطريب بذلكقال سِيبَوَيْهِ ﵀ أَمَّا إِذَا تَرَنَّمُوا فَإِنَّهُمْ يُلْحِقُونَ الْأَلِفَ وَالْوَاوَ وَالْيَاءَ مَا يُنَوَّنُ وَمَا لَا يُنَوَّنُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَدَّ الصَّوْتِ

стр. 86

وَإِذَا أَنْشَدُوا وَلَمْ يَتَرَنَّمُوا فَأَهْلُ الْحِجَازِ يَدَعُونَ القوافي على حالها في الترنم وناس مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُبَدِّلُونَ مَكَانَ الْمَدَّةِ النُّونَ انْتَهَى وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى أَعْذَبِ مَقْطَعٍ وَأَسْهَلِ موقف مبنى الفواصل على الوقف الثَّانِي: إِنَّ مَبْنَى الْفَوَاصِلِ عَلَى الْوَقْفِ وَلِهَذَا شَاعَ مُقَابَلَةُ الْمَرْفُوعِ بِالْمَجْرُورِ وَبِالْعَكْسِ وَكَذَا الْمَفْتُوحُ وَالْمَنْصُوبُ غَيْرُ الْمَنَوَّنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا خلقناهم من طين

стр. 87

لازب﴾ مع تقدم قوله ﴿عذاب واصب﴾ و ﴿شهاب ثاقب﴾ وكذا ﴿بماء منهمر﴾ و ﴿قد قدر﴾ وَكَذَا ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ مع ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ وَعِبَارَةُ السَّكَّاكِيِّ قَدْ تُعْطِي اشْتِرَاطَ كَوْنِ السَّجْعِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِعْرَابِ لِمَا قَبْلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْخَشَّابِ مُعْتَرِضًا عَلَى قَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ التَّاسِعَةِ والعشرين: يا صارفا عني المودة ... وَالزَّمَانُ لَهُ صُرُوفْ وَمُعَنِّفِي فِي فَضْحِ مَنْ ... جاوزت تعنيف العسوف لا تلحني فيما أتيت ... فَإِنَّنِي بِهِمُ عَرُوفْ وَلَقَدْ نَزَلْتُ بِهِمْ فَلَمْ ... أرهم يراعون الضيوف وبلوتهم فوجدتهم ... لما سبكتهمو زيوف ألا ترى أنها إِذَا أَطْلَقْتَ ظَهَرَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ مَرْفُوعَيْنِ وَالرَّابِعُ والخامس منصوبين

стр. 88

وَالثَّانِي مَجْرُورًا وَكَذَا بَاقِي الْقَصِيدَةِ وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَا سَبَقَ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ الْأَسْجَاعِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ سَاكِنَةَ الْأَعْجَازِ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا لِأَنَّ الْغَرَضَ الْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْقَرَائِنِ وَالْمُزَاوَجَةُ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَقْفِ وَلَوْ وُصِلَتْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِجْرَاءِ كُلِّ الْقَرَائِنِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حُكْمُ الْإِعْرَابِ فَعَطَّلْتَ عَمَلَ السَّاجِعِ وَفَوَّتَّ غَرَضَهُمْ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ يُخْرِجُونَ الْكَلِمَ عَنْ أَوْضَاعِهَا لِغَرَضِ الِازْدِوَاجِ فَيَقُولُونَ آتِيكَ بِالْغَدَايَا وَالْعَشَايَا مَعَ أَنَّ فِيهِ ارْتِكَابًا لِمَا يُخَالِفُ اللُّغَةَ فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ في ذلك

стр. 89

المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه الثَّالِثُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ الْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا تَحْسُنُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَوَاصِلِ لِمُجَرَّدِهَا إِلَّا مَعَ بَقَاءِ الْمَعَانِي عَلَى سَدَادِهَا عَلَى النَّهْجِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ النَّظْمِ وَالْتِئَامِهِ كَمَا لَا يحسن تخير الألفاظ المونقة في السمع السلسلة عَلَى اللِّسَانِ إِلَّا مَعَ مَجِيئِهَا مُنْقَادَةً لِلْمَعَانِي الصحيحة المنتظمة فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤاده عَلَى بَالٍ فَلَيْسَ مِنَ الْبَلَاغَةِ فِي فَتِيلٍ أو نقير ومع ذلك يكون قوله ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَرْكُ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ فِي الْعَطْفِ بَيْنَ الْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ إِيثَارًا لِلْفَاصِلَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَفْظِيٌّ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَإِنَّمَا عُدِلَ إِلَى هَذَا لقصد الاختصاص تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب في الحروف الرَّابِعُ: أَنَّ الْفَوَاصِلَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ وَهَذَا يَكُونُ فِي السَّجْعِ وَإِلَى مَا تَقَارَبَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَقَاطِعِ وَلَمْ تَتَمَاثَلْ وَهَذَا لَا يَكُونُ سَجْعًا وَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي الْمُتَمَاثِلَ والمتقارب من أن يَأْتِي طَوْعًا سَهْلًا تَابِعًا لِلْمَعَانِي أَوْ مُتَكَلَّفًا يَتْبَعُهُ الْمَعْنَى فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْمُودُ الدَّالُّ عَلَى الثَّقَافَةِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ وَالثَّانِي هُوَ الْمَذْمُومُ فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ إِلَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ لِعُلُوِّهِ فِي الْفَصَاحَةِ وَقَدْ وَرَدَتْ فَوَاصِلُهُ متماثلة ومتقاربة

стр. 90

مِثَالُ الْمُتَمَاثِلَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والليل إذا يسر﴾ إِلَى آخِرِهِ وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مَنْ ﴿يَسْرِ﴾ طَلَبًا لِلْمُوَافَقَةِ فِي الْفَوَاصِلِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشق الْقَمَرِ﴾ وَجَمِيعُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى الِازْدِوَاجِ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾

стр. 91

وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طبق﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فلا تنهر﴾ وقوله تعالى ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وإن لك لأجرا غير ممنون﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الغي ثم لا يقصرون﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ من راق﴾ الآية وقوله تعالى ﴿لنخرجنك يا شعيب وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في ملتنا﴾ وَمِثَالُ الْمُتَقَارِبِ فِي الْحُرُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنِ الرحيم مالك يوم الدين﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ

стр. 92

الكافرون هذا شيء عجيب﴾ وَهَذَا لَا يُسَمَّى سَجْعًا قَطْعًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِإِطْلَاقِ السَّجْعِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ السَّجْعَ مَا تَمَاثَلَتْ حُرُوفُهُ إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ فَوَاصِلَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بَلْ تَنْحَصِرُ فِي الْمُتَمَاثِلَةِ وَالْمُتَقَارِبَةِ وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَدِّ الْفَاتِحَةِ سَبْعِ آيَاتٍ مَعَ الْبَسْمَلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ الْمُثْبِتَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ قال: ﴿صراط الذين﴾ إلخ السورة آية وَاحِدَةٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمَّا أَسْقَطَ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيَةٌ وَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ آيَةٌ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ فَاصِلَةَ قَوْلِهِ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لَا تُشَابِهَ فَاصِلَةَ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَرِعَايَةُ التَّشَابُهِ فِي الْفَوَاصِلِ لَازِمٌ وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ فَامْتَنَعَ جَعْلُهُ مِنَ الْمَقَاطِعِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيات لكن الخلاف في كيفية العدد [تقسيم الفواصل باعتبار المتوازي والمتوازن والمطرف] الخامس: قسم البديعيون السجع والفواصل أَيْضًا إِلَى مُتَوَازٍ وَمُطَرَّفٍ [وَمُتَوَازِنٍ] وَأَشْرَفُهَا الْمُتَوَازِي وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ الْكَلِمَتَانِ فِي الْوَزْنِ وَحُرُوفِ السَّجْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ موضوعة﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾

стр. 93

وَالْمُطَرَّفُ أَنْ يَتَّفِقَا فِي حُرُوفِ السَّجْعِ لَا فِي الْوَزْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا لَكُمْ لَا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا﴾ وَالْمُتَوَازِنُ أَنْ يُرَاعَى فِي مَقَاطِعِ الْكَلَامِ الْوَزْنُ فَقَطْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المستقيم﴾ فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم مُتَوَازِنَانِ وَقَوْلِهِ ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وتكون الجبال كالعهن﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إِلَى آخِرِهَا وَقَوْلِهِ ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قلى. . . . .﴾ إلى آخرها وقد تكرر في سورة حمعسق فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ من بعد

стр. 94

ما استجيب له﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ السَّبْعِ فَجَمَعَ فِي فَوَاصِلِهَا بين شديد وقريب وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ وَفِي الْمُفَصَّلِ خَاصَّةً فِي قِصَارِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ بَدَلَهُ التَّرْصِيعَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ مِنَ الْفِقْرَتَيْنِ مُؤَلَّفًا مِنْ كَلِمَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالثَّانِي مُؤَلَّفًا مِنْ مِثْلِهَا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: وَهِيَ الوزن والتقفية وتقابل الْقَرَائِنِ قِيلَ وَلَمْ يَجِئْ هَذَا الْقِسْمُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَزَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ وليس كذلك لورود لفظة إن ولفي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِشَرْطِ التَّرْصِيعِ إِذْ شَرَطُهُ اخْتِلَافُ الْكَلِمَاتِ فِي الشَّطْرَيْنِ جَمِيعًا وَقَالَ: بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ مِنْ نوع الترصيع وتتبع آخر آيها يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهَا مُوَازَنَةً قَالُوا وَأَحْسَنُ السَّجْعِ مَا تَسَاوَتْ قَرَائِنُهُ لِيَكُونَ شَبِيهًا بِالشِّعْرِ فَإِنَّ أَبْيَاتَهُ مُتَسَاوِيَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي سِدْرٍ مخضود وطلح منضود وظل ممدود﴾ وَعِلَّتُهُ أَنَّ السَّمْعَ أَلِفَ الِانْتِهَاءَ إِلَى غَايَةٍ في الخفة بالأولى فإذا زيد عليها ثَقُلَ عَنْهُ الزَّائِدُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ وُصُولِهَا إِلَى مِقْدَارِ الْأَوَّلِ كَمَنْ تَوَقَّعَ الظَّفَرَ بِمَقْصُودِهِ ثم ما طَالَتْ قَرِينَتُهُ الثَّانِيَةُ كَقَوْلِهِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ أَوِ الثَّالِثَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ

стр. 95

ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ وَهُوَ إِمَّا قَصِيرٌ كَقَوْلِهِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عصفا﴾ أَوْ طَوِيلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أَوْ مُتَوَسِّطٌ كَقَوْلِهِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام السَّادِسُ: اعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا إِيقَاعُ الْمُنَاسَبَةِ مَقَاطِعُ الْكَلَامِ وَأَوَاخِرُهُ وَإِيقَاعُ الشَّيْءِ فِيهَا بِمَا يُشَاكِلُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُنَاسِبَةً لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ أَوَّلًا وَإِلَّا خَرَجَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَنْ بَعْضٍ. وَفَوَاصِلُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ مِنْهُ مَا يَظْهَرُ وَمِنْهُ مَا يُسْتَخْرَجُ بِالتَّأَمُّلِ لِلَّبِيبِ. وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: التَّمْكِينِ وَالتَّوْشِيحِ وَالْإِيغَالِ وَالتَّصْدِيرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّهُ أَنْ كَانَ تَقَدَّمَ لَفْظُهَا بِعَيْنِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ سُمِّيَ تَصْدِيرًا وَإِنْ كَانَ فِي

стр. 96

أَثْنَاءِ الصَّدْرِ سُمِّي تَوْشِيحًا وَإِنْ أَفَادَتْ مَعْنًى زَائِدًا بَعْدَ تَمَامِ مَعْنَى الْكَلَامِ سُمِّيَ إِيغَالًا وَرُبَّمَا اخْتَلَطَ التَّوْشِيحُ بِالتَّصْدِيرِ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَدْرُهُ يَدُلُّ عَلَى عَجُزِهِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ دَلَالَةَ التَّصْدِيرِ لَفْظِيَّةٌ وَدَلَالَةَ التَّوْشِيحِ مَعْنَوِيَّةٌ. الْأَوَّلُ: التَّمْكِينُ وَهُوَ أَنْ تُمَهِّدَ قَبْلَهَا تَمْهِيدًا تَأْتِي بِهِ الْفَاصِلَةُ مُمْكِنَةً فِي مَكَانِهَا مُسْتَقِرَّةً فِي قَرَارِهَا مُطْمَئِنَّةً فِي مَوْضِعِهَا غَيْرَ نَافِذَةٍ وَلَا قَلِقَةٍ مُتَعَلِّقًا مَعْنَاهَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ كُلِّهِ تَعَلُّقًا تَامًّا بِحَيْثُ لَوْ طُرِحَتِ اخْتَلَّ الْمَعْنَى وَاضْطَرَبَ الْفَهْمُ وَهَذَا الْبَابُ يُطْلِعُكَ عَلَى سِرٍّ عَظِيمٍ مِنْ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ القتال وكان الله قويا عزيزا﴾ ، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَوِ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ لَأَوْهَمَ ذَلِكَ بَعْضَ الضُّعَفَاءِ مُوَافَقَةَ الْكُفَّارِ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الرِّيحَ الَّتِي حَدَثَتْ كَانَتْ سَبَبَ رُجُوعِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغُوا مَا أَرَادُوا وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ فِي فَاصِلَةِ الْآيَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ لِيُعْلِمَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَزِيدَهُمْ يَقِينًا وَإِيمَانًا عَلَى أَنَّهُ الْغَالِبُ الْمُمْتَنِعُ وَأَنَّ حِزْبَهُ كَذَلِكَ وَأَنَّ تِلْكَ الرِّيحَ الَّتِي هَبَّتْ لَيْسَتِ اتِّفَاقًا بَلْ هِيَ مِنْ إِرْسَالِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ كَعَادَتِهِ وَأَنَّهُ يُنَوِّعُ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَزِيدَهُمْ إِيمَانًا وَيَنْصُرَهُمْ مَرَّةً بِالْقِتَالِ كَيَوْمِ بَدْرٍ وَتَارَةً بِالرِّيحِ كَيَوْمِ الْأَحْزَابِ وَتَارَةً بِالرُّعْبِ كَبَنِي النَّضِيرِ وَطَوْرًا يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ كَيَوْمِ أُحُدٍ تَعْرِيفًا لَهُمْ أَنَّ الْكَثْرَةَ لَا تُغْنِي شَيْئًا وَأَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ كَيَوْمِ حُنَيْنٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يمشون في

стр. 97

مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وأنفسهم أفلا يبصرون﴾ فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ الَّتِي الْمَوْعِظَةُ فِيهَا سَمْعِيَّةٌ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ أَوَلَمْ يَرَوْا وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَوْعِظَةِ: ﴿أفلا يسمعون﴾ لأنه تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكِتَابِ وَهُوَ مَسْمُوعٌ أَوْ أَخْبَارُ القرون وهو كما يُسْمَعُ وَكَيْفَ قَالَ فِي صَدْرِ الْآيَةِ الَّتِي مَوْعِظَتِهَا مَرْئِيَّةٌ: ﴿أَوْلَمَ يَرَوْا﴾ وَقَالَ بَعْدَهَا أَفَلَا يُبْصِرُونَ لِأَنَّ سَوْقَ الْمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ مرئي. ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فَإِنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعِبَادَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ كَانَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا تَامًّا لِذِكْرِ الْحُلُمِ وَالرُّشْدِ لِأَنَّ الْحُلُمَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ حُسْنُ التَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ فَكَانَ آخِرُ الْآيَةِ مُنَاسِبًا لِأَوَّلِهَا مُنَاسَبَةً مَعْنَوِيَّةً وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ مُلَاءَمَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا قَدَّمَ نَفْيَ إِدْرَاكِ الْأَبْصَارِ لَهُ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ خِطَابًا لِلسَّامِعِ بِمَا يَفْهَمُ إِذِ الْعَادَةُ أَنَّ كُلَّ لَطِيفٍ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أَلَا تَرَى أَنَّ حَاسَّةَ الْبَصَرِ إِنَّمَا تُدْرِكُ اللَّوْنَ مِنْ كُلِّ مُتَلَوِّنٍ وَالْكَوْنَ مِنْ كُلِّ مُتَكَوِّنٍ فَإِدْرَاكُهَا إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لَمَّا قَالَ ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ الْخَبِيرُ مُخَصِّصًا لِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا كَانَ خَبِيرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ لِلشَّيْءِ قَدْ يدركه ليخبره ولما كان الأمر كذلك أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 98

أَنَّهُ يُدْرِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَعَ الْخِبْرَةِ بِهِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْإِبْصَارَ بِإِدْرَاكِهِ لِيَزِيدَ فِي الْكَلَامِ ضَرْبًا مِنَ الْمَحَاسِنِ يُسَمَّى التَّعَطُّفَ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ لَا تُبْصِرُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُبْصِرُ الْأَبْصَارَ لَمْ تَكُنْ لَفَظَتَا ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ مُنَاسِبَتَيْنِ لِمَا قَبْلَهُمَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لهو الغني الحميد﴾ إلى قوله ﴿لرؤوف رحيم﴾ إِنَّمَا فَصَّلَ الْأُولَى بِـ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الرَّحْمَةِ لِخَلْقِهِ بِإِنْزَالِ الْغَيْثِ وَإِخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ وَلِأَنَّهُ خَبِيرٌ بِنَفْعِهِمْ وَإِنَّمَا فَصَّلَ الثَّانِيَةَ بِـ غَنِيٌّ حَمِيدٌ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ لَا لِحَاجَةٍ بَلْ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمَا جَوَادٌ بِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ غَنِيٌّ نَافِعًا غِنَاهُ إِلَّا إِذَا جَادَ بِهِ وَإِذَا جَادَ وَأَنْعَمَ حَمِدَهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْحَمْدَ فذكر الحمد عَلَى أَنَّهُ الْغَنِيُّ النَّافِعُ بِغِنَاه خَلْقَهُ وَإِنَّمَا فصل الثالثة بـ رؤوف رَحِيمٌ لِأَنَّهُ لَمَّا عَدَّدَ لِلنَّاسِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَسْخِيرِ مَا فِي الْأَرْضِ لَهُمْ وَإِجْرَاءِ الْفُلْكِ فِي الْبَحْرِ لَهُمْ وَتَسْيِيرِهِمْ فِي ذَلِكَ الْهَوْلِ الْعَظِيمِ وَجَعْلِهِ السَّمَاءَ فَوْقَهُمْ وَإِمْسَاكِهِ إِيَّاهَا عَنِ الْوُقُوعِ حَسُنَ خِتَامُهُ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَنَظِيرُ هَذِهِ الثَّلَاثِ فَوَاصِلَ مَعَ اخْتِلَافِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ الْآيَاتِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ الله لهو الغني الحميد﴾ فَقَالَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لِيُنَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَا لَهُ لَيْسَ لِحَاجَةٍ بَلْ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ جَوَادٌ بِهِ وَإِذَا جَادَ بِهِ حَمِدَهُ الْمُنْعِمُ عليه إذ حميد كثير المحامد الْمُوجِبَةِ تَنْزِيهَهُ عَنِ الْحَاجَةِ وَالْبُخْلِ وَسَائِرِ النَّقَائِضِ فَيَكُونُ غَنِيًّا مُفَسَّرًا بِالْغِنَى الْمُطْلَقِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِتَقْدِيرِ غَنِيٌّ عَنْهُ

стр. 99

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تسمعون﴾ لَمَّا كَانَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْجَاعِلُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ جَعْلَ اللَّيْلِ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ صَارَ اللَّيْلُ كَأَنَّهُ سَرْمَدٌ بِهَذَا التَّقْدِيرِ وَظَرْفُ اللَّيْلِ ظَرْفٌ مُظْلِمٌ لَا ينفذ فيه البصر لاسيما وَقَدْ أَضَافَ الْإِتْيَانَ بِالضِّيَاءِ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ الْأَبْصَارُ إِلَى غَيْرِهِ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَصَارَ النَّهَارُ كَأَنَّهُ مَعْدُومٌ إِذْ نُسِبَ وُجُودُهُ إِلَى غَيْرِ مُوجِدٍ وَاللَّيْلُ كَأَنَّهُ لَا موجود سواه إذ جعل سَرْمَدًا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَاقْتَضَتِ الْبَلَاغَةُ أَنْ يَقُولَ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ لِمُنَاسَبَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاعِ وَالظَّرْفِ اللَّيْلِيِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلِاسْتِمَاعِ وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِبْصَارِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ جَعْلَ النَّهَارِ سَرْمَدًا إِلَيْهِ صَارَ النَّهَارُ كَأَنَّهُ سَرْمَدٌ وَهُوَ ظَرْفٌ مُضِيءٌ تُنَوِّرُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وَأَضَافَ الْإِتْيَانُ بِاللَّيْلِ إِلَى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار اللَّيْلُ كَأَنَّهُ مَعْدُومٌ إِذْ نُسِبَ وُجُودُهُ إِلَى غَيْرِ مُوجِدٍ وَالنَّهَارُ كَأَنَّهُ لَا مَوْجُودَ سِوَاهُ إِذْ جَعَلَ وَجُودَهُ سَرْمَدًا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَاقْتَضَتِ الْبَلَاغَةُ أَنْ يَقُولَ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ إِذِ الظَّرْفُ مُضِيءٌ صَالِحٌ لِلْإِبْصَارِ وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يعقلون﴾ فَإِنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةُ الْآيَةِ الْأَوْلَى لِلْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ

стр. 100

سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْعَالَمَ بِجُمْلَتِهِ حَيْثُ قَالَ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَمَعْرِفَةُ الصَّانِعِ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَرِعَ لَهُ قَادِرٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ دَلَّ عَلَى وُجُودِ صَانِعٍ مُخْتَارٍ لِدَلَالَتِهَا عَلَى صِفَاتِهِ مُرَتَّبَةً عَلَى دَلَالَتِهَا عَلَى ذَاتِهِ فَلَا بُدَّ أَوَّلًا مِنَ التَّصْدِيقِ بِذَاتِهِ حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةً عَلَى صِفَاتِهِ لِتَقَدُّمِ الْمَوْصُوفِ وُجُودًا وَاعْتِقَادًا عَلَى الصِّفَاتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الآية الثانية ﴿لقوم يعقلون﴾ فإن سر الإنسان وتدبر خلقة الحيوان أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَّلِ وَتَفَكُّرُهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ يَقِينًا فِي مُعْتَقَدِهِ الْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ جُزْئِيَّاتِ الْعَالَمِ مِنِ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنْزَالِ الرِّزْقِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ يَقْتَضِي رَجَاحَةَ الْعَقْلِ وَرَصَانَتِهِ لِنَعْلَمَ أَنَّ مَنْ صَنَعَ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ هُوَ الَّذِي صَنَعَ الْعَالَمَ الْكُلِّيَّ الَّتِي هِيَ أَجْرَامُهُ وَعَوَارِضُ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا صَنَعَ بَعْضًا فَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى أَنَّ لِلْعَالَمِ الْكُلِّيِّ صَانِعًا مُخْتَارًا فَلِذَلِكَ اقْتَضَتِ الْبَلَاغَةُ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةَ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وَإِنِ احْتِيجَ إِلَى الْعَقْلِ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا أَنَّ ذِكْرَهُ هَاهُنَا أَنْسَبُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ إِذْ بَعْضُ مَنْ يَعْتَقِدُ صَانِعَ الْعَالِمِ رُبَّمَا قَالَ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْآثَارِ يَصْنَعُ بَعْضًا فَلَا بُدَّ إِذًا مِنَ التَّدَبُّرِ بِدَقِيقِ الْفِكْرِ وَرَاجِحِ الْعَقْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ لُقْمَانَ: ﴿يا بني إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لطيف خبير﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وَالْمُنَاسَبَةُ فِيهِ قَوِيَّةٌ لِأَنَّ مَنْ دَلَّ عَدُوَّهُ على عورة نفسه وأعطاه سلاحه

стр. 101

لِيَقْتُلَهُ بِهِ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ مَقْلُوبَ العقل فلهذا ختمها بقوله ﴿أفلا تعقلون﴾ وَهَذِهِ الْفَاصِلَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا فِي سِيَاقِ إِنْكَارِ فِعْلٍ غَيْرِ مُنَاسِبٍ فِي الْعَقْلِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ ، لِأَنَّ فَاعِلَ غَيْرِ الْمُنَاسِبِ لَيْسَ بِعَاقِلٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بيننا بالحق وهو الفتاح العليم﴾ خَتَمَ بِصِفَةِ الْعِلْمِ إِشَارَةً إِلَى الْإِحَاطَةِ بِأَحْوَالِنَا وَأَحْوَالِكُمْ وَمَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ فَنَسْأَلُهُ الْقَضَاءَ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ مِنَّا وَمِنْكُمْ فَصْلٌ وَقَدْ تَجْتَمِعُ فَوَاصِلُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيُخَالِفُ بَيْنَهَا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا فِي أَوَائِلِ النَّحْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَدَأَ فِيهَا بِذِكْرِ الْأَفْلَاكِ فَقَالَ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض بالحق﴾ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ فَقَالَ: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ . وأشار إلى عجائب الحيوان فقال: ﴿والأنعام﴾ ثُمَّ عَجَائِبِ النَّبَاتِ فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾ فَجَعَلَ مَقْطَعَ هَذِهِ الْآيَةِ التَّفَكُّرَ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِحُدُوثِ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ النَّبَاتِ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ

стр. 102

وَفِيهِ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِيهِ طَبَائِعَ الْفُصُولِ وَحَرَكَاتِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؟ وَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ لَا جَرَمَ كَانَ مَجَالُ التَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ بَاقِيًا إِنَّهُ تَعَالَى أَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَغَيُّرَاتِ الْعَالَمِ الْأَسْفَلِ مَرْبُوطَةٌ بِأَحْوَالِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ فَتِلْكَ الْحَرَكَاتُ حَيْثُ حَصَلَتْ فَإِنْ كَانَ حُصُولُهَا بِسَبَبِ أَفْلَاكٍ أُخْرَى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ فَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ الْإِلَهِ تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ ، فَجَعَلَ مَقْطَعَ هَذِهِ الْآيَةِ الْعَقْلَ وَالتَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ إِنْ كُنْتَ عَاقِلًا فَاعْلَمْ أَنَّ التَّسَلْسُلَ بَاطِلٌ فَوَجَبَ انْتِهَاءُ الْحَرَكَاتِ إِلَى حَرَكَةٍ يَكُونُ مُوجِدُهَا غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ وَهُوَ الْإِلَهُ الْقَادِرُ الْمُخْتَارُ وَالثَّانِي: أَنَّ نِسْبَةَ الْكَوَاكِبِ وَالطَّبَائِعِ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَرَقَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْحَبَّةِ الْوَاحِدَةِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ إِنَّا نَرَى الْوَرَقَةَ الْوَاحِدَةَ مِنَ الْوَرْدِ أَحَدَ وَجْهَيْهَا فِي غَايَةِ الْحُمْرَةِ وَالْآخَرُ فِي غَايَةِ السَّوَادِ فَلَوْ كَانَ الْمُؤَثِّرُ مُوجَبًا بِالذَّاتِ لَامْتَنَعَ حُصُولُ هَذَا التَّفَاوُتِ فِي الْآثَارِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ قَادِرٌ مُخْتَارٌ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ كَأَنَّهُ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنَا مَا يَرْسَخُ فِي عَقْلِكَ أَنَّ الْمُوجَبَ بِالذَّاتِ وَالطَّبْعِ لَا يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهُ فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى حُصُولِ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ لَيْسَ هُوَ الطَّبَائِعَ بَلِ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ فَلِهَذَا جَعَلَ مَقْطَعَ الْآيَةِ التَّذَكُّرَ

стр. 103

تَنْبِيهٌ مِنْ بَدِيعِ هَذَا النَّوْعِ اخْتِلَافُ الْفَاصِلَتَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَالْمُحَدِّثُ عَنْهُ وَاحِدٌ لِنُكْتَةٍ لَطِيفَةٍ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِنْ تعدوا نعمت اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ثُمَّ قَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ إِذَا حَصَلَتِ النِّعَمُ الْكَثِيرَةُ فَأَنْتَ آخِذُهَا وَأَنَا مُعْطِيهَا فَحَصَلَ لَكَ عِنْدَ أَخْذِهَا وَصْفَانِ كَوْنُكَ ظَلُومًا وَكَوْنُكَ كَفَّارًا وَلِي عِنْدَ إِعْطَائِهَا وَصْفَانِ وَهَمًّا أَنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أُقَابِلُ ظُلْمَكَ بِغُفْرَانِي وَكُفْرَكَ بِرَحْمَتِي فَلَا أُقَابِلُ تَقْصِيرَكَ إِلَّا بِالتَّوْفِيرِ وَلَا أُجَازِي جَفَاءَكَ إِلَّا بِالْوَفَاءِ انْتَهَى وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ بَقِيَ سُؤَالٌ آخَرُ وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي تخصيص آية النحل بوصف المنعم وَآيَةِ إِبْرَاهِيمَ بِوَصْفِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فِي وَصْفِ الْإِنْسَانِ وَمَا جُبِلَ عَلَيْهِ فَنَاسَبَ ذِكْرُ ذَلِكَ عُقَيْبَ أَوْصَافِهِ وَأَمَّا آيَةُ النَّحْلِ فَسِيقَتْ فِي وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتِ أُلُوهِيَّتِهِ وَتَحْقِيقِ صِفَاتِهِ فَنَاسَبَ ذِكْرَ وَصْفِهِ سُبْحَانَهُ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّرَاكِيبَ مَا أَرْقَاهَا فِي دَرَجَةِ الْبَلَاغَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا

стр. 104

ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ وَفِي فُصِّلَتْ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وَحِكْمَةُ فَاصِلَةِ الْأُولَى أَنَّ قَبْلَهَا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يكسبون﴾ فَنَاسَبَ الْخِتَامُ بِفَاصِلَةِ الْبَعْثِ لِأَنَّ قَبْلَهُ وَصَفَهُمْ بِإِنْكَارِهِ وَأَمَّا الْأُخْرَى فَالْخِتَامُ بِهَا مُنَاسِبٌ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُضَيِّعُ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَنْ عَمِلَ شَيْئًا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء﴾ خَتَمَ الْآيَةَ مَرَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عظيما﴾ ومرة بقوله: ﴿ضلالا بعيدا﴾ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَزَلَ فِي الْيَهُودِ وَهُمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِهِ وَالثَّانِي نَزَلَ فِي الْكُفَّارِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كتاب وكان ضلاهم أَشَدَّ وَقَوْلُهُ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أنزل الله﴾ ذكرها ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَخَتَمَ الْأُولَى بِالْكَافِرِينَ وَالثَّانِيَةَ بِالظَّالِمِينَ وَالثَّالِثَةَ بِالْفَاسِقِينَ فَقِيلَ لِأَنَّ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالثَّانِيَةَ نَزَلَتْ فِي أَحْكَامِ الْيَهُودِ وَالثَّالِثَةَ نَزَلَتْ فِي أَحْكَامِ النَّصَارَى وَقِيلَ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِنْكَارًا لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْحَقِّ مَعَ اعْتِقَادِ الْحَقِّ وَحَكَمَ بِضِدِّهِ فَهُوَ ظَالِمٌ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْحَقِّ جَهْلًا وَحَكَمَ بِضِدِّهِ فَهُوَ فَاسِقٌ وَقِيلَ الْكَافِرُ وَالظَّالِمُ وَالْفَاسِقُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْكُفْرُ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَاجْتِنَابِ صُورَةِ التَّكْرَارِ وَقِيلَ غَيْرُ ذلك

стр. 105

تَنْبِيهٌ عَكَسَ هَذَا اتِّفَاقُ الْفَاصِلَتَيْنِ وَالْمُحَدِّث عَنْهُ مختلف كقوله تعالى في سورة النور ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ والله عليم حكيم﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَفْسِيرِهِ فِي الْأُولَى عَلِيمٌ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ حَكِيمٌ فِي بَيَانِ مُرَادِهِ وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ عَلِيمٌ بِمَصَالِحَ الْأَنَامِ حَكِيمٌ بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجَوَابِ عَنْ حِكْمَةِ التَّكْرَارِ تَنْبِيهٌ حَقُّ الْفَاصِلَةِ فِي هَذَا الْقِسْمِ تَمْكِينُ الْمَعْنَى الْمَسُوقِ إِلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّ بَعْثَ الرَّسُولِ تَوْلِيَةٌ وَالتَّوْلِيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ عَزِيزٍ غَالِبٍ عَلَى مَا يُرِيدُ وَتَعْلِيمُ الرَّسُولِ الْحِكْمَةَ لِقَوْمِهِ إِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى حِكْمَةِ مُرْسِلِهِ لِأَنَّ الرَّسُولَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُرْسِلِ وَالْمُرْسَلِ إِلَيْهِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حَكِيمًا فَلَا جَرَمَ كَانَ اقْتِرَانُهُمَا مناسبا

стр. 106

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إن الله غفور رحيم﴾ وجه المناسبة في الحكم مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِنَّ مَنْ حَضَرَ الْمُوصِيَ فَرَأَى مِنْهُ جَنَفًا عَلَى الْوَرَثَةِ فِي وَصِيَّتِهِ مَعَ فَقْرِهِمْ فَوَعَظَهُ فِي ذَلِكَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى رَضُوا فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَفُورٌ لِلْمُوصِي إِذَا ارْتَدَعَ بِقَوْلِ مَنْ وَعَظَهُ فَرَجَعَ عَمَّا هَمَّ بِهِ وَغُفْرَانُهُ لِهَذَا بِرَحْمَتِهِ لَا خَفَاءَ بِهِ وَالْإِثْمُ الْمَرْفُوعُ عَنِ الْقَائِلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِثْمَ التَّبْدِيلِ السَّابِقِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ بدله بعد ما سمعه﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُوصِي أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا الْمُبَدِّلُ دَاخِلًا تَحْتَ وَعِيدِ مَنْ بَدَّلَ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ تَبْدِيلَ هَذَا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً فَلَا يَكُونُ كَغَيْرِهِ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى ذَلِكَ مَوَاضِعُ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يُوهِمُ أَنَّ الْفَاصِلَةَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَكَذَا نُقِلَتْ عَنْ مُصْحَفِ أُبَيٍّ ﵁ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ شنبوذ ولكن إذا أمعن النَّظَرُ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ التِّلَاوَةُ لِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ العذاب إلا من ليس فوقه أحد يَرُدَّ عَلَيْهِ حُكْمَهُ فَهُوَ الْعَزِيزُ لِأَنَّ الْعَزِيزَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ قَوْلِهِمْ عَزَّهُ يَعِزُّهُ عِزًّا إِذَا غَلَبَهُ وَوَجَبَ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَكِيمِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَكِيمَ مَنْ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ فَاللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخْفِي وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ أَفْعَالِهِ فَيَتَوَهَّمُ الضُّعَفَاءُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْحِكْمَةِ فَكَانَ فِي الْوَصْفِ بِالْحَكِيمِ احْتِرَاسٌ حَسَنٌ أَيْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ فَلَا مُعْتَرَضَ عَلَيْكَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ وَالْحِكْمَةُ فِيمَا فعلته قيل: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ لَهُمْ بِالْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وقيل لأنه

стр. 107

مَقَامٌ تَبَرٍّ فَلَمْ يَذْكُرِ الصِّفَةَ الْمُقْتَضِيَةَ اسْتِمْطَارَ الْعَفْوِ لَهُمْ وَذَكَرَ صِفَةَ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ الْعَزِيزُ الْغَالِبُ وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إِنْ عَفَا عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْغُفْرَانِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى تَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَى مَنْ هُوَ أَمَلَكُ لَهُمْ وَلَوْ قِيلَ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لَأُوهِمَ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ وَلَا يَسُوغُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ لَا لِنَبِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وَهُمْ عِبَادُهُ عَذَّبَهُمْ أَوْ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ فَلِأَنَّ الْمَعْنَى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ تُعَذِّبُ مَنِ الْعَادَةُ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْعُبُودِيَّةَ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: يَا رَبِّ إِنْ أَخْطَأْتُ أَوْ نَسِيتُ ... فَأَنْتَ لَا تَنْسَى وَلَا تَمُوتُ وَاللَّهُ لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى وَلَا يَمُوتُ أَخْطَأَ رُؤْبَةُ أَوْ أَصَابَ فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنْ أَخْطَأْتُ تَجَاوَزْتَ لِضَعْفِي وَقُوَّتِكَ وَنَقْصِي وَكَمَالِكَ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ الله عزيز حكيم﴾ والجواب ما ذكرناه ومثله قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنك أنت العزيز الحكيم﴾ وَمِثْلُهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ فِي قَوْلِ السَّادَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إنك أنت العزيز الحكيم﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَلَوْلَا

стр. 108

فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حكيم﴾ فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ أَنَّ الْفَاصِلَةَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُنَاسِبَةٌ لِلتَّوْبَةِ وَخُصُوصًا مِنْ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَلَكِنَّ هَاهُنَا مَعْنًى دَقِيقٌ مِنْ أَجْلِهِ قَالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ وَهُوَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى فَائِدَةِ مَشْرُوعِيَّةِ اللِّعَانِ وَهِيَ السَّتْرُ عَنْ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْعَظِيمَةِ وَذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ الْحِكَمِ فَلِهَذَا كَانَ حَكِيمٌ بَلِيغًا فِي هَذَا الْمَقَامِ دُونَ رَحِيمٌ وَمِنْ خَفِيِّ هَذَا الضَّرْبِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شيء عليم﴾ وَقَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ والله على كل شيء قدير﴾ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ إِلَى الذِّهْنِ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ الْخَتْمُ بِالْقُدْرَةِ وَفِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ الْخَتْمُ بالعلم لكن إذا أمعن النَّظَرُ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ التِّلَاوَةُ فِي الْآيَتَيْنِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْخِطَابِ ذُو عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ نَفْيًا لِلِاغْتِرَارِ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِرَاءِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّهْدِيدِ وَمَعْنَاهُ لَا تَغْتَرُّوا بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِرَاءِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَذَابَهُ عَنْكُمْ وَقَرِيبٌ مِنْهُ: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن لا يملكون منه خطابا﴾

стр. 109

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإن الله عزيز حكيم﴾ فَمُنَاسَبَةُ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ أَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشْرَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ زُهَاءَ أَلْفٍ مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وقال المنافقون: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ حَتَّى أَقْدَمُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِمْ عَدَدًا أَوْ أَكْثَرِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَتَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ الله عزيز حكيم﴾ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الْخِتَامِ بِالْحِلْمِ وَالْمَغْفِرَةِ عُقَيْبَ تَسَابِيحِ الْأَشْيَاءِ وَتَنْزِيهِهَا أَجَابَ صَاحِبُ الْفُنُونِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنْ فَسَّرْنَا التَّسْبِيحَ عَلَى مَا دَرَجَ فِي الْأَشْيَاءِ مِنَ الْعِبَرِ وَأَنَّهَا مُسَبِّحَاتٌ بِمَعْنَى مُوَدِّعَاتٍ مِنْ دَلَائِلِ الْعِبَرِ وَدَقَائِقِ الْإِنْعَامَاتِ وَالْحِكَمِ مَا يُوجِبُ تَسْبِيحَ الْمُعْتَبِرِ الْمُتَأَمِّلِ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ مِنْ كَبِيرِ إِغْفَالِكُمُ النَّظَرُ فِي دَلَائِلِ الْعِبَرِ مَعَ امْتِلَاءِ الأشياء بذلك وموضع العتب قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عليها وهم عنها معرضون﴾ كَذَلِكَ مَوْضِعُ الْمَعْتَبَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تسبيحهم﴾ وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفُوا بِالتَّأَمُّلِ مَا يُوجِبُ الْقُرْبَةَ لِلَّهِ مِمَّا أَوْدَعَ مَخْلُوقَاتِهِ بِمَا يُوجِبُ تَنْزِيهَهُ فَهَذَا مَوْضِعُ حِلْمٍ وَغُفْرَانٍ عَمَّا جَرَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالْإِهْمَالِ الثَّانِي: إِنْ جَعَلْنَا التَّسْبِيحَ حَقِيقَةً فِي الْحَيَوَانَاتِ بِلُغَاتِهَا فَمَعْنَاهُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا تُسَبِّحُهُ

стр. 110

وَتُحَمِّدُهُ وَلَا عِصْيَانَ فِي حَقِّهَا وَأَنْتُمْ تَعْصُونَ فَالْحِلْمُ وَالْغُفْرَانُ لِلتَّقْدِيرِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ الْعِصْيَانُ وَفِي الْحَدِيثِ: " لَوْلَا بَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبًّا" الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي أَوَّلِهَا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شيء إلا يسبح بحمده﴾ ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ لِتَسَابِيحِ الْمُسَبِّحِينَ حَلِيمًا عَنْ تَفْرِيطِهِمْ غَفُورًا لِذُنُوبِهِمْ أَلَا تَرَاهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغفور الرحيم﴾ وَكَأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ إِمَّا الْعَفْوُ عَنْ تَرْكِ الْبَحْثِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفَهْمِ لِمَا فِي الْأَشْيَاءِ مِنَ الْعِبَرِ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعِصْيَانِ أَوْ يُرِيدُ بِهَا الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تُسَبِّحُهُ وَمِنْهَا مَا يَعْصِيهِ وَيُخَالِفُهُ فَيَغْفِرُ عِصْيَانَهُمْ بِتَسَابِيحِهِمْ. تَنْبِيهٌ قَدْ تَكُونُ الْفَاصِلَةُ لَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْغَضِّ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَوْلِهِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِطَلَبِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يرشدون﴾ وَقِيلَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا.
следующие страницы →