← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إن الله غفور رحيم﴾ وجه المناسبة في الحكم مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِنَّ مَنْ حَضَرَ الْمُوصِيَ فَرَأَى مِنْهُ جَنَفًا عَلَى الْوَرَثَةِ فِي وَصِيَّتِهِ مَعَ فَقْرِهِمْ فَوَعَظَهُ فِي ذَلِكَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى رَضُوا فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَفُورٌ لِلْمُوصِي إِذَا ارْتَدَعَ بِقَوْلِ مَنْ وَعَظَهُ فَرَجَعَ عَمَّا هَمَّ بِهِ وَغُفْرَانُهُ لِهَذَا بِرَحْمَتِهِ لَا خَفَاءَ بِهِ وَالْإِثْمُ الْمَرْفُوعُ عَنِ الْقَائِلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِثْمَ التَّبْدِيلِ السَّابِقِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ بدله بعد ما سمعه﴾ يَعْنِي مِنَ الْمُوصِي أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا الْمُبَدِّلُ دَاخِلًا تَحْتَ وَعِيدِ مَنْ بَدَّلَ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ تَبْدِيلَ هَذَا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً فَلَا يَكُونُ كَغَيْرِهِ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى ذَلِكَ مَوَاضِعُ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يُوهِمُ أَنَّ الْفَاصِلَةَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَكَذَا نُقِلَتْ عَنْ مُصْحَفِ أُبَيٍّ ﵁ وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ شنبوذ ولكن إذا أمعن النَّظَرُ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ التِّلَاوَةُ لِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ العذاب إلا من ليس فوقه أحد يَرُدَّ عَلَيْهِ حُكْمَهُ فَهُوَ الْعَزِيزُ لِأَنَّ الْعَزِيزَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ قَوْلِهِمْ عَزَّهُ يَعِزُّهُ عِزًّا إِذَا غَلَبَهُ وَوَجَبَ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَكِيمِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَكِيمَ مَنْ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ فَاللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخْفِي وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ أَفْعَالِهِ فَيَتَوَهَّمُ الضُّعَفَاءُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْحِكْمَةِ فَكَانَ فِي الْوَصْفِ بِالْحَكِيمِ احْتِرَاسٌ حَسَنٌ أَيْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ فَلَا مُعْتَرَضَ عَلَيْكَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ وَالْحِكْمَةُ فِيمَا فعلته قيل: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ لَهُمْ بِالْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وقيل لأنه

стр. 107

مَقَامٌ تَبَرٍّ فَلَمْ يَذْكُرِ الصِّفَةَ الْمُقْتَضِيَةَ اسْتِمْطَارَ الْعَفْوِ لَهُمْ وَذَكَرَ صِفَةَ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ الْعَزِيزُ الْغَالِبُ وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إِنْ عَفَا عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْغُفْرَانِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى تَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَى مَنْ هُوَ أَمَلَكُ لَهُمْ وَلَوْ قِيلَ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لَأُوهِمَ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ وَلَا يَسُوغُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ لَا لِنَبِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وَهُمْ عِبَادُهُ عَذَّبَهُمْ أَوْ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ فَلِأَنَّ الْمَعْنَى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ تُعَذِّبُ مَنِ الْعَادَةُ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْعُبُودِيَّةَ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: يَا رَبِّ إِنْ أَخْطَأْتُ أَوْ نَسِيتُ ... فَأَنْتَ لَا تَنْسَى وَلَا تَمُوتُ وَاللَّهُ لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى وَلَا يَمُوتُ أَخْطَأَ رُؤْبَةُ أَوْ أَصَابَ فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنْ أَخْطَأْتُ تَجَاوَزْتَ لِضَعْفِي وَقُوَّتِكَ وَنَقْصِي وَكَمَالِكَ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ الله عزيز حكيم﴾ والجواب ما ذكرناه ومثله قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنك أنت العزيز الحكيم﴾ وَمِثْلُهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ فِي قَوْلِ السَّادَةِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إنك أنت العزيز الحكيم﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَلَوْلَا

стр. 108

فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حكيم﴾ فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ أَنَّ الْفَاصِلَةَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُنَاسِبَةٌ لِلتَّوْبَةِ وَخُصُوصًا مِنْ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَلَكِنَّ هَاهُنَا مَعْنًى دَقِيقٌ مِنْ أَجْلِهِ قَالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ وَهُوَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى فَائِدَةِ مَشْرُوعِيَّةِ اللِّعَانِ وَهِيَ السَّتْرُ عَنْ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْعَظِيمَةِ وَذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ الْحِكَمِ فَلِهَذَا كَانَ حَكِيمٌ بَلِيغًا فِي هَذَا الْمَقَامِ دُونَ رَحِيمٌ وَمِنْ خَفِيِّ هَذَا الضَّرْبِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شيء عليم﴾ وَقَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ والله على كل شيء قدير﴾ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ إِلَى الذِّهْنِ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ الْخَتْمُ بِالْقُدْرَةِ وَفِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ الْخَتْمُ بالعلم لكن إذا أمعن النَّظَرُ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ التِّلَاوَةُ فِي الْآيَتَيْنِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْخِطَابِ ذُو عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ نَفْيًا لِلِاغْتِرَارِ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِرَاءِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّهْدِيدِ وَمَعْنَاهُ لَا تَغْتَرُّوا بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِرَاءِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَذَابَهُ عَنْكُمْ وَقَرِيبٌ مِنْهُ: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن لا يملكون منه خطابا﴾

стр. 109

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإن الله عزيز حكيم﴾ فَمُنَاسَبَةُ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ أَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشْرَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ زُهَاءَ أَلْفٍ مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وقال المنافقون: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ حَتَّى أَقْدَمُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالِهِمْ عَدَدًا أَوْ أَكْثَرِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَتَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ الله عزيز حكيم﴾ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا﴾ فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الْخِتَامِ بِالْحِلْمِ وَالْمَغْفِرَةِ عُقَيْبَ تَسَابِيحِ الْأَشْيَاءِ وَتَنْزِيهِهَا أَجَابَ صَاحِبُ الْفُنُونِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنْ فَسَّرْنَا التَّسْبِيحَ عَلَى مَا دَرَجَ فِي الْأَشْيَاءِ مِنَ الْعِبَرِ وَأَنَّهَا مُسَبِّحَاتٌ بِمَعْنَى مُوَدِّعَاتٍ مِنْ دَلَائِلِ الْعِبَرِ وَدَقَائِقِ الْإِنْعَامَاتِ وَالْحِكَمِ مَا يُوجِبُ تَسْبِيحَ الْمُعْتَبِرِ الْمُتَأَمِّلِ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ مِنْ كَبِيرِ إِغْفَالِكُمُ النَّظَرُ فِي دَلَائِلِ الْعِبَرِ مَعَ امْتِلَاءِ الأشياء بذلك وموضع العتب قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عليها وهم عنها معرضون﴾ كَذَلِكَ مَوْضِعُ الْمَعْتَبَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تسبيحهم﴾ وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفُوا بِالتَّأَمُّلِ مَا يُوجِبُ الْقُرْبَةَ لِلَّهِ مِمَّا أَوْدَعَ مَخْلُوقَاتِهِ بِمَا يُوجِبُ تَنْزِيهَهُ فَهَذَا مَوْضِعُ حِلْمٍ وَغُفْرَانٍ عَمَّا جَرَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالْإِهْمَالِ الثَّانِي: إِنْ جَعَلْنَا التَّسْبِيحَ حَقِيقَةً فِي الْحَيَوَانَاتِ بِلُغَاتِهَا فَمَعْنَاهُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا تُسَبِّحُهُ

стр. 110

وَتُحَمِّدُهُ وَلَا عِصْيَانَ فِي حَقِّهَا وَأَنْتُمْ تَعْصُونَ فَالْحِلْمُ وَالْغُفْرَانُ لِلتَّقْدِيرِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ الْعِصْيَانُ وَفِي الْحَدِيثِ: " لَوْلَا بَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبًّا" الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي أَوَّلِهَا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شيء إلا يسبح بحمده﴾ ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ لِتَسَابِيحِ الْمُسَبِّحِينَ حَلِيمًا عَنْ تَفْرِيطِهِمْ غَفُورًا لِذُنُوبِهِمْ أَلَا تَرَاهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغفور الرحيم﴾ وَكَأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ إِمَّا الْعَفْوُ عَنْ تَرْكِ الْبَحْثِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفَهْمِ لِمَا فِي الْأَشْيَاءِ مِنَ الْعِبَرِ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعِصْيَانِ أَوْ يُرِيدُ بِهَا الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تُسَبِّحُهُ وَمِنْهَا مَا يَعْصِيهِ وَيُخَالِفُهُ فَيَغْفِرُ عِصْيَانَهُمْ بِتَسَابِيحِهِمْ. تَنْبِيهٌ قَدْ تَكُونُ الْفَاصِلَةُ لَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْغَضِّ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وَقَوْلِهِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِطَلَبِ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يرشدون﴾ وَقِيلَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا.

стр. 111

وَإِنَّمَا يَحْتَاجُونَ لِلْإِرْشَادِ إِلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ ذُكِرَتْ عَقِبَ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ وَتَعْظِيمِ رَمَضَانَ وَتَعْلِيمِهِمُ الدُّعَاءَ فِيهِ وَأَنَّ أرحى أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الثَّانِي: التَّصْدِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وأكبر تفضيلا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تستعجلون﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يتوب عليه﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفسهم يظلمون﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بينهم فيما فيه يختلفون﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا ساء ما يزرون﴾ فجعل لفاصلة: ﴿يَزْرُونَ﴾ لِجِنَاسِ: ﴿أَوْزَارِهِمْ﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لِأَنَّ الظَّهْرَ أَقْوَى لِلْحَمْلِ فَأَشَارَ إِلَى ثِقَلِ الْأَوْزَارِ وَقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْتُ استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾

стр. 112

وَقَوْلِهِ: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شهيدا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المطهرين﴾ الثالث: التوشيح ويسمى بِهِ لِكَوْنِ نَفْسِ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى آخِرِهِ نَزَلَ الْمَعْنَى مَنْزِلَةَ الْوِشَاحِ وَنَزَلَ أَوَّلَ الْكَلَامِ وَآخِرَهُ مَنْزِلَةَ الْعَاتِقِ وَالْكَشْحِ اللَّذَيْنِ يَجُولُ عَلَيْهِمَا الْوِشَاحُ وَلِهَذَا قِيلَ فِيهِ إِنَّ الْفَاصِلَةَ تُعْلَمُ قَبْلَ ذِكْرِهَا. وَسَمَّاهُ ابْنُ وَكِيعٍ الْمَطْمَعَ لِأَنَّ صَدْرَهُ مَطْمَعٌ فِي عَجْزِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وآل عمران على العالمين﴾ فَإِنَّ مَعْنَى اصْطِفَاءِ الْمَذْكُورِينَ يُعْلَمُ مِنْهُ الْفَاصِلَةُ إِذِ الْمَذْكُورُونَ نَوْعٌ مِنْ جِنْسِ الْعَالَمِينَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هم مظلمون﴾ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ حَافِظًا لِهَذِهِ السُّورَةِ مُتَيَقِّظًا إِلَى أَنَّ مَقَاطِعَ فَوَاصِلِهَا النُّونُ الْمُرْدَفَةُ وَسَمِعَ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ عَلِمَ أَنَّ الْفَاصِلَةَ مُظْلِمُونَ فَإِنَّ مَنِ انْسَلَخَ النَّهَارُ عَنْ لَيْلِهِ أَظْلَمَ مَا دَامَتْ تِلْكَ الْحَالُ

стр. 113

وَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَى التَّقْسِيمِ وقوله: ﴿أسروا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إن الله على كل شيء قدير﴾ الرَّابِعُ: الْإِيغَالُ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ تجاوز الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ آخِذٌ فِيهِ وَبَلَغَ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْحَدِّ يُقَالُ أَوْغَلَ فِي الْأَرْضِ الْفُلَانِيَّةِ إِذَا بَلَغَ مُنْتَهَاهَا فَهَكَذَا الْمُتَكَلِّمُ إِذَا تَمَّ مَعْنَاهُ ثُمَّ تَعَدَّاهُ بِزِيَادَةٍ فِيهِ فَقَدْ أَوْغَلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فَإِنَّ الْكَلَامَ تَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى فَاصِلَةٍ تُنَاسِبُ الْقَرِينَةَ الْأَوْلَى فَلَمَّا أَتَى بِهَا أَفَادَ مَعْنًى زَائِدًا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إذا ولوا مدبرين﴾ فَإِنَّ الْمَعْنَى قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعْلَمَ تَمَامُ الْكَلَامِ بِالْفَاصِلَةِ فَقَالَ: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾

стр. 114

فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ وَقَدْ أَغْنَى عَنْهَا: ﴿وَلَّوْا﴾ قُلْتُ لَا يُغْنِي عَنْهَا: ﴿وَلَّوْا﴾ فَإِنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ بِجَانِبٍ دُونِ جَانِبٍ بدليل قوله: ﴿أعرض ونأى بجانبه﴾ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ الْجَانِبِ هُنَا مَجَازًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ صُمٌّ لَا يَسْمَعُونَ أَرَادَ تَتْمِيمَ الْمَعْنَى بِذِكْرِ تَوَلِّيهِمْ فِي حَالِ الْخِطَابِ لِيَنْفِيَ عَنْهُمُ الْفَهْمَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنَ الْإِشَارَةِ فَإِنَّ الْأَصَمَّ يَفْهَمُ بِالْإِشَارَةِ مَا يَفْهَمُ السَّمِيعُ بِالْعِبَارَةِ ثُمَّ إِنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ بِجَانِبٍ مَعَ لَحَاظِهِ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَحْصُلُ لَهُ إِدْرَاكُ بَعْضِ الْإِشَارَةِ فَجَعَلَ الْفَاصِلَةَ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ لِيُعْلَمَ أَنَّ التَّوَلِّيَ كَانَ بِجَمِيعِ الْجَوَانِبِ بِحَيْثُ صَارَ مَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا مُسْتَدْبَرًا فَاحْتَجَبَ الْمُخَاطِبُ عَنِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ صَارَ مِنْ وَرَائِهِ فَخَفِيَتْ عَنْ عَيْنِهِ الْإِشَارَةُ كَمَا صُمَّ أُذُنَاهُ عَنِ الْعِبَارَةِ فَحَصَلَتِ الْمُبَالَغَةُ مِنْ عَدَمِ الْإِسْمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ بُولِغَ فِيهِ بِنَفْيِ الْإِسْمَاعِ أَلْبَتَّةَ فَهُوَ مِنْ إِيغَالِ الِاحْتِيَاطِ الَّذِي أُدْمِجَتْ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ الْإِسْمَاعِ وَقَدْ يَأْتِي الِاحْتِيَاطُ فِي غَيْرِ الْمَقَاطِعِ مِنْ مَجْمُوعِ جُمَلٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي ضُرُوبٍ مِنَ الْكَلَامِ شَتَّى يَحْمِلُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الْآيَةَ وقوله: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ وقوله فأتوا بعشر سور مثله كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَنْ يَجْحَدُ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ دِرْهَمًا وَلَا دَانَقًا وَلَا حَبَّةً وَلَا كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا وَلَوْ قَالَ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا لَأَغْنَى فِي الظَّاهِرِ لَكِنَّ التَّفْصِيلَ أَدَلُّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَعَلَى شِدَّةِ الِاسْتِبْعَادِ فِي الْإِنْكَارِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يسألكم أجرا وهم مهتدون﴾ فَإِنَّ الْمَعْنَى تَمَّ

стр. 115

بِقَوْلِهِ: ﴿أَجْرًا﴾ ثُمَّ زَادَ الْفَاصِلَةَ لِمُنَاسَبَةِ رُءُوسِ الآي فأوغل بها كما ترى حتى أتى بها تفيد معنى زائدا عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ فَصْلٌ: فِي ضَابِطِ الْفَوَاصِلِ ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ وَلِمَعْرِفَتِهَا طَرِيقَانِ تَوْقِيفِيٌّ وَقِيَاسِيٌّ الْأَوَّلُ: التَّوْقِيفِيُّ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً وَقَرَأْتُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى ﴿الذين﴾ تَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ فَمَعْنَى يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً أَيْ يَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ قِرَاءَتُهُ ﷺ كَذَلِكَ لِيُعَلِّمَ رُءُوسَ الْآيِ قَالَ وَوَهَمَ فِيهِ مَنْ سَمَّاهُ وَقْفَ السُّنَّةِ لِأَنَّ فِعْلَهُ ﵇ إِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَهُوَ مَشْرُوعٌ لَنَا وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا فَمَا وَقَفَ ﵇ عَلَيْهِ دَائِمًا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ فَاصِلَةٌ وَمَا وَصَلَهُ دَائِمًا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاصِلَةٍ وَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَوَصَلَهُ أُخْرَى احْتَمَلَ الْوَقْفُ أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِهِمَا أَوْ لِتَعْرِيفِ الْوَقْفِ التَّامِّ أَوْ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَالْوَصْلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَاصِلَةٍ أَوْ فَاصِلَةً وَصَلَهَا لِتَقَدُّمِ تَعْرِيفِهَا الثَّانِي: الْقِيَاسِيُّ وَهُوَ مَا أُلْحِقَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ لِمُنَاسِبٍ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ مَحَلُّ فَصْلٍ أَوْ وَصْلٍ وَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ جَائِزٌ وَوَصْلُ الْقُرْآنِ كُلُّهُ جَائِزٌ فَاحْتَاجَ الْقِيَاسِيُّ إِلَى طَرِيقٍ تَعْرِفُهُ فَأَقُولُ فَاصِلَةُ الْآيَةِ كَقَرِينَةِ السَّجْعَةِ فِي النَّثْرِ وَقَافِيَةُ الْبَيْتِ فِي النَّظْمِ وَمَا يُذْكَرُ مِنْ عُيُوبِ الْقَافِيَةِ من

стр. 116

اخْتِلَافِ الْحَذْوِ وَالْإِشْبَاعِ وَالتَّوْجِيهِ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الفاصلة وجاز الانتقال فِي الْفَاصِلَةِ وَالْقَرِينَةِ وَقَافِيَةِ الْأُرْجُوزَةِ مِنْ نَوْعٍ إِلَى آخَرَ بِخِلَافِ قَافِيَةِ الْقَصِيدِ. وَمِنْ ثَمَّ ترى: ﴿يرجعون﴾ مع: ﴿عليم﴾ و: ﴿الميعاد﴾ مع: ﴿الثواب﴾ و: ﴿الطارق﴾ مع: ﴿الثاقب﴾ والأصل في الفاصلة والقرينة المتجردة فِي الْآيَةِ وَالسَّجْعَةِ الْمُسَاوَاةُ وَمِنْ ثَمَّ أَجْمَعَ العادون على ترك عد: ﴿ويأت بآخرين﴾ و: ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ بالنساء و ﴿كذب بها الأولون﴾ بسبحان و ﴿لتبشر به المتقين﴾ بمريم و ﴿لعلهم يتقون﴾

стр. 117

بطه و: ﴿من الظلمات إلى النور﴾ وَ: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بالطلاق لَمْ يُشَاكِلْ طَرَفَيْهِ. وَعَلَى تَرْكِ عَدِّ: ﴿أَفَغَيْرَ دين الله يبغون﴾ بآل عمران و ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ بالمائدة وَعَدُّوا نَظَائِرَهَا لِلْمُنَاسَبَةِ نَحْوَ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ بِآلِ عمران و: ﴿على الله كذبا﴾ بالكهف و: ﴿والسلوى﴾ بطه. وَقَدْ يَتَوَجَّهُ الْأَمْرَانِ فِي كَلِمَةٍ فَيُخْتَلَفُ فِيهَا فَمِنْهَا الْبَسْمَلَةُ وَقَدْ نَزَلَتْ بَعْضُ آيَةٍ فِي النمل وبعضها في أثناء الفاتحة فِي بَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفٍ نَزَلَتْ فِيهِ عَدَّهَا آيَةً وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِهَا بِالْقِيَاسِ لِلنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ خِلَافًا لِلدَّانِيِّ وَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفٍ لَمْ تَنْزِلْ مَعَهُ لَمْ يَعُدَّهَا وَلَزِمَهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ أن يعد عوضها وهو بعد اهْدِنَا لِقَوْلِهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: "قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نصفين"

стр. 118

أَيْ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ تُعَدُّ مِنْهَا وَلَا لِلْعَبْدِ إِلَّا هَاتَانِ وَ ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ مُحَقَّقٌ فَقُسِّمَتَا بَعْدَهَا قِسْمَيْنِ فَكَانَتْ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الْأُولَى وَهِيَ مُمَاثِلَةٌ فِي الرَّوِيِّ لِمَا قَبْلَهَا وَمِنْهَا حُرُوفُ الْفَوَاتِحِ فَوَجْهُ عَدِّهَا اسْتِقْلَالُهَا عَلَى الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَمُنَاسَبَةِ الرَّوِيِّ وَالرِّدْفِ وَوَجْهُ عَدَمِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالتَّعَلُّقُ على الجزء ومنها بالبقرة ﴿عذاب أليم﴾ و ﴿إنما نحن مصلحون﴾ فَوَجْهُ عَدِّهِ مُنَاسَبَةَ الرَّوِيِّ وَوَجْهُ عَدَمِهِ تَعَلُّقُهُ بِتَالِيهِ وَمِنْهَا: ﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بِآلِ عِمْرَانَ حملا على ما في الأعراف والشعراء والسجدة والزخرف ومنها ﴿فبشر عباد﴾ بالزمر لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ ومنها ﴿وَالطُّورِ﴾ وَ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وَ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ وَ ﴿الْقَارِعَةُ﴾ و ﴿والعصر﴾ حملا على ﴿والفجر﴾ و ﴿وَالضُّحَى﴾ لِلْمُنَاسَبَةِ لَكِنْ تَفَاوَتَتْ فِي الْكَمِّيَّةِ

стр. 119

النوع الرابع: في جَمْعُ الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ قَدِيمًا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَجَمَعَ فِيهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابن الزاغوني وأبو الفرج بن الْجَوْزِيِّ وَالدَّامْغَانِيُّ الْوَاعِظُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ وَسُمِّيَ كِتَابُهُ الْأَفْرَادَ فَالْوُجُوهُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي عِدَّةِ مَعَانٍ كَلَفْظِ الْأَمَةِ وَالنَّظَائِرُ كَالْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَقِيلَ النَّظَائِرُ فِي اللَّفْظِ وَالْوُجُوهُ فِي الْمَعَانِي وَضَعُفَ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَكَانَ الْجَمْعُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرِكَةِ وَهُمْ يَذْكُرُونَ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ اللَّفْظَ الَّذِي مَعْنَاهُ وَاحِدٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَيَجْعَلُونَ الْوُجُوهَ نَوْعًا لِأَقْسَامٍ وَالنَّظَائِرَ نَوْعًا آخَرَ كَالْأَمْثَالِ وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى عِشْرِينَ وَجْهًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كلام البشر

стр. 120

وَذَكَرَ مُقَاتِلٌ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا لَا يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيهًا كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً فَمِنْهُ الْهُدَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا: بِمَعْنَى الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ على هدى من ربهم﴾ وبمعنى الدين: ﴿إن الهدى هدى الله﴾ وَبِمَعْنَى الْإِيمَانِ: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وبمعنى الداعي: ﴿ولكل قوم هاد﴾ ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ وَبِمَعْنَى الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ وبمعنى المعرفة: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ وبمعنى الرشاد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وَبِمَعْنَى مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ ﴿من بعد ما تبين لهم الهدى﴾ وَبِمَعْنَى الْقُرْآنِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾

стр. 121

وبمعنى التوراة: ﴿ولقد آتينا موسى الهدى﴾ وبمعنى الاسترجاع: ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ ونظيرها في التغابن: ﴿ومن يؤمن بالله﴾ أَيْ فِي الْمُصِيبَةِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: ﴿يهد قلبه﴾ لِلِاسْتِرْجَاعِ وَبِمَعْنَى الْحُجَّةِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظالمين﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي ربه﴾ أَيْ لَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْحُجَّةِ. وَبِمَعْنَى التَّوْحِيدِ: ﴿إن نتبع الهدى معك﴾ وبمعنى السنة: ﴿وإنا على آثارهم مهتدون﴾ وَبِمَعْنَى الْإِصْلَاحِ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ وَبِمَعْنَى الْإِلْهَامِ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ هَدَى كُلًّا فِي مَعِيشَتِهِ وَبِمَعْنَى التَّوْبَةِ: ﴿إِنَّا هدنا إليك﴾ أَيْ تُبْنَا وَهَذَا كَثِيرُ الْأَنْوَاعِ:

стр. 122

وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ الْأَفْرَادِ: كُلُّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ الْأَسَفِ فَمَعْنَاهُ الْحُزْنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يَعْقُوبَ ﵇ ﴿يا أسفى على يوسف﴾ إلا قوله تعالى: ﴿فلما آسفونا﴾ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَغْضَبُونَا وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ موسى ﵇ ﴿غضبان أسفا﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُغْتَاظًا وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْبُرُوجِ فَإِنَّهَا الْكَوَاكِبُ كَقَوْلِهِ تعالى ﴿والسماء ذات الْبُرُوجِ﴾ إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ فَإِنَّهَا الْقُصُورُ الطِّوَالُ المرتفعة في السماء الْحَصِينَةُ. وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالْبَحْرِ الْمَاءُ وَبِالْبَرِّ التُّرَابُ الْيَابِسُ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿ظَهَرَ الفساد في البر والبحر﴾ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْبَرِّيَّةِ وَالْعُمْرَانِ وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْبَرِّ قَتْلُ ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ وَفِي ﴿البحر﴾ أخذ الملك كل سفينة غصبا والبخس فِي الْقُرْآنِ النَّقْصُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا يخاف بخسا ولا رهقا﴾ إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وَشَرَوْهُ بثمن بخس﴾ فَإِنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا بَخْسٌ: حَرَامٌ. وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْبَعْلِ فَهُوَ الزَّوْجُ كقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق

стр. 123

بردهن﴾ إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا فِي الصَّافَّاتِ: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ صَنَمًا وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْبُكْمِ فَهُوَ الْخَرَسُ عَنِ الْكَلَامِ بِالْإِيمَانِ كقوله: ﴿صم بكم﴾ . إِنَّمَا أَرَادَ بُكْمٌ عَنِ النُّطْقِ وَالتَّوْحِيدِ مَعَ صِحَّةِ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَّا حَرْفَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي سُورَةِ بني إسرائيل: ﴿عميا وبكما وصما﴾ وَالثَّانِي فِي سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ : ﴿أحدهما أبكم﴾ فَإِنَّهُمَا فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَانِ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْكَلَامِ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿جِثِيًّا﴾ فمعنا جَمِيعًا إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ الشَّرِيعَةِ: ﴿وَتَرَى كل أمة جاثية﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ تَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهَا وَكُلُّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ حُسْبَانٌ فَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ غَيْرَ حَرْفٍ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْعَذَابِ وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ حسرة فهو الندامة كقوله ﴿يا حسرة على العباد﴾ إلا التي في سورة آل عمران ﴿يجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ حُزْنًا وَكُلُّ شَيْءٍ فِي القرآن الدحض والداحض فمعناه الباطل كقوله: ﴿حجتهم داحضة﴾ إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: ﴿فَكَانَ مِنَ المدحضين﴾ وَكُلُّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رِجْزٍ فَهُوَ الْعَذَابُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 124

﴿لئن كشفت عنا الرجز﴾ إلا في سورة المدثر والرجز فاهجر فَإِنَّهُ يَعْنِي الصَّنَمَ فَاجْتَنِبُوا عِبَادَتَهُ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَيْبٍ فَهُوَ شَكٌّ غَيْرَ حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ ريب المنون﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي حَوَادِثَ الدَّهْرِ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي القرآن يرجمنكم ويرجموكم فهو القتل غَيْرَ الَّتِي فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ﵍ ﴿لأرجمنك﴾ يعني لأشتمنك قلت وقوله ﴿رجما بالغيب﴾ أَيْ ظَنًّا وَالرَّجْمُ أَيْضًا الطَّرْدُ وَاللَّعْنُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّيْطَانِ رَجِيمٌ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ زُورٍ فَهُوَ الْكَذِبُ وَيُرَادُ بِهِ الشِّرْكُ غَيْرَ الَّتِي فِي الْمُجَادَلَةِ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وزورا فَإِنَّهُ كَذِبٌ غَيْرُ شِرْكٍ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ زَكَاةٍ فَهُوَ الْمَالُ غَيْرَ الَّتِي في سورة مريم وحنانا من لدنا وزكاة فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَطُّفًا وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ زَاغُوا وَلَا تُزِغْ فَإِنَّهُ مِنْ مَالُوا وَلَا تُمِلْ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ﴿وإذ زاغت الأبصار﴾ بِمَعْنَى شَخَصَتْ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ يسخرون وسخرنا فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِهْزَاءُ غَيْرَ الَّتِي فِي سورة الزخرف ﴿ليتخذ بعضهم بعضا سخريا﴾ فإنه أراد أعوانا وَخَدَمًا وَكُلُّ سَكِينَةٍ فِي الْقُرْآنِ طُمَأْنِينَةٌ فِي الْقَلْبِ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿فِيهِ سكينة

стр. 125

من ربكم﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي شَيْئًا كَرَأْسِ الْهِرَّةِ لَهَا جَنَاحَانِ كَانَتْ فِي التَّابُوتِ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ السَّعِيرِ فَهُوَ النَّارُ وَالْوَقُودُ إِلَّا قَوْلَهُ : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وسعر﴾ فَإِنَّهُ الْعِنَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ شَيْطَانٍ فَإِنَّهُ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ وَذُرِّيَّتُهُ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَإِذَا خَلَوْا إلى شياطينهم﴾ فَإِنَّهُ يُرِيدُ كَهَنَتَهُمْ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَحَيِيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَبِي يَاسِرٍ أَخِيهِ وَكُلُّ شَهِيدٍ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ الْقَتْلَى فِي الْغَزْوِ فَهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمُورِ النَّاسِ إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَوْلَهُ : ﴿وادعوا شهداءكم﴾ فَإِنَّهُ يُرِيدُ شُرَكَاءَكُمْ وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ فَهُمْ أَهْلُ النَّارِ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ فَإِنَّهُ يُرِيدُ خَزَنَتَهَا وَكُلُّ صَلَاةٍ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ عِبَادَةٌ وَرَحْمَةٌ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَصَلَوَاتٌ ومساجد﴾ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بُيُوتَ عِبَادَتِهِمْ وَكُلُّ صَمَمٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لِلْإِيمَانِ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْلَهُ ﴿عُمْيًا وبكما وصما﴾ مَعْنَاهُ لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا وَكُلُّ عَذَابٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ التَّعْذِيبُ إِلَّا قَوْلَهُ : ﴿وليشهد عذابهما﴾ فإنه يريد الضرب والقانتون الْمُطِيعُونَ لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الْبَقَرَةِ ﴿كل له قانتون﴾

стр. 126

مَعْنَاهُ مُقِرُّونَ وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الرُّومِ ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يَعْنِي مُقِرُّونَ بِالْعُبُودِيَّةِ وَكُلُّ كَنْزٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الْمَالُ إِلَّا الَّذِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ ﴿وكان تحته كنز لهما﴾ فَإِنَّهُ أَرَادَ صُحُفًا وَعِلْمًا وَكُلُّ مِصْبَاحٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الْكَوْكَبُ إِلَّا الَّذِي فِي سُورَةِ النور ﴿المصباح في زجاجة﴾ فَإِنَّهُ السِّرَاجُ نَفْسُهُ النِّكَاحُ فِي الْقُرْآنِ التَّزَوُّجُ إِلَّا قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النكاح﴾ فإنه يعني الحلم النبأ والأنباء فِي الْقُرْآنِ الْأَخْبَارُ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَعَمِيَتْ عليهم الأنباء﴾ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْحُجَجِ الْوُرُودُ فِي الْقُرْآنِ الدُّخُولُ إِلَّا فِي الْقَصَصِ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ يَعْنِي هَجَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وسعها﴾ يَعْنِي عَنِ الْعَمَلِ إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ النساء ﴿لا ما آتاها﴾ يَعْنِي النَّفَقَةَ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ يَأْسٍ فَهُوَ الْقُنُوطُ إِلَّا الَّتِي فِي الرَّعْدِ: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ أَيْ أَلَمْ يَعْلَمُوا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ أَنْشَدَنِي أَبِي فَارِسُ بْنُ زَكَرِيَّا:

стр. 127

أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ... ألم تيئسوا أَنِّي ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ قَالَ الصَّاغَانِيُّ: الْبَيْتُ لِسَحِيمِ بْنِ وَثِيلٍ الْيَرْبُوعِيِّ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الصَّبْرِ مَحْمُودٌ إِلَّا قَوْلَهُ ﴿لولا أن صبرنا عليها﴾ و: ﴿واصبروا على آلهتكم﴾ انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَزَادَ غَيْرُهُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّكُمْ فَهُوَ بِمَعْنَى لِكَيْ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي الشُّعَرَاءِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ فَإِنَّهُ لِلتَّشْبِيهِ أَيْ كَأَنَّكُمْ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي القرآن أقسطوا فهو بمعنى العدل إلا واحد في الجن: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ يَعْنِي الْعَادِلِينَ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ هَذَا بِاعْتِبَارِ صُورَةِ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَمَادَّةُ الرُّبَاعِيِّ تُخَالِفُ مَادَّةَ الثُّلَاثِيِّ وَكُلُّ كِسَفٍ فِي الْقُرْآنِ يَعْنِي جَانِبًا مِنَ السَّمَاءِ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ الروم: ﴿ويجعله كسفا﴾ يَعْنِي السَّحَابَ قَطْعًا وَكُلُّ مَاءٍ مَعِينٍ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الْجَارِي غَيْرَ الَّذِي فِي سُورَةِ تبارك فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَاءُ الطَّاهِرُ الَّذِي تَنَالُهُ الدِّلَاءُ وَهِيَ زَمْزَمُ

стр. 128

وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ "لِئَلَّا" فَهُوَ بِمَعْنَى كَيْلَا غَيْرَ وَاحِدٍ فِي الْحَدِيدِ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أهل الكتاب﴾ يَعْنِي لِكَيْ يَعْلَمَ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ غَيْرَ وَاحِدٍ فِي أَوَّلِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ يَعْنِي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وَنُورَ النَّهَارِ وَكُلُّ صَوْمٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الصِّيَامُ الْمَعْرُوفُ إِلَّا الَّذِي فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ يَعْنِي صَمْتًا وَذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حاضرة البحر﴾ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُضُورِ هُنَا الْمُشَاهَدَةُ قَالَ وَهُوَ بِالظَّاءِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ وَالتَّحْوِيطِ قَالَ وَلَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تعالى ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ قِيلَ وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَخْبَرَنَا بِهِ وَمَا فِيهِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فَلَمْ يُخْبِرْنَا بِهِ حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ مَوْضِعًا وَهُوَ قوله وما يدريك لعل الساعة قريب وَقِيلَ الْإِنْفَاقُ حَيْثُ وَقَعَ الْقُرْآنُ فَهُوَ الصَّدَقَةُ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مثل ما أنفقوا﴾ فإن المراد به المهر وهو صَدَقَةٌ فِي الْأَصْلِ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَى النساء

стр. 129

النوع الخامس: علم المتشابه وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَنَظَّمَهُ السَّخَاوِيُّ وَصَنَّفَ في توجيهه الكرماني كتاب البرهان والرازي دُرَّةُ التَّأْوِيلِ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَبْسَطُهَا فِي مُجَلَّدَيْنِ وَهُوَ إِيرَادُ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي صُوَرٍ شَتَّى وَفَوَاصِلَ مُخْتَلِفَةٍ وَيَكْثُرُ فِي إِيرَادِ الْقَصَصِ وَالْأَنْبَاءِ وَحِكْمَتُهُ التَّصَرُّفُ فِي الْكَلَامِ وَإِتْيَانُهُ عَلَى ضُرُوبٍ لِيُعْلِمَهُمْ عَجْزَهُمْ عَنْ جَمِيعِ طُرُقِ ذَلِكَ مُبْتَدَأً بِهِ وَمُتَكَرِّرًا وَأَكْثَرُ أَحْكَامِهِ تَثْبُتُ مِنْ وَجْهَيْنِ فَلِهَذَا جَاءَ بِاعْتِبَارَيْنِ وَفِيهِ فصول الفصل الأول: المتشابه باعتبار الأفراد الْأَوَّلُ: بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ:

стр. 130

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ عَلَى نَظْمٍ وفي آخَرَ عَلَى عَكْسِهِ وَهُوَ يُشْبِهُ رَدَّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ كَثِيرٌ فَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ وفي البقرة ﴿والنصارى والصابئين﴾ وفي الحج: ﴿والصابئين والنصارى﴾ في البقرة والأنعام ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ في البقرة: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ وفي الحج ﴿شهيدا عليكم﴾ فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وباقي القرآن ﴿لغير الله به﴾

стр. 131

فِي الْبَقَرَةِ ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كسبوا﴾ وفي إبراهيم ﴿مما كسبوا على شيء﴾ في آل عمران ﴿ولتطمئن قلوبكم به﴾ وفي الأنفال ﴿ولتطمئن به قلوبكم﴾ فِي النِّسَاءِ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ فِي الْأَنْعَامِ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كل شيءء﴾ وَفِي حم الْمُؤْمِنِ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إله إلا هو﴾ في الأنعام ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾ وفي بني إسرائيل ﴿نرزقهم وإياكم﴾ في النحل ﴿وترى الفلك مواخر فيهر﴾ وفي فاطر ﴿فيه مواخر﴾ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن﴾ وفي الكهف ﴿في هذا القرآن للناس﴾ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بيني وبينكم﴾ وفي العنكبوت ﴿بيني وبينكم شهيدا﴾

стр. 132

فِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قبل﴾ وَفِي النَّمْلِ ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قبل﴾ فِي الْقَصَصِ: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يسعى﴾ وَفِي يس ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ وَفِي كهيعص ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ من الكبر عتيا﴾ الثَّانِي: مَا يُشْتَبَهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَفِي الْبَقَرَةِ ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ وفي يس ﴿سواء﴾ بِزِيَادَةِ وَاوٍ لِأَنَّ مَا فِي الْبَقَرَةِ جُمْلَةٌ هِيَ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ إِنَّ وَمَا فِي يس جملة عطفت بالواو على جملة في البقرة ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ وَفِي غَيْرِهَا بِإِسْقَاطِ ﴿مِنْ﴾ لِأَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ وَلَمَّا كَانَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ سَنَامَ الْقُرْآنِ وَأَوَّلَهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ حَسُنَ دُخُولُ ﴿مِنْ﴾ فِيهَا لِيُعْلَمَ أَنَّ التَّحَدِّيَ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَهَا ﴿مِنْ﴾ لَكَانَ التَّحَدِّي وَاقِعًا عَلَى بَعْضِ السُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بالسهل في البقرة: ﴿فمن تبع هداي﴾ وفي طه: ﴿فمن تبع هداي﴾ لأجل قوله هناك ﴿يتبعون الداعي﴾

стр. 133

في البقرة: ﴿يذبحون﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ومثله في الأعراف: ﴿يقتلون﴾ وفي إبراهيم ﴿ويذبحون﴾ بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُوسَى ﵇ يعدد الْمِحَنَ عَلَيْهِمْ فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يظلمون﴾ وفي آل عمران: ﴿ولكن أنفسهم يظلمون﴾ فِي الْبَقَرَةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومن كان مريضا﴾ ثم قال: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بما تعملون خبير﴾ وسائر ما في القرآن بإسقاط من وَفِيهَا: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يزكيهم﴾ وَفِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ قَالُوا: وَجَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ السُّؤَالِ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ الْجَوَابُ بِالْفَاءِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي طه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ ينسفها ربي نسفا﴾ الْآيَةَ لِأَنَّ الْأَجْوِبَةَ فِي الْجَمِيعِ كَانَتْ بَعْدَ السُّؤَالِ وَفِي طه كَانَتْ قَبْلَ السُّؤَالِ وَكَأَنَّهُ قبل إِنْ سُئِلْتَ عَنِ الْجَوَابِ فَقُلْ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَيْسَ فِي القرآن غيره

стр. 134

في البقرة: ﴿ويكون الدين لله﴾ وفي الأنفال: ﴿كله لله﴾ في آل عمران: ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾ وفي المائدة: ﴿بأننا مسلمون﴾ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المنير﴾ بِبَاءٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وفي فاطر ﴿بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير﴾ بِثَلَاثِ بَاءَاتٍ، فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿هَا أَنْتُمْ أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ وَسَائِرُ مَا فِي الْقُرْآنِ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ، فِي النِّسَاءِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ بالواو وفي: ﴿براءة﴾ ﴿ذلك﴾ بِغَيْرِ وَاوٍ. فِي النِّسَاءِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وفي المائدة بزيادة: ﴿منه﴾ فِي الْأَنْعَامِ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لكم إني ملك﴾ فَكَرَّرَ: ﴿لِكُمْ﴾ وَقَالَ فِي هُودٍ: ﴿وَلَا أَقُولُ لكم إني ملك﴾ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ لَكُمْ فِي قِصَّتِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾

стр. 135

وفي القلم: ﴿بمن ضل عن سبيله﴾ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ وَلَفْظِ الْمَاضِي وَفِي النَّجْمِ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بمن اهتدى﴾ فِي الْأَنْعَامِ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وما نحن بمبعوثين﴾ وفي سورة المؤمنين بِزِيَادَةِ نَمُوتُ وَفِيهَا أَيْضًا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُهُ وَفِيهَا ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ وفي فاطر ﴿خلائف في الأرض﴾ بِإِثْبَاتِ ﴿فِي﴾ ، فِي الْأَعْرَافِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تسجد﴾ وفي ص: ﴿أن تسجد﴾ وفي الحجر: ﴿ألا تكون مع الساجدين﴾ فَزَادَ: ﴿لَا﴾ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فإذا جاء أجلهم﴾ بِالْفَاءِ وَكَذَا حَيْثُ وَقَعَ إِلَّا فِي يُونُسَ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ بغير واو وفي المؤمنين وهود: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ بِالْوَاوِ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿كَذَّبُوا مِنْ قبل﴾ وفي يونس بزيادة ﴿به﴾ ﴿كذبوا به من قبل﴾ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ وفي الشعراء بزيادة: ﴿بسحره﴾

стр. 136

فِي هُودٍ: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا﴾ وفي إبراهيم: ﴿وإنا لفي شك مما تدعونا﴾ في يوسف: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ وفي الأنبياء: ﴿وما أرسلنا قبلك﴾ فِي النَّحْلِ: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وفي العنكبوت: ﴿من بعد موتها﴾ وكذلك حذف من من قوله: ﴿لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ وفي الحج: ﴿من بعد علم شيئا﴾ فِي الْحَجِّ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أعيدوا فيها﴾ وفي السجدة: ﴿منها أعيدوا فيها﴾ في النمل: ﴿وألق عصاك﴾ وفي القصص: ﴿وأن ألق عصاك﴾ فِي الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ وفي هود: ﴿ولما جاءت﴾ بغير أن

стр. 137

فِي الْعَنْكَبُوتِ: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ موتها﴾ بِزِيَادَةِ ﴿مِنْ﴾ لَيْسَ غَيْرَهُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ: ﴿إن الساعة لآتية﴾ وفي طه: ﴿آتية﴾ فِي النَّحْلِ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وفي الأعراف ﴿من دونه﴾ فِي الْمُؤْمِنِينَ: ﴿مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مبين﴾ وفي المؤمن بإسقاط ذكر الأخ في البقرة: ﴿يذبحون أبناءكم﴾ وفي سورة إبراهيم: ﴿ويذبحون﴾ بِالْوَاوِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ تَقَدَّمَ: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ وَهِيَ أَوْقَاتُ عُقُوبَاتٍ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ وَاللَّائِقُ أَنْ يُعَدِّدَ امْتِحَانَهُمْ تَعْدِيدًا يُؤْذِنُ بِصِدْقِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ لِتَكْثِيرِ الْمِنَّةِ وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْعَاطِفِ لِيُؤْذِنَ بِأَنْ إِسَامَتَهُمُ الْعَذَابَ مُغَايِرٌ لِتَذْبِيحِ الْأَبْنَاءِ وَسَبْيِ النِّسَاءِ وَهُوَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّسْخِيرِ بِخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَقَرَةِ فَإِنَّ مَا بَعْدَ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لَهُ فَلَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ وَلِأَجْلِ مُطَابَقَةِ السَّابِقِ جَاءَ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ليطابق: ﴿سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم﴾ الثالث: التقديم وَالتَّأْخِيرِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ وَمِنْهُ فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ

стр. 138

آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾ مؤخر وما سواه: ﴿يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وَمِنْهُ تَقْدِيمُ اللَّعِبِ عَلَى اللَّهْوِ فِي مَوْضِعَيْنِ من سورة الأنعام وَكَذَلِكَ فِي الْقِتَالِ وَالْحَدِيدِ وَقَدَّمَ اللَّهْوَ عَلَى اللعب في الأعراف والعنكبوت وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللَّعِبَ فِي الْأَكْثَرِ لِأَنَّ اللَّعِبَ زَمَانُ الصِّبَا وَاللَّهْوَ زَمَانُ الشَّبَابِ وَزَمَانُ الصِّبَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى زَمَانِ اللَّهْوِ تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ في الحدي: ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب﴾ أَيْ كَلَعِبِ الصِّبْيَانِ: ﴿وَلَهْوٌ﴾ أَيْ كَلَهْوِ الشَّبَابِ: ﴿وزينة﴾ كزينة النساء: ﴿وتفاخر﴾ كَتَفَاخُرِ الْإِخْوَانِ: ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾ كَتَكَاثُرِ السُّلْطَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي تَقْدِيمِ اللَّعِبِ عَلَى اللَّهْوِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا إن كنا فاعلين﴾ وَقَدَّمَ اللَّهْوَ فِي الْأَعْرَافِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَكَرَ عَلَى تَرْتِيبِ مَا انْقَضَى وَبَدَأَ بِمَا بِهِ الْإِنْسَانُ انْتَهَى مِنَ الْحَالَيْنِ وَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَالْمُرَادُ بِذِكْرِهِمَا زَمَانُ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ سَرِيعُ الِانْقِضَاءِ قَلِيلُ الْبَقَاءِ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحيوان﴾ أَيِ الْحَيَاةُ الَّتِي لَا أَبَدَ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ لِأَبَدِهَا فَبَدَأَ بِذِكْرِ اللَّهْوِ لِأَنَّهُ فِي زَمَانِ الشَّبَابِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ زَمَانِ اللَّعِبِ وَهُوَ زَمَانُ الصِّبَا

стр. 139

وَمِنْهُ تَقْدِيمُ لَفْظِ الضَّرَرِ عَلَى النَّفْعِ فِي الأكثر لأن العابد يعبد معبودا خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ أَوَّلًا ثُمَّ طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ وَحَيْثُ تَقَدَّمَ النَّفْعُ عَلَى الضُّرِّ فَلِتَقَدُّمِ مَا يَتَضَمَّنُ النَّفْعَ وَذَلِكَ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا بِلَفْظِ الِاسْمِ وَهِيَ فِي الْأَعْرَافِ والرعد وسبأ وَأَرْبَعَةٌ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَهِيَ فِي الْأَنْعَامِ: ﴿مَا لا ينفعنا ولا يضرنا﴾ وَفِي آخِرِ يُونُسَ: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يضرك﴾ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ: ﴿مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يضركم﴾ وَفِي الْفُرْقَانِ: ﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ أَمَّا فِي الْأَعْرَافِ فَلِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَهْدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل﴾ فَقَدَّمَ الْهِدَايَةَ عَلَى الضَّلَالِ وَبَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ من الخير وما مسني السوء﴾ فقدم الخير على السوء وكذا قَدَّمَ النَّفْعَ عَلَى الضُّرِّ أَمَّا فِي الرَّعْدِ فَلِتَقَدُّمِ الطَّوْعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أما فِي سَبَأٍ فَلِتَقَدُّمِ الْبَسْطِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَبْسُطُ الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ وَفِي يُونُسَ قَدَّمَ الضُّرَّ عَلَى الْأَصْلِ وَلِمُوَافَقَةِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ فِيهَا: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ ولا

стр. 140

ينفعهم﴾ وفيها: ﴿وإذا مس الأنسان الضر﴾ فَتَكُونُ الْآيَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ فَلِسَابِقَةِ مَعْنًى يَتَضَمَّنُ نَفْعًا أَمَّا الْأَنْعَامُ فَفِيهَا: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يؤخذ منها﴾ ثُمَّ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا﴾ وَفِي يُونُسَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا ينفعك ولا يضرك﴾ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْكُفَّارِ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمُجَادَلَةِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شيئا ولا يضركم﴾ وَفِي الْفُرْقَانِ تَقَدَّمَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ نِعَمًا جَمَّةً فِي الْآيَاتِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يضرهم﴾ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الْمُطَّرِدَةَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ اتِّسَاقًا مِنَ الْعُقُودِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عدل﴾ ثم قال سبحانه فِي السُّورَةِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئا﴾ الآيةوفيها سؤالان:

стр. 141

أَحَدُهُمَا:أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأُولَى قَدَّمَ نَفْيَ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ عَلَى أَخْذِ الْعَدْلِ وَفِي الثَّانِي قَدَّمَ نَفْيَ قَبُولِ الْعَدْلِ عَلَى الشَّفَاعَةِ السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُولَى: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ وفي الثانية: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ فَغَايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَهَلْ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقُرْآنَ الْحَكِيمَ وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى النَّقْلِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ لَكِنَّهُ يَشْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى فَائِدَةٍ وَحِكْمَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فصلت من لدن حكيم خبير﴾ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ رَحْمَنٍ وَلَا رَحِيمٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ كِلَاهُمَا فِي حَقِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَبْنَاءُ أَبْنَائِهِمْ وَسَيَشْفَعُ لَنَا آبَاؤُنَا فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا تَنْفَعُهُمُ الشَّفَاعَةُ وَلَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَتَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَجَابَ عَنْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّهَا وَذَكَرَ اللَّهُ فِي الْآيَتَيْنِ النَّفْسَ مُتَكَرِّرَةً ثُمَّ أَتَى بِضَمِيرٍ يُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ إِلَى الْأُولَى أَوْ إِلَى الثَّانِيَةِ وَإِنْ كَانَتِ الْقَاعِدَةُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى الْأَقْرَبِ وَلَكِنْ قَدْ يَعُودُ إِلَى غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ فَالضَّمِيرُ فِي التَّعْزِيرِ وَالتَّوْقِيرِ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِي التَّسْبِيحِ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ الْأَقْرَبِ إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ في الأولى ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى

стр. 142

النَّفْسِ الْأُولَى وَهِيَ الشَّفَاعَةُ لِغَيْرِهَا فَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرَ الشَّفَاعَةِ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ أَخْبَرَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِلْمَشْفُوعِ احْتِقَارًا لَهُ وَعَدَمَ الِاحْتِفَاءِ بِهِ وَهَذَا الْخَبَرُ يَكُونُ بَاعِثًا لِلسَّامِعِ فِي تَرْكِ الشَّفَاعَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ لَا يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة﴾ لو شَفَعَتْ يَعْنِي وَهُمْ لَا يَشْفَعُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُؤَيِّسًا لَهُمْ فِيمَا زَعَمُوا أَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَنْفَعُونَهُمْ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يؤخذ منها عدل﴾ إِنْ جَعَلْنَا الضَّمِيرَ فِي: ﴿مِنْهَا﴾ رَاجِعًا إِلَى الشَّافِعِ أَيْضًا فَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ الشَّافِعَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ شَيْئًا لِيَكُونَ مُؤَكِّدًا لِقَبُولِ شَفَاعَتِهِ فَمِنْ هَذَا قَدَّمَ ذِكْرَ الشَّفَاعَةِ عَلَى دَفْعِ الْعَدْلِ وَإِنْ جَعْلَنَا الضَّمِيرَ رَاجِعًا إِلَى الْمَشْفُوعِ فِيهِ فَهُوَ أَحْرَى بِالتَّأْخِيرِ لِيَكُونَ الشَّافِعُ قَدْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ شَفَاعَتَهُ قَدْ قُبِلَتْ فَتَقْدِيمُ الْعَدْلِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤَسِّسًا لِحُصُولِ مَقْصُودِ الشَّفَاعَةِ وَهُوَ ثَمَرَتُهَا لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ وَأَمَّا الْآيَةَ الثَّانِيَةُ: فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾ رَاجِعٌ إِلَى النَّفْسِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ النَّفْسُ الَّتِي هِيَ صَاحِبَةُ الْجَرِيمَةِ فَلَا يُقْبَلُ منها عدل لأن العادة بَذْلَ الْعَدْلِ مِنْ صَاحِبِ الْجَرِيمَةِ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الشَّفَاعَةِ فِيهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ فَنَاسَبَ ذَلِكَ تَقْدِيمَ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْفِدْيَةُ مِنَ الْمَشْفُوعِ لَهُ عَلَى الشَّفَاعَةِ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ النَّفْسَ الْمَطْلُوبَةَ بِجُرْمِهَا لَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ عَنْ نَفْسِهَا ولا تنفعها شفاعة شافع فيها وقد بَذْلَ الْعَدْلِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الشَّفَاعَةِ عِنْدَ مَنْ طُلِبَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأُولَى ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ وفي الثانية: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ لأن الشفاعة إنما تقبل من الشافع وتنفع المشفوع له

стр. 143

وقال الراغب إنما كرر ﴿لا﴾ فيهما عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ بِالْوَاعِظِ إِذَا وَعَظَ لِأَمْرٍ فَإِنَّهُ يُكَرِّرُ اللَّفْظَ لِأَجْلِهِ تَعْظِيمًا لِلْآمِرِ قَالَ وأما تغييره النظم فلما كان قبول وَأَخْذُهُ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ وَنَفْعُهَا مُتَلَازِمَةً لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اتِّفَاقِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَاخْتِلَافِهَا فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ لَمَّا كَانَ النَّاسُ مُتَفَاوِتِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يُشْفَعَ فِيهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَدْلِ الَّذِي يُخْرِجُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْعَدْلَ مُقَدَّمًا عَلَى الشَّفَاعَةِ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ فَقَدَّمَ الشَّفَاعَةَ بِاعْتِبَارِ طَائِفَةٍ وَقَدَّمَ الْعَدْلَ بِاعْتِبَارِ أُخْرَى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى قَبُولَ الشَّفَاعَةِ لَا نَفْعَهَا وَنَفَى أَصْلَ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْفِدَاءُ وَبَدَأَ بِالشَّفَاعَةِ لِتَيْسِيرِهَا عَلَى الطَّالِبِ أَكْثَرَ مِنْ تَحْصِيلِ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْفِدَاءُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ زِيَادَةُ تَأْكِيدِهَا بَدَأَ فِيهَا بِالْأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ الْخَلَاصُ بِالْعَدْلِ وَثَنَّى بِنَفْعِ الشَّفَاعَةِ فقال: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ وَلَمْ يَقُلْ لَا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَإِنْ كَانَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ قَبُولِهَا لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ تَكُونُ نَافِعَةً غَيْرَ مَقْبُولَةٍ وَتَنْفَعُ لِأَغْرَاضٍ مِنْ وَعْدٍ بِخَيْرٍ وَإِبْدَالِ الْمَشْفُوعِ بِغَيْرِهِ فَنَفْيُ النَّفْعِ أَعَمُّ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نَفْيِ الْقَبُولِ وَنَفْيِ النَّفْعِ بِالشَّفَاعَةِ تَلَازُمٌ كَمَا ادَّعَاهُ الرَّاغِبُ وَكَانَ التَّقْدِيرُ بِالْفِدَاءِ الَّذِي هُوَ نَفْيُ قَبُولِ الْعَدْلِ وَنَفْيُ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ شَيْئَيْنِ مُؤَكِّدَيْنِ لِاسْتِقْرَارِ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْيَ الشَّفَاعَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ نَفْيُ قَبُولِهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَخْبَرَ بِنَفْيِ النَّفْعِ لَا بِنَفْيِ الْقَبُولِ فَقَالَ: ﴿فَمَا تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وقال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده﴾ الْآيَةَ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَفَعْتَ عَمَّكَ

стр. 144

أَبَا طَالِبٍ؟ فَقَالَ: "وَجَدْتُهُ فَنَقَلْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ" مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشَفَّعُ فِيه فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ فَنَفَى الشَّفَاعَةَ وَلَمْ يَنْفِ نَفْعَهَا قِيلَ: مِنْ بَابِ زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ أَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَسْبَابَ الْمُنْجِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَنَفَاهَا هُنَاكَ وَهِيَ إِمَّا الْبَيْعُ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ الْإِنْسَانُ إِلَى الْمَقَاصِدِ أَوِ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ وَبَدَأَ بِنَفْيِ الْمَحَبَّةِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ وُقُوعًا مِنَ الصَّدَاقَةِ وَالْمُخَالَّةِ وَثَنَّى بِنَفْيِ الْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الْأَغْرَاضِ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا وَذَكَرَ ثَالِثًا نَفْيَ الشَّفَاعَةِ أَصْلًا وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ قَبُولِهَا فَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى تَكْرَارِ الْجُمَلِ فِي الْآيَاتِ لِيُفِيدَ قُوَّةَ الدَّلَالَةِ الرَّابِعُ: بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ كَقَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ وفي آل عمران: ﴿بغير حق﴾ وقوله في البقرة: ﴿هذا بلدا آمنا﴾ وفي سورة إبراهيم ﴿هذا بلدا آمنا﴾ لِأَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زرع﴾ وَيَكُونُ ﴿بَلَدًا﴾ هُنَا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي وَ: ﴿آمَنَّا﴾ صِفَتُهُ وَفِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿الْبَلَدَ﴾ مَفْعُولٌ أَوَّلُ وَ: ﴿آمَنَّا﴾ الثَّانِي وَقَوْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم﴾ وفي الأنفال: ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ وَقَوْلُهُ فِي حم السَّجْدَةِ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هو السميع العليم﴾ وفي الأعراف:

стр. 145

﴿إنه سميع عليم﴾ لِأَنَّهَا فِي حم مُؤَكَّدَةٌ بِالتَّكْرَارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يلقاها إلا الذين صبروا﴾ فَبَالَغَ بِالتَّعْرِيفِ وَلَيْسَ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فَجَاءَ عَلَى الْأَصْلِ الْمُخْبَرُ عَنْهُ مَعْرِفَةٌ وَالْخَبَرُ نَكِرَةٌ الْخَامِسُ بِالْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ وفي آل عمران: ﴿معدودات﴾ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَمْعِ إِذَا كَانَ وَاحِدُهُ مذكر أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الْوَصْفِ عَلَى التَّأْنِيثِ نَحْوُ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مبثوثة﴾ فَجَاءَ فِي الْبَقَرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَفِي آلِ عِمْرَانَ عَلَى الْفَرْعِ السَّادِسُ: إِبْدَالُ حَرْفٍ بِحَرْفِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وزوجك الجنة وكلا﴾ بالواو وفي الأعراف: ﴿فكلا﴾ بالفاء وحكمته أَنَّ: ﴿اسْكُنْ﴾ فِي الْبَقَرَةِ مِنَ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ الْإِقَامَةُ فَلَمْ يَصْلُحْ إِلَّا بِالْوَاوِ وَلَوْ جَاءَتِ الْفَاءُ لَوَجَبَ تَأْخِيرُ الْأَكْلِ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الْإِقَامَةِ وَالَّذِي فِي الْأَعْرَافِ مِنَ الْمَسْكَنِ وَهُوَ اتِّخَاذُ الْمَوْضِعِ سَكَنًا فَكَانَتِ الْفَاءُ أَوْلَى لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسْكَنِ لَا يَسْتَدْعِي زَمَنًا مُتَجَدِّدًا وزاد في البقرة: ﴿رغدا﴾ لقوله: ﴿وَقُلْنَا﴾ بِخِلَافِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فَإِنَّ فِيهَا: ﴿قَالَ﴾ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا فِي الْأَعْرَافِ خِطَابٌ لَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَمَا فِي الْبَقَرَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا﴾ بالفاء وفي الأعراف بالواو
следующие страницы →