← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول المقدمة مقدمة سماحة مفتي زحلة والبقاع والغربي الشيخ خليل الميس ... مقدمة سماحة مفتي زحلة والبقاع الغربي الشيخ خليل الميس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فيعتبر القرن الخامس عشر الهجري من عصور نهضة العلوم الشرعية، بما في ذلك علم أصول الفقه. حيث توجهت عناية العلماء به في منهجين. الأول: التصنيف في هذا الفن، بما في ذلك الأطروحات العلمية المقدمة من الباحثين لنيل درجات الماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، وهنا تشوقت النفوس إلى الاستزادة منه، وتعالت النداءات إلى تجديده تحت عنوان "تأصيل الأصول". الثاني: التوجه نحو تحقيق كتب التراث لتوفير المادة العلمية بين يدي الباحثين، وتسهيل الحصول على تلك الكنوز التي كانت دفينة في خزائن المكتبات العامة والخاصة قرونا طويلة. وهنا تشوقت النفوس للوقوف على محتويات تلك الذخائر العلمية، بما في ذلك المطبوع منها، وهو أحوج إلى التحقيق العلمي من المخطوط، ومن بين تلك الأسفار العلمية النفيسة كتاب "إرشاد الفحول للإمام الشوكاني". ولما كان هذا العلم لا تناله إلا أيدي الفحول من العلماء؛ لأنه كما قال الإمام الغزالي: علم ازدوج فيه العقل والنقل، كان من نافلة القول إن الاعتناء بتلك الكتب لا يقوى عليها إلا النخبة من العلماء وأهل التحقيق. حيث لا يكفي أن يعزى القول إلى مصدره، بل لا بد من تعقب المصنف، واقتناص غرر الكلام، ودرر القواعد، والتعليق عليها كلما اقتضى الأمر. وهنا تبرز غزائم الرجال في إماطة اللثام عن مكنون النص، ومصادره؛ لنشرف على التراث، ولو من خلال كتاب واحد. كيف لا، والشوكاني هو المبرز في هذا الميدان، وهو الأمين في النقل، والفقيه الأصولي في اختيار الراجح من القول، والمتبحر في تحرير المذاهب، وإنه بحق لنقرأ من خلال إرشاده

стр. 2

علم الأصول على اختلاف مناهجه، ومدارسه. وهنا تتجلى عناية فضلية الباحث المحقق الشيخ أحمد عزو عناية لتحقيق هذا السفر الجليل، وقد اشتق جهده من اسمه، فتوافق الاسم والمسمى، وكان إخراج هذا الكتاب بحلة جديدة، وباهتمام مميز وكأني به يرشد مرة ثانية القارئ إلى مصادر هذا الكتاب من خلال تحقيقاته، واستدراكاته وتعليقاته فيلبس "إرشاد الفحول" حلة جديدة ستكون بإذن الله تعالى واحدة من مآثر المحقق الفاضل وتكرمة للمصنف الكبير، وقنية المنية لكل قارئ شغوف بهذا العلم من خلال الكتاب المحقق. والله ولي التوفيق وكتبه مفتي زحلة والبقاع الغربي الشيخ خليل الميس ٩/ شوال ١٤١٧هـ ١٦/ شباط ١٩٩٧م

стр. 3

مقدمة الدكتور ولي الدين صالح فرفور الدمشقي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ملهم الوصول إلى علم الأصول، والصلاة والسلام على سيدنا محمد البحر الزخار ونور الأنوار ومعدن الأسرار النبي المختار وعلى آله وصحبه الطيبين الأبرار. اعلم أن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع السماوية، المنزلة على نبينا محمد ﷺ جامعة بين المعقول والمنقول، مشتملة على أصول وفروع. وعلم الأصول: من أجل العلوم شرفًا وأعظمها قدرًا، إذ إنه القطب الذي تدور عليه أحكام الشريعة، يرتقي بالإنسان من أرض التقليد، إلى سماء الاجتهاد، مع ملكة الاستنباط. وعلم الخلاف: من أهم العلوم، تتجسد فيه عقلية العلماء وفقاهة الفقهاء بما يخدم مصالح الأمة الإسلامية على مر الأزمان، ويكفل سعادتها ورقيها من بين سائر الأمم، تتجلى فيه أسرار الرحمة الإلهية لهذه الأمة المحمدية. فاختلافهم رحمة جامعة، واتفاقهم حجة قاطعة، وإن علماء الشريعة ما زالوا يتوسعون في هذا العلم ومداركه، ويقعدون قواعده، ويبنون مسائله، ويوضحون دلائله، ويخرجون فروعه على أصول صحيحه وكليات صريحة من كتاب وسنة متواترة. وإذا كان الوحي الظاهر قد انقطع نزوله، فإن الوحي الباطن ما زال نابضا لدى المجتهدين إلى ما شاء الله، له محاكمات في واقعات، وتأثيرات عن انفعالات، عالمه الأمر، ميزانه الفهم، ميزابه الفضل، تكمن فيه العلوم والمعارف، خص الله الشريعة الإسلامية به من بين سائر الشرائع، به يميز المجتهد الصحيح من السقيم، ويعرف الأدلة القطعية والظنية والراجح والمرجوح، وتقيس الأمور بأشباهها ونظائرها قياسا شرعيًّا صحيحًا على ضوابط علمية اجتهادية، حتى يسمو بهذه الشريعة إلى سماء الإرادة معرجا من شمس الوصول إلى مغارب الأصول على مر الدهور. وبعد: فإن كتاب إرشاد الفحول لمؤلفه الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، الصنعاني، اليماني، من الكتب المفيدة في هذا المجال، لما احتوى عليه من كثرة النقول وعزو الأقوال إلى قائليها من أئمة هذا العلم. ولقد سلك مؤلفه مسلك المتكلمين والفقهاء، واعتنى بإيراد القواعد والمسائل الأصولية

стр. 4

واختلاف العلماء فيها مبينا دليل كل من غير تقيد بأصول مذهب معين، فهو أشبه ما يكون بأصول الفقه المقارن. وأخيرا: أشكر القائمين على هذا العمل من محقق وناشر وكل من ساهم في إخراجه بثوب جديد يتماشى مع الزمان. والله أسأل أن يرحمنا، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يلهمنا الإخلاص في القول والعمل، إنه خير مسئول، وهو على كل شيء قدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه د. ولي الدين فرفور الدمشقي حرر في ٢٧/ رمضان /١٤١٧هـ ٤/ شباط /١٩٩٧م

стр. 5

مقدمة التحقيق: الحمد لله مصور النسم في ظلمات الأرحام، مقدر القسم للأنام، مشرع الأحكام، مبين الحلال والحرام، محكم أصول الشريعة المنيعة بالتمام، ومنضج ثمار فروعها المتصلة بكتابه أفضل الإحكام، بسنة نبيه الناسخ كل شريعة ماضية بشريعة الإسلام، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام. ونشهد ألا إله إلا الله شهادة راسخة في صميم القلب، تؤمل صاحبها برضى الرب، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي رفع عن الأمة باليسر كل عسير وصعب، عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما يدفعان عنا كل كرب. وبعد: فلما كان الهدف من وجود الإنسان هو تحقيق العبودية لله ، وبما أنه لم يكلنا إلى أنفسنا في تحقيق ذلك، بل أرسل إلينا الرسل، وأيدهم بالوحي الأمين، فلا بد لنا من معرفة وفهم مرامية وأهدافه، وما فيها من التعاليم التي تصلح لنا المعاش والمعاد، فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما النبعان الصافيان اللذان تكفلا بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة لمن تمسك بهما. ولكن لما فسدت السليقة، ودخلت العجمة، وأصابت اللسان آفة اللحن، لم يتسن لكل فرد من أفراد هذه الأمة هذا الفهم، بل اختص بأناس توفرت فيهم شروط وميزات تؤهلم لذلك، فأحاطوا بدقائق علم خاص سموه علم "أصول الفقه"، فلذلك نص العلماء على أن حكم تعلمه فرض كفاية لحاجة الأمة إلى استنباط الأحكام الشرعية للحادثات المتجددة. وبرعت أقلام العلماء في وصف علم أصول الفقه، فقال الإمام الإسنوي: هو المعلم الذي يكون المجتهد المبدع، والفقيه المثمر، ويقضي على أكذوبة غلق باب الاجتهاد، ويذهب أسطورة سد طريق الاستنباط، وأنه لا يمكن أن يستغني عنه من أراد أن يتأهل للنظر والاجتهاد أو من يهتم بعلم الفقه والخلاف. وقال الإمام الغزالي: هو العلم الذي ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، فأخذ من صفوة

стр. 6

الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد. أول من صنف في هذا الفن: أول من قعد قواعد علم أصول الفقه، وأصل أصوله هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، المجتهد صاحب المذهب في رسالته التي كتبها لعبد الرحمن بن مهدي. المصنفات المؤلفة فيه على مذهب الإمام الشافعي ﵁: كثرت الكتب والتآليف المدونة في هذا العلم فمنها: ١- "البرهان": للإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني. ٢- "البحر المحيط": للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي. ٣- "المستصفى من علم الأصول": للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي. ٤- "المحصول": للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي. ترجمة المؤلف: اسمه ونسبه: هو الإمام محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن صلاح. عرف هو ووالده في صنعاء بالشوكاني، وهي نسبة إلى قرية من قرى السحامية تسمى شوكان، بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم. قال في معجم البلدان: شوكان قرية باليمن من ناحية ذمار. مولده ونشأته: ولد في يوم الاثنين، الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف هجرية، بهجرة شوكان من بلاد خولان باليمن، ونشأ بصنعاء اليمن. اهتمامه بالعلم: - اهتم الإمام الشوكاني بالقرآن الكريم: فقرأه على جماعة من المعلمين، وختمه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل، وجوده على مشايخ القرآن بصنعاء. - واهتم بعلوم الحديث، فسمع البخاري من أوله إلى آخره، وسمع صحيح مسلم والترمذي، وبعض موطأ الإمام مالك، وبعض شفاء القاضي عياض، وبعض سنن النسائي، وبعض سنن ابن ماجة، وسمع جميع سنن أبي داود وتخريجها للمنذري، وكذلك سمع بعض فتح

стр. 7

الباري، وبعض شرح مسلم للنووي، وسمع شرح بلوغ المرام وغيرها من علوم الحديث. - واهتم بعلوم العربية، فحفظ الكافية والشافية لابن الحاجب، وقرأ بعض شروح الكافية كشرح الرضي، وشرح الخبيصي، وقرأ بعض شروح الشافية أيضًا. - واهتم بعلم الأصول فبرع فيه وألف وصنف، فمن مصنفاته الكتاب الذي بين أيدينا. - واهتم بعلوم أخرى كثيرة، منها علم الفقه، حتى إنه ترك التقليد واجتهد رأيه اجتهادًا مطلقًا غير مقيد، وهو قبل الثلاثين من عمره، وولي القضاء والإفتاء في صنعاء اليمن. - شيوخه: من شيوخه: ١- والده علي بن محمد الشوكاني. ٢- الفقيه حسن بن عبد الله الهبل. ٣- العلامة عبد الرحمن بن قاسم المداني. ٤- العلامة أحمد بن عامر الحدائي. ٥- العلامة أحمد بن محمد الحرازي، وقرأ عليه شرح الأزهار. ٦- العلامة إسماعيل بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الإمام القاسم بن محمد، وقرأ عليه الملحة في النحو وشرحها. ٧- العلامة القاسم بن يحيى الخولاني، وقرأ عليه شرح الغاية. ٨- العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي، وقرأ عليه التنقيح في علوم الحديث. ٩- العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، وقرأ عليه إيساغوجي للقاضي زكريا. ١٠- العلامة هادي بن حسين القارني، وقرأ عليه شرح الجزرية. نشره للعلم: استغرق الإمام الشوكاني جميع وقته في درس العلم وتحصيله، ونشره وتعليمه للناس، حتى بلغت دروسه في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسًا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلامذته، واستمر على ذلك مدة، حتى لم يبق عند أحد من شيوخه ما لم يكن من جملة ما قرأه الإمام، ثم إنه بعد ذلك فرغ نفسه لإفادة الطلبة، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دورس في فنون متعددة، منها التفسير والحديث والأصول، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والفقه، والجدل، والعروض.

стр. 8

مؤلفاته: حكى الزركلي في الأعلام، أن مؤلفات الإمام الشوكاني بلغت أربعة عشر ومائة مؤلف، منها: ١- نيل الأوطار في شرح المنتقى من الأخبار. وهو مطبوع في ثمانية مجلدات. ٢- حاشية شفاء الأوام واسمها "وبل الغمام على شفاء الأوام". ٣- الدرر البهية في المسائل الفقهية. ٤- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، وهو مطبوع. ٥- فتح القدير في علم التفسير، وهو مطبوع. ٦- السير الجرار على حدائق الأزهار. وهو مطبوع. ٧- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، وهو مطبوع. وفاته: توفي سنة ألف ومائتين وخمسين هـ رحمه الله تعالى عن سبعة وسبعين عامًا١. منهج التحقيق: سرت في تحقيق هذا الكتاب على النحو التالي: ١- وضعت مقدمة تشتمل على: أ- مقدمة التحقيق، ب- ترجمة للمؤلف. ٢- قمت بمقابلة الكتاب على نسخة قديمة الطباعة ورمزت له بـ "أ"، حيث اعتمدت في ضبط النص على نشرة الدكتور شعبان محمد إسماعيل، ورمزت لها بالحرف "ب" وذلك بعد أن عجزت عن الحصول على مخطوط للكتاب، إذ إنني أرسلت إلى مكتبة الجامع الكبير في صنعاء

стр. 9

اليمن، وطلبت الحصول على مخطوطة أصلية للكتاب، بعد أن علمت بوجودها هناك، ولم يكن لنا نصيب بالحصول عليها. ٣- قمت بتخريج الآيات القرآنية بردها إلى سورها، ووضع أرقامها، وجعلتها بين قوسين مزهرين. ﴿﴾ . ٤- قمت بتخريج الأحاديث النبوية والآثار، وجعلتها بين قوسين صغيرين " " ورقمتها بأرقام مسلسلة موضوعة بين معكوفتين [] وذلك في التعليق. ٥- ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم من غير الصحابة المعروفين. ٦- عرفت بالكتب الواردة أسماؤها، ونسبتها إلى مؤلفيها. ٧- شرحت غريب الألفاظ، وضبطتها. ٨- وضعت علامات الترقيم في الكتاب. ٩- علقت على بعض النقاط الغامضة بما يوضحها ويزيل غموضها. ١٠- وضعت عناوين لبعض فصول الكتاب، وجعلتها بين قوسين كبيرين " ". ١١- قمت بتخريج الأبيات الشعرية ببيان بحرها ونسبتها إلى ناظميها. ١٢- وضعت ترجمة للفرق المذكورة في الكتاب. ١٣- وضعت للكتاب فهارس على النحو التالي: أ- فهرس الآيات القرآنية. ب- فهرس الأحاديث النبوية. جـ- فهرس الأعلام. د- فهرس الفرق والمذاهب. هـ- فهرس الأماكن والبلدان. و فهرس الأبيات الشعرية. ز- فهرس الكتب الوارد ذكرها في المتن. ح- فهرس مراجع التحقيق. ط- فهرس الموضوعات.

стр. 10

وفي الختام: وحيث إنني أتوجه بالشكر والثناء لإرادة "دار الكتاب العربي" حيث انتدبتني لهذا العمل، أقول: إلى كل من يقرأ هذا الكتاب، أو يطلع على نقص أو خلل في العمل بتحقيقه، إنني لم أدع العصمة، ولا الكمال في عملي، فإن العصمة للأنياء، والكمال لله وحده، ولكنني أرجو ممن وجد خطأ في العمل أن يرسل به إلي، وأنا له من الشاكرين، سائلًا المولى ﵎ أن يحفظ ألسنتنا وأقلامنا من الزلل، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين. المحقق: أحمد عزو عناية دمشق - كفر بطنا

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، يَا مَنْ هُوَ "الْمَحْمُودُ"* الْمَشْكُورُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إِذْ لَا مُنْعِمَ سِوَاهُ، وَكُلُّ نَفْعٍ يَجْرِي عَلَى يَدِ غَيْرِهِ فَهُوَ الَّذِي أَجْرَاهُ، وَكُلُّ خَيْرٍ يَصِلُ إِلَى بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَهُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ. فَأَحْمَدُهُ حَمْدًا يَرْضَاهُ، وَأَشْكُرُهُ شُكْرًا يُقَابِلُ نَعْمَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْصَاةٍ، امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، لَا قِيَامًا بِحَقِّ شُكْرِهِ، فَإِنَّ لِسَانِي وَجَنَانِي١ وَأَرْكَانِي٢ لَا تَقُومُ بِشُكْرِ أَقَلِّ نِعْمَةٍ مِنْ نعمه العظمية، وَلَا تُؤَدِّي بَعْضَ الْبَعْضِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنْ شُكْرِ أَيَادِيهِ الْجَسِيمَةِ٣. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْمُصْطَفَى، مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ إِلَى الْأَحْمَرِ مِنَ الْعِبَادِ وَالْأَسْوَدِ صَلَاةً وَسَلَامًا يَتَجَدَّدَانِ بِتَجَدُّدِ الْأَوْقَاتِ، وَيَتَكَرَّرَانِ بِتَكَرُّرِ الْآنَاتِ٤، وَعَلَى آلِهِ الْأَبْرَارِ وَصَحَابَتِهِ الْأَخْيَارِ. وَبَعْدُ: فَإِنَّ عِلْمَ "أُصُولِ الْفِقْهِ" لَمَّا كَانَ هُوَ الْعِلْمَ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ الْأَعْلَامُ، وَالْمَلْجَأَ الَّذِي يُلجأ إِلَيْهِ عِنْدَ تَحْرِيرِ الْمَسَائِلِ، وَتَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ، فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَكَانَتْ مَسَائِلُهُ الْمُقَرَّرَةُ، وَقَوَاعِدُهُ الْمُحَرَّرَةُ، تُؤْخَذُ مُسَلَّمَةً عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاظِرِينَ، كَمَا نَرَاهُ فِي مَبَاحِثِ الْبَاحِثِينَ وَتَصَانِيفِ الْمُصَنِّفِينَ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا اسْتَشْهَدَ لِمَا قَالَهُ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ، أَذْعَنَ لَهُ الْمُنَازِعُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْفُحُولِ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مَسَائِلَ هَذَا الْفَنِّ، قَوَاعِدُ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْحَقِّ، الْحَقِيقِ بِالْقَبُولِ، مَرْبُوطَةٌ بِأَدِلَّةٍ عِلْمِيَّةٍ مِنَ المعقول والمنقول، تقصير عن القدح في شيء منها أيدي

стр. 12

الْفُحُولِ، وَإِنْ تَبَالَغَتْ فِي الطُّولِ، وَبِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاقِعًا فِي الرَّأْيِ، رَافِعًا لَهُ أَعْظَمَ رَايَةٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِغَيْرِ عِلْمِ الرِّوَايَةِ، حَمَلَنِي ذَلِكَ بَعْدَ سُؤَالِ جَمَاعَةٍ لِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا التَّصْنِيفِ، فِي هَذَا الْعِلْمِ الشَّرِيفِ، قَاصِدًا بِهِ إِيضَاحَ رَاجِحِهِ، مِنْ مَرْجُوحِهِ، وَبَيَانَ سَقِيمِهِ مِنْ صَحِيحِهِ، مُوَضِّحًا لِمَا يَصْلُحُ مِنْهُ لِلرَّدِّ إِلَيْهِ، وَمَا لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، لِيَكُونَ الْعَالِمُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي عِلْمِهِ يَتَّضِحُ لَهُ بِهَا الصَّوَابُ، وَلَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَرَكِ الْحَقِّ الْحَقِيقِ بِالْقَبُولِ الْحِجَابُ. فَاعْلَمْ يَا طَالِبَ الْحَقِّ، أَنَّ هَذَا كِتَابٌ تَنْشَرِحُ لَهُ صُدُورُ "الْمُنْصِفِينَ"*، وَيَعْظُمُ قَدْرُهُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْفَرَائِدِ، فِي صُدُورِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَلَا يَعْرِفُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَارِفِ الْحَقَّةِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ. وَلَمْ أَذْكُرْ فِيهِ مِنَ الْمَبَادِئِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي هَذَا الْفَنِّ إِلَّا مَا كَانَ لِذِكْرِهِ، مَزِيدُ فَائِدَةٍ، يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَلُّقًا تَامًّا، وينتفع به فِيهِ انْتِفَاعًا زَائِدًا. وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ: فَقَدْ كَشَفْتُ لَكَ عَنْهَا الْحِجَابَ، كَشْفًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْخَطَأُ مِنَ الصَّوَابِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ بِأَكْثَفِ جِلْبَابٍ، وَإِنَّ هَذَا لَهُوَ أَعْظَمُ فَائِدَةٍ يَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ مِنَ الطُّلَّابِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيرَ مَا هُوَ الْحَقُّ هُوَ غَايَةُ الطَّلَبَاتِ، وَنِهَايَةُ الرَّغَبَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْفَنِّ الَّذِي رَجَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ إِلَى التَّقْلِيدِ، مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَوَقَعَ غَالِبُ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالْأَدِلَّةِ بِسَبَبِهِ فِي الرَّأْيِ الْبَحْتِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَسَمَّيْتُهُ: "إِرْشَادَ الْفُحُولِ إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ". وَرَتَّبْتُهُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَسَبْعَةِ مَقَاصِدَ، وَخَاتِمَةٍ. أَمَّا المقدمة فهي "مشتملة"** على فصول أربعة:

стр. 13

مدخل إلى علم الأصول الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَوْضُوعِهِ وفائدته واستمداده مدخل ... الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَوْضُوعِهِ، وَفَائِدَتِهِ، وَاسْتِمْدَادِهِ: اعْلَمْ أَنَّ لِهَذَا اللَّفْظِ اعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ وَالْآخَرُ بِاعْتِبَارِ الْعَلَمِيَّةِ. أَمَّا الِاعْتِبَارُ الْأَوَّلُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَعْرِيفِ الْمُضَافِ، وَهُوَ الْأُصُولُ، وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ الْفِقْهُ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُرَكَّبِ١ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعْرِيفِ مُفْرَدَاتِهِ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْكُلِّ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ، وَيَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى تَعْرِيفِ الْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ الصُّورِيِّ. أَمَّا الْمُضَافُ فَالْأُصُولُ: جَمْعُ أَصْلٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: يُقَالُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَالْمُسْتَصْحِبِ، وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالدَّلِيلِ. وَالْأَوْفَقُ بِالْمَقَامِ الرَّابِعُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ النَّقْلَ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ هُنَا خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا تُلْجِئُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِانْبِنَاءَ الْعَقْلِيَّ كَانْبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى دَلِيلِهِ يَنْدَرِجُ تَحْتَ مُطْلَقِ الِانْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الِانْبِنَاءَ الْحِسِّيَّ، كَانْبِنَاءِ الْجِدَارِ عَلَى أَسَاسِهِ، وَالِانْبِنَاءَ الْعَقْلِيَّ كَانْبِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى دَلِيلِهِ. وَلَمَّا كَانَ مُضَافًا إِلَى الْفِقْهِ هُنَا وَهُوَ مَعْنًى عَقْلِيٌّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِانْبِنَاءُ الْعَقْلِيُّ. وَأَمَّا الْمُضَافُ إِلَيْهِ وَهُوَ الْفِقْهُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْفَهْمُ٢. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْعِلْمُ بالأحكام الشرعية، عن أدلته التفصيلية بالاستدلال.

стр. 14

وَقِيلَ: التَّصْدِيقُ بِأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِينَ، الَّتِي تُقْصَدُ لَا لاعتقاد. وقيل: معرفة النفس مالها وَمَا عَلَيْهَا عَمَلًا. وَقِيلَ: اعْتِقَادُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. وَقِيلَ: هُوَ جُمْلَةٌ مِنَ الْعُلُومِ "بِأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَعْيَانِهَا"* يُعْلَمُ بِاضْطِرَارٍ أَنَّهَا مِنَ الدِّينِ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ بِاعْتِرَاضَاتٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَاهَا إِنْ حُمِلَ الْعِلْمُ فِيهِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّ غَالِبَ عِلْمِ الْفِقْهِ ظُنُونٌ. وَأَمَّا الْإِضَافَةُ فَمَعْنَاهَا اخْتِصَاصُ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ، بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. فَأُصُولُ الْفِقْهِ مَا "يَخْتَصُّ"** بِالْفِقْهِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ وَمُسْتَنِدًا إِلَيْهِ. وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ الثَّانِي: فَهُوَ إِدْرَاكُ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ ... إلخ. وَقِيلَ: هُوَ نَفْسُ الْقَوَاعِدِ الْمُوَصِّلَةِ بِذَاتِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ ... إلخ. وَقِيلَ: هُوَ طُرُقُ الْفِقْهِ "عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَمَا يَتْبَعُ الْكَيْفِيَّةَ"***. وَفِيهِ: أَنَّ ذِكْرَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ الْمَفْهُومِ ضِمْنًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ تَفْصِيلًا، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ أَدِلَّتِهَا تَفْصِيلًا، وَيُزَادُ عَلَيْهِ: عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ لِإِخْرَاجِ عِلْمِ الْخِلَافِ١، وَالْجَدَلِ٢، فَإِنَّهُمَا وَإِنِ اشْتَمَلَا عَلَى الْقَوَاعِدِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ، لَكِنْ لَا عَلَى وَجْهِ التحقيق، بل الغرض منها إلزام الخصم. ولما كان العلم مأخوذًا على أصول الفقه عند البعض، حسن ههنا أن نذكر تعريف مطلق العلم:

стр. 15

وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَنْظَارُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ "مِنْهُمُ"* الرَّازِيُّ١: بِأَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ ضَرُورِيٌّ، فَيَتَعَذَّرُ تَعْرِيفُهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّلَالَةِ، وَيَكْفِي فِي دَفْعِ مَا قَالُوهُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْوُجْدَانِ لِكُلِّ عَاقِلٍ، أَنَّ الْعِلْمَ يَنْقَسِمُ إِلَى ضَرُورِيٍّ٢، وَمُكْتَسَبٍ٣. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْجُوَيْنِيُّ٤: إِنَّهُ نَظَرِيٌّ، وَلَكِنَّهُ يَعْسُرُ تَحْدِيدُهُ٥، وَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا الْقِسْمَةَ وَالْمِثَالَ، فَيُقَالُ مَثَلًا: الِاعْتِقَادُ إِمَّا جَازِمٌ، أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ، وَالْجَازِمُ إِمَّا مُطَابِقٌ أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَالْمُطَابِقُ إِمَّا ثَابِتٌ، أَوْ غَيْرُ ثَابِتٍ فَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْقِسْمَةِ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ مُطَابِقٌ ثَابِتٌ وَهُوَ الْعِلْمُ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بأن القسمة والمثال إن أفاد تَمْيِيزًا لِمَاهِيَّةِ الْعِلْمِ عَمَّا عَدَاهَا، صَلُحَا لِلتَّعْرِيفِ لَهَا فَلَا يَعْسُرُ، وَإِنْ لَمْ يُفِيدَا تَمْيِيزًا لَمْ يَصْلُحْ بِهِمَا مَعْرِفَةُ مَاهِيَّةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ نَظَرِيٌّ، "لَا"** يَعْسُرُ تَحْدِيدُهُ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ حُدُودًا. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ عَنْ ضَرُورَةٍ أَوْ دَلِيلٍ. وَفِيهِ: أَنَّ الِاعْتِقَادَ الْمَذْكُورَ يَعُمُّ الْجَازِمَ وَغَيْرَ الْجَازِمِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَقْيِيدِهِ بِالْجَازِمِ يَخْرُجُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِالْمُسْتَحِيلِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ اتِّفَاقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَفِيهِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ ؛ إذ لا يسمى معرفة.

стр. 16

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ الَّذِي يُوجِبُ كَوْنَ مَنْ قَامَ بِهِ عَالِمًا أَوْ يُوجِبُ لِمَنْ قام به اسم العالم. وفيه: أن يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ١ لِأَخْذِ الْعَالِمِ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَا يَصِحُّ مِمَّنْ قَامَ بِهِ إِتْقَانُ الْفِعْلِ. وَفِيهِ: أَنَّ فِي الْمَعْلُومَاتِ مَا لَا يَقْدِرُ الْعَالِمُ عَلَى إِتْقَانِهِ، كَالْمُسْتَحِيلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ مُطَابِقٌ. وَفِيهِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ التَّصَوُّرَاتُ وَهِيَ عِلْمٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ، أَوِ الصُّورَةُ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ الْعَقْلِ. وَفِيهِ: أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الظَّنَّ، وَالشَّكَّ وَالْوَهْمَ٢، وَالْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ٣. وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا حَدًّا لِلْعِلْمِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، الشَّامِلِ لِلْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ. وَفِيهِ: أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الْعِلْمِ عَلَى الشَّكِّ، وَالْوَهْمِ وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ، يُخَالِفُ مَفْهُومَ الْعِلْمِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ لَا يَحْتَمِلُ طَرَفَاهُ -أَيِ: الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَبِهِ- نَقِيضَهُ. وَفِيهِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ التَّصَوُّرُ وَهُوَ عِلْمٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لِمَحَلِّهَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ. وَفِيهِ: أَنَّ الْعُلُومَ الْمُسْتَنِدَةَ إِلَى الْعَادَةِ تَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، لِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَةِ بِالْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ صِفَةٌ يَتَجَلَّى بِهِ الْمُدْرَكُ لِلْمُدْرِكِ. وَفِيهِ: أَنَّ الْإِدْرَاكَ مَجَازٌ عَنِ الْعِلْمِ فَيَلْزَمُ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، مَعَ كَوْنِ الْمَجَازِ مَهْجُورًا فِي التَّعْرِيفَاتِ، وَدَعْوَى اشْتِهَارِهِ فِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي هُوَ جِنْسُ الْأَخَصِّ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ صِفَةٌ يَتَجَلَّى بِهَا الْمَذْكُورُ لِمَنْ قَامَتْ هي به.

стр. 17

قَالَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ١: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْكَشْفِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ، وَالْمَعْدُومَ، وَالْمُمْكِنَ، وَالْمُسْتَحِيلَ، بِلَا خِلَافٍ، وَيَتَنَاوَلُ الْمُفْرَدَ، وَالْمُرَكَّبَ، وَالْكُلِّيَّ، وَالْجُزْئِيَّ، وَالتَّجَلِّي هُوَ الِانْكِشَافُ التَّامُّ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ صِفَةٌ يَنْكَشِفُ بِهَا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُذْكَرَ، انْكِشَافًا تَامًّا لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ. فَيَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ الظَّنُّ، وَالْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ، وَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ الْمُصِيبِ أَيْضًا لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عُقْدَةٌ عَلَى الْقَلْبِ، فَلَيْسَ فِيهِ انْكِشَافٌ تَامٌّ، وَانْشِرَاحٌ يَنْحَلُّ بِهِ الْعُقْدَةُ انْتَهَى. وَفِيهِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ إدراك الحواس، فإنه لا مدخلية للمذكور فِيهِ، إِنْ أُرِيدَ بِهِ الذِّكْرُ اللِّسَانِيُّ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَتَنَاوَلُ الذِّكْرَ بِكَسْرِ الذَّالِ، وَالذُّكْرَ بِضَمِّهَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ "مَعْنَيَيِ"* الْمُشْتَرَكِ، أَوْ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَكِلَاهُمَا مَهْجُورٌ فِي التَّعْرِيفَاتِ. هَذَا جُمْلَةُ مَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا وَرَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يُقَالَ فِي تَحْدِيدِهِ: هُوَ صِفَةٌ يَنْكَشِفُ بِهَا الْمَطْلُوبُ، انْكِشَافًا تَامًّا، وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فَتَدَبَّرْ. وَإِذَا عَرَفْتَ مَا قِيلَ فِي "حَدِّ الْعِلْمِ"** فَاعْلَمْ أَنَّ مُطْلَقَ التَّعْرِيفِ لِلشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ اسْمِيًّا، فَالْحَقِيقِيُّ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَالِاسْمِيُّ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ مَا يَتَعَقَّلُهُ الْوَاضِعُ لِيَضَعَ بِإِزَائِهِ اسْمًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَاهِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَوْ لَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَقَّلُهُ نَفْسَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ وُجُوهًا وَاعْتِبَارَاتٍ مِنْهُ، فَتَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِمُسَمَّى الِاسْمِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَاهِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ تَعْرِيفٌ حَقِيقِيٌّ، يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْمَاهِيَّةِ فِي الذِّهْنِ بِالذَّاتِيَّاتِ، كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ، أَوْ "بِالْمُرَكَّبِ"*** مِنْهُمَا، وَتَعْرِيفُ مَفْهُومِ الِاسْمِ وَمَا تَعَقَّلَهُ الْوَاضِعُ. فَوَضَعَ الِاسْمَ بِإِزَائِهِ تَعْرِيفٌ اسْمِيٌّ، يُفِيدُ تَبْيِينَ مَا وُضِعَ الِاسْمُ بِإِزَائِهِ بِلَفْظٍ أَشْهَرَ. فَتَعْرِيفُ الْمَعْدُومَاتِ لَا يَكُونُ إِلَّا اسْمِيًّا؛ إِذْ لَا حَقَائِقَ لَهَا بَلْ لَهَا مَفْهُومَاتٌ فَقَطْ، وَتَعْرِيفُ

стр. 18

الموجودات قد يكون اسميًّا. وقد يَكُونُ حَقِيقِيًّا؛ إِذْ لَهَا مَفْهُومَاتٌ وَحَقَائِقُ، وَالشَّرْطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاطِّرَادُ وَالِانْعِكَاسُ، فَالِاطِّرَادُ: هُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ؛ فَهُوَ بِمَعْنَى طَرْدِ الْأَغْيَارِ فَيَكُونُ مَانِعًا، وَالِانْعِكَاسُ: هُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ؛ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِهِ فَهُوَ بِمَعْنَى جَمْعِ الْأَفْرَادِ، فَيَكُونُ جَامِعًا. ثُمَّ العلم بالضرورة ينقسم إِلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ: فَالضَّرُورِيُّ: مَا لَا يُحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِهِ إِلَى نَظَرٍ. وَالنَّظَرِيُّ: مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ الْمَطْلُوبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ. وَقِيلَ: هُوَ مُلَاحَظَةُ الْمَعْقُولِ لِتَحْصِيلِ الْمَجْهُولِ. وَقِيلَ: هُوَ حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنَ الْمَطَالِبِ التَّصَوُّرِيَّةِ، أَوِ التَّصْدِيقِيَّةِ، طَالِبَةً لِلْمَبَادِئِ، وَهِيَ الْمَعْلُومَاتُ التَّصَوُّرِيَّةُ، أَوِ التَّصْدِيقِيَّةُ، بِاسْتِعْرَاضِ صُوَرِهَا صُورَةً صُورَةً. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرُورِيِّ وَالنَّظَرِيِّ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ تَصَوُّرٍ١ وَتَصْدِيقٍ٢، وَالْكَلَامُ فِيهِمَا مَبْسُوطٌ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ. وَالدَّلِيلُ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ. وَقِيلَ: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْغَيْرِ. وَقِيلَ: مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ. وَقِيلَ: هُوَ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلتَّأَدِّي إِلَى مَجْهُولٍ. وَالْأَمَارَةُ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهَا إِلَى الظَّنِّ. وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ رَاجِحٍ. وَالْوَهْمُ تَجْوِيزُ مَرْجُوحٍ. وَالشَّكُّ تَرَدُّدُ الذِّهْنِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. فَالظَّنُّ فِيهِ حُكْمٌ لِحُصُولِ الرَّاجِحِيَّةِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ احْتِمَالُهُ لِلنَّقِيضِ الْمَرْجُوحِ. وَالْوَهْمُ لَا حُكْمَ فِيهِ، لِاسْتِحَالَةِ الْحُكْمِ بِالنَّقِيضَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّقِيضَ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الظن قد

стр. 19

حُكِمَ بِهِ، فَلَوْ حُكِمَ بِنَقِيضِهِ الْمَرْجُوحِ -وَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْوَهْمِ- لَزِمَ الْحُكْمُ بِهِمَا جَمِيعًا. وَالشَّكُّ لَا حُكْمَ فِيهِ بِوَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِتَسَاوِي الْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ، فَلَوْ حُكِمَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا -لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَلَوْ حُكِمَ بِهِمَا جَمِيعًا- لَزِمَ الْحُكْمُ بِالنَّقِيضَيْنِ. وَالِاعْتِقَادُ فِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِمَنِ اخْتَصَّ بِهِ كَوْنَهُ جَازِمًا بِصُورَةٍ مُجَرَّدَةٍ، أَوْ بِثُبُوتِ أَمْرٍ أَوْ نَفْيِهِ. وَقِيلَ: هُوَ الْجَزْمُ بِالشَّيْءِ مِنْ دُونِ سُكُونِ نَفْسٍ، وَيُقَالُ عَلَى التَّصْدِيقِ، سَوَاءٌ كَانَ جَازِمًا، أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، مُطَابِقًا أَوْ غَيْرَ مُطَابِقٍ، ثَابِتًا أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَالتَّقْلِيدُ لِأَنَّهُ جَزْمٌ بِثُبُوتِ أَمْرٍ أَوْ نَفْيِهِ، لِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْغَيْرِ. وَأَمَّا الْجَهْلُ الْبَسِيطُ: فَهُوَ مُقَابِلٌ لِلْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ، مُقَابَلَةَ الْعَدَمِ لِلْمَلَكَةِ؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَالِاعْتِقَادِ عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أن يكون عالمًا أو معتقدًا.

стр. 20

موضوع علم أُصُولِ الْفِقْهِ: وَأَمَّا مَوْضُوعُ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ: فَاعْلَمْ أَنَّ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ مَا يُبْحَثُ فِيهِ مِنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَرَضِ هُنَا الْمَحْمُولُ عَلَى الشَّيْءِ الْخَارِجِ عَنْهُ. وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ إنما يُقَالُ لَهُ الْعَرَضُ الذَّاتِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ الشَّيْءَ لِذَاتِهِ، كَالْإِدْرَاكِ لِلْإِنْسَانِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ يُسَاوِيهِ كَالضَّحِكِ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ تَعَجُّبِهِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ أَعَمَّ مِنْهُ دَاخِلٍ فِيهِ كَالتَّحَرُّكِ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا. وَالْمُرَادُ بِالْبَحْثِ عَنِ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ: حَمْلُهَا عَلَى مَوْضِعِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِنَا: الْكِتَابُ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، أَوْ عَلَى أَنْوَاعِهِ، كَقَوْلِنَا: الْأَمْرُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ، أَوْ عَلَى أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، كَقَوْلِنَا: النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى مَدْلُولِهِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً، أَوْ عَلَى أَنْوَاعِ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، كَقَوْلِنَا: الْعَامُّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ، يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّةِ أَفْرَادِهِ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً. وَجَمِيعُ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ رَاجِعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِ أَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ، مِنْ حَيْثُ إِثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ، وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْأَدِلَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْإِثْبَاتُ، وَالثُّبُوتُ. وَقِيلَ: مَوْضُوعُ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ الْكُلِّيُّ فَقَطْ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُوَصِّلُ الْعِلْمُ بِأَحْوَالِهِ إِلَى قُدْرَةِ إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، أَخْذًا مِنْ شَخْصِيَّاتِهِ١. وَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ مَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِثْبَاتِ، وَهُوَ ذَاتِيٌّ للدليل والأول أولى.

стр. 21

فائدة علم أصول الفقه وثمرته: وَأَمَّا فَائِدَةُ هَذَا الْعِلْمِ: فَهِيَ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوِ الظَّنُّ بِهَا. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْغَايَةُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنَ الشَّرَفِ، كَانَ عِلْمُ طَالِبِهِ بِهَا وَوُقُوفُهُ عَلَيْهَا مُقْتَضِيًا لِمَزِيدِ عِنَايَتِهِ بِهِ، وَتَوَفُّرِ رَغْبَتِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ الفوز بسعادة الدارين.

стр. 22

استمداد علم أصول الفقه: وَأَمَّا اسْتِمْدَادُهُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: عِلْمُ الكلام١، لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري سُبْحَانَهُ، وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ فِيهِ، مُقَرَّرَةٌ أدلتهما من مَبَاحِثِهِ. الثَّانِي: اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ؛ لِأَنَّ فَهْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا مُتَوَقِّفَانِ عَلَيْهَا، إِذْ هُمَا عَرَبِيَّانِ. الثَّالِثُ: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُهَا أَوْ نَفْيُهَا، كَقَوْلِنَا: الْأَمْرُ للوجوب، والنهي للتحري، والصلاة واجبة، والربا حرام٢. وجه ذكرنا لما اشتمل عليه هذا الفضل أَنْ يُوجِبَ زِيَادَةَ بَصِيرَةٍ لِطَالِبِ هَذَا الْعِلْمِ كما لا يخفى على ذي فهم.

стр. 23

الفصل الثاني في الأحكام مدخل ... الفصل الثاني: في الأحكام وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى الْكَلَامِ فِي اللُّغَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مَسَائِلُ مِنْ مهمات علم الكلام، سنذكرها ههنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْحَاثٍ: ١- الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي الْحُكْمِ. ٢- الثَّانِي فِي الْحَاكِمِ. ٣- الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ. ٤- الرَّابِعُ فِي الْمَحْكُومِ عليه.

стр. 24

المبحث الأول في الحكم ... أما الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي الْحُكْمِ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ: الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ١ أَوِ التَّخْيِيرِ أَوِ الْوَضْعِ، فَيَتَنَاوَلُ اقْتِضَاءَ الْوُجُودِ، وَاقْتِضَاءَ الْعَدَمِ، إِمَّا مَعَ الْجَزْمِ، أَوْ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَاجِبُ وَالْمَحْظُورُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَأَمَّا التَّخْيِيرُ فَهُوَ الْإِبَاحَةُ. وَأَمَّا الْوَضْعُ: فَهُوَ السَّبَبُ، وَالشَّرْطُ، وَالْمَانِعُ. فَالْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَازِمًا، أَوْ لَا يَكُونَ جَازِمًا، فَإِنْ كَانَ جَازِمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ طَلَبَ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، أَوْ طَلَبَ التَّرْكِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَازِمٍ، فَالطَّرَفَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَلَى السَّوِيَّةِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، أَوْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْوُجُودِ، وَهُوَ النَّدْبُ، أَوْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ التَّرْكِ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ، فَكَانَتِ الْأَحْكَامُ ثَمَانِيَةً، خَمْسَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ وَثَلَاثَةٌ وَضْعِيَّةٌ.

стр. 25

وَتَسْمِيَةُ الْخَمْسَةِ تَكْلِيفِيَّةً تَغْلِيبٌ؛ إِذْ لَا تَكْلِيفَ فِي الْإِبَاحَةِ بَلْ وَلَا فِي النَّدْبِ، وَالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَسُمِّيَتِ الثَّلَاثَةُ وَضْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَهَا عَلَامَاتٍ لِأَحْكَامٍ تَكْلِيفِيَّةٍ، وُجُودًا وَانْتِفَاءً. فَالْوَاجِبُ فِي الِاصْطِلَاحِ: مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ، وَيُذَمُّ تَارِكُهُ، عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَبِالْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُذَمُّ فِي الْأَوَّلِ، إِذَا تَرَكَهُ مَعَ الْآخَرِ، وَلَا يُذَمُّ فِي الثَّانِي إِلَّا إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ. وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُعَيَّنٍ وَمُخَيَّرٍ، وَمُضَيَّقٍ، وَمُوَسَّعٍ، وَعَلَى الْأَعْيَانِ، وَعَلَى الْكِفَايَةِ. وَيُرَادِفُهُ الْفَرْضُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ١، وَقِيلَ: الْفَرْضُ مَا كَانَ دَلِيلُهُ قَطْعِيًّا، وَالْوَاجِبُ مَا كَانَ دَلِيلُهُ ظَنِّيًّا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؟ وَالْمَحْظُورُ: مَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ وَيُمْدَحُ تَارِكُهُ، وَيُقَالُ: لَهُ الْمُحَرَّمُ، وَالْمَعْصِيَةُ، وَالذَّنْبُ، وَالْمَزْجُورُ عَنْهُ، وَالْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ، وَالْقَبِيحُ. وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ، وَلَا يُذَمُّ تَارِكُهُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِعْلُهُ رَاجِحًا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَيُقَالُ لَهُ: مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَنَفْلٌ، وَتَطَوُّعٌ، وَإِحْسَانٌ، وَسُنَّةٌ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ سُنَّةٌ، إِلَّا إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ، كَالْوِتْرِ، وَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ. وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُمْدَحُ تَارِكُهُ، وَلَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ. وَيُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وَهُوَ الَّذِي أَشْعَرَ فَاعِلَهُ أَنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ، وَعَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَعَلَى الْمَحْظُورِ الْمُتَقَدِّمِ. وَالْمُبَاحُ: مَا لَا يُمْدَحُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَعْلَمَ فَاعِلَهُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا ضَرَرَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ مَحْظُورًا، كَمَا يُقَالُ: دَمُ الْمُرْتَدِّ مُبَاحٌ، أَيْ: لَا ضَرَرَ عَلَى مَنْ أَرَاقَهُ، وَيُقَالُ لِلْمُبَاحِ: الْحَلَالُ، وَالْجَائِزُ، والمطلق.

стр. 26

وَالسَّبَبُ: هُوَ جَعْلُ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ مَنَاطًا١ لِوُجُودِ حُكْمٍ، أَيْ: يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ وُجُودَهُ. وَبَيَانُهُ: أن الله سُبْحَانَهُ فِي الزَّانِي مَثَلًا حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَكْلِيفِيٌّ، وَهُوَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي وَضْعِيٌّ، وَهُوَ جَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ بِعَيْنِهِ وَذَاتِهِ، بَلْ بِجَعْلِ الشَّرْعِ. وَيَنْقَسِمُ السَّبَبُ بِالِاسْتِقْرَاءِ إِلَى الْوَقْتِيَّةِ، كَزَوَالِ الشَّمْسِ، لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ كَالْإِسْكَارِ لِلتَّحْرِيمِ وَكَالْمِلْكِ لِلضَّمَانِ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْعُقُوبَةِ. وَالشَّرْطُ: هُوَ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ شَرْطًا لِلْحُكْمِ. وَحَقِيقَةُ الشَّرْطِ: هُوَ مَا كَانَ عَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْحُكْمِ، فَهُوَ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ، يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، أَوْ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السَّبَبِ، لِحِكْمَةٍ فِي عَدَمِهِ، تُنَافِي حِكْمَةَ الْحُكْمِ أَوِ السَّبَبِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُجُوبِهَا، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، فَعَدَمُهَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ صِحَّتِهِ، وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ فِي سَبَبِيَّةِ الزِّنَا لِلرَّجْمِ، فَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهَا. وَالْمَانِعُ: هُوَ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ، يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ حِكْمَةً، تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْحُكْمِ، أَوْ عَدَمَ السَّبَبِ، كَوُجُودِ الْأُبُوَّةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ ثُبُوتِ الِاقْتِصَاصِ لِلِابْنِ مِنَ الْأَبِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَبِ سَبَبًا لِوُجُودِ الِابْنِ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِيرَ الِابْنُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ. وَفِي هَذَا الْمِثَالِ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأُصُولِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلْقِصَاصِ هُوَ فِعْلُهُ، لَا وُجُودُ الِابْنِ وَلَا عَدَمُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكْمَةً مَانِعَةً لِلْقِصَاصِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ لِفَرْعٍ مِنْ أَصْلٍ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُمَثَّلَ لِذَلِكَ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي، أَوْ ثَوْبِهِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصلاة، عند من يجعل الطهارة شرطًا، فههنا قَدْ عُدِمَ شَرْطٌ وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَوُجِدَ مَانِعٌ وَهُوَ النَّجَاسَةُ، لَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهَا وَاجِبَةً فَقَطْ. وَأَمَّا الْمَانِعُ الَّذِي يَقْتَضِي وُجُودُهُ حِكْمَةً تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، فَكَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّ حِكْمَةَ السَّبَبِ -وَهُوَ الْغِنَى- مُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ مِنْ فَضْلِ مَالِهِ، وَلَمْ يَدَعِ الدَّيْنُ فِي الْمَالِ فَضْلًا يُوَاسَى بِهِ، هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قال أن الدين مانع.

стр. 27

المبحث الثاني في الحاكم ... الْبَحْثُ الثَّانِي: فِي الْحَاكِمِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ الْحَاكِمِ الشَّرْعَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَبُلُوغِ الدَّعْوَةِ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ: فَقَالَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ١: لَا يَتَعَلَّقُ لَهُ سُبْحَانَهُ حُكْمٌ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَلَا يَحْرُمُ كُفْرٌ وَلَا يَجِبُ إِيمَانٌ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ٢: إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ لَهُ تَعَالَى حُكْمٌ بِمَا أَدْرَكَ الْعَقْلُ فِيهِ صِفَةَ حُسْنٍ، أَوْ قُبْحٍ لِذَاتِهِ، أَوْ لِصِفَتِهِ، أَوْ لِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالُوا: وَالشَّرْعُ كَاشِفٌ عَمَّا أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ قَبْلَ وُرُودِهِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي شَيْئَيْنِ: الْأَوَّلُ: مُلَاءَمَةُ الْغَرَضِ لِلطَّبْعِ وَمُنَافَرَتُهُ لَهُ، فَالْمُوَافِقُ حَسَنٌ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَالْمُنَافِرُ قبيح عنده. الثاني: صفة الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ، فَصِفَاتُ الْكَمَالِ حَسَنَةٌ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَصِفَاتُ النَّقْصِ قَبِيحَةٌ عِنْدَهُ. وَمَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ -كَمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا كَانَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ- هُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ مُتَعَلَّقَ الْمَدْحِ، وَالثَّوَابِ، وَالذَّمِّ، وَالْعِقَابِ، آجِلًا وَعَاجِلًا. فَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِكَوْنِ الْفِعْلِ وَاقِعًا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، لِأَجْلِهِ يَسْتَحِقُّ فاعله الذم. قالوا: وذلك الوجه قيد يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهِ، وَقَدْ لَا يَسْتَقِلُّ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْعَقْلُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ حُسْنَ الصِّدْقِ النَّافِعِ، وَقُبْحَ الْكَذِبِ الضَّارِّ، وَيَعْلَمُ نَظَرًا حُسْنَ الصِّدْقِ الضَّارِّ، وَقُبْحَ الْكَذِبِ النَّافِعِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَحُسْنِ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَقُبْحِ صَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا وَرَدَ علمنا الحسن والقبح فيهما.

стр. 28

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ دُخُولَ هَذِهِ الْقَبَائِحِ فِي الْوُجُودِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقَوْلُ بِالْقُبْحِ بَاطِلٌ. بَيَانُ الْأَوَّلِ: أَنَّ فَاعِلَ الْقَبِيحِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّرْكِ أَوْ لَا يَكُونَ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّرْكِ فَقَدْ ثَبَتَ الِاضْطِرَارُ، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ التَّرْكِ. فَإِمَّا يَتَوَقَّفُ رُجْحَانُ الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى التَّارِكِيَّةِ، عَلَى مُرَجِّحٍ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ، إِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَاتِّفَاقِيٌّ، لَا اخْتِيَارِيٌّ، لِعَدَمِ الْإِرَادَةِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ، فَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلَ١، وَهُوَ مُحَالٌ، وَالثَّانِي يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ إِمَّا أَنْ يَجِبَ "وُقُوعُ"*، الْأَثَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ وَجَبَ فَقَدْ ثَبَتَ الِاضْطِرَارُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ وُجُودِ هَذَا الْمُرَجِّحِ كَانَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَعِنْدَ وُجُودِهِ صَارَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَلَيْسَ وُقُوعُ هَذَا الْمُرَجِّحِ بِالْعَبْدِ أَلْبَتَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ تَمَكُّنٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَلَا مَعْنًى لِلِاضْطِرَارِ إِلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ حُصُولُ هَذَا الْمُرَجِّحِ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْفِعْلِ تَارَةً، وَعَدَمُهُ أُخْرَى، فَتَرْجِيحُ جَانِبِ الْوُجُودِ عَلَى جَانِبِ الْعَدَمِ، إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى انْضِمَامِ مُرَجِّحٍ إِلَيْهِ أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ، إِنْ تَوَقَّفَ لَمْ يَكُنِ الْحَاصِلُ قَبْلَ ذَلِكَ مُرَجِّحًا تَامًّا، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مُرَجِّحًا تَامًّا هَذَا خُلْفٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَلَا تَرْجِيحَ أَلْبَتَّةَ وَإِلَّا لَعَادَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ كَانَ حُصُولُ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ لَا مِنَ الْعَبْدِ وَلَا مِنْ غَيْرِ الْعَبْدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَاقِعًا لَا لِمُؤَثِّرٍ فَيَكُونُ اتِفَاقِيًّا. وَرُدَّ هَذَا الْجَوَابُ: بِأَنَّ الْقَادِرَ يُرَجِّحُ الْفَاعِلِيَّةَ عَلَى التَّارِكِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الرَّدِّ: بِأَنَّ تَرْجِيحَ الْقَادِرِ إِنْ كَانَ لَهُ مَفْهُومٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ قَادِرًا، كَانَ تَسْلِيمًا لِكَوْنِ رُجْحَانِ الْفَاعِلِيَّةِ عَلَى التَّارِكِيَّةِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا عِنْدَ انْضِمَامِ آخَرَ إِلَى الْقَادِرِيَّةِ، فَيَعُودُ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ زَائِدٌ "لَمْ يَبْقَ"** لِقَوْلِكُمْ: الْقَادِرُ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا مُجَرَّدَ أَنَّ صِفَةَ الْقَادِرِيَّةِ مُسْتَمِرَّةٌ فِي الْأَزْمَانِ كُلِّهَا، ثُمَّ إِنَّهُ يُوجَدُ الْأَثَرُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَادِرُ قَدْ رَجَّحَهُ، وَقَصَدَ إِيقَاعَهُ، وَلَا مَعْنَى لِلِاتِّفَاقِ إِلَّا ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ مِنَ التَّعَسُّفِ٢، لِاسْتِلْزَامِهِ نَفْيَ الْمُرَجِّحِ مُطْلَقًا، وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ لِكُلِّ عَاقِلٍ، بِأَنَّ الظُّلْمَ وَالْكَذِبَ وَالْجَهْلَ قَبِيحَةٌ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَأَنَّ العدل والصدق

стр. 29

وَالْعِلْمَ حَسَنَةٌ عِنْدَهُ، لَكِنَّ حَاصِلَ مَا يُدْرِكُهُ العقل من "قبيح هذا القبح"*، وَحُسْنِ هَذَا الْحَسَنِ هُوَ أَنَّ فَاعِلَ الْأَوَّلِ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَفَاعِلَ الثَّانِي يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقًا لِلْعِقَابِ الْأُخْرَوِيِّ، وَالثَّانِي مُتَعَلِّقًا لِلثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ فَلَا. وَاحْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِلتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، بِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَوْ لَمْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ قَبْلَ الشَّرْعِ لَاسْتَحَالَ أَنْ يُعْلَمَا عِنْدَ وُرُودِهِ؛ لِأَنَّهُمَا إِنْ لَمْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ قَبْلَهُ فَعِنْدَ وُرُودِهِ بِهِمَا، يَكُونُ وَارِدًا بِمَا لَا يَعْقِلُهُ السَّامِعُ وَلَا يَتَصَوَّرُهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ قَبْلَ وُرُودِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى الشَّرْعِ لَيْسَ تَصَوُّرَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَإِنَّا قَبْلَ الشَّرْعِ نَتَصَوَّرُ مَاهِيَّةَ تَرَتُّبِ الْعِقَابِ وَالثَّوَابِ، وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَلَى الْفِعْلِ، وَنَتَصَوَّرُ عَدَمَ هَذَا التَّرَتُّبِ، فَتَصَوُّرُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، إِنَّمَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ هُوَ التَّصْدِيقُ، فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ؟ وَاحْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ إِلَّا بِالشَّرْعِ لَحَسُنَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَلَوْ حَسُنَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ لَحَسُنَ مِنْهُ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ، وَلَوْ حَسُنَ مِنْهُ ذَلِكَ لَمَا أَمْكَنَنَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّئِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى بُطْلَانِ الشَّرَائِعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمُعْجِزِ عَلَى الصِّدْقِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَلَقَ ذَلِكَ الْمُعْجِزَ لِلصِّدْقِ، وَكُلُّ مَنْ صَدَّقَهُ اللَّهُ فَهُوَ صَادِقٌ، وَبِأَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ مِنْ خَلْقِ الْمُعْجِزِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ خَلْقَهُ عِنْدَ الدَّعْوَى يُوهِمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّصْدِيقُ، فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا لَكَانَ ذَلِكَ إِيهَامًا لِتَصْدِيقِ الْكَاذِبِ، وَأَنَّهُ قَبِيحٌ، وَاللَّهُ لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ. وَاحْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ حَسُنَ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ لَمَا قَبُحَ مِنْهُ الْكَذِبُ، وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى اعْتِمَادٌ عَلَى وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا وَارِدٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَحْسُنُ فِي مِثْلِ الدَّفْعِ بِهِ عَنْ قَتْلِ إِنْسَانٍ ظُلْمًا، وَفِي مِثْلِ مَنْ تَوَعَّدَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ هُنَا يَحْسُنُ الْكَذِبُ وَيَقْبُحُ الصِّدْقُ. ورُدَّ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنِ الْمُقْتَضِي الْمَانِعِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالنَّادِرِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الدَّفْعُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَحِلُّ بِإِيرَادِ الْمَعَارِيضِ، فَإِنَّ فِيهَا مَنْدُوحَةً١ عَنِ الْكَذِبِ. وَاحْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِلْعَاقِلِ: إِنْ صَدَقْتَ أَعْطَيْنَاكَ دِينَارًا، وَإِنْ كَذَبْتَ أَعْطَيْنَاكَ دِينَارًا، فَإِنَّا نَعْلَمُ -بِالضَّرُورَةِ- أَنَّ الْعَاقِلَ يَخْتَارُ الصِّدْقَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا لَمَا اختاره.

стр. 30

وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَرَجَّحُ الصِّدْقُ عَلَى الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اتَّفَقُوا عَلَى قُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، لِمَا أَنَّ نِظَامَ الْعَالَمِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ وَالْإِنْسَانُ لَمَّا نَشَأَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، لَا جَرَمَ تَرَجَّحَ الصِّدْقُ عِنْدَهُ عَلَى الْكَذِبِ. وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، إِذَا فَرَضَ نَفْسَهُ خَالِيَةً عَنِ الْإِلْفِ، وَالْعَادَةِ، وَالْمَذْهَبِ، وَالِاعْتِقَادِ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهَا عِنْدَ هَذَا الْفَرْضِ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ، وَجَدَهَا جَازِمَةً بِتَرْجِيحِ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَحْثِ يَطُولُ، وَإِنْكَارُ مُجَرَّدِ إِدْرَاكِ الْعَقْلِ لِكَوْنِ الْفِعْلِ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا مُكَابَرَةٌ١، وَمُبَاهَتَةٌ٢. وَأَمَّا إِدْرَاكُهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْحَسَنِ مُتَعَلَّقًا لِلثَّوَابِ، وَكَوْنِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ مُتَعَلَّقًا لِلْعِقَابِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ. وَغَايَةُ مَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْحَسَنَ يُمْدَحُ فَاعِلُهُ، وَهَذَا الْفِعْلَ الْقَبِيحَ يُذَمُّ فَاعِلُهُ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُتَعَلَّقًا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٣ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ٤ وَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ ونحو هذا.

стр. 31

المبحث الثالث في المحكوم به مدخل ... الْبَحْثُ الثَّالِثُ: فِي الْمَحْكُومِ بِهِ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ، فَمُتَعَلِّقُ الْإِيجَابِ يُسَمَّى وَاجِبًا، وَمُتَعَلِّقُ النَّدْبِ يُسَمَّى مَنْدُوبًا، وَمُتَعَلِّقُ الْإِبَاحَةِ يُسَمَّى مُبَاحًا، وَمُتَعَلِّقُ الْكَرَاهَةِ يُسَمَّى مَكْرُوهًا، وَمُتَعَلِّقُ التَّحْرِيمِ يُسَمَّى حَرَامًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ١ حَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَفِيهِ مسائل ثلاث:

стр. 32

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ شَرْطَ الْفِعْلِ الَّذِي وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ، أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فَلَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُسْتَحِيلِ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَحِيلًا بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى امْتِنَاعِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ بِهِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَشَاعِرَةِ: بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فِي الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ، جَائِزٌ فِي الْمُمْتَنِعِ لِامْتِنَاعٍ تَعَلَّقَ قُدْرَةُ الْمُكَلَّفِ بِهِ. احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ: بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُسْتَحِيلِ لَكَانَ مَطْلُوبًا حُصُولُهُ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ تَصَوُّرَ ذَاتِ الْمُسْتَحِيلِ، مَعَ عَدَمِ تَصَوُّرِ مَا يَلْزَمُ ذَاتُهُ لِذَاتِهِ، مِنْ عَدَمِ الْحُصُولِ، يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ غَيْرَ ذَاتِهِ، فَيَلْزَمُ قَلْبُ الْحَقَائِقِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا يَحْصُلُ لَهُ صُورَةٌ فِي الْعَقْلِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَصَوَّرَ شَيْءٌ هُوَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ فَتَصَوُّرُهُ إِمَّا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ، بِأَنْ يُعْقَلَ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحَلَاوَةِ أَمْرٌ، هُوَ الِاجْتِمَاعُ، ثُمَّ يُقَالُ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ النَّفْيِ بِأَنْ يُعْقَلَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ مَفْهُومُ اجْتِمَاعِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِمَاهِيَّتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارٍ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ قُبْحَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِدْلَالٍ، وَالْمُجَوِّزُ لِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِتَحْرِيرِهِ، وَالتَّعَرُّضُ لِرَدِّهِ، وَلِهَذَا وَافَقَ كَثِيرٌ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ عَلَى امْتِنَاعِ الْوُقُوعِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ، مَعَ كَوْنِهِ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْجُمْلَةِ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ٢ ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ٣. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ عِنْدَ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ: "قَدْ فَعَلْتُ"٤ وَهَذِهِ الْآيَاتُ وَنَحْوُهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ، لَا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، على أن

стр. 33

الْخِلَافَ فِي مُجَرَّدِ الْجَوَازِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ أَصْلًا. قَالَ الْمُثْبِتُونَ لِلتَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ وَقَعَ لِأَنَّ الْعَاصِيَ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ، وَمُمْتَنِعٌ مِنْهُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَوُقُوعُ خِلَافِ مَعْلُومِهِ سُبْحَانَهُ مُحَالٌ، وَإِلَّا لَزِمَ الْجَهْلُ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. وَقَالُوا أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ وَقَعَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَلَّفَ أَبَا جَهْلٍ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ تَصْدِيقُ رَسُولِهِ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا جَاءَ بِهِ أَنَّ: أَبَا جَهْلٍ لَا يُصَدِّقُهُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَأُجِيبَ عَنِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الْوُقُوعِ، لِجَوَازِ وُقُوعِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ امْتَنَعَ لِغَيْرِهِ، مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ لَمْ يكلف إلا بتصديق، وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، مُتَصَوَّرٌ وُقُوعُهُ، إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَهُ، كعلمه بالعاصي. هَذَا الْكَلَامُ فِي التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وأما التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ: فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَوُقُوعِهِ.

стр. 34

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ، عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْعِرَاقِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الرَّازِيُّ وَأَبُو حامد١ وأبو زيد٢ والسرخسي٣: هو شرط.

стр. 35

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا؛ إِذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مِثْلَ الْجُنُبِ، وَالْمُحْدِثِ، مَأْمُورَانِ بالصلاة، بل هي مفروضة في جزء مِنْهَا، وَهُوَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، أَيْ: بِفُرُوعِ الْعِبَادَاتِ عَمَلًا عِنْدَ الْأَوَّلِينَ، لَا عِنْدَ الْآخِرِينَ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْآخِرِينَ: هُمْ مُكَلَّفُونَ بِالنَّوَاهِي؛ لِأَنَّهَا أَلْيَقُ بِالْعُقُوبَاتِ الزَّاجِرَةِ، دُونَ الْأَوَامِرِ. وَالْحَقُّ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِأَمْرِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْكَافَّةِ، وَبِالْمُعَامَلَاتِ أَيْضًا. وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الْعِبَادَاتِ: أَنَّهُمْ مُؤَاخَذُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، مَعَ عَدَمِ حُصُولِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ الْإِيمَانُ. اسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِالْأَوَامِرِ الْعَامَّةِ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ ١ وَنَحْوِهَا، وَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا وَرَدَ مِنَ الْوَعِيدِ لِلْكُفَّارِ عَلَى التَّرْكِ كقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين﴾ ٢. لَا يُقَالُ: قَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِجَوَازِ كَذِبِهِمْ؛ لأنا نقول: ولو كَذَبُوا لَكُذِّبُوا. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ٤. وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَاسْتَدَلَّ الْآخِرُونَ بِأَنَّهُمْ: لَوْ كُلِّفُوا بِهَا لَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، "وَلَأَمْكَنَ"* الِامْتِثَالُ؛ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ، وَلَا يُمْكِنُ الِامْتِثَالُ حَالَ الْكُفْرِ، لِوُجُودِ الْمَانِعِ، وَلَا بَعْدَهُ، وَهُوَ حَالُ الْمَوْتِ، لِسُقُوطِ الْخِطَابِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْكُفْرِ لَيْسَتْ قَيْدًا لِلْفِعْلِ فِي مُرَادِهِمْ بالتكليف به

стр. 36

مَسْبُوقًا لِلْإِيمَانِ، وَالْكَافِرُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ، وَيَفْعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، كَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ، فَإِنَّهُمَا مَأْمُورَانِ بِالصَّلَاةِ، مَعَ تَلَبُّسِهِمَا بِمَانِعٍ عَنْهَا، يَجِبُ عَلَيْهِمَا إِزَالَتُهُ لِتَصِحَّ مِنْهُمَا، وَالِامْتِنَاعُ الْوَصْفِيُّ لَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّكْلِيفُ لِلْكُفَّارِ، لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ وَصِحَّتِهِ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ١. وَأَيْضًا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٢ ودليل عَلَى "عَدَمِ"* وُجُوبِ الْقَضَاءِ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْصِيلِ: بأن النهي هي تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ مُمْكِنٌ مَعَ الْكُفْرِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنَ التَّرْكِ كَالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُثَابُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ وَأَيْضًا: الْمُكَلَّفُ بِهِ في النهي هو الكف، وهو فعل٣.

стр. 37

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ -وَالْمُرَادُ بِهِ: أَثَرُ الْقُدْرَةِ الَّذِي هُوَ الْأَكْوَانُ، لَا التَّأْثِيرُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَعْرَاضِ النِّسْبِيَّةِ- ثَابِتٌ قَبْلَ حدوثه اتقافًا، وَيَنْقَطِعُ بَعْدَهُ اتِّفَاقًا، وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ فِي الطَّرَفَيْنِ، فَهُوَ بَيِّنُ السُّقُوطِ، وَمَا قَالُوهُ: مِنْ أَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ انْعَدَمَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَصِفَاتُهُ أَبَدِيَّةٌ، فَهُوَ مَرْدُودٌ، بِأَنَّ كَلَامَهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ، وَالتَّعَدُّدُ فِي العوارض الحادثة من التعليق كَكَوْنِهِ أَمْرًا، أَوْ نَهْيًا، وَانْتِفَاؤُهُمَا لَا يُوجِبُ انتفاءه.

стр. 38

وَاخْتَلَفُوا هَلِ التَّكْلِيفُ بِهِ بَاقٍ حَالَ حُدُوثِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَشْعَرِيَّةِ: هُوَ بَاقٍ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجُوَيْنِيُّ: لَيْسَ بِبَاقٍ. وَلَيْسَ مُرَادُ مَنْ قَالَ بِالْبَقَاءِ: أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ لِنَفْسِهِ؛ إِذْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَصْلًا، وَلَا أَنَّ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ بَاقٍ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا غَيْرَ حَاصِلٍ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَلَا أَنَّ الْقُدْرَةَ مع الفعل، لاستلزمه أَنْ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ، وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَ مُكَلَّفٌ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ. بَلْ مُرَادُهُمْ: أَنَّ التَّكْلِيفَ باقٍ عِنْدَ التَّأْثِيرِ لَكِنَّ التَّأْثِيرَ عَيْنُ الْأَثَرِ عِنْدَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ الْفِعْلَ مَقْدُورٌ حَالَ حُدُوثِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْقُدْرَةِ فَيُوجَدُ مَعَهَا، وَإِذَا كَانَ مَقْدُورًا حِينَئِذٍ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ إِلَّا عَدَمُ الْقُدْرَةِ وَقَدِ انْتَفَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَيُرَدُّ: بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمُحَالَ إِنَّمَا هُوَ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ بِوُجُودٍ سَابِقٍ، لَا بِوُجُودٍ حَاصِلٍ.

стр. 39

المبحث الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف ... الْبَحْثُ الرَّابِعُ: فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ اعْلَمْ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالشَّرْعِيَّاتِ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ لِمَا كُلِّفَ بِهِ، بِمَعْنَى تَصَوُّرِهِ، بِأَنْ يَفْهَمَ مِنَ الْخِطَابِ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ، لَا بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ١، وَلَزِمَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ، لِعَدَمِ حُصُولِ التَّصْدِيقِ "لَهُمْ"*. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ الْفَهْمِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَزِمَ الْمُحَالُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ اسْتِدْعَاءُ حُصُولِ الْفِعْلِ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً وَشَرْعًا مِمَّنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِالْأَمْرِ. وَأَيْضًا: يَلْزَمُ تَكْلِيفُ الْبَهَائِمِ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ تَكْلِيفِهَا إِلَّا عَدَمُ الْفَهْمِ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ "وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى كَوْنِ الْفَهْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

стр. 40

وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ مَنْ قَالَ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ* وَقَدْ تَقَدَّمَ ١ بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِهِمْ. فَتَقَرَّرَ بِهَذَا أَنَّ الْمَجْنُونَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْهَمَانِ خِطَابَ التَّكْلِيفِ، عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ. وَأَمَّا لُزُومُ أَرْشِ٢ جِنَايَتِهِمَا وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَمِنْ أَحْكَامِ الْوَضْعِ، لَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، لَكِنَّهُ تَمْيِيزٌ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمْيِيزِ الْمُكَلَّفِينَ. وَأَيْضًا: وَرَدَ الدَّلِيلُ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ" ٣. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي طُرُقِهِ مَقَالٌ، لَكِنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ طُرُقِهِ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ، وَبِاعْتِبَارِ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، لِكَوْنِهِمْ بَيْنَ عَامِلٍ بِهِ، وَمُؤَوِّلٍ لَهُ، صَارَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: "مَنِ اخْضَرَّ مِئْزَرُهُ فَاقْتُلُوهُ" ٤ وَأَحَادِيثُ: النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ حَتَّى يَبْلُغُوا كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي وَصَايَاهُ لِأُمَرَائِهِ، عِنْدَ غَزْوِهِمْ لِلْكُفَّارِ٥، وأحاديث أنه ﷺ كان لا
следующие страницы →