← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مَسْبُوقًا لِلْإِيمَانِ، وَالْكَافِرُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ، وَيَفْعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، كَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ، فَإِنَّهُمَا مَأْمُورَانِ بِالصَّلَاةِ، مَعَ تَلَبُّسِهِمَا بِمَانِعٍ عَنْهَا، يَجِبُ عَلَيْهِمَا إِزَالَتُهُ لِتَصِحَّ مِنْهُمَا، وَالِامْتِنَاعُ الْوَصْفِيُّ لَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّكْلِيفُ لِلْكُفَّارِ، لَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ وَصِحَّتِهِ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ١. وَأَيْضًا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٢ ودليل عَلَى "عَدَمِ"* وُجُوبِ الْقَضَاءِ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْصِيلِ: بأن النهي هي تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ مُمْكِنٌ مَعَ الْكُفْرِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنَ التَّرْكِ كَالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُثَابُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ وَأَيْضًا: الْمُكَلَّفُ بِهِ في النهي هو الكف، وهو فعل٣.

стр. 37

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ -وَالْمُرَادُ بِهِ: أَثَرُ الْقُدْرَةِ الَّذِي هُوَ الْأَكْوَانُ، لَا التَّأْثِيرُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَعْرَاضِ النِّسْبِيَّةِ- ثَابِتٌ قَبْلَ حدوثه اتقافًا، وَيَنْقَطِعُ بَعْدَهُ اتِّفَاقًا، وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَ فِي الطَّرَفَيْنِ، فَهُوَ بَيِّنُ السُّقُوطِ، وَمَا قَالُوهُ: مِنْ أَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ انْعَدَمَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَصِفَاتُهُ أَبَدِيَّةٌ، فَهُوَ مَرْدُودٌ، بِأَنَّ كَلَامَهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ، وَالتَّعَدُّدُ فِي العوارض الحادثة من التعليق كَكَوْنِهِ أَمْرًا، أَوْ نَهْيًا، وَانْتِفَاؤُهُمَا لَا يُوجِبُ انتفاءه.

стр. 38

وَاخْتَلَفُوا هَلِ التَّكْلِيفُ بِهِ بَاقٍ حَالَ حُدُوثِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَشْعَرِيَّةِ: هُوَ بَاقٍ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجُوَيْنِيُّ: لَيْسَ بِبَاقٍ. وَلَيْسَ مُرَادُ مَنْ قَالَ بِالْبَقَاءِ: أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ لِنَفْسِهِ؛ إِذْ لَا انْقِطَاعَ لَهُ أَصْلًا، وَلَا أَنَّ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ بَاقٍ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا غَيْرَ حَاصِلٍ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَلَا أَنَّ الْقُدْرَةَ مع الفعل، لاستلزمه أَنْ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ، وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَ مُكَلَّفٌ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ. بَلْ مُرَادُهُمْ: أَنَّ التَّكْلِيفَ باقٍ عِنْدَ التَّأْثِيرِ لَكِنَّ التَّأْثِيرَ عَيْنُ الْأَثَرِ عِنْدَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ الْفِعْلَ مَقْدُورٌ حَالَ حُدُوثِهِ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْقُدْرَةِ فَيُوجَدُ مَعَهَا، وَإِذَا كَانَ مَقْدُورًا حِينَئِذٍ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ إِلَّا عَدَمُ الْقُدْرَةِ وَقَدِ انْتَفَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَيُرَدُّ: بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمُحَالَ إِنَّمَا هُوَ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ بِوُجُودٍ سَابِقٍ، لَا بِوُجُودٍ حَاصِلٍ.

стр. 39

المبحث الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف ... الْبَحْثُ الرَّابِعُ: فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ اعْلَمْ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالشَّرْعِيَّاتِ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ لِمَا كُلِّفَ بِهِ، بِمَعْنَى تَصَوُّرِهِ، بِأَنْ يَفْهَمَ مِنَ الْخِطَابِ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ، لَا بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ١، وَلَزِمَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ، لِعَدَمِ حُصُولِ التَّصْدِيقِ "لَهُمْ"*. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ الْفَهْمِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَزِمَ الْمُحَالُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ اسْتِدْعَاءُ حُصُولِ الْفِعْلِ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً وَشَرْعًا مِمَّنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِالْأَمْرِ. وَأَيْضًا: يَلْزَمُ تَكْلِيفُ الْبَهَائِمِ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ تَكْلِيفِهَا إِلَّا عَدَمُ الْفَهْمِ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ "وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى كَوْنِ الْفَهْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

стр. 40

وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ مَنْ قَالَ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ* وَقَدْ تَقَدَّمَ ١ بَيَانُ فَسَادِ قَوْلِهِمْ. فَتَقَرَّرَ بِهَذَا أَنَّ الْمَجْنُونَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْهَمَانِ خِطَابَ التَّكْلِيفِ، عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ. وَأَمَّا لُزُومُ أَرْشِ٢ جِنَايَتِهِمَا وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَمِنْ أَحْكَامِ الْوَضْعِ، لَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، لَكِنَّهُ تَمْيِيزٌ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمْيِيزِ الْمُكَلَّفِينَ. وَأَيْضًا: وَرَدَ الدَّلِيلُ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ" ٣. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي طُرُقِهِ مَقَالٌ، لَكِنَّهُ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ طُرُقِهِ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ، وَبِاعْتِبَارِ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، لِكَوْنِهِمْ بَيْنَ عَامِلٍ بِهِ، وَمُؤَوِّلٍ لَهُ، صَارَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: "مَنِ اخْضَرَّ مِئْزَرُهُ فَاقْتُلُوهُ" ٤ وَأَحَادِيثُ: النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ حَتَّى يَبْلُغُوا كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي وَصَايَاهُ لِأُمَرَائِهِ، عِنْدَ غَزْوِهِمْ لِلْكُفَّارِ٥، وأحاديث أنه ﷺ كان لا

стр. 41

يَأْذَنُ فِي الْقِتَالِ إِلَّا لِمَنْ بَلَغَ سِنَّ التَّكْلِيفِ١. وَالْأَدِلَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَلَمْ يَأْتِ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِإِيرَادِهِ كَقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ قَدْ صَحَّ طَلَاقُ السَّكْرَانِ، وَلَزِمَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، وَقِيمَةُ مَا أَتْلَفَهُ. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ سَاقِطٌ، لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فِي أحكام التكليف، لَا فِي أَحْكَامِ الْوَضْعِ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْوَضْعِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون﴾ ٢، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهُ أَمْرٌ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ لَا يَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ، فَقَدْ كَلَّفَ مَنْ لَا يَفْهَمُ التَّكْلِيفَ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنِ السُّكْرِ عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ، فَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْقَيْدِ. وَرُدَّ أَيْضًا بِغَيْرِ هَذَا مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ: هَلِ الْمَعْدُومُ مُكَلَّفٌ أَمْ لَا؟. فَذَهَبَ الْأَوَّلُونَ إِلَى الْأَوَّلِ وَالْآخِرُونَ إِلَى الْآخَرِ. وَلَيْسَ مُرَادُ الْأَوَّلِينَ بِتَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ أَنَّ الْفِعْلَ، أَوِ الْفَهْمَ مَطْلُوبَانِ مِنْهُ حَالَ عَدَمِهِ، فَإِنَّ بُطْلَانَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مَا أَوْرَدَهُ الْآخَرُونَ مِنْ أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ تَكْلِيفُ النَّائِمِ، وَالْغَافِلِ، امْتَنَعَ تَكْلِيفُ الْمَعْدُومِ "بطريق الأولى"*، بل مرادهم التعليق الْعَقْلِيُّ، أَيْ: تَوَجُّهُ الْحُكْمِ فِي الْأَزَلِ إِلَى مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وُجُودَهُ، مُسْتَجْمِعًا شَرَائِطَ التَّكْلِيفِ.

стр. 42

وَاحْتَجُّوا: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقِ التَّكْلِيفُ بِالْمَعْدُومِ، لَمْ يَكُنِ التَّكْلِيفُ أَزَلِيًّا؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ عَلَى الْوُجُودِ الْحَادِثِ، يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَادِثًا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ، لِحُصُولِهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُمَا كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ أَزَلِيٌّ. وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ فِي كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَهِيَ مُقَرَّرَةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. وَاحْتَجَّ الْآخِرُونَ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْدُومُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْخَبَرُ، وَالنِّدَاءُ، وَالِاسْتِخْبَارُ، مِنْ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ مَوْجُودٍ، وَهُوَ مُحَالُ. وَرُدَّ بِعَدَمِ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مُحَالًا بَلْ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَتَطْوِيلُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَحْثِ قَلِيلُ الْجَدْوَى، بَلْ مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ فِي كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنْ طَالَتْ ذُيُولُهَا، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِيهَا فِرَقًا، وَامْتُحِنَ بِهَا مَنِ امْتُحِنَ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، لَيْسَ لَهَا "كبير"* فَائِدَةٍ، بَلْ هِيَ مِنْ فُضُولِ الْعِلْمِ، وَلِهَذَا صَانَ اللَّهُ سَلَفَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، والتابعين، وتابعيهم عن التكلم فيها.

стр. 43

الفصل الثالث في المبادئ اللغوية المبحث الأول: عن ماهية الكلام ... الفصل الثالث: في المبادئ اللغوية اعْلَمْ: أَنَّ الْبَحْثَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْكَلَامِ، أَوْ عَنْ كَيْفِيَّةِ دَلَالَتِهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ دَلَالَتُهُ وَضْعِيَّةً، فَالْبَحْثُ عَنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، إِمَّا أَنْ يَقَعَ عَنِ الْوَاضِعِ، أَوِ الْمَوْضُوعِ، أَوِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، أَوْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الْوَضْعُ فَهَذِهِ أَبْحَاثٌ خَمْسَةٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: عَنْ مَاهِيَّةِ الْكَلَامِ وَهُوَ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَعَلَى الْأَصْوَاتِ الْمُقَطَّعَةِ الْمَسْمُوعَةِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ فِي هَذَا الْفَنِّ عَنِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، بَلِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْبَحْثِ عَنْهُ فِيهِ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي. فَالْأَصْوَاتُ كَيْفِيَّةٌ لِلنَّفْسِ، وَهِيَ الْكَلَامُ الْمُنْتَظِمُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ، الْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهَا. وَالِانْتِظَامُ: هُوَ التَّأْلِيفُ لِلْأَصْوَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ عَلَى السَّمْعِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ الْحُرُوفِ الْحَرْفُ، الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْكَلَامِ حَرْفَانِ، وَبِالْمَسْمُوعَةِ الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ، وَبِالْمُتَمَيِّزَةِ أَصْوَاتُ مَا عَدَا "صوت"* الْإِنْسَانَ، وَبِالْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهَا الْمُهْمَلَاتُ، وَقَدْ خَصَّصَ النُّحَاةُ الْكَلَامَ بِمَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ تسمى كلامًا.

стр. 44

المبحث الثاني: عن الْوَاضِعُ ... الْبَحْثُ الثَّانِي: عَنِ الْوَاضِعِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ١، وَأَتْبَاعُهُ، وَابْنُ فُورِكٍ٢. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ الْبَشَرُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ٣ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ ابْتِدَاءَ اللُّغَةِ وَقَعَ بِالتَّعْلِيمِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالْبَاقِيَ بِالِاصْطِلَاحِ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ ابْتِدَاءَ اللُّغَةِ وَقَعَ بِالِاصْطِلَاحِ وَالْبَاقِيَ تَوْقِيفٌ، وَبِهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ٤ وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ بِالَّذِي قَبْلَهُ. وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ نَفْسَ الْأَلْفَاظِ دَلَّتْ عَلَى مَعَانِيهَا بِذَاتِهَا، وَبِهِ قَالَ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيُّ٥. الْقَوْلُ السَّادِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ بِأَحَدِهَا، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ كما حكاه صاحب "المحصول"٦.

стр. 45

احْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ: أَمَّا الْمَنْقُولُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١. دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ، ثَبَتَ أَيْضًا فِي الْأَفْعَالِ، وَالْحُرُوفِ؛ إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَأَيْضًا: الِاسْمُ إِنَّمَا سُمِّيَ اسْمًا لِكَوْنِهِ عَلَامَةً عَلَى مُسَمَّاهُ، وَالْأَفْعَالُ، وَالْحُرُوفُ كَذَلِكَ، وَتَخْصِيصُ الِاسْمِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ اصْطِلَاحٌ لِلنُّحَاةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ قَوْمًا عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ بَعْضَ الأشياء، دون توقيف، بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان﴾ ٢. فَلَوْ لَمْ تَكُنِ اللُّغَةُ تَوْقِيفِيَّةً لَمَا صَحَّ هَذَا الذَّمُّ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ٣. وَالْمُرَادُ: اخْتِلَافُ اللُّغَاتِ، لَا اخْتِلَافَاتُ "تَأْلِيفَاتِ"* الْأَلْسُنِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاصْطِلَاحَ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُعَرِّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِطَرِيقٍ، كَالْأَلْفَاظِ، وَالْكِتَابَةِ، وَكَيْفَمَا كَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الطَّرِيقَ. إِمَّا الِاصْطِلَاحُ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، أَوِ التَّوْقِيفُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِالْمُوَاضَعَةِ لَجَوَّزَ الْعَقْلُ اخْتِلَافَهَا، وَأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللُّغَاتِ قَدْ تَبَدَّلَتْ، وَحِينَئِذٍ لَا يُوثَقُ بِهَا. وَأُجِيبَ عَنِ الاستدلال بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاء﴾ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْلِيمِ الْإِلْهَامُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ ٤، أَوْ تَعْلِيمُ مَا سَبَقَ وَضْعُهُ مِنْ خَلْقٍ آخر، أو المراد

стр. 46

بالأسماء المسميات، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُم﴾ ١. وَيُجَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا اخْتَرَعُوهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ لِلْأَصْنَامِ، مِنَ الْبَحِيرَةِ، وَالسَّائِبَةِ، وَالْوَصِيلَةِ، وَالْحَامِ٢. وَوَجْهُ الذَّمِّ مُخَالَفَةُ ذَلِكَ لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ. وَأُجِيبَ عَنِ الاستدلال بقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُم﴾ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّوْقِيفُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، وَإِقْرَارُ الْخَلْقِ عَلَى وَضْعِهَا. وَيُجَابُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ: بِمَنْعِ لُزُومِ التَّسَلْسُلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ وَضْعُ الْوَاضِعِ هَذَا الِاسْمَ لِهَذَا الْمُسَمَّى، ثُمَّ تَعْرِيفُ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ وَضَعَهُ كَذَلِكَ. وَيُجَابُ عَنِ الوجه الثان: بِأَنَّ تَجْوِيزَ الِاخْتِلَافِ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَمِمَّا يَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّ حُصُولَ اللُّغَاتِ لَوْ كَانَ بِالتَّوْقِيفِ مِنَ اللَّهِ ، لَكَانَ ذَلِكَ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ لُغَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ الْمُعْتَادُ فِي التَّعْلِيمِ لِلْعِبَادِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ آدَمَ ﵇ علمها، غَيْرَهُ. وَأَيْضًا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّعْلِيمَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْإِرْسَالِ، لِجَوَازِ حُصُولِهِ بِالْإِلْهَامِ، وَفِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِلْهَامِ لَا يُوجِبُ كَوْنَ اللُّغَةِ تَوْقِيفِيَّةً، بَلْ هِيَ مِنْ وَضْعِ النَّاسِ بِإِلْهَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُمْ كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ. احْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي: بِالْمَنْقُولِ، وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْمَنْقُولُ: فقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه﴾ ٣. أَيْ: بِلُغَتِهِمْ، فَهَذَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ اللُّغَةِ عَلَى بَعْثَةِ الرُّسُلِ، فَلَوْ كَانَتِ اللُّغَةُ تَوْقِيفِيَّةً لَمْ يُتَصَوَّرْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِرْسَالِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ لِلْإِرْسَالِ، وَالتَّوْقِيفُ يدل على سبق الإرسال لها.

стр. 47

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ كَوْنَ التَّوْقِيفِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْإِرْسَالِ إِنَّمَا يُوجِبُ سَبْقَ الْإِرْسَالِ عَلَى التَّوْقِيفِ، لَا سَبْقَ الْإِرْسَالِ عَلَى اللُّغَاتِ، حَتَّى يَلْزَمَ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ لِتَعْلِيمِهَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِهَا، مَعْلُومَةً لِلرَّسُولِ عَادَةً، لِتَرَتُّبِ فَائِدَةِ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ آدَمَ ﵇ عَلِمَهَا، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَإِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهَا لِأَقْدَمِ رَسُولٍ انْدَفَعَ الدَّوْرُ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَوْقِيفِيَّةً لَكَانَ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، بِأَنْ وَضَعَهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي، أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو. إِمَّا أن يقال: "الله"* خُلِقَ ذَلِكَ الْعِلْمُ فِي عَاقِلٍ، أَوْ فِي غَيْرِ عَاقِلٍ، وَبَاطِلٌ أَنْ يَخْلُقَهُ فِي عَاقِلٍ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَضَعَ تِلْكَ اللَّفْظَةَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ بِهِ سُبْحَانَهُ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا لَكَانَ الْعِلْمُ بِهِ سُبْحَانَهُ ضَرُورِيًّا، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ ضَرُورِيًّا لَبَطَلَ التَّكْلِيفُ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا. وَبَاطِلٌ أَنْ يَخْلُقَهُ فِي غَيْرِ الْعَاقِلِ؛ لِأَنَّ مِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يَصِيرَ الْإِنْسَانُ الْغَيْرُ الْعَاقِلِ عَالِمًا بِهَذِهِ اللُّغَاتِ الْعَجِيبَةِ، وَالتَّرْكِيبَاتِ اللَّطِيفَةِ. احْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِأَنْ يُعَرِّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ مَا فِي ضَمِيرِهِ، فَإِنْ عَرَّفَهُ بِأَمْرٍ آخَرَ اصْطِلَاحِيٍّ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنَ التَّوْقِيفِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تُحْدَثَ لُغَاتٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الِاصْطِلَاحِ، بَلْ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُحْدِثُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَلْفَاظًا مَا كَانُوا يَعْلَمُونَهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ، بَلْ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْقَوْلِ الرَّابِعِ: فَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى ذَلِكَ: بِأَنْ فَهْمَ مَا جَاءَ تَوْقِيفًا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ الِاصْطِلَاحِ وَالْمُوَاضَعَةِ. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ الْخَامِسِ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ مُنَاسَبَةٌ بِوَجْهٍ مَا، لَكَانَ تَخْصِيصُ الِاسْمِ الْمُعَيَّنِ لِلْمُسَمَّى الْمُعَيَّنِ تَرْجِيحًا بِدُونِ مُرَجِّحٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ ثَبَتَ الْمَطْلُوبُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَاضِعُ هُوَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، كَانَ تَخْصِيصُ الِاسْمِ الْمُعَيَّنِ بِالْمُسَمَّى الْمُعَيَّنِ، كَتَخْصِيصِ وُجُودِ الْعَالَمِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، دُونَ مَا قَبْلَهُ أو ما بَعْدَهُ. وَأَيْضًا: لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي وَضْعِهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنْ خَفِيَ علينا.

стр. 48

وَإِنْ كَانَ الْوَاضِعُ الْبَشَرَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ خُطُورَ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالْبَالِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْوَاحِدِ مِنَّا أَنْ يُسَمِّيَ وَلَدَهُ بَاسْمٍ خَاصٍّ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ السَّادِسِ: عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْوَقْفِ: بِأَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْقَائِلُونَ لَا يُفِيدُ شَيْءٌ مِنْهَا الْقَطْعَ، بَلْ لَمْ يَنْهَضْ شَيْءٌ مِنْهَا لِمُطْلَقِ الدَّلَالَةِ، فَوَجَبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ هُوَ مِنَ التَّقَوُّلِ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَمْ يقل، وأنه باطل. وهذا هو الحق.

стр. 49

المبحث الثالث: عن الْمَوْضُوعُ ... الْبَحْثُ الثَّالِثُ: عَنِ الْمَوْضُوعِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْفَرْدُ الْوَاحِدُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ لَا يَسْتَقِلُّ وَحْدَهُ، بِإِصْلَاحِ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ فِي ذَلِكَ مِنْ جَمْعٍ، لِيُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى تَعْرِيفِ صَاحِبِهِ بِمَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْحَاجَاتِ، وَذَلِكَ التَّعْرِيفُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِطَرِيقٍ مِنْ أَصْوَاتٍ مُقَطَّعَةٍ، أَوْ حَرَكَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَجَعَلُوا الْأَصْوَاتَ الْمُقَطَّعَةَ هِيَ الطَّرِيقَ إِلَى التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ أَسْهَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَقَلُّ مُؤْنَةً، وَلِكَوْنِ إِخْرَاجِ النَّفَسِ أَمْرًا ضَرُورِيًّا، فَصَرَّفُوا هَذَا الْأَمْرَ الضَّرُورِيَّ إِلَى هَذَا التَّعْرِيفِ، وَلَمْ يَتَكَلَّفُوا لَهُ طَرِيقًا أُخْرَى غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ، مَعَ كَوْنِهَا تَحْتَاجُ إِلَى مُزَاوَلَةٍ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَرَكَاتِ وَالْإِشَارَاتِ قَاصِرَةٌ عَنْ إِفَادَةِ جَمِيعِ مَا يُرَادُ فَإِنَّ مَا يُرَادُ تَعْرِيفُهُ قَدْ لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ الْحِسِّيَّةُ إِلَيْهِ كَالْمَعْدُومَاتِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا: فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةَ هِيَ كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى. فَيَخْرُجُ مَا لَيْسَ بِلَفْظٍ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمَوْضُوعَةِ، وَمَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ مِنَ الْمُحَرَّفَاتِ، وَالْمُهْمَلَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدَاتُ، وَالْمُرَكَّبَاتُ السِّتَّةُ، وَهِيَ الْإِسْنَادِيُّ، وَالْوَصْفِيُّ، وَالْإِضَافِيُّ، وَالْعَدَدِيُّ، وَالْمَزْجِيُّ، وَالصَّوْتِيُّ. وَمَعْنَى الْوَضْعِ يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ: أَعَمَّ وَأَخَصَّ، فَالْأَعَمُّ: تَعْيِينُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ مَعْنًى، وَالْأَخَصُّ: تَعْيِينُ اللَّفْظِ للدلالة على معنى.

стр. 50

المبحث الرابع: عن الْمَوْضُوعُ لَهُ ... الْبَحْثُ الرَّابِعُ: عَنِ الْمَوْضُوعِ لَهُ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَالرَّازِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ، أَوْ فِي الذِّهْنِ فَقَطْ.

стр. 51

وقيل: هو موضع "لِلْوُجُودِ"* الْخَارِجِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ١. وَقِيلَ: هو موضوع للأعم، من الذهبي وَالْخَارِجِيِّ، وَرَجَّحَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ٢. وَقِيلَ: أَنَّ اللَّفْظَ فِي الأشخاص، أي الأعلام الشخصية، موضوع "للموجود"** الخارجي، ولا ينافي كونه للموجود الْخَارِجِيِّ وُجُوبَ اسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ فَالصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ، آلَةٌ لِمُلَاحَظَةِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، لَا أَنَّهَا هِيَ الْمَوْضُوعُ لَهَا، وَأَمَّا فِيمَا عَدَا الْأَعْلَامَ الشَّخْصِيَّةَ، فَاللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ الْفَرْدُ الْمُنْتَشِرُ فِيمَا وُضِعَ لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ، أَفْرَادُهُ خَارِجِيَّةٌ أَوْ ذِهْنِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَتْ خَارِجِيَّةً، فَالْمَوْضُوعُ لَهُ فَرْدٌ مَا مِنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ الْخَارِجِيَّةِ، وَإِنْ كانت ذهنية، لَهُ فَرْدٌ مَا مِنَ الذِّهْنِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذِهْنِيَّةً وَخَارِجِيَّةً، فَالِاعْتِبَارُ بِالْخَارِجِيَّةِ. وَقَدْ أَلْحَقَ عَلَمَ الْجِنْسِ بِالْأَعْلَامِ الشَّخْصِيَّةِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ، فَيَجْعَلُ عَلَمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعًا لِلْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ، وَاسْمَ الْجِنْسِ لِفَرْدٍ مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَفِي اسْمِ الْجِنْسِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ، مَعَ وَحْدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا وَيُسَمَّى فَرْدًا مُنْتَشِرًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ٣، وَابْنُ الْحَاجِبِ٤، وَرَجَّحَهُ السَّعْدُ٥، وَابْنُ الْهُمَامِ٦. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَرَجَّحَهُ الشَّرِيفُ٧. فَالْمَوْضُوعُ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ هُوَ الْمَاهِيَّةُ بِشَرْطِ شَيْءٍ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي هُوَ الْمَاهِيَّةُ لَا بشرط شيء.

стр. 52

المبحث الْخَامِسُ: عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الْوَضْعُ ... الْبَحْثُ الْخَامِسُ: عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الْوَضْعُ اعْلَمْ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَارِدَيْنِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَكَانَ الْعِلْمُ بِهِمَا مُتَوَقِّفًا عَلَى الْعِلْمِ بِهَا كَانَ الْعِلْمُ بِهَا، مِنْ أَهَمِّ الْوَاجِبَاتِ. وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُقِلَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِهَا إِلَيْنَا؛ إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ وَضْعِيَّةٌ، وَالْأُمُورُ الْوَضْعِيَّةُ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهَا فَلَا تَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَيْهَا إِلَّا نَقْلِيَّةً. وَالْحَقُّ أَنَّ جَمِيعَهَا مَنْقُولٌ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ. وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْهَا لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ كَالْأَرْضِ، وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ، وَالْبَرْدِ، وَنَحْوِهَا، فَهُوَ مَنْقُولٌ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ كَاللُّغَاتِ الَّتِي فِيهَا غَرَابَةٌ، فَهُوَ مَنْقُولٌ بِطَرِيقِ الْآحَادِ. وَلَا وَجْهَ لِهَذَا، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُشْتَغِلِينَ بِنَقْلِ اللُّغَةِ قَدْ نَقَلُوا غَرِيبَهَا كَمَا نَقَلُوا غَيْرَهُ، وَهُمْ عَدَدٌ لَا يُجَوِّزُ الْعَقْلُ تواطأهم عَلَى الْكَذِبِ، فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ، هَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِأَحْوَالِ الْمُشْتَغِلِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ" تَشْكِيكًا عَلَى هَذَا، كَعَادَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي مُصَنَّفَاتِهِ، حَتَّى فِي "تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ" فَقَالَ: "أَمَّا التَّوَاتُرُ: فَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا نَجِدُ النَّاسَ مُخْتَلِفِينَ فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظِ، الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ الْأَلْفَاظِ دَوَرَانًا عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُسْلِمِينَ، اخْتِلَافًا لَا يُمْكِنُ "مَعَهُ"* الْقَطْعُ بِمَا هُوَ الْحَقُّ كَلَفْظَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ زعم أنها

стр. 53

لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً بَلْ سُرْيَانِيَّةً، وَالَّذِينَ جَعَلُوهَا عَرَبِيَّةً اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، أَوِ الْمَوْضُوعَةِ، وَالْقَائِلُونَ بِالِاشْتِقَاقِ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا شَدِيدًا، وَكَذَا الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً، اخْتَلَفُوا أَيْضًا اخْتِلَافًا كَثِيرًا. وَمَنْ تَأَمَّلَ أَدِلَّتَهُمْ فِي تَعْيِينِ مَدْلُولِ هَذِهِ اللفظة عَلِمَ أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ وَأَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يفيد الظن الغالب، فضلًا عن اليقين. "وكذلك"١ اخْتَلَفُوا فِي الْإِيمَانِ، وَالْكُفْرِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فِي عِلْمِ الِاشْتِقَاقِ، زَعَمَ: أَنَّ اشْتِقَاقَ الصَّلَاةِ مِنْ "الصَّلَوَيْنِ" وَهُمَا عَظْمَا الْوَرِكِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا الِاشْتِقَاقَ غَرِيبٌ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، وَصِيَغِ الْعُمُومِ، مَعَ شِدَّةِ اشْتِهَارِهَا، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، اخْتِلَافًا شَدِيدًا، وَإِذَا كَانَ الْحَالُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، الَّتِي هِيَ أَشْهَرُ الْأَلْفَاظِ وَالْحَاجَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا مَاسَّةٌ جِدًّا كَذَلِكَ، فَمَا ظَنُّكَ بِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ؟ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: ظَهَرَ أَنَّ دَعْوَى التَّوَاتُرِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ مُتَعَذِّرٌ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ هُوَ كَوْنُ نَقْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَيْنَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، عَنِ الْعَرَبِ الْمَوْثُوقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ، فَالِاخْتِلَافُ فِي الِاشْتِقَاقِ وَالْوَضْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّشْكِيكِ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَقَدْ تَنَبَّهَ الرَّازِيُّ لِهَذَا فَقَالَ فَإِنْ قُلْتَ: هَبْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى التَّوَاتُرِ فِي مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وَلَكِنَّا نَعْلَمُ مَعَانِيَهَا فِي الْجُمْلَةِ، فَنَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ لَفْظَ "اللَّهِ" تَعَالَى عَلَى الْإِلَهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ مُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ أَهُوَ الذَّاتُ، أَمِ الْمَعْبُودِيَّةُ، أَمِ الْقَادِرِيَّةُ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ. قُلْتُ: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ إِطْلَاقَ لَفْظَةِ "اللَّهِ" "عَلَى الْإِلَهِ"٢ من غير أن نعلم أن مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ ذَاتِهِ أَوْ كَوْنِهِ "مَحْمُودًا أَوْ كَوْنِهِ"٣ قَادِرًا عَلَى الِاخْتِرَاعِ، أَوْ كَوْنِهِ مَلْجَأَ الْخَلْقِ أَوْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ تَتَحَيَّرُ الْعُقُولُ فِي إِدْرَاكِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ لِهَذَا اللَّفْظِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ نَفْيَ الْقَطْعِ بِمُسَمَّاهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، مَعَ نِهَايَةِ شُهْرَتِهَا، وَنِهَايَةِ الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهَا، كَانَ تَمَكُّنُ الِاحْتِمَالِ فِيمَا عَدَاهَا أَظْهَرُ انْتَهَى. وَهَذَا الْجَوَابُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ نُقِلَتْ إِلَيْنَا عَلَى طَرِيقَةِ التَّوَاتُرِ، وَنَقَلَ إلينا الناقلون

стр. 54

لَهَا: أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلرَّبِّ وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي مَفْهُومِ الْإِلَهِ فَبَحْثٌ آخَرُ، لَا يُقْدَحُ بِهِ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ أَصْلًا. ثُمَّ قَالَ مُرْدِفًا لِذَلِكَ التَّشْكِيكِ بِتَشْكِيكٍ آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّ مِنْ شَرْطِ التواتر استواء الطرفين "والوسطة"*. فهب أن عَلِمْنَا حُصُولَ شَرَائِطِ التَّوَاتُرِ فِي حُفَّاظِ اللُّغَةِ، وَالنَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ، فِي زَمَانِنَا، فَكَيْفَ نَعْلَمُ حُصُولَهَا فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ؟ انْتَهَى. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ عِلْمَنَا حُصُولَهَا فِيهِمْ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ بِنَقْلِ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، الْمُشْتَغِلِينَ بِأَحْوَالِ النَّقَلَةِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا. ثُمَّ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى التَّشْكِيكِ فِي نَقْلِهَا آحَادًا، وَجَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ مَدْفُوعٌ مَرْدُودٌ، فَلَا نَشْتَغِلُ بِالتَّطْوِيلِ بِنَقْلِهِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهِ، فَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ مَا يُرْشِدُ إِلَى الرَّدِّ لِبَقِيَّةِ مَا شَكَّكَ بِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ إِثْبَاتِ اللُّغَةِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ: فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ١، وَابْنُ شُرَيْحٍ٢، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالرَّازِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَمَنَعَهُ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْغَزَّالِيُّ، وَالْآمِدِيُّ٣، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَابْنُ الْهُمَامِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيمَا ثَبَتَ تَعْمِيمُهُ بِالنَّقْلِ، كَالرَّجُلِ، وَالضَّارِبِ، أَوْ بِالِاسْتِقْرَاءِ، كَرَفْعِ الْفِعْلِ، وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ، بَلِ النِّزَاعُ فِيمَا إِذَا سُمِّيَ مُسَمًّى بِاسْمٍ فِي هَذَا الِاسْمِ -بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ مِنْ حيث

стр. 55

الِاشْتِقَاقِ أَوْ غَيْرِهِ- مَعْنًى يُظَنُّ اعْتِبَارُ هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّسْمِيَةِ، لِأَجْلِ دَوَرَانِ ذَلِكَ الِاسْمِ مَعَ هَذَا الْمَعْنَى، وُجُودًا وَعَدَمًا، وَيُوجَدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ. فَهَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ الِاسْمُ الْمَذْكُورُ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ بِسَبَبِ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ، فَيُطْلَقُ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً؛ إِذْ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ الْإِطْلَاقِ مَجَازًا إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً، وذلك كالخمر، الذي هو اسم للنيء مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ، إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، إِذَا أُطْلِقَ عَلَى النَّبِيذِ إِلْحَاقًا لَهُ بالنيء الْمَذْكُورِ بِجَامِعِ الْمُخَامَرَةِ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّهَا مَعْنًى فِي الاسم، يظن اعتباره في تسمية النيء الْمَذْكُورِ بِهِ، لِدَوَرَانِ التَّسْمِيَةِ مَعَهُ، فَمَهْمَا لَمْ تُوجَدْ فِي مَاءِ الْعِنَبِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا بَلْ عَصِيرًا، وَإِذَا وُجِدَتْ فِيهِ سُمِّيَ بِهِ، وَإِذَا زَالَتْ عَنْهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ، بَلْ خَلًّا، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي النَّبِيذِ، أَوْ يُخَصُّ اسْمُ الْخَمْرِ بِمُخَامِرٍ لِلْعَقْلِ، هُوَ مَاءُ الْعِنَبِ الْمَذْكُورُ، فَلَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى النَّبِيذِ، وَكَذَلِكَ تَسْمِيَةُ النَّبَّاشِ سَارِقًا لِلْأَخْذِ بِالْخُفْيَةِ، وَاللَّائِطِ زَانِيًا لِلْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ. احْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ: بِأَنَّ دَوَرَانَ الِاسْمِ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا يَدُلُّ عَلَى أنه المعتب؛ لأن يُفِيدُ الظَّنَّ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ إِفَادَةَ الدَّوَرَانِ لِذَلِكَ ممنوعة، لما سيأتي١ في مسالك العلة، ويعد التَّسْلِيمِ لِإِفَادَةِ الدَّوَرَانِ، وَكَوْنِهِ طَرِيقًا صَحِيحَةً، فَنَقُولُ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِدَوَرَانِ الِاسْمِ مَعَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، دَوَرَانًا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي أَفْرَادِ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرِهَا بِادِّعَاءِ ثُبُوتِ الِاسْمِ فِي كُلِّ مَادَّةٍ يُوجَدُ فِيهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَانْتِفَائِهِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ بِطَرِيقِ النَّقْلِ، فَغَيْرُ الْمَفْرُوضِ؛ لِأَنَّ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسَمَّى، فَلَا يَتَحَقَّقُ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِدَوَرَانِ الِاسْمِ مَعَ الْمُسَمَّى أَنْ يَدُورَ مَعَهُ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَقَطْ، لِوُجُودِ الِاسْمِ فِي كُلِّ مَادَّةٍ يُوجَدُ فِيهَا الْمُسَمَّى، وَانْتِفَائِهِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ، مَنَعْنَا كَوْنَهُ طَرِيقًا مُثْبَتًا تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمٍ لِمُشَارَكَةِ الْمُسَمَّى فِي مَعْنًى دَارَ الِاسْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ طَرِيقًا صَحِيحَةً لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، فَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ كَوْنِهِ طريقًا صحيحة فِي إِثْبَاتِ الِاسْمِ، وَتَعْدِيَتِهِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ سَمْعِيٌ، ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِالسَّمَاعِ مِنَ الشَّارِعِ، وَتَعَبَّدَنَا بِهِ، لَا أَنَّهُ عَقْلِيٌّ. وَأُجِيبَ ثَانِيًا: بِالْمُعَارَضَةِ عَلَى سَبِيلِ الْقَلْبِ، بِأَنَّهُ دَارَ أَيْضًا مَعَ الْمَحَلِّ، كَكَوْنِهِ مَاءَ الْعِنَبِ، وَمَالَ الْحَيِّ، وَوَطَأَ فِي الْقُبُلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ، وَالْمَعْنَى جُزْءٌ مِنَ الْعِلَّةِ. وَمَنْ قَالَ بِقَطْعِ النَّبَّاشِ، وَحَدِّ شَارِبِ النَّبِيذِ فَذَلِكَ لِعُمُومِ دَلِيلِ السَّرِقَةِ، وَالْحَدِّ، أَوْ لِقِيَاسِهِمَا عَلَى السَّارِقِ وَالْخَمْرِ قِيَاسًا شَرْعِيًّا فِي الْحُكْمِ، لَا لِأَنَّهُ يُسَمَّى النَّبَّاشُ سَارِقًا، والنبيذ خمرًا بالقياس

стр. 56

فِي اللُّغَةِ، كَمَا زَعَمْتُمْ، وَأَيْضًا الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ إِثْبَاتٌ بِالْمُحْتَمَلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَحْتَمِلُ التَّصْرِيحَ بِاعْتِبَارِهِ، يَحْتَمِلُ التَّصْرِيحَ بِمَنْعِهِ، وَأَيْضًا لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْوَضْعِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الرُّجْحَانِ وَأَيْضًا هَذِهِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ قَدْ تَقَدَّمَ١ الْخِلَافُ هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَوِ اصْطِلَاحِيَّةٌ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَلَا طَرِيقَ إِلَيْهَا إِلَّا النَّقْلُ فَقَطْ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْقَوْلَيْنِ. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أن الحق منع إثبات اللغة بالقياس.

стр. 57

الفصل الرابع في تقسم اللفظ إلى مفرد ومركب مدخل ... الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ إِلَى مُفْرَدٍ ومركب اعْلَمْ: أَنَّ اللَّفْظَ إِنْ قُصِدَ بِجُزْءٍ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، فَهُوَ مُرَكَّبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُفْرَدٌ. وَالْمُفْرَدُ: إِمَّا وَاحِدٌ، أَوْ مُتَعَدِّدٌ، وَكَذَلِكَ مَعْنَاهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: الْوَاحِدُ لِلْوَاحِدِ، إِنْ لَمْ يَشْتَرِكْ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ، لَا مُحَقَّقًا، وَلَا مُقَدَّرًا، فَمَعْرِفَةٌ لِتُعِينَهُ إِمَّا مُطْلَقًا، أَيْ: وَضْعًا وَاسْتِعْمَالًا فَعَلَمٌ، "شَخْصِيٌّ، وَجُزْئِيٌّ" حَقِيقِيٌّ، إِنْ كَانَ فَرْدًا، أَوْ مُضَافًا بِوَضْعِهِ الْأَصْلِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَهْدُ، أَيِ: اعْتِبَارُ الْحُضُورِ لِنَفْسِ الْحَقِيقَةِ أَوْ لِحِصَّةٍ مِنْهَا مُعَيَّنَةٍ مَذْكُورَةٍ، أَوْ فِي حُكْمِهَا، أَوْ مُبْهَمَةٍ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودِ، مُعَيَّنَةٍ مِنْ حَيْثُ التَّخْصِيصِ، أَوْ لِكُلٍّ مِنَ الْحِصَصِ، وَإِمَّا بِالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ فَاسْمُهَا وَإِمَّا بِالْعَقْلِيَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلِهَا سَابِقًا كَضَمِيرِ الْغَائِبِ، أَوْ مَعًا كَضَمِيرَيِ الْمُخَاطَبِ، وَالْمُتَكَلِّمِ، أَوْ لَاحِقًا، كَالْمَوْصُولَاتِ. وَإِنِ اشْتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا فَكُلِّيٌّ، فَإِنْ تَنَاوَلَ الْكَثِيرَ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ فَجِنْسٌ وَإِلَّا فَاسْمُ الْجِنْسِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَتَنَاوُلُهُ لِجُزْئِيَّاتِهِ: إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّفَاوُتِ بِأَوَّلِيَّةٍ، أَوْ أَوْلَوِيَّةٍ أَوْ أَشَدِّيَةٍ، فَهُوَ الْمُشَكِّكُ، وَإِنْ كَانَ تَنَاوُلُهُ لَهَا عَلَى السَّوِيَّةِ فَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ وَضْعًا إِلَّا فَرْدًا مُعَيَّنًا فَخَاصٌّ، خُصُوصَ الْبَعْضِ، وَإِنْ تَنَاوَلَ الْأَفْرَادَ وَاسْتَغْرَقَهَا فَعَامٌّ، سَوَاءٌ اسْتَغْرَقَهَا مُجْتَمِعَةً، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَالْأَوَّلُ يُقَالُ لَهُ الْعُمُومُ الشُّمُولِيُّ، وَالثَّانِي الْبَدَلِيُّ وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا، فَإِنْ تَنَاوَلَ مَجْمُوعًا غَيْرَ مَحْصُورٍ فَيُسَمَّى عَامًّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الِاسْتِغْرَاقَ، كَالْجَمْعِ الْمُنْكَرِ، وَعِنْدَ مَنِ اشْتَرَطَ وَاسِطَةً. وَالرَّاجِحُ: أَنَّهُ خَاصٌّ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ قَطْعِيَّةٌ، كَدَلَالَةِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْوَاحِدِ. وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَجْمُوعًا بَلْ وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ يَتَنَاوَلُ مَحْصُورًا فَخَاصٌّ، خُصُوصَ الْجِنْسِ أَوِ النَّوْعِ. الثَّانِي: اللَّفْظُ الْمُتَعَدِّدُ لِلْمَعْنَى الْمُتَعَدِّدِ، وَيُسَمَّى الْمُتَبَايِنُ، سَوَاءٌ تَفَاصَلَتْ أَفْرَادُهُ كَالْإِنْسَانِ، وَالْفَرَسِ، أَوْ تَوَاصَلَتْ كَالسَّيْفِ، وَالصَّارِمِ.

стр. 58

الثَّالِثُ: اللَّفْظُ الْوَاحِدُ لِلْمَعْنَى الْمُتَعَدِّدِ فَإِنْ وُضِعَ لِكُلٍّ، فَمُشْتَرَكٌ، وَإِلَّا فَإِنِ اشْتَهَرَ فِي الثَّانِي فَمَنْقُولٌ يُنْسَبُ إِلَى نَاقِلِهِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ. الرَّابِعُ: اللَّفْظُ الْمُتَعَدِّدُ لِلْمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَيُسَمَّى الْمُتَرَادِفَ. وَكُلٌّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُشْتَقٍّ، وَغَيْرِ مُشْتَقٍّ، وَإِلَى صِفَةٍ وَغَيْرِ صِفَةٍ. ثُمَّ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ مُطَابَقَةٌ، وَعَلَى جُزْئِهِ تَضَمُّنٌ، وَعَلَى الْخَارِجِ الْتِزَامٌ. وَجَمِيعُ ما ذكرنا ههنا قَدْ بُيِّنَ فِي عُلُومٍ مَعْرُوفَةٍ فَلَا نُطِيلُ البحث فيه، ولكنا نذكرها ههنا خَمْسَ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْعِلْمِ تَعَلُّقًا تَامًّا.

стр. 59

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الِاشْتِقَاقِ الِاشْتِقَاقُ: أَنْ تَجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا فِي الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبِ، فَتَرُدَّ أَحَدَهُمَا إِلَى الْآخَرِ. وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى. وَثَانِيهَا: شَيْءٌ آخَرُ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَثَالِثُهَا: مُشَارَكَةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ فِي الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ. وَرَابِعُهَا: تَغْيِيرٌ يَلْحَقُ ذَلِكَ الِاسْمَ فِي حَرْفٍ فَقَطْ، أَوْ حَرَكَةٍ فَقَطْ، أَوْ فِيهِمَا مَعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ، أَوْ بِهِمَا مَعًا، فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ. ثَانِيهَا: زِيَادَةُ الْحَرْفِ. ثَالِثُهَا: زِيَادَتُهُمَا. رَابِعُهَا: نُقْصَانُ الْحَرَكَةِ. خَامِسُهَا: نُقْصَانُ الحرف. سادسها: نقصانهما. سابعها: زيادة لحركة مَعَ نُقْصَانِ الْحَرْفِ. ثَامِنُهَا: زِيَادَةُ الْحَرْفِ مَعَ نُقْصَانِ الْحَرَكَةِ. تَاسِعُهَا: أَنْ يُزَادَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ، وَيُنْقَصَ عَنْهُ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ. وَقِيلَ: تَنْتَهِي أَقْسَامُهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ إِمَّا بِحَرَكَةٍ، أَوْ حَرْفٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ بِهِمَا، وَالتَّرْكِيبُ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ.

стр. 60

وَيَنْقَسِمُ إِلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْأَكْبَرِ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَعَمُّ مِنَ الْمُوَافَقَةِ، فَمَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الْحُرُوفِ وَالتَّرْتِيبِ صَغِيرٌ، وَبِدُونِ التَّرْتِيبِ كَبِيرٌ، نَحْوَ: جَذَبَ وَجَبَذَ١، وَكَنَى "وَنَكَى"*٢ وَبِدُونِ الْمُوَافَقَةِ أَكْبَرُ لِمُنَاسَبَةٍ مَا كَالْمَخْرَجِ فِي ثَلَمَ وَثَلَبَ٣، أَوِ الصِّفَةِ، كَالشِّدَّةِ٤ فِي الرَّجْمِ وَالرَّقْمِ٥ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ الْمُوَافَقَةُ وَفِي الْأَخِيرِ الْمُنَاسَبَةُ. وَالِاشْتِقَاقُ الْكَبِيرُ وَالْأَكْبَرُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِ الْأُصُولِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ فِي الْأُصُولِ إِنَّمَا هُوَ الْمُشْتَقُّ بِالِاشْتِقَاقِ الصَّغِيرِ. وَاللَّفْظُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: صِفَةٌ: وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ مُبْهَمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، بِتَعْيِينٍ شَخْصِيٍّ، وَلَا جِنْسِيٍّ، مُتَّصِفَةٍ بِمُعَيَّنٍ كَضَارِبٍ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا الضَّرْبُ. وَغَيْرُ صِفَةٍ وَهُوَ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُبْهَمَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِمُعَيَّنٍ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، هَلْ بَقَاءُ وَجْهِ الِاشْتِقَاقِ شَرْطٌ لِصِدْقِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ، فَيَكُونُ لِلْمُبَاشِرِ حَقِيقَةً اتِّفَاقًا، وَفِي الِاسْتِقْبَالِ مَجَازًا اتِّفَاقًا، وَفِي الْمَاضِي الَّذِي قَدِ انْقَطَعَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: فَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مَجَازٌ. وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: حَقِيقَةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سِينَا٦ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ٧، وأبو هشام من المعتزلة.

стр. 61

احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ: بِأَنَّ الضَّارِبَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الضَّرْبِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَارِبٍ، وَإِذَا صَدُقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ضَارِبٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا ضَارِبٌ يُنَاقِضُهُ -فِي الْعُرْفِ- قَوْلُنَا لَيْسَ بِضَارِبٍ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ أَنَّ نَفْيَهُ فِي الْحَالِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الثُّبُوتَ فِي الْحَالِ أَخَصُّ مِنَ الثُّبُوتِ مُطْلَقًا، وَنَفْيُ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ النَّفْيُ الْمُقَيَّدُ بِالْحَالِ لَا نَفْيُ الْمُقَيَّدِ بِالْحَالِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّازِمَ النَّفْيُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يُنَافِي الثُّبُوتَ فِي الجملة، إلا أن يقال: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمُنَافَاةِ فِي اللُّغَةِ لَا فِي الْعَقْلِ. وَاحْتَجُّوا ثَانِيًا: بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ إِطْلَاقُ الْمُشْتَقِّ إِطْلَاقًا حَقِيقِيًّا، بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ، لَصَحَّ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَالِ، وَهُوَ كَوْنُهُ ثَبَتَ لَهُ الضَّرْبُ. وَاحْتَجَّ النَّافُونَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى صِحَّةِ ضَارِبٌ أَمْسِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَجَازٌ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى صِحَّةِ ضَارِبٌ غَدًا وَهُوَ مَجَازٌ اتِّفَاقًا. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ مَجَازِيَّتَهُ لِعَدَمِ تَلَبُّسِهِ بِالْفِعْلِ، لَا فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَاضِي، فَلَا يَسْتَلْزِمُ مَجَازِيَّةَ ضَارِبٌ أَمْسِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُشْتَقِّ عَلَى الْمَاضِي الَّذِي قَدِ انْقَطَعَ حَقِيقَةً؛ لِاتِّصَافِهِ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّفْصِيلِ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مُمْكِنَ الْبَقَاءِ اشْتُرِطَ بَقَاؤُهُ، فَإِذَا مَضَى وَانْقَطَعَ فَمَجَازٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنِ الْبَقَاءِ لَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاؤُهُ، فَيَكُونُ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْوَقْفِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ أَدِلَّةَ صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى مَا مَضَى وَانْقَطَعَ ظَاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ.

стр. 62

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي التَّرَادُفِ هُوَ تَوَالِي الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، بِاعْتِبَارِ مَعْنًى واحد. فيخرج عن هذه الأدلة اللَّفْظَيْنِ عَلَى "شَيْءٍ"* وَاحِدٍ لَا بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ بَلْ بِاعْتِبَارِ صِفَتَيْنِ كَالصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ وَصِفَةِ الصِّفَةِ، كَالْفَصِيحِ وَالنَّاطِقِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْأَسْمَاءِ الْمُؤَكِّدَةِ، أَنَّ الْمُتَرَادِفَةَ تُفِيدُ فَائِدَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ أَصْلًا. وَأَمَّا الْمُؤَكِّدَةُ: فَإِنَّ الِاسْمَ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّأْكِيدُ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الْمُؤَكَّدِ أَوْ "دَفْعَ"** تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ، أَوِ السَّهْوِ أَوْ عَدَمِ الشُّمُولِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِثْبَاتِ التَّرَادُفِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وهو الحق. وسببه إما تعدد "الوضع"***، أَوْ تَوْسِيعُ دَائِرَةِ التَّعْبِيرِ، وَتَكْثِيرُ وَسَائِلِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ "أَهْلِ الْبَيَانِ"****، بِالِافْتِنَانِ، أَوْ تَسْهِيلُ مَجَالِ النَّظْمِ، وَالنَّثْرِ، وَأَنْوَاعِ الْبَدِيعِ، فَإِنَّهُ قَدْ "يصلح"***** أحد اللفظين المترادفين للقافية، أو الوزن، أَوِ السَّجْعَةِ١ دُونَ الْآخَرِ، وَقَدْ يَحْصُلُ التَّجْنِيسُ٢، وَالتَّقَابُلُ٣، وَالْمُطَابَقَةُ٤، وَنَحْوُ ذَلِكَ: "بِهَذَا"****** دُونَ هَذَا، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ الْمَانِعُونَ لِوُقُوعِ التَّرَادُفِ، فِي اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ، لِكِفَايَةِ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ الثَّانِي مِنْ باب

стр. 63

الْعَبَثِ، وَيَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا قَالُوهُ: مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَلَمْ يَأْتُوا بِحُجَّةٍ مَقْبُولَةٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، مِنْ وُقُوعِ التَّرَادُفِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، مِثْلَ: الْأَسَدِ وَاللَّيْثِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالْقَمْحِ، وَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا وَإِنْكَارُهُ مُبَاهَتَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنَ التَّرَادُفِ، هُوَ مِنِ اخْتِلَافِ الذَّاتِ وَالصِّفَةِ، كَالْإِنْسَانِ وَالْبَشَرِ، أَوِ الصِّفَاتِ كَالْخَمْرِ لِتَغْطِيَةِ الْعَقْلِ وَالْعَقَارِ لِعُقْرِهِ أَوْ لِمُعَاقَرَتِهِ، أَوِ اخْتِلَافِ الْحَالَةِ السَّابِقَةِ كَالْقُعُودِ مِنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ مِنَ الِاضْطِجَاعِ، تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ، وَتَعَسُّفٌ بَحْتٌ، وَهُوَ وَإِنْ أَمْكَنَ تَكَلُّفُ مِثْلِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَادِّ الْمُتَرَادِفَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُمَكِنُ فِي أَكْثَرِهَا، يَعْلَمُ هَذَا كُلُّ عَالِمٍ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَالْعَجَبُ مِنْ نِسْبَةِ الْمَنْعِ مِنَ الْوُقُوعِ إِلَى مِثْلِ ثَعْلَبٍ١، وَابْنِ فَارِسٍ٢ مَعَ تَوَسُّعِهِمَا فِي هَذَا الْعِلْمِ.

стр. 64

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ اللَّفْظَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَضْعًا أَوَّلًا، مِنْ حَيْثُ هُمَا كَذَلِكَ. فَخَرَجَ بِالْوَضْعِ: مَا يَدُلُّ عَلَى الشَّيْءِ بِالْحَقِيقَةِ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِالْمَجَازِ، "وَخَرَجَ بِقَيْدِ: أَوَّلًا: الْمَنْقُولُ"*، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ: الْمُتَوَاطِئُ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةَ، لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ: فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ وَاجِبُ الْوُقُوعِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ جَائِزُ الْوُقُوعِ. احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ: بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمَعَانِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالْمُتَنَاهِي إِذَا وُزِّعَ عَلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ، وَلَا رَيْبَ فِي عَدَمِ تَنَاهِي الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ الْأَعْدَادَ مِنْهَا، وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِلَا خِلَافٍ. وَاحْتَجُّوا ثَانِيًا: بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعَامَّةَ -كَالْمَوْجُودِ، وَالشَّيْءِ- ثَابِتَةٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وقد ثبت أن

стр. 65

وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ نَفْسُ مَاهِيَّتِهِ فَيَكُونُ وُجُودُ الشَّيْءِ مُخَالِفًا لِوُجُودِ الْآخَرِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفَظُ الْمَوْجُودِ بِالِاشْتِرَاكِ. وَأُجِيبَ عَنِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ: بِمَنْعِ عَدَمِ تَنَاهِي الْمَعَانِي، إِنْ أُرِيدَ بِهَا الْمُخْتَلِفَةُ، أَوِ الْمُتَضَادَّةُ، وَتَسْلِيمِهِ مَعَ مَنْعِ عَدَمِ وَفَاءِ الْأَلْفَاظِ بِهَا، إِنْ أُرِيدَ الْمُتَمَاثِلَةُ الْمُتَّحِدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ، أَوِ الْمُطْلَقَةُ فَإِنَّ الْوَضْعَ لِلْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ كَافٍ فِي التَّفْهِيمِ. وَأَيْضًا: لَوْ سَلِمَ عَدَمُ تَنَاهِي كُلٍّ مِنْهَا، لَكَانَ عَدَمُ تَنَاهِي مَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْبِيرِ وَالتَّفْهِيمِ مَمْنُوعًا. وَأَيْضًا: لَا نُسَلِّمُ تَنَاهِي الْأَلْفَاظِ، لِكَوْنِهَا مُتَرَكِّبَةً مِنَ الْمُتَنَاهِي، فَإِنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، مَعَ تَرَكُّبِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَنَاهِيَةِ. وَأُجِيبَ عَنِ الدَّلِيلِ الثَّانِي: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْعَامَّةَ ضَرُورِيَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَوْجُودَ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًا؟ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لِمَ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاكُ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، سِوَى الْوُجُودِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِتِلْكَ اللَّفْظَةِ الْعَامَّةِ؟ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالِامْتِنَاعِ: بِأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لَا يُفِيدُ فَهْمَ الْمَقْصُودِ عَلَى التَّمَامِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ مَنْشَأً لِلْمَفَاسِدِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْفَهْمُ التَّامُّ بِسَمَاعِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، لَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُوجِبُ نَفْيَهُ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى أَحْوَالِ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ، لَا نَفْيًا، وَلَا إِثْبَاتًا، وَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ لَا تَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْمَوْصُوفَاتِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ نَفْيَهَا، وَكَوْنَهَا غَيْرَ ثَابِتَةٍ فِي اللُّغَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الْوُقُوعِ وَإِمْكَانِهِ: بِأَنَّ الْمُوَاضَعَةَ تَابِعَةٌ لِأَغْرَاضِ الْمُتَكَلِّمِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ غَرَضٌ فِي تَعْرِيفِ غَيْرِهِ شَيْئًا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى الْإِجْمَالِ، بِحَيْثُ يَكُونُ ذِكْرُ التَّفْصِيلِ سَبَبًا لِلْمَفْسَدَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قال لمن سأله عن الهجرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هو؟ فقال: "هو رجل يهدني السَّبِيلَ"١. وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ وَاثِقًا بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَلَى التَّعْيِينِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ وَاثِقًا بِصِحَّةِ وُجُودِ أَحَدِهِمَا لَا مَحَالَةَ، فَحِينَئِذٍ يُطْلِقُ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لِئَلَّا يَكْذِبَ، وَلَا يُكذَّب، ولا يظهر جهله

стр. 66

بِذَلِكَ فَإِنَّ أَيَّ مَعْنًى لَا يَصِحُّ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ كَانَ مُرَادِي الثَّانِي، وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إِلَّا مُكَابِرٌ كَالْقُرْءِ فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَهُوَ مَعْنَى الِاشْتِرَاكِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِمَنْعِ كون القرء حقيقة فيها لِجَوَازِ مَجَازِيَّةِ أَحَدِهِمَا وَخَفَاءِ مَوْضِعِ الْحَقِيقَةِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجَازَ إِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الْقَرِينَةِ الْتَحَقَ بِالْحَقِيقَةِ وَحَصَلَ الِاشْتِرَاكُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِلَّا فَلَا تَسَاوِي، وَمِثْلُ الْقُرْءِ الْعَيْنُ فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعَانِيهَا الْمَعْرُوفَةِ وَكَذَا الْجَوْنُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَكَذَا عَسْعَسَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَكَمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَهُوَ أَيْضًا وَاقِعٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْكِتَابِ فَقَطْ أَوْ غَيْرُ وَاقِعٍ فِيهِمَا لا في اللغة.

стр. 67

المسألة الرابعة: الخلاف في استعمال المشترك في أكثر من معنى اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ١، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ٢، وَالْقَاضِي جَعْفَرٌ٣، وَالشَّيْخُ "الْحَسَنُ"*٤، وَبِهِ قال الجمهور، وكثير من أئمة أهل

стр. 68

الْبَيْتِ إِلَى جَوَازِهِ. وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ، "وَأَبُو الحسن"*١ الْبَصْرِيُّ، وَالْكَرْخِيُّ٢، إِلَى امْتِنَاعِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْقَصْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْوَضْعِ. وَالْكَلَامُ يَنْبَنِي عَلَى بَحْثٍ هُوَ: هَلْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ اللَّفْظِ لِمَعْنَيَيْنِ، أَوْ معانٍ عَلَى الْبَدَلِ، أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُمَا أَوْ لَهَا عَلَى الْجَمْعِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْمَانِعُونَ: إِنَّ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ، وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ تَخْصِيصُ لَفَظٍ بِمَعْنًى، فَكُلُّ وَضْعٍ يُوجِبُ أَنْ لَا يُرَادَ بِاللَّفْظِ إِلَّا هَذَا "الْمَوْضُوعَ"** لَهُ، وَيُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى تَمَامَ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، فَاعْتِبَارُ كُلٍّ مِنَ الْوَضْعَيْنِ يُنَافِي اعْتِبَارَ الْآخَرِ، فَاسْتِعْمَالُهُ لِلْمَجْمُوعِ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ وُضِعَ لِلْمَجْمُوعِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ لِإِفَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَحْدَهُ، مَعَ إِفَادَةِ أَفْرَادِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُفِيدًا إِلَّا لِأَحَدِ مَفْهُومَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَهُ بِإِزَاءِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَأَحَدُهَا ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ، فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ وَحْدَهُ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي كُلِّ مَفْهُومَاتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِفَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَالْأَفْرَادِ عَلَى الْبَدَلِ، فَهُوَ مُحَالٌ كَمَا قَدَّمْنَا. وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي﴾ ٣ كلا المعنيين، وهذا هو الجمع بين معنى المشترك.

стр. 69

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا اسْتِعْمَالُ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ لِإِيجَابِ اقْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَا بُدَّ مِنِ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ النَّبِيَّ، وَالْمَلَائِكَةَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْعُوا لَهُ، لَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا، أَوْ مَعْنًى مَجَازِيًّا، أَمَّا الْحَقِيقِيُّ: فَهُوَ الدُّعَاءُ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَدْعُو ذَاتَهُ بِإِيصَالِ الخير إلى النبي ﷺ ثُمَّ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الدُّعَاءِ الرَّحْمَةُ، فَالَّذِي قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، قَدْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، لَا أَنَّ الصَّلَاةَ وُضِعَتْ لِلرَّحْمَةِ. وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ: فَكَإِرَادَةِ الْخَيْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ، ثُمَّ إِنِ اخْتَلَفَ ذَلِكَ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ، بِحَسَبِ الْوَضْعِ. وَاحْتَجُّوا -أَيْضًا- بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ١، فَإِنَّهُ نَسَبَ السُّجُودَ إِلَى الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَالشَّجَرِ، وَالدَّوَابِّ، فَمَا نُسِبَ إِلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ يُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، لَا وَضْعَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا نُسِبَ إِلَى الْعُقَلَاءِ يُرَادُ بِهِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِانْقِيَادَ لَمَا قَالَ ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاس﴾ ٢؛ لَأَنَّ الِانْقِيَادَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادُ فِي الْجَمِيعِ، وَمَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّ الِانْقِيَادَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الناس باطل؛ لأن الكفار لم يَنْقَادُوا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ وَضَعُ الرَّأْسِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْجَمِيعِ، فَلَا يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَتِهِ مِنَ الْجَمَادَاتِ، إِلَّا مَنْ يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَةِ التَّسْبِيحِ مِنَ الْجَمَادَاتِ، وَبِاسْتِحَالَةِ الشَّهَادَةِ مِنَ الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِذَا عَرَفَتْ هَذَا لَاحَ لَكَ عدم جواز الجمع بين معنى الْمُشْتَرَكِ، أَوْ مَعَانِيهِ، وَلَمْ يَأْتِ مَنْ جَوْزَهُ بِحُجَّةٍ مَقْبُولَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ مَجَازًا، لَا حَقِيقَةً، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ, وَقِيلَ: يَجُوزُ إِرَادَةُ الْجَمْعِ لَكِنْ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ، لَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَقَدْ نُسِبَ هَذَا إِلَى الْغَزَالِيِّ وَالرَّازِيِّ. وَقِيلَ: يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي النَّفْيِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: ما رأيت عينًا، ومراده العين

стр. 70

الْجَارِحَةُ، وَعَيْنُ الذَّهَبِ، وَعَيْنُ الشَّمْسِ، وَعَيْنُ الْمَاءِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي عَيْنٌ، وَتُرَادُ هذه المعاني بهذه اللَّفْظِ. وَقِيلَ: بِإِرَادَةِ الْجَمِيعِ فِي الْجَمْعِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: عِنْدِي عُيُونٌ، وَيُرَادُ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَكَذَا الْمُثَنَّى، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَمْعِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: عِنْدِي جَوْنَانِ، وَيُرَادُ أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ، وَلَا يَصِحُّ إِرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ، أَوِ الْمَعَانِي بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعَانِي الَّتِي يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، وَفِي الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لا في المعاني المتناقضة.

стр. 71

المسألة الخامسة: في الحقيقة والمجاز وفيها عشر أَبْحَاثٍ الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ لَفْظَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ... الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَفِيهَا عَشَرَةُ أَبْحَاثٍ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ لَفْظَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ: أَمَّا الْحَقِيقَةُ: فَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنْ حَقَّ الشَّيْءُ، بِمَعْنَى ثَبَتَ، وَالتَّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ الصِّرْفَةِ. وَفَعِيلٌ فِي الْأَصْلِ: قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ: يَكُونُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةَ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَعْنَاهَا الْمُثْبَتَةَ. وَأَمَّا الْمَجَازُ: فَهُوَ مَفْعَلٌ، مِنَ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ التَّعَدِّي، كَمَا يُقَالُ: جُزْتُ "مَوْضِعَ كَذَا"* أَيْ: جَاوَزْتُهُ وَتَعَدَّيْتُهُ، أَوْ مِنَ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُمْتَنِعًا، يَكُونُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، فَكَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ هَذَا إِلَى هَذَا، "وَمِنْ هَذَا إلى هذا"**.

стр. 72

الْبَحْثُ الثَّانِي فِي حَدِّهِمَا: فَقِيلَ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ: إِنَّهَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. فيشمل هَذَا الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ، وَالشَّرْعِيَّ، وَالْعُرْفِيَّ، وَالِاصْطِلَاحِيَّ. وَزَادَ جماعة في هذا الجد قَيْدًا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّخَاطُبُ

стр. 73

بِاصْطِلَاحٍ، وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحٍ آخَرَ، لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ، كَانَ مَجَازًا مَعَ أَنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. وَزَادَ آخَرُونَ فِي هَذَا الْحَدِّ قَيْدًا، فَقَالُوا: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا لِإِخْرَاجِ مِثْلِ مَا ذُكِرَ. وَقِيلَ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ: إِنَّهَا مَا أُفِيدَ بِهَا مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ الِاصْطِلَاحِ الَّذِي وَقَعَ التَّخَاطُبُ بِهِ. وَقِيلَ فِي حَدِّهَا: إِنَّهَا كُلُّ كَلِمَةٍ أُرِيدَ بِهَا عَيْنُ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي وَضْعِ وَاضِعٍ، وَضْعًا لَا يَسْتَنِدُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْمَجَازُ: فَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ. وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ. وَزِيَادَةُ قَيْدِ: عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لِإِخْرَاجِ مِثْلِ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَرْضِ فِي السَّمَاءِ. وَقِيلَ فِي حَدِّهِ -أَيْضًا-: إِنَّهُ مَا كَانَ بِضِدِّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ.

стр. 74

البحث الثالث: الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية والخلاف في ثبوتها وثمرة ذلك: قَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ اللَّفْظُ الَّذِي اسْتُفِيدَ مِنَ "الشَّرْعِ"* وَضْعُهُ لِلْمَعْنَى، سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى مَجْهُولَيْنِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوا ذَلِكَ الِاسْمَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْهُولًا وَالْآخَرُ مَعْلُومًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِوَضْعِ الشَّارِعِ، لَا بِوَضْعِ أَهْلِ الشَّرْعِ كَمَا ظُنَّ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِثْبَاتِهَا، وَذَلِكَ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ وَالْمُصَلِّي وَالْمُزَكِّي وَالصَّائِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَحَلُّ النِّزَاعِ الْأَلْفَاظُ الْمُتَدَاوَلَةُ شَرْعًا، الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غير "معانيها اللغوية"**.

стр. 75

فَالْجُمْهُورُ جَعَلُوهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا. وَأَثْبَتَ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا مَعَ الشَّرْعِيَّةِ حَقَائِقَ دِينِيَّةً، فَقَالُوا إِنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ فِي مَعَانٍ غَيْرِ لُغَوِيَّةٍ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْأَسْمَاءُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَى الْفَاعِلِينَ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَجَعَلُوا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً وَالْقِسْمَ الثَّانِيَ: حَقِيقَةً دِينِيَّةً، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ عَلَى السَّوَاءِ فِي أَنَّهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ إِنَّهَا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ غَلَبَتْ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الشَّرْعِ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ: أَنَّهَا إِذَا وَرَدَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُجَرَّدَةً عَنِ الْقَرِينَةِ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ أَوْ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ؟ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا بِالْأَوَّلِ وَالْبَاقِلَّانِيُّ وَمَنْ مَعَهُ قَالُوا بِالثَّانِي. قَالُوا أَمَّا فِي كَلَامِ الْمُتَشَرِّعَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيِّ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حَقَائِقَ عُرْفِيَّةً بَيْنَهُمْ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ بِوَضْعِ الشَّارِعِ وَتَعْيِينِهِ إِيَّاهَا بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي بِلَا قَرِينَةٍ فَتَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً أَوْ بِغَلَبَتِهَا فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَقَطْ وَلَمْ يَضَعْهَا الشَّارِعُ بَلِ اسْتَعْمَلَهَا مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةً لِقَرَائِنَ فَتَكُونُ حَقَائِقَ عُرْفِيَّةً خَاصَّةً لَا شَرْعِيَّةً. احْتَجَّ الجمهور بما هو معلوم شرعًا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ وَأَهْلِ الشَّرْعِ لِذَاتِ الْأَذْكَارِ وَالْأَرْكَانِ وَالزَّكَاةَ لِأَدَاءِ مَالٍ مَخْصُوصٍ وَالصِّيَامَ لِإِمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ وَالْحَجَّ لِقَصْدٍ مَخْصُوصٍ وَأَنَّ هَذِهِ الْمَدْلُولَاتِ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ وَالزَّكَاةُ لِلْنَمَاءِ وَالصِّيَامُ لِلْإِمْسَاكِ مُطْلَقًا وَالْحَجُّ لِلْقَصْدِ مُطْلَقًا وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ وَالزِّيَادَاتُ شُرُوطٌ وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنِ الْمَشْرُوطِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُصَلِّيًا مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا كَالْأَخْرَسِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْقِ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ثُبُوتُ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ لِجَوَازِ صَيْرُورَتِهَا بِالْغَلَبَةِ حَقَائِقَ عُرْفِيَّةً خَاصَّةً لِأَهْلِ الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً بوضع الشارع
следующие страницы →