← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يَحْسُنُ فِيهِ، الْأَمْرُ وَلَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ مُتَصَوَّرَةٌ تَصَوُّرًا بَدِيهِيًّا لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: الْخَبَرُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَلْفَاظِ وَأَنْوَاعُ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ تَصَوُّرَاتُهَا بَدِيهِيَّةً، فَكَيْفَ قُلْتَ: إِنَّ مَاهِيَّةَ الْخَبَرِ مُتَصَوَّرَةٌ تَصَوُّرًا بَدِيهِيًّا؟ قُلْتُ: حُكْمُ الذِّهْنِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَهُ الْآخَرُ وَلَيْسَ لَهُ الْآخَرُ مَعْقُولٌ وَاحِدٌ، لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يُدْرِكُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَجِدُ تَفْرِقَةً بَيْنِهِ وَبَيْنَ سَائِرِ أَحْوَالِهِ النَّفْسَانِيَّةِ مِنْ أَلَمِهِ وَلَذَّتِهِ وَجُوعِهِ وَعَطَشِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْخَبَرِ هُوَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ فَلَا شَكَّ أَنَّ تَصَوُّرَهُ فِي الْجُمْلَةِ بَدِيهِيٌّ مَرْكُوزٌ فِي فِطْرَةِ الْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ اللَّفْظَةَ الدَّالَّةَ عَلَى هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ فَالْإِشْكَالُ غَيْرُ وَارِدٍ أَيْضًا. لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ، انْتَهَى. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّفْظُ الدَّالُّ وَالْإِشْكَالُ وَارِدٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطَلَّقَ اللَّفْظِ الدَّالِّ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَمَّا ذَكَرَهُ بِأَنَّ كَوْنَ الْعِلْمِ ضَرُورِيًّا كَيْفِيَّةٌ لِحُصُولِهِ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ وَالَّذِي لَا يَقْبَلُهُ هُوَ نَفْسُ الْحُصُولِ الَّذِي هُوَ مَعْرُوضُ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِالضَّرُورَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِتَنَافِيهِمَا. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ الْمَعْلُومَ ضَرُورَةً إِنَّمَا هُوَ نِسْبَةُ الْوُجُودِ إِلَيْهِ إِثْبَاتًا، وَهُوَ غَيْرُ تَصَوُّرِ النِّسْبَةِ الَّتِي هِيَ مَاهِيَّةُ الْخَبَرِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَاهِيَّةُ الْخَبَرِ ضَرُورِيَّةً. وَقِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ لَا يُحَدُّ لِتَعَسُّرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ١. وَقِيلَ: الْأَوْلَى فِي حَدِّ الْخَبَرِ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَحْكُومُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْخَارِجِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قُمْ لِأَنَّ مَدْلُولَهُ الطَّلَبُ نَفْسُهُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْعِرَ بِأَنَّ لَهُ مُتَعَلِّقًا وَاقِعًا فِي الْخَارِجِ. وَكَذَا يُخْرِجُ جَمِيعَ الْمُرَكَّبَاتِ التَّقْيِيدِيَّةِ٢ وَالْإِضَافِيَّةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ النِّسْبَةَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ لَمْ يَصِحَّ فِي مِثْلِ اجْتِمَاعِ الضدين وشريك الباري*.

стр. 142

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ عَنِ الْمَدْلُولِ، سَوَاءٌ قَامَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ بِالذِّهْنِ كَالْعِلْمِ أَوْ بِالْخَارِجِ عَنِ الذِّهْنِ، كَالْقِيَامِ، أَوْ لَمْ تَقُمْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا نَحْوَ شَرِيكُ الْبَارِّي مُمْتَنِعٌ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ هُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ لِذَاتِهِ، وَهَذَا الْحَدُّ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا سَبَقَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلِ الْخَبَرُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، أَمْ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِيِّ مَجَازٌ فِي النَّفْسِيِّ أَمِ الْعَكْسُ كَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِأَنَّ الْخَبَرَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِهِ وَإِذَا عَرَفْتَ الِاخْتِلَافَ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ عَرَفْتَ بِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَيْسَ بِخَبَرٍ وَيُسَمُّونَهُ إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالنِّدَاءُ وَالتَّمَنِّي والعرض والترجي والقسم.

стр. 143

النوع الثاني: أقسام الخبر من حيث الصدق والكذب النَّوْعُ الثَّانِي: إِنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى صِدْقٍ وَكَذِبٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ، وَادَّعَى أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعِ الْخَبَرَ إِلَّا لِلصِّدْقِ وَلَيْسَ لَنَا خَبَرٌ كَذِبٌ وَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوَاضِعِ وَنَظِيرُهِ قَوْلُهُمْ الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ مِنَ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنُّحَاةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: قَامَ زَيْدٌ، حُصُولُ الْقِيَامِ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَلَمْ يُقِلْ أَحَدٌ إِنَّ مَعْنَاهُ صُدُورُ الْقِيَامِ أَوْ عَدَمُهُ، وَإِنَّمَا احْتِمَالُهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَوْضُوعٌ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَامَ زَيْدٌ حُصُولُ الْقِيَامِ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَدْلُولَهُ الْحُكْمُ بِحُصُولِ الْقِيَامِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ: بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَلَا يَقْدَحُ عَلَى الْقَرَافِيِّ بَلْ هُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَذَلِكَ مُجَرَّدُ دَعْوَى وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ عَلَى مَدْحِ الصَّادِقِ وَذَمِّ الْكَاذِبِ وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ مَوْضُوعًا لَهُمَا لَمَا كَانَ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ مَوْضُوعٌ مِنْ بَأْسٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الصِّدْقُ وَالثَّانِي الْكَذِبُ وَأَثْبَتَ الْجَاحِظُ١ الْوَاسِطَةَ بينهما، فقال:

стр. 144

الْخَبَرُ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ أَوْ لَا مُطَابِقَ وَالْمُطَابِقُ إِمَّا مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُطَابِقٌ أَوْ لَا، وَغَيْرُ الْمُطَابِقِ إِمَّا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ أَوْ لَا وَالثَّانِي مِنْهُمَا وَهُوَ مَا لَيْسَ مَعَ الِاعْتِقَادِ لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كذب واستدل بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّة﴾ ١. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ: أَنَّهُ حَصَرَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ افْتِرَاءً، أَوْ كلامَ مجنونٍ، فَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ كَلَامَ مَجْنُونٍ لَا يَكُونُ صِدْقًا لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ صِدْقًا وَقَدْ صَرَّحُوا بِنَفْيِ الْكَذِبِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ قَسِيمَهُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا "لِأَنَّ"* الْمَجْنُونَ لَا يَقُولُ عَنْ قَصْدٍ وَاعْتِقَادٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ أَفْتَرَى أَمْ لَمْ يَفْتَرِ، فَيَكُونُ مَجْنُونًا لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا افتراء له والكذب مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ يَكُونُ مَجْنُونًا أَوِ الْمُرَادُ أَقَصَدَ فَيَكُونُ مَجْنُونًا أَمْ لَمْ يَقْصِدْ فَلَا يَكُونُ خَبَرًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الِافْتِرَاءَ أَخَصُّ مِنَ الْكَذِبِ، وَمُقَابِلُهُ قَدْ يَكُونُ كَذِبًا وَإِنْ سَلِمَ فَقَدْ لَا يَكُونُ خَبَرًا فَيَكُونُ هَذَا حَصْرًا لِلْكَذِبِ فِي نَوْعَيْهِ الْكَذِبِ عَنْ عَمْدٍ وَالْكَذِبِ لَا عَنْ عَمْدٍ. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ أن كل خبر "إما"** أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ أَوْ لَا يَكُونُ مُطَابِقًا فَإِنْ أُرِيدَ بِالصِّدْقِ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ كَيْفَ كَانَ وَبِالْكَذِبِ الْخَبَرُ الْغَيْرُ مُطَابِقٍ كَيْفَ كَانَ وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالصِّدْقِ مَا يَكُونُ مُطَابِقًا مَعَ أَنَّ الْمُخْبِرَ يَكُونُ عَالِمًا بِكَوْنِهِ مُطَابِقًا وَبِالْكَذِبِ الَّذِي لَا يَكُونُ مُطَابِقًا مَعَ أَنَّ الْمُخْبِرَ يَكُونُ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ كَانَ هُنَاكَ قِسْمٌ ثَالِثٌ بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ قَائِلُهُ أَنَّهُ مُطَابِقٌ أَمْ لَا فَثَبَتَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَفْظِيَّةٌ؛ انْتَهَى. وَقَالَ النَّظَّامُ٢ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ: إِنَّ الصِّدْقَ مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ لِلِاعْتِقَادِ، وَالْكَذِبَ عَدَمُ مُطَابَقَتِهِ لِلِاعْتِقَادِ وَاسْتَدَلَّ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ. أَمَّا النَّقْلُ: فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ

стр. 145

لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون﴾ ١ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ "عَلَيْهِمْ"* فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمًا مُؤَكَّدًا بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ الله﴾ مَعَ مُطَابَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ فَلَوْ كَانَ لِلْمُطَابَقَةِ لِلْوَاقِعِ أَوْ لِعَدَمِهَا مَدْخَلٌ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَمَا كَانُوا كَاذِبِينَ لِأَنَّ خَبَرَهُمْ هَذَا مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ ولا واسطة بن الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ التَّكْذِيبَ رَاجِعٌ إِلَى خَبَرٍ تَضَمَّنَهُ مَعْنَى: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وَهُوَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ هَذِهِ مِنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ وَخُلُوصِ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ سِيَّمَا بعد تأكيده بـ"إن وَاللَّامِ وَالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ". وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ التَّكْذِيبَ رَاجِعٌ إِلَى زَعْمِهِمُ الْفَاسِدِ وَاعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ التَّكْذِيبَ رَاجِعٌ إِلَى حَلِفِهِمُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَل﴾ ٢. وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْأَجْوِبَةِ مِنْ مَزِيدِ التَّكَلُّفِ، وَلَكِنَّهُ أَلْجَأَ إِلَى الْمَصِيرِ إِلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا الْعَقْلُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ "فَأَخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ"**، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ كَذَبَ فِي هَذَا الْخَبَرِ، بَلْ يُقَالُ: أَخْطَأَ أَوْ وَهِمَ. الثَّانِي: أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ وَالْمُطْلَقَاتِ مُخَصَّصَةٌ وَمُقَيَّدَةٌ فَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي لَا يُطَابِقُ الْمُخْبَرَ عَنْهُ كَذِبًا لتطرق الكذب إِلَى كَلَامِ الشَّارِعِ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ صِدْقَ الْخَبَرِ مُطَابَقَتُهُ "لِلْوَاقِعِ"*** وَكَذِبَهُ عَدَمُهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِد﴾ ٣ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينْ﴾ ٤، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 146

وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَقَدْ قال: للنبي ﷺ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ قَالُوا: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ١ لَمَّا رَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فقتله، فقال ﷺ : "كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أجر مرتين" ٢. فكذبهم ﷺ مَعَ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا كَانَ فِي اعْتِقَادِهِمْ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قال للنبي ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ ﷺ : "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ" ٣. وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْذِيبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كُفْرِيَّاتِهِمْ مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ تِلْكَ الْكُفْرِيَّاتِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْذِيبِ الْكَافِرِ إِذَا قَالَ الْإِسْلَامُ بَاطِلٌ مَعَ مُطَابَقَتِهِ لِاعْتِقَادِهِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي: أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَتَّصِفُ بِالصِّدْقِ إِلَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ وَالِاعْتِقَادِ، فَإِنْ خَالَفَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فَكَذِبٌ فَيُقَالُ فِي تَعْرِيفِهِمَا هَكَذَا الصِّدْقُ مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ وَالِاعْتِقَادَ. وَالْكَذِبُ مَا خَالَفَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا ثُبُوتُ وَاسِطَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ كَلَامُ الْعُقَلَاءِ، فَلَا يَرِدُ كَلَامُ السَّاهِي وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَجَمِيعُ أَدِلَّةِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى هَذَا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا وَرَدَ عَلَيْهَا. فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَصْدِيقِ الْكَافِرِ إِذَا قَالَ: الْإِسْلَامُ حَقٌّ وَهُوَ إِنَّمَا طَابَقَ الْوَاقِعَ لَا الِاعْتِقَادَ، قُلْتُ لَيْسَ النِّزَاعُ إِلَّا فِي مَدْلُولِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لُغَةً لَا شَرْعًا، وَهَذَا الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا من أهل اللغة والدليل الذي "مُسْتَنَدُ"* إِجْمَاعِهِمْ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ، وَلَكِنَّ الْكَذِبَ الْمَذْمُومَ شَرْعًا هُوَ الْمُخَالِفُ لِلِاعْتِقَادِ سَوَاءٌ طَابَقَ الْوَاقِعَ أَوْ خَالَفَهُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِدْقِ وَصْفِ مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ وَطَابَقَ الِاعْتِقَادَ بالكذب "لغة"**.

стр. 147

النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْخَبَرِ اعْلَمْ أَنَّ الخبر لغة مِنْ حَيْثُ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، لَكِنْ قَدْ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَقَدْ يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ وَقَدْ لَا يُقْطَعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِفُقْدَانِ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْمَقْطُوعُ بِصِدْقِهِ وَهُوَ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالضَّرُورَةِ أَوِ النَّظَرِ فَالْمَعْلُومُ بِالضَّرُورَةِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ أَوْ بِمُوَافَقَةِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَهِيَ الْأَوَّلِيَّاتُ كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ. وَأَمَّا الْمَعْلُومُ بِالنَّظَرِ فَهُوَ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِ الْخَبَرِ نَفْسِهِ فَيَكُونَ كُلُّ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ صَادِقًا كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ حَادِثٌ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِ الْمُخْبِرِ فَيَكُونَ كُلُّ مَا يُخْبِرُ بِهِ "صِدْقًا"* وَهُوَ ضُرُوبٌ. الْأَوَّلُ: خَبَرُ مَنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصِّدْقَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ . الثَّانِي: مَنْ دَلَّتِ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. الثَّالِثُ: مَنْ صَدَّقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَوْ رَسُولُهُ وَهُوَ خَبَرُ كُلِّ الْأُمَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمَقْطُوعُ بِكَذِبِهِ وَهُوَ ضُرُوبٌ: الْأَوَّلُ: الْمَعْلُومُ خِلَافُهُ إِمَّا بِالضَّرُورَةِ كَالْإِخْبَارِ بِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ أَوِ ارْتِفَاعِهِمَا. الثَّانِي: الْمَعْلُومُ خِلَافُهُ إِمَّا بِالِاسْتِدْلَالِ كَالْإِخْبَارِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِخِلَافِ مَا هُوَ مِنْ قَطْعِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ. الثَّالِثُ: الْخَبَرُ الَّذِي لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مُتَوَاتِرًا إِمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَإِمَّا لكونه أمر غَرِيبًا كَسُقُوطِ الْخَطِيبِ عَنِ الْمِنْبَرِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ. الرَّابِعُ: خَبَرُ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ مِنْ غَيْرِ مُعْجِزَةٍ. الْخَامِسُ: كُلُّ خَبَرٍ اسْتَلْزَمَ بَاطِلًا وَلَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْخَبَرُ الْآحَادِيُّ إِذَا خَالَفَ الْقَطْعِيَّ كَالْمُتَوَاتِرِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ وَذَلِكَ كَخَبَرِ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَجَّحُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ صِدْقُهُ وَلَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَذَلِكَ كَخَبَرِ الْعَدْلِ وَقَدْ يَتَرَجَّحُ كَذِبُهُ وَلَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ، كَخَبَرِ الفاسق.

стр. 148

النوع الرابع: أقسام الخبر من حيث التواتر وعدمه القسم الأول: المتواتر ... النوع الرابع: أقسام الخبر من حيث التواتر وعدمه أَنَّ الْخَبَرَ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مَجِيءِ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ بِفَتْرَةٍ بَيْنَهُمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَتْرِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: خَبَرُ أَقْوَامٍ بَلَغُوا فِي الْكَثْرَةِ إِلَى حَيْثُ حَصَلَ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ. وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: هُوَ خَبَرُ جَمَاعَةٍ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ. وَقِيلَ: خَبَرُ جَمْعٍ عَنْ مَحْسُوسٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ من حيث كثرتهم فقولهم مِنْ حَيْثُ كَثْرَتِهِمْ لِإِخْرَاجِ خَبَرِ قَوْمٍ يَسْتَحِيلُ كَذِبُهُمْ بِسَبَبِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنِ الْكَثْرَةِ كَالْعِلْمِ بِمُخْبِرِهِمْ ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا، وَكَمَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ بِذَلِكَ الْقَيْدِ مَا ذَكَرْنَا كَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ قَيْدِ بِنَفْسِهِ فِي الْحَدِّ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالتَّوَاتُرِ هَلْ هُوَ ضَرُورِيٌّ أَوْ نَظَرِيٌّ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلى أنه ضروري. وقال الكعبي١ وأبو الحسن الْبَصْرِيُّ: إِنَّهُ نَظَرِيٌّ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ لَيْسَ أَوَّلِيًّا وَلَا كَسْبِيًّا، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْقَضَايَا الَّتِي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا "وَقَالَتِ السَّمْنِيَّةُ٢ وَالْبَرَاهِمَةُ٣: إِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ أَصْلًا"*، وَقَالَ المرتضى٤ والآمدي بالوقف.

стр. 149

وَالْحَقُّ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّا نَجِدُ نُفُوسَنَا جَازِمَةً بِوُجُودِ الْبِلَادِ الْغَائِبَةِ عَنَّا، وَوُجُودِ الْأَشْخَاصِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَنَا، جَزْمًا خَالِيًا عَنِ التَّرَدُّدِ، جَارِيًا مَجْرَى جَزْمِنَا بِوُجُودِ الْمُشَاهَدَاتِ، فَالْمُنْكِرُ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِالتَّوَاتُرِ كَالْمُنْكِرِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِالْمُشَاهَدَاتِ وَذَلِكَ سَفْسَطَةٌ١ لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا الْمُكَالَمَةَ. وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا لَافْتَقَرَ إِلَى تَوْسِيطِ٢ الْمُقَدِّمَتَيْنِ٣، وَاللَّازِمُ٤ منتفٍ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ بِذَلِكَ قَطْعًا مَعَ انْتِفَاءِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِحُصُولِهِ بِالْعَادَةِ لَا بِالْمُقَدِّمَتَيْنِ فَاسْتَغْنَى عَنِ التَّرْتِيبِ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِقَوْلِهِمْ: لَا نُنْكِرُ حُصُولَ الظَّنِّ الْقَوِيِّ بِوُجُودِ مَا ذَكَرْتُمْ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ حُصُولَ الْيَقِينِ وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا عَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا وُجُودَ الْمَدِينَةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوِ الشَّخْصِ الْفُلَانِيِّ مِمَّا جَاءَ التَّوَاتُرُ بِوُجُودِهِمَا وَعَرَضْنَا عَلَى عُقُولِنَا أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَجَدْنَا الْجَزْمَ بِالثَّانِي أَقْوَى مِنَ الْجَزْمِ بِالْأَوَّلِ، وَحُصُولُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَى تَطَرُّقِ النَّقِيضِ إِلَى الْمَرْجُوحِ. وَأَيْضًا: جَزْمُنَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَنْقُولَةِ بِالتَّوَاتُرِ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ جَزْمِنَا بِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الَّذِي رَأَيْتَهُ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي رَأَيْتَهُ أَمْسِ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْجَزْمَ لَيْسَ بِيَقِينٍ وَلَا ضَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ شَخْصٌ مساوٍ لَهُ فِي الصُّورَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّهُ تَشْكِيكٌ فِي أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ فَلَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْجَوَابَ، كَمَا أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْمُشَاهَدَاتِ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَا أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الْمَرْئِيَّ الْيَوْمَ غَيْرُ الشَّخْصِ الْمَرْئِيِّ أَمْسِ لَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلتَّشْكِيكِ فِي الْمُشَاهَدَاتِ. و"استدل"* والقائلون بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَعُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ ضَرُورِيُّ. وَأُجِيبَ: بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كان نظريًّا لعمل بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ نَظَرِيًّا كَغَيْرِهِ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ "وَبِالْحِسِّ"**، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّرُورِيَّةَ وَالنَّظَرِيَّةَ صِفَتَانِ لِلْعَمَلِ، وَلَا يلزم من ضرورية العلم ضرورية صفته.

стр. 150

الْجُمْهُورُ أَيْضًا: بِأَنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِالتَّوَاتُرِ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَالصِّبْيَانِ الْمُرَاهِقِينَ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعَامَّةِ، فَلَمَّا حَصَلَ ذَلِكَ لَهُمْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِنَظَرِيِّ. وَكَمَا يَنْدَفِعُ بِأَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نَظَرِيٌّ، يَنْدَفِعُ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وَقْفِهِ لَيْسَ إِلَّا تَعَارُضَ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ، وَقَدِ اتَّضَحَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فَلَا وَقْفَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَا مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَمَا رُوِيَ مِنَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ عَنِ السَّمْنِيَّةِ، وَالْبَرَاهِمَةِ فَهُوَ خِلَافٌ بَاطِلٌ لَا يستحق قائله الجواب عليه. شروط إفادة الخبر المتواتر للعلم الضروي: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ لَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ إِلَّا بِشُرُوطٍ، مِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِينَ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى السَّامِعِينَ: فَالَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِينَ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ غَيْرَ مُجَازِفِينَ، فَلَوْ كَانُوا ظَانِّينَ لِذَلِكَ فَقَطْ لَمْ يُفِدِ الْقَطْعُ، هَكَذَا اعْتَبَرَ هَذَا الشَّرْطَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ وُجُوبُ عِلْمِ الْكُلِّ بِهِ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُخْبِرِينَ بِهِ مُقَلِّدًا فِيهِ أَوْ ظَانًّا لَهُ أَوْ مُجَازِفًا وَإِنْ أُرِيدَ وُجُوبُ عِلْمِ الْبَعْضِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِمْ مُسْتَنِدِينَ إِلَى الْحِسِّ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ عَنْ ضَرُورَةٍ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ دُخُولَ الْغَلَطِ فِيهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَأَمَّا إِذَا تَوَاتَرَتْ أَخْبَارُهُمْ عَنْ شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوهُ، وَاعْتَقَدُوهُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، أَوْ عَنْ شُبْهَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَعَ تَوَاتُرِهِمْ يُخْبِرُونَ الدَّهْرِيَّةَ١ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَتَوْحِيدِ الصَّانِعِ، وَيُخْبِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَا يَقَعُ لَهُمُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ دُونَ الاضطرار انتهى.

стр. 151

وَمِنْ تَمَامِ هَذَا الشَّرْطِ: أَنْ لَا تَكُونَ الْمُشَاهَدَةُ، وَالسَّمَاعُ عَلَى سَبِيلِ غَلَطِ الْحِسِّ، كَمَا فِي أَخْبَارِ النَّصَارَى بِصَلْبِ الْمَسِيحِ ﵇، وَأَيْضًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا عَلَى صِفَةٍ يُوثَقُ مَعَهَا بِقَوْلِهِمْ، فَلَوْ أَخْبَرُوا مُتَلَاعِبِينَ أَوْ مُكْرَهِينَ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُوثَقْ بِخَبَرِهِمْ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَبْلُغَ عَدَدُهُمْ إِلَى مَبْلَغٍ يَمْنَعُ فِي الْعَادَةِ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَا يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ ضَابِطُهُ: حُصُولُ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِهِ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرَيِّ: يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرُ الْأَرْبَعَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمَا احْتَاجَ الْحَاكِمُ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ إِذَا شَهِدُوا عِنْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ: ذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ فَمَا زَادَ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنِ الْجُبَّائِيِّ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَمْسَةَ عَدَدُ أُولِي الْعَزْمِ١ مِنَ الرُّسُلِ "وَهُمْ"* عَلَى الْأَشْهُرِ، نُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الضَّعْفِ، مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا سَبْعَةً، بِعَدَدِ أَهْلِ الْكَهْفِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عَشَرَةٌ، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَا دُونَهَا جَمْعُ قِلَّةٍ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا اثْنَيْ عَشَرَ بِعَدَدِ النُّقَبَاءِ لِمُوسَى ﵇ لِأَنَّهُمْ جُعِلُوا كَذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا عِشْرِينَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُون﴾ ٢، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ بِهِ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا جُعِلُوا كَذَلِكَ لِيُفِيدَ خَبُرُهُمُ الْعِلْمَ بإسلامهم، فإن المقام ليس مقام "إخبار"**، خبر وَلَا اسْتِخْبَارٍ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أبي الهذيل٣ وغيره من المعتزلة.

стр. 152

وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ كَالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْجُمْعَةِ، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ بَاطِلُ الْأَصْلِ، فَضْلًا عَنِ الْفَرْعِ. وقيل: يشترط أن يكونوا سبعين لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ١، وَهَذَا أَيْضًا اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، بِعَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَهَذَا أَيْضًا اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ، خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مائة، "بعدد أهل بيعة الرضون"*، وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ مِائَةً؛ لِأَنَّهُ عَدَدُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً؛ لِأَنَّهُ عَدَدُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا جَمِيعَ الْأُمَّةِ كَالْإِجْمَاعِ، حُكي هَذَا الْقَوْلُ عَنْ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو٢، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَا يَحْوِيهِمْ بَلَدٌ وَلَا يَحْصُرُهُمْ عَدَدٌ. وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ جري أقلام الْعِلْمِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي لَا تَرْجِعُ إِلَى عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ، وَلَا يُوجَدُ بَيْنَهَا وبين محل النزاع جامع، وإنما ذكرناه لِيَعْتَبِرَ بِهَا الْمُعْتَبِرُ وَيَعْلَمَ أَنَّ الْقِيلَ وَالْقَالَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْ جِنْسِ الْهَذَيَانِ فَيَأْخُذُ عِنْدَ ذَلِكَ حَذَرَهُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَيَبْحَثُ عَنِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ لَهُمْ إِلَّا مَا فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: وُجُودُ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي كُلِّ الطَّبَقَاتِ، فَيَرْوِي ذَلِكَ الْعَدَدُ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَقَدِ اشْتُرِطَ عَدَالَةُ النَّقَلَةِ لِخَبَرِ التَّوَاتُرِ فَلَا يصح أن يكونوا أو بعضهم غير

стр. 153

عُدُولٍ، وَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونُوا كُفَّارًا وَلَا فُسَّاقًا. وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الِاشْتِرَاطِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَحْصُلُ بِخَبَرِ الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ، وَالصِّغَارِ الْمُمَيِّزِينَ، وَالْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ، وَذَلِكَ هو المعتب. وَقَدِ اشْتُرِطَ أَيْضًا: اخْتِلَافُ أَنْسَابِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ. وَاشْتُرِطَ أَيْضًا: اخْتِلَافُ أَدْيَانِهِمْ. وَاشْتُرِطَ أَيْضًا: اخْتِلَافُ أَوْطَانِهِمْ. وَاشْتُرِطَ أَيْضًا: كَوْنُ الْمَعْصُومِ مِنْهُمْ كَمَا يَقُولُ الْإِمَامِيَّةُ١. وَلَا وَجْهَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى السَّامِعِينَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا عُقَلَاءَ؛ إِذْ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْعِلْمِ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَدْلُولِ الْخَبَرِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا خَالِينَ عَنِ اعْتِقَادِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الخبر لشبهة تقليد أو نحوه.

стр. 154

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْآحَادُ وَهُوَ خَبَرٌ لَا يُفِيدُ بنفسه العلم سواء كان لا يفيد أَصْلًا، أَوْ يُفِيدُهُ بِالْقَرَائِنِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ، فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ١: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ"٢ عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ٣، وَالْحُسَيْنِ بْنِ علي الكرابيسي٤، والحارث

стр. 155

المحاسبي١. قال: وبه نقول. وحكاه ابن خويزمنداد٢ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاخْتَارَهُ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ فِي "التَّبْصِرَةِ"٣ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ كَحَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ٤ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمَا أَشْبَهَهُ. وَحَكَى صَاحِبُ "الْمَصَادِرِ"٥ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ. وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: هُوَ مَا لَمْ يَنْتَهِ بِنَفْسِهِ إِلَى التَّوَاتُرِ، سَوَاءٌ كَثُرَ رُوَاتُهُ أَوْ قَلُّوا، وَهَذَا كَالْأَوَّلِ فِي نَفْيِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالْآحَادِ. وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: هُوَ مَا يُفِيدُ الظَّنَّ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يُفِدِ الظَّنَّ مِنَ الْأَخْبَارِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي لَا يُفِيدُ الظَّنَّ لَا يُرَادُ دُخُولُهُ فِي التَّعْرِيفِ إِذْ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ وَالْمُرَادُ تَعْرِيفُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الرَّدِّ: بِأَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ تَضْعِيفُهُ إِلَى حَدٍّ يَكُونُ بِهِ بَاطِلًا مَوْضُوعًا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، مَعَ كَوْنِهِ لَا يُفِيدُ الظَّنَّ. وَيُرَدُّ هَذَا الْجَوَابُ: بِأَنَّ الضَّعِيفَ الَّذِي يَبْلُغُ ضَعْفُهُ إِلَى حَدٍّ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ الظَّنُّ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي إِثْبَاتِ شَرْعٍ عَامٍّ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِصِدْقِ ذَلِكَ وَثُبُوتِهِ عَنِ الشَّارِعِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الواحد وأنه "قد"* وقع التعبد به، وقال

стр. 156

"الْقَاسَانِيُّ"*١ وَالرَّافِضَةُ وَابْنُ دَاوُدَ٢. لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ٣ عَنِ الْأَصَمِّ٤ وَابْنِ عُلَيَّةَ٥ وَقَالَ: إِنَّهُمَا قَالَا لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي السُّنَنِ وَالدِّيَانَاتِ، وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ. وَحَكَى الْجُوَيْنِيُّ٦ فِي "شَرْحِ الرِّسَالَةِ" عَنْ هِشَامٍ٧ وَالنَّظَّامِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إِلَّا بَعْدَ قَرِينَةٍ تَنْضَمُّ إِلَيْهِ، وَهُوَ عِلْمُ الضَّرُورَةِ، بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ ضَرُورَةَ الصِّدْقِ، وَقَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ الْفَرْضِيُّ٨ قَالَ بَعْدَ حِكَايَةِ هَذَا عَنْهُ: فَإِنْ تَابَ فَاللَّهُ يَرْحَمُهُ وَإِلَّا فَهُوَ مَسْأَلَةُ التَّكْفِيرِ لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ فَمَنْ أَنْكَرَهُ يُكَفَّرُ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَاخْتَلَفُوا، يَعْنِي الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْمَانِعِ مِنَ الْقَبُولِ فَقِيلَ: مَنَعَ مِنْهُ الْعَقْلُ، وَيُنْسَبُ إِلَى ابن علية والأصم.

стр. 157

وَقَالَ "الْقَاسَانِيُّ"* مِنْ أَهْلَ الظَّاهِرِ، وَالشِّيعَةُ: مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّهُ عَامٌّ مُخَصَّصٌ، لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي طَرِيقِ إِثْبَاتِهِ، فَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ قَالُوا يَجِبُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ. وَقَالَ أحمد بن حنبل، والقفال، "وابن سريج"**، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ١ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ، وَالصَّيْرَفِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ، لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَى مَعْرِفَةِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ عَنِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا دَلِيلُ السَّمْعِ: فَقَدِ اسْتَدَلُّوا مِنَ الْكِتَابِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ﴾ ٢، وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَة﴾ ٣، وَمِنَ السُّنَّةِ بِمِثْلِ قِصَّةِ أَهْلِ قِبَاءٍ لَمَّا أَتَاهُمْ وَاحِدٌ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ تَحَوَّلَتْ فَتَحَوَّلُوا وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ٤. وَبِمِثْلِ بَعْثِهِ ﷺ لِعُمَّالِهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ بَعَثُهُ بِالْفَرْدِ مِنَ الرُّسُلِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَمِنَ الْإِجْمَاعِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَشَاعَ ذَلِكَ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَلَوْ أَنْكَرَهُ مُنْكِرٌ لَنُقِلَ إِلَيْنَا وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعِلْمَ الْعَادِيَّ بِاتِّفَاقِهِمْ كَالْقَوْلِ الصَّرِيحِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ٥: وَمَنْ تَتَبَّعَ أَخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ مَا عَدَا هَذِهِ الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعًا انتهى.

стр. 158

وَعَلَى الْجُمْلَةِ: فَلَمْ يأتِ مَنْ خَالَفَ فِي العلم بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ، وَمَنْ تَتَبَّعَ عَمَلَ الصَّحَابَةِ، مِنَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَعَمَلَ التَّابِعِينَ فَتَابِعِيهِمْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَجَدَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِعُ لَهُ إِلَّا مُصَنَّفٌ بَسِيطٌ وَإِذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمُ التَّرَدُّدُ فِي الْعَمَلِ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَذَلِكَ لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة الصِّحَّةِ أَوْ تُهْمَةٍ لِلرَّاوِي أَوْ وُجُودِ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. أَقْسَامُ الْآحَادِ: وَاعْلَمْ: أَنَّ الْآحَادَ تَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ: فَمِنْهَا: خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ١. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُسْتَفِيضُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا، وَقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: أَقَلُّ مَا تَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ اثْنَانِ، قَالَ السُّبْكِيُّ٢: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ شَائِعًا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْمَشْهُورُ، وَهُوَ مَا اشْتُهِرَ وَلَوْ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي، أَوِ الثَّالِثِ، إِلَى حَدٍّ يَنْقُلُهُ ثِقَاتٌ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الشُّهْرَةُ بعد القرنين. هكذا "قالت"* قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، فَاعْتَبَرُوا التَّوَاتُرَ فِي بَعْضِ طَبَقَاتِهِ، وَهِيَ الطَّبَقَةُ الَّتِي رَوَتْهُ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ فَقَطْ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَفِيضِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، لِصِدْقِهِمَا عَلَى مَا رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يَتَوَاتَرْ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ، ثم تواتر في أحد القرنين المذكورين، وانفرد الْمُسْتَفِيضِ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ فِي أَحَدِهِمَا إِلَى التَّوَاتُرِ وَانْفِرَادُ الْمَشْهُورِ فِيمَا رَوَاهُ اثْنَانِ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَوَاتَرَ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَجَعَلَ الْجَصَّاصُ٣ الْمَشْهُورَ قِسْمًا مِنَ الْمُتَوَاتِرِ وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَنَفِيَّةِ. وَأَمَّا جُمْهُورُهُمْ فَجَعَلُوهُ قَسِيمًا لِلْمُتَوَاتِرِ لَا قِسْمًا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 159

وَاعْلَمْ: أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ١ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَحْثِ مِنْ إِفَادَةِ خَبَرِ الْآحَادِ الظَّنَّ أَوِ الْعِلْمَ، مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ خَبَرُ وَاحِدٍ لَمْ يَنْضَمْ إِلَيْهِ مَا يُقَوِّيهِ، وَأَمَّا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مَا يُقَوِّيهِ، أَوْ كَانَ مَشْهُورًا، أَوْ مُسْتَفِيضًا، فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ قَدْ صَيَّرَهُ مِنَ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ وَهَكَذَا خَبْرُ الْوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَكَانُوا بَيْنَ عَامِلٍ بِهِ وَمُتَأَوِّلٍ لَهُ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَحَادِيثُ صَحِيحَيِ "الْبُخَارِيِّ٢ وَمُسْلِمٍ٣" فَإِنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْ مَا فِيهِمَا بالقبول، ومن لم يعلم بِالْبَعْضِ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَوَّلَهُ وَالتَّأْوِيلُ فَرْعُ الْقَبُولِ وَالْبَحْثُ مُقَرِّرٌ بِأَدِلَّتِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. قِيلَ: وَمِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ فِي حُضُورِ جَمَاعَةٍ هِيَ نِصَابُ التَّوَاتُرِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا فِي رِوَايَتِهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مِمَّنْ يَعْرِفُ عِلْمَ الرِّوَايَةِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْقَدْحِ فِي ذَلِكَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَحْفُوفِ بِالْقَرَائِنِ، فَقِيلَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَقِيلَ: لَا يُفِيدُهُ، وَهَذَا خِلَافٌ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ إِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِكُلِّ عَاقِلٍ عِنْدَهَا الْعِلْمُ كَانَ من المعلوم صدقه "وإلا فَلَا، وَجْهَ لِمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ لَا بِالْقَرَائِنِ وَلَا بِغَيْرِهَا. وَمِنَ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ"* أَيْضًا إِذَا أَخْبَرَ مخبر بحضرته ﷺ بِخَبَرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَسَمِعَهُ ﷺ ،

стр. 160

ولم ينكر عليه، لا إذا كان الخبر بِغَيْرِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. شُرُوطُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ: الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَهُ شُرُوطٌ: مِنْهَا مَا هُوَ فِي المخبِر، وَهُوَ الرَّاوِي، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي المخبَر عَنْهُ، وَهُوَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْخَبَرِ نَفْسِهِ وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ. أَمَّا الشُّرُوطُ الرَّاجِعَةُ إِلَى الرَّاوِي فَخَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: التَّكْلِيفُ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي الْإِجْمَاعَ عَلَى رَدِّ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْعَنْبَرِيُّ١. وَقَالَ: بَلْ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الْقِبْلَةِ، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ٢، قَالَ: وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْفَوْرَانِيُّ٣: الْأَصَحُّ قَبُولُ رِوَايَتِهِ، وَالْوَجْهُ فِي رَدِّ رِوَايَتِهِ أَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ لِارْتِفَاعِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ فَيَكْذِبُ. وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى الصِّبْيَانِ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَى أَحْوَالِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ رَجَعُوا إِلَى النِّسَاءِ وَسَأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمَنْخُولِ": مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمُرَاهِقِ الْمُتَثَبِّتِ فِي كَلَامِهِ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا. وَهَذَا الِاشْتِرَاطُ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْأَدَاءِ لِلرِّوَايَةِ، أَمَّا لَوْ تَحَمَّلَهَا صَبِيًّا وَأَدَّاهَا مُكَلَّفًا، فَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى قَبُولِهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنَيْنِ٤ وَمَنْ كَانَ مُمَاثِلًا لهم،

стр. 161

كمحمود بن الربيع فإنه روى حديثًا: "أنه ﷺ مَجَّ فِي فِيهِ مَجَّةً وَهُوَ ابْنُ خمس سني"١، وَاعْتَمَدَ الْعُلَمَاءُ رِوَايَتَهُ. وَقَدْ كَانَ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُحْضِرُونَ الصِّبْيَانَ مَجَالِسَ الرِّوَايَاتِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ وَهَكَذَا لَوْ تَحَمَّلَ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ كَافِرٌ ثُمَّ رَوَى وَهُوَ عَدْلٌ مُسْلِمٌ، وَلَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَةِ الْمَجْنُونِ فِي حَالِ جُنُونِهِ، أَمَّا لَوْ سَمِعَ فِي حَالِ جُنُونِهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْجُنُونِ غَيْرُ ضَابِطٍ. وَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْجِنَايَاتِ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا انْفَرَدُوا وَلَمْ يَحْضُرْهُمْ مَنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ وَقَيَّدُوهُ بِعَدَمِ تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ حَتَّى يُؤَدُّوا الشَّهَادَةَ وَالْأَوْلَى عَدَمُ الْقَبُولِ وَعَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَا سَيَأْتِي على أنَّا نَمْنَعَ ثُبُوتَ هَذَا الْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ عَنْهُمْ. الشَّرْطُ الثَّانِي: الْإِسْلَامُ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْكَافِرِ؛ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا إِجْمَاعًا، قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ سَوَاءٌ عُلِمَ مِنْ دِينِهِ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْكَذِبِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، قَالَ وَالْمُخَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِذَا كَفَّرْنَاهُ كَالْمُجَسِّمِ وَغَيْرِهِ هَلْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَمْ لَا؟ الْحَقُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ جَوَازَ الْكَذِبِ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَإِلَّا قَبِلْنَاهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ. لَنَا: أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْعَمَلِ بِهَا قَائِمٌ، وَلَا مُعَارِضَ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا. بَيَانُ أَنَّ الْمُقْتَضِي قَائِمٌ: أَنَّ الاعتقاد لِحُرْمَةِ الْكَذِبِ يَزْجُرُهُ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا، فَيَحْصُلُ ظَنُّ الصِّدْقِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، وَبَيَانُ أَنَّهُ لَا مُعَارِضَ: أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَا تُقْبَلُ روايته وذلك الكفر منتفٍ ههنا، قَالَ وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢ فَأَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ نَبَأِ الْفَاسِقِ، وَهَذَا الْكَافِرُ فَاسِقٌ فَوَجَبَ التَّثَبُّتُ عِنْدَ خَبَرِهِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يكون من أهل القبلة لا تقبل روايته، فكذا

стр. 162

هَذَا الْكَافِرُ، وَالْجَامِعُ أَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ تَنْفِيذٌ لِقَوْلِهِ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَالْكُفْرُ يَقْتَضِي الْإِذْلَالَ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْكَافِرُ جَاهِلٌ لِكَوْنِهِ كَافِرًا لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ اسْمَ الْفَاسِقِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِالْمُسْلِمِ الْمُقْدِمِ عَلَى الْكَبِيرَةِ. وَعَنِ الثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الْكُفْرَ الْخَارِجَ عَنِ الْمِلَّةِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ صَاحِبِ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ هَكَذَا قَالَ الرَّازِيُّ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إِنْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُبْتَدِعِ جَوَازُ الْكَذِبِ مُطْلَقًا لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ قَطْعًا، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِهِ جَوَازُهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَالْكَذِبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، أَوِ الْكَذِبِ فِيمَا هُوَ تَرْغِيبٌ فِي طَاعَةٍ، أَوْ تَرْهِيبٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ، لَا يُقْبَلُ، قِيَاسًا عَلَى الْفَاسِقِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يُقْبَلُ، وَهُوَ رَأْيُ الْجُوَيْنِيِّ وَأَتْبَاعِهِ. وَالْحَقُّ: عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا فِي الْأَوَّلِ، وَعَدَمُ قَبُولِهِ فِي ذلك الأمر الخاص في الثاني، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ. وَبَيْنَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُبْتَدِعُ لَا يَسْتَجِيزُ الْكَذِبَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: رَدُّ رِوَايَتِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ فَسَقَ بِبِدْعَتِهِ فَهُوَ كَالْفَاسِقِ بِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقْبَلُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى١ وَالثَّوْرِيِّ٢ وَأَبِي يُوسُفَ٣

стр. 163

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِلَّا قُبِلَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ١ فِي "الْمُخَلَّصِ" عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَدْعُ يُقْبَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا انْتَهَى. وَالْحَقُّ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ وَيُقَوِّيهَا، لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الْخَطِيبُ٢: وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَنَسَبَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ٣ إِلَى الْأَكْثَرِينَ. قَالَ وَهُوَ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَأَوْلَاهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِ الْمُبْتَدِعَةِ غَيْرِ الدُّعَاةِ احْتِجَاجًا وَاسْتِشْهَادًا، كَعِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ٤ وَدَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ٥ وَغَيْرِهِمَا وَنَقَلَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ٦ فِي كِتَابِ "الثقات" الإجماع على ذلك.

стр. 164

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ هَذَا الْمَذْهَبَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِ "الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ"١: الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الدَّاعِيَةِ، أَمَّا الدَّاعِيَةُ، فَهُوَ سَاقِطٌ عِنْدَ الجميع. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ٢: الْخِلَافُ فِي الدَّاعِيَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُظْهِرُ بِدْعَتَهُ بِمَعْنَى حَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَرْكِ حَدِيثِهِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْعَدَالَةُ قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": هِيَ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ جَمِيعًا حَتَّى يُحَصَّلَ ثِقَةُ النَّفْسِ بصدقة وَيُعْتَبَرَ فِيهَا الِاجْتِنَابُ عَنِ الْكَبَائِرِ وَعَنْ بَعْضِ الصَّغَائِرِ كَالتَّطْفِيفِ بِالْحَبَّةِ، وَسَرِقَةِ بَاقَةٍ مِنَ الْبَقْلِ، وَعَنِ الْمُبَاحَاتِ الْقَادِحَةِ فِي الْمُرُوءَةِ، كَالْأَكْلِ فِي الطَّرِيقِ، وَالْبَوْلِ فِي الشَّارِعِ، وَصُحْبَةِ الْأَرْذَالِ وَالْإِفْرَاطِ فِي الْمِزَاحِ، وَالضَّابِطِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُؤْمَنُ "مَعَهُ"* جَرَاءَتُهُ عَلَى الْكَذِبِ يَرُدُّ الرِّوَايَةَ وَمَا لَا فَلَا، انْتَهَى. وَأَصْلُ الْعَدَالَةِ فِي اللُّغَةِ: الِاسْتِقَامَةُ، يُقَالُ: طَرِيقٌ عَدْلٌ أَيْ مُسْتَقِيمٌ، وَتُطْلَقُ عَلَى اسْتِقَامَةِ السِّيرَةِ وَالدِّينِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ مَعَ عَدَمِ الْفِسْقِ. وَعِنْدَنَا مَلَكَةٌ فِي النَّفْسِ تَمْنَعُ عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ كَالْبَوْلِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمُرَادُ جِنْسُ الْكَبَائِرِ وَالرَّذَائِلِ الصَّادِقُ بِوَاحِدَةٍ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: وَالَّذِي صَحَّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي النَّاسِ مَنْ يُمَحِّضُ الطَّاعَةَ فَلَا يَمْزُجُهَا بِمَعْصِيَةٍ وَفِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُمَحِّضُ الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَمْزُجُهَا بِالطَّاعَةِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ الْكُلِّ وَلَا إِلَى قَبُولِ الْكُلِّ، فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قُبِلْتُ شَهَادَتَهُ وَرِوَايَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الأغلب المعصية وخلاف المروءة رددتها.

стр. 165

قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَا بُدَّ فِي الْعَدْلِ مِنْ أَرْبَعِ شَرَائِطَ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابُ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنْ لَا يَرْتَكِبَ مِنَ الصَّغَائِرِ مَا يَقْدَحُ فِي دِينٍ أَوْ عِرْضٍ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مَا يُسْقِطُ الْقَدَرَ وَيُكْسِبُ النَّدَمَ، وَأَنْ لَا يَعْتَقِدَ مِنَ الْمَذَاهِبِ مَا يَرُدُّهُ أُصُولُ الشَّرْعِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: الثِّقَةُ هِيَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي الْخَبَرِ، فَمَتَى حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِالْخَبَرِ قُبِلَ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ: هِيَ مُحَافَظَةٌ دِينِيَّةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ فَزَادَ قَيْدَ عَدَمِ الْبِدْعَةِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الشَّرْطِ الَّذِي مَرَّ قَبْلَ هَذَا. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِ الْعَدَالَةِ: إِنَّهَا التَّمَسُّكُ بِآدَابِ الشَّرْعِ فَمَنْ تمسك بها فعلًاوتركا فَهُوَ الْعَدْلُ الْمَرْضِيُّ، وَمَنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ الْإِخْلَالُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ يَقْدَحُ فِي دِينِ فَاعِلِهِ أَوْ تَارِكِهِ، كَفِعْلِ الْحَرَامِ وَتَرْكِ الْوَاجِبِ فَلَيْسَ بِعَدْلٍ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَحْوَالِ، فَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الدِّينِيِّ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ قَنْطَرَتَانِ عَظِيمَتَانِ وَجِسْرَانِ كَبِيرَانِ وَهُمَا الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ. نَعَمْ مَنْ فَعَلَ مَا يُخَالِفُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ مُرُوءَةً عُرْفًا لَا شَرْعًا فَهُوَ تَارِكٌ لِلْمُرُوءَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ ذَهَابَ مُرُوءَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلِ الْمَعَاصِي مُنْقَسِمَةٌ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ أَمْ هِيَ قِسْمٌ وَاحِدٌ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ ١ وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾ ٢، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَوَاتِرًا مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ الذُّنُوبِ بِاسْمِ الْكَبَائِرِ وَبَعْضِهَا بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَمِنْهُمُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْجُوَيْنِيُّ وَابْنُ فُورَكَ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا كَبَائِرُ. وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَعْضِهَا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ كَمَا يُقَالُ الزِّنَا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْقُبْلَةُ الْمُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزِّنَا وَكُلُّهَا كَبَائِرُ. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْه﴾ : إِنْ تَجْتَنِبُوا الْكُفْرَ كُفِّرَتْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتُكُمُ الَّتِي هي دون الكفر، والقول الأول راجح.

стр. 166

وههنا مَذْهَبٌ ثَالِثٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحِلْمِيُّ١ فَقَالَ: إِنَّ الْمَعَاصِيَ "تَنْقَسِمُ"* إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: صَغِيرَةٌ، وَكَبِيرَةٌ، وَفَاحِشَةٌ؛ فَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ لَهُ فَفَاحِشَةٌ، فَأَمَّا الْخَدْشَةُ وَالضَّرْبَةُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَصَغِيرَةٌ وَجَعَلَ سَائِرَ الذُّنُوبِ هَكَذَا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْكَبَائِرِ هَلْ تُعْرَفُ بِالْحَدِّ أَوْ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالْعَدَدِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُعْرَفُ بِالْحَدِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهَا الْمَعَاصِي الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مَا يَلْحَقُ صَاحِبَهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ. وَقَالَ آخَرُونَ مَا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ. وَقِيلَ: مَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: مَا نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أو وجب في حقه حَدٍّ، وَقِيلَ: مَا وَرَدَ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ مَعَ الْحَدِّ، أَوْ لَفْظٌ يُفِيدُ الْكِبَرَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالْعَدَدِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَنْحَصِرُ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: هِيَ سَبْعٌ، وَقِيلَ: تِسْعٌ، وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَقِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتٌّ وَثَلَاثُونَ، وَقِيلَ: سَبْعُونَ. وَإِلَى السَّبْعِينَ أَنْهَاهَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ٢ فِي "جُزْءٍ صَنَّفَهُ" فِي ذَلِكَ. وقد جمع ابن حجر الهيتمي٣ فِيهَا مُصَنَّفًا حَافِلًا سَمَّاهُ الزَّوَاجِرَ فِي الْكَبَائِرِ" وَذَكَرَ فِيهِ نَحْوَ أَرْبَعِمِائَةِ مَعْصِيَةٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِهَا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَمِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْهَا: الْقَتْلُ، وَالزِّنَا، وَاللُّوَاطَةُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَالْغَصْبُ، وَالْقَذْفُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَشَهَادَةُ الزور،

стр. 167

وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَالْعُقُوقُ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَخْذُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَخِيَانَةُ الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ، وَالْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرُهَا وَضَرْبُ الْمُسْلِمِ وَسَبُّ الصَّحَابَةِ وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ وَالرِّشْوَةُ وَالدِّيَاثَةُ١، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ، وَالْيَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَمْنُ الْمَكْرِ وَالظِّهَارُ وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةُ وَفِطْرُ رَمَضَانَ وَالرِّبَا وَالْغُلُولُ وَالسِّحْرُ وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ وَإِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ وَامْتِنَاعُ الزَّوْجَةِ عَنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَلَيْسَ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَقَالَةٌ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ عِلْمَ الرِّوَايَةِ هَذَا اللَّفْظَ وَجَعَلَهُ حَدِيثًا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْإِصْرَارَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا أَصَرَّ عَلَيْهِ فَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَغِيرَةٌ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ. وَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا عَدَالَةَ لِفَاسِقٍ. وَقَدْ حَكَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"٢ الْإِجْمَاعَ عَلَى رَدِّ خَبَرِ الْفَاسِقِ فَقَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَالْحَنَفِيَّةُ وَإِنْ بَاحُوا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ فَلَمْ "يَبُوحُوا"* بِقَبُولِ رِوَايَتِهِ، فَإِنْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": إِذَا أَقْدَمَ عَلَى الْفِسْقِ فَإِنْ علم كونه فسقًا لم تقبل روايته وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ فِسْقًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَظْنُونًا، أَوْ مَقْطُوعًا فَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ بِالِاتِّفَاقِ، قَالَ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ قُبِلَتْ أَيْضًا. لَنَا: أَنَّ ظَنَّ صِدْقِهِ رَاجِحٌ، وَالْعِلْمَ بِهَذَا الظَّنِّ وَاجِبٌ وَالْمُعَارَضَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ منتفٍ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ. احْتَجَّ الْخَصْمُ: بِأَنَّ مَنْصِبَ الرِّوَايَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَاسِقِ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ: أَنَّهُ جَهِلَ فِسْقَهُ، لَكِنَّ جَهْلَهُ بِفِسْقِهِ فِسْقٌ آخَرُ، فَإِذَا مَنَعَ أَحَدُ الْفُسَقِينَ عَنْ قَبُولِ الرِّوَايَةِ فَالْفِسْقَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ الْمَنْعِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِذَا عُلِمَ كَوْنُهُ فِسْقًا دَلَّ إِقْدَامُهُ عَلَيْهِ عَلَى اجْتِرَائِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بخلاف إذا لم يعلم ذلك.

стр. 168

ويجاب عن هذا الجواب: أن إِخْلَالَهُ بِأُمُورِ دِينِهِ إِلَى حَدٍّ يَجْهَلُ مَعَهُ مَا يُوجِبُ الْفِسْقَ يَدُلُّ أَبْلَغَ دِلَالَةٍ عَلَى اجْتِرَائِهِ عَلَى دِينِهِ وَتَهَاوُنِهِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: مَجْهُولِ الْحَالِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ بِرِوَايَةِ عَدْلَيْنِ عَنْهُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ: أَنَّ رِوَايَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ١: تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ اكْتِفَاءً بِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّفْسِيقِ ظَاهِرًا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ إِنْ كَانَ الرَّاوِيَانِ أَوِ الرُّوَاةُ عَنْهُ لَا يَرْوُونَ عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَدْلًا فِي الظَّاهِرِ وَمَجْهُولَ الْعَدَالَةِ فِي الْبَاطِنِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ مَا لَمْ يُعْلَمِ الْجَرْحُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ تُعْلَمِ الْعَدَالَةُ، وَحَكَاهُ الْكِيَا عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَذَكَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَيَّدُوا الْقَوْلَ بِالْقَبُولِ بِصَدْرِ الْإِسْلَامِ، بِغَلَبَةِ الْعَدَالَةِ عَلَى النَّاسِ إِذْ ذَاكَ، قَالُوا وَأَمَّا الْمَسْتُورُ فِي زَمَانِنَا فَلَا يُقْبَلُ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَقِلَّةِ الرَّشَادِ. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: بِالْوَقْفِ -إِذَا رَوَى التَّحْرِيمَ- إِلَى ظُهُورِ حَالِهِ، "وَأَمَا"* مَجْهُولُ الْعَيْنِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يروِ عَنْهُ إِلَّا راوٍ وَاحِدٌ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الرَّاوِي إِلَّا مُجَرَّدَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَابْنِ معين ويحيى القطان٢ فإنه "يكفي"** وَتَرْتَفِعُ عَنْهُ الْجَهَالَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: إِنْ زَكَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، مَعَ رِوَايَتِهِ، عَنْهُ وَعَمَلِهِ بِمَا رَوَاهُ قُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ تَصَرُّفِ ابْنِ حِبَّانَ فِي "ثِقَاتِهِ" فإنه يحكم برفع الجهالة برواية واحدة.

стр. 169

وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّسَائِيِّ١ أَيْضًا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا انْتَفَتْ عَنْهُ الْجَهَالَةُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْوِي الْجَمَاعَةُ عَنِ الْوَاحِدِ لَا يَعْرِفُونَ حَالَهُ وَلَا يُخْبِرُونَ شَيْئًا مَنْ أَمْرِهِ وَيُحَدِّثُونَ بِمَا رَوَوْا عنه "ولا يخرجه روايتهم عنه"* "عن"** على الْجَهَالَةِ؛ إِذْ لَمْ يَعْرِفُوا عَدَالَتَهُ؛ انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِارْتِفَاعِ جَهَالَةِ الْعَيْنِ بِرِوَايَةِ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا عَنْهُ لَا بِارْتِفَاعِ جَهَالَةِ الحال كما سبق. والحق لأنها لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَيْنِ وَلَا مَجْهُولِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الظَّنِّ بِالْمَرْوِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ الرَّاوِي عَدْلًا وَقَدْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ ٣؛ وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ الْعَدْلِ فَكَانَ كَالْمُخَصِّصِ لِذَلِكَ الْعُمُومِ، فَبَقِيَ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومَاتِ وَأَيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ عَدَمُ قَبُولِ رِوَايَةِ الْفَاسِقِ وَمَجْهُولُ الْعَيْنِ أَوِ الْحَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَاسِقٍ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِأَنَّ عَدَمَ الْفِسْقِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ عند فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ هَذَا الشَّرْطِ وَأَيْضًا وُجُودُ الْفِسْقِ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ رِوَايَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ هَذَا الْمَانِعِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مَنْ قَالَ بِالْقَبُولِ بِمَا يَرْوُونَهُ من قوله ﷺ : "نحن نحكم بالظاهر"٤. فقال

стр. 170

الذَّهَبِيُّ وَالْمِزِّيُّ١ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ السَّلَفِ وَلَوْ سَلَّمَنَا أَنَّ لَهُ أَصْلًا لَمْ يَصْلُحْ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّ صِدْقَ الْمَجْهُولِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ صِدْقُهُ وَكَذِبُهُ مُسْتَوِيَانِ وإذا عرفت هذا فلا يصدهم مَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يصح بمثل قوله ﷺ : "إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ" ٢ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ وَبِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا اعْتَذَرَ بِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَالَ: "كَانَ ظَاهِرُكَ عَلَيْنَا" ٣، وَبِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ ﵁: "إِنَّمَا نُؤَاخِذُكُمْ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ" ٤. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الضَّبْطُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ضَابِطًا لِمَا يَرْوِيهِ لِيَكُونَ الْمَرْوِيُّ لَهُ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهُ فِي حِفْظِهِ وَقِلَّةِ غَلَطِهِ وَسَهْوِهِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ رُدَّتْ رِوَايَتُهُ إِلَّا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَغْلَطْ فِيهِ وَلَا سَهَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْغَلَطِ قُبِلَ خَبَرُهُ إِلَّا فِيمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ، كَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: مَنْ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ لِذَلِكَ حَدِيثُهُ، وَمَنْ كَثُرَ بِذَلِكَ خَطَؤُهُ وَغَلَطُهُ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حِفْظِ الْحِكَايَةِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ٥ فِي "الْعِلَلِ"٦: كُلُّ مَنْ كَانَ مُتَّهَمًا في الحديث بالكذب، أو كان مغفلًا

стр. 171

يُخْطِئُ الْكَثِيرَ فَالَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: إِنْ غَلَبَ خَطَؤُهُ وَسَهْوُهُ عَلَى حِفْظِهِ فَمَرْدُودٌ إِلَّا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ فِيهِ وَإِنْ غَلَبَ حِفْظُهُ عَلَى خَطَئِهِ وَسَهْوِهِ فَمَقْبُولٌ إِلَّا فِيمَا علم أنه أخطأ فيه وإن استويا بالخلاف، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ يُقْبَلُ لِأَنَّ جِهَةَ التَّصْدِيقِ رَاجِحَةٌ فِي خَبَرِهِ لِعَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنَّهُ يُرَدُّ وَقِيلَ إِنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُهُ إِذَا كَانَ مُفَسَّرًا وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ مَنْ رَوَى عَنْهُ وَيُعِينَ وَقْتَ السَّمَاعِ مِنْهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَحَكَاهُ الْجُوَيْنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الشَّهَادَةِ، فَفِي الرِّوَايَةِ أَوْلَى، وَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ: أَنَّ الرَّاوِيَ إِنْ كَانَ تَامَّ الضَّبْطِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فَحَدِيثُهُ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ، وَإِنَّ خَفَّ ضَبْطُهُ فَحَدِيثُهُ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ، وَإِنْ كَثُرَ غَلَطُهُ فَحَدِيثُهُ مِنْ قِسْمِ الضَّعِيفِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا بِمَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ فِيمَا رَوَاهُ. قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: وَلَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْغَفْلَةِ وَلَا يُوجِبُ لُحُوقُ الْغَفْلَةِ لَهُ رَدَّ حَدِيثِهِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ لَحِقَتْهُ الْغَفْلَةُ فِيهِ بِعَيْنِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ إِذَا كَانَ مِمَّنْ تَعْتَرِيهِ الْغَفْلَةُ فِي غَيْرِ مَا يَرْوِيهِ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْحُفَّاظِ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَلْحَقُهُمُ الْغَفْلَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَإِذَا رَوَوْا كَانُوا مِنْ أَحَذَقِ النَّاسِ بِالرِّوَايَةِ وَأَنْبَهِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الضَّبْطِ أَنْ يُضْبَطَ اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ كَمَا سَيَأْتِي١. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ الرَّاوِي مُدَلِّسًا وَسَوَاءٌ كَانَ التَّدْلِيسُ فِي الْمَتْنِ أَوْ فِي الْإِسْنَادِ. أَمَّا التَّدْلِيسُ فِي الْمَتْنِ فَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلَامَ غَيْرِهِ فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا التَّدْلِيسُ فِي الْإِسْنَادِ فَهُوَ عَلَى أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي إِبْدَالِ الْأَسْمَاءِ فَيُعَبَّرُ عَنِ الرَّاوِي وَعَنْ أَبِيهِ بِغَيْرِ اسْمَيْهِمَا وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْكَذِبِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يُسَمِّيَهُ بِتَسْمِيَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ مَنْ قَصَدَهُ الرَّاوِي وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يَكُونُ مَشْهُورًا بِاسْمِهِ فَيَذْكُرُهُ الرَّاوِي بِكُنْيَتِهِ أَوِ الْعَكْسِ إِيهَامًا لِلْمَرْوِيِّ لَهُ بِأَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ مَقْصِدُ الرَّاوِي بِذَلِكَ التَّغْرِيرَ عَلَى السَّامِعِ بِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عنه غير ذلك

стр. 172

الرَّجُلِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ ضَعِيفًا وَكَانَ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ مِنِ اسْمِهِ أَوْ كُنْيَتِهِ لِيَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ الضَّعِيفِ. فَهَذَا التَّدْلِيسُ قَادِحٌ فِي عَدَالَةِ الرَّاوِي، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الرَّاوِي مُجَرَّدَ الْإِغْرَابِ عَلَى السَّامِعِ مَعَ كَوْنِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ عَدْلًا عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّدْلِيسِ بجرح كما قال ابن الصلاح وابن السمعان، ي وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ بُرْهَانٍ هُوَ جَرْحٌ. وَثَالِثُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّدْلِيسُ بِإِطْرَاحِ اسْمِ الرَّاوِي الْأَقْرَبِ وَإِضَافَةِ الرِّوَايَةِ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْخَهُ وَيَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ ضَعِيفًا فَذَلِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ بِكَامِلِ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ ثِقَةً وَتُرِكَ ذِكْرُهُ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ الَّتِي لَا تُنَافِي الْأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ وَلَا تَتَضَمَّنُ التَّغْرِيرَ عَلَى السَّامِعِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي عَدَالَةِ الرَّاوِي، لَكِنْ إِذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ بِصِيغَةٍ مُحْتَمَلَةٍ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ أَوْ رُوي عَنْ فُلَانٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَانٌ أَوْ أخبرنا وهو لم يحدث وَلَمْ يُخْبِرْهُ بَلِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ هُوَ مِنْ تُرِكَ ذِكْرُهُ فَذَلِكَ كَذِبٌ يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ كَانَ ثِقَةً وَاشْتُهِرَ بِالتَّدْلِيسِ فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا قَالَ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا أَوْ سَمِعْتُ لَا إِذَا لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أسقط من لا تقوم الحجة بمثله. أما الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى مَدْلُولِ الْخَبَرِ: فَالْأَوَّلُ: مِنْهَا أَنْ لَا يَسْتَحِيلَ وُجُودُهُ فِي الْعَقْلِ فإن أحاله العقل رد. الشرط الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بحال. الشرط الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. وَأَمَّا إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ الْقَطْعِيَّ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ مُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ قَطْعِيَّةً قَدَّمَ الْقِيَاسَ وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً قَدَّمَ الْخَبَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ١، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: إِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ٢: إِنْ كَانَ الرَّاوِي ضَابِطًا عَالِمًا قُدِّمَ خَبَرُهُ وَإِلَّا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ ثَابِتَةً بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ وَإِنْ كَانَ حكم الأصل مَقْطُوعًا بِهِ خَاصَّةً دُونَ الْعِلَّةِ فَالِاجْتِهَادُ فِيهِ واجب حتى يظهر ترجيح

стр. 173

أَحَدِهِمَا فَيَعْمَلَ بِهِ، وَإِلَّا فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْمَرِيُّ١: لَا خِلَافَ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ قَالَ الْكِيَا: قَدَّمَ الْجُمْهُورُ خَبَرَ الضَّابِطِ عَلَى الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عُرْضَةُ الزَّلَلِ انْتَهَى. وَالْحَقُّ: تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الْخَارِجِ مِنْ مَخْرَجٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا، إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ٢ وَحَدِيثِ الْعَرَايَا٣ فَإِنَّهُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ التَّابِعُونَ إِذَا جَاءَهُمُ الْخَبَرُ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقِيَاسِ وَلَا يَنْظُرُوا فِيهِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ فَبَعْضُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَبَعْضُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْخَبَرُ عِنْدَ مَنْ قَدَّمَ الْقِيَاسَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ حَدِيثُ مُعَاذٍ٤ فَإِنَّهُ قَدَّمَ الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى اجْتِهَادِهِ. وَمِمَّا يُرَجِّحُ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّ الْخَبَرَ يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَمْرَيْنِ: وَهُمَا دِلَالَتُهُ، عدالة الرَّاوِي وَدِلَالَةُ الْخَبَرِ، وَالْقِيَاسُ يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ: حُكْمُ الْأَصْلِ وَتَعْلِيلُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعَيُّنُ الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ التَّعْلِيلُ وَوُجُودُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ وَنَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَنَفْيُهُ فِي الْفَرْعِ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلُ الْأَصْلِ خَبَرًا، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا كان النظر في ثمانية

стр. 174

أُمُورٍ السِّتَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْخَبَرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَانَ احْتِمَالُ الْخَطَأِ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَقَلَّ مِنْهَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْخَبَرَ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَتْبَاعِهِ لِأَنَّهُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ وَلِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ. وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ الرَّاوِي لَهُ بِخِلَافِهِ خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّا مُتَعَبِّدُونَ بِمَا بَلَغَ إِلَيْنَا مِنَ الْخَبَرِ وَلَمْ نَتَعَبَّدْ بِمَا فَهِمَهُ الرَّاوِي وَلَمْ يَأْتِ مَنْ قَدَّمِ عَمَلَ الرَّاوِي عَلَى رِوَايَتِهِ بِحُجَّةٍ تَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَحْثِ مَزِيدُ بَسْطٍ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى لَفْظِ الْخَبَرِ١. وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ٢ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فِي ذَلِكَ. وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْخِلَافِ فَهُوَ خَبَرُ عَدْلٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ دَلِيلٌ يَخُصُّهَا مِنْ عُمُومِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بحديث: "ادرءوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ"٣ بَاطِلٌ فَالْخَبَرُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ عَلَى فَرْضِ وَجُودِهَا. وَلَا يَضُرُّهُ أَيْضًا كَوْنُهُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَوِ السُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ بِالزِّيَادَةِ فِي حُكْمِ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ كَانَ نَسْخًا لَا يُقْبَلُ. وَالْحَقُّ: الْقَبُولُ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لِلْمَزِيدِ، فَكَانَتْ مقبولة، ودعوى أنها ناسخة ممنوعة،

стр. 175

وَهَكَذَا إِذَا وَرَدَ الْخَبَرُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَإِنَّهُ مَقْبُولٌ وَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَكَذَا إِذَا وَرَدَ مُقَيِّدًا لِمُطْلَقِ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ. وَقَسَّمَ الْهِنْدِيُّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا خَصَّصَ عُمُومَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ قَيَّدَ مُطْلَقَهُمَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ مُقَارَنَتُهُ لَهُ وَلَا تَرَاخِيهِ عَنْهُ فَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: يُقْبَلُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَفَعَتْ كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا هَلْ كَانَتْ مُقَارَنَةً أَمْ لَا؟ قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى كَوْنِهِ مُخَصِّصًا مَقْبُولًا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى كَوْنِهِ نَاسِخًا مَرْدُودًا. الثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ مُقَارَنَتُهُ لَهُ فَيَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ. الثَّالِثُ: أَنْ يُعْلَمَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ. لم يقبله؛ لأنه لَوْ قَبِلَهُ لَقُبِلَ نَاسِخًا وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَمَنْ جَوَّزَهُ قَبِلَهُ إِنْ كَانَ وَرَدَ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا إِذَا وَرَدَ بَعْدَهُ فَلَا يُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ البحث في التخصيص للعام والتقييد للمطلق١. حكم زيادة الثقة: وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُ رَاوِيهِ انْفَرَدَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا فَقَدْ يَحْفَظُ الْفَرْدُ مَا لَا يَحْفَظُهُ الْجَمَاعَةُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِلْمَزِيدِ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُنَافِيَةً فَالتَّرْجِيحُ وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لَا نَقْبَلُ رِوَايَةَ الْوَاحِدِ إِذَا خَالَفَتْ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ "بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا"* وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِلْمَزِيدِ إِذَا كَانَ مَجْلِسُ السماع واحدًا وكانت الجماعة بحيث لا "تجوز"** عَلَيْهِمُ الْغَفْلَةُ عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَأَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ مَجْلِسُ السَّمَاعِ فَتُقْبَلُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ. وَمِثْلُ انْفِرَادِ الْعَدْلِ بِالزِّيَادَةِ انْفِرَادُهُ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي وَقَفَهُ الْجَمَاعَةُ وَكَذَا انْفِرَادُهُ بِإِسْنَادِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَرْسَلُوهُ وَكَذَا انْفِرَادُهُ بِوَصْلِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَطَعُوهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا رَوَوْهُ وَتَصْحِيحٌ لِمَا أَعْلَوْهُ. وَلَا يَضُرُّهُ أَيْضًا كَوْنُهُ خَارِجًا مَخْرَجَ ضَرْبِ الأمثال. وروي عن إمام الحرمين أنه

стр. 176

مَوْضِعُ تَجَوُّزٍ، فَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ تَجَوُّزٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا لِمَكَانِ الْعِصْمَةِ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى لَفْظِ الْخَبَرِ: "فَاعْلَمْ"* أَنَّ لِلرَّاوِي فِي نَقْلِ مَا يَسْمَعُهُ أحوالا: الحال الأولى: أَنْ يَرْوِيَهُ بِلَفْظِهِ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَمَا سَمِعَهَا، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَهُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ فَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ مَسْتَغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي مَاءِ الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ١ فَالرَّاوِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ السُّؤَالَ أَوْ يَتْرُكَهُ وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ غَيْرَ مستغنٍ عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَمَا فِي سُؤَالِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: "أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ": فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: "فَلَا إِذًا" ٢، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْجَوَابُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، فَإِذَا نَقَلَ الرَّاوِي السُّؤَالَ لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا أَمْرًا وَاحِدًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَذِكْرُ السُّؤَالِ "وَالسَّبَبِ"** مَعَ ذِكْرِ الْجَوَابِ وَمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ أَوْلَى مِنَ الْإِهْمَالِ. الْحَالُ الثانية: أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ بَلْ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ عَارِفٍ بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ، لَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى. قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": بِالْإِجْمَاعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ، كَالْجُلُوسِ مَكَانَ الْقُعُودِ أَوِ الْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ بِهِ مُسَاوِيًا لِلْأَصْلِ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ فَلَا يَأْتِي مَكَانَ الْجَلِيِّ بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الْجَلَاءِ وَلَا مَكَانَ العام بالخاص ولا مكان

стр. 177

الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ، وَلَا مَكَانَ الْأَمْرِ بِالْخَبَرِ وَلَا عَكْسَ ذَلِكَ. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَبَرُ مِمَّا تَعْبَّدْنَا بِلَفْظِهِ، كَأَلْفَاظِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَالتَّشَهُّدِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَبَرُ مِنْ بَابِ الْمُتَشَابِهِ، كَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ. وَحَكَى الْكِيَا الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْرِي هَلْ يُسَاوِيهِ اللَّفْظُ الَّذِي تَكَلَّمُ بِهِ الرَّاوِي، وَيَحْتَمِلُ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ أَمْ لَا. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَبَرُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، كَقَوْلِهِ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ١ "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" ٢، "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ" ٣، "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" ٤، "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ" ٥، "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي" ٦: لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهُ بالمعنى.

стр. 178

وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْقِصَارُ فَلَا يَجُوزُ رِوَايَتُهَا بِالْمَعْنَى وَلَا وَجْهَ لِهَذَا. قَالَ الْأَبْيَارِيُّ١ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يبدل اللفظ بمرادفه كالجلوس بالقعود "فهذا"*وهذا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَظُنَّ دِلَالَتَهُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ بِذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ التَّبْدِيلِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقْطَعَ بِفَهْمِ الْمَعْنَى وَيُعَبِّرَ عَمَّا فَهِمَ بِعِبَارَةٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفَاظُ مُتَرَادِفَةً فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْقَطْعُ بِفَهْمِ الْمَعْنَى مُسْتَنِدًا إِلَى اللَّفْظِ إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ أَوْ إِلَيْهِ مَعَ الْقَرَائِنِ الْتَحَقَ بِالْمُتَرَادِفِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا بَلْ يَجِبُ نَقْلُ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْعَارِفِ وَغَيْرِهِ. هَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَهْلِ التَّحَرِّي فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ إِنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنَقَلَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ ابْنُ سِيرِينَ٢ وَبِهِ قَالَ الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الحرج البالغ والمخالفة لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنَ الرُّوَاةِ كَمَا تَرَاهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا جَمَاعَةٌ "مِنَ الصَّحَابَةِ"** فَإِنَّ غَالِبَهَا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بَلْ قَدْ تَرَى الْوَاحِدَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يأتي في بعض الحالات بلفظ في "رواية"*** وَفِي أُخْرَى بِغَيْرِ ذَاكَ اللَّفْظِ مِمَّا يُؤَدِّي معناه وهذا أمر لا شك فيه

стр. 179

الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا، وَبَيْنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا مَجَالٌ فَيَجُوزُ: النَّقْلُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَحْفَظَ الرَّاوِي اللَّفْظَ أَمْ لَا، فَإِنْ حَفِظَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِ رسول الله ﷺ مِنَ الْفَصَاحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظِ اللَّفْظَ جَازَ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ، فَتَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: أَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي فَيَجُوزُ رِوَايَتُهَا بِالْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ" ١ وروى أنه نهى بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ٢، وَقَوْلِهِ: ﷺ : "اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ" ٣، وَرُوِيَ أَنَّهُ "أمر بقتل الأسودين في الصلاة"٤؛ قال: هَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ افْعَلْ أَمْرٌ وَلَا تَفْعَلْ نَهْيٌ فَيَتَخَيَّرُ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا. "وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ خَفِيُّ الْمَعْنَى مُحْتَمَلًا كَقَوْلِهِ: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" ٥* وَجَبَ نَقْلُهُ بِلَفْظِهِ وَلَا يعبر عنه بغيره.

стр. 180

الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَغَيْرِهِ فَتَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمَجَازِ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ. الْمَذْهَبُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُودَعًا فِي جُمْلَةٍ لَا يَفْهَمُهُ الْعَامِّيُّ إِلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ فَلَا يَجُوزُ رِوَايَتُهُ إِلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ بِلَفْظِهَا، كَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ. الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُورِدَهُ عَلَى قَصْدِ الِاحْتِجَاجِ وَالْفُتْيَا أَوْ يُورِدَهُ لِقَصْدِ الرِّوَايَةِ "فَتَجُوزُ"* الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ. وَيَتَخَرَّجُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الأُوَل مَذَاهِبُ غَيْرُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ. الْحَالُ الثالثة: أَنْ يَحْذِفَ الرَّاوِي بَعْضَ لَفْظِ الْخَبَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ الْمَحْذُوفُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْذُوفِ مِنْهُ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا لَمْ يَجُزْ بالاتفاق. حكاه الصفي الهندي وابن الأبياري فَالتَّعَلُّقُ اللَّفْظِيُّ كَالتَّقْيِيدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ وَالتَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ كَالْخَاصِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّ وَالْمُقَيَّدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُطْلَقِ وَالْمُبَيَّنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْمَلِ وَالنَّاسِخِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْسُوخِ، وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا الْمَحْكِيِّ مِنَ الِاتِّفَاقِ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي اللُّمَعِ وَالْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ مِنَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَمْ لَا، وَفِي هَذَا ضَعْفٌ. فَإِنَّ تَرْكَ الرَّاوِي لِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا رَوَاهُ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا خِيَانَةٌ فِي الرِّوَايَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: إِنْ كَانَ قَدْ نَقَلَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مَرَّةً بِتَمَامِهِ جَازَ أَنْ يَنْقُلَ الْبَعْضَ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"١ وَالشَّيْخُ الشِّيرَازِيُّ في "اللمع"٢
следующие страницы →