← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مَوْضِعُ تَجَوُّزٍ، فَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ تَجَوُّزٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا لِمَكَانِ الْعِصْمَةِ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى لَفْظِ الْخَبَرِ: "فَاعْلَمْ"* أَنَّ لِلرَّاوِي فِي نَقْلِ مَا يَسْمَعُهُ أحوالا: الحال الأولى: أَنْ يَرْوِيَهُ بِلَفْظِهِ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَمَا سَمِعَهَا، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَهُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ فَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ مَسْتَغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي مَاءِ الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ١ فَالرَّاوِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ السُّؤَالَ أَوْ يَتْرُكَهُ وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ غَيْرَ مستغنٍ عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَمَا فِي سُؤَالِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: "أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ": فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: "فَلَا إِذًا" ٢، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْجَوَابُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، فَإِذَا نَقَلَ الرَّاوِي السُّؤَالَ لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا أَمْرًا وَاحِدًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَذِكْرُ السُّؤَالِ "وَالسَّبَبِ"** مَعَ ذِكْرِ الْجَوَابِ وَمَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ أَوْلَى مِنَ الْإِهْمَالِ. الْحَالُ الثانية: أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ بَلْ بِمَعْنَاهُ، وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ عَارِفٍ بِمَعَانِي الْأَلْفَاظِ، لَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى. قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": بِالْإِجْمَاعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ، كَالْجُلُوسِ مَكَانَ الْقُعُودِ أَوِ الْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ بِهِ مُسَاوِيًا لِلْأَصْلِ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ فَلَا يَأْتِي مَكَانَ الْجَلِيِّ بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الْجَلَاءِ وَلَا مَكَانَ العام بالخاص ولا مكان

стр. 177

الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ، وَلَا مَكَانَ الْأَمْرِ بِالْخَبَرِ وَلَا عَكْسَ ذَلِكَ. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَبَرُ مِمَّا تَعْبَّدْنَا بِلَفْظِهِ، كَأَلْفَاظِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَالتَّشَهُّدِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَبَرُ مِنْ بَابِ الْمُتَشَابِهِ، كَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ. وَحَكَى الْكِيَا الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْرِي هَلْ يُسَاوِيهِ اللَّفْظُ الَّذِي تَكَلَّمُ بِهِ الرَّاوِي، وَيَحْتَمِلُ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ أَمْ لَا. وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَبَرُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، كَقَوْلِهِ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ١ "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" ٢، "الْحَرْبُ خَدْعَةٌ" ٣، "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" ٤، "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ" ٥، "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي" ٦: لَمْ تَجُزْ رِوَايَتُهُ بالمعنى.

стр. 178

وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْقِصَارُ فَلَا يَجُوزُ رِوَايَتُهَا بِالْمَعْنَى وَلَا وَجْهَ لِهَذَا. قَالَ الْأَبْيَارِيُّ١ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يبدل اللفظ بمرادفه كالجلوس بالقعود "فهذا"*وهذا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَظُنَّ دِلَالَتَهُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ بِذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ التَّبْدِيلِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقْطَعَ بِفَهْمِ الْمَعْنَى وَيُعَبِّرَ عَمَّا فَهِمَ بِعِبَارَةٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفَاظُ مُتَرَادِفَةً فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْقَطْعُ بِفَهْمِ الْمَعْنَى مُسْتَنِدًا إِلَى اللَّفْظِ إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ أَوْ إِلَيْهِ مَعَ الْقَرَائِنِ الْتَحَقَ بِالْمُتَرَادِفِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا بَلْ يَجِبُ نَقْلُ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْعَارِفِ وَغَيْرِهِ. هَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَهْلِ التَّحَرِّي فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ إِنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنَقَلَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ ابْنُ سِيرِينَ٢ وَبِهِ قَالَ الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الحرج البالغ والمخالفة لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنَ الرُّوَاةِ كَمَا تَرَاهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا جَمَاعَةٌ "مِنَ الصَّحَابَةِ"** فَإِنَّ غَالِبَهَا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بَلْ قَدْ تَرَى الْوَاحِدَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يأتي في بعض الحالات بلفظ في "رواية"*** وَفِي أُخْرَى بِغَيْرِ ذَاكَ اللَّفْظِ مِمَّا يُؤَدِّي معناه وهذا أمر لا شك فيه

стр. 179

الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا، وَبَيْنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا مَجَالٌ فَيَجُوزُ: النَّقْلُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَحْفَظَ الرَّاوِي اللَّفْظَ أَمْ لَا، فَإِنْ حَفِظَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِ رسول الله ﷺ مِنَ الْفَصَاحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظِ اللَّفْظَ جَازَ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ، فَتَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: أَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي فَيَجُوزُ رِوَايَتُهَا بِالْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ" ١ وروى أنه نهى بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ٢، وَقَوْلِهِ: ﷺ : "اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ" ٣، وَرُوِيَ أَنَّهُ "أمر بقتل الأسودين في الصلاة"٤؛ قال: هَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ افْعَلْ أَمْرٌ وَلَا تَفْعَلْ نَهْيٌ فَيَتَخَيَّرُ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا. "وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ خَفِيُّ الْمَعْنَى مُحْتَمَلًا كَقَوْلِهِ: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" ٥* وَجَبَ نَقْلُهُ بِلَفْظِهِ وَلَا يعبر عنه بغيره.

стр. 180

الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَغَيْرِهِ فَتَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمَجَازِ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ. الْمَذْهَبُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُودَعًا فِي جُمْلَةٍ لَا يَفْهَمُهُ الْعَامِّيُّ إِلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ فَلَا يَجُوزُ رِوَايَتُهُ إِلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ بِلَفْظِهَا، كَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ. الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُورِدَهُ عَلَى قَصْدِ الِاحْتِجَاجِ وَالْفُتْيَا أَوْ يُورِدَهُ لِقَصْدِ الرِّوَايَةِ "فَتَجُوزُ"* الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ. وَيَتَخَرَّجُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الأُوَل مَذَاهِبُ غَيْرُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ. الْحَالُ الثالثة: أَنْ يَحْذِفَ الرَّاوِي بَعْضَ لَفْظِ الْخَبَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ الْمَحْذُوفُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْذُوفِ مِنْهُ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا لَمْ يَجُزْ بالاتفاق. حكاه الصفي الهندي وابن الأبياري فَالتَّعَلُّقُ اللَّفْظِيُّ كَالتَّقْيِيدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ وَالتَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ كَالْخَاصِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّ وَالْمُقَيَّدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُطْلَقِ وَالْمُبَيَّنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْمَلِ وَالنَّاسِخِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَنْسُوخِ، وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا الْمَحْكِيِّ مِنَ الِاتِّفَاقِ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي اللُّمَعِ وَالْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ مِنَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَمْ لَا، وَفِي هَذَا ضَعْفٌ. فَإِنَّ تَرْكَ الرَّاوِي لِمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا رَوَاهُ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا خِيَانَةٌ فِي الرِّوَايَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: إِنْ كَانَ قَدْ نَقَلَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مَرَّةً بِتَمَامِهِ جَازَ أَنْ يَنْقُلَ الْبَعْضَ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ، كَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"١ وَالشَّيْخُ الشِّيرَازِيُّ في "اللمع"٢

стр. 181

ثَانِيهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَى الرَّاوِي التُّهْمَةُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا كَانَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الرَّاوِي وَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ فَإِنْ كَانَ الرَّاوِي فَقِيهًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ لَمْ يَجُزْ. قَالَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ. وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْخَبَرُ مَشْهُورًا بِتَمَامِهِ جَازَ الِاقْتِصَارُ مِنَ الرَّاوِي عَلَى الْبَعْضِ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ لِأَبِي إِسْحَاقَ. وَخَامِسُهَا: الْمَنْعُ مُطْلَقًا. وَسَادِسُهَا: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ حُكْمًا مُتَمَيِّزًا عما قبله والسامع فقيه عالم بوجه التميز* فَيَجُوزُ الْحَذْفُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُسْتَقِلًّا بِمَفْهُومِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ١ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رِوَايَةِ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَتْرُوكِ يُوجِبُ خِلَافَ ظَاهِرِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْأُضْحِيَّةِ لِمَنْ قَالَ لَهُ لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا جَذَعَةٌ مِنَ الْمَعْزِ فَقَالَ: "تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ" ٢ فَلَا يَجُوزُ الْحَذْفُ لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ تُجْزِئُكَ لَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ. هَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وأنت خبير بأن كثيرًا من "الصحابة و"** التابعين وَالْمُحَدِّثِينَ يَقْتَصِرُونَ عَلَى رِوَايَةِ بَعْضِ الْخَبَرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى رِوَايَةِ بَعْضِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَحَادِيثِ الطَّوِيلَةِ كَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَهُمْ قُدْوَةٌ لِمَنْ بعدهم

стр. 182

فِي الرِّوَايَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَلْزِمَ ذلك الاقتصاد على البعض مفسدة. الحال الرابع: أَنْ يَزِيدَ الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ لِلْخَبَرِ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ كَانَ مَا زَادَهُ يَتَضَمَّنُ بَيَانَ سَبَبِ الْحَدِيثِ أَوْ تَفْسِيرَ مَعْنَاهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُبَيِّنَ مَا زَادَهُ حَتَّى يَفْهَمَ السَّامِعُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي. قَالَ الْمَارَوْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: يَجُوزُ مِنَ الصَّحَابِيِّ زِيَادَةُ بَيَانِ السَّبَبِ لِكَوْنِهِ مُشَاهِدًا لِلْحَالِ وَلَا يَجُوزُ مِنَ التَّابِعِيِّ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْمَعْنَى: فَيَجُوزُ مِنْهُمَا، وَلَا وَجْهَ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْحَدِيثِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِشَرْطِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ وَبَيْنَ التَّفْسِيرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ بِمَا يَفْهَمُهُ السَّامِعُ. الْحَالُ الخامس: إِذَا كَانَ الْخَبَرُ مُحْتَمِلًا لِمَعْنَيَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ فَاقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى تَفْسِيرِهِ بِأَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصِرُ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ هُوَ الصَّحَابِيَّ كَانَ تَفْسِيرُهُ كَالْبَيَانِ لِمَا هُوَ الْمُرَادُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصِرُ غَيْرَ صَحَابِيٍّ وَلَمْ يَقَعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُرَادُ فَلَا يُصَارُ إِلَى تَفْسِيرِهِ، بَلْ يَكُونُ لِهَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ حُكْمٌ هُوَ الْمُرَادُ الْمُشْتَرَكُ أَوِ الْمُجْمَلُ فَيَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى وُرُودِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ، والظاهر أن النبي ﷺ لَا يَنْطِقُ بِمَا يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ وَيُخَلِّيهِ عَنْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ بِحَيْثُ لَا يَفْهَمُ الرَّاوِي لِذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا أَرَادَهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ بِمَا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَعْنَى الْمُرَادُ، فَقَدْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ ﷺ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ فَكَيْفَ لَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْجُوَيْنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا ذَكَرَ خَبَرًا وَأَوَّلَهُ وَذَكَرَ الْمُرَادَ مِنْهُ فَذَلِكَ مَقْبُولٌ، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: إِنَّمَا أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا أَوَّلَ الصَّحَابِيُّ أَوْ خَصَّصَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ دَلِيلٍ وَإِلَّا فَالتَّأْوِيلُ الْمُعْتَضِدُ بِالدَّلِيلِ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ؛ لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلدَّلِيلِ لَا اتِّبَاعٌ لذلك التأويل. الحال السادس: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ ظَاهِرًا فِي شَيْءٍ فَيَحْمِلُهُ الرَّاوِي مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ إِمَّا بِصَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ "إِلَى مَجَازِهِ"*، أَوْ بِأَنْ يَصْرِفَهُ عَنِ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ أَوْ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى الْكَرَاهَةِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يُفِيدُ صَرْفَهُ عَنِ الظَّاهِرِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ وَلَا يُصَارُ إِلَى خِلَافِهِ لِمُجَرَّدِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْ فعله. وهذا هو الحق لأنا

стр. 183

مُتَعَبِّدُونَ بِرِوَايَتِهِ لَا بِرَأْيِهِ كَمَا تَقَدَّمَ١. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرُ بِمُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ . وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُهُ "على"* على ذلك عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ اجْتِهَادًا مِنْهُ، وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا هِيَ رِوَايَتُهُ لَا فِي رَأْيِهِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ "عَلَى ذَلِكَ"** وَهْمًا مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرَى إِلَّا بِشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ وَالْقَرَائِنِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ كَانَ الْعَمَلُ بِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا، وَإِنْ كَانَ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِضَرْبٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ، كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى الظَّاهِرِ مُتَعَيِّنًا لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ اجْتِهَادُهُ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا يَتْرُكُ الظَّاهِرَ بِالْمُحْتَمَلِ. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ مَسَارِحِ الِاجْتِهَادِ قَدْ يَكُونُ وَهْمًا، فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ عَلَى الْغَلَطِ، بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ عَمِلَ بِمَا يَقْتَضِيهِ كلام الشارع، فكان "الحمل"*** عَلَيْهِ أَرْجَحَ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ سِوَى عِلْمِهِ بِقَصْدِ النبي ﷺ لِذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ جُوِّزَ فَقَدْ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَهَذَا مُسَلَّمٌ إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا إِذَا تَرَكَ الصَّحَابِيُّ الْعَمَلَ بِمَا رَوَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ قَدَّمْنَا٢ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى مَدْلُولِ الْخَبَرِ وَلَا وَجْهَ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ "يُحْتَمَلُ أَنَّهُ"**** قَدِ اطَّلَعَ عَلَى نَاسِخٍ لِذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ لِأَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِمُجَرَّدِ هذا الاحتمال وأيضًا "ربما"***** ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك

стр. 184

في ألفاظ الرواية مدخل ... فصل: في ألفاظ الرواية اعلم أن الصحابي إِذَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ حَدَّثَنِي، فَذَلِكَ لَا يحتمل

стр. 185

الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما كان مرويًّا بهذه الألفاظ "أو مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا"١ كَشَافَهَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا إِذَا جَاءَ الصَّحَابِيُّ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا أَوْ أَمَرَ بِكَذَا أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا أَوْ قَضَى بِكَذَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاوِي مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ مِنْ كِبَارِهِمْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ رَوَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ ثَمَّ وَاسِطَةً فَمَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْحَقُّ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ حَتَّى يَنْقُلَ لَفْظَ الرَّسُولِ وَلَا حُجَّةَ لِهَذَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابِيَّ عَدْلٌ عَارِفٌ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ دَاوُدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَإِنْ قَالَ الصَّحَابِيُّ أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا بِصِيغَةِ "الْفِعْلِ"٢ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْآمِرَ وَالنَّاهِيَ هُوَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ٣ وَالْجُوَيْنِيُّ وَالْكَرْخِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ أَوِ النَّاهِي بعض الخلفاء "أو"٤ الأمراء. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ بَعِيدٌ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ الظُّهُورُ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ الْوَقْفُ وَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَظُهُورَ وَجْهٍ يَدْفَعُ الْوَقْفَ إِذْ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ تَعَادُلِ الْأَدِلَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَعَدَمِ وِجْدَانِ مُرَجِّحٍ لِأَحَدِهِمَا. وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي "جَامِعِ الْأُصُولِ"٥ قَوْلًا رَابِعًا، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يكون قائل ذلك

стр. 186

هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَيَكُونُ مَا رَوَاهُ بهذه الصيغة حُجَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ غَيْرَهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ لِمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ ضعف احتمال كون الآمر "أو"١ الناهي غَيْرَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي "شَرْحِ الْإِلْمَامِ"٢ قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ قَائِلِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَيَكُونُ حُجَّةً وَبَيْنَ كَوْنِ قَائِلِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً ولا وجه لهذا أيضًا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحَابِيَّ إِنَّمَا يُورِدُ ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاحْتِجَاجِ وَالتَّبْلِيغِ لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا التَّكْلِيفُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ وَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَيُرِيدَ غَيْرَ رَسُولِ الله ﷺ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ الصَّحَابِيُّ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ لَهَا حُكْمَ الرَّفْعِ وَبِهَا تَقُومُ الْحُجَّةُ. وَمِثْلُ هَذَا إِذَا قَالَ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ إِلَّا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى ابْنُ فَوْرِكٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظَّاهِرِ وَإِنْ جَازَ خِلَافُهُ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى سُنَّةِ الْبَلَدِ وَسُنَّةِ الْأَئِمَّةِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ وَالْمَقَامُ مَقَامُ تَبْلِيغٍ لِلشَّرِيعَةِ إِلَى الْأُمَّةِ لِيَعْمَلُوا بِهَا. فَكَيْفَ يَرْتَكِبُ مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ؟ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْمُتَلَقِّيَ مِنَ الْقِيَاسِ قَدْ يُقَالُ إِنَّهُ سُنَّةٌ لِاسْتِنَادِهِ إِلَى الشَّرْعِ، وَحَكَى هَذَا الْجُوَيْنِيُّ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ السُّنَّةِ عَلَى مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِيَاسِ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْوَقْفَ وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَأَمَّا التَّابِعِيُّ إِذَا قَالَ مِنَ السُّنَّةِ كَذَا فَلَهُ حُكْمُ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ هَذَا أَرْجَحُ مَا يُقَالُ فِيهِ وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ "أَرَادَ"٣ مَذَاهِبَ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ العمل في عصرهم خلاف الظاهر، فإن

стр. 187

إِطْلَاقَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ وَتَبْلِيغَهُ إِلَى النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّةَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِذَا أَطْلَقَ الصَّحَابِيُّ السُّنَّةَ فَالْمُرَادُ بِهِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وكذلك إذا أطلقها غَيْرُهُ مَا لَمْ تُضَفْ إِلَى صَاحِبِهَا كَقَوْلِهِمْ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: كُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَأَطْلَقَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَوَجَّهَ أَنَّهُ نَقْلٌ لِفِعْلِ جَمَاعَتِهِمْ مَعَ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكُونُ الْحُجَّةُ فِي التَّقْرِيرِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حُكْمِ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فَلَا، فَقَدْ يُضَافُ فِعْلُ الْبَعْضِ إِلَى الْكُلِّ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ قَبِلَهُ أَبُو الْفَرَجِ١ مِنْ أَصْحَابِنَا وَرَدَّهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ٢ وَالْوَجْهُ التفصيل بين أن يكون شرعًا "مستقرًا"٣ كَقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: كُنَّا نُخْرِجُ صَدَقَةَ عِيدِ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. الْحَدِيثَ٤، فَمِثْلُ هَذَا يَسْتَحِيلُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ ﷺ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ خَفَاؤُهُ فَلَا يَقْبَلُ كَقَوْلِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عهد رسول الله ﷺ حَتَّى رَوَى لَنَا بَعْضُ عُمُومَتِي أَنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ٥ وَرَجَّحَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَقِيلَ إِنَّ "ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ"٦ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ حُمِلَ عَلَى الرَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: كَانُوا يَفْعَلُونَ أَوْ كُنَّا نَفْعَلُ وَلَا يَقُولُ على عهد النبي ﷺ فَلَا تَقُومُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ إِلَى تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا هُوَ حِكَايَةٌ لِلْإِجْمَاعِ، "وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِذَا قَالَ التَّابِعِيُّ: كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَا حَجَّةَ فِيهِ، إِلَّا أن يصرح بنقل الإجماع"٧.

стр. 188

وَ أَمَّا أَلْفَاظُ الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: فَلَهَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: أَنْ يَسْمَعَ الْحَدِيثَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْغَايَةُ فِي التَّحَمُّلِ لِأَنَّهَا طَرِيقَةُ رسول الله ﷺ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يَسْمَعُونَ وَهِيَ أَبْعَدُ مِنَ الْخَطَأِ وَالسَّهْوِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ قِرَاءَةَ التِّلْمِيذِ عَلَى الشَّيْخِ أَقْوَى مِنْ قِرَاءَةِ الشَّيْخِ عَلَى التِّلْمِيذِ لِأَنَّهُ إِذَا قَرَأَ التِّلْمِيذُ عَلَى الشَّيْخِ كَانْتِ الْمُحَافَظَةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَإِذَا قَرَأَ الشَّيْخُ كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ مِنْهُ وَحْدَهُ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ فَالْمُحَافَظَةُ فِي الطريقين كائنة من الجهتين، قال الماوردي والرويان: ي وَيَصِحُّ تَحَمُّلُ التِّلْمِيذِ عَنِ الشَّيْخِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ عَنْ قَصْدٍ أَوِ اتِّفَاقًا أَوْ مُذَاكَرَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ أَعْمَى "يُمْلِي مِنْ"* حِفْظِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصَمَّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التِّلْمِيذُ أَعْمَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أصمَّ، وَكَمَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنْ حِفْظِ الشَّيْخِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كِتَابِهِ إِذَا كَانَ وَاثِقًا بِهِ ذَاكِرًا لِوَقْتِ سَمَاعِهِ لَهُ. وَرُوِيَ عن أبي حنيفة ﵀ أنه لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَلَا وَجْهَ لذلك فإن يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ فَائِدَةِ الْكِتَابِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ مِنَ الْكِتَابِ الصَّحِيحِ الْمَسْمُوعِ أَثْبَتَ مِنَ الرِّوَايَةِ مِنَ الْحِفْظِ لِأَنَّ الْحِفْظَ مَظَنَّةُ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ. وَلِلتِّلْمِيذِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى الْمَرَاتِبِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي وَأَسْمَعَنِي وَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَسْمَعَنَا، إِذَا كَانَ الشَّيْخُ قَاصِدًا لِإِسْمَاعِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ. المرتبة الثانية: أَنْ يَقْرَأَ التِّلْمِيذُ وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يسمعون هَذَا عَرْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ التِّلْمِيذَ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الشَّيْخِ. كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا يَقْرَؤُهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ وَرِوَايَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَشَرْطُ صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ عَالِمًا بِمَا يَقْرَؤُهُ التِّلْمِيذُ عَلَيْهِ وَلَوْ فُرِضَ مِنْهُ تَصْحِيفٌ أَوْ تَحْرِيفٌ لَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَإِلَّا لَمْ "تَصِحَّ"** الرِّوَايَةُ عَنْهُ. قَالَ: وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ شَيْخٍ يَسْمَعُ أَصْوَاتًا وَأَجْرَاسًا وَلَا يَأْمَنُ تَدْلِيسًا وَإِلْبَاسًا وَبَيْنَ شَيْخٍ لَا يَسْمَعُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ

стр. 189

قَالَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الإمام لم أره في كلام القاضي، فإنه صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّحَمُّلُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ. وَتَصِحُّ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَمَّنْ لَمْ يَعْلَمُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا فِيمَا أَظُنُّ إِجْمَاعٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ لَا وَفِي الْحَدِيثِ: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" ١. وَلَوْ شَرَطْنَا عِلْمَ الرَّاوِي بِمَعْنَى الْحَدِيثِ لَشَرَطْنَا معرفة جميع وجوهه وينسد بذلك باب "الحديث"*. قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِجَوَازِ الْإِجَازَةِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ الْمُجِيزُ غَيْرَ مُحِيطٍ بِجُمْلَةِ مَا فِي الْكِتَابِ الْمُجَازِ، وَقَدْ وَافَقَ الْجُوَيْنِيُّ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَالْمَازِرِيُّ. وَيَقُولُ التِّلْمِيذُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي بِدُونِ "تقييد"** تقييده بِقَوْلِهِ: قِرَاءَةً عَلَيْهِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ٢ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى٣، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالنَّسَائِيُّ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْخَ هُوَ الَّذِي قَرَأَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ٤ وَمَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ٥ وَيَحْيَى بن سعيد القطان،

стр. 190

وَالْبُخَارِيُّ إِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ كَالْقِرَاءَةِ مِنْهُ وَنَقَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ صَاحِبِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنَا وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا. قَالَ الرَّبِيعُ١: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا قَرَأْتَ عَلَى الْعَالِمِ فَقُلْ: أَخْبَرَنَا. وَإِذَا قَرَأَ عَلَيْكَ فَقُلْ: حَدَّثَنَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ بِاصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْآخَرِ وَالِاحْتِجَاجُ لَهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ لُغَوِيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: بَيْنَ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي فَرْقٌ لِأَنَّ أَخْبَرَنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ وَحَدَّثَنِي لَا يَحْتَمِلُ "غَيْرَ"* السَّمَاعِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الْكِتَابَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْإِجَازَةِ نَحْوَ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إِلَى التِّلْمِيذِ سَمِعْتُ مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَقَدْ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَهُ عَنِّي وَكَانَ خَطُّ الشَّيْخِ مَعْرُوفًا، فَإِنْ تَجَرَّدَتِ الْكِتَابَةُ عَنِ الْإِجَازَةِ فَقَدْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنَّهَا أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْإِجَازَةِ. وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: إِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ قَالَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْلِغُ بِالْكِتَابَةِ "لِلْغَائِبِينَ"** كَمَا يُبْلِغُ بِالْخِطَابِ للحاضرين. وكان ﷺ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ تَارَةً وَيُرْسِلُ أُخْرَى. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَدْخَلِ"٢: الْآثَارُ فِي هَذَا كثيرة مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَفِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ "إِلَى عُمَّالِهِ بِالْأَحْكَامِ"*** شَاهِدَةً لِقَوْلِهِ، قَالَ: إِلَّا أَنَّ مَا سَمِعَهُ مِنَ الشَّيْخِ فَوَعَاهُ "أَوْ قُرِئَ"**** عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِهِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مما كتب به إليه،

стр. 191

لِمَا يُخَافُ عَلَى الْكِتَابِ مِنَ التَّغْيِيرِ. وَكَيْفِيَّةُ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: كَتَبَ إِلَيَّ، أَوْ أَخْبَرَنِي كِتَابَةً، فَإِنْ كَانَ "الْكَاتِبُ"* قَدْ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي كِتَابِهِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا، وَجَوَّزَ الرَّازِيُّ أَنْ يَقُولَ التِّلْمِيذُ أَخْبَرَنِي مُجَرَّدًا عَنْ قَوْلِهِ كِتَابَةً. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ كِتَابَةً فَيَنْبَغِي أَنَّ يَكُونَ هَذَا أَدَبًا. لِأَنَّ الْقَوْلَ إِذَا كَانَ مُطَابِقًا جَازَ إِطْلَاقُهُ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَجَوَّزَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ١ إِطْلَاقَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ وَغَيْرِهِمْ جَوَازُ الرِّوَايَةِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابَةِ، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا وَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمُسْنَدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَوُثُوقِهِ بِأَنَّهَا عَنْ كَاتِبِهَا، وَمَنَعَ قَوْمٌ مِنَ الرِّوَايَةِ بِهَا، مِنْهُمُ الْمَازِرِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَمِمَّنْ نَقَلَ إِنْكَارَ قَبُولِهَا الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ٢ وَالْآمِدِيُّ. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْمُنَاوَلَةُ وَهُوَ أَنْ يُنَاوِلَ الشَّيْخُ تِلْمِيذَهُ صَحِيفَةً، وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: " الْوَجْهُ "** الْأَوَّلُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْإِجَازَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعًا مُقَابِلًا عَلَيْهِ وَيَقُولُ هَذَا سَمَاعِيٌّ فَارْوِهِ عَنِّي، أَوْ يَأْتِيَ التِّلْمِيذُ إِلَى الشَّيْخِ بِجُزْءٍ فِيهِ سَمَاعُهُ فَيَعْرِضُهُ عَلَى الشَّيْخِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ هُوَ مِنْ مَرْوِيَّاتِي فَارْوِهِ عَنِّي. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي "الْإِلْمَاعِ"٣: إِنَّهَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ "فِيهِ"***. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَلَا نَقُولُ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا فِي كل حديث.

стр. 192

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ١ وَمَالِكٍ: أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةَ الْمُقْتَرِنَةَ بِالْإِجَازَةِ كَالسَّمَاعِ وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ٢. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَقْتَرِنَ بِالْإِجَازَةِ. بَلْ يُنَاوِلُهُ الْكِتَابَ وَيَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا سَمَاعِي مِنْ فُلَانٍ وَلَا يَقُولُ: ارْوِهِ عَنِّي، فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ: لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا الرِّوَايَةَ بِهَا وَبِهِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّازِيُّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ لِلْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النبي ﷺ ، حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ "مَكَانَ" * كَذَا وَكَذَا"، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وأخبرهم بأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ٤: لَا مَعْنَى لِإِفْرَادِ الْمُنَاوَلَةِ حَتَّى يَقُولَ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجَازَةِ. المرتبة الخامسة: الإجازة "وهي"** أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ، أَوْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ هَذِهِ الْكُتُبَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بها ومنع ذلك الجماعة.

стр. 193

قَالَ شُعْبَةُ١: لَوْ صَحَّتِ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتِ الرِّحْلَةُ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ٢ لَوْ صَحَّتِ الْإِجَازَةُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ. وَمِنَ الْمَانِعِينَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ٣، وَأَبُو الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيُّ٤، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ٥ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ علي. ويجاب عمن قَالَ هَؤُلَاءِ الْمَانِعُونَ: بِأَنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الرِّحْلَةِ، وَأَيْضًا الْمُرَادُ مِنَ الرِّحْلَةِ تَحْصِيلُ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِالْإِجَازَةِ وَلَا تَسْتَلْزِمُ ذَهَابَ الْعِلْمِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ مَنْ رَوَى بِالْإِجَازَةِ تَرَكَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا مِنْ طُرُقِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ السَّمَاعِ وَالْكُلُّ طُرُقٌ لِلرِّوَايَةِ وَالْعِلْمُ مَحْفُوظٌ غَيْرُ ذَاهِبٍ بِتَرْكِ مَا هُوَ الْأَقْوَى. وَأَمَّا قَوْلُ الدَّبَّاسِ: إِنَّ الْإِجَازَةَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشَّيْخِ لِتِلْمِيذِهِ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ فَهَذَا خُلْفٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَبَاطِلٌ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَحْصِيلِ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ هُوَ حُصُولُ الثِّقَةِ بِالْخَبَرِ وَهِيَ هُنَا حَاصِلَةٌ وَإِذَا تَحَقَّقَ سَمَاعُ الشَّيْخِ وَتَحَقَّقَ إِذْنُهُ لِلتِّلْمِيذِ بِالرِّوَايَةِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْإِسْنَادِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّرِيقِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلرِّوَايَةِ "جملة، وبين الطريق المقتضية

стр. 194

لِلرِّوَايَةِ"* تَفْصِيلًا فِي اتِّصَافِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِأَنَّهَا طَرِيقٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ إِنَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ لِلتِّلْمِيذِ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِجَازَةِ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِ ذَلِكَ إِجَازَةً فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ إِلَّا بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي إِجَازَةً أَوْ أَخْبَرَنِي إِجَازَةً. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَأَجْوَدُ الْعِبَارَاتِ فِي الْإِجَازَةِ أَنْ يَقُولَ أَجَازَ لَنَا "قِيلَ"**: ويجوز أَنْ يَقُولَ أَنْبَأَنِي بِالِاتِّفَاقِ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ عَلَى أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُجِيزَ فِي مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَوْ لَكُمْ رِوَايَةَ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ عَنِّي؛ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَعْلَى "أَنْوَاعِ"*** الْإِجَازَةِ. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُجِيزَ "لِمُعَيَّنٍ"**** فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي، فَجَوَّزَ هَذَا الْجُمْهُورُ وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْجُوَيْنِيُّ. النَّوْعُ الثالث: أن يجيز غير معين بغير مُعَيَّنٍ "لِغَيْرِ"***** مُعَيَّنٍ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِمَنْ أَدْرَكَ حَيَاتِي، جَمِيعَ مَرْوِيَّاتِي، وَقَدْ جَوَّزَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْخَطِيبُ وَأَبُو الطيب الطبري، ومنعه آخرون وهذا فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَجَازُ لَهُ أَهْلًا لِلرِّوَايَةِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا كَالصَّبِيِّ فَجَوَّزَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ. وَاحْتَجَّ الْخَطِيبُ لِلْجَوَازِ: بِأَنَّ الْإِجَازَةَ إِبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ أن يرو ي عَنْهُ، وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ بِأَنْ لَا يَرْوِيَ مَنْ لَيْسَ بِمُتَأَهِّلٍ لِلرِّوَايَةِ إِلَّا بعد أن يصير متأهلًا لها.

стр. 195

فصل: الحديث الصحيح والمرسل الصَّحِيحُ مِنَ الْحَدِيثِ: هُوَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ قَادِحَةٍ. فَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْمُرْسَلُ، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ التَّابِعِيُّ.

стр. 196

الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَيَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا اصْطِلَاحُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ الْأُصُولِ فَقَالُوا: الْمُرْسَلُ، قَوْلُ مَنْ لم يلق النبي ﷺ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ. وَإِطْلَاقُ الْمُرْسَلِ على هذا وإن كان اصطلاحا، ً وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ لَكِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ الْمُرْسَلُ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ضَعْفِهِ، وَعَدَمِ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّابِعِيُّ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ الْوَاسِطَةَ صَحَابِيٌّ لَا غَيْرَ حَتَّى يُقَالَ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ فَلَا يَضُرُّ حَذْفُ الصَّحَابِيِّ، وَأَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُدَّعٍ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَلَمْ تَصِحَّ صُحْبَتُهُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ إِلَى قَبُولِهِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِ الْمُرْسَلِ: إِنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْمُسْنَدِ لِثِقَةِ التَّابِعِيِّ بِصِحَّتِهِ وَلِهَذَا أَرْسَلَهُ وَهَذَا غُلُوٌّ خَارِجٌ عَنِ الْإِنْصَافِ. وَالْحَقُّ عَدَمُ الْقَبُولِ لِمَا "ذَكَرْنَا"* مِنَ الِاحْتِمَالِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَفَصَلَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ، فَقَبِلَ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ وَلَعَلَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الذين يلونهم ثم يفشو الكذب" ١، وقيل هذا من قال به بأن يكون "ذلك"** الرَّاوِي مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ "فِي"*** أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْمُرْسَلِ إِذَا كَانَ مُرْسَلُهُ غَيْرَ مُحْتَرِزٍ، يُرْسَلُ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ، قَالَ: وَهَذَا الِاسْمُ وَاقِعٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى حَدِيثِ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ٢ أَوْ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سهل بن حنيف٣، أو

стр. 197

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ١ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَلِكَ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ٢ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ٣ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ٤ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ٥ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ وَكَذَلِكَ عَلْقَمَةُ٦ وَمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ٧ والحسن٨ وابن سيرين والشعبي٩

стр. 198

وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ١ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمُ الَّذِينَ صَحَّ لَهُمْ لِقَاءُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمُجَالَسَتُهُمْ وَنَحْوُهُ مُرْسَلُ مَنْ دُونَهُمْ كَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ٢، وَأَبِي حَازِمٍ٣، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ٤ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فَيُسَمَّى مُرْسَلًا، كَمُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَالَ آخَرُونَ: حَدِيثُ هَؤُلَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُسَمَّى مُنْقَطِعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْقَوْا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَأَكْثَرُ رِوَايَتِهِمْ عَنِ التَّابِعِينَ انْتَهَى. وَفِي هَذَا التَّمْثِيلِ نَظَرٌ فَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مَعْدُودَانِ فِي الصَّحَابَةِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: إِنَّ الزُّهْرِيَّ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لَمْ يَلْقَوْا إِلَّا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَقَدْ لَقِيَ الزُّهْرِيُّ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا، وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ يَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا يَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءً، قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: مَرَاسِيلُ الثِّقَاتِ مَقْبُولَةٌ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ مَنْ أَسْنَدَ لَكَ فَقَدْ أَحَالَكَ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْ سَمَّاهُ لَكَ وَمَنْ أَرْسَلَ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَدِيثًا مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَثِقَتِهِ فَقَدْ قَطَعَ لَكَ بِصِحَّتِهِ. قَالَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ فَعَلُوا الْأَمْرَيْنِ قَالَ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ٥ وأبو بكر الأبهري وهو قول أبي جعفر الطبري، وزعم

стр. 199

الطَّبَرِيُّ أَنَّ التَّابِعِينَ بِأَسْرِهِمْ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُمْ إِنْكَارُهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ إِلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ انتهى. ويجاب عن قوله من أرسل مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَثِقَتِهِ فَقَدْ قَطَعَ لَكَ بِصِحَّتِهِ إِنَّ الثِّقَةَ قَدْ يَظُنُّ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ ثِقَةً عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَيَعْلَمُ غَيْرُهُ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْدَحُ فِيهِ وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ وَيُجَابُ عَنْ قَوْلِ الطَّبَرِيِّ إِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ إِلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ "صَحِيحِهِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مُرْسَلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ ثِقَةً مُحْتَجًّا بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبِمَا نَقَلَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قِيلَ سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ عَنْهُمْ وَإِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ. وَنَقَلَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ١: أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَنْ إِمَامِ التَّابِعِينَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْخَطِيبُ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ إِرْسَالَ الْحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ بِتَدْلِيسٍ هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ كَرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ٢ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ٣ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ قِيلَ: هُوَ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَ الْمُرْسَلُ ثِقَةً عَدْلًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ. وَاخْتَلَفَ مُسْقِطُو الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الصَّحَابَةِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولم يسمعه

стр. 200

مِنْهُ، كَقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ذُكِرَ لِي أن النبي ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" الْحَدِيثَ١، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ: لَا نَشُكُّ فِي عَدَالَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَرْوِي الرَّاوِي عن تابعي أو عن أعرابي لاتعرف صُحْبَتَهُ وَلَوْ قَالَ: لَا أَرْوِي لَكُمْ إِلَّا مِنْ سَمَاعِي أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ لَوَجَبَ عَلَيْنَا قَبُولُ مُرْسَلِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ مَقْبُولَةٌ، لِكَوْنِ جَمِيعِهِمْ عُدُولًا، وَأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَا أَرْسَلُوهُ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا مَا رَوَوْهُ عَنِ التَّابِعِينَ فَقَدْ بَيَّنُوهُ، وَهُوَ أَيْضًا قَلِيلٌ نَادِرٌ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ثُمَّ رَجَّحَ عَدَمَ قَبُولِ مَرَاسِيلِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: وَالَّذِي نَخْتَارُهُ سُقُوطُ فَرْضِ اللَّهِ بِالْمُرْسَلِ بِجَهَالَةِ رَاوِيهِ وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ الْخَبَرِ إِلَّا عَمَّنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ وَلَوْ قَالَ المرسِل: حَدَّثَنِيَ الْعَدْلُ الثِّقَةُ عِنْدِي بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَذْكُرَ اسمه.

стр. 201

حكم الحديث المنقطع والمعضل: مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِالْحَدِيثِ الْمُنْقَطِعِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ وَاحِدٌ مِمَّنْ دُونَ الصَّحَابَةِ وَلَا بِالْمُعْضِلِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ اثْنَانِ وَلَا بِمَا سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ أَكْثَرُ مِنَ اثْنَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ السَّاقِطُ أَوِ السَّاقِطَانِ أَوِ السَّاقِطُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ غَيْرَ ثِقَاتٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِ الرَّاوِي لِمَا هَذَا حال ثِقَةً مُتَثَبِّتًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ حَالِ مَنْ يَظُنُّهُ ثِقَةً مَا هُوَ جُرِّحَ فِيهِ. وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ أَيْضًا بِحَدِيثٍ يَقُولُ فِيهِ بَعْضُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ: عَنْ رَجُلٍ، أَوْ عَنْ شَيْخٍ، أَوْ عَنْ ثِقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفَنِّ لَا يعرف ما يجب اعتباره.

стр. 202

فصل: طرق ثبوت العدالة مدخل ... فصل: طرق ثبوت الْعَدَالَةِ وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا، وَأَقْوَى الطُّرُقِ الْمُفِيدَةِ لِثُبُوتِهَا: الِاخْتِبَارُ في الأحوال بطول الصحابة وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ "عَلَى"* فِعْلِ كَبِيرَةٍ، وَلَا عَلَى مَا يَقْتَضِي التَّهَاوُنَ بالدين والتساهل في الرواية،

стр. 203

فَهُوَ ثِقَةٌ، وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ التَّزْكِيَةُ، وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِخَبَرِ عَدْلَيْنِ مَعَ ذِكْرِ السَّبَبِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ أَوْ بِدُونِ ذِكْرِهِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِهِ، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ عَدْلٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ "هُوَ"* عَدْلٌ رَضِيٌّ، وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَى مَا يُفِيدُ مُفَادَ أَحَدِهِمَا يَكْفِي عِنْدَ مَنْ يَقْبَلُ الْإِجْمَالَ، وَأَمَّا التَّعْدِيلُ مِنْ وَاحِدٍ فَقَطْ، فَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ الْأَبْيَارِيُّ: وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ. قَالَ الْقَاضِي: وَالَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ وُجُوبَ قَبُولِ كُلِّ عَدْلٍ مَرْضِيٍّ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، شَاهِدًا أَوْ مُخْبِرًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ اثْنَانِ، وَيَكْفِي فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدٌ كَمَا يَكْفِي فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ كَمَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي جَرْحِ رُوَاتِهِ وَلَا فِي تَعْدِيلِهِمْ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْصُولِ قَبُولَ تَزْكِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ النِّسَاءُ فِي التَّعْدِيلِ لَا فِي الشَّهَادَةِ وَلَا فِي الرِّوَايَةِ ثم اختار قبول "قولها"** لها فِيهِمَا كَمَا "تُقْبَلُ"***رِوَايَتُهَا وَشَهَادَتُهَا انْتَهَى. وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا بِكَوْنِهَا مِمَّنْ "يَتَمَكَّنُ"**** من اختيار أَحْوَالِ مَنْ زَكَّتْهُ، كَأَنْ تَكُونَ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهَا مُصَاحَبَتُهُ وَالِاطِّلَاعُ عَلَى أَحْوَالِهِ أَوْ يَكُونَ الذي وقعت تزيكة المرأة له "امْرَأَةً"***** مِثْلَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا سُؤَالُهُ ﷺ لِلْجَارِيَةِ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ عَنْ حَالِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ١. وَقَدْ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ بِأَنْ يحكم حاكم بشاهدته، كَذَا قَالَ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُمَا، قَالَ الْقَاضِيَ: وَهُوَ أَقْوَى مِنْ تَزْكِيَتِهِ بِاللَّفْظِ. وحكى الصفي الهندي الاتفاق على هذا،

стр. 204

قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِ إِلَّا وَهُوَ عَدْلٌ عِنْدَهُ، وَقَيَّدَهُ الْآمِدِيُّ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ الْفَاسِقِ الَّذِي لَا يَكْذِبُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا إِذَا مَنَعْنَا حُكْمَ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ أَمَّا إِذَا أجزناه فعمله بِالشَّهَادَةِ ظَاهِرًا يَقُومُ مَعَهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ حَكَمَ بِعِلْمِهِ بَاطِنًا. وَمِنْ طُرُقِ التَّزْكِيَةِ الِاسْتِفَاضَةُ فِيمَنِ اشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْفِي. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْخَطِيبُ "وَنَقَلَهُ عَنْ"* مَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ١، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ٢ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ إِنَّمَا يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّزْكِيَةِ مَتَى لَمْ يَكُونَا مشهورين بالعدالة "الرضا"** وكأن أمرهما متشكلًا مُلْتَبِسًا، وَصَرَّحَ بِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ أَقْوَى مِنْ "تَزْكِيَةِ"*** الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفُ الْعِنَايَةِ بِهِ، فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ فِي أَمْرِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ جرحه لقوله ﷺ : "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ" ٣، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي "ضُعَفَائِهِ"٤ مِنْ جِهَةِ ابْنِ رِفَاعَةَ السَّلَامِيِّ٥ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن العذري٦ وقال: لا

стр. 205

يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضِلٌ ضَعِيفٌ وَإِبْرَاهِيمُ قَالَ فِيهِ الْقَطَّانُ لَا نَعْرِفُهُ أَلْبَتَّةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ غَيْرِ هَذَا وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ "الْعِلَلِ"١: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. فَقِيلَ لَهُ: تَرَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ؟ فَقَالَ: لَا هُوَ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ. وَمِنْ طُرُقِ التَّزْكِيَةِ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الرَّاوِي حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَ فِيهِ الْآمِدِيُّ الِاتِّفَاقَ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"* وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعْدِيلٌ له. والثاني: أن لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ. وَالثَّالِثُ: قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَوَافَقَ "عَمُلُهُ"** الْخَبَرَ الَّذِي رَوَاهُ فَعَمِلَهُ لَيْسَ بِتَعْدِيلٍ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْكِنَ تَجْوِيزُ أَنَّهُ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَهُوَ تَعْدِيلٌ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ. قَالَ وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِنَا عَمَلٌ بِالْخَبَرِ وَبَيْنَ قولنا "عمل"*** بِمُوجِبِ الْخَبَرِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُسْتَنَدُهُ وَالثَّانِي لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ أَمْكَنَ حمله عَمَلِهِ"**** عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ وَإِلَّا فَهُوَ تَعْدِيلٌ، وَكَذَا قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ الْخَبَرَ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يُقَوِّيهِ مِنْ عُمُومٍ أَوْ قِيَاسٍ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِهِ لَمْ يَكُنْ لِاعْتِضَادِهِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ. وَمِنْ طريقة التَّزْكِيَةِ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ كيحيى بن

стр. 206

سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكٍ فَإِنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ كَمَا اخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيُّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالْغَزَالِيُّ، وَالْآمِدِيُّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ قَوْلُ "الْحُذَّاقِ"*، وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ ظُهُورًا بَيِّنًا إِمَّا بِتَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ أَوْ بِتَتَبُّعِ عَادَتِهِ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحُفَّاظِ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ الضُّعَفَاءِ لِلِاعْتِبَارِ وَلِبَيَانِ حَالِهَا، وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَوْلُهُمْ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَقَوْلُهُمْ: رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَوْ أَحَدُهُمَا.

стр. 207

فرع: الخلاف في عدالة الْمُبْهَمِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَعْدِيلِ الْمُبْهَمِ، كَقَوْلِهِمْ: حَدَّثَنِيَ الثِّقَةُ أَوْ حَدَّثَنِيَ الْعَدْلُ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى عَدَمِ قَبُولِهِ، وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْبَلُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا عِنْدَهُ فَرُبَّمَا لَوْ سَمَّاهُ "لَكَانَ"* مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ، قَالَ الْخَطِيبُ: لَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ جَمِيعَ شُيُوخِهِ ثقات ثم روى عمن لم يسمعه لَمْ نَعْمَلْ بِرِوَايَتِهِ لِجَوَازِ أَنْ نَعْرِفَهُ إِذَا ذَكَرَهُ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ قَالَ نَعَمْ لَوْ قَالَ الْعَالِمُ كُلَّ مَا أَرْوِي عَنْهُ وَأُسَمِّيهِ فَهُوَ عَدْلٌ رَضِيٌّ مَقْبُولُ الْحَدِيثِ، كَانَ هَذَا الْقَوْلُ تَعْدِيلًا لِكُلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمَّاهُ كَمَا سَبَقَ. انْتَهَى. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ: حَدَّثَنِيَ الثِّقَةُ، وَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَالِكٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ، أَمَّا إِذَا عَرَفَ بِقَرِينَةِ حَالٍ أَوْ مَقَالٍ كَانَ كَالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنِيَ الثِّقَةُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ١، فَهُوَ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ٢، وَإِذَا قَالَ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَهُوَ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ٣ وَإِذَا قال: أخبرني الثقة عن

стр. 208

الوليد بن كثير١، فهو [أبو أسامة٢، وإذا قال: أخبرني الثقة عن الأوزاعي فَهُوَ] * عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ٣، وَإِذَا قَالَ: أخبرني الثقة عن ابن جريح٤، فَهُوَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ٥، وَإِذَا قَالَ: أخبرني الثقة عن صالح مولى التوءمة٦، فهو إبراهيم بن أبي يحيى٧.

стр. 209

فرع آخر: الخلاف فِي قَبُولِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مَنْ دُونِ ذِكْرِ السَّبَبِ هَلْ يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مَنْ دُونِ ذِكْرِ السَّبَبِ أَمْ لَا؟

стр. 210

فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ فِيهِمَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذِكْرُ السَّبَبِ فِيهِمَا، إِذَا كَانَ بَصِيرًا بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ السَّبَبِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ "فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِذِكْرِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ التَّعْدِيلِ كَثِيرَةٌ فَيَشُقُّ ذِكْرُهَا"* بِخِلَافِ الْجَرْحِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا سَبَبُ الْجَرْحِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، بخلاف سبب التعديل، وإلى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ، وَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إِلَّا بِذِكْرِ السَّبَبِ، قَالُوا: لِأَنَّ مُطْلَقَ الْجَرْحِ يُبْطِلُ الثِّقَةَ وَمُطْلَقَ التَّعْدِيلِ لَا يُحَصِّلُ الثِّقَةَ؛ لِتَسَارُعِ النَّاسِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ وَالْمُعَدِّلَ قَدْ يَظُنَّانِ مَا لَيْسَ بِجَارِحٍ جَارِحًا وَقَدْ يَظُنَّانِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْعَدَالَةِ تَعْدِيلًا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَقَدْ يَكُونُ مَا أَبْهَمَهُ الْجَارِحُ مِنَ الْجَرْحِ هُوَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِهِ، وَعَلَى خِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ مَا أَبْهَمَهُ مِنَ التَّعْدِيلِ هُوَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَعَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا. وَعِنْدِي: أَنَّ الْجَرْحَ الْمَعْمُولَ بِهِ هُوَ أَنْ يَصِفَهُ بِضَعْفِ الْحِفْظِ أَوْ بِالتَّسَاهُلِ فِي الرِّوَايَةِ أَوْ بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى تَسَاهُلِهِ بِالدِّينِ. وَالتَّعْدِيلُ الْمَعْمُولُ بِهِ: هُوَ أَنْ يَصِفَهُ بِالتَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ وَالْحِفْظِ لِمَا يَرْوِيهِ، وَعَدَمِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى تَسَاهُلِهِ بِالدِّينِ فَاشْدُدْ عَلَى هَذَا يَدَيْكَ تَنْتَفِعْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرَابِ أَمْوَاجِ الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا وَرَدَ الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ كَقَوْلِ الْجَارِحِ: لَيْسَ بِثِقَةٍ أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ هُوَ ضَعِيفٌ، فَهَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْمَرْوِيِّ مَعَ هَذَا أَمْ لَا؟ قُلْتُ: يَجِبُ حِينَئِذٍ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَبْحَثَ الْمُطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِي مُطَوَّلَاتِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي هَذَا الشَّأْنِ "كَتَهْذِيبِ الْكَمَالِ" لِلْمِزِّيِّ١ وَفُرُوعِهِ وَكَذَا "تَارِيخُ الإسلام"٢،

стр. 211

و"تاريخ النبلاء"١، و"الميزان" للذهبي٢.

стр. 212

فرع ثالث: تعارض الجرح والتعديل والجمع بينهما وفيه أقوال: القول الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ وَإِنْ كَانَ الْمُعَدِّلُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْجَارِحِينَ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْخَطِيبُ وَالْبَاجِيُّ، وَنَقَلَ الْقَاضِي فِيهِ الْإِجْمَاعَ، قَالَ الرَّازِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مَعَ الْجَارِحِ زِيَادَةَ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْجَرْحَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مُفَسَّرًا. وَقَدِ اسْتَثْنَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا مَا إِذَا جَرَّحَهُ بِمَعْصِيَةٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّعْدِيلَ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقَدَّمُ التَّعْدِيلُ عَلَى الْجَرْحِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ قَدْ يُجَرِّحُ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جَارِحًا، وَالْمُعَدِّلَ إِذَا كَانَ عَدْلًا لَا يُعَدَّلُ إِلَّا بَعْدَ تَحْصِيلِ الْمُوجِبِ لِقَبُولِهِ جَرْحًا، حَكَى هَذَا الطَّحَاوِيُّ١ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا الْقَوْلِ بِالْجَرْحِ الْمُجْمَلِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْجَرْحُ مُفَسَّرًا لم يتم ما علل به من أَنَّ الْجَارِحَ قَدْ يُجَرِّحُ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جَارِحًا إِلَخْ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَكْثَرَ مِنَ الْجَارِحِينَ وَالْمُعَدِّلِينِ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَعَدَدُ الْمُعَدِّلِ إِذَا زَادَ قِيلَ إِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْجَارِحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ سَبَبَ تَقْدِيمِ الْجَرْحِ اطِّلَاعُ الْجَارِحِ عَلَى زِيَادَةٍ وَلَا يَنْتَفِي ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بمرجح حكى هذا القول

стр. 213

ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَدْ جَعَلَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ" مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا كَانَ "عَدَدُ"* الْمُعَدِّلِينِ أَكْثَرَ فَإِنِ اسْتَوَوْا قُدِّمَ الْجَرْحُ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا قَالَ الْخَطِيبُ فِي "الْكِفَايَةِ"١ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَخَالَفَهُمْ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ فَقَالَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا اسْتَوَى عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ وَالْجَارِحِينَ قَالَ: فَإِنْ كَثُرَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ وَقَلَّ عَدَدُ الْجَارِحِينَ فَقِيلَ: الْعَدَالَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْلَى انْتَهَى. وَالْحَقُّ الْحَقِيقُ بِالْقَبُولِ: أَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ لِلْمُجْتَهِدِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّفْسِيرِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَإِذَا فَسَّرَ الْجَارِحُ مَا جَرَّحَ بِهِ وَالْمُعَدِّلُ مَا عَدَّلَ بِهِ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الرَّاجِحِ مِنْهُمَا مَنِ الْمَرْجُوحُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْمُجْمَلَيْنِ مِنْ عَارِفٍ فَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَنِدَ فِي جَرْحِهِ إِلَى ظَاهِرِ الْحَالِ بِخِلَافِ الْمُعَدِّلِ فَقَدْ يَسْتَنِدُ إِلَى ظَاهِرِ الْحَالِ وَأَيْضًا حَدِيثُ مَنْ تَعَارَضَ فِيهِ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ الْمُجْمَلَانِ قَدْ دَخَلَهُ الِاحْتِمَالُ فلا يقبل

стр. 214

فصل: عدالة الصحابة القول الأول: اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الرَّاوِي، إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ، فَأَمَّا فِيهِمْ فَلَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمُ الْعَدَالَةُ فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ، وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ بِالْإِجْمَاعِ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ مَا وَرَدَ مِنَ الْعُمُومَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَعْدِيلِهِمْ كِتَابًا وَسُنَّةً، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٢ أَيْ: عُدُولًا وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِين﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ ٤*، وقوله:

стр. 215

﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقوله ﷺ : "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي" ٢، وَقَوْلِهِ فِي حَقِّهِمْ: "لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بلغ مد أحدكم وَلَا نَصِيفَهُ" ٣ وَهُمَا فِي الصَّحِيحِ، وَقَوْلِهِ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ" ٤ عَلَى مَقَالٍ فِيهِ مَعْرُوفٍ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي قَبُولِهِمْ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ نَقَلَةُ الشَّرِيعَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ التَّوَقُّفُ فِي رِوَايَتِهِمْ، لَانْحَصَرَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَصْرِ الرَّسُولِ وَلَمَا اسْتَرْسَلَتْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْصَارِ. قَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْفِتَنِ فَتِلْكَ أُمُورٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَوِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَالْمُخْطِئُ مَعْذُورٌ بَلْ مَأْجُورٌ، وَكَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ٥: تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ مِنْهَا سُيُوفَنَا فَلَا نُخَضِّبُ بِهَا أَلْسِنَتَنَا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْعَدَالَةِ حُكْمُ غَيْرِهِمْ، فَيُبْحَثُ عَنْهَا، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: فَوَحْشِيٌّ قَتَلَ حَمْزَةَ وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَالْوَلِيدُ٦ شَرِبَ الْخَمْرَ، فمن ظهر عليه خلاف العدالة
следующие страницы →