← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المسألة الخامسة: في الحقيقة والمجاز وفيها عشر أَبْحَاثٍ الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ لَفْظَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ... الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَفِيهَا عَشَرَةُ أَبْحَاثٍ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ لَفْظَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ: أَمَّا الْحَقِيقَةُ: فَهِيَ فَعِيلَةٌ مِنْ حَقَّ الشَّيْءُ، بِمَعْنَى ثَبَتَ، وَالتَّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ الصِّرْفَةِ. وَفَعِيلٌ فِي الْأَصْلِ: قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ: يَكُونُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةَ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَعْنَاهَا الْمُثْبَتَةَ. وَأَمَّا الْمَجَازُ: فَهُوَ مَفْعَلٌ، مِنَ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ التَّعَدِّي، كَمَا يُقَالُ: جُزْتُ "مَوْضِعَ كَذَا"* أَيْ: جَاوَزْتُهُ وَتَعَدَّيْتُهُ، أَوْ مِنَ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُمْتَنِعًا، يَكُونُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، فَكَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ هَذَا إِلَى هَذَا، "وَمِنْ هَذَا إلى هذا"**.

стр. 72

الْبَحْثُ الثَّانِي فِي حَدِّهِمَا: فَقِيلَ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ: إِنَّهَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. فيشمل هَذَا الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ، وَالشَّرْعِيَّ، وَالْعُرْفِيَّ، وَالِاصْطِلَاحِيَّ. وَزَادَ جماعة في هذا الجد قَيْدًا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّخَاطُبُ

стр. 73

بِاصْطِلَاحٍ، وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحٍ آخَرَ، لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ، كَانَ مَجَازًا مَعَ أَنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ. وَزَادَ آخَرُونَ فِي هَذَا الْحَدِّ قَيْدًا، فَقَالُوا: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا لِإِخْرَاجِ مِثْلِ مَا ذُكِرَ. وَقِيلَ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ: إِنَّهَا مَا أُفِيدَ بِهَا مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ الِاصْطِلَاحِ الَّذِي وَقَعَ التَّخَاطُبُ بِهِ. وَقِيلَ فِي حَدِّهَا: إِنَّهَا كُلُّ كَلِمَةٍ أُرِيدَ بِهَا عَيْنُ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي وَضْعِ وَاضِعٍ، وَضْعًا لَا يَسْتَنِدُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْمَجَازُ: فَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ. وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ. وَزِيَادَةُ قَيْدِ: عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ لِإِخْرَاجِ مِثْلِ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَرْضِ فِي السَّمَاءِ. وَقِيلَ فِي حَدِّهِ -أَيْضًا-: إِنَّهُ مَا كَانَ بِضِدِّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ.

стр. 74

البحث الثالث: الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية والخلاف في ثبوتها وثمرة ذلك: قَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ اللَّفْظُ الَّذِي اسْتُفِيدَ مِنَ "الشَّرْعِ"* وَضْعُهُ لِلْمَعْنَى، سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى مَجْهُولَيْنِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوا ذَلِكَ الِاسْمَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْهُولًا وَالْآخَرُ مَعْلُومًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِوَضْعِ الشَّارِعِ، لَا بِوَضْعِ أَهْلِ الشَّرْعِ كَمَا ظُنَّ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِثْبَاتِهَا، وَذَلِكَ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ وَالْمُصَلِّي وَالْمُزَكِّي وَالصَّائِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَحَلُّ النِّزَاعِ الْأَلْفَاظُ الْمُتَدَاوَلَةُ شَرْعًا، الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غير "معانيها اللغوية"**.

стр. 75

فَالْجُمْهُورُ جَعَلُوهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَهَا. وَأَثْبَتَ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا مَعَ الشَّرْعِيَّةِ حَقَائِقَ دِينِيَّةً، فَقَالُوا إِنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ فِي مَعَانٍ غَيْرِ لُغَوِيَّةٍ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْأَسْمَاءُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَى الْفَاعِلِينَ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَجَعَلُوا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً وَالْقِسْمَ الثَّانِيَ: حَقِيقَةً دِينِيَّةً، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ عَلَى السَّوَاءِ فِي أَنَّهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ إِنَّهَا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ غَلَبَتْ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهَا عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الشَّرْعِ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ: أَنَّهَا إِذَا وَرَدَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُجَرَّدَةً عَنِ الْقَرِينَةِ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ أَوْ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ؟ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا بِالْأَوَّلِ وَالْبَاقِلَّانِيُّ وَمَنْ مَعَهُ قَالُوا بِالثَّانِي. قَالُوا أَمَّا فِي كَلَامِ الْمُتَشَرِّعَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيِّ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حَقَائِقَ عُرْفِيَّةً بَيْنَهُمْ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ بِوَضْعِ الشَّارِعِ وَتَعْيِينِهِ إِيَّاهَا بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي بِلَا قَرِينَةٍ فَتَكُونُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً أَوْ بِغَلَبَتِهَا فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَقَطْ وَلَمْ يَضَعْهَا الشَّارِعُ بَلِ اسْتَعْمَلَهَا مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةً لِقَرَائِنَ فَتَكُونُ حَقَائِقَ عُرْفِيَّةً خَاصَّةً لَا شَرْعِيَّةً. احْتَجَّ الجمهور بما هو معلوم شرعًا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ وَأَهْلِ الشَّرْعِ لِذَاتِ الْأَذْكَارِ وَالْأَرْكَانِ وَالزَّكَاةَ لِأَدَاءِ مَالٍ مَخْصُوصٍ وَالصِّيَامَ لِإِمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ وَالْحَجَّ لِقَصْدٍ مَخْصُوصٍ وَأَنَّ هَذِهِ الْمَدْلُولَاتِ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ وَالزَّكَاةُ لِلْنَمَاءِ وَالصِّيَامُ لِلْإِمْسَاكِ مُطْلَقًا وَالْحَجُّ لِلْقَصْدِ مُطْلَقًا وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ وَالزِّيَادَاتُ شُرُوطٌ وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنِ الْمَشْرُوطِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُصَلِّيًا مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا كَالْأَخْرَسِ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْقِ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ثُبُوتُ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ لِجَوَازِ صَيْرُورَتِهَا بِالْغَلَبَةِ حَقَائِقَ عُرْفِيَّةً خَاصَّةً لِأَهْلِ الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً بوضع الشارع

стр. 76

وُرُدَّ بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مَجَازًا أَنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَهُ فِي مَعْنَاهُ لِمُنَاسَبَةٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ ثُمَّ اشْتُهِرَ فَأَفَادَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ فَذَلِكَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَثَبَتَ الْمُدَّعِي وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اسْتَعْمَلُوهُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي وَتَبِعَهُمُ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ فَخِلَافُ الظَّاهِرِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهَا مَعَانٍ حَادِثَةٌ مَا كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ يَعْرِفُونَهَا. وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَمَنْ مَعَهُ بِأَنَّ إِفَادَةَ هذه ألفاظ لِهَذِهِ الْمَعَانِي لَوْ لَمْ تَكُنْ لُغَوِيَّةً لَمَا كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا وَفَسَادُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَلْزُومِ، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ إِفَادَتُهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي عَرَبِيَّةً لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا. وَأَمَّا فَسَادُ اللَّازِمِ فَلِقَوْلِهِ سبحانه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه﴾ ٢. وَأُجِيبَ بِأَنَّ إِفَادَةَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً لَكِنَّهَا فِي الْجُمْلَةِ أَلْفَاظٌ عَرَبِيَّةٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانُوا يَعْنُونَ بِهَا غَيْرَ هَذِهِ الْمَعَانِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَرَبِيَّةً فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ جَعَلَهَا الشَّارِعُ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً لِأَنَّ المجازات عربية وإن لم "تصرح"* الْعَرَبُ بِآحَادِهَا فَقَدْ جَوَّزُوا نَوْعَهَا وَذَلِكَ يَكْفِي فِي نِسْبَةِ الْمَجَازَاتِ بِأَسْرِهَا إِلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَإِلَّا لَزِمَ "أَنَّهَا"** كُلَّهَا لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَجَازَاتِ الْعَرَبِيَّةَ الَّتِي صَارَتْ حَقَائِقَ بِوَضْعِ الشَّارِعِ لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ بِدُخُولِهَا فِيهِ لِأَنَّهَا قَلِيلَةٌ جِدًّا وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَغْلَبِ فَإِنَّ الثَّوْرَ الْأَسْوَدَ لَا يَمْنَعُ إِطْلَاقَ اسْمِ الْأَسْوَدِ عَلَيْهِ بِوُجُودِ شَعَرَاتٍ بِيضٍ فِي جِلْدِهِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَجْمُوعِهِ وَعَلَى كُلٍّ بَعْضٌ مِنْهُ فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ عَرَبِيُّ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٣ وَالْمُرَادُ مِنْهُ تِلْكَ السُّورَةُ. وَأَيْضًا: الْحُرُوفُ الْمَذْكُورَةُ في أوائل السور ليست بعربية و"المشكاة"٤ لغة حبشية

стр. 77

والإستبرق"١ و"السجيل"٢ فارسيان و"القسطاس"٣ مِنْ لُغَةِ الرُّومِ. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا تَقَرَّرَ لَكَ ثُبُوتُ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلِمَتْ أَنَّ نَافِيَهَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِيمَا سَمَّتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ حَقِيقَةً دِينِيَّةً فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا٤ فلا حاجة إلى تطويل البحث فيه.

стр. 78

البحث الرابع: المجاز في لغة العرب ... البحث الرابع: الْمَجَازُ وَاقِعٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِي وَخِلَافُهُ هَذَا يَدُلُّ أَبْلَغَ دَلَالَةٍ عَلَى عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتٍ بِأَنَّ سَبَبَ هَذَا الْخِلَافِ تَفْرِيطُهُ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا يَنْبَغِي الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ اللُّغَةِ الشَّرِيفَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقَائِقِ وَالْمَجَازَاتِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِهَا. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِمَا هُوَ أَوْهَنُ مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ"* لَوْ كَانَ الْمَجَازُ وَاقِعًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَزِمَ الْإِخْلَالُ بِالتَّفَاهُمِ إِذْ قَدْ تَخْفَى الْقَرِينَةُ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ فَإِنَّ تَجْوِيزَ خَفَاءِ الْقَرِينَةِ أخفى من السُّها١.

стр. 79

وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ لِهَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّ اللَّفْظَ لَوْ أَفَادَ الْمَعْنَى عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَإِمَّا أَنْ يُفِيدَ مَعَ الْقَرِينَةِ أَوْ بِدُونِهَا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مَعَ الْقَرِينَةِ الْمَخْصُوصَةِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَكُونُ هُوَ مَعَ تِلْكَ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَوْ أَفَادَ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيَّ بِدُونِ قَرِينَةٍ. لَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ إِذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إِلَّا كَوْنُهَا مُسْتَقِلَّةً بِالْإِفَادَةِ بِدُونِ قَرِينَةٍ. وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا نِزَاعٌ فِي الْعِبَارَةِ. وَلَنَا أَنْ نَقُولَ اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفِيدُ إِلَّا مَعَ الْقَرِينَةِ هُوَ الْمَجَازُ، وَلَا يُقَالُ لِلَفْظَةِ مَعَ القرينة حقيقة فيها لِأَنَّ دَلَالَةَ الْقَرِينَةِ لَيْسَتْ دَلَالَةً وَضْعِيَّةً حَتَّى يُجْعَلَ الْمَجْمُوعُ لَفْظًا وَاحِدًا دَالًا عَلَى الْمُسَمَّى. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَهَذَا "الْقَوْلُ"* لَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِدَفْعِهِ وَلَا التَّطْوِيلُ فِي رَدِّهِ فَإِنَّ وُقُوعَ الْمَجَازِ وَكَثْرَتَهُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَشْهَرُ مِنْ نَارٍ عَلَى عَلَمٍ وَأَوْضَحُ مِنْ شَمْسِ النَّهَارِ. قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ١: أَكْثَرُ اللُّغَةِ مَجَازٌ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَبَا عَلِيِّ الْفَارِسِيَّ٢ قَائِلٌ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي قَالَهَا الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَمَا أَظُنُّ مِثْلَ أَبِي عَلِيِّ يَقُولُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِمَامُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ مِثْلُ هَذَا الْوَاضِحِ الْبَيِّنِ الظَّاهِرِ الْجَلِيِّ. وَكَمَا أَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَهُوَ أَيْضًا وَاقِعٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وُقُوعًا كَثِيرًا بِحَيْثُ لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الظَّاهِرِيَّةِ٣: نَفْيُهُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَمَا هَذَا بِأَوَّلِ مَسَائِلِهِمُ الَّتِي جَمَدُوا فِيهَا جُمُودًا يَأْبَاهُ الْإِنْصَافُ وَيُنْكِرُهُ الْفَهْمُ وَيَجْحَدُهُ الْعَقْلُ. وَأَمَّا مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ لِأَنَّهُ يَنْفِي فَيَصْدُقُ نَفْيُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الصَّادِقَ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُنَافِي صِدْقَ إِثْبَاتِ الْمَجَازِ وَلَيْسَ فِي الْمَقَامِ مِنَ الْخِلَافِ مَا يَقْتَضِي ذِكْرَ بَعْضِ الْمَجَازَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَمْرُ أَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وُقُوعًا كَثِيرًا فَهُوَ أَيْضًا وَاقِعٌ فِي السُّنَّةِ وُقُوعًا كَثِيرًا وَالْإِنْكَارُ لِهَذَا الْوُقُوعِ مباهتة لا يستحق المجاوبة.

стр. 80

البحث الخامس: علاقات الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَلَاقَةِ فِي كُلِّ مَجَازٍ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ. وَالْعَلَاقَةُ هِيَ اتِّصَالٌ لِلْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ بِالْمَوْضُوعِ لَهُ وَذَلِكَ الِاتِّصَالُ إِمَّا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ كَمَا فِي الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى كَمَا فِي الِاسْتِعَارَةِ وَعَلَاقَتُهَا الْمُشَابَهَةُ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي مَعْنًى مُطْلَقًا لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةَ الثُّبُوتِ لِمَحَلِّهِ وَالِانْتِفَاءِ عَنْ غَيْرِهِ كَالْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ لَا الْأَبْخَرِ١. وَالْمُرَادُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْكَيْفِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْعَلَاقَةِ الْمُشَاكَلَةُ الْكَلَامِيَّةِ كَإِطْلَاقِ الْإِنْسَانِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهَا أَيْضًا الْمُطَابِقَةُ٢ وَالْمُنَاسَبَةُ٣ وَالتَّضَادُّ الْمُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّنَاسُبِ لِتَهَكُّمٍ نحو: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ ٤ فَهَذَا الِاتِّصَالُ الْمَعْنَوِيُّ. وَأَمَّا الِاتِّصَالُ الصُّورِيُّ فَهُوَ إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَذَلِكَ فِي الْمَجَازِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَفِي الْمُشَاكَلَةِ الْبَدِيعِيَّةِ وَهِيَ الصُّحْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَوِ التَّقْدِيرِيَّةُ. وَقَدْ تَكُونُ الْعَلَاقَةُ بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى وَهُوَ الْكَوْنُ عَلَيْهِ كَالْيَتِيمِ لِلْبَالِغِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ الْأَوَّلُ إِلَيْهِ كَالْخَمْرِ لِلْعَصِيرِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ كَالرُّكُوعِ "فِي الصَّلَاةِ"*، وَالْيَدِ فِيمَا وَرَاءَ الرُّسْغِ، وَالْحَالِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ، كَالْيَدِ فِي الْقُدْرَةِ، وَالسَّبَبِيَّةِ وَالْمُسَبِّبِيَّةِ، وَالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ وَاللُّزُومِ، وَالْمُجَاوَرَةِ، وَالظَّرْفِيَّةِ، وَالْمَظْرُوفِيَّةِ، وَالْبَدَلِيَّةِ، وَالشَّرْطِيَّةِ، وَالْمَشْرُوطِيَّةِ وَالضِّدِّيَّةِ٥.

стр. 81

وَمِنَ الْعَلَاقَاتِ: إِطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ كَالْعِلْمِ فِي الْعَالِمِ أَوِ الْمَعْلُومِ. وَمِنْهَا: تَسْمِيَةُ إِمْكَانِ الشَّيْءِ بِاسْمِ وُجُودِهِ، كَمَا يُقَالُ لِلْخَمْرِ الَّتِي فِي الدَّنِّ: إِنَّهَا مُسْكِرَةٌ. وَمِنْهَا: إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ بَعْدَ زَوَالِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ. وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ: الْقَابِلَ، وَالصُّورَةَ، وَالْفَاعِلَ، وَالْغَايَةَ، أَيْ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ قَابِلِهِ نَحْوَ سَالَ الْوَادِي، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ صُورَتِهِ كَتَسْمِيَةِ القدرية بِالْيَدِ وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ فَاعِلِهِ حَقِيقَةً أَوْ ظَنًّا كَتَسْمِيَةِ الْمَطَرِ بِالسَّمَاءِ وَالنَّبَاتِ بِالْغَيْثِ وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَايَتِهِ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْخَمْرِ. وَفِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذَا. "وعند"* بَعْضُهُمْ مِنَ الْعَلَاقَاتِ الْحُلُولَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، كَالْحَيَاةِ فِي الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، وَكَالْمَوْتِ فِي ضِدِّهِمَا، والحلول في محلين متقاربين، كرضى الله في رضى رَسُولِهِ، وَالْحُلُولِ فِي حَيِّزَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، كَالْبَيْتِ فِي الْحَرَمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ١. وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ رَاجِعَةٌ إِلَى عَلَاقَةِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ كَمَا أَنَّ الْأَنْوَاعَ السَّابِقَةَ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ عَلَاقَةِ السببية والمسببية فما ذكرناه ههنا مَجْمُوعُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ عَلَاقَةً. وَعَدَّ بَعْضُهُمْ من العلاقات ما لا تعلق لها بالمقام كحذف المضاف نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ ٢ يَعْنِي أَهْلَهَا، وَحَذْفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ نَحْوَ: أَنَا ابن جلا٣.

стр. 82

أَيْ أَنَا ابْنُ رَجُلٍ جَلَا. وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ إِذَا جُعِلَتْ لِلْعُمُومِ نَحْوَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ ١ أَيْ: كُلُّ نَفْسٍ وَالْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدُ الْمُنَكَّرُ نَحْوَ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَاب﴾ ٢ أَيْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا وَالْحَذْفُ نَحْوَ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ٣ أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا وَالزِّيَادَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٤. وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ مُعْتَبَرَةً لَكَانَتِ الْعَلَاقَاتُ نَحْوَ أَرْبَعِينَ عَلَاقَةً لَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ. وَقَالَ آخَرُ لَا تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ. وَقَالَ آخَرُ لَا تَزِيدُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَتَدَبَّرْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي آحَادِ الْمَجَازِ، بَلِ الْعَلَاقَةُ كَافِيَةٌ، وَالْمُعْتَبَرُ نَوْعُهَا، وَلَوْ كَانَ نَقْلُ آحَادِ الْمَجَازِ مُعْتَبَرًا لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي التَّجَوُّزِ عَلَى النَّقْلِ وَلَوَقَعَتْ مِنْهُمُ التَّخْطِئَةُ لِمَنِ اسْتَعْمَلَ غَيْرَ الْمَسْمُوعِ مِنَ الْمَجَازَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُدَوِّنُوا الْمَجَازَاتِ كَالْحَقَائِقِ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا لَاسْتَغْنَى عَنِ النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ لِكِفَايَةِ النَّقْلِ. وَإِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ نَقْلِ آحَادِ الْمَجَازِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْحَقُّ. وَلَمْ يَأْتِ مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ تَصْلُحُ لِذِكْرِهَا وَتَسْتَدْعِي التَّعَرُّضَ لِدَفْعِهَا. وَكُلُّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ وَفَهْمٌ يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا زالوا يخترعون المجازات عند وجود العلاقة ونصب الْقَرِينَةِ وَهَكَذَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مَنْ أَهْلِ الْبَلَاغَةِ فِي فَنَّيِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ وَيَتَمَادَحُونَ بِاخْتِرَاعِ الشَّيْءِ الْغَرِيبِ مِنَ الْمَجَازَاتِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُصَحِّحِ لِلتَّجَوُّزِ وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خِلَافُ هذا.

стр. 83

الْبَحْثُ السَّادِسُ: فِي قَرَائِنِ الْمَجَازِ اعْلَمْ: أَنَّ الْقَرِينَةَ إِمَّا خَارِجَةٌ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامِ، أَيْ: لَا تَكُونُ مَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ وَصِفَةً لَهُ، وَلَا تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ، أَوْ تَكُونُ مَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ أَوْ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الكلام.

стр. 84

وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ إِمَّا لَفْظٌ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَكُونُ الْمَجَازُ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ فِي كَلَامٍ آخَرَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَوْ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ. ثُمَّ هَذَا الْقِسْمُ عَلَى نَوْعَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فِي دَلَالَةِ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَعَ أَنَّهُ عَبَدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ "أَوْ لَا يَكُونُ أَوْلَى وَهُوَ ظَاهِرٌ"*. أَمَّا الْقَرِينَةُ الَّتِي تَكُونُ لِمَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ فَكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ الآية [٦٤ من سورة الإسراء] فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْخَارِجَةُ عَنِ الْكَلَامِ فَكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف: ٢٩] يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ. "وَنَحْوُ"**: طَلِّقِ امْرَأَتِي إِنْ كُنْتَ رَجُلًا فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ تَوْكِيلًا لِأَنَّ قَوْلَهُ إِنَّ كُنْتَ رَجُلًا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ فَانْحَصَرَتِ الْقَرِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ. ثُمَّ الْقَرِينَةُ الْمَانِعَةُ مِنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ قَدْ تَكُونُ عَقْلِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ حِسِّيَّةً وَقَدْ تَكُونُ عَادِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً فَلَا تَخْتَصُّ قَرَائِنُ الْمَجَازِ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأنواع دون نوع.

стр. 85

الْبَحْثُ السَّابِعُ: فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الْمَجَازُ وَيَتَمَيَّزُ عِنْدَهَا عَنِ الْحَقِيقَةِ اعْلَمْ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ بالنص أو الاستدلال: أما "النص"* فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَقُولَ الْوَاضِعُ: هَذَا حَقِيقَةٌ وَذَاكَ مَجَازٌ. الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ الْوَاضِعُ حَدَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَذَاكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْحَدِّ ذكر خاصة كل واحد منهما.

стр. 86

وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فَمِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَسْبِقَ الْمَعْنَى إِلَى أَفْهَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ بِدُونِ قَرِينَةٍ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَإِنْ كَانَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَعْنَى الْمُرَادُ إِلَّا بِالْقَرِينَةِ فَهُوَ الْمَجَازُ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِالْمُشْتَرَكِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَبَادَرُ أَحَدُهُمَا أَوْ أَحَدُهَا لَوْلَا الْقَرِينَةُ الْمُعَيِّنَةُ لِلْمُرَادِ مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهَا "تَتَبَادَرُ"* جَمِيعُهَا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ وَيَتَبَادَرُ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ مِنْ حَمْلِهُ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ. وَرُدَّ بِأَنَّ عَلَامَةَ الْمَجَازِ تَصْدُقُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُشْتَرَكِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمُعَيَّنِ إِذْ يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ وَهُوَ عَلَامَةُ الْمَجَازِ مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ. وَدُفِعَ هَذَا الرَّدُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ تَبَادَرَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ وَاللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ. وَأَمَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ إِذِ اللَّفْظُ يَصْلُحُ لَهُمَا وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي أَحَدِهِمَا وَلَا يَعْلَمُهُ فَذَلِكَ كافٍ فِي كَوْنِ الْمُتَبَادَرِ غَيْرَ الْمَجَازِ فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ لِلْمُعَيَّنِ مَجَازًا. الثَّانِي: صِحَّةُ النَّفْيِ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ النَّفْيِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً بِهِ دَوْرٌ ظَاهِرٌ وَكَذَا الْعِلْمُ بِصِحَّةِ النَّفْيِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَيْسَ مِنَ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ وَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مَجَازًا فَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ مَجَازًا بِهِ دَوْرٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ سَلْبَ بَعْضِ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ كافٍ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ وَإِلَّا لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ وَأَيْضًا إِذَا عُلِمَ مَعْنَى اللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا الْمُرَادُ أَمْكَنَ أَنْ يُعْلَمَ "بِصِحَّةِ"** نَفْيِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ وَبِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ. الثَّالِثُ: عَدَمُ اطِّرَادِ الْمَجَازِ وَهُوَ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَحَلٍّ مَعَ وُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُسَوِّغِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ كَالتَّجَوُّزِ بِالنَّخْلَةِ لِلْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا فِيهِ طُولٌ وَلَيْسَ الاطراد دليل الحقيقية فَإِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَطَّرِدُ كَالْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ. وَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ قَدْ يُوجَدُ فِي الْحَقِيقَةِ كالسخي، والفاضل، فإنهما لا يطلقان

стр. 87

عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَعَ وُجُودِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِيهِ، وَكَذَا الْقَارُورَةُ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الزُّجَاجَةِ، مِمَّا يُوجَدُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِيهِ كَالدَّنِّ١. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْأَمَارَةَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ لَا لِمَانِعٍ لُغَةً أَوْ شَرْعًا، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْأَمْثِلَةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ مِنْ إِطْلَاقِ السَّخِيِّ، وَالْفَاضِلِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَاللُّغَةَ مَنَعَتْ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَارُورَةِ عَلَى غَيْرِ الزُّجَاجَةِ. وَقَدْ ذَكَرُوا غَيْرَ هَذِهِ الْوُجُوهِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ مِنَ الْعَلَامَاتِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَنَّهَا إِذَا عُلِّقَتِ الْكَلِمَةُ بِمَا يَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُهَا بِهِ عُلِمَ أَنَّهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لَهُ فَيُعْلَمُ أَنَّهَا مَجَازٌ فِيهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَضَعُوا اللَّفْظَةَ لِمَعْنًى، ثُمَّ يَتْرُكُوا اسْتِعْمَالَهُ إِلَّا فِي بَعْضِ مَعَانِيهِ الْمَجَازِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ كَوْنَهُ مِنَ الْمَجَازِ الْعُرْفِيِّ مِثْلَ: اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الدَّابَّةِ فِي "الْحِمَارِ"*. وَمِنْهَا: امْتِنَاعُ الِاشْتِقَاقِ، فإنه دليل على كون اللفظ مجازًا. منها: أَنْ تَخْتَلِفَ صِيغَةُ الْجَمْعِ عَلَى الِاسْمِ، فَيُجْمَعُ عَلَى صِيغَةٍ مُخَالِفَةٍ لِصِيغَةِ جَمْعِهِ لِمُسَمًّى آخَرَ، هُوَ فِيهِ حَقِيقَةٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ إِذَا كَانَ مُتَعَلِقًا بِالْغَيْرِ، فَإِنَّهُ إِذَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ كَانَ مَجَازًا، وَذَلِكَ كَالْقُدْرَةِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَقْدُورِ وَإِذَا أُطْلِقَتْ عَلَى النَّبَاتِ الْحَسَنِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُتَعَلِّقٌ فَيُعْلَمُ كَوْنُهَا مَجَازًا فِيهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَحَدِ مُسَمَّيَيْهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالْآخَرِ نَحْوَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ٢؛ ولا يقال: مكر الله ابتداء. ومنها: لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُقَيْدًا وَلَا يُسْتَعْمَلُ لِلْمَعْنَى المطلق كنار الحرب، وجناح الذل.

стр. 88

البحث الثامن: عدم اتصاف اللفظ قبل الاستعمال بالحقيقة والمجاز فِي أَنَّ اللَّفْظَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَا بِكَوْنِهِ مَجَازًا لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِذِ الْحَقِيقَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمَجَازُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمَجَازَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي مَا وُضِعَ لَهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ عَالِمٍ بِلُغَةِ الْعَرَبِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ؛ أَمْ لَا؟ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَا وُضِعَ لَهُ أَصْلًا. فَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّ الْمَجَازَ يَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ لَخَلَا الْوَضْعُ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَكَانَ عَبَثًا وَهُوَ مُحَالٌ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ: فَلِأَنَّ مَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً، وَفَائِدَةُ الْوَضْعِ: إِنَّمَا هِيَ إِعَادَةُ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ، وَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَمْ يَقَعْ فِي التَّرْكِيبِ فَانْتَفَتْ فَائِدَتُهُ. وَأَمَّا بُطْلَانُ اللازم فظاهر. وأجيب بمنع انحصار "فائدة"* فِي إِفَادَةِ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ، فَإِنَّ صِحَّةَ التَّجَوُّزِ فَائِدَةٌ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ: بِعَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ -وَهُمُ الْجُمْهُورُ- بأنه لو استلزم المجاز الحقيقة لكانت لِنَحْوِ شَابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ أَيِ: ابْيَضَّ الْغَسَقُ، وقامت الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ أَيِ اشْتَدَّتْ حَقِيقَةٌ وَاللَّازِمُ منتفٍ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ، جَدَلِيٍّ وَتَحْقِيقِيٍّ: أَمَّا الْجَدَلِيُّ فَبِأَنَّ الْإِلْزَامَ مُشْتَرَكٌ لِأَنَّ نَفْسَ الْوَضْعِ لَازِمٌ لِلْمَجَازِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُرَكَّبَاتُ مَوْضُوعَةً لِمَعْنًى مُتَحَقِّقٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا التحقيقي: فباختيار أن لَا مَجَازَ فِي الْمُرَكَّبِ، بَلْ فِي الْمُفْرَدَاتِ، وَلَهَا وَضْعٌ وَاسْتِعْمَالٌ، وَلَا مَجَازَ فِي التَّرْكِيبِ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى. وَمَنِ اتَّبَعَ عَبَدَ الْقَاهِرِ١ فِي أَنَّ الْمَجَازَ مُفْرَدٌ ومركب ويسمى عقليًّا، وحقيقة عقلية،

стр. 89

لِكَوْنِهِمَا فِي الْإِسْنَادِ، سَوَاءٌ كَانَ طَرَفَاهُ حَقِيقَتَيْنِ، نَحْوَ: سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ أَوْ مَجَازَيْنِ نَحْوَ أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنِ اتَّبَعَهُ فِي عَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ -أَيْضًا فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَّهُ أَنْ يُجِيبَ: بِأَنَّ مَجَازَاتِ الْأَطْرَافِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فيه، ولها حقائق مجاز الْإِسْنَادِ لَيْسَ لَفْظًا، حَتَّى يُطْلَبَ لِعَيْنِهِ حَقِيقَةٌ ووضع بل له معنى حَقِيقَةٌ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَاجْتِمَاعُ الْمَجَازَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَ حَقَائِقِهَا. وَمَنْ قَالَ بِإِثْبَاتِ الْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ فِي الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ١، نَحْوَ طَارَتْ بِهِ الْعَنْقَاءُ٢، وَأَرَاكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، فَلَا بد أن يقول بِعَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ. وَمَنْ نَفَى الْمَجَازَ الْمُرَكَّبَ أَجَابَ عَنِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ بِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ٣ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُرْفَ الْعَرَبِ أَنْ يَعْتَبِرُوا الْقَابِلَ فَاعِلًا، نَحْوَ مَاتَ فُلَانٌ، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَلْتَزِمُوا الْإِسْنَادَ إِلَى الْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا فِي أَنْبَتَ اللَّهُ، وَخَلَقَ اللَّهُ فَكَذَا سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ؛ لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِأَحْدَاثِ الْفَرَحِ وَنَحْوِهَا مِنَ الصُّوَرِ الْإِسْنَادِيَّةِ. وَأَشَفُّ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الرحمن مجاز في الباري سبحانه؛ لأنه مَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَةِ، وَمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ -وَهُوَ رِقَّةُ الْقَلْبِ- لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَرَبَ قَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَقَالُوا لِمُسَيْلَمَةَ٤: هُوَ رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ. وَرُدَّ: بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذَا الْإِطْلَاقِ أَنَّ مُسَيْلَمَةَ رَقِيقُ الْقَلْبِ حَتَّى يَرِدَ النَّقْضُ بِهِ، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلنَّافِي أَنَّ أَفْعَالَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ هِيَ أَفْعَالٌ مَاضِيَةٌ وَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي فَكَانَتْ مَجَازَاتٍ لَا حقائق لها.

стр. 90

الْبَحْثُ التَّاسِعُ: فِي اللَّفْظِ إِذَا دَارَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا هَلْ يُرَجَّحُ المجاز على الاشترك أو الاشترك عَلَى الْمَجَازِ؟ فَرَجَّحَ قَوْمٌ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَ آخَرُونَ الثَّانِيَ. اسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْمَجَازَ أَكْثَرُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، فَرُجِّحَ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَقَلِّ، قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أَكْثَرُ اللُّغَةِ مَجَازٌ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ مَعْمُولٌ بِهِ مُطْلَقًا، فَبِلَا قَرِينَةٍ حقيقة، وَمَعَهَا مَجَازٌ وَالْمُشْتَرَكُ بِلَا قَرِينَةٍ مُهْمَلٌ، وَالْإِعْمَالُ أَوْلَى مِنَ الْإِهْمَالِ، وَبِأَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَقِيقَةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، وَبِأَنَّهُ أَوْجَزُ كَمَا فِي الِاسْتِعَارَةِ فَهَذِهِ فَوَائِدُ لِلْمَجَازِ، وَقَدْ ذَكَرُوا غَيْرَهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْمَقَامِ، وَذَكَرُوا لِلْمُشْتَرَكِ مَفَاسِدَ مِنْهَا: إِخْلَالُهُ بِالْفَهْمِ عِنْدَ خَفَاءِ الْقَرِينَةِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ حَمْلَهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ عِنْدَ خَفَاءِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَمِنْهَا: تَأْدِيَتُهُ إِلَى مُسْتَبْعَدٍ مِنْ نَقِيضٍ أَوْ ضِدٍّ كَالْقُرْءِ إِذَا أُطْلِقَ مُرَادًا بِهِ الْحَيْضُ فَيُفْهَمُ مِنْهُ الطُّهْرُ أَوْ بِالْعَكْسِ. وَمِنْهَا احْتِيَاجُهُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا "مُعَيِّنَةٌ"* لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَالْأُخْرَى "مُعَيِّنَةٌ"* لِلْمَعْنَى الْآخَرِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ تَكْفِي فِيهِ قَرِينَةٌ وَاحِدَةٌ. وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ: بِأَنَّ لِلِاشْتِرَاكِ فَوَائِدَ لَا تُوجَدُ فِي الْمَجَازِ، وَفِي الْمَجَازِ مَفَاسِدُ لَا تُوجَدُ فِي الْمُشْتَرَكِ. فَمِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُطَّرِدٌ فَلَا يَضْطَرِبُ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَقَدْ لَا يَطَّرِدُ كَمَا تَقَدَّمَ١. وَمِنْهَا: الِاشْتِقَاقُ مِنْهُ بِالْمَعْنَيَيْنِ، فَيَتَّسِعُ الْكَلَامُ نَحْوَ أَقَرَأَتِ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى حَاضَتْ وَطَهُرَتْ وَالْمَجَازُ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَإِنْ صَلُحَ لَهُ حَالَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً. وَمِنْهَا: صِحَّةُ التَّجَوُّزِ بِاعْتِبَارِ "مَعْنَيَيِ"** الْمُشْتَرَكِ فَتَكْثُرُ بِذَلِكَ الْفَوَائِدُ. وَأَمَّا مَفَاسِدُ الْمَجَازِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْمُشْتَرَكِ فَمِنْهَا: احْتِيَاجُهُ إِلَى الْوَضْعَيْنِ الشَّخْصِيِّ وَالنَّوْعِيِّ، وَالشَّخْصِيُّ باعتبار معناه الأصلي والفرعي للعلاقة.

стр. 91

وَالْمُشْتَرَكُ يَكْفِي فِيهِ الْوَضْعُ الشَّخْصِيُّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى النَّوْعِيِّ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الْعَلَاقَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، لَا الْمَجَازِيُّ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرًا فِي بَعْضِ، مَعَانِيهِ دُونَ بَعْضٍ، حَتَّى يَلْزَمَ بِإِرَادَةِ أَحَدِهَا مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَجَازَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْغَلَطِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ، فإن معانيه كلها حقيقية. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الْفَوَائِدِ وَالْمَفَاسِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ لِغَلَبَةِ الْمَجَازِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ دُونَ الْقَلِيلِ النَّادِرِ مُتَعَيِّنٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعَارُضَ الْحَاصِلَ بَيْنَ أَحْوَالِ الْأَلْفَاظِ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّعَارُضِ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَجَازِ، فَإِنَّ الْخَلَلَ فِي فَهْمِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ يَكُونُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: احْتِمَالُ الِاشْتِرَاكِ. وَثَانِيهَا: احْتِمَالُ النَّقْلِ بِالْعُرْفِ أَوِ الشَّرْعِ. وَثَالِثُهَا: احْتِمَالُ الْمَجَازِ. وَرَابِعُهَا: احْتِمَالُ الْإِضْمَارِ. وَخَامِسُهَا: احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ. وَوَجْهُ كَوْنِ هَذِهِ الْوُجُوهِ تُؤَثِّرُ خَلَلًا فِي فَهْمِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ: أَنَّهُ إِذَا انْتَفَى احْتِمَالُ الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ، كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِذَا انْتَفَى احْتِمَالُ الْمَجَازِ وَالْإِضْمَارِ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّفْظِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَإِذَا انْتَفَى احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ جَمِيعَ مَا وُضِعَ لَهُ، فَلَا يَبْقَى عِنْدَ ذَلِكَ خَلَلٌ فِي الْفَهْمِ. وَالتَّعَارُضُ بَيْنَ هذه يقع في عَشَرَةِ وُجُوهٍ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَبَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ النَّقْلِ وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْوَجْهَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، ثُمَّ بَيْنَ الْإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ. فَإِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ، فَقِيلَ: إِنَّ النَّقْلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ اللَّفْظُ عِنْدَ النَّقْلِ لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مُفْرَدَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَالْمُشْتَرَكُ مُشْتَرَكٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا. وَقِيلَ: الِاشْتِرَاكُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي "نسخ"*وَضْعٍ سَابِقٍ، وَالنَّقْلُ يَقْتَضِيهِ. وَأَيْضًا: لَمْ يُنْكِرْ وُقُوعَ الْمُشْتَرَكِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَحَدٌ مِنْ أهل العلم، وأنكر النقل كثير منهم.

стр. 92

وَأَيْضًا قَدْ لَا يُعْرَفُ النَّقْلُ فَيَحْمِلُ السَّامِعُ مَا سَمِعَهُ مِنَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، فَيَقَعُ الْغَلَطُ. وَأَيْضًا: الْمُشْتَرَكُ أَكْثَرُ وَجُودًا مِنَ الْمَنْقُولِ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُرَجِّحُ الِاشْتِرَاكَ عَلَى النَّقْلِ، وَهِيَ أَقْوَى مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ رَجَّحَ النَّقْلَ، وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَجَازِ: فَقَدْ تَقَدَّمَ١ تَحْقِيقُهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَحْثِ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْإِضْمَارِ، فَقِيلَ: إِنَّ الْإِضْمَارَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِجْمَالَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ الْإِضْمَارِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ، وَالْإِجْمَالُ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ الِاشْتِرَاكِ عَامٌ فِي كُلِّ الصُّوَرِ، فَكَانَ إِخْلَالُهُ بِالْفَهْمِ أَكْثَرَ مِنْ إِخْلَالِ الْإِضْمَارِ بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الِاشْتِرَاكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ مُحْتَاجٌ إِلَى ثَلَاثِ قَرَائِنَ، قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَصْلِ الْإِضْمَارِ، وَقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ، وَقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى نَفْسِ الْمُضْمَرِ، وَالْمُشْتَرَكُ يَفْتَقِرُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ، فَكَانَ الْإِضْمَارُ أَكْثَرَ إِخْلَالًا بِالْفَهْمِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْإِضْمَارَ وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى تِلْكَ الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ، فَذَلِكَ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَرِينَتَيْنِ فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَكَانَ أَكْثَرَ إِخْلَالًا بِالْفَهْمِ، عَلَى أَنَّ الْإِضْمَارَ مِنْ بَابِ الْإِيجَازِ، وَهُوَ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْكَلَامِ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالتَّخْصِيصِ فَقِيلَ: التَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَوْلَى مِنَ الْمَجَازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ٢ أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْمَجَازِ، فَقِيلَ الْمَجَازُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّقْلَ يَحْتَاجُ إِلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ اللِّسَانِ عَلَى تَغْيِيرِ الْوَضْعِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَالْمَجَازُ يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ فَهْمِ الْحَقِيقَةِ وَذَلِكَ مُتَيَسِّرٌ. وَأَيْضًا الْمَجَازُ أَكْثَرُ مِنَ النَّقْلِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَكْثَرِ مُقَدَّمٌ، وَأَيْضًا فِي الْمَجَازِ مَا قَدَّمْنَا٣ مِنَ الْفَوَائِدِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالتَّخْصِيصِ، فَقِيلَ: التَّخْصِيصُ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّخْصِيصَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّقْلِ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْإِضْمَارِ، فَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ، وَقِيلَ الْمَجَازُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ قَرَائِنَ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 93

وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ: فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ السَّامِعَ إِذَا لَمْ يَجِدْ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى عُمُومِهِ، فَيَحْصُلُ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَمَّا فِي الْمَجَازِ فَالسَّامِعُ إِذَا لَمْ يَجِدْ قَرِينَةً لِحَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَلَا يَحْصُلُ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ: فَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّخْصِيصَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ هُوَ وَالْإِضْمَارُ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْإِضْمَارِ.

стр. 94

الْبَحْثُ الْعَاشِرُ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَجَمِيعُ الْحَنَفِيَّةِ، وَجَمْعٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، حَالَ كَوْنِهِمَا مَقْصُودَيْنِ بِالْحُكْمِ، بِأَنْ يُرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي عَلِيِّ الْجُبَّائِيِّ١ مُطْلَقًا إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَافْعَلْ أَمْرًا وَتَهْدِيدًا فَإِنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْفِعْلِ، وَالتَّهْدِيدُ يَقْتَضِي التَّرْكَ فَلَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ: إِنَّهُ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا عَقْلًا لَا لُغَةً، إِلَّا فِي غَيْرِ الْمُفْرَدِ كَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ، فَيَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا لُغَةً لِتَضَمُّنِهِ الْمُتَعَدِّدَ كَقَوْلِهِمْ: الْقَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ٢. وَرَجَّحَ هَذَا التَّفْصِيلَ ابْنُ الْهُمَامِ، وَهُوَ قَوِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْمُقْتَضَى وَفُقِدَ الْمَانِعُ فَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا إِرَادَةُ غَيْرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، مَعَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِالْمُتَعَدِّدِ. وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا: بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ يَسْتَلْزِمُ مَا يُخَالِفُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَهُوَ قَرِينَةُ عَدَمِ إِرَادَتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِلْزَامَ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ التَّعْمِيمِ، أَمَّا مَعَهُ فَلَا، وَاحْتَجُّوا ثَانِيًا: بِأَنَّهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا وَعَارِيَةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّوْبَ ظَرْفٌ حَقِيقِيٌّ لِلْمِلْكِ، وَالْعَارِيَةِ، وَاللَّفْظُ ليس بظرف حقيقي للمعنى.

стр. 95

وَالْحَقُّ امْتِنَاعُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِتَبَادُرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مِنَ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِي التَّبَادُرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا بِمُجَرَدِهِ يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَةِ غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ بِذَلِكَ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، مَعَ الْحَقِيقِيِّ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّفْظَ يَكُونُ عِنْدَ قَصْدِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَجَازًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ لَا مَجْمُوعُهُمَا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ، يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عُمُومَ الْمَجَازِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْهِ، أَوْ مَعَانِيهِ الْمَجَازِيَّةِ، فَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى مَنْعِهِ وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ كُلِّ مَجَازٍ تُنَافِي إِرَادَةَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَجَازَاتِ. وَإِلَى هُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ في المبادئ.

стр. 96

الخلاف في بَعْضِ حُرُوفِ الْمَعَانِي: وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي الْمَبَادِئِ مَبَاحِثَ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ، الَّتِي رُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْأُصُولِيُّ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهَا مُدَوَّنَةٌ فِي فَنٍّ مُسْتَقِلٍّ، مُبَيَّنَةٌ بَيَانًا تَامًّا، وَذَلِكَ كَالْخِلَافِ فِي الْوَاوِ هَلْ هِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، أَوْ لِلتَّرْتِيبِ؟ فَذَهَبَ إِلَى الأول جمهور النحاة، والأصوليون، وَالْفُقَهَاءِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: أَجْمَعَ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ، وَالْكُوفَةِ، عَلَى أَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ. وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ١ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ "كِتَابِهِ"٢ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، "وَهُوَ الْحَقُّ"*. وَقَالَ الْفَرَّاءُ٣ وثعلب، وأبو عبيد٤: إنها للترتيب.

стр. 97

وَرُوِيَ هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالْمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ١، وَأَبِي طَالِبٍ٢. احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْوَاوَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَمْتَنِعُ التَّرْتِيبُ فِيهِ كَقَوْلِهِمْ: تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَلَوْ قِيلَ: تَقَاتَلَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو، أَوْ تَقَاتَلَ زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو، لَمْ يَصِحَّ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ التَّرْتِيبِ. وَأَيْضًا: لَوِ اقْتَضَتِ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُكَ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا بَعْدَهُ، أَوْ رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَكَ: بَعْدَهُ يَكُونُ تَكْرَارًا لِمَا تُفِيدُهُ الْوَاوُ مِنَ التَّرْتِيبِ، وَقَوْلُكَ: قَبْلَهُ يَكُونُ مُنَاقِضًا لِمَعْنَى التَّرْتِيبِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ: بِأَنَّهُ امْتَنَعَ جَعْلُ الْوَاوِ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ لِوُجُودِ مَانِعٍ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ امْتِنَاعُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّة﴾ ٣ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ٤ وقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِين﴾ ٥، مَعَ أَنَّ الرُّكُوعَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه﴾ ٦ وقوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ ٧ وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة﴾ ٨ و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٩ وَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِلتَّرْتِيبِ وَهَكَذَا فِي غَيْرِهَا مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: فَأَهْلُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ اشْتَرِ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ أو اشتر الإدام والطعام والترتيب أَصْلًا، وَأَيْضًا لَوْ كَانَتِ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَفَهِمَ الصحابة ﵃

стр. 98

في قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ ١ أَنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ مِنَ الصَّفَا، مِنْ دُونِ أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، ولكنهم سألوه فقال: "ابدأوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" ٢. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّرْتِيبِ، بِمَا صَحَّ أَنَّ خَطِيبًا قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ عَصَاهُمَا فَقَدْ غَوَى"، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ، قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" ٣. وَلَوْ كَانَ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَمَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا: بأنه إنما أمره ﷺ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ اعْتِقَادَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَمَرَهُ بِعَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ تَعْظِيمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْقَائِلُونَ بِإِفَادَةِ الْوَاوِ لِلتَّرْتِيبِ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ، وَيَسْتَدْعِي الْجَوَابَ عَنْهُ. وَكَمَا أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ دُونِ تَرْتِيبٍ وَلَا مَعِيَّةٍ، فَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِذَا وَرَدَتْ لِغَيْرِ تَعْقِيبٍ فَذَلِكَ لِدَلِيلٍ آخَرَ، مُقْتَرِنٌ مَعْنَاهُ بِمَعْنَاهَا. وَكَذَلِكَ "فِي" لِلظَّرْفِيَّةِ إِمَّا مُحَقَّقَةٌ أَوْ مُقَدَّرَةٌ. وَكَذَلِكَ "مِنْ" تَرِدُ لِمَعَانٍ. وَكَذَلِكَ "الْبَاءُ" لَهَا مَعَانٍ مُبَيَّنَةٌ فِي عِلْمِ الْإِعْرَابِ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى التَّطْوِيلِ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ، الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِتَطْوِيلِ الْكَلَامِ فِيهَا كَثِيرُ فَائِدَةٍ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ قَدْ عرفت من ذلك العلم. وَلْنَشْرَعُ الْآنَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَإِمْدَادِهِ وَهِدَايَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ في المقاصد فنقول:

стр. 99

الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ: فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَ لُغَةً: يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ كِتَابَةٍ وَمَكْتُوبٍ، ثُمَّ غَلَبَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى الْقُرْآنِ. وَالْقُرْآنُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ، غَلَبَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْمُعَيَّنِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، الْمَقْرُوءُ بِأَلْسِنَةِ الْعِبَادِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَشْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ وَأَظْهَرُ، وَلِذَا جُعِلَ تَفْسِيرًا لَهُ، فَهَذَا تَعْرِيفُ الْكِتَابِ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ، وَهُوَ التَّعْرِيفُ اللَّفْظِيُّ الَّذِي يَكُونُ بِمُرَادِفٍ أَشْهَرَ. وَأَمَّا حَدُّ الْكِتَابِ اصْطِلَاحًا: فَهُوَ الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ، الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ، الْمَنْقُولُ إِلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا. فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمُنَزَّلُ على الرسول المكتوب في المصاحف: وسائر الْكُتُبِ وَالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَغَيْرُهَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمَنْقُولُ إِلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا: الْقِرَاءَاتُ الشَّاذَّةُ١. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ أَنَّ فِيهِ دَوْرًا؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَ الْكِتَابَ بِالْمَكْتُوبِ فِي الْمَصَاحِفِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: مَا الْمُصْحَفُ؟ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُصْحَفَ مَعْلُومٌ فِي الْعُرْفِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْرِيفِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: هُوَ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُنَزَّلُ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ الْمُتَوَاتِرُ. فَاللَّفْظُ جِنْسٌ يَعُمُّ الْكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ وَغَيْرَهَا، وَالْعَرَبِيُّ يُخْرِجُ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمُنَزَّلُ يُخْرِجُ مَا لَيْسَ بِمُنَزَّلٍ مِنَ الْعَرَبِيِّ، وَقَوْلُهُ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ: لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ هَذَا التعريف. والتدبير: التَّفَهُّمُ لِمَا يَتْبَعُ ظَاهِرَهُ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَالْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَالتَّذَكُّرُ: الِاتِّعَاظُ بِقِصَصِهِ وَأَمْثَالِهِ. وَقَوْلُهُ: الْمُتَوَاتِرُ يُخْرِجُ مَا لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ كَالْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ، والأحاديث القدسية.

стр. 100

وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: هُوَ الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ، فَخَرَجَ الْكَلَامُ الَّذِي لَمْ يُنَزَّلْ، وَالَّذِي نُزِّلَ لَا لِلْإِعْجَازِ كَسَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالسُّنَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْإِعْجَازِ: ارْتِقَاؤُهُ فِي الْبَلَاغَةِ إِلَى حَدٍّ خَارِجٍ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ، وَلِهَذَا عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالسُّورَةِ: الطَّائِفَةُ مِنْهُ الْمُتَرْجَمُ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا تَوْقِيفًا. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ: بِأَنَّ الْإِعْجَازَ لَيْسَ لَازِمًا بَيِّنًا، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ فِيهِ رَيْبٌ، وَبِأَنَّ مَعْرِفَةَ السُّورَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقُرْآنِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ اللُّزُومَ بَيِّنٌ وَقْتَ التَّعْرِيفِ لِسَبْقِ الْعِلْمِ بِإِعْجَازِهِ، وَبِأَنَّ السُّورَةَ اسْمٌ لِلطَّائِفَةِ الْمُتَرْجَمَةِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ، قُرْآنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، بِدَلِيلِ سُورَةِ الْإِنْجِيلِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ فِي حَدِّهِ: هُوَ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ تَوَاتُرًا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِنَا، الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ، الْمَنْقُولُ تَوَاتُرًا بِلَا شُبْهَةٍ. فَالْقُرْآنُ تَعْرِيفٌ لَفْظِيٌّ لِلْكِتَابِ، وَالْبَاقِي رَسْمِيٌّ وَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا سَبَقَ، وَيُجَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ بِمَا مَرَّ. وَقِيلَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْعَرَبِيُّ الثَّابِتُ في اللوم الْمَحْفُوظِ لِلْإِنْزَالِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ: بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْقُدْسِيَّةَ وَالْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةَ بَلْ وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ ١ وَأُجِيبَ بِمَنْعِ كَوْنِهَا أُثْبِتَتْ فِي اللَّوْحِ لِلْإِنْزَالِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمَتْلُوُّ الْمُتَوَاتِرُ، وَهَذَا لَا يَرِدُ عليه ما ورد على الحدود فتدبر.

стр. 101

الفصل الثاني: حكم المنقول آحَادًا اخْتُلِفَ فِي الْمَنْقُولِ آحَادًا هَلْ هُوَ قُرْآنٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ:" لَيْسَ بِقُرْآنٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ "مِمَّا"* تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، لِكَوْنِهِ كَلَامَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَكَوْنِهُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَوْنِهِ مُعْجِزًا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَوَاتَرَ، فَمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ "لَيْسَ"** بقرآن.

стр. 102

هَكَذَا قَرَّرَ أَهْلُ الْأُصُولِ "دَلِيلَ"* التَّوَاتُرِ، وَقَدِ ادَّعَى تَوَاتُرَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو١، وَنَافِعٍ٢، وَعَاصِمٍ٣، وَحَمْزَةَ٤ وَالْكِسَائِيِّ٥، وَابْنِ كَثِيرٍ٦، وَابْنِ عَامِرٍ٧ دُونَ غَيْرِهَا، وَادَّعَى أَيْضًا تَوَاتَرَ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ، وَهِيَ هَذِهِ مَعَ قِرَاءَةِ يَعْقُوبَ٨، وَأَبِي جَعْفَرٍ٩، وَخَلَفٍ١٠ وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ أَثَارَةٌ مَنْ عِلْمٍ، فَإِنَّ هَذِهِ القراءات كل واحدة منها منقولة

стр. 103

نَقْلًا آحَادِيًا، كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ أَسَانِيدَ هَؤُلَاءِ الْقُرَّاءِ لِقِرَاءَاتِهِمْ، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ القرءات مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ، وَفِيهَا مَا هُوَ آحَادٌ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِتَوَاتُرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّبْعِ، فَضْلًا عَنِ الْعَشْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَأَهْلُ الْفَنِّ أَخْبَرُ بِفَنِّهِمْ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ الشَّرِيفُ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ الْمَشْهُورُونَ فَهُوَ قُرْآنٌ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَإِنِ احْتَمَلَ رَسْمُ الْمُصْحَفِ قِرَاءَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ مَعَ مُطَابَقَتِهَا لِلْوَجْهِ الْإِعْرَابِيِّ. وَالْمَعْنَى الْعَرَبِيِّ، فَهِيَ قُرْآنٌ كُلُّهَا. وَإِنِ احْتَمَلَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ، فَإِنْ صَحَّ إِسْنَادُ مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ، وَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلْوَجْهِ الْإِعْرَابِيِّ، وَالْمَعْنَى الْعَرَبِيِّ، فَهِيَ الشَّاذَّةُ، وَلَهَا حُكْمُ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَدْلُولِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. وَأَمَّا مَا لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ مِمَّا لَمْ يَحْتَمِلْهُ الرَّسْمُ فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَلَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ أَخْبَارِ الْآحَادِ. أَمَّا انْتِفَاءُ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَلِعَدَمِ صِحَّةِ إِسْنَادِهِ، وَإِنْ وَافَقَ الْمَعْنَى الْعَرَبِيَّ وَالْوَجْهَ الْإِعْرَابِيَّ فَلَا اعْتِبَارَ بِمُجَرَّدِ الْمُوَافَقَةِ، مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أحرف١، وصح عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى أَقْرَأَنِي عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"٢. وَالْمُرَادُ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ: لُغَاتُ الْعَرَبِ، فَإِنَّهَا بَلَغَتْ إِلَى سَبْعِ لُغَاتٍ، اخْتَلَفَتْ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَاتَّفَقَتْ فِي غَالِبِهَا، فَمَا وَافَقَ لُغَةً مِنْ تِلْكَ اللُّغَاتِ، فَقَدْ وَافَقَ الْمَعْنَى الْعَرَبِيَّ وَالْإِعْرَابِيَّ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَاجَةٌ إِلَى بَسْطٍ تَتَّضِحُ بِهِ حَقِيقَةُ مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ أَفْرَدْنَاهَا بِتَصْنِيفٍ٣ مُسْتَقِلٍّ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْبَحْثِ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بين القراء في

стр. 104

الْبَسْمَلَةِ، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَلْ هِيَ آيَةٌ مَنْ كُلِّ سُورَةٍ١، أَوْ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ٢، أَوْ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ٣، أَوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ٤، وَلَا هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ٥، وَأَطَالُوا الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ. وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَجَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ وَذَكَرَهَا في مسائل أصول الدين. الحق أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ لِوُجُودِهَا فِي رَسْمِ الْمَصَاحِفِ، وَذَلِكَ هُوَ الرَّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي إِثْبَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ لِلْقُرْآنِ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى ثُبُوتِهَا خطأ في المصحف في أوائل السور، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ كَوْنَهَا قُرْآنًا مِنَ الْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَبِهَذَا الْإِجْمَاعِ حَصَلَ الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ النَّقْلُ، مَعَ كَوْنِهِ نَقْلًا إِجْمَاعِيًّا بَيْنَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ. وَأَمَّا الرُّكْنُ الثالث: وهو موافقها للوجه الإعرابي والمعنى فَذَلِكَ ظَاهِرٌ. إِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّ نَفْيَ كَوْنِهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَعَ تَسْلِيمِ وَجُودِهَا فِي الرَّسْمِ مُجَرَّدُ دَعْوَى غَيْرِ مَقْبُولَةٍ. وَكَذَلِكَ دَعْوَى كَوْنِهَا آيَةً وَاحِدَةً، أَوْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ، مَعَ تَسْلِيمِ وُجُودِهَا فِي الرَّسْمِ في أول كل سورة، فإنها دعوى مجرد عَنْ دَلِيلٍ مَقْبُولٍ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهَا تُقْرَأُ٦ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تُقْرَأُ٧، وَعَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهَا تُقْرَأُ هَلْ يُسَرُّ بِهَا مُطْلَقًا٨ أَوْ تكون على صفة ما يقرأ مِنَ الْإِسْرَارِ فِي السِّرِّيَّةِ، وَالْجَهْرِ فِي الْجَهْرِيَّةِ٩، فلا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ١٠، وَذَكَرْنَا فِي "شَرْحِ الْمُنْتَقَى"١١ مَا إِذَا رجعت إليه تحتج إلى غيره.

стр. 105

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ اعلم أنه لَا اخْتِلَافَ فِي وُقُوعِ النَّوْعَيْنِ فِيهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِهِمَا: فَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا لَهُ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَهُ دَلَالَةٌ غَيْرُ وَاضِحَةٍ، فَيَدْخُلُ فِي الْمُتَشَابِهِ الْمُجْمَلُ وَالْمُشْتَرَكُ. وَقِيلَ فِي الْمُحْكَمِ: هُوَ مُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَفِي الْمُتَشَابِهِ هُوَ غَيْرُ الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى، وَهُوَ كَالْأَوَّلِ٢، وَيَنْدَرِجُ في المتشابه ما تقدم٣. والفرق بيهما٤ أَنَّهُ جَعَلَ فِي التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ الِاتِّضَاحَ وَعَدَمَهُ لِلدَّلَالَةِ، وَفِي الثَّانِي لِنَفْسِ الْمَعْنَى. وَقِيلَ فِي الْمُحْكَمِ هُوَ: مَا اسْتَقَامَ نَظْمُهُ لِلْإِفَادَةِ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اخْتَلَّ نَظْمُهُ لِعَدَمِ الْإِفَادَةِ، وَذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى، هَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ. واعترض عليه بأن القول باختلاف نَظْمِ الْقُرْآنِ٥ مِمَّا لَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُسْلِمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّهِ هُوَ: مَا استقام نظمه لا للإفادة بل للابتداء. وَقِيلَ الْمُحْكَمُ: مَا عُرِفَ الْمُرَادُ مِنْهُ، إِمَّا بِالظُّهُورِ، وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ الْفَرَائِضُ، وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَالْمُتَشَابِهُ الْقِصَصُ وَالْأَمْثَالُ. وَقِيلَ الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ، وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَحُكْمُ المحكم هو وجوب العمل به، وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْحَقُّ عَدَمُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ٦ والوقف على قوله: ﴿إِلَّا

стр. 106

اللَّه﴾ مُتَعَيَّنٌ وَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِه﴾ حَالِيَّةً، وَلَا مَعْنًى لِتَقْيِيدِ عِلْمِهِمْ بِهِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ حَالُ كَوْنِهِمْ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي تَفْسِيرِنَا الَّذِي سَمَّيْنَاهُ "فَتْحَ الْقَدِيرِ"١ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يُثْلِجُ خَاطَرَ الْمُطَّلِعِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْمُتَشَابِهِ لِعِلَّةِ كَوْنِهِ لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ بَلْ لِعِلَّةِ قُصُورِ أَفْهَامِ الْبَشَرِ عَنِ الْعِلْمِ بِهِ وَالِاطِّلَاعُ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ، كَمَا فِي الْحُرُوفِ الَّتِي فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ لَهَا مَعْنًى لَمْ تَبْلُغْ أَفْهَامُنَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ، فَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ تَمَحَّلَ لِتَفْسِيرِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّقَوُّلِ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ، وَمِنْ تَفْسِيرِ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ، وَقَدْ وَرَدَ الوعيد الشديد عليه.

стр. 107

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْمُعَرَّبِ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا ؟ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى عِنْدَ غَيْرِ الْعَرَبِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. كَإِسْمَاعِيلَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وإسحاق، وَيَعْقُوبَ، وَنَحْوِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ نَفَاهُ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ، وَشُرَّاحُ كِتَابِهِ النَّفْيَ لِوُجُودِهِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ سِوَى تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ مَا وُجِدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُعَرَّبِ مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ الْعَرَبِيَّةُ وَالْعَجَمِيَّةُ وَمَا أَبْعَدَ هَذَا التَّجْوِيزَ، وَلَوْ كَانَ يَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ فِي مُوَاطِنِ الْخِلَافِ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ بِمُجَرَّدِ التَّجْوِيزِ، وَتَطَرَّقَ الْمُبْطِلُونَ إِلَى دَفْعِ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْعُجْمَةَ عِلَّةٌ مِنَ الْعِلَلِ الْمَانِعَةِ لِلصَّرْفِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ التَّجْوِيزِ الْبَعِيدِ تَأْثِيرٌ لَمَا وَقَعَ مِنْهُمْ هَذَا الْإِجْمَاعُ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ النَّافُونَ بِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ فِيهِ مَا لَيْسَ هُوَ بِعَرَبِيٍّ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّهُ عَرَبِيًّا وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْ هَذَا١. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَأْتِ الْأَكْثَرُونَ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ اللُّغَاتِ الرُّومِيَّةِ، وَالْهِنْدِيَّةِ، وَالْفَارِسِيَّةِ، وَالسُّرْيَانِيَّةِ، مَا لَا يَجْحَدُهُ جَاحِدٌ، وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ مُخَالِفٌ،

стр. 108

حَتَّى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ، وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلْيَبْحَثْ كُتُبَ التَّفْسِيرِ فِي مِثْلِ: الْمِشْكَاةِ١ وَالْإِسْتَبْرَقِ٢، وَالسِّجِّيلِ٣، وَالْقِسْطَاسِ٤، وَالْيَاقُوتِ٥، وَأَبَارِيقَ٦، والتنور٧.

стр. 109

المقصد الثاني: في السنّة الفصل الأول: في معنى السنّة لغة وشرعا ... الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَى السُّنَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا وأما لُغَةً: فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ، وَأَصْلُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ سَنَنْتُ الشَّيْءَ بِالْمِسَنِّ١ إِذَا أَمْرَرْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهِ سَنًّا أَيْ: طَرِيقًا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهَا الدَّوَامُ فَقَوْلُنَا: سُنَّةٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِالْإِدَامَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَنَنْتَ الْمَاءَ إِذَا وَالَيْتَ فِي صَبِّهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ٢: أَصْلُهَا الطَّرِيقَةُ الْمَحْمُودَةُ، فَإِذَا أُطْلِقَتِ انْصَرَفْتَ إِلَيْهَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهَا مُقَيَّدَةً كَقَوْلِهِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً" وَقِيلَ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَادَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ٣. وَأَمَّا مَعْنَاهَا شَرْعًا: أَيْ: فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَهِيَ: قَوْلُ النبي ﷺ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ، وَتُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ عَلَى الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ، وَأَمَّا فِي عُرْفِ أَهْلِ الْفِقْهِ فَإِنَّمَا يُطْلِقُونَهَا عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْبِدْعَةَ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي "فِقْهِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ"٤: وَكَرِهَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: سُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْهَادِينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" ٥. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ هُنَا الطَّرِيقَةَ. وَقِيلَ فِي حَدِّهَا اصْطِلَاحًا هِيَ: مَا يُرَجَّحُ جَانِبُ وُجُودِهِ عَلَى جَانِبِ عَدَمِهِ تَرْجِيحًا لَيْسَ مَعَهُ الْمَنْعُ مِنَ النَّقِيضِ. وَقِيلَ هِيَ: مَا وَاظَبَ عَلَى فعله النبي ﷺ مَعَ تَرْكٍ مَا بَلَا عُذْرٍ. وَقِيلَ هِيَ: فِي الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةُ، وَفِي الْأَدِلَّةِ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَحْثِ عَنْهُ في هذا العلم.

стр. 110

الفصل الثاني: في حجية السنة واستقلالها بالتشريع ... البحث الثاني: في حجية السنة واستقلالها بِالتَّشْرِيعِ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اتَّفَقَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَأَنَّهَا كَالْقُرْآنِ فِي تَحْلِيلِ الْحَلَالِ وَتَحْرِيمِ الْحَرَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" ١ أَيْ: أُوتِيَتُ الْقُرْآنَ وَأُوتِيَتُ مِثْلَهَ مِنَ السُّنَّةِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ كَتَحْرِيمِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ. وَأَمَّا مَا يُرْوَى مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ٢ فِي الْأَمْرِ بِعَرْضِ الْأَحَادِيثِ عَلَى القرآن فقال يحيى بن معين٣: إنه موضع وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَوَاهُ أَحَدٌ عَمَّنْ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ فِي شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ٤ فِي كِتَابِ "جَامِعِ الْعِلْمِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ٥: الزنادقة والخوارج وضعوا
следующие страницы →