Полный текст (960 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: فِي نَسْخِ الْمَفْهُومِ
وَقَدْ تقدم تقسميه إِلَى مَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ، وَمَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ.
أَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ: فَيَجُوزُ "نَسْخُهُ"* مَعَ نَسْخِ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَيَجُوزُ نَسْخُهُ بِدُونِ نَسْخِ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ كقوله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" ١ فَإِنَّهُ نُسِخُ مَفْهُومُهُ، بِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" ٢ وَفِي لَفْظٍ: "إِذَا لَاقَى الْخِتَانُ الْخِتَانَ" ٣ فَهَذَا نَسَخَ مَفْهُومَ "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" وَبَقِيَ مَنْطُوقُهُ مُحْكَمًا، غَيْرَ مَنْسُوخٍ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ مِنَ الْإِنْزَالِ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا نَسْخُ الْأَصْلِ دُونَ الْمَفْهُومِ، فَفِي جَوَازِهِ احْتِمَالَانِ، ذَكَرَهُمَا الصَّفِّيُّ الْهِنْدِيُّ، قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يجوز.
وقال سَلِيمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ": مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ اللَّفْظُ وَيَبْقَى دَلِيلُ الْخِطَابِ.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلَّفْظِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يسقط الأصل ويكون الفرع باقيا٤.
стр. 597
وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ: فَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ، والنسخ بِهِ، أَمْ لَا؟
أَمَّا جَوَازُ النَّسْخِ بِهِ، فَجَزَمَ الْقَاضِي بِجَوَازِهِ فِي "التَّقْرِيبِ" وَقَالَ: لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ النَّسْخِ بِمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الكتاب وظاهره، وجوازه بِمَا اقْتَضَاهُ فَحْوَاهُ وَلَحْنُهُ، وَمَفْهُومُهُ، وَمَا أَوْجَبَهُ الْعُمُومُ وَدَلِيلُ الْخِطَابِ عِنْدَ مُثْبِتِهَا؛ لِأَنَّهُ كَالنَّصِّ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. انْتَهَى.
وَكَذَا جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. قَالَ: لِأَنَّهُ مِثْلُ النُّطْقِ وَأَقْوَى.
وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ مَا يُنْسَخُ بِمَنْطُوقِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي "الْحَاوِي"، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي "اللُّمَعِ"، وَسَلِيمٌ الرَّازِيُّ، وَصَحَّحُوا الْمَنْعَ، وَالْمَاوَرْدِيُّ نَقَلَهُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ النَّصِّ، الَّذِي هُوَ أَقْوَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ.
قَالَ: وَالثَّانِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ الْجَوَازُ.
وَأَمَّا جَوَازُ نَسْخِهِ: فَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُنْسَخَ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ.
الثاني: أَنْ يُنْسَخَ تَبَعًا لِأَصْلِهِ.
وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ الثَّانِي.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَجَعَلُوهُ مَعَ أَصْلِهِ كَالنَّصَّيْنِ، يَجُوزُ نَسْخُ أَحَدِهِمَا مَعَ بَقَاءِ الْآخَرِ، وَنَقَلَهُ سَلِيمٌ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. "قَالَ"*: بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنَ اللَّفْظِ، فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ لَفْظَيْنِ، فَجَازَ نَسْخُ أَحَدِهِمَا، مَعَ بقاء حكم الآخر.
والقول الثَّانِي: الْمَنْعُ، وَصَحَّحَهُ سَلِيمٌ الرَّازِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الرُّويَانِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ لَفْظِهِ مُوجِبٌ لِفَحْوَاهُ وَمَفْهُومِهِ، فَلَمْ يَجُزْ نَسْخَ الْفَحْوَى مَعَ بَقَاءِ مُوجِبِهِ، كَمَا لَا يُنْسَخُ الْقِيَاسُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَقَالَ: إِنْ كانت علة المنطوق لا تحتمل التغيير،
стр. 598
كَإِكْرَامِ الْوَالِدَيْنِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّأْفِيفِ، فَيَمْتَنِعُ نَسْخَ الْفَحْوَى؛ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، وَإِنِ احْتَمَلَتِ النَّقْضَ جَازَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، قَاصِدًا بِذَلِكَ حِرْمَانَهُ "لِأَكْثَرَ مِنْهُ"*، ثُمَّ يَقُولُ: أَعْطِهِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ عِلَّةِ حرمانه إلى العلة مواساته.
وهذا التفصيل قوي جدا.
стр. 599
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ
هَلْ تَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ النَّصِّ أَمْ لَا؟ وذلك يختلف باختلاف الصور، فالزائد إما أن يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ أَوْ لَا.
الْأَوَّلُ:
الْمُسْتَقِلُّ: "وَهُوَ"* إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ، كَزِيَادَةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَيْسَ بِنَاسِخٍ، لِمَا "تَقَدَّمَهُ"** مِنَ الْعِبَادَاتِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ عِبَادَةٍ عَلَى الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ نَسْخًا لِلْعِبَادَاتِ. انْتَهَى. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي مِثْلِ هَذَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِعَدَمِ التنافي.
وإما أن تكون مِنْ جِنْسِهِ، كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهَا تَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ١؛ لأنها تجعلها غير الوسطي، و"هذا"*** قَوْلٌ بَاطِلٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا شُبْهَةَ دَلِيلٍ، فَإِنَّ الْوُسْطَى لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُتَوَسِّطَةَ في العدد، بل المراد بِهَا الْفَاضِلَةُ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الْعَدَدِ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مُخْرِجَةً لَهَا عَنْ كَوْنِهَا مِمَّا يُحَافَظُ عَلَيْهِ، فَقَدْ عُلِمَ تَوَسُّطُهَا عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَصَارَتْ مُسْتَحِقَّةً لِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا وسطى.
стр. 600
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَيَلْزَمُهُمْ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ عَلَى الْعِبَادَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَزِيدَةَ تَصِيرُ أَخِيرَةً، وَتُجْعَلُ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ أَخِيرَةً غَيْرَ أَخِيرَةٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَأَلْزَمَهُمْ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ": بأنه لو كان عدد كل الوجبات قَبْلَ الزِّيَادَةِ عَشْرَةً، فَبَعْدَ الزِّيَادَةِ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الْعَدَدُ، فَيَكُونُ نَسْخًا، يَعْنِي: وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ١.
الثَّانِي: الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى الرَّكَعَاتِ، وَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجِلْدِ، وَزِيَادَةِ وَصْفِ الرَّقَبَةِ بِالْإِيمَانِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ نَسْخًا مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَغَيْرُهُمْ من المعتزلة كأبي علي، وأبي هاشم*، وَسَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَانِعَةً من إجزاء الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِدُونِهَا، أَوْ غَيْرَ مَانِعَةٍ.
الثَّانِي: أَنَّهَا نَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيُّ: وَسَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي السَّبَبِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حِكْمَةٍ تُوجِبُ النَّسْخَ. حَكَاهُ الصَّيْمَرِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
قَالَ ابْنُ فُورَكَ، وَإِلْكِيَا: وَعُزِيَ إلى الشافعية أيضًا.
الثالث: إن كان المزيد عليه ينفي الزِّيَادَةِ بِفَحْوَاهُ، فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ، كَقَوْلِهِ: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ" ٢ فَإِنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَنْفِي تِلْكَ الزِّيَادَةَ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانَ، وَصَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ"، وَغَيْرُهُمَا.
الرَّابِعُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ إِنْ غَيَّرَتِ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا شَرْعِيًّا، حَتَّى صَارَ لَوْ فَعَلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى حَدِّ.
стр. 601
ما كان يفعلها قبلها لم يتعد بِهِ، وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ "كَانَتْ"* نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ يَصِحُّ فِعْلُهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لَمْ تَكُنْ نَسْخًا، كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ الْجَبَّارِ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ"، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَغَيْرُهُمَا، وَحَكَاهُ سَلِيمٌ عَنِ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَالْإِسْتَرَابَادِيِّ١، وَالْبَصْرِيِّ٢.
الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَتَّصِلَ بِهِ فَهِيَ نَسْخٌ، وَبَيْنَ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْهُ، فَلَا تَكُونُ نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ.
السَّادِسُ: إِنْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُغَيِّرَةً لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كانت نسخًا، وإن لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِأَنْ كَانَتْ مُقَارَنَةً، لَمْ تَكُنْ نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ فُورَكَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ صَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ": وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.
السَّابِعُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ إِنْ رَفَعَتْ حُكْمًا عَقْلِيًّا، أَوْ مَا ثَبَتَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، لَمْ تَكُنْ نَسْخًا؛ لِأَنَّا لَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ الْأَحْكَامَ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ إِيجَابَهُ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ رَفْعَهَا يَكُونُ نَسْخًا، وَإِنْ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، كَانَتْ نَسْخًا.
حَكَى هَذَا التَّفْصِيلَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْأَوْسَطِ" عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الْحَقُّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ فِي "الْمُعْتَمَدِ"، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ"، وَظَاهِرُ كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيِّ فِي "الْبُرْهَانِ".
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إِنَّهُ أَجْوَدُ الطُّرُقِ وَأَحْسَنُهَا، فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كَمَا تَرَى.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ لَا حَاصِلَ لَهَا، وَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ عِنْدَ الْكُلِّ أَنَّ مَا رَفَعَ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَ نَسْخًا حَقِيقَةً، وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامِ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، فَإِنَّ الْقَائِلَ: "أَنَا أَفْصِلُ"** بَيْنَ مَا رَفَعَ حكمًا
стр. 602
شَرْعِيًّا، وَمَا لَا يَرْفَعُ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ نَسْخًا فَهِيَ نَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا لَا حَاصِلَ لَهُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ مِنْهُمْ هَلْ تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَتَكُونُ نَسْخًا، أَوْ لَا فَلَا تَكُونُ نَسْخًا؟ فَلَوْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا "تَنْسَخُ، أَوْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا"* لَيْسَتْ بِنَسْخٍ، وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهَا رَفْعٌ أَمْ لَا. انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَاعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ، وَكَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، فَلَا يُنْسَخُ إِلَّا بِقَاطِعٍ، كَالتَّغْرِيبِ١، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ نَسْخًا نَفَاهُ؛ لِأَنَّهُ نَسْخٌ لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَسْخًا قَبِلُوهُ؛ إِذْ لَا مُعَارَضَةَ.
وَقَدْ رَدُّوا -يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ- بِذَلِكَ أَخْبَارًا صَحِيحَةً، لَمَّا اقْتَضَتْ زِيَادَةً عَلَى الْقُرْآنِ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَرَدُّوا أَحَادِيثَ تُعَيِّنُ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ٢، وَمَا وَرَدَ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ٣، وَمَا وَرَدَ فِي إِيمَانِ الرَّقَبَةِ٤، وَمَا وَرَدَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ٥. انْتَهَى.
وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي طَالَتْ ذُيُولُهَا، وَكَثُرَتْ شُعَبُهَا، هَانَ عَلَيْكَ الْخَطْبُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ ما عرفته.
стр. 603
المسألة السادسة عشر: في النُّقْصَانُ مِنَ الْعِبَادَةِ هَلْ يَكُونُ نَسْخًا
...
الْمَسْأَلَةُ السادسة عشرة: في النقصان من العبادة هل يكون نسخا
لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النُّقْصَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ نَسْخٌ لِمَا أُسْقِطَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا فِي جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ ثُمَّ أُزِيلَ وُجُوبُهُ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ لَا يَكُونُ نَسْخُهُ نَسْخًا لَهَا، كَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ الْآمِدِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ.
وَأَمَّا نَسْخُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ، سَوَاءً كَانَ جُزْءًا لَهَا، كَالشَّطْرِ، أَوْ خَارِجًا كَالشَّرْطِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ نَسْخَهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ، بَلْ يَكُونُ بِمَثَابَةِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْآمِدِيُّ، قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إِنَّهُ الْحَقُّ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ" عَنِ الْكَرْخِيِّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ نَسْخٌ لِلْعِبَادَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ بَرْهَانَ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ.
الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الشَّرْطِ، فَلَا يَكُونُ نَسْخُهُ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ، وَبَيْنَ الْجُزْءِ كَالْقِيَامِ، وَالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ نَسْخُهُ نَسْخًا لَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَوَافَقَهُ الْغَزَالِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَالُوا: لِأَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمَشْرُوطِ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ، وَهَذَا فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ، أَمَّا الشَّرْطُ الْمُنْفَصِلُ، فَقِيلَ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ نَسْخَهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِلْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ.
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِمَّا لَا تُجْزِئُ الْعِبَادَةُ قَبْلَ النَّسْخِ إِلَّا بِهِ، فَيَكُونُ نَسْخُهُ نَسْخًا لَهَا، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجُزْءِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تُجْزِئُ الْعِبَادَةُ قَبْلَ النَّسْخِ بِدُونِهِ فَلَا يَكُونُ نَسْخُهُ نَسْخًا لَهَا.
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "اللُّمَعِ".
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ: بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الشَّرْطِ١ وَالشَّطْرِ٢، بِأَنَّهُمَا أَمْرَانِ، فلا يقتضي نسخ أحدهما نسخ الآخر.
стр. 604
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ لَافْتَقَرَتْ فِي وُجُوبِهَا إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ. وَإِنَّهُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ: بِأَنَّ نَسْخَ الشَّطْرِ يَقْتَضِي نَسْخَ الْعِبَادَةِ، دُونَ نَسْخِ الشَّرْطِ، بِأَنَّ نُقْصَانَ الرَّكْعَةِ مِنَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي رَفْعَ وُجُوبِ تَأْخِيرِ التَّشَهُّدِ، وَرَفْعَ إِجْزَائِهَا مِنْ دُونِ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ قَبْلَ النَّسْخِ كَانَتْ غَيْرَ مُجْزِئَةٍ بِدُونِ الرَّكْعَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ لِلْبَاقِي مِنَ الْعِبَادَةِ أَحْكَامًا مُغَايِرَةً لِأَحْكَامِهَا قَبْلَ رَفْعِ ذَلِكَ الشَّطْرِ، فَكَانَ النَّسْخُ مُغَايِرًا لِنَسْخِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ.
وَأَيْضًا الثَّابِتُ فِي الْبَاقِي هُوَ الْوُجُوبُ الْأَصْلِيُّ، وَالزِّيَادَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى الْجَوَازِ الْأَصْلِيِّ، وَإِنَّمَا الزَّائِلُ وُجُوبُهَا، فَارْتَفَعَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا إِلَى حكم شرعي، فلا يكون ذلك نسخا١.
стр. 605
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: فِي الطَّرِيقِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَوْنُ النَّاسِخِ نَاسِخًا
وَذَلِكَ أُمُورٌ:
الْأَوَّلُ:
أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ اللَّفْظُ، بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ ما يدل على تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا وَتَأَخَّرَ الْآخَرُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْمُرَادُ بِالتَّقَدُّمِ التَّقَدُّمُ فِي النُّزُولِ، لَا فِي التِّلَاوَةِ، فإن العدة بأربعة شهور وعشر سَابِقَةٌ عَلَى الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ فِي التِّلَاوَةِ، مَعَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ فِي اللَّفْظِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ١، فإن يَقْتَضِي نَسْخَهُ لِثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ، وَمِثْلِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ ٢.
الثَّانِي:
أَنْ يُعْرَفَ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ بِقَوْلِهِ ﷺ ، كَأَنْ يَقُولَ: هَذَا نَاسِخٌ لِهَذَا، أَوْ ما في معنى ذلك، كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها" ٣.
стр. 606
الثَّالِثُ:
أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ كَرَجْمِهِ لِمَاعِزٍ وَلَمْ يَجْلِدْهُ١ فَإِنَّهُ يُفِيدُ نَسْخَ قَوْلِهِ: "الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمُهُ بِالْحِجَارَةِ" ٢.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْفِعْلَ لَا يَنْسَخُ الْقَوْلَ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِالْفِعْلِ عَلَى تَقَدُّمِ النَّسْخِ لِلْقَوْلِ بِقَوْلٍ آخَرَ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَنْسُوخًا بِمِثْلِهِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلُ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ.
الرَّابِعُ:
إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ، كَنَسْخِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ "شَهْرِ"* رَمَضَانَ، ونسخ الحقوق المعلقة بِالْمَالِ بِالزَّكَاةِ. ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَذَا حَدِيثُ "مَنْ غَلَّ صَدَقَتَهُ" فقال ﷺ : "إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ" ٣، قَالَ: فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقَتْ عَلَى تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخهِ. انْتَهَى.
وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَدِلَّةِ بَيَانِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
قَالَ الْقَاضِي: يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَعَهُ خَبَرًا وَقَعَ بِهِ النَّسْخُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الصَّيْرَفِيُّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلًا عَلَى تَعَيُّنِ النَّصِّ لِلنَسْخِ، بَلْ جَعَلَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّسْخِ وَالْغَلَطِ.
الْخَامِسُ:
نَقْلُ الصَّحَابِيِّ لِتَقَدُّمِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَتَأَخُّرِ الْآخَرِ؛ إِذْ لَا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ وَاضِحٌ إِذَا كَانَ الْخَبِرَانِ غَيْرَ مُتَوَاتِرَيْنِ، أَمَّا إِذَا قَالَ فِي الْمُتَوَاتِرِ: إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْآحَادِ، فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ" بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَنَقَلَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: يُقْبَلُ. وَشَرَطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ كَوْنَ الرَّاوِي لَهُمَا وَاحِدًا.
السَّادِسُ:
كَوْنُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ شَرْعِيًّا، وَالْآخَرُ مُوَافِقًا لِلْعَادَةِ، فَيَكُونُ الشَّرْعِيُّ نَاسِخًا.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالنَّقْلِ عَنِ الْعَادَةِ، ثُمَّ يَرِدُ نَسْخُهُ وَرَدُّهُ إِلَى مَكَانِهِ.
وَأَمَّا حَدَاثَةُ الصَّحَابِيِّ وَتَأَخُّرُ إِسْلَامِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ دلال النَّسْخِ.
وَإِذَا لَمْ يُعْلَمِ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ، بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَرَجَّحَ قَوْمٌ، مِنْهُمُ ابْنُ الحاجب الوقف.
стр. 607
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ عُلِمَ افْتِرَاقُهُمَا مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ، وَإِنْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، فَالْوَاجِبُ إِمَّا الْوَقْفُ عَنِ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا، أَوِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا لم يعلم شيء من ذلك١.
стр. 608
المقصد الخامس: من مقاصد هذا الكتاب في الْقِيَاسُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ
الْفَصْلُ الأول: في تعريفه
...
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي تَعْرِيفِهِ
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ شَيْءٍ عَلَى مِثَالِ شَيْءٍ آخَرَ، وَتَسْوِيَتُهُ بِهِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمِكْيَالُ مِقْيَاسًا، وَمَا يُقَدَّرُ بِهِ النِّعَالُ مِقْيَاسًا، وَيُقَالُ: فُلَانٌ لَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ، أَيْ: لَا يُسَاوِيهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرُ قِسْتُ الشَّيْءَ، إِذَا اعْتَبَرْتُهُ، أَقِيسُهُ قَيْسًا وَقِيَاسًا، ومنه قيس الرأي، وسمي امرؤ الْقَيْسِ١ لِاعْتِبَارِ الْأُمُورِ بِرَأْيهِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ "الصِّحَاحِ"، وَابْنُ أَبِي الْبَقَاءِ٢ فِيهِ لُغَةً بِضَمِّ الْقَافِ، يُقَالُ: قُسْتُه أَقُوسُهُ قَوسًا؛ هُوَ عَلَى اللُّغَةِ الْأُولَى مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَعَلَى اللُّغَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا، بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا، مِنْ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ٣.
كَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَاخْتَارَهُ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَّا.
وَإِنَّمَا قَالَ: مَعْلُومٌ، لِيَتَنَاوَلَ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَجْرِي فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِحَمْلِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا إِعَادَةٌ لِذَلِكَ فَيَكُونُ تَكْرَارًا مِنْ غير فائدة.
стр. 609
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ أَيْضًا: بِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ "مُثْبِتٌ"* بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ آخَرَ، بِأَمْرٍ جَامِعٍ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ "أَيْضًا"**: بِأَنَّ إِثْبَاتَ لِفَظِ أَوْ فِي الْحَدِّ لِلْإِبْهَامِ، وَهُوَ يُنَافِي التَّعْيِينَ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ الْحَدِّ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّهُ مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لأصل في علة الحكم، أو زيادته عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي الْحُكْمِ.
وَقَالَ أبو الحسين البصري: هو تَحْصِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ.
وَقِيلَ: إِدْرَاجُ خُصُوصٍ فِي عُمُومٍ.
وَقِيلَ: إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ.
وَقِيلَ: إِلْحَاقُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: اسْتِنْبَاطُ الْخَفِيِّ مِنَ الْجَلِيِّ.
وَقِيلَ: حَمْلُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ بِبَعْضِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ.
وَقِيلَ: "الْجَمْعُ بَيْنَ النَّظِيرَيْنِ"***، وَإِجْرَاءُ حُكْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَقِيلَ: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ١.
وَقِيلَ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِجْرَاءُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ٢.
وَقِيلَ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ، بِضَرْبٍ مِنَ الشَّبَهِ٣.
وَعَلَى كُلِّ حَدٍّ مِنْ هَذِهِ الْحُدُودِ اعْتِرَاضَاتٌ يَطُولُ الْكَلَامُ بِذِكْرِهَا.
وَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي حَدِّهِ: اسْتِخْرَاجُ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ، لِمَا لَمْ يُذْكَرْ، بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا؛ فَتَأَمَّلْ هَذَا تَجِدْهُ صَوَابًا إِنْ شَاءَ الله.
стр. 610
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَعَذَّرُ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ فِي الْقِيَاسِ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ، كَالْحُكْمِ فَإِنَّهُ قَدِيمٌ، وَالْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فَإِنَّهُمَا حَادِثَانِ، وَالْجَامِعِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ "الْإِبْيَارِيُّ"*: الْحَقِيقِيُّ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يَتَرَكَّبُ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا وُضِعَ لَهُ اسْمُ الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِدْلَالُ الْمُجْتَهِدِ، وَفِكْرَةُ الْمُسْتَنْبَطِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي أَصْلِ الشَّيْءِ وَفَرْعِهِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. انْتَهَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضُوعِ١ الْقِيَاسِ: "فَقَالَ"** الرُّويَانِيُّ: وَمَوْضُوعُهُ طَلَبُ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا، مِنَ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصَةِ بِالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ مَعَانِيهَا؛ لِيَلْحَقَ كُلُّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ دون ما ذكرناه.
стр. 611
الفصل الثاني: في حجية القياس
مدخل
...
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ
اعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: كَمَا فِي الأودية، وَالْأَغْذِيَةِ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى حُجِّيَّةِ الْقِيَاسِ الصَّادِرِ منه ﷺ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى "أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ"* أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي "لَمْ"** يرد بها السمع.
стр. 612
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعَقْلُ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعَقْلُ يَقْتَضِي المنع من التعبد به، والأولون قسمان:
القسم الأول:
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَقَعْ١.
أَمَّا مَنِ اعْتَرَفَ بِوُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّمْعَ "دَلَّ"* عَلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ هَلْ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: الْقَفَّالُ مِنَّا، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ مِنَّا، وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فقد أنكروا ذلك.
والثاني:
أن أبا الحسن الْبَصْرِيَّ زَعَمَ أَنَّ دَلَالَةَ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ عَلَيْهِ ظَنِّيَّةٌ، وَالْبَاقُونَ قَالُوا: قَطْعِيَّةٌ.
وَالثَّالِثُ:
أَنَّ الْقَاسَانِيَّ وَالنَّهْرَوَانِيَّ٢ ذَهَبَا إِلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي صُورَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، أو يإيمائه٣.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: كَقِيَاسِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ قَالُوا بِسَائِرِ الْأَقْيِسَةِ.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ التَّعَبُّدَ لَمْ يَقَعْ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يُوجَدْ فِي السَّمْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ، فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ، بَلْ تَمَسَّكَ فِي نَفْيِهِ بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع العترة.
стр. 613
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي:
وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: بِأَنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ التَّعَبُّدِ بِهِ، فَهُمْ فَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا:
خَصَّصَ ذَلِكَ الْمَنْعَ بِشَرْعِنَا، وَقَالَ: لِأَنَّ مَبْنَى شَرْعِنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّظَّامِ.
وَالْفَرِيقُ الثَّانِي:
الَّذِينَ قَالُوا: يَمْتَنِعُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ. انْتَهَى.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الْمُثْبِتُونَ لِلْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: ثُبُوتُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَالشَّرْعِيَّاتِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالثَّانِي: ثُبُوتُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، دُونَ الشَّرْعِيَّاتِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَالثَّالِثُ: نَفْيُهُ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، وَثُبُوتُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ، وَلَا إِجْمَاعٌ، وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَارِفَ ضَرُورِيَّةٌ.
وَالرَّابِعُ: نَفْيُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ والشَّرْعِيَّاتِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الْأَصْفَهَانِيُّ. انْتَهَى.
وَالْمُثْبِتُونَ لَهُ اخْتَلَفُوا أَيْضًا.
قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ دَلِيلٌ بِالشَّرْعِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ دَلِيلٌ بِالْعَقْلِ، وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَرَدَتْ مُؤَكِّدَةً لَهُ.
وَقَالَ الدَّقَّاقُ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الرَّوْضَةِ"١، وَجَعَلَهُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِقَوْلِهِ: لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنِ الْقِيَاسِ. قَالَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَالنَّظَّامِ إِلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِقَوْلِهِ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ الْمُجْمَلَ وَالْقِيَاسَ.
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ أيضًا اختلافًا آخر، وهو: هل دَلَالَةُ السَّمْعِ عَلَيْهِ قَطْعِيَّةٌ أَوْ ظَنِّيَّةٌ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى الْأَوَّلِ، وَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْآمِدِيُّ إلى الثاني.
стр. 614
وأما المنكرون للقياس، فأول من باح بإنكاره النَّظَّامُ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، كَجَعْفَرِ بْنِ حرب١، وجعفر بن مبشر٢، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَافِيِّ٣، وَتَابَعَهُمْ عَلَى نَفْيِهِ فِي "الْأَحْكَامِ" دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ٤ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ "جَامِعِ الْعِلْمِ" أَيْضًا: لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوْحِيدِ، وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا دَاوُدَ، فَإِنَّهُ نَفَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْحِيدِ، وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عن داود، والنهرواني، وَالْمَغْرِبِيِّ٥، وَالْقَاسَانِيِّ: أَنَّ الْقِيَاسَ مُحَرَّمٌ بِالشَّرْعِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَأَمَّا دَاوُدُ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا حَادِثَةَ إِلَّا وَفِيهَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، أَوِ السُّنَّةِ، أَوْ مَعْدُولٌ عَنْهُ بِفَحْوَى النَّصِّ وَدَلِيلِهِ، وَذَلِكَ يُغني عَنِ الْقِيَاسِ.
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: ذَهَبَ دَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي دِينِ اللَّهِ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْأَحْكَامِ": ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِبْطَالِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ جُمْلَةً، وَهُوَ قَوْلُنَا الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ به، والقول بالعلل باطل. انتهى.
стр. 615
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ دَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ وَأَتْبَاعَهُ لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً.
وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْغَزَالِيُّ عَنِ الْقَاسَانِيِّ، والنَّهْرَوَانِيِّ الْقَوْلَ بِهِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ مِنَ الْقِيَاسِ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ وَنَقْلِيَّةٍ، وَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، فَالْقِيَامُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ يَكْفِيهِمْ، وَإِيرَادُ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهَا، وَقَدْ جَاءُوا بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، فَلَا نُطَوِّلُ الْبَحْثَ بِذِكْرِهَا.
وَجَاءُوا بِأَدِلَّةٍ نَقْلِيَّةٍ١، فَقَالُوا: دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّعَبُّدِ بالقياس الشرعي الكتاب، والسنة، والإجماع.
стр. 616
الأدلة من القرآن الكريم
...
الأدلة من القرن الكريم:
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ "الْمُرُورُ"*، يُقَالُ: عَبَرْتُ عَلَى النَّهْرِ، "وَعَبَرْتُ النَّهْرَ"**، وَالْمَعْبَرُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُعْبَرُ عَلَيْهِ، والمِعْبَر: السَّفِينَةُ الَّتِي يُعْبَرُ فِيهَا، كَأَنَّهَا أَدَاةُ الْعُبُورِ، والعَبْرَة: الدَّمْعَةُ الَّتِي عَبَرَتْ مِنَ الْجَفْنِ، وَعَبَرَ الرُّؤْيَا: جَاوَزَهَا إِلَى مَا يُلَازِمُهَا. قَالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَزَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهَا دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَالْقِيَاسُ عُبُورٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى حُكْمِ الْفَرْعِ، فَكَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الْأَمْرِ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ هُوَ الْمُجَاوَزَةُ فَقَطْ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاتِّعَاظِ لِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُ الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ: إِنَّهُ مُعْتَبَرٌ.
الثَّانِي:
أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِذَا لَمْ يَتَفَكَّرْ فِي أَمْرِ مَعَادِهِ يُقَالُ: إِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، أَوْ قَلِيلُ الِاعْتِبَارِ.
الثَّالِثُ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٢، ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ ٣، والمراد الاتعاظ.
стр. 617
الرَّابِعُ:
يُقَالُ: السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ، فَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ حَقِيقَةٌ فِي الِاتِّعَاظِ، لَا فِي الْمُجَاوَزَةِ، فَحَصَلَ التَّعَارُضُ بَيْنَ مَا قُلْتُمْ وَمَا قُلْنَا، فَعَلَيْكُمْ بِالتَّرْجِيحِ، ثُمَّ التَّرْجِيحُ مَعَنَا، فَإِنَّ الْفَهْمَ أَسْبَقُ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
سَلَّمْنَا أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ حَقِيقَةٌ، لَكِنَّ شَرْطَ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَا يمنع، "وقد وجد ههنا مَانِعٌ"* فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ فَقِيسُوا الذَّرَّةَ عَلَى الْبِرِّ كَانَ ذَلِكَ رَكِيكًا، لَا يَلِيقُ بِالشَّرْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أَنَّهُ وَجَدَ مَا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ على حقيقته.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُجَاوَزَةِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُجَاوَزَةِ أَمْرٌ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
بَيَانُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِدَلِيلٍ عَلَى مَدْلُولِهِ، فَقَدْ عَبَرَ مِنَ الدَّلِيلِ إِلَى الْمَدْلُولِ، فَسَمِيُّ الِاعْتِبَارِ مُشْتَرِكٌ فِيهِ بَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَاطِعِ، وَبِالنَّصِّ، وَبِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَبِالْقِيَاسِ مِنَ الشَّرْعِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ يُخَالِفُهُ الْآخَرُ بِخُصُوصِيَّتِهِ، وَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى مَا بِهِ الِامْتِيَازُ، لَا بِلَفْظِهِ، وَلَا بِمَعْنَاهُ، فَلَا يَكُونُ دَالًّا على النوع، الذي ليس إلا عبارة عن مَجْمُوعِ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ "وَجْهُهُ الِامْتِيَازُ، فَلَفْظُ الِاعْتِبَارِ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، لَا بِلَفْظِهِ وَلَا بِمَعْنَاهُ"**.
قَالَ: وَأَيْضًا فَنَحْنُ نُوجِبُ اعْتِبَارَاتٍ أُخَرَ:
الْأَوَّلُ:
إِذَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى عِلَّةِ الحكم، فههنا الْقِيَاسُ عِنْدَنَا وَاجِبٌ.
وَالثَّانِي:
قِيَاسُ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ على تحريم التأفيف٢.
والثالث:
الأقيسة في أمور الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهَا عِنْدَنَا وَاجِبٌ.
وَالرَّابِعُ:
أَنْ يُشَبِّهَ الْفَرْعَ بِالْأَصْلِ، فِي أَنْ لَا نَسْتَفِيدَ حُكْمَهُ إِلَّا مِنَ النَّصِّ.
وَالْخَامِسُ:
الِاتِّعَاظُ وَالِانْزِجَارُ، بِالْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ.
فَثَبَتَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْآتِيَ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَا يُسَمَّى اعْتِبَارًا؛ يَكُونُ خَارِجًا عَنْ عُهْدَةِ هَذَا الْأَمْرِ، وَثَبَتَ أن بيانه في صورة كَثِيرَةٍ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلَالَةٌ أَلْبَتَّةَ عَلَى الأمر بالقياس الشرعي.
стр. 618
ثُمَّ "قَالَ"*: جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْمُجَاوَزَةِ أَوْلَى لوجهين:
الأول:
أنه يقال: فلان "اعتبر فاتعظ"** فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار، وذلك بوجب التَّغَايُرَ.
الثَّانِي:
أَنَّ مَعْنَى الْمُجَاوَزَةِ حَاصِلٌ فِي الِاتِّعَاظِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَسْتَدِلَّ بِشَيْءٍ آخَرَ عَلَى حَالِ نَفْسِهِ؛ لَا يَكُونُ مُتَّعِظًا، ثُمَّ أَطَالَ فِي تَقْرِيرِ هَذَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
وَيُجَابُ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: بِالْمُعَارَضَةِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ قَاسَ هَذَا عَلَى هَذَا، فَاعْتَبَرَ، وَالْجَوَابُ الْجَوَابُ.
وَيُجَابُ عَنِ الثَّانِي: بِمَنْعِ وُجُودِ مَعْنَى الْمُجَاوَزَةِ فِي الِاتِّعَاظِ، فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَاتَّعَظَ بِهِ؛ لَا يُقَالُ فِيهِ: "إِنَّهُ"*** مُتَّصِفٌ بِالْمُجَاوَزَةِ، لَا لُغَةً، وَلَا شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا.
وَأَيْضًا يُمْنَعُ وجود المجاوزة في القياس الشرعي، وليس في اللغة مَا يُفِيدُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مَأْمُورًا بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِكَوْنِهِ فِيهِ معنى الاعتبار، لكان كل اعتبار، أو عبورا مأمورا به، واللازم باطل، فالملزوم مِثْلُهُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَشَرِّعِينَ، وَلَا مِنَ الْعُقَلَاءِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْبُرَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، أَوْ يُجْرِي دَمْعَ عَيْنِهِ، أَوْ يَعْبُرَ رُؤْيَا الرَّائِي، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ أَدْخَلُ فِي مَعْنَى الْعُبُورِ وَالِاعْتِبَارِ مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، لَا بِمُطَابَقَةٍ، وَلَا تَضَمُّنٍ، وَلَا الْتِزَامٍ، وَمَنْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَغَلَ الْحَيِّزَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ فِي "الرِّسَالَةِ" عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم﴾ ١.
قَالَ: فَهَذَا تَمْثِيلُ الشَّيْءِ بِعِدْلِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢.
وَأَوْجَبَ الْمِثْلَ، وَلَمْ يَقُلْ أَيَّ مِثْلٍ، فَوَكَلَ ذلك إلى اجتهادنا ورأينا.
стр. 619
وَأَمَرَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَقَالَ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١.انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ غَايَةَ مَا فِي آيَةِ الْجَزَاءِ هُوَ الْمَجِيءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَكَوْنُهُ مَثَلًا لَهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعَدْلَيْنِ، وَمُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِهِمَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِيجَابُ تَحَرِّي الصَّوَابِ فِي أَمْرِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ "فَأُولُو الْأَمْرِ"* هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْقِيَاسُ.
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدْلُولِ، بِالنَّظَرِ فِيمَا يُفِيدُهُ مِنَ الْعُمُومِ أَوِ الْخُصُوصِ، أَوِ الْإِطْلَاقِ أَوِ التَّقْيِيدِ، أَوِ الْإِجْمَالِ أَوِ التَّبْيِينِ فِي نَفْسِ النُّصُوصِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى اسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنْهُ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا انْدِرَاجَ الْقِيَاسِ تَحْتَ مُسَمَّى الِاسْتِنْبَاطِ، لَكَانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا "بِمِثْلِ الْقِيَاسِ"** الْمَنْصُوصِ عَلَى عِلَّتِهِ، وَقِيَاسِ الْفَحْوَى وَنَحْوِهِ، لَا بِمَا كَانَ مُلْحَقًا بِمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، الَّتِي هِيَ مَحْضُ رَأْيٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الشَّرْعِ بِمَا أَذِنَ اللَّهُ بِهِ، بَلْ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ بِمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ.
وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ٣ الْآيَةَ. قَالَ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَمَا جَازَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَخْلُو مِنَ الجهالة والنقص أجوز.
و"يجاب عَنْهُ بِمَنْعِ كَوْنِ هَذَا مِنَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الدَّلَالَةِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَجَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ: إِنَّمَا جَازَ"*** ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا يَخْلُو مِنَ الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ؛ لِأَنَّا لَا نَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ، بَلْ وَلَا نَظُنُّ ذَلِكَ، لما في فاعله من الجهالة والنقص.
стр. 620
وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ "أَيْضًا"* بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ١.
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِمَنْعِ كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، لَا بِمُطَابَقَةٍ، وَلَا تَضَمُّنٍ، وَلَا التزام، وغاية ما فيها الاستدلال بالأثر السابق على الأثر اللَّاحِقِ، وَكَوْنُ الْمُؤَثِّرِ فِيهِمَا وَاحِدًا، وَذَلِكَ غَيْرُ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، الَّذِي هُوَ إِدْرَاجُ فَرْعٍ تَحْتَ أَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ٢. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ، وَالْقِيَاسُ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مِثْلَيْنِ فِي الْحُكْمِ، فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْآيَةِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِمَنْعِ كَوْنِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْفَارِقِ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا تَسْوِيَةَ إِلَّا فِي الْأُمُورِ الْمُتَوَازِنَةِ، وَلَا تَوَازُنَ إِلَّا عِنْدَ الْقَطْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، لَا فِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي هِيَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الرَّأْيِ، وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّنُونِ الزَّائِفَةِ، وَخَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الخيالات المختلفة.
стр. 621
أدلة الْقِيَاسِ مِنَ السُّنَّةِ:
وَإِذَا عَرَفْتَ الْكَلَامَ عَلَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ لِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، فَاعْلَمْ، أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَدَلُّوا لِإِثْبَاتِهِ مِنَ السنة بقوله ﷺ فيما أخرجه أحمد، أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو١ -ابْنِ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ " قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ " قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ " قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو. قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهُ الَّذِي وَفَّقَ رسولَ رسولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ" ٢.
وَالْكَلَامُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ يَطُولُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِمَّا تُلقي بِالْقَبُولِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: أن اجْتِهَادَ الرَّأْيِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ في الطلب للحكم من النصوص الخفية.
стр. 622
ورد: بأنه قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، بَعْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْخَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الرَّدِّ: بِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَفْهُومٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الرَّأْيِ عَلَى مَا عَدَا الْقِيَاسَ فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ حُجَّةً لِإِثْبَاتِهِ، وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ كَمَا يَكُونُ بِاسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَابِ والسنة يكون بِالتَّمَسُّكِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ بِأَصَالَةِ الْإِبَاحَةِ فِي الْأَشْيَاءِ، أَوِ الْحَظْرِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ، أَوِ التَّمَسُّكِ بِالْمَصَالِحِ، أَوِ التَّمَسُّكِ بِالِاحْتِيَاطِ.
وَعَلَى تَسْلِيمِ دُخُولِ الْقِيَاسِ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ قِيَاسٍ، بَلِ الْمُرَادُ الْقِيَاسَاتُ الَّتِي يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا، كَالْقِيَاسِ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ، وَالْقِيَاسِ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِتِلْكَ الْقِيَاسَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَسَالِكِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مُجَرَّدُ الْخَيَالَاتِ الْمُخْتَلَّةِ، وَالشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ.
وَأَيْضًا فَعَلَى التَّسْلِيمِ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَيَّامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ؛ إِذْ ذَاكَ لَمْ تَكْمُلْ، فَيُمْكِنُ عَدَمُ وِجْدَانِ الدَّلِيلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَ أَيَّامِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ كَمُلَ الشَّرْعُ، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١؛ وَلَا مَعْنَى لِلْإِكْمَالِ إِلَّا وَفَاءُ النُّصُوصِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّرْعِ، إِمَّا بِالنَّصِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، أَوْ بِانْدِرَاجِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الشَّامِلَةِ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِنَ الْقِيَاسَاتِ، كَقَوْلِهِ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يقضى" ٤
стр. 623
وَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ، فَقَالَ: أَيَقْضِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حرام، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ" ١.
وَقَالَ لِمَنْ أَنْكَرَ وَلَدَهُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ أَسْوَدَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حَمُرٌ، قَالَ: "فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمِنْ أَيْنَ؟ " قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: "وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ" ٢.
وَقَالَ لِعُمَرَ، وَقَدْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ" ٣.
وَقَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" ٤.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ قِيَاسَاتٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى صَنَّفَ النَّاصِحُ الْحَنْبَلِيُّ٥ جزءا في أقيسته ﷺ .
ويجاب عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْيِسَةَ صَادِرَةٌ عَنِ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ، الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيمَا جَاءَنَا بِهِ عَنْهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦. وَيَقُولُ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٧، وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الذي كلامنا فيه إنما هو قياس من لم تثبت لَهُ الْعِصْمَةُ، وَلَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَلَا كَانَ كَلَامُهُ وَحْيًا، بَلْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ.
الْأَمَّارَةِ، وَبِعَقْلِهِ الْمَغْلُوبِ بِالْخَطَإِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْقِيَاسَاتِ الصَّادِرَةِ عنه ﷺ .
стр. 624
الأدلة من الإجماع:
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقِيَاسِ١.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: وَقَدْ بَلَغَ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ.
وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِجَمَاهِيرِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": مسلك الإجماع هو الذي عول عليه جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اشْتِهَارُ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، شَرْقًا وَغَرْبًا، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ مُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ: وَهَذَا "مِنْ"* أَقْوَى الْأَدِلَّةِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِمَنْعِ ثُبُوتِ هَذَا الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِذَلِكَ إِنَّمَا جَاءُونَا بِرِوَايَاتٍ عَنْ أَفْرَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَحْصُورِينَ، فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا لِجَمِيعِهِمْ، مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَقْطَارِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَرَدِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ لِمَا قَالَهُ الْبَعْضُ، كَمَا ذَلِكَ معروف؟!
بيانه أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْجِدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ٢، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ "مَا سَلَكَهُ مِنَ الْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ٣ عَلَى أَقْوَالٍ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ على بعض"**.
стр. 625
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ، وَأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ لِأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ١.
وَهَكَذَا وَقَعَ الْإِنْكَارُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ، وَالْقِيَاسُ إِنْ كَانَ مِنْهُ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَقَدْ أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ، كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقِيَاسَاتِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَى عِلَّتِهَا، وَالَّتِي قُطِعَ فِيهَا بِنَفْيِ الْفَارِقِ. فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ، الَّذِي اعْتَبَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وأثبتوه بِمَسَالِكَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، وَتُسَافِرُ فِيهَا الْأَذْهَانُ، حَتَّى تَبْلُغَ إِلَى مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَتَتَغَلْغَلَ فِيهَا الْعُقُولُ، حَتَّى تَأْتِيَ بِمَا لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ٢، وَلَا مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، فِي قَبِيلٍ وَلَا دَبِيرٍ٣.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا" ٤.
وَجَاءَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَبِمَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى، وَيُصَحِّحُ دَلَالَتَهُ وَيُؤَيِّدُ بَرَاهِينَهُ.
وَإِذَا عَرَفْتَ مَا حَرَّرْنَاهُ وَتَقَرَّرَ لَدَيْكَ جَمِيعُ مَا قَرَّرْنَاهُ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَأْخُوذَ بِهِ هُوَ مَا وَقَعَ النَّصُّ عَلَى عِلَّتِهِ، وَمَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ فَحْوَى الْخِطَابِ، أَوْ لَحْنِ الْخِطَابِ، عَلَى اصْطِلَاحِ مَنْ يُسَمِّي ذَلِكَ قِيَاسًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ مَفْهُومِ الموافقة.
стр. 626
ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ لَمْ يَقُولُوا بِإِهْدَارِ كُلِّ مَا يُسَمَّى قِيَاسًا، وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ، أَوْ مَقْطُوعًا فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، بَلْ جَعَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقِيَاسِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ، مَشْمُولًا بِهِ، مُنْدَرِجًا تَحْتَهُ، وَبِهَذَا يَهُونُ عَلَيْكَ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ عِنْدَكَ مَا اسْتَعْظَمُوهُ، وَيَقْرُبُ لَدَيْكَ مَا بَعَّدُوهُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَاصِّ صَارَ لَفْظِيًّا، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَاخْتِلَافُ طَرِيقَةِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ الْمَعْنَوِيَّ، لَا عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا، ولا عرفا، وقد قدمنا لك أنما جَاءُوا بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تَسْتَحِقُّ تَطْوِيلَ ذُيُولِ الْبَحْثِ بِذِكْرِهَا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَنْهَضَ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ، فَإِنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ إِخْبَارِهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهَا دِينَهَا، وَبِمَا أَخْبَرَهَا رَسُولُهُ ﷺ ، مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا عَلَى الْوَاضِحَةِ الَّتِي لِيَلُهَا كَنَهَارِهَا.
ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ صَحِيحٍ، وَفَهْمٍ صَالِحٍ أَنَّ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمُطْلَقَاتِهِمَا، وَخُصُوصِ نُصُوصِهِمَا مَا يَفِي بِكُلِّ حَادِثَةٍ تَحْدُثُ، وَيَقُومُ بِبَيَانِ كُلِّ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ، عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ عَرَفَهُ، وَجَهِلَهُ من جهله.
стр. 627
الفصل الثالث: في أركان القياس
مدخل
...
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي أَرْكَانِ الْقِيَاسِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ، وَالْحُكْمُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَرْكَانِ فِي كُلِّ قِيَاسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالْحُكْمِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إِلَّا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِغَيْرِ أَصْلٍ، قَالَ: وَهُوَ مِنْ خَلْطِ الِاجْتِهَادِ بِالْقِيَاسِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ من أصل، "لأن الفروع"* لَا تَتَفَرَّعُ إِلَّا عَنْ أُصُولٍ. انْتَهَى.
وَالْأَصْلُ يُطْلَقُ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا: مَا يَقْتَضِي الْعِلْمُ بِهِ الْعِلْمَ بِغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: مَا لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى إِلَّا بِهِ.
وَمِنْهَا: الَّذِي يُعْتَبَرُ به ما سواه.
стр. 628
وَمِنْهَا الَّذِي يَقَعُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا١.
وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ٢، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْمُعْتَزِلَةُ.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: الْأَصْلُ هُوَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، بِاعْتِبَارِ تَفَرُّعِ الْعِلَّةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ ابْنُ بَرْهَانَ: إِنَّ هَذَا النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، يَرْجِعُ إِلَى الِاصْطِلَاحِ، فَلَا مُشَاحَّةَ٣ فِيهِ، أَوْ إِلَى اللُّغَةِ "فَهُوَ يَجُوزُ"* إِطْلَاقُهُ عَلَى ما ذكر٤، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْغَالِبِ، وَتَارَةً عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، كَقَوْلِهِمُ: الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، وَتَارَةً عَلَى إِرَادَةِ التَّعَبُّدِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِمْ: خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ مَحَلٍّ، وَإِيجَابُ الطَّهَارَةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: يُطْلَقُ الْأَصْلُ عَلَى مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَعَلَى مَا يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ "لَمْ"** يُبْنَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، كَقَوْلِنَا: تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ أَصْلٌ. وَهَذَا مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ الْخَمْرُ أَوِ النَّصُّ، أَوِ الْحُكْمُ. قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ أَصْلًا. انْتَهَى.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ: إِنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَ مَحَلَّ الْوِفَاقِ أَصْلًا، وَمَحَلَّ الْخِلَافِ فَرْعًا، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِتَطْوِيلِ الْبَحْثِ فِي هَذَا كَثِيرُ فَائِدَةٍ.
فَالْأَصْلُ: هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِمَحَلِّ الْحُكْمِ، لَا لِنَفْسِ الْحُكْمِ، وَلَا لِدَلِيلِهِ.
وَالْفَرْعُ: هُوَ الْمُشَبَّهُ، لَا لِحُكْمِهِ.
وَالْعِلَّةُ: هِيَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَالْحُكْمُ: هُوَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا ثَبَتَ لِلْفَرْعِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لأصله.
стр. 629
شروط القياس المعتبرة في المقيس عليه
...
الشروط الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْأَصْلِ:
وَلَا يَكُونُ الْقِيَاسُ صَحِيحًا إِلَّا بِشُرُوطٍ اثْنَيْ عَشَرَ، لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهَا فِي الْأَصْلِ.
الْأَوَّلُ:
أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إِلَى الْفَرْعِ، ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا.
стр. 630
فِيهِ بِأَنْ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ حُكْمٌ ابْتِدَاءً، أو شرع ونسخ ولم يمكن بناء الفرع عليه.
الثاني:
أن يكن الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ شَرْعِيًّا، فَلَوْ كَانَ عَقْلِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَحْثَنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَثْبُتُ الْقِيَاسُ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ مَا كَانَ قَبْلَ الشَّرْعِ؟
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، جَوَّزَ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يُجَوِّزِ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ:
أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ سَمْعِيَّةً؛ لِأَنَّ مَا لَمْ تَكُنْ طَرِيقُهُ سَمْعِيَّةً لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَنْفِي التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ العقلين، لا عند من يثبتها.
الرَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، وَهُوَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ. وَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ حُكْمَهُمَا "حُكْمُ"* النُّطْقِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالْقِيَاسِ "فَيَلْحَقُ"** بِهِ. انْتَهَى١.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِهِمَا الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، كَمَا يُثْبِتُهُمَا بِالْمَنْطُوقِ.
وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانَ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي عَدَمُ الْجَوَازِ مَا لَمْ يُعْرَفِ النَّصُّ الَّذِي أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَصْلٌ فِي إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ، كَالنَّصِّ، فَإِذَا جَازَ الْقِيَاسُ عَلَى الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، جَازَ عَلَى الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ.
الخامس:
أن لا يكون الأصل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ فَأَجَازُوهُ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ؛ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ إِنِ اتَّحَدَتْ كَانَ ذِكْرُ الْأَصْلِ الثَّانِي تَطْوِيلًا بِلَا فَائِدَةٍ، فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقِيَاسِ الْفَرْعِ الثَّانِي عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنِ اختلفت لم
стр. 631
ينعقد القياس الثاني، لعدم اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ.
وَقَسَّمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنَ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ نَفْسُ الْمَعْنَى، الَّذِي ثَبَتَ بِهِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، قَالَ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي قِيسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: الْجَوَازُ.
وَالثَّانِي: وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ: الْمَنْعُ، وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ "عِنْدِي"* الْآنَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِثْبَاتِ حُكْمٍ فِي الْفَرْعِ بِغَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي "الْقَوَاطِعِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْغَزَالِيُّ غَيْرَهُ.
السَّادِسُ:
أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، أَمَّا لَوْ كَانَ شَامِلًا لَهُ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ فَرْعًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ الْفَائِدَةِ بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا أَصْلًا وَالْآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
السَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ احْتِيجَ إِلَى إِثْبَاتِهِ أَوَّلًا، وَجَوَّزَ جَمَاعَةٌ الْقِيَاسَ عَلَى الْأَصْلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَفْسِهِ لَا يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ، فَسُقُوطُ ذَلِكَ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَوْلَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَصْلِ، فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ فَقَطْ، لِيَنْضَبِطَ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ.
وَشَرَطَ آخَرُونَ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَاخْتَارَ فِي "الْمُنْتَهَى" أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا لَمْ يَشْتَرِطِ الْإِجْمَاعَ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا اشْتَرَطَ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَلَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَمْنَعَهُ.
الثَّامِنُ:
أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ، وَذَلِكَ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنَّهُ مُعَلَّلٌ عِنْدَ أَحَدِهِمَا بِعِلَّةٍ "وَعِنْدَ الْآخَرِ بِعِلَّةٍ"** أُخْرَى يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، وَهَذَا يُقَالُ لَهُ: مُرَكَّبُ الْأَصْلِ، "وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ*** لِاخْتِلَافِهِمْ فِي نَفْسِ
стр. 632
الْوَصْفِ، وَلَكِنْ مَنَعَ أَحَدُهُمَا وَجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا يُقَالُ لَهُ مُرَكَّبُ الْوَصْفِ، لِاخْتِلَافِهِمْ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ، هَلْ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَصْلِ أَمْ لَا؟
وَكَلَامُ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ بِالْأَوَّلِ، وَخَالَفَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وغيرهما، فجعلوه متناولا لقسمين، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ، وَالْجُمْهُورُ على اعتباره، وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوهُ، وَقَدْ طَوَّلَ الْأُصُولِيُّونَ، وَالْجَدَلِيُّونَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
التَّاسِعُ:
أَنْ لَا نَكُونَ مُتَعَبِّدِينَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ، فَانْ تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِالْقَطْعِ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَقَدْ ضَعَّفَ الْإِبْيَارِيُّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ، وَقَالَ: بَلْ مَا تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِالْعِلْمِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ، الَّذِي يُفِيدُهُ١. وَقَدْ قسم المحققون القياس إلى ما لا يفيد العلم، وإلى ما يُفِيدُهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي "شَرْحِ الْعُنْوَانِ": لَعَلَّ هَذَا الشَّرْطَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ "الْقِيَاسِ ظَنِّيٌّ، فَلَوْ كَانَ قَطْعِيًّا، وَعَلِمْنَا الْعِلَّةَ قَطْعًا، وَوُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعًا، فَقَدْ عَلِمْنَا الْحُكْمَ قَطْعًا، وَمَنْ نَظَرَ لِأَنَّ دَلِيلَ"* الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا، وَعَلِمْنَا الْعِلَّةَ وَوُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعًا فَنَفْسُ الْإِلْحَاقِ، وَإِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْفَخْرُ الرَّازِيُّ.
الْعَاشِرُ:
أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ، كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ٢، وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ، وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ إِثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ مَعَ مُنَافِيهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْخَارِجُ عَنِ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الفخر الرازي، والآمدي، وابن الحاجب وغيره. وَأَطْلَقَ ابْنُ بَرْهَانَ أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، جَوَازُ الْقِيَاسِ عَلَى مَا عُدِلَ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فَمَنَعُوهُ، وَكَذَلِكَ منع منه الكرخي إلا بإحدى خلال:
стр. 633
إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْأُصُولِ قَدْ نَصَّ عَلَى عِلَّتِهِ.
ثَانِيَتُهَا: أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُجْمِعَةً عَلَى تَعْلِيلِ مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ.
ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ عَلَى بَعْضِ الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ.
الْحَادِيَ عَشَرَ:
أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُغَلَّظًا، عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ.
الثَّانِيَ عَشَرَ:
أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ ثَابِتًا قَبْلَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَفَادَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، أَوِ الضِّدَّيْنِ١، وَهُوَ مُحَالٌ.
هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَصْلِ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ شُرُوطًا، وَالْحَقُّ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا.
فَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ قَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ مُعَلَّلٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ بِشْرٌ الْمِرِّيسِيُّ٢ وَالشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى.
وَمِنْهَا: أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرَ مَحْصُورٍ بِالْعَدَدِ. قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ.
وَمِنْهَا: الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، قَالَهُ الْبَعْضُ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ.
وَمِنْهَا: تَأْثِيرُ الْأَصْلِ فِي كُلٍّ بوضوح، ذكره البعض وخالفهم الجمهور*
стр. 634
مباحث العلة:
تعريف العلة:
وَاعْلَمْ: أَنَّ الْعِلَّةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَصِحُّ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّهَا الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
стр. 635
قَالَ ابْنُ فُورَكَ: مِنَ النَّاسِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الشَّبَهِ، وَمَنَعَ الْقَوْلَ بِالْعِلَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَاسِيِّينَ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ إِذَا لَاحَ بَعْضُ الشَّبَهِ.
وَالْحَقُّ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ قِيَاسٍ.
وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لما يتغير الشئ بِحُصُولِهِ، أَخْذًا مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَرَضُ؛ لأن تأثرها فِي الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِي ذَاتِ الْمَرِيضِ، يُقَالُ: اعْتَلَّ فُلَانٌ، إِذَا حَالَ عَنِ الصِّحَّةِ إِلَى السَّقَمِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَلَلِ بَعْدَ النَّهَلِ، وَهُوَ مُعَاوَدَةُ الشُّرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي اسْتِخْرَاجِهَا يُعَاوِدُ النَّظَرَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهَا الْمُعَرِّفَةُ لِلْحُكْمِ، بِأَنْ جُعِلَتْ عَلَمًا عَلَى الْحُكْمِ، إِنْ وُجِدَ الْمَعْنَى وُجِدَ الْحُكْمُ، قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ" عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ"، وَصَاحِبُ "الْمِنْهَاجِ"١.
الثَّانِي:
أَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ بِذَاتِهَا، لَا بِجْعَلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَالْعِلَّةُ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى جَعْلِ جَاعِلٍ.
الثَّالِثُ:
أَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ، عَلَى مَعْنَى: أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا مُوجِبَةً بِذَاتِهَا، وَبِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيُّ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ قَرِيبٌ لَا باس به.
الرابع:
أنها الوجبة بِالْعَادَةِ، وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ.
الْخَامِسُ:
أَنَّهَا الْبَاعِثُ عَلَى التَّشْرِيعِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ لِأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ.
السَّادِسُ:
أَنَّهَا الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ صَلَاحَ الْمُتَعَبِّدِينَ بِالْحُكْمِ لِأَجْلِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الرَّازِيِّ، وابنِ الْحَاجِبِ.
السَّابِعُ:
أَنَّهَا الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهَا.
وَلِلْعِلَّةِ أَسْمَاءٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ، فَيُقَالُ لَهَا: السَّبَبُ، وَالْأَمَارَةُ، وَالدَّاعِي، وَالْمُسْتَدْعِي، وَالْبَاعِثُ، وَالْحَامِلُ، وَالْمَنَاطُ، وَالدَّلِيلُ، وَالْمُقْتَضِي، وَالْمُوجِبُ، وَالْمُؤَثِّرُ.
следующие страницы →