← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ينعقد القياس الثاني، لعدم اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ. وَقَسَّمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنَ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ نَفْسُ الْمَعْنَى، الَّذِي ثَبَتَ بِهِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، قَالَ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي قِيسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: الْجَوَازُ. وَالثَّانِي: وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ: الْمَنْعُ، وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ "عِنْدِي"* الْآنَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِثْبَاتِ حُكْمٍ فِي الْفَرْعِ بِغَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي "الْقَوَاطِعِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الْغَزَالِيُّ غَيْرَهُ. السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، أَمَّا لَوْ كَانَ شَامِلًا لَهُ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ فَرْعًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا، لِخُلُوِّهِ عَنِ الْفَائِدَةِ بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا أَصْلًا وَالْآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ احْتِيجَ إِلَى إِثْبَاتِهِ أَوَّلًا، وَجَوَّزَ جَمَاعَةٌ الْقِيَاسَ عَلَى الْأَصْلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَفْسِهِ لَا يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ، فَسُقُوطُ ذَلِكَ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَوْلَى. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَصْلِ، فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ فَقَطْ، لِيَنْضَبِطَ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ. وَشَرَطَ آخَرُونَ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَاخْتَارَ فِي "الْمُنْتَهَى" أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا لَمْ يَشْتَرِطِ الْإِجْمَاعَ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا ثَبَتَ مَذْهَبًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا اشْتَرَطَ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَلَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَمْنَعَهُ. الثَّامِنُ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ، وَذَلِكَ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنَّهُ مُعَلَّلٌ عِنْدَ أَحَدِهِمَا بِعِلَّةٍ "وَعِنْدَ الْآخَرِ بِعِلَّةٍ"** أُخْرَى يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، وَهَذَا يُقَالُ لَهُ: مُرَكَّبُ الْأَصْلِ، "وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى عِلَّةِ الْأَصْلِ*** لِاخْتِلَافِهِمْ فِي نَفْسِ

стр. 632

الْوَصْفِ، وَلَكِنْ مَنَعَ أَحَدُهُمَا وَجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، وَهَذَا يُقَالُ لَهُ مُرَكَّبُ الْوَصْفِ، لِاخْتِلَافِهِمْ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ، هَلْ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَصْلِ أَمْ لَا؟ وَكَلَامُ الصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ بِالْأَوَّلِ، وَخَالَفَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وغيرهما، فجعلوه متناولا لقسمين، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ، وَالْجُمْهُورُ على اعتباره، وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَةٌ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوهُ، وَقَدْ طَوَّلَ الْأُصُولِيُّونَ، وَالْجَدَلِيُّونَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. التَّاسِعُ: أَنْ لَا نَكُونَ مُتَعَبِّدِينَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ، فَانْ تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِالْقَطْعِ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَقَدْ ضَعَّفَ الْإِبْيَارِيُّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ، وَقَالَ: بَلْ مَا تَعَبَّدْنَا فِيهِ بِالْعِلْمِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ، الَّذِي يُفِيدُهُ١. وَقَدْ قسم المحققون القياس إلى ما لا يفيد العلم، وإلى ما يُفِيدُهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي "شَرْحِ الْعُنْوَانِ": لَعَلَّ هَذَا الشَّرْطَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ "الْقِيَاسِ ظَنِّيٌّ، فَلَوْ كَانَ قَطْعِيًّا، وَعَلِمْنَا الْعِلَّةَ قَطْعًا، وَوُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعًا، فَقَدْ عَلِمْنَا الْحُكْمَ قَطْعًا، وَمَنْ نَظَرَ لِأَنَّ دَلِيلَ"* الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا، وَعَلِمْنَا الْعِلَّةَ وَوُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعًا فَنَفْسُ الْإِلْحَاقِ، وَإِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْفَخْرُ الرَّازِيُّ. الْعَاشِرُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ، كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ٢، وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ، وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ إِثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ مَعَ مُنَافِيهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْخَارِجُ عَنِ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ الفخر الرازي، والآمدي، وابن الحاجب وغيره. وَأَطْلَقَ ابْنُ بَرْهَانَ أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، جَوَازُ الْقِيَاسِ عَلَى مَا عُدِلَ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فَمَنَعُوهُ، وَكَذَلِكَ منع منه الكرخي إلا بإحدى خلال:

стр. 633

إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْأُصُولِ قَدْ نَصَّ عَلَى عِلَّتِهِ. ثَانِيَتُهَا: أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُجْمِعَةً عَلَى تَعْلِيلِ مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ. ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ عَلَى بَعْضِ الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مُغَلَّظًا، عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ. الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ ثَابِتًا قَبْلَ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَفَادَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، أَوِ الضِّدَّيْنِ١، وَهُوَ مُحَالٌ. هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَصْلِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ شُرُوطًا، وَالْحَقُّ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا. فَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ قَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ مُعَلَّلٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ بِشْرٌ الْمِرِّيسِيُّ٢ وَالشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى. وَمِنْهَا: أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرَ مَحْصُورٍ بِالْعَدَدِ. قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَمِنْهَا: الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، قَالَهُ الْبَعْضُ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَمِنْهَا: تَأْثِيرُ الْأَصْلِ فِي كُلٍّ بوضوح، ذكره البعض وخالفهم الجمهور*

стр. 634

مباحث العلة: تعريف العلة: وَاعْلَمْ: أَنَّ الْعِلَّةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَصِحُّ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّهَا الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.

стр. 635

قَالَ ابْنُ فُورَكَ: مِنَ النَّاسِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الشَّبَهِ، وَمَنَعَ الْقَوْلَ بِالْعِلَّةِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَاسِيِّينَ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ إِذَا لَاحَ بَعْضُ الشَّبَهِ. وَالْحَقُّ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ قِيَاسٍ. وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لما يتغير الشئ بِحُصُولِهِ، أَخْذًا مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَرَضُ؛ لأن تأثرها فِي الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِي ذَاتِ الْمَرِيضِ، يُقَالُ: اعْتَلَّ فُلَانٌ، إِذَا حَالَ عَنِ الصِّحَّةِ إِلَى السَّقَمِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَلَلِ بَعْدَ النَّهَلِ، وَهُوَ مُعَاوَدَةُ الشُّرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي اسْتِخْرَاجِهَا يُعَاوِدُ النَّظَرَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا الْمُعَرِّفَةُ لِلْحُكْمِ، بِأَنْ جُعِلَتْ عَلَمًا عَلَى الْحُكْمِ، إِنْ وُجِدَ الْمَعْنَى وُجِدَ الْحُكْمُ، قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ" عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ"، وَصَاحِبُ "الْمِنْهَاجِ"١. الثَّانِي: أَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ بِذَاتِهَا، لَا بِجْعَلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَالْعِلَّةُ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى جَعْلِ جَاعِلٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ، عَلَى مَعْنَى: أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا مُوجِبَةً بِذَاتِهَا، وَبِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيُّ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ قَرِيبٌ لَا باس به. الرابع: أنها الوجبة بِالْعَادَةِ، وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ. الْخَامِسُ: أَنَّهَا الْبَاعِثُ عَلَى التَّشْرِيعِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ لِأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ. السَّادِسُ: أَنَّهَا الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ صَلَاحَ الْمُتَعَبِّدِينَ بِالْحُكْمِ لِأَجْلِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الرَّازِيِّ، وابنِ الْحَاجِبِ. السَّابِعُ: أَنَّهَا الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهَا. وَلِلْعِلَّةِ أَسْمَاءٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ، فَيُقَالُ لَهَا: السَّبَبُ، وَالْأَمَارَةُ، وَالدَّاعِي، وَالْمُسْتَدْعِي، وَالْبَاعِثُ، وَالْحَامِلُ، وَالْمَنَاطُ، وَالدَّلِيلُ، وَالْمُقْتَضِي، وَالْمُوجِبُ، وَالْمُؤَثِّرُ.

стр. 636

وَقَدْ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى "صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ كَالْحُكْمِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى الْحُكْمِ، كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى"* الْعِلَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلَيْنِ يُعْلَمُ بِأَحَدِهِمَا أَنَّهَا عِلَّةٌ، وَبِالْآخَرِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُعْلَمُ صِحَّةُ الْعِلَّةِ بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا، وارتفاعه بارتفاعها.

стр. 637

الشروط المعتبرة في الْعِلَّةِ: وَلَهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً. هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَمُرَادُهُمْ بِالتَّأْثِيرِ: الْمُنَاسَبَةُ، قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": مَعْنَى كَوْنِ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرَةً فِي الْحُكْمِ: هُوَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْحُكْمَ حَاصِلٌ عِنْدَ ثُبُوتِهَا لِأَجْلِهَا، دُونَ شَيْءٍ سِوَاهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إنها جالبة لحكم وَمُقْتَضِيَةٌ لَهُ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ وَصْفًا ضَابِطًا، بِأَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُهَا لِحِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ، لَا حِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ لِخَفَائِهَا، فَلَا يَظْهَرُ إِلْحَاقُ غَيْرِهَا بِهَا. وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الْحُكْمِ، وَهِيَ الْحَاجَةُ إِلَى جَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ؟ قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": يَجُوزُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَمْتَنِعُ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَتِ الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِهَا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا، أَيْ: مَظِنَّتِهَا بَدَلًا عَنْهَا، مَا لم يعارضه قياس١.

стр. 638

الثالث: أن تكون ظاهرة جلبة، وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهَا فِي الْفَرْعِ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَخْفَى مِنْهُ، أو مساويه لَهُ فِي الْخَفَاءِ. كَذَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي "جَدَلِهِ"١. الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً بِحَيْثُ لَا يَرُدُّهَا نَصٌّ، وَلَا إِجْمَاعٌ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُعَارِضَهَا مِنَ الْعِلَلِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَقْوَى أَحَقُّ بِالْحُكْمِ، كَمَا أَنَّ النَّصَّ أَحَقُّ بِالْحُكْمِ مِنَ الْقِيَاسِ. السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً، أَيْ: كُلَّمَا وُجِدَتْ وُجِدَ الْحُكْمُ، لِتَسْلَمَ مِنَ النَّقْضِ وَالْكَسْرِ، فَإِنْ عَارَضَهَا نَقْضٌ أَوْ كَسْرٌ بَطَلَتْ. السَّابِعُ: أَنْ لَا تَكُونَ عَدَمًا فِي الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ، أَيْ: لَا يبطل الحكم الوجودي بالوصف العدمي، قاله الجماعة. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ. قَالَ الْمَانِعُونَ: لَوْ كَانَ الْعَدَمُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ؛ لَكَانَ مُنَاسِبًا أو مظنة، واللازم باطل. وأجيب يمنع بُطْلَانِ اللَّازِمِ. الثَّامِنُ: أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ المتعدية هي المحل، أو جزء مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ تَعْدِيَتِهَا. التَّاسِعُ: أَنْ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وَالْمُرَادُ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ. الْعَاشِرُ: أَنْ تَكُونَ أَوْصَافُهَا مُسَلَّمَةً، أَوْ مَدْلُولًا عَلَيْهَا. كَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُعَلَّلًا بِالْعِلَّةِ الَّتِي يُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ، بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ "كَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ٢*. الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا تَكُونَ مُوجِبَةً لِلْفَرْعِ حُكْمًا، وَلِلْأَصْلِ حُكْمًا آخَرَ غَيْرَهُ٣. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ لَا تُوجِبَ ضِدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ شَاهِدَةً لحكمين متضادين، قاله الأستاذ أبو منصور.

стр. 639

الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ ثُبُوتُهَا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّ رَدَّ الْفَرْعِ إِلَيْهَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ. السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا شَرْعِيًّا كَالْحُكْمِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي "جَدَلِهِ". السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا. قَالَ الْهِنْدِيُّ: ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّرَةِ، خِلَافًا لِلْأَقَلِّينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. الثَّامِنَ عَشَرَ: إن كانت مستنبطة، فالشرط أن لا تر جع عَلَى الْأَصْلِ بِإِبْطَالِهِ، أَوْ إِبْطَالِ بَعْضِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَرْكِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ؛ إِذِ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنَ النَّصِّ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لَهُ، وَالْفَرْعُ لَا يَرْجِعُ عَلَى إِبْطَالِ أَصْلِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ بِالْإِبْطَالِ. التَّاسِعَ عَشَرَ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، فَالشَّرْطُ أَنْ لَا تُعَارَضَ بِمُعَارِضٍ منافٍ، مَوْجُودٍ فِي الْأَصْلِ١. الْعِشْرُونَ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً، فَالشَّرْطُ أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، أَيْ: حُكْمًا غَيْرَ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ لَا تَكُونَ مُعَارِضَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى، تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِهَا. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ شَرْطٌ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُوجِبَةً لِإِزَالَةِ ذَلِكَ الشَّرْطِ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَيْهَا مُتَنَاوِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، لَا بِعُمُومِهِ وَلَا بِخُصُوصِهِ، لِلِاسْتِغْنَاءِ حِينَئِذٍ عَنِ الْقِيَاسِ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ لَا تَكُونَ مُؤَيِّدَةً لِقِيَاسِ أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بِالْإِثْبَاتِ عَلَى أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ. فهذه شرط العلة.

стр. 640

ما لا يعتبر من الشروط في العلة: وَقَدْ ذُكِرَتْ لَهَا شُرُوطٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ. مِنْهَا: مَا شَرَطَهُ فِيهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: وَهُوَ تَعَدِّي الْعِلَّةِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى حُكْمِ النَّصِّ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي غَيْرِهِ.

стр. 641

وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا: صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهَا١. حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ بَرْهَانَ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَخَالَفَهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، فَنَقَلَ عَنْ قَوْمٍ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. انْتَهَى. وَأَمَّا إذا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ مُسْتَنْبَطَةً: فَهِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ: بِالْمَنْعِ. وَبِمِثْلِهِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَنَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: بِالْجَوَازِ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ": كَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنَ الْغُلَاةِ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَيَقُولُ: هِيَ أَوْلَى مِنَ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ وُقُوفَهَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَنِ الْأَصْلِ "كَمَا أَوْجَبَ تَعَدِّيهَا ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ فيغيره فَصَارَ وُقُوفُهَا مُؤَثِّرًا"* فِي النَّفْيِ، كَمَا كَانَ تَعَدِّيهَا مُؤَثِّرًا فِي الْإِثْبَاتِ، وَهَذَا احْتِجَاجٌ فَاسِدٌ، واستدلال باطل. ومنها: أن لا يَكُونَ وَصْفُهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا، عِنْدَ قَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُولٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةً؟! وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْوَصْفِ الشَّرْعِيِّ. وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عِنْدَ قَوْمٍ. وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ بَلْ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ وَمِنْهَا: الْقَطْعُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ عِنْدَ قَوْمٍ، مِنْهُمُ: الْبَزْدَوِيُّ. وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِحُجِّيَّةِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، لَا عند الجمهور.

стр. 642

القول في تَعَدُّدِ الْعِلَلِ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ١؛ فَإِنْ كَانَ الِاتِّحَادُ بِالنَّوْعِ، مَعَ الِاخْتِلَافِ بِالشَّخْصِ، كَتَعْلِيلِ إِبَاحَةِ قَتْلِ زَيْدٍ بِرِدَّتِهِ، وَقَتْلِ عَمْرٍو بِالْقِصَاصِ، وَقَتْلِ خَالِدٍ بِالزِّنَا مَعَ الْإِحْصَانِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى الْجَوَازِ، وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَالْآمِدِيُّ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الِاتِّحَادُ بِالشَّخْصِ، فَقِيلَ: لَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِهِ بِعِلَلٍ عَقْلِيَّةٍ. وَحَكَى الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِذَا وَجَبَ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ بِعِلَّتَيْنِ، فَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِارْتِفَاعِهِمَا جَمِيعًا. وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ إِحْدَاهُمَا. وَأَمَّا تَعَدُّدُ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الشَّخْصِ، كَتَعْلِيلِ قتل زيد بكونه قتل مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَزِنًى مَعَ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بِمُجَرَّدِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ تَعْلِيلُ إِبَاحَةِ دَمِهِ بِهِمَا مَعًا أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ. الْأَوَّلُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، مَنْصُوصَةً كَانَتْ أَوْ مُسْتَنْبَطَةً. حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. الثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ". قَالَ: وَبِهَذَا نَقُولُ؛ لِأَنَّ الْعِلَلَ عَلَامَاتٌ وَأَمَارَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ، لَا مُوجِبَةٌ لَهَا، فَلَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ": إِنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. الثَّالِثُ: الْجَوَازُ فِي الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ٢، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَأَتْبَاعُهُ. وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَكَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي نَقْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ عَنِ القاضي، كما صرح به في "مُخْتَصَرُ الْمُنْتَهَى"، وَلَكِنَّ النَّقْلَ عَنِ الْقَاضِي مُخْتَلِفٌ كما عرفته.

стр. 643

الرَّابِعُ: الْجَوَازُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ، حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى"، وَابْنُ الْمُنِيرِ فِي "شَرْحِهِ لِلْبُرْهَانِ"، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ. وَالْحَقُّ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْجَوَازِ. وَكَمَا ذَهَبُوا إِلَى الْجَوَازِ فَقَدْ ذَهَبُوا أَيْضًا إِلَى الوقوع، ولم يمنع من ذلك عقل ولا شرع.

стр. 644

الشروط المعتبرة في الْفَرْعِ: وَأَمَّا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَرْعِ فَأُمُورٌ أربعة: أحدهما: مُسَاوَاةُ عِلَّتِهِ لِعِلَّةِ الْأَصْلِ. وَالثَّانِي: مُسَاوَاةُ حُكْمِهِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى حكم الأصل.

стр. 645

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ وهي طرقها الدالة عليها مدخل ... الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ وَهِيَ طُرُقُهَا الدَّالَّةُ عَلَيْهَا وَلَمَّا كَانَ لَا يُكْتَفَى فِي الْقِيَاسِ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْجَامِعِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، بَلْ لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَانَتِ الْأَدِلَّةُ إِمَّا بالنص، أَوِ الْإِجْمَاعُ، أَوِ الِاسْتِنْبَاطُ، احْتَاجُوا إِلَى بَيَانِ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. وَقَدْ أَضَافَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَى الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ دَلِيلًا رَابِعًا، وَهُوَ الْعَقْلُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الْجُمْهُورُ، بَلْ جَعَلُوا طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ هُوَ السَّمْعُ فَقَطْ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ. فَقَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": هِيَ عَشْرَةٌ: النَّصُّ، وَالْإِيمَاءُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْمُنَاسَبَةُ، وَالتَّأْثِيرُ، وَالدَّوَرَانُ، وَالسَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَالشَّبَهُ، وَالطَّرْدُ، وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ. قال: وأمور أخر اعتبرها قوم، هي عِنْدَنَا ضَعِيفَةٌ. انْتَهَى. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي تَقْدِيمِ مَسْلَكِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَسْلَكِ النَّصِّ، أَوْ مَسْلَكِ النَّصِّ عَلَى مَسْلَكِ الْإِجْمَاعِ. فَمَنْ قَدَّمَ الْإِجْمَاعَ نَظَرَ إِلَى كَوْنِهِ أَرْجَحَ مِنْ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَالُ النَّسْخِ. وَمَنْ قَدَّمَ النَّصَّ نَظَرَ إِلَى كَوْنِهِ أَشْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَوْنِهِ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ فِي التَّأْلِيفِ، فَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ١. وَسَنَذْكُرُ من المسالك ههنا أحد عشر مسلكا:

стр. 646

الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: الْإِجْمَاعُ وَهُوَ نَوْعَانِ: إِجْمَاعٌ عَلَى عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، كَتَعْلِيلِ وِلَايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ، وَإِجْمَاعٍ عَلَى أَصْلِ التَّعْلِيلِ -وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي عَيْنِ الْعِلَّةِ- كَإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الرِّبَا فِي الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مُعَلِّلٌ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ مَاذَا هِيَ١. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا، فَإِنَّ الْقِيَاسِيِّينَ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ، وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمُخَالِفِينَ فِي الْقِيَاسِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا هُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ، فَلَا تَتِمُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بِدُونِهِمْ. وَقَدْ تَكَلَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ" لِدَفْعِ هَذَا فَقَالَ: بِأَنَّ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ لَيْسُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَلَا مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ الشَّرِيعَةِ صَدَرَتْ عَنِ الِاجْتِهَادِ وَالنُّصُوصُ لَا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِ الشَّرِيعَةِ. انتهى. وهذا كلام يقتضي من قاله الْعَجَبَ، فَإِنَّ كَوْنَ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ لَيْسُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلَاتِ، وَأَقْبَحِ التَّعَصُّبَاتِ، ثُمَّ دَعْوَى أَنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ لَا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِهَا لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُعْرَفِ النَّصُّ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَهَذَا يَعُودُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى نَفْيِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا، بَلْ يَكْتَفُونَ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ فَزَادُوا هَذَا الْمَسْلَكَ ضَعْفًا إِلَى ضَعْفِهِ.

стр. 647

الْمَسْلَكُ الثَّانِي: النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ" وَنَعْنِي بِالنَّصِّ: مَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعِلَّةِ ظَاهِرَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ قَاطِعَةً أَوْ مُحْتَمَلَةً. أَمَّا الْقَاطِعُ: فَمَا يَكُونُ صَرِيحًا، وَهُوَ قَوْلُنَا: لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ كَذَا، أَوْ لِمُؤَثِّرِ كَذَا، أَوْ لِمُوجِبِ كَذَا، أَوْ لِأَجْلِ كَذَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ١. وَأَمَّا الَّذِي لَا يَكُونُ قَاطِعًا فَثَلَاثَةٌ: اللَّامُ، وَإِنَّ، وَالْبَاءُ. أَمَّا اللَّامُ: فَكَقَوْلِنَا ثَبَتَ لِكَذَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢. وَأَمَّا "إِنَّ" فَكَقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ" ٣. وَأَمَّا الْبَاءُ: فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ. قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَتَى وجدنا في كلام الشارع ما يد ل عَلَى نَصْبِهِ أَدِلَّةً وَإِعْلَامًا ابْتَدَرْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُسْلَكُ. وَاعْلَمْ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِالْعِلَّةِ إِذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلِ الْأَخْذُ بِهَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، أَمْ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي النَّافُونَ لِلْقِيَاسِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ عَلَى هَذَا لَفْظِيًّا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَهُونُ الخطب، ويصغر ما تعاظم مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ ابْنُ فُورَكَ: إِنَّ الْأَخْذَ بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ لَيْسَ قِيَاسًا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِمْسَاكٌ بِنَصِّ لَفْظِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّعْلِيلِ إِذَا لَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ عَنْ كُلِّ مَا تَجْرِي الْعِلَّةُ فِيهِ، كَانَ الْمُتَعَلِّقُ به مستدلا بلفظ قاضٍ بالعموم٥.

стр. 648

وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَفَادًا مِنْ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ، وَهِيَ: كَيْ، وَاللَّامُ، وَإِذَنْ، وَمِنْ، وَالْبَاءُ، وَالْفَاءُ، وَإِنَّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَفَادًا مِنَ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَهِيَ: لِعِلَّةِ كَذَا، لِمُوجِبِ كَذَا، بِسَبَبِ كَذَا، لِمُؤَثِّرِ كذا، لأجل كذا، "لجزاء كذا، لعلم كذا"*، لمقتضى كَذَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَفَادًا مِنْ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: عَلَّلْتُ بِكَذَا، وَشَبَّهْتُ كَذَا بِكَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَفَادًا مِنَ السِّيَاقِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الْعِلَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهَا. وَقَدْ قَسَّمُوا النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ إِلَى صَرِيحٍ، وَظَاهِرٍ. قَالَ الْآمِدِيُّ: فَالصَّرِيحُ هُوَ الَّذِي لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، بَلْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا فِي اللُّغَةِ لَهُ. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، بَلِ الْمَنْطُوقُ بِالتَّعْلِيلِ فِيهِ عَلَى حَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ عَلَى الْمَعْنَى. انْتَهَى. ثُمَّ الصَّرِيحُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ. أَعْلَاهَا أَنْ يَقُولَ: لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ كَذَا، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَبَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: لِأَجْلِ كَذَا، أَوْ مِنْ أَجْلِ كَذَا. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ دُونَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعِلَّةِ تُعْلَمُ بِهِ الْعِلَّةُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِأَجْلٍ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْعِلَّةِ، بِوَاسِطَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا لِأَجْلِهَا الْحُكْمُ، وَالدَّالُّ بِلَا وَاسِطَةٍ أَقْوَى، وَكَذَا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ. وَبَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: كَيْ يَكُونَ كَذَا، فَإِنَّ الْجُوَيْنِيَّ فِي "الْبُرْهَانِ" جَعَلَهَا مِنَ الصَّرِيحِ، وَخَالَفَهُ الرَّازِيُّ. وَبَعْدَهُ: إذًا، فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ، وَالْغَزَالِيَّ، جَعَلَاهُ مِنَ الصَّرِيحِ، وَجَعَلَهُ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ" مِنَ الظَّاهِرِ. وَبَعْدَهُ: ذَكَرَ الْمَفْعُولَ لَهُ نَحْوَ: ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا. وَأَمَّا الظَّاهِرُ: فَيَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ، أَعْلَاهَا: اللَّامُ، ثُمَّ أنْ الْمَفْتُوحَةُ الْمُخَفَّفَةُ، ثُمَّ إنْ الْمَكْسُورَةُ السَّاكِنَةُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ، ثُمَّ إنَّ الْمُشَدِّدَةَ، كَقَوْلِهِ ﷺ : "إنها من الطوافين عليكم" ١.

стр. 649

قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": كَذَا عَدُّوهَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَالْحَقُّ: أَنَّهَا لِتَحْقِيقِ الْفِعْلِ، وَلَا حَظَّ لَهَا فِي التَّعْلِيلِ، وَالتَّعْلِيلُ فِي الْحَدِيثِ مَفْهُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ. وَقَدْ نَقَلَ الْإِبْيَارِيُّ إِجْمَاعَ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِدُ لِلتَّعْلِيلِ، قَالَ: وَهِيَ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ" لِلتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ طَهَارَةِ سُؤْرِهَا هِيَ الطَّوَافُ، وَلَوْ قَدَّرْنَا مَجِيءَ قَوْلِهِ: "مِنَ الطَّوَّافِينَ" بِغَيْرِ إِنَّ لَأَفَادَ التَّعْلِيلَ، فَلَوْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَعُدِمَتْ العلة بِعَدَمِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأَنَّهَا، وَإِلَّا لَوَجَبَ فَتْحُهَا، وَلَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيلُ مِنَ اللَّامِ. ثُمَّ الْبَاءُ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَضَابِطُهُ أَنْ يصلح غالبا في موضوعها اللَّامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ٢؛ وَجَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الْآمِدِيُّ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ قَوْلَهُ تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْمُقَابَلَةُ، كقوله: هَذَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ بَعِوَضٍ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا. ثُمَّ الْفَاءُ: إِذَا عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْخُلَ عَلَى السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا، كَقَوْلِهِ ﷺ : "لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا" ٤. الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْحُكْمِ، وَتَكُونَ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٦. لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مَنْ زَنَى فَاجْلِدُوهُ، وَمَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ. ثُمَّ لَعَلَّ؛ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ مِنَ النحاة، فإنهم قَالُوا: إِنَّهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ لِلتَّعْلِيلِ الْمَحْضِ، مُجَرَّدَةً عَنْ مَعْنَى التَّرَجِّي، لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِذْ: ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ نَحْوَ: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ ٧.

стр. 650

ثُمَّ حَتَّى: كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ "مَالِكٍ"*، نَحْوَ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ١، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ ٢، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٣ وَلَا يَخْفَى مَا فِي عَدِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِ التَّعْلِيلِ مِنَ الضَّعْفِ الظاهر. وقد عد منها صاحب "التنقيط": لَا جَرَمَ، نَحْوَ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ٤. وعد أيضًا جميع أدوات الشرط وَالْجَزَاءِ. وَعَدَّ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْهَا الْوَاوَ. وَفِي هَذَا مِنَ الضَّعْفِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى عارف بمعاني اللغة العربية.

стр. 651

الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ وَضَابِطُهُ: الِاقْتِرَانُ بِوَصْفٍ، لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ لِلتَّعْلِيلِ لكان بعيدا، فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ ذِكْرَهُ يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ لَا لِفَائِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ إِمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً، أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ، أو شرطا، "والأطهر"*: كَوْنُهُ عِلَّةً؛ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِي تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ بِالْفَاءِ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا، كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: " فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" ١. ثَانِيهِمَا: أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى الْحُكْمِ، وَتَكُونَ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، وَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ دَخَلَتْ عَلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيديهما﴾ ٢، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ٣.

стр. 652

وَثَانِيهِمَا: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى رِوَايَةِ الرَّاوِي، كَقَوْلِهِ: "سها رسول الله ﷺ فَسَجَدَ"١، وَ"زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ"٢، كَذَا فِي "الْمَحْصُولِ" وَغَيْرِهِ. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مَعَ الْحُكْمِ وَصْفًا، لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَعَرَّى عَنِ الْفَائِدَةِ إِمَّا مَعَ سُؤَالٍ فِي مَحَلِّهِ، أَوْ سُؤَالٍ فِي نَظِيرِهِ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: "اعْتِقْ رَقَبَةً" ٣. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِلْإِعْتَاقِ، وَالسُّؤَالٌ مُقَدَّرٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ. الثَّانِي كَقَوْلِهِ: وَقَدْ سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ: إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَفَيَنْفَعُهُ إِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ٤. فَذَكَرَ نَظِيرَهُ، وَهُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ، فَنَبَّهَ عَلَى كَوْنِهِ، عِلَّةً فِي النَّفْعِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْعَبَثُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ شَرْطَ فَهْمِ التَّعْلِيلِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ جَوَابًا؛ إِذْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ اسْتِئْنَافًا، لَا جَوَابًا، وَذَلِكَ كَمَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ، فَأَخْبَرَهُ تِلْمِيذُهُ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ، فَأَمَرَهُ عَقِبَ الْإِخْبَارِ بِقِرَاءَةِ دَرْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيلِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، بَلِ الْأَمْرُ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَتَرْكِ مَا لَا يَعْنِيهِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ لوصف، نحو قوله ﷺ : "لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ" ٥. فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلِاسْتِحْقَاقِ لِلسَّهْمِ وَالسَّهْمَيْنِ هُوَ الوصف المذكور.

стр. 653

النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَذْكُرَ عَقِبَ الْكَلَامِ أَوْ في سياق شَيْئًا، لَوْ لَمْ يُعَلِّلْ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَنْتَظِمِ الْكَلَامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١؛ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَأَحْكَامِهَا، فَلَوْ لَمْ يُعَلِّلِ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ بِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنَ الصَّلَاةِ، أَوْ شَاغِلًا عَنِ الْمَشْيِ إِلَيْهَا؛ لَكَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ مُطْلَقًا. النَّوْعُ الْخَامِسُ: رَبْطُ الْحُكْمِ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ، فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِهِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ، نَحْوَ: أَكْرِمْ زَيْدًا الْعَالِمَ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْإِكْرَامَ لِأَجْلِ الْعِلْمِ. النَّوْعُ السَّادِسُ: تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٢. أَيْ: لِأَجْلِ تَقْوَاهُ، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣. أَيْ: لِأَجْلِ تَوَكُّلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ الشَّرْطَ. النَّوْعُ السَّابِعُ: تَعْلِيلُ عَدَمِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٤. ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ٥، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ٦. النَّوْعُ الثَّامِنُ: إِنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ لِفَائِدَةٍ، وَلَا لِحِكْمَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ ٧، وَقَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ٨، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٩. النَّوْعُ التَّاسِعُ: إِنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ ١٠. وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١١

стр. 654

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْمُومَإِ إِلَيْهِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ، فَاشْتَرَطَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ فُهِمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، كَمَا فِي قوله ﷺ : "لا يقض الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" ١ اشْتُرِطَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُشْتَرَطُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَحَكَى الْهِنْدِيُّ تَفْصِيلًا، وَهُوَ اشْتِرَاطُهُ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الِاسْمِ دُونَ غَيْرِهِ،. وَحَكَى ابْنُ الْمُنِيرِ تَفْصِيلًا آخَرَ: وَهُوَ إِنْ كَانَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ يَتَنَاوَلُ مَعْهُودًا مُعَيَّنًا؛ فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَلَوْ كَانَ مُنَاسِبًا، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا، وَأَمَّا إِذَا علق بعام ومنكر فهو تعليل.

стр. 655

الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى عِلِّيَّةِ الْحُكْمِ بِفِعْلِ النبي ﷺ : كَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ" وَصُورَتُهُ: أن يفعل النبي ﷺ فِعْلًا بَعْدَ وُقُوعِ شَيْءٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي وَقَعَ، كَأَنْ يَسْجُدَ ﷺ لِلسَّهْوِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ إِنَّمَا كَانَ لِسَهْوٍ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ، كَرَجْمِ مَاعِزٍ. وَهَكَذَا التَّرْكُ لَهُ حُكْمُ الْفِعْلِ، كَتَرْكِهِ ﷺ لِلطِّيبِ، وَالصَّيْدِ، وَمَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ أَنَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ الإحرام.

стр. 656

الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ: وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الِاخْتِبَارُ، وَمِنْهُ الْمَيْلُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ الْجُرْحُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ الْمِسْبَارُ، وَسُمِّيَ

стр. 657

هَذَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَاظِرَ يُقَسِّمُ الصِّفَاتِ وَيَخْتَبِرُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا "فِي أَنَّهُ"* هَلْ تَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ أَمْ لَا؟ وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُورَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهَذَا هو المنحصر. والثاني: أن لا يكون كذلك، وهذا هو الْمُنْتَشِرُ. فَالْأَوَّلُ: أَنْ تُحْصَرَ الْأَوْصَافُ الَّتِي يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِهَا لِلْمَقِيسِ عَلَيْهِ، ثُمَّ اخْتِبَارُهَا فِي الْمَقِيسِ، وَإِبْطَالُ مَا لَا يَصْلُحُ مِنْهَا بِدَلِيلِهِ، وَذَلِكَ الْإِبْطَالُ إِمَّا بِكَوْنِهِ مُلْغًى، أَوْ وَصْفًا طَرْدِيًّا، أَوْ يَكُونُ فِيهِ نَقْضٌ، أَوْ كَسْرٌ، أَوْ خَفَاءٌ، أَوِ اضْطِرَابٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ١. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ، كَقَوْلِنَا: الْعَالِمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا، أَوْ حَادِثًا، بَطَلَ أَنْ يكون قديما، فثبت أنه حادث. وقد يكون في الظنيات، نحو أن نقول: فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَوِيَّةِ: بَحَثْتُ عَنْ أَوْصَافِ الْبُرِّ فَمَا وَجَدْتُ ثَمَّ مَا يَصْلُحُ لِلرِّبَوِيَّةِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ إِلَّا الطَّعْمَ، وَالْقُوتَ، وَالْكَيْلَ، لَكِنَّ الطَّعْمَ وَالْقُوتَ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ بِدَلِيلِ كَذَا، فَتَعَيَّنَ الْكَيْلُ٢. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَحُصُولُ هَذَا الْقِسْمِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَسِرٌ جِدًّا. وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْمَسْلَكِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِمُنَاسِبٍ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَأَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَرْكِيبَ فِيهَا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا، فَأَمَّا لَوْ لَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ لَمْ يكون هَذَا الْمَسْلَكُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ كَوْنُهُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، جَازَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى غَيْرِهِ صَارَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، فَلَا بُدَّ مِنْ إِبْطَالِ كَوْنِهِ عِلَّةً أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حاصرا لجميع الأوصاف، وذلك بأن يوافقه الْخَصْمُ عَلَى انْحِصَارِهَا فِي ذَلِكَ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ إِظْهَارِ وَصْفٍ زَائِدٍ، وَإِلَّا فَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يَقُولَ: بَحَثْتُ عَنِ الْأَوْصَافِ فَلَمْ أَجِدْ سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ أَهْلًا لِلْبَحْثِ. وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْهُمُ: الْأَصْفَهَانِيُّ، فَقَالَ: قَوْلُ الْمُعَلِّلِ فِي جَوَابِ طَالِبِ الْحَصْرِ: بَحَثْتُ وَسَبَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بعلة أخرى فأبرزها، وإلا فليلزمك

стр. 658

مَا يَلْزَمُنِي، قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ سَبْرَهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْمَدْلُولُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَ طَالِبُ الْحَصْرِ الانحصار ببحثه ونظره، وجهله لا يجوب عَلَى خَصْمِهِ أَمْرًا، وَاخْتَارَ ابْنُ بَرْهَانَ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُنْتَشِرُ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَدُورَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، أَوْ دَارَ وَلَكِنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا عَدَا الْوَصْفَ الْمُعَيَّنَ فِيهِ ظَنِّيًّا. فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، لَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَلَا فِي الظَّنِّيَّاتِ، حَكَاهُ فِي "الْبُرْهَانِ" عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْعَمَلِيَّاتِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، وَابْنُ بَرْهَانَ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ دُونَ الْمَنَاظِرِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْأَسَالِيبِ"١: إِنَّهُ يُفِيدُ الطَّالِبَ مَذْهَبَ الْخَصْمِ، دُونَ تصحيح مذهب المستدل؛ إذ لا يمتنع أَنْ يَقُولَ: مَا أَبْطَلْتُهُ بَاطِلٌ، وَمَا اخْتَرْتُهُ بَاطِلٌ. وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَعَزَاهُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي، وَسَائِرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ضِمْنًا، وَتَصْرِيحًا، فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ٢. فَمِنَ الضِّمْنِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ عَلِيم﴾ ٣، ومن التصريح قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾ إلى قوله: ﴿الظَّالِمِين﴾ ٤. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنْ يَكُونَ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ مَسْلَكًا. قَالَ الْأَبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ "الْبُرْهَانِ": السَّبْرُ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِبَارِ أَوْصَافِ الْمَحَلِّ وَضَبْطِهَا، وَالتَّقْسِيمُ يَرْجِعُ إِلَى إِبْطَالِ مَا يَظْهَرُ إِبْطَالُهُ مِنْهَا، فَإِذًا لَا يَكُونُ مِنَ الْأَدِلَّةِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا تَسَامَحَ الْأُصُولِيُّونَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ المنير: "ومن الأسئلة"* القاصمة لمسلم السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنَّ الْمَنْفِيَّ لَا يَخْلُو فِي.

стр. 659

نفس الأمر من أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، أَوْ شَبَهًا، أَوْ طَرْدًا، "لِأَنَّهُ"* إِمَّا إِنْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ لَا، فَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُنْضَبِطَةً لِلْفَهْمِ أَوْ كُلِّيَّةً لَا تَنْضَبِطُ. فَالْأَوَّلُ: الْمُنَاسَبَةُ. وَالثَّانِي: الشَّبَهُ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَصْلًا فَهُوَ الطَّرْدُ الْمَرْدُودُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُنَاسِبَةٌ أَوْ شَبَهٌ "يَعْنِي لُغِيَ"** السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَإِنْ كَانَ عُرْيًا عَنِ الْمُنَاسَبَةِ قطعا، لم ينفع السبر والتقسيم أيضًا١.

стр. 660

المسلك السادس: المناسبة مدخل ... الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: الْمُنَاسَبَةُ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْإِخَالَةِ، وَبِالْمَصْلَحَةِ، وَبِالِاسْتِدْلَالِ، وَبِرِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ، وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ، وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ. وَمَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ: هِيَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ، مَعَ السَّلَامَةِ عَنِ الْقَوَادِحِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ. وَالْمُنَاسَبَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمُلَاءَمَةُ، وَالْمُنَاسِبُ الْمُلَائِمُ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": النَّاسُ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْمُنَاسِبِ شَيْئَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ الْمُفْضِي إِلَى مَا يُوَافِقُ الْإِنْسَانَ تَحْصِيلًا وَإِبْقَاءً، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ التَّحْصِيلِ بِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَعَنِ الْإِبْقَاءِ بِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ لِأَنَّ مَا قُصِدَ إِبْقَاؤُهُ فَإِزَالَتُهُ مَضَرَّةٌ، وَإِبْقَاؤُهُ دَفْعٌ لِلْمَضَرَّةِ. ثُمَّ هَذَا التَّحْصِيلُ وَالْإِبْقَاءُ، قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا، وَقَدْ يَكُونُ مَظْنُونًا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا. وَالْمَنْفَعَةُ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّذَّةِ، أَوْ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَيْهَا، وَالْمَضَرَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَلَمِ، أَوْ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَيْهِ، وَاللَّذَّةُ قِيلَ فِي حَدِّهَا: إِنَّهَا إِدْرَاكُ الْمُلَائِمِ، وَالْأَلَمُ: إِدْرَاكُ الْمُنَافِي. وَالصَّوَابُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْدِيدُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَظْهَرِ مَا يَجِدُهُ الْحَيُّ مِنْ نَفْسِهِ، وَيُدْرِكُ بِالضَّرُورَةِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ يُتَعَذَّرُ تَعْرِيفُهُ بِمَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ الْمُلَائِمُ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ فِي الْعَادَاتِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَذِهِ اللُّؤْلُؤَةُ تُنَاسِبُ هَذِهِ اللُّؤْلُؤَةَ

стр. 661

في الجمع بينها فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ مُتَلَائِمٍ. انْتَهَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي تَعْرِيفِهَا الْقَائِلُونَ بِمَنْعِ تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْأَغْرَاضِ، وَالْقَائِلُونَ بِتَعْلِيلِهَا بِهَا. فَالْأَوَّلُونَ قَالُوا: إِنَّهَا الْمُلَائِمُ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ فِي الْعَادَاتِ، أَيْ: مَا يَكُونُ بِحَيْثُ يَقْصِدُ الْعُقَلَاءُ تَحْصِيلَهُ عَلَى مَجَارِي الْعَادَةِ بِتَحْصِيلٍ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ. وَالْآخَرُونَ قَالُوا: إنها ما تجلب للإنسان نفع، أو تدفع عنه ضرا١. وَقِيلَ: هِيَ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تلقته بالقبول، كذا قال الدبوسي. وقيل: وَعَلَى هَذَا فَإِثْبَاتُهَا عَلَى الْخَصْمِ مُتَعَذَّرٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقُولُ: عَقْلِي لَا يَتَلَقَّى هَذَا بِالْقَبُولِ، ومن ثم قال الدبسوي: هُوَ حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ: لا للمناظر. قال الغزالي: والحق بأنه يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ عَلَى الْجَاحِدِ بِتَبْيِينِ مَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ عَلَى وَجْهٍ مَضْبُوطٍ، فَإِذَا أَبْدَاهُ الْمُعَلِّلُ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى جَحْدِهِ. انْتَهَى. وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ إِلَّا ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إِنَّ الْمُنَاسِبَ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ خَفِيًّا، أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ اعْتُبِرَ مَلَازِمُهُ، وَهُوَ الْمَظِنَّةُ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَ لا يعرف الغيب، كالسفر للمشقة، والفعل المقضي عُرْفًا عَلَيْهِ بِالْعَمْدِ فِي الْعَمْدِيَّةِ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي مَاهِيَّةِ الْمُنَاسَبَةِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمُنَاسِبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: الْمُنَاسَبَةُ مَعَ الِاقْتِرَانِ دَلِيلُ الْعِلَّةِ، وَلَوْ كَانَ الِاقْتِرَانُ دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ لَمَا صَحَّ هَذَا. وَأَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ "بِالظَّاهِرَةِ"* الْمُنْضَبِطَةِ جَائِزٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ قَائِلُ هَذَا الْحَدِّ، وَالْوَصْفِيَّةُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِيهَا مَعَ تَحَقُّقِ الْمُنَاسَبَةِ. وَقَدِ احْتَجَّ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى إِفَادَتِهَا لِلْعِلِّيَّةِ بِتَمَسُّكِ الصَّحَابَةِ بِهَا، فَإِنَّهُمْ يُلْحِقُونَ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ، إِذَا غَلَبَ على "ظنهم"** أنه يُضَاهِيَهُ لِمَعْنًى أَوْ يُشْبِهَهُ. وَرُدَّ٢ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِكُلِّ ظَنٍّ غَالِبٍ، فَلَا يَبْعُدُ التَّعَبُّدُ مَعَ نَوْعٍ مِنَ الظَّنِّ الْغَالِبِ، وَنَحْنُ "لَا" *** نَعْلَمُ ذَلِكَ النَّوْعَ. ثُمَّ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَالْأَوْلَى الِاعْتِمَادُ عَلَى العمومات الدالة على الأمر بالقياس.

стр. 662

انقسام المناسب من حيث الظن واليقين: وَاعْلَمْ: أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِالْمُنَاسِبِ الْمَقْصُودُ بِهِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا، كَمَصْلَحَةِ الْبَيْعِ لِلْحِلِّ، أَوْ ظَنًّا، كَمَصْلَحَةِ الْقِصَاصِ لِحِفْظِ النَّفْسِ، وَقَدْ يحتملهما عَلَى السَّوَاءِ، كَحَدِّ الْخَمْرِ، لِحِفْظِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ مساوٍ لِلْإِحْجَامِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُ الْحُصُولِ أَرْجَحَ، كَنِكَاحِ الْآيِسَةِ لِتَحْصِيلِ التَّنَاسُلِ، وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ بِالثَّالِثِ، وَبَعْضُهُمْ بِالرَّابِعِ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: الْأَصَحُّ يَجُوزُ إِنْ كَانَ فِي آحَادِ الصُّوَرِ الشَّاذَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي أَغْلَبِ الصُّوَرِ مِنَ الْجِنْسِ مُفْضِيًا إِلَى الْمَقْصُودِ، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا إِذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ غَيْرُ ثَابِتٍ١، فَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يُعْتَبَرُ التَّعْلِيلُ بِهِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُعْتَبَرُ، سَوَاءٌ مَا لَا تَعَبُّدَ فِيهِ، كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ، وَمَا فِيهِ تَعَبَّدٌ، كَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا فِي المجلس.

стр. 663

انقسام المناسب إلى حقيقي وإقناعي: المناسب ينقسم إِلَى حَقِيقِيٍّ وَإِقْنَاعِيٍّ. وَالْحَقِيقِيُّ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَمَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَمَحَلِّ التَّحْسِينِ. الْأَوَّلُ: الضَّرُورِيُّ وَهُوَ الْمُتَضَمِّنُ "حِفْظَ"* قصود مِنَ الْمَقَاصِدِ الْخَمْسِ، الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهَا الشَّرَائِعُ، بَلْ هِيَ مُطْبِقَةٌ عَلَى حِفْظِهَا، وَهِيَ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: حِفْظُ النَّفْسِ بِشَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَتَهَارَجَ الْخَلْقُ، وَاخْتَلَّ نِظَامُ الْمَصَالِحِ. ثانيها: حِفْظُ الْمَالِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتَعَدِّي، فَإِنَّ الْمَالَ قِوَامُ الْعَيْشِ، وَثَانِيهِمَا: الْقَطْعُ بِالسَّرِقَةِ. ثَالِثُهَا: حِفْظُ النَّسْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا، وَإِيجَابِ العقوبة عليه بالحد.

стр. 664

رَابِعُهَا: حِفْظُ الدِّينِ بِشَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ، وَالْقِتَالِ لِلْكُفَّارِ. خَامِسُهَا: حِفْظُ الْعَقْلِ بِشَرْعِيَّةِ الْحَدِّ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ قِوَامُ كُلِّ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، فَاخْتِلَالُهُ يُؤَدِّي إِلَى مَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ. وَاعْتُرِضَ عَلَى دَعْوَى اتِّفَاقِ الشَّرَائِعِ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي الشَّرَائِعِ "السَّابِقَةِ"*، وَفِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُبَاحَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ هُوَ مَا لَا يَبْلُغُ إِلَى حَدِّ السُّكْرِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، كَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ الْقَفَّالِ، ثُمَّ نَازَعَهُ فَقَالَ: تَوَاتَرَ الْخَبَرُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ إِلَى حَدٍّ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ. وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ"١، وَلَفْظُهُ: وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ مَنْ لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُسْكِرَ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِلٌ، لَا أَصْلَ لَهُ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَقَدْ تَأَمَّلْتُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، فلم أجد فيهما إلا إِبَاحَةَ الْخَمْرِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَمِ السُّكْرِ، بَلْ فِيهِمَا التَّصْرِيحُ بِمَا يَتَعَقَّبُ الْخَمْرَ مِنَ السُّكْرِ، وَإِبَاحَةُ ذَلِكَ؛ "فَلَا"** يَتِمُّ دَعْوَى اتِّفَاقِ الْمَلَلِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهَكَذَا تَأَمَّلْتُ كُتُبَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّقْيِيدِ أَصْلًا. وَقَدْ زَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَادِسًا، وَهُوَ حِفْظُ الْأَعْرَاضِ، فَإِنَّ عَادَةَ الْعُقَلَاءِ بَذْلُ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَعْرَاضِهِمْ، وَمَا فُدِيَ بِالضَّرُورِيِّ فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ أَوْلَى، وَقَدْ شُرِعَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ الْحَدُّ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْحِفْظِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَجَاوَزُ عَمَّنْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَمَّنْ جَنَى عَلَى عِرْضِهِ، وَلِهَذَا يَقُولُ قَائِلُهُمْ: يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسُومُنَا ... وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ٢ قَالُوا: وَيَلْتَحِقُ بِالْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ مُكَمِّلُ الضَّرُورِيِّ، كَتَحْرِيمِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِ، وَتَحْرِيمِ الْبِدْعَةِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي عُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ، الدَّاعِي إِلَيْهَا، وَالْمُبَالِغَةِ فِي حِفْظِ النَّسَبِ، بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ، وَاللَّمْسِ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى ذلك.

стр. 665

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْحَاجِيُّ وَهُوَ مَا يَقَعُ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، لَا مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، كَالْإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَسَاكِنِ، مَعَ الْقُصُورِ عَنْ تَمَلُّكِهَا، وَامْتِنَاعِ مَالِكِهَا عَنْ بَذْلِهَا عَارِيَةً، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ. ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ قَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً، فَتَنْتَهِي إِلَى الْقَطْعِ، كَالضَّرُورِيَّاتِ، وَقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً كَالْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةِ لَا لدليل إلى مجرد احتمال اعتبار الشَّرْعِ لَهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ التَّأْثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: التَّحْسِينِيُّ وَهُوَ قِسْمَانِ: الأول: ما هو غير مُعَارِضٌ لِلْقَوَاعِدِ، كَتَحْرِيمِ الْقَاذُورَاتِ، فَإِنَّ نَفْرَةَ الطِّبَاعِ عنها لقذارتها مَعْنًى يُنَاسِبُ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا، حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الأخلاق، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِث﴾ ١، "وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ"*، وَكَمَا قَالَ ﷺ : "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ" ٢. وَمِنْهُ سَلْبُ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَالْعَبْدُ نَازِلُ الْقَدْرِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُلَائِمٍ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّاهِدِ، وَإِيصَالِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَدَفْعِ الْيَدِ الظَّالِمَةِ عَنْهُ مِنْ مَرَاتِبِ الضَّرُورَةِ، وَاعْتِبَارُ نُقْصَانِ الْعَبْدِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْصِبِ مِنْ مَرَاتِبِ التَّحْسِينِ، وَتَرْكُ مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ رِعَايَةً لِمَرْتَبَةِ التَّحْسِينِ بَعِيدٌ جِدًّا، نَعَمْ لَوْ وُجِدَ لَفْظٌ يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ، وَيُعَلَّلُ بِهَذَا التَّعْلِيلِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَأَمَّا مَعَ الِاسْتِقْلَالِ بِهَذَا التَّعْلِيلِ، فَفِيهِ هَذَا الْإِشْكَالُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِمَنْ رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ مُسْتَنَدًا أَوْ وَجْهًا. وَأَمَّا سَلْبُ وِلَايَتِهِ، فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ؛ "إِذْ ولاية"** الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا،

стр. 666

وَالْعَبْدُ مُسْتَغْرَقٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، فَتَفْوِيضُ أَمْرِ الطِّفْلِ إِلَيْهِ إِضْرَارٌ بِالطِّفْلِ، أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَتَّفِقُ أَحْيَانًا، كالرواية والفتوى"١.

стр. 667

انقسام المناسب باعتبار شهادة الشرع وعدمها: ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ الْمُنَاسِبَ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهُ، بِالْمُلَاءَمَةِ وَالتَّأْثِيرِ، وَعَدَمِهَا، إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أَلْغَاهُ، أَوْ لَا يُعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الرُّجْحَانُ، وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ: إِيرَادُ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ، لَا التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ، وَلَا الْإِيمَاءُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ مُسْتَفَادَةً مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: شَهِدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ.

стр. 668

قال الغزالي في "شفاء العليل"١: الْمَعْنَى بِشَهَادَةِ أَصْلٍ مُعَيِّنٍ لِلْوَصْفِ أَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحُكْمَ أُثْبِتَ شَرْعًا عَلَى وَفْقِهِ. وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: لِأَنَّهُ إِمَّا أن يُعْتَبَرُ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ. الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ، وَهُوَ خُصُوصُ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَعُمُومُهُ فِي عُمُومِهِ، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ "بِالْجَارِحِ"*، فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، بِجَامِعِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَفَ تَأْثِيرَ خُصُوصِ كونه قتلا عمدا عدوانا فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ. وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ السُّكْرِ اقْتَضَتْ حَقِيقَةَ التَّحْرِيمِ، فَالنَّبِيذُ يُلْحَقُ بِالْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ، وَبَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى الْمُنَاسِبَ الْمُلَائِمَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بين القياسين. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِهِ، كَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْإِخْوَةِ لِأَبٍ فِي النِّكَاحِ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ فِي الْإِرْثِ، فَإِنَّ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَأْثِيرُهُ فِي التَّقْدِيمِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلَكِنْ عُرِفَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِهِ؛ وَهُوَ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمْ، فِيمَا ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ عَدَمِ "الْأَمْرِ"**، كَمَا فِي الْإِرْثِ، وهذا القسم دون ما قبله؛ لأن المقارنة بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ أَقْرَبُ مِنَ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ، كَقِيَاسِ إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ عَنِ الْحَائِضِ، عَلَى إِسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ السَّاقِطَتَيْنِ عَنِ الْمُسَافِرِ، بِتَعْلِيلِ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَشَقَّةُ جِنْسٌ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ، يُسْتَعْمَلُ عَلَى صِنْفَيْنِ، إِسْقَاطُ قَضَاءِ الْكُلِّ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الْبَعْضِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ فِي الْعِلَّةِ أَكْبَرُ مَحْذُورًا مِنَ الْإِبْهَامِ فِي الْمَعْلُولِ. الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَتَعْلِيلِ كَوْنِ حَدِّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ بِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الِافْتِرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ قِيَاسًا عَلَى الْخَلْوَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةَ الْوَطْءِ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، وَهَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا عُلِمَ إِلْغَاءُ الشَّرْعِ لَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: بِوُجُوبِ الصَّوْمِ ابْتِدَاءً فِي كَفَّارَةِ الْمِلْكِ الَّذِي وَاقَعَ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا الِانْزِجَارُ، وَهُوَ لَا ينزجر بالعتق، فهذا وإن كان.

стр. 669

قِيَاسًا لَكِنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةً مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ، فَالْقَوْلُ بِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَكَانَ بَاطِلًا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ وَلَا إِلْغَاؤُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ. وَقَدِ اشْتَهَرَ انْفِرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْقَوْلِ بِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْصَافُ إِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا إِذَا ظن التفات الشرع إليها، وكل ما كَانَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ كَانَ ظَنُّ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا أَقْوَى، وَكُلَّمَا كَانَ الْوَصْفُ وَالْحُكْمُ أَخَصَّ كَانَ ظَنُّ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ آكَدَ، فَيَكُونُ لَا مَحَالَةَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنْهُ. وَأَمَا الْمُنَاسِبُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا. وَأَمَا الْمُنَاسِبُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْغَاهُ، أَوِ اعْتَبَرَهُ، فَذَلِكَ يَكُونُ بِحَسَبِ أَوْصَافٍ هِيَ أَخَصُّ مِنْ كَوْنِهِ وَصْفًا مَصْلَحِيًّا، وَإِلَّا فَعُمُومُ كَوْنِهِ وَصْفًا مَصْلَحِيًّا مَشْهُودٌ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ، وَهَذَا الْقِسْمُ الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمُرْسَلُ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا، أَوْ ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ بِقَبُولِهِ، وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ رَدُّهُ، وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً، قَطْعِيَّةً، كُلِّيَّةً. انْتَهَى. وَسَنَذْكُرُ لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بَحْثًا مُسْتَقِلًّا فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ١.

стр. 670

انقسام المناسب من حيث التأثير والملاءمة وعدمهما: الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُنَاسِبَ: إِمَّا مُؤَثِّرٌ، أَوْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ: إِمَّا مُلَائِمٌ، أَوْ غَيْرُ مُلَائِمٍ. "وَغَيْرُ الْمُلَائِمِ"* إِمَّا غَرِيبٌ، أَوْ مُرْسَلٌ، أَوْ مُلْغًى. الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: الْمُؤَثِّرُ: وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ، أَوِ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً، تَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عين الحكم أو نوعه في نوعه.
следующие страницы →