Полный текст (960 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الفائدة الأولى: في لزوم إيراد الأسئلة مرتبة
...
الْفَائِدَةُ الْأُولَى:
اخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ أَنْ يورد الأسئلة مرتبة بعضا مُقَدَّمٌ عَلَى الْبَعْضِ إِذَا أَوْرَدَ أَسْئِلَةً مُتَعَدِّدَةً، أَمْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، بَلْ يُقَدِّمُ مَا شَاءَ، وَيُؤَخِّرُ مَا شَاءَ؟
فَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إِيرَادُهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ اتَّفَقَ لَأَدَّى إِلَى التَّنَاقُضِ، كَمَا لَوْ
стр. 737
جَاءَ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ بَعْدَ النَّقْضِ، أَوْ بَعْدَ "الْمُطَالَبَةِ"* فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بَعْدَ تَسْلِيمٍ، وَإِنْكَارٌ بَعْدَ إِقْرَارٍ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ السُّؤَالِ كَالنَّقْضِ، وَالْمُعَارَضَةِ، وَالْمُطَالَبَةِ، جَازَ إِيرَادُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ سُؤَالٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَجْنَاسُهَا، كَالْمَنْعِ مَعَ الْمُطَالَبَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ، وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَهْلِ الْجَدَلِ، وَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْ أَكْثَرِ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْمَنْعَ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةَ، وَنَحْوَهَا، وَلَا يَعْكِسُ هَذَا التَّرْتِيبَ، وَإِلَّا لَزِمَ الْإِنْكَارَ بعد الإقرار.
قال جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ: التَّرْتِيبُ الْمُسْتَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُطَالَبَاتِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُثْبِتْ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ لَمْ يَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ، ثُمَّ بِالْقَوَادِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى صُورَةِ الْأَدِلَّةِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، ثُمَّ إِذَا بَدَأَ بِالْمَنْعِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ مَنْعَ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الدَّعْوَى، ثم منع ظهره، ثُمَّ مَنْعَ انْضِبَاطِهِ، ثُمَّ مَنْعَ كَوْنِهِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْمُنُوعِ شَرَعَ في القوادح، فيبدأ بالقول بالموجب، لِوُضُوحِ مَأْخَذِهِ، ثُمَّ بِفَسَادِ الْوَضْعِ، ثُمَّ بِالْقَدْحِ في المناسبة، ثم بالمعاوضة.
وقال الأكثر من القدماء كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي "أَدَبُ الْجَدَلِ": إِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَنْعِ مِنَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَمْنُوعًا لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ مَمْنُوعًا، أَوْ مُسَلَّمًا، وَلَا كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ، أَوْ بِغَيْرِهَا، ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِإِثْبَاتِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بِتَأْثِيرِهَا ثُمَّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فَاسِدِ الْوَضْعِ، ثُمَّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فَاسِدِ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ بِالْقَلْبِ، ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَدَلِيِّينَ، وَالْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ الِاسْتِفْسَارُ، ثُمَّ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ، ثُمَّ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ مَنْعُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَالْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ، وَالتَّقْسِيمُ، وَعَدَمُ ظُهُورِ الْوَصْفِ، وَانْضِبَاطِهِ وَكَوْنُ الْحُكْمِ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْإِفْضَاءِ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ النَّقْضُ وَالْكَسْرُ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ، وَالتَّعْدِيَةُ، وَالتَّرْكِيبُ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَمُخَالَفَةُ حُكْمِهِ حُكْمَ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْقَلْبُ، ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا١ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ الْأَسْئِلَةِ تَرْجِعُ إلى المنع والمعارضة، ووجه ذلك: أنه
الحواشي
(١) * في "أ": المعارضة.
_________
١ انظر صفحة: ٢/ ١٦٨.стр. 738
مَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ، فَقَدْ تَمَّ الدَّلِيلُ، وَحَصَلَ الْغَرَضُ، مِنْ إِثْبَاتِ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ، فَيَكُونُ مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْأَسْئِلَةِ بَاطِلًا، فَلَا يُسْمَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ الْمُنُوعِ إِلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى جَمِيعِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ إِلَّا بِبَيَانِ انْتِفَاءِ الْمُعَارَضَةِ عن جميعها.
стр. 739
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ إلى غيره قبل امام تمام الكلام فيه
...
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ إِلَى غَيْرِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ فِيهِ
مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لَمْ يَتَأَتَّ إِفْحَامُ الْخَصْمِ، وَلَا إِظْهَارُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمُنَاظَرَةِ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْحَقِّ، وَإِفْحَامُ الْمُخَالِفِ لَهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنَ السَّائِلِ، بِأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سُؤَالِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَيَقُولُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَازِمٌ، فَبَانَ خِلَافُهُ، فَمَكِّنُونِي مِنْ سُؤَالٍ آخَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ انْحِدَارًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، فَإِنْ كَانَ تَرَقِّيًا مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّرَقِّي مِنَ الْمُعَارَضَةِ إِلَى الْمَنْعِ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ، وَقِيلَ: يُمَكَّنُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْإِرْشَادُ.
стр. 740
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ
قَالُوا: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثُ طُرُقٍ:
الْأُولَى:
أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا.
وَالثَّانِيَةُ:
أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ فِي بَعْضِ شُعَبِهَا وَفُصُولِهَا.
وَالثَّالِثَةُ:
أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى غَيْرِهَا.
فَإِنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِعَيْنِهَا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي الْكُلِّ، وَثَبَتَ الدَّلِيلُ فِي بَعْضِهَا، ثَبَتَ فِي الْبَاقِي بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ فِي غَيْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى غَيْرِهَا، فَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا على مسألة فروعية١، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُهَا وَاحِدَةً، أو مختلفة، فإن كانت.
الحواشي
(١) ١ العبارة في البحر المحيط ٢/ ٣٥٦ كما يلي: وإما أن يبنيها على مسألة فرعية.стр. 741
وَاحِدَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْجَدَلِ.
وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ وَالْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْجَوَابِ أَنْ يُطَابِقَ السُّؤَالَ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْفَرْضِ شَامِلَةً لسائر الأطراف.
قال: المستحسن مِنْهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي طَرَفٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عُمُومُ سُؤَالِ السَّائِلِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِشْعَارِ انْتِشَارِ الْكَلَامِ فِي جَمِيعِ الْأَطْرَافِ، وَعَدَمِ وَفَاءِ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِاسْتِتْمَامِ الْكَلَامِ فِيهَا.
وَحَاصِلُهُ: إِنْ ظَهَرَ انْتِظَامُ الْعِلَّةِ الْعَامَّةِ فِي الصُّورَتَيْنِ كَانَ مُسْتَحْسَنًا، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَهْجَنًا، وَفَائِدَتُهُ كَوْنُ الْعِلَّةِ قَدْ تَخْفَى فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَتَظْهَرُ فِي بَعْضٍ آخَرَ، فَالتَّفَاوُتُ بِالْأَوَّلِيَّةِ خَاصَّةٌ، وَالْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ.
стр. 742
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي جَوَازِ التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ
قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْمَذْهَبِ إِلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ فِي الْمُنَاظَرَةِ.
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْجَدَلِ تَضْيِيقُ الْأَمْرِ عَلَى الْخَصْمِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي تَفْصِيلًا حَسَنًا، فَقَالَ: إِنْ كَانَتِ الْمُنَاقَضَةُ عَائِدَةً إِلَى تَفَاصِيلِ أَصْلٍ لَا يَرْتَبِطُ فَسَادُهَا وَصِحَّتُهَا بِفَسَادِ الْأَصْلِ وَصِحَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بها، وإلا جاز.
стр. 743
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ
قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: السُّؤَالُ إِمَّا اسْتِفْهَامٌ مُجَرَّدٌ، وَهُوَ الِاسْتِخْبَارُ عَنِ الْمَذْهَبِ، أَوْ عَنِ الْعِلَّةِ، وَإِمَّا اسْتِفْهَامٌ عَنِ "الدَّلَالَةِ"* أَيِ: الْتِمَاسُ وَجْهِ دَلَالَةِ الْبُرْهَانِ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ بِنُفُوذِ الدَّلِيلِ وَجَرَيَانِهِ.
وَسَبِيلُ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مُجَرَّدًا، ثُمَّ الِاسْتِدْلَالَ، ثُمَّ طَرْدَ الدَّلِيلِ، ثُمَّ السَّائِلَ فِي الِابْتِدَاءِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَذْهَبِ مَنْ يَسْأَلُهُ، أَوْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ، فَسُؤَالُهُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ فَسُؤَالُهُ رَاجِعٌ إِلَى الدَّلِيلِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْأَصْلَ الَّذِي يَسْتَشْهِدُ بِهِ الْمُجِيبُ، فَسُؤَالُهُ عَنْهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الَّذِي أَحْوَجَهُ إِلَى الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْخِلَافُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الخلاف في الشاهد، فالسؤال عنه أولى.
الحواشي
(١) *في "أ": الأدلة.стр. 744
الفصل السابع: في الاستدلال
مدخل
...
الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الِاسْتِدْلَالِ
وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، مَا لَيْسَ بِنَصٍّ، وَلَا إِجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ.
لَا يُقَالُ: هَذَا مِنْ تَعْرِيفِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ بِبَعْضٍ، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِالْمُسَاوِي، فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ، بَلْ هُوَ تَعْرِيفٌ لِلْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْعِلْمُ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعِهِ: فَقِيلَ هِيَ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: التَّلَازُمُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عِلَّةٍ، وَإِلَّا كَانَ قِيَاسًا.
الثَّانِي: اسْتِصْحَابُ الْحَالِ.
الثَّالِثُ: شَرْعُ مَنْ قبلنا.
قال الْحَنَفِيَّةُ: وَمِنْ أَنْوَاعِهِ نَوْعٌ رَابِعٌ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ.
وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: وَمِنْ أَنْوَاعِهِ نَوْعٌ خَامِسٌ، وَهُوَ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ.
وَسَنُفْرِدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بَحْثًا، وَنُلْحِقُ بِهَا فَوَائِدَ، لِاتِّصَالِهَا بِهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
стр. 745
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي التَّلَازُمِ
وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
لِأَنَّ التَّلَازُمَ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِمَّا مُثْبَتٌ أَوْ مَنْفِيٌّ، وَحَاصِلُهُ: إِذَا كَانَ تَلَازُمَ تساوٍ فَثُبُوتُ كُلٍّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْآخَرِ، وَنَفْيُهُ نَفْيُهُ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقَ اللُّزُومِ، فَثُبُوتُ الْمَلْزُومِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ اللَّازِمِ، مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَلْزُومِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ "وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ انْفِصَالٌ حَقِيقِيٌّ فَثُبُوتُ كلٍّ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ، وَنَفْيُهُ ثُبُوتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْعَ جَمْعٍ، فَثُبُوتُ كلٍّ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَإِنْ كَانَ مَنْعَ خُلُوٍّ فَنَفْيُ كلٍّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ"*.
وَخُلَاصَةُ هذا البحث يرجع إلى الاستدلال بالأقسية الِاسْتِثْنَائِيَّةِ، وَالِاقْتِرَانِيَّةِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِدْلَالِ قَوْلُهُمْ: وُجِدَ السَّبَبُ وَالْمَانِعُ أَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ.
ومنها: انتفاء الحكم لانتفاء مدركه.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 746
وَمِنْهَا: الدَّلِيلُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ أَقْوَالٍ، يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ، ثُمَّ قَسَّمَهُ إِلَى الِاقْتِرَانِيِّ وَالِاسْتِثْنَائِيِّ، وَذَكَرَ الْأَشْكَالَ الْأَرْبَعَةَ وَشُرُوطَهَا، وَضُرُوبَهَا. انْتَهَى. فَلْيُرْجَعْ فِي هَذَا الْبَحْثِ إِلَى ذَلِكَ الْفَنِّ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا لَا يَجْرِي إِلَّا فِيمَا فِيهِ تَلَازُمٌ، أَوْ تَنَافٍ، فَالتَّلَازُمُ: إِمَّا أن يكون طردا أو عكسا، أي: من الطَّرَفَيْنِ، أَوْ طَرْدًا لَا عَكْسًا، أَيْ: مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ، وَالتَّنَافِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لَكِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ: إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَإِمَّا طَرْدًا فَقَطْ، أَيْ: إِثْبَاتًا، وَإِمَّا عَكْسًا فَقَطْ، أَيْ: نَفْيًا.
الْأَوَّلُ:
الْمُتَلَازِمَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا، وَذَلِكَ كَالْجِسْمِ وَالتَّأْلِيفِ؛ إِذْ كُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ جِسْمٌ، وَهَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّلَازُمُ بَيْنَ الثُّبُوتَيْنِ، وَبَيْنَ النفيين، كلامهما طَرْدًا وَعَكْسًا، كُلَّمَا كَانَ جِسْمًا كَانَ مُؤَلَّفًا، وَكُلَّمَا كَانَ مُؤَلَّفًا كَانَ جِسْمًا، وَكُلَّمَا لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفًا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا، وَكُلَّمَا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفًا.
الثَّانِي:
الْمُتَلَازِمَانِ طَرْدًا فَقَطْ، كَالْجِسْمِ وَالْحُدُوثِ؛ إِذْ كُلُّ جِسْمٍ حَادِثٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ فِي الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، فَهَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّلَازُمُ بَيْنَ الثُّبُوتَيْنِ طَرْدًا فَيَصْدُقُ كُلَّمَا كَانَ جِسْمًا كَانَ حَادِثًا، لَا عَكْسًا، فَلَا يَصْدُقُ كُلَّمَا كَانَ حَادِثًا كَانَ جِسْمًا، وَيَجْرِي فِيهِ التَّلَازُمُ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ، عَكْسًا، فَيَصْدُقُ كُلَّمَا لَمْ يَكُنْ حَادِثًا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا، لَا طَرْدًا، فَلَا يَصْدُقُ كُلَّمَا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ حَادِثًا.
الثَّالِثُ:
الْمُتَنَافِيَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا، كَالْحُدُوثِ وَوُجُوبِ الْبَقَاءِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي ذَاتٍ، فَتَكُونُ حَادِثَةً وَاجِبَةَ الْبَقَاءِ، وَلَا يَرْتَفِعَانِ، فَيَكُونُ قَدِيمًا غَيْرَ وَاجِبِ الْبَقَاءِ، فَهَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّلَازُمُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ، وَبَيْنَ النَّفْيِ وَالثُّبُوتِ، طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ: مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَيَصْدُقُ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَمْ يَجِبْ بَقَاؤُهُ، ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثا، ولو لَمْ يَكُنْ حَادِثًا فَلَا يَجِبُ بَقَاؤُهُ، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ بَقَاؤُهُ فَلَا يَكُونُ حَادِثًا.
الرَّابِعُ:
الْمُتَنَافِيَانِ طَرْدًا لَا عَكْسًا، إِي: إِثْبَاتًا لَا نَفْيًا، كَالتَّأْلِيفِ وَالْقِدَمِ؛ إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ هُوَ مُؤَلَّفٌ وَقَدِيمٌ، لَكِنَّهُمَا قَدْ يَرْتَفِعَانِ، كَالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَهَذَا يَجْرِي فِيهِ التَّلَازُمُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ، طَرْدًا وَعَكْسًا، أَيْ: مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَيَصْدُقُ كُلَّمَا كَانَ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا، وَكُلَّمَا كَانَ قَدِيمًا "لَمْ يَكُنْ جِسْمًا، وَلَا يَصْدُقُ كُلَّمَا كَانَ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا، وَكُلَّمَا كَانَ قَدِيمًا"* كَانَ جِسْمًا.
الْخَامِسُ:
الْمُتَنَافِيَانِ عَكْسًا، أَيْ: نَفْيًا، كَالْأَسَاسِ وَالْخَلَلِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَرْتَفِعَانِ، فَلَا يُوجَدُ مَا لَيْسَ لَهُ أَسَاسٌ، وَلَا يَخْتَلُّ، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي كُلِّ مَا لَهُ أَسَاسٌ قَدْ يَخْتَلُّ بوجه آخر، وهذا يجري
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 747
فِيهِ تَلَازُمُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، طَرْدًا وَعَكْسًا، فَيَصْدُقُ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَسَاسٌ، فَهُوَ مُخْتَلٌّ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلًّا فَلَيْسَ لَهُ أَسَاسٌ، وَلَا يَصْدُقُ كُلُّ مَا كَانَ لَهُ أَسَاسٌ فَلَيْسَ بِمُخْتَلٍّ، وَكُلُّ مَا كَانَ مُخْتَلًّا فَلَيْسَ لَهُ أَسَاسٌ.
وَمَا قَدَّمْنَا عَنِ الآمدي: أن من أنواع الاستدلال قولهم: وجب السَّبَبُ إِلَخْ، هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ لِأَهْلِ الْأُصُولِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى دَلِيلٍ، فَهُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِمْ: وُجِدَ دَلِيلُ الْحُكْمُ، لَا يَكُونُ دَلِيلًا مَا لَمْ يُعَيَّنْ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ مَا يَسْتَلْزِمُ الْمَدْلُولَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ دَلِيلٌ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلدَّلِيلِ إِلَّا مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِالْمَدْلُولِ.
وَالصَّوَابُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ، لَا دَلِيلٌ، وَلَا مُجَرَّدُ دَعْوَى.
وَاعْلَمْ: أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّلَازُمِ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ السَّابِقَةِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، مَا عَدَا الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَى نفس العلة.
стр. 748
الْبَحْثُ الثَّانِي: الِاسْتِصْحَابُ
أَيْ: اسْتِصْحَابُ الْحَالِ لِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ، أَوْ عَدَمِيٍّ، عَقْلِيٍّ، أَوْ شَرْعِيٍّ١.
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ بَقَاءُ ذَلِكَ الْأَمْرِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُغَيِّرُهُ، فَيُقَالُ: الْحُكْمُ الْفُلَانِيُّ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى، وَكُلَّمَا كَانَ فِيمَا مَضَى، وَلَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ، فَهُوَ مَظْنُونُ الْبَقَاءِ.
قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ فِي "الْكَافِي": وَهُوَ آخِرُ مَدَارِ الْفَتْوَى، فَإِنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ حَادِثَةٍ، يَطْلُبُ حُكْمَهَا فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَيَأْخُذُ حُكْمَهَا مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي زَوَالِهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ، انْتَهَى.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى أَقْوَالٍ٢:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَبِهِ قَالَتِ الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر.
الثَّانِي:
أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الحنفية، والمتكلمين، كأبي الحسين البصري،
الحواشي
(١) ١ انظر ميزان الأصول ٢/ ٩٣٢ والمنخول ٣٧٢ والبحر المحيط ٦/ ١٧.
٢ انظر ميزان الأصول "٢/ ٩٣٤.стр. 749
قَالُوا: لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَفْتَقِرُ إِلَى الدَّلِيلِ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ، وَهَذَا خَاصٌّ عِنْدَهُمْ بِالشَّرْعِيَّاتِ، بِخِلَافِ الْحِسِّيَّاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى الْعَادَةَ فِيهَا بِذَلِكَ، وَلَمْ يُجْرِ الْعَادَةَ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، فَلَا تُلْحَقُ بِالْحِسِّيَّاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ تَخْصِيصُ النَّفْيِ بِالْأَمْرِ الوجودي.
ومنهم من نقل عن الْخِلَافُ مُطْلَقًا.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْخِلَافِ فِي الْوُجُودِيِّ وَالْعَدَمِيِّ جَمِيعًا، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ؛ إِذْ تَفَارِيعُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ حُجَّةٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمَنْقُولُ فِي كتب أكثر الحنفية أنه لا يصح حُجَّةً عَلَى الْغَيْرِ، وَلَكِنْ يَصْلُحُ لِلرَّفْعِ وَالدَّفْعِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ حُجَّةٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ، وَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ "وَذَلِكَ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كان الظاهر بقاؤها، صَلُحَ حُجَّةً لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ، فَلَا يُوَرَّثُ مَالُهُ، وَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَرِثُ عَنْ أَقَارِبِهِ"*
الثَّالِثُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، فإنه "لم"**كلف إِلَّا مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدُورِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ دَلِيلًا سِوَاهُ جَازَ لَهُ التَّمَسُّكُ "بِهِ"***وَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إِذَا تَنَاظَرُوا لَمْ يَنْفَعِ الْمُجْتَهِدَ قَوْلُهُ لَمْ أَجِدْ دَلِيلًا عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ.
الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ لَا لِلرَّفْعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ إِلْكِيَا: وَيُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا "بِأَنَّ"**** اسْتِصْحَابَ الْحَالِ صَالِحٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، إِحَالَةً عَلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ، لَا لِإِثْبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا١ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ.
الْخَامِسُ:
أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِهِ لَا غَيْرَ، نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِهِ.
السَّادِسُ:
أَنَّ الْمُسْتَصْحِبَ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ سِوَى نَفْيِ مَا نَفَاهُ، صح ذلك٢، وإن كان
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": لا.
*** بين قوسين ساقط من "أ".
**** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ انظر صفحة: ١٧٤.
٢ مثاله: من استدل على إبطال بيع الغائب ونكاح المحرم والشغار بأن الأصل أن لا عقد فلا يثبت إلا بدلالة.стр. 750
غرضه إثبات خلاف قول خصمه، من وجهة يُمْكِنُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِي نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ فَلَا يَصِحُّ١. حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ تَنْقِيحِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُطْلِقُهُ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ النِّزَاعِ، فَنَقُولُ: لِلِاسْتِصْحَابِ صُوَرٍ:
إِحْدَاهَا:
اسْتِصْحَابُ مَا دَلَّ الْعَقْلُ أو الشرع عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لَهُ، وَشَغْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إِتْلَافٍ أَوِ الْتِزَامٍ، وَدَوَامِ الْحِلِّ فِي الْمَنْكُوحَةِ بَعْدَ تقرير المنكاح، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ إِلَى أَنْ يَثْبُتَ مُعَارِضٌ.
قَالَ، الثَّانِيَةُ:
اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ الْمَعْلُومِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ التَّكْلِيفِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى تَغَيُّرِهِ، كَنَفْيِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ "أَيْ"*: مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشرع.
قال، الثَّالِثَةَ:
اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ، وَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.
قَالَ، الرَّابِعَةُ:
اسْتِصْحَابُ الدَّلِيلِ، مَعَ احْتِمَالِ الْمُعَارِضِ، إِمَّا تَخْصِيصًا إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا، أَوْ نَسْخًا إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ نَصًّا، فَهَذَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ "بِالْإِجْمَاعِ"**.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَأَثْبَتَهُ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ، وَمَنَعَهُ الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْبُرْهَانِ"، وَإِلْكِيَا فِي "تَعْلِيقِهِ"، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "الْقَوَاطِعِ"؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ اللَّفْظِ، لَا مِنْ نَاحِيَةِ الِاسْتِصْحَابِ٢.
قَالَ، الْخَامِسَةُ:
الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِأَنْ يُتَّفَقَ عَلَى حكم في حاله، ثم يتغير صِفَةُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَيَسْتَدِلُّ مَنْ لم يغير الحكم باستصحاب الحال.
الحواشي
(١) * ما بين القوسين ساقط من "أ".
** في "أ": إجماعا.
_________
١ مثاله: من يقول في مسألة الحرام: إنه يمين توجب الكفارة، لم يستدل على إبطال قول خصومه بأن الأصل أن لا طلاق ولا ظهار ولا لعان فيعارض بالأصل أن لا يمين ولا كفارة فيتعارض الاستصحابان فيسقطان ا. هـ البحر المحيط ٦/ ٢٠.
٢ ذكر الزركشي في كتابه كلاما وافيا على ذلك فانظره في الصفحة ٢١ من البحر المحيط م٦.стр. 751
مِثَالُهُ: إِذَا اسْتَدَلَّ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّتِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَاسْتُصْحِبَ إِلَى أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ مُبْطِلَةٌ.
وَكَقَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ: يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاء، فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الِاسْتِيلَادِ١.
وَهَذَا النوع ومحل الْخِلَافِ، كَمَا قَالَهُ فِي "الْقَوَاطِعِ" وَهَكَذَا فَرَضَ أَئِمَّتُنَا الْأُصُولِيُّونَ الْخِلَافَ فِيهَا، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمُ الْقَاضِي، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْغَزَالِيُّ، إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الطَّوَائِفِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِصْحَابِ، بَلْ إِنِ اقْتَضَى الْقِيَاسُ أَوْ غَيْرُهُ إِلْحَاقَهُ بِمَا قَبْلُ أُلْحِقَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ: وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنِ الْمُزَنِيِّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَالصَّيْرَفِيِّ، وَابْنِ خَيْرَانَ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ، قَالَ: وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ.
قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ": إِنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ شُيُوخُ أَصْحَابِنَا، فَيَسْتَصْحِبُ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ارْتِفَاعِهِ. انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: هُوَ الرَّاجِحُ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ بَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ، قَائِمٌ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يصلح لذلك، فمن ادعاه جاء به.
الحواشي
(١) ١ انظر البحر المحيط ٦/ ٢٢ والمستصفى ١/ ٢٢٣.
٢ جزء من الآية ١٣ من سورة الشورى.стр. 752
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَلْ كَانَ ﷺ مُتَعَبِّدًا قبل البعثة بِشَرْعٍ أَمْ لَا ؟
...
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا
وَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَلْ كان ﷺ متعبدا بشرع أم لا؟
كان نبينا ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ أَمْ لَا؟ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ:
فَقِيلَ: إنه ﷺ كَانَ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِشَرِيعَةِ آدَمَ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الشَّرَائِعِ.
وَقِيلَ: بِشَرِيعَةِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٢.
стр. 753
وَقِيلَ: بِشَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٢.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي "الْمُرْشِدِ"٣: وَعَزَى إِلَى الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَبِهِ نَقُولُ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ "الْمَصَادِرِ" عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ.
وَقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مُوسَى.
وَقِيلَ: بِشَرِيعَةِ عِيسَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّهُ النَّاسِخُ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْوَاحِدِيُّ٤.
وَقِيلَ كَانَ عَلَى شَرْعٍ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَلَا يُقَالُ: كَانَ مِنْ أُمَّةِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ عَلَى شَرْعِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي "الْمُرْشِدِ": وَإِلَيْهِ كَانَ يَمِيلُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ كُلِّ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْهَا وَانْدَرَسَ، حَكَاهُ صَاحِبُ "الْمُلَخَّصِ".
وَقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ، وَلَكِنْ لَا نَدْرِي بِشَرْعِ مَنْ تَعَبَّدَهُ اللَّهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ.
وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ، حَكَاهُ فِي "الْمَنْخُولِ" عَنْ إِجْمَاعِ الْمُعْتَزِلَةِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ" وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: هُوَ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، قَالَ جُمْهُورُهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَقْلًا؛ إِذْ لَوْ تَعَبَّدَ بِاتِّبَاعِ أَحَدٍ لَكَانَ غَضًّا مِنْ نُبُوَّتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ الْعَقْلِ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ شَرِيعَةٌ، وَرَجَّحَ هَذَا الْمَذْهَبَ، أَعْنِي: عَدَمَ التَّعَبُّدِ بِشَرْعٍ قَبْلَ الْبَعْثَةِ الْقَاضِي، وَقَالَ: هَذَا مَا نَرْتَضِيهِ وَنَنْصُرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى دِينٍ لَنُقِلَ، وَلَذَكَرَهُ ﷺ ، إِذْ لَا يظن به الكتمان.
الحواشي
(١) ١ جزء من الآية ٦٨ من سورة آل عمران.
٢ جزء من الآية ١٢٣من سورة النحل.
٣ وهو للإمام عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، أبي نصر، كما نسبه إليه السيوطي في كتابه المسمى "بالإتقان في علوم القرآن". ا. هـ الإتقان ٤/ ٢٢٨.
٤ هو علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، أبو الحسن الشافعي، صاحب التفسير، توفي في نيسابور سنة ثمان وستين وأربعمائة هـ، من آثاره "أسباب النزول، البسيط، الوسيط، الوجيز" وغيرها كثير. ا. هـ سير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٣٩ معجم المؤلفين ١٢/ ٢٥٦ شذرات الذهب ٣/ ٣٣٠ هدية العارفين ١/ ٦٩٢.стр. 754
وَعَارَضَ ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينٍ أَصْلًا لَنُقِلَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنِ الْمُعْتَادِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
قَالَ: فَقَدْ تَعَارَضَ الْأَمْرَانِ.
وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: كَانَتِ الْعَادَةُ انْخَرَقَتْ فِي أُمُورِ الرَّسُولِ ﷺ بِانْصِرَافِ "هِمَمِ"* النَّاسِ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ، وَالْبَحْثِ عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مِنَ الضَّعْفِ وَسُقُوطِ مَا "رَتَّبَهُ"* عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، وَبِهِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ القشيري، وإلكيا، والغزالي، والآمدي، والشريف المرتضى، واختار النَّوَوِيُّ فِي "الرَّوْضَةِ"، قَالُوا: إِذْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةُ عَقْلٍ، وَلَا ثَبَتَ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا إِجْمَاعٌ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي "الْمُرْشِدِ" بَعْدَ حِكَايَةِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ: وَكُلُّ هَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ، وَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ لَكِنْ أَيْنَ السَّمْعُ فِيهِ. انْتَهَى.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَظْهَرُ لَهَا فَائِدَةٌ، بَلْ تَجْرِي مَجْرَى التَّوَارِيخِ الْمَنْقُولَةِ، وَوَافَقَهُ الْمَازِرِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَائِدَةٌ، بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَكِنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ شَرَفُ تِلْكَ الْمِلَّةِ التي تبعد بِهَا، وَفَضَّلَهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمِلَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى مِلَّتِهِ.
وَأَقْرَبُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فقد كان ﷺ كَثِيرَ الْبَحْثِ عَنْهَا، عَامِلًا بِمَا بَلَغَ إِلَيْهِ مِنْهَا، كَمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ السيرة، وَكَمَا تُفِيدُهُ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِاتِّبَاعِ تِلْكَ الْمِلَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّةٍ لَهَا، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَةٍ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لَمْ يكن إلا عليها.
الحواشي
(١) * في "أ": بانصرافهم.
** في حاشية "أ": كذا بالأصل "أي ملزمة" والصواب سقوط ما نبه عليه يعني بقوله والوجه أن يقال إلخ والله أعلم.
_________
١ انظر البحر المحيط ٦/ ٤١ والمستصفى ١/ ٢٥٠.стр. 755
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ كَانَ ﷺ بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله أم لا ؟
اخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَمْ لَا عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِاتِّبَاعِهَا١، بَلْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي آخر عمره.
стр. 756
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَكَذَا قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ فِي "الْكَافِي"، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ١ لَمْ يُرْشِدْهُ إِلَّا إِلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ.
وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ حَزْمٍ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٢.
وَبَالَغَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالَتْ: بِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: الْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ، وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا، وَاخْتَارَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْآمِدِيُّ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْهُ، نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: هُوَ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَاخْتَارَهُ "ابْنُ بَرْهَانَ"*. وَقَالَ: إِنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِهِمْ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحسن واختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي واختاره ابن الحاجب.
قال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا، يَعْنِي الْمَالِكِيَّةَ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إِنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٣ الآية، فإن ذلك مما استدل بِهِ فِي شَرْعِنَا عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لَمَا صَحَّ الِاسْتِدْلَالُ بِكَوْنِ الْقِصَاصِ وَاجِبًا فِي شَرْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى كَوْنِهِ وَاجِبًا فِي شَرْعِهِ.
واستدلوا أيضًا بأنه ﷺ قَالَ: " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ٤ وَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٥ وَهِيَ مَقُولَةٌ لِمُوسَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، لَمَا كَانَ لِتِلَاوَةِ الْآيَةِ عِنْدَ ذَلِكَ فَائِدَةٌ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابن عباس أنه سجد في صورة ص، وَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٦ فاستنبط التشريع من هذه الآية.
الحواشي
(١) * في "أ": الرازي. وهو تحريف، والصواب ما أثبت كما في البحر ٦/ ٤٢.
_________
١ تقدم تخريجه ١/ ١٥٢.
٢ جزء من الآية ٤٨ من سورة المائدة.
٣ جزء من الآية ٤٥ من سورة المائدة.
٤ تقدم تخريجه ٢/ ٧٥.
٥ جزء من الآية ١٤ من سورة طه.
٦ جزء من الآية "٩٠" من سورة الأنعامстр. 757
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كان ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِ١ "فَإِنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا فِيمَا لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِ"* وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِمَحَبَّتِهِ لِلْمُوَافَقَةِ فَائِدَةٌ.
وَلَا أَوْضَحَ وَلَا أَصْرَحَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ من قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٢.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: الْوَقْفُ، حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَابْنُ بَرْهَانَ.
وَقَدْ فَصَّلَ بَعْضُهُمْ تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا بَلَغَنَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ، أَوْ لِسَانِ مَنْ أَسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ٣ وَلَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا، وَلَا مَخْصُوصًا، فَإِنَّهُ شَرْعٌ لَنَا، وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْقُرْطُبِيُّ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِالتَّعَبُّدِ، لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ وُقُوعِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، فَإِطْلَاقُهُمْ مُقَيَّدٌ بِهَذَا الْقَيْدِ، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَأْبَاهُ.
الحواشي
(١) * ما بين القوسين ساقط من "أ".
_________
١ مثاله ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن سخبرة قال: "مُرَّ على علي بجنازة فذهب اصحابه يقومون فقال لهم علي: ما يحملكم على هذا؟ قالوا: إن أبا موسى أخبرنا أن رسول الله ﷺ كان إذا مُرت به جنازة قام حتى تجاوزه. قال: فقال: إن أبا موسى لا يقول شيئًا، لعل رسول الله ﷺ فعل ذلك مرة. إن رسول الله ﷺ كان يحب أن يتشبه بأهل الكتاب فيما لم ينزل عليه شيء فإذا أنزل عليه تركه". كتاب الجنائز، باب نسخ القيام للجنازة ٩٦٢. أبو داود. كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة ٣١٧٥. النسائي، كتاب الجنائز، باب الرخصة في ترك القيام للجنازة ١٠٤٤. البيهقي، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة ٤/ ٢٧. ابن حبان في صحيحه ٣٠٥٦. أبو يعلى في مسنده ١/ ٢٧٣.
٢ جزء من الآية ١٢٣ من سورة النحل.
٣ هو كعب بن ماتع، الحميري، اليماني، كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ ، قدم المدينة من اليمن أيام عمر ﵁، فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائبا، ويأخذ السنن عن الصحابة وكان حسن الإسلام. ا. هـ سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩ شذارت الذهب ١/ ٤٠ الجرح والتعديل ٧/ ١٦١.стр. 758
البحث الرابع: الاستحسان
واختلف في حقيقته: فَقِيلَ: هُوَ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ.
وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عن قياس إلى قياس أقوى١.
الحواشي
(١) ١ انظر التبصرة ٤٩٢ والمنخول ٣٤٧.стр. 759
وقيل: هو الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةِ الناس.
وقيل: تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِأَقْوَى مِنْهُ.
وَنُسِبَ الْقَوْلُ بِهِ إلى أبي حنيفة، وحكى عنه أَصْحَابِهِ، وَنَسَبَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى مَالِكٍ، وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ مَعْرُوفًا مِنْ مَذْهَبِهِ، وَكَذَلِكَ أَنْكَرَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ مَا حُكِيَ عَنِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الْقَوْلِ بِهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَنَابِلَةِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "الْمُخْتَصَرِ": قَالَتْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمُ. انْتَهَى.
وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنِ استحسن فقد شرع.
قال الروياني: ومعناه أَنَّهُ يَنْصِبُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ شَرْعًا غَيْرَ الشَّرْعِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْسَانِ بَاطِلٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي "الرِّسَالَةِ": الِاسْتِحْسَانُ تَلَذُّذٌ١، وَلَوْ جَازَ لِأَحَدٍ الِاسْتِحْسَانُ فِي الدِّينِ؛ لَجَازَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعُقُولِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَجَازَ أَنْ يُشْرَعَ فِي الدِّينِ فِي كُلِّ بَابٍ، وَأَنْ يُخْرِجَ كُلُّ أَحَدٍ لِنَفْسِهِ شَرْعًا.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِهِ أُمُورًا لَا تَصْلُحُ لِلْخِلَافِ؛ لأن بعضها مقبولا اتِّفَاقًا، وَبَعْضَهَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَا هُوَ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا، وَمَا هُوَ مَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَجَعَلُوا مِنْ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْقَبُولِ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقْوَى، وَقَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِأَقْوَى مِنْهُ، وَجَعَلُوا مِنَ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ يَنْقَدِحُ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُهُ "فَالْعَمَلُ"* بِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى أَنَّهُ شَاكٌّ، فَهُوَ مَرْدُودٌ اتِّفَاقًا؛ إِذْ لَا تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ.
وَجَعَلُوا مِنَ الْمُتَرَدِّدِ أَيْضًا قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ هِيَ الثَّابِتَةُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الثَّابِتَةَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا، فَإِنْ كَانَ نصًّا "أو"** قياسا، مِمَّا ثَبَتَ حُجِّيَّتُهُ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا آخَرَ، لَمْ تَثْبُتْ حُجِّيَّتُهُ، فهو مردود قطعا.
الحواشي
(١) * في "أ": والعمل به.
** في "أ": وقياسا.
_________
١ انظر البحر المحيط ٦/ ٨٧.стр. 760
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ هُوَ الْقَوْلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، كَتَخْصِيصِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ١.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ، فَإِنْ سَمَّوْهُ اسْتِحْسَانًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ.
وَقَالَ الْأَبْيَارِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْسَانِ، لَا عَلَى مَا سَبَقَ، بَلْ حَاصِلُهُ اسْتِعْمَالُ مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ، فَهُوَ يُقَدِّمُ الاستدلال المرسل على القياس.
ومثال: لَوِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِالْخِيَارِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ، فَقِيلَ: يَرُدُّ، وَقِيلَ: يَخْتَارُ الْإِمْضَاءَ. قَالَ أَشْهَبُ: الْقِيَاسُ الْفَسْخُ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ إِنْ أَرَادَ الْإِمْضَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ لَمْ يمضِ، إِذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ قَبُولِهِ نَصِيبَ الرَّادِّ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنْ كَانَ الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْقَوْلَ بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ الْإِنْسَانُ، وَيَشْتَهِيهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا أَحَدَ يَقُولُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ تَفْسِيرَ الِاسْتِحْسَانِ بِمَا يُشَنَّعُ بِهِ عَلَيْهِمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ "وَالَّذِي يَقُولُونَ بِهِ أَنَّهُ الْعُدُولُ فِي الْحُكْمِ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ"*، فَهَذَا مِمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يُعْرَفُ اسْمًا لِمَا "يُقَالُ بِهِ"** وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْقَفَّالُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْسَانِ مَا دلت عليه الْأُصُولُ بِمَعَانِيهَا، فَهُوَ حَسَنٌ، لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ، قَالَ: فَهَذَا لَا نُنْكِرُهُ وَنَقُولُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ مِنِ اسْتِقْبَاحِ الشَّيْءِ وَاسْتِحْسَانِهِ، مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ، من أصل ونظيره، فَهُوَ مَحْظُورٌ، وَالْقَوْلُ بِهِ غَيْرُ سَائِغٍ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الِاسْتِحْسَانُ كَلِمَةٌ يُطْلِقُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ على ضربين:
أحدهما: واجب بالإجماع، وَهُوَ أَنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَوِ الْعَقْلِيُّ، لِحُسْنِهِ٢، فَهَذَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَحْظُورًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَفِي عَادَاتِ النَّاسِ "إِبَاحَتُهُ، أَوْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ يُغَلِّظُهُ وَفِي عَادَاتِ النَّاسِ التَّخْفِيفُ"*** فَهَذَا عِنْدَنَا يَحْرُمُ الْقَوْلُ بِهِ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ، وَتَرْكُ الْعَادَةِ وَالرَّأْيِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا. انْتَهَى.
الحواشي
(١) * في "أ": مكانها: وإن تفسير الاستحسان بالعدول عن دليل أقوى منه.
** في "أ": يقاربه.
*** ما بين قوسين ساقط من "أ". وهو مثبت في البحر المحيط ٦/ ٩٠.
_________
١ أخرجه مالك في الموطأ، كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع العرية ١٤، ٢/ ٦١٩ وتقدم تخريجه ١/ ١٥٢.
٢ مثاله: القول بحدوث العالم وقدم المحدث ا. هـ البحر المحيط ٦/ ٩٠.стр. 761
فَعَرَفْتَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِحْسَانِ فِي بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ لَا فَائِدَةَ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا فَلَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنَ التَّقَوُّلِ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَارَةً، وَبِمَا يُضَادُّهَا أُخْرَى.
стр. 762
الْبَحْثُ الْخَامِسُ: الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ
قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فيها في مباحث القياس، وسنذكر ههنا بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِكَوْنِهَا قَدْ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي مَبَاحِثِ الِاسْتِدْلَالِ، وَلِهَذَا سَمَّاهَا بَعْضُهُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ، وَأَطْلَقَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَلَيْهَا اسْمَ الِاسْتِدْلَالِ١.
قَالَ الْخُوَارَزْمِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ، بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ عَنِ الْخَلْقِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: هِيَ أَنْ يُوجَدَ مَعْنًى يُشْعِرُ بِالْحُكْمِ، مُنَاسِبٌ عَقْلًا، وَلَا يُوجَدُ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: هِيَ مَا لَا تَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ كُلِّيٍّ وَلَا جُزْئِيٍّ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِهَا عَلَى مَذَاهِبَ.
الْأَوَّلُ: مَنْعُ التَّمَسُّكِ بِهَا مُطْلَقًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ": وَأَفْرَطَ فِي الْقَوْلِ بِهَا حَتَّى جَرَّهُ إِلَى اسْتِحْلَالِ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ لِمَصَالِحَ يَقْتَضِيهَا فِي غَالِبِ الظَّنِّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهَا مُسْتَنَدًا، وَقَدْ حُكِيَ الْقَوْلُ بِهَا عن الشافعي، في "قوله"* القد يم، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَا نُسِبَ إِلَى مَالِكٍ مِنَ الْقَوْلِ بِهَا، وَمِنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، قَالَ: وَقَدِ اجْتَرَأَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، وَجَازَفَ فِيمَا نَسَبَهُ إِلَى مَالِكٍ مِنَ الْإِفْرَاطِ فِي هذا الوصل، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ مَالِكٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لِمَالِكٍ تَرْجِيحًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فِي هَذَا النَّوْعِ، وَيَلِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلَا يكاد يخلو غيرهما من اعْتِبَارِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ لِهَذَيْنِ تَرْجِيحٌ فِي الاستعمال لها على غيرهما. انتهى.
الحواشي
(١) * في "أ": القول.
_________
١ انظر المستصفى ١/ ٢٨٤ والبحر المحيط ٦/ ٧٦.стр. 763
قَالَ الْقَرَافِيُّ: هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ بِالْمُنَاسَبَةِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: إِنْ كَانَتْ مُلَائِمَةً لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، أَوْ لِأَصْلٍ جُزْئِيٍّ، جَازَ بناء الأحكام عليها، وإلا فلا.
وحكاه ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الْحَقُّ الْمُخْتَارُ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَ الشافعين وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى "اعْتِمَادِ"* تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، بِشَرْطِ "مُلَائَمَتِهِ"** لِلْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْأُصُولِ.
الرَّابِعُ: إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً، قَطْعِيَّةً، كُلِّيَّةً، كَانَتْ مُعْتَبَرَةً، فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ تُعْتَبَرْ، وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ١، وَبِالْكُلِّيَّةِ أَنْ تَعُمَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، لَا لَوْ كَانَتْ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ حَالَةٍ، وَاخْتَارَ هَذَا الْغَزَالِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَمَثَّلَ الْغَزَالِيُّ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُسْتَجْمِعَةِ "الشَّرَائِطِ"*** بِمَسْأَلَةِ التُّرْسِ؛ وَهِيَ مَا إِذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا رَمَيْنَا قَتَلْنَا مُسْلِمًا مِنْ دُونِ جَرِيمَةٍ مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكْنَا الرَّمْيَ لَسَلَّطْنَا الْكُفَّارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُونَهُمْ، ثُمَّ يَقْتُلُونَ الْأَسَارَى الَّذِينَ تترسوا بهم، فحفظ المسلمين بقتل مَنْ تَتَرَّسُوا بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ "الشَّارِعَ"**** يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الْقَتْلِ، كَمَا يَقْصِدُ حَسْمَهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَحَيْثُ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْحَسْمِ، فَقَدْ قَدَرْنَا عَلَى التَّقْلِيلِ، وَكَانَ هَذَا الْتِفَاتًا إِلَى مَصْلَحَةٍ، عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مَقْصُودَةً لِلشَّرْعِ، لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْحَصْرِ وَلَكِنَّ تَحْصِيلَ هَذَا الْمَقْصُودِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَمْ يُشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ "مُعَيَّنٌ"*****، فَيَنْقَدِحُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ بِالْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً، كُلِّيَّةً، قَطْعِيَّةً، فَخَرَجَ بِالْكُلِّيَّةِ ما إذا أَشْرَفَ جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ عَلَى الْغَرَقِ، وَلَوْ غَرِقَ بَعْضُهُمْ لَنَجَوْا، فَلَا يَجُوزُ تَغْرِيقُ الْبَعْضِ، وَبِالْقَطْعِيَّةِ مَا إِذَا شَكَكْنَا فِي كَوْنِ الْكُفَّارِ يتسلطون عند عدم رمي الترس "وبالضرورية مَا إِذَا تَتَرَّسُوا فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ فَلَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ"****** إِذْ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلى أخذ القلعة.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": الملائمة.
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
**** في "أ": الشرع.
***** ما بين قوسين ساقط من "أ".
****** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ الضروريات الخمس: وهي حفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل ا. هـ انظر شرح التلويح على التوضيح ٢/ ٦٣.стр. 764
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هِيَ بِهَذِهِ الْقُيُودِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي اعْتِبَارِهَا، وَأَمَّا ابْنُ الْمُنِيرِ، فَقَالَ: هُوَ احْتِكَامٌ مِنْ قَائِلِهِ، ثُمَّ هُوَ تصوير بِمَا لَا يُمْكِنُ عَادَةً، وَلَا شَرْعًا، أَمَّا عَادَةً: فَلِأَنَّ الْقَطْعَ فِي الْحَوَادِثِ الْمُسْتَقِلَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ؛ إِذْ هُوَ عَبَثٌ وَعِنَادٌ، وَأَمَّا شَرْعًا: فَلِأَنَّ الصَّادِقَ الْمَعْصُومَ قَدْ أَخْبَرَنَا بِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا يَتَسَلَّطُ عَدُوُّهَا عَلَيْهَا لِيَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهَا١.
قَالَ: وَحَاصِلُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ رَدُّ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، لِتَضْيِيقِهِ فِي قَبُولِهَا بِاشْتِرَاطِ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وَجُودُهُ. انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا تَحَامُلٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ يَفْرِضُ الْمَسَائِلَ النَّادِرَةَ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا، بَلِ الْمُسْتَحِيلَةَ لِرِيَاضَةِ "الْأَذْهَانِ"*، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَافَّةُ الْخَلْقِ، وتصوير الغزالي إنما هُوَ فِي أَهْلِ مَحَلَّةٍ بِخُصُوصِهِمُ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ، لَا جَمِيعُ الْعَالَمِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَسْتُ أُنْكِرُ عَلَى مَنِ اعْتَبَرَ أَصْلَ الْمَصَالِحِ، لَكِنَّ الِاسْتِرْسَالَ فِيهَا، وَتَحْقِيقَهَا مُحْتَاجٌ إِلَى نَظَرٍ سَدِيدٍ، وَرُبَّمَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَطَعَ لِسَانَ الْحُطَيْئَةِ٢ بِسَبَبِ الْهَجْوِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَزْمِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى التَّهْدِيدِ الرَّادِعِ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْقَطْعِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا يَجُرُّ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا يُسَمَّى مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً.
قَالَ: وَشَاوَرَنِي بَعْضُ الْقُضَاةِ فِي قَطْعِ أُنْمُلَةِ شَاهِدٍ، وَالْغَرَضُ مَنْعُهُ عَنِ الْكِتَابَةِ بِسَبَبِ قَطْعِهَا، وَكُلُّ "هَذِهِ"** مُنْكَرَاتٌ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ فِي الدِّينِ، وَاسْتِرْسَالٌ قَبِيحٌ فِي أَذَى المسلمين. انتهى.
ولنذكر ههنا فوائد لها بعض اتصال بمباحث الاستدلال.
الحواشي
(١) * في "أ": الأفهام.
** في "أ": هذا.
_________
١ أخرجه مسلم من حديث ثوبان المطول بلفظ: وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيهلكهم ولا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض ... " كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ٢٨٨٩. وأخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن ٣٩٥٢. البيهقي في السنن، كتاب السير، باب إظهار دين النبي ﷺ على الأديان ٩/ ١٨١. ابن حبان في صحيحه ٦٧١٤، ٧٢٣٨. وأخرج بنحوه أبو داود، كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها ٤٢٥٢. وأحمد في مسنده ٥/ ٢٧٨. والترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثا في أمته ٢١٧٦.
٢ هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم، ثم ارتد، وكان هجاءً مُرًّا، لم يكد يسلم من لسانه أحد، وهجا أمه وأباه ونفسه، من آثاره: ديوان شعر ا. هـ معجم المؤلفين ٣/ ١٢٨ الأعلام ٢/ ١١٨ هدية العارفين ١/ ٢٥١. كشف الظنون ١/ ٧٨٥.стр. 765
فوائد تتعلق بالاستدلال:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ
اعْلَمْ: أَنَّهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَمِمَّنْ نَقَلَ هَذَا الِاتِّفَاقَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى أَقْوَالٍ١:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.
الثَّانِي:
أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَبِهِ قَالَ أكثر الحنفية، ونقل عن مالك، وهو قديم قولي الشَّافِعِيِّ.
الثَّالِثُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ الْقِيَاسُ، فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى قِيَاسٍ لَيْسَ مَعَهُ قول صحابي، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي "الرِّسَالَةِ".
قَالَ: وأقوال الصحابة إذا تفرقا نَصِيرُ مِنْهَا إِلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ، أَوِ السنة، أو الإجماع، أو كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ، وَإِذَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ الْقَوْلَ لَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ لَهُ فِيهِ مُوَافَقَةٌ وَلَا مُخَالَفَةٌ، صِرْتُ إِلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ وَاحِدِهِمْ إِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا، وَلَا سُنَّةً، وَلَا إِجْمَاعًا، وَلَا شَيْئًا يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِهِ، أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ. انْتَهَى.
وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يَرَى فِي الْجَدِيدِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، إِذَا عَضَّدَهُ الْقِيَاسُ، وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّانِ.
قَالَ الْقَاضِي في "التقريب": إنه الذي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ، وَحَكَاهُ عَنْهُ الْمُزَنِيُّ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْمَلَ لَهُ إِلَّا التَّوْقِيفُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ وَالتَّحَكُّمَ فِي دِينِ اللَّهِ بَاطِلٌ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُقَلِّدْ إِلَّا تَوْقِيفًا.
قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ": وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، قَالَ: وَمَسَائِلُ الْإِمَامَيْنِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَدُلُّ عَلَيْهِ. انْتَهَى٢.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ مَا قَالَهُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا، وَدَلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّوْقِيفِ، فَلَيْسَ مِمَّا نحن بصدده.
الحواشي
(١) ١ انظر فواتح الرحموت ٢/ ١٨٥ والبحر المحيط ٦/ ٥٣.
٢ انظر تتمة البحث مفصلا في البحر المحيط ٦/ ٥٩.стр. 766
وَالْحَقُّ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَبْعَثْ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا نَبِيَّنَا محمدا ﷺ ، وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا رَسُولٌ وَاحِدٌ، وَكِتَابٌ وَاحِدٌ، وَجَمِيعُ الْأُمَّةِ مَأْمُورَةٌ بِاتِّبَاعِ كِتَابِهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ "وَبَيْنَ"* مَنْ بَعْدَهُمْ، فِي ذَلِكَ، فَكُلُّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَبِاتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَقُومُ الْحُجَّةُ فِي دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمَا يُرْجَعُ إِلَيْهِمَا، فقد قَالَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمَا "لَمْ"** يَثْبُتْ، وَأَثْبَتَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ شَرْعًا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَتَقَوُّلٌ بالغ فعن الْحُكْمَ لِفَرْدٍ أَوْ أَفْرَادٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ، أَوْ أَقْوَالَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِهَا وَتَصِيرُ شَرْعًا ثَابِتًا مُتَقَرِّرًا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، مِمَّا لَا يُدَانُ اللَّهُ بِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ الرُّكُونُ إِلَيْهِ، وَلَا الْعَمَلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِرُسُلِ اللَّهِ، الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ بِالشَّرَائِعِ إِلَى عِبَادِهِ لَا لِغَيْرِهِمْ، وَإِنْ بلغ فالعلم والدين عظم الْمَنْزِلَةِ أَيَّ مَبْلَغٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَقَامَ الصُّحْبَةِ مَقَامٌ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ فِي الْفَضِيلَةِ، وَارْتِفَاعِ الدَّرَجَةِ، وَعَظَمَةِ الشَّأْنِ، وَهَذَا مُسَلَّمٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلِهَذَا "صَارَ مُدُّ"*** أَحَدِهِمْ لَا "تَبْلُغُ إِلَيْهِ"**** مِنْ غَيْرِهِمُ الصَّدَقَةُ بِأَمْثَالِ الْجِبَالِ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ جَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حُجِّيَّةِ قَوْلِهِ، وَإِلْزَامِ النَّاسِ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ، وَلَا ثَبَتَ عَنْهُ فِيهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا مَا تَمَسَكَّ بِهِ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهتديتم" ١ فهذا لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِمِثْلِهِ فِي أَدْنَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَالْخَطْبِ الْجَلِيلِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَزِيدَ عَمَلِهِمْ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، الثَّابِتَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَحِرْصَهُمْ عَلَى اتباعها، ومشيهم "في"***** طَرِيقَتِهَا، يَقْتَضِي أَنَّ اقْتِدَاءَ الْغَيْرِ بِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَاتِّبَاعِهَا هِدَايَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ لِمَ قُلْتَ كَذَا "أَوْ"****** لِمَ فَعَلْتَ كَذَا، لَمْ ٍْْْيعجز مِنْ إِبْرَازِ الْحُجَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ولَمْ يَتَلَعْثَمْ فِي بَيَانِ ذَلِكَ.
وَعَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَمْلِ يُحْمَلُ مَا صح عنه ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي؛ أبي بكر
الحواشي
(١) * في "أ": وبين بعدهم.
** في "أ": لا.
*** في "أ": مد أحدهم.
**** في "أ": يبلغه.
***** في "أ": على.
******ما بين القوسين ساقط من "أ".
_________
١ تقدم تخريجه في "١/ ١٨٦".стр. 767
وَعُمَرَ" ١ وَمَا صَحَّ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْهَادِينَ" ٢.
فَاعْرِفْ هَذَا، وَاحْرِصْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ إِلَيْكَ وَإِلَى سَائِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَسُولًا إِلَّا مُحَمَّدًا ﷺ ، وَلَمْ يَأْمُرْكَ بِاتِّبَاعِ غَيْرِهِ، وَلَا شَرَعَ لَكَ عَلَى لِسَانِ سِوَاهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَرْفًا واحدا ولا جعل شيئًا من الْحُجَّةَ عَلَيْكَ فِي قَوْلِ غَيْرِهِ، كَائِنًا مَنْ كان.
الحواشي
(١) ١ تقدم تخريجه في ١/ ٢٢١.
٢ تقدم تخريجه في ١/ ٢٢١.стр. 768
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ
فَإِنَّهُ أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَحَكَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّظَرِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُخْتَلِفُونَ فِي أَمْرٍ عَلَى أَقَاوِيلَ، فَيَأْخُذُ بِأَقَلِّهَا إِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ.
قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: هُوَ أَنْ يَرِدَ الفعل عن النبي ﷺ مبنيا لمجمل، ويحتاج إلى تحديده، فيصار إلى اقل مَا يُوجَدُ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَقَلِّ الْجِزْيَةِ إِنَّهُ دِينَارٌ١.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ أن يختلف الصحابة في تقدير، فَيَذْهَبُ بَعْضُهُمْ إِلَى مِائَةٍ مَثَلًا، وَبَعْضُهُمْ إِلَى خَمْسِينَ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ دَلَالَةٌ تُعَضِّدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ صُيِّرَ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلَالَةٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَأْخُذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ.
وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ، وَحَكَى اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ بِالْمُسَاوَاةِ، وَبَعْضَهُمْ قَالَ بِالثُّلُثِ فَكَانَ هَذَا أقلها.
وقسم ابن السمعاني المسألة إلى قسمين:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا أَصْلُهُ الْبَرَاءَةُ، فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ وَسُقُوطِهِ كَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى، لِمُوَافَقَةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ، كَدِيَةِ الذِّمِّيِّ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى قَاتِلِهِ، فَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّهِ دَلِيلًا؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، كَالْجُمُعَةِ الثَّابِتِ فَرْضُهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَدِ انْعِقَادِهَا، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ دَلِيلًا لِارْتِهَانِ الذِّمَّةِ بِهَا، فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِالشَّكِّ.
وَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ دَلِيلًا؟ فيه وجهان.
الحواشي
(١) ١ وذلك لأن الدليل قام أنه لا بد من تحديد فصار إلى أقل ما حُكي عن النبي ﷺ أنه أخذ من الجزية.стр. 769
أحدهما:
أن يَكُونُ دَلِيلًا، وَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ بِالْأَكْثَرِ إِجْمَاعًا، وَفِي الْأَقَلِّ خِلَافٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَكْثَرُ مَا قِيلَ.
الثَّانِي:
لَا يَكُونُ دَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مِنَ الْخِلَافِ دَلِيلٌ. انْتَهَى١.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَخْذَ بِأَقَلِّ ما قيل مُتَرَكِّبًا مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَمْكَنَ ضَبْطُ أَقْوَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَحَكَى قَوْلًا بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ مَا قِيلَ، لِيَخْرُجَ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّقْدِيرِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْأَدِلَّةِ فَفَرْضُ الْمُجْتَهِدِ "أَنْ يَأْخُذَ"* بِمَا صَحَّ له منها، مع الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، أَوِ التَّرْجِيحِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ مَخْرَجٍ صَحِيحٍ، الْوَاقِعَةَ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِلْمَزِيدِ مَقْبُولَةٌ، يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا، وَالْمَصِيرُ إِلَى مَدْلُولِهَا، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي التَّقْدِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَذَاهِبِ، فَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَ "الْمُجْتَهِدِ"** بِمَذَاهِبِ النَّاسِ، بَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ بِاجْتِهَادِهِ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرُهُ، من الأخذ بالأقل، أو بالأكثر، أَوْ بِالْوَسَطِ.
وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ أَسِيرُ إِمَامِهِ فِي جَمِيعِ "مَسَائِلِ"** دِينِهِ، وَلَيْتَهُ لَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْكَلَامَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْمُؤَلَّفِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ "أَدَبَ الطَّلَبِ"٢، وَفِي الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ "الْقَوْلَ المفيد في حكم التقليد"٣.
وَكَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ، كَذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْأَخْذِ بِأَخَفِّ مَا قِيلَ، وَقَدْ صَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٥ وقوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": الجمهور.
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ انظر البحر المحيط ٦/ ٢٩.
٢ واسمهم" أدب الطلب ومنتهى الأرب" للإمام محمد بن علي الشوكاني. ا. هـ البدر الطالع ٢/ ٢٢٢. هدية العارفين ٢/ ٣٦٥.
٣ واسمه "القول المفيد في حكم التقليد وهو أيضًا للإمام محمد بن علي الشوكاني. ا. هـ البدر الطالع ٢/ ٢٢٢. هدية العارفين ٢/ ٣٣٦.
٤ جزء من الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
٥ جزء من الآية ٧٨ من سورة الحج.стр. 770
السَّهْلَةِ" ١ وَقَوْلِهِ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" ٢ وَبَعْضُهُمْ صَارَ إِلَى الْأَخْذِ بِالْأَشَقِّ، وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِي مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ يُسْرٌ، وَالشَّرِيعَةَ جَمِيعَهَا سَمْحَةٌ سَهْلَةٌ.
وَالَّذِي يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ وَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ هُوَ مَا صَحَّ دَلِيلُهُ، فَإِنْ تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ الْأَخَفُّ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ، أَوِ الْأَشَقُّ مُرَجَّحًا، بَلْ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى المرجحات المعتبرة.
الحواشي
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة" ٦/ ١١٦-٢٣٣ وذكره العجلوني في كشف الخفاء من حديث السيدة عائشة أيضًا ١/ ٢١٧.
٢ أخرجه مسلم من حديث أبي موسى، كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ١٧٣٢ وأبو داود، كتاب الأدب، باب كراهية المراء ٤٨٣٥.
وورد بلفظ أخر وهو: "يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا" من حديث أنس.
أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة ٦٩. ومسلم، كتاب الجهاد، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير ١٧٣٤. وأحمد في مسنده ٣/ ١٣١. وأبو يعلى في مسنده ٤١٧٢.стр. 771
الفائدة الثالثة: النافي للحكم هل يلزمه الدليل ؟
لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْحُكْمِ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا النَّافِي لَهُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى النَّفْيِ.
نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَنَقَلَهُ ابن القطان عن أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَفَّالُ، وَالصَّيْرَفِيُّ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، قَالُوا: لِأَنَّهُ مدعٍ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ١ فَذَمَّهُمْ عَلَى نَفْيِ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ مُبَيَّنًا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢ في جواب قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٣، ولا يخافك أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَاقِعٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإِنَّ النَّافِيَ غَيْرُ مدعٍ، بَلْ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَنْعِ، مُتَمَسِّكٌ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا هُوَ مُكَذِّبٌ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِعِلْمِهِ، بَلْ وَاقِفٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ الدَّلِيلُ، وَتَضْطَرَّهُ الْحُجَّةُ إِلَى الْعَمَلِ.
الحواشي
(١) ١ جزء من الآية ٣٩ من سورة يونس.
٢ جزء من الآية ١١١ من سورة البقرة.
٣ جزء من الآية ١١١ من سورة البقرة.стр. 772
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فَهُوَ نَصْبٌ لِلدَّلِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُمُ الْبُرْهَانَ لِادِّعَائِهِمْ أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي:
أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، إِلَّا ابْنَ حَزْمٍ، فَإِنَّهُ رَجَّحَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ..
قَالُوا: لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ النَّفْيُ وَالْعَدَمُ، فَمَنْ نفى الحكم فله أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَوِيٌّ جِدًّا.
فَإِنَّ النَّافِيَ عُهْدَتُهُ أَنْ يَطْلُبَ الْحُجَّةَ مِنَ الْمُثْبِتِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَيْهَا، وَيَكْفِيهِ فِي عَدَمِ إِيجَابِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ عَنْهَا إِلَّا دَلِيلٌ يَصْلُحُ لِلنَّقْلِ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ فِي النَّفْيِ الْعَقْلِيِّ، دُونَ الشَّرْعِيِّ، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ"، وَابْنُ فُورَكَ:
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ:
أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ فِي غَيْرِ الضَّرُورِيِّ، بِخِلَافِ الضَّرُورِيِّ، وَهَذَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ الضَّرُورِيَّ يُسْتَغْنَى بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، وَلَا يخالف فيه مُخَالِفٌ إِلَّا عَلَى جِهَةِ الْغَلَطِ، أَوِ اعْتِرَاضِ الشُّبْهَةِ، وَيَرْتَفِعُ عَنْهُ ذَلِكَ بِبَيَانِ ضَرُورِيَّتِهِ، وَلَيْسَ النزاع إلا في غير الضروري.
المذهب الخامس:
أن النافي إن كن شاكًّا فنفيه لَمْ يَحْتَجْ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ نَافِيًا لَهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ اسْتِدْلَالِيَّةً لَا إِنْ كَانَتْ ضَرُورِيَّةً، فَلَا نِزَاعَ فِي الضَّرُورِيَّاتِ. كَذَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ النَّافِيَ عَنْ مَعْرِفَةٍ يَكْفِيهِ "تَكْلِيفُ"* الْمُثْبِتِ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ، حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، أَوْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِحُكْمٍ يَدَّعِي أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى خَصْمِهِ، وَعَلَى غَيْرِهِمَا.
المذهب السادس:
أن النافي نَفَى الْعِلْمَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ ثُبُوتَ هَذَا الْحُكْمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، وَإِنْ نَفَاهُ مُطْلَقًا احْتَاجَ إِلَى الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ، كَمَا أَنَّ الْإِثْبَاتَ حُكْمٌ.
قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْأَوْسَطِ": وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْحَقُّ. انْتَهَى١.
قُلْتُ: بَلِ الْحَقُّ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
الْمَذْهَبُ السَّابِعُ:
أَنَّهُ إِنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ عِلْمًا بِالنَّفْيِ احْتَاجَ إِلَى الدَّلِيلِ، وَإِلَّا فَلَا.
هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا الْمَذْهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَدَلِ، وَاخْتَارَهُ الْمُطَرِّزِيُّ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمَذْهَبِ الْخَامِسِ.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣.стр. 773
الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ:
أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهِ دَلِيلًا بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِلَّا احْتَاجَ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ فُورَكَ.
الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ:
أَنَّهُ حُجَّةٌ دَافِعَةٌ لَا مُوجِبَةٌ، حَكَاهُ أَبُو زَيْدٍ.
وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ النَّفْيَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُوجِبَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى النَّفْيِ، فَيُطَالَبُ بِهِ مُطَالَبَةً مَقْبُولَةً فِي الْمُنَاظَرَةِ أَمْ لَا!
وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَالَ الْعَالِمُ: بَحَثْتُ وَفَحَصْتُ فَلَمْ أَجِدْ دَلِيلًا، هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ عَدَمُ الْوِجْدَانِ دَلِيلًا لَهُ، فَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ، يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ ظَنُّ عَدَمِهِ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْأَوْسَطِ": إِنْ صَدَرَ هَذَا عَنِ الْمُجْتَهِدِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى قُبِلَ مِنْهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "بَحَثْتُ فَلَمْ أَظْفَرْ" يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَمَّا انْتِهَاضُهُ فِي حَقِّ خَصْمِهِ فَلَا.
стр. 774
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سَدُّ الذَّرَائِعِ
الذَّرِيعَةُ: هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِبَاحَةُ، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى فِعْلِ الْمَحْظُورِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى الْمَنْعِ مِنَ الذَّرَائِعِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مَنْعُهَا.
اسْتَدَلَّ الْمَانِعُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ١وَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ ٢ وما صح عنه ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا" ٣.
وَقَوْلِهِ ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يريبك" ٤.
الحواشي
(١) ١ جزء من الآية ١٠٤ من سورة البقرة.
٢ جزء من الآية ١٦٣ من سورة الأعراف.
٣ أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها" ١٥٨١.
وورد بلفظ آخر عنده من حديث أبي هريرة بلفظ: "قاتل الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير ١٥٨٣. وأخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٣٤٦٠. والبيهقي، كتاب الأشربة والحد فيها، باب ما جاء في تحريم الخمر ٨/ ٢٨٦. وأبو داود، كتاب البيوع، باب ثمن الخمر والميتة ٣٤٨٨. وابن حبان في صحيحه ٤٩٣٨، ٦٢٥٣.
٤ أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٣ من حديث الحسن بن علي وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة ٢٥١٨. والنسائي، كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات ٨/ ٣٢٧. والطيالسي برقم ١١٧٨. وابن حبان في صحيحه ٧٢٢.стр. 775
وَقَوْلِهِ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، وَالْمُؤْمِنُونَ وَقَّافُونَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ" ١.
وَقَوْلِهِ ﷺ : "مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ" ٢.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَدُّ الذَّرَائِعِ ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ تَأْصِيلًا، وَعَمِلُوا عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ فُرُوعِهِمْ تَفْصِيلًا، ثُمَّ قَرَّرَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ مَا يُفْضِي إِلَى الْوُقُوعِ" فِي الْمَحْظُورِ إِمَّا أَنْ يَلْزَمَ مِنْهُ الْوُقُوعُ"* قَطْعًا أَوْ لَا؟ الْأَوَّلُ لَيْسَ من هَذَا الْبَابِ، بَلْ مِنْ بَابِ مَا لَا خَلَاصَ مِنَ الْحَرَامِ إِلَّا بِاجْتِنَابِهِ، فَفِعْلُهُ حَرَامٌ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَالَّذِي لَا يَلْزَمُ، إِمَّا أَنْ يُفْضِيَ إِلَى الْمَحْظُورِ غَالِبًا، أَوْ يَنْفَكَّ عَنْهُ غَالِبًا، أَوْ يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالذَّرَائِعِ عِنْدَنَا، فَالْأَوَّلُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِيهِ، "وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُرَاعِيهِ"**، وَرُبَّمَا يُسَمِّيهِ التُّهْمَةَ الْبَعِيدَةَ، وَالذَّرَائِعَ الضَّعِيفَةَ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: مَالِكٌ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يَقُولُ بِهَا، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمَالِكِيَّةِ بِهَا، إِلَّا مِنْ حَيْثُ زِيَادَتِهِمْ فِيهَا.
قَالَ: فَإِنَّ مِنَ الذَّرَائِعِ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَالْمَنْعِ مِنْ حَفْرِ الْآبَارِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي طَعَامِهِمْ، وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُلْغًى إِجْمَاعًا، كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ، فَإِنَّهَا لَا تُمْنَعُ خَشْيَةَ الْخَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ وَسِيلَةً إِلَى الْمُحَرَّمِ.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ أخرجه البخاري من حديث النعمان بن بشير بدون زيادة: "والمؤمنون وقافون عند الشبهات" كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ٥٢. وأخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ١٥٥٩. وأبو داود، كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات ٣٣٢٩. والنسائي، كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات ٧/ ٢٤١. وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الوقوف عند الشبهات ٣٩٨٤. والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في ترك الشبهات ١٢٠٥. والبيهقي، كتاب البيوع، باب طلب الحلال واجتناب الشبهات ٥/ ٢٦٤. وابن حبان في صحيحه ٧٢١ وأحمد في مسنده ٤/ ٢٦٧. وكلهم بدون زيادة "والمؤمنون وقافون عند الشبهات.
٢ هو جزء من الحديث المتقدم ذكره ولقد ورد بروايات متعددة وهو عند البخاري والنسائي وغيرهما بلفظ "من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ".следующие страницы →