Полный текст (960 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَجَعَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشُرَّاحُ كَلَامِهِ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
تَصْحِيحُ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ لِتَنَافِيهِمَا.
وَثَانِيهِمَا:
إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ ابْتِدَاءً، إما صريحا، أو بالالتزام.
ومثال الأول: أن يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: الِاعْتِكَافُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ لُبْثٌ، فَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ رُبُعِ الرَّأْسِ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءٍ، فَلَا يَكْفِي أَقَلُّهُ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُقَدَّرُ بِالرُّبُعِ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، هَذَا الصَّرِيحُ.
وَأَمَّا الِالْتِزَامُ: فَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: بَيْعُ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ بَيْعُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ: كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، كَالنِّكَاحِ.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اعْتِبَارِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ الْجُمْهُورُ، وَأَنَّهُ قَادِحٌ.
وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَقَالَ: إِنَّ الْحُكْمَيْنِ، أَيْ: مَا يُثْبِتُهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَمَا يُثْبِتُهُ الْقَالَبُ، إِنْ لَمْ يَتَنَافَيَا فَلَا قَلْبَ؛ إِذْ لَا مَنْعَ مِنَ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لِحُكْمَيْنِ غَيْرِ مُتَنَافِيَيْنِ، وَإِنِ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ يُمْكِنِ الرَّدُّ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بعينه، فلا يكون قلبا؛ إذ لا بد فِيهِ مِنَ الرَّدِّ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ لِذَاتِهِمَا، فَلَا جَرَمَ يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْأَصْلِ، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا أَثْبَتَ الْقَالِبُ الْحُكْمَ الْآخَرَ فِي الْفَرْعِ بِالرَّدِّ إِلَى الْأَصْلِ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَازِمٌ جَدَلًا لَا دِينًا١.
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ هَذَا الْقَلْبَ إِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، حَيْثُ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" ٢ فِي مَسْأَلَةِ الساحة، قال: وفي "هدم"* البناء ضرار
الحواشي
(١) * في "أ": هذا
_________
١ انظر البحث المحيط ٥/ ٢٩٠-٢٩١.
٢ أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس، كتاب الأحكام باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ٢٣٤٠/ ٢٣٤١". والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٨ الدارقطني في سننه ٤/ ٢٢٧ ومالك في الموطأ كتاب الأقضية باب القضاء في المرفق ٣١، ٢/ ٧٤٥ وأيضًا في كتاب المكاتب، باب ما لا يجوز من عتق المكاتب ١٣، ٢/ ٨٠٤ وذكره الشافعي في الأم، باب فيمن أحيا أرضا مواتا ٧/ ٢٣٠.стр. 702
بِالْغَاصِبِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُنَا: وَفِي بَيْعِ صَاحِبِ السَّاحَةِ "لِسَاحَتِهِ"* إِضْرَارٌ بِهِ١.
قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: "لَا"** يَصِحُّ سُؤَالُ الْقَلْبِ، قَالَ: وَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ، يَشْهَدُ لَكَ وَيَشْهَدُ عَلَيْكَ، قَالَ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَالِبَ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلِيلِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ عَارَضَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَقِيلَ: هُوَ بَاطِلٌ؛ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا فِي الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ، جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً، وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا عِلَّةَ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ، وَالْمَعْلُولَ هُوَ الْحُكْمُ الْوَاجِبُ لَهَا.
وَقَدْ فَرَّقُوا بين القلب والمعارض بِوُجُوهٍ:
مِنْهَا مَا قَدَّمْنَا عَنِ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ.
وقال القاضي أبي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إِنَّهُ مُعَارَضَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ، اشْتَرَكَ فِيهِ الْأَصْلُ وَالْجَامِعُ، فَكَانَ أَوْلَى بالقبول.
الحواشي
(١) * في "أ": الساحة.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ لم يذكرها الأحناف بمسألة الساحة وإنما ذكروها بمسألة الساجة، في مبسوط السرخسي: يجب رد المغصوب كالساجة إذا بني عليها، وتأثير هذا الكلام أن العين باقية والرد جائز شرعا، وحجتهم في ذلك أن العين ملك المغصوب منه وما أتصل به من الوصف "البناء" متقوم حق للغاصب وسبب ظلمه لا يسقط قيمة ما كان متقوما من حقه، ودفع الضرر واجب فيتعين دفع الضرر هنا بإيجاب قيمة المغصوب حقا للمغصوب منه ليتوصل هو إلى مالية ملكه ويبقى حق صاحب الوصف في الوصف مرعيا هذا لأنه لا بد من إلحاق الضرر بأحدهما إلا أن في الإضرار بالغاصب إهدار حقه وفي قطع حق المغصوب منه بضمان القيمة توفير المالية عليه لا إهدار حقه ودفع الضرر واجب بحسب الإمكان وضرر النقل دون ضرر الإبطال. ا. هـ المبسوط ١١/ ٩٣. وانظر الهداية ٣/ ٢٩٧.
وقالت الشافعية بخلاف ذلك فقال النووي في المجموع: وإن غصب أرضا فغرس فيها غراسا أو بنى فيها بناء فدعا فيها صاحب الأرض إلى قلع الغراس ونقض البناء لزمه ذلك. ا. هـ المجموع ١٤/ ٢٥٦ مختصر المزني: ١١٨.стр. 703
الِاعْتِرَاضُ السَّادِسُ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ
بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيِ: الْقَوْلُ بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَحَدُّهُ: تَسْلِيمُ مَا جَعَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُوجَبَ الْعِلَّةِ، مَعَ اسْتِبْقَاءِ الْخِلَافِ. انْتَهَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَذَلِكَ بِأَنْ يَظُنَّ الْمُعَلِّلُ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مُسْتَلْزَمٌ لِمَطْلُوبِهِ، مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَلْزَمٍ.
قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْرِيفِ الرَّازِيِّ لَهُ بِمُوجَبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَدُّوهُ بِتَسْلِيمِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ بَيَانُ غلظ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ ﷺ : "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شاةٌ" ١ فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِمُوجَبِ هَذَا الدَّلِيلِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ، "فَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ"*، وَلَيْسَ قَوْلًا بِالْمُوجَبِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَظْهَرَ عُذْرٌ لِلْمُسْتَدِلِّ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ: أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين، ويسكت عن الْأُخْرَى، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ، فَيَقُولَ الْخَصْمُ بِمُوجَبِ الْمُقَدِّمَةِ، وَيَبْقَى عَلَى الْمَنْعِ لِمَا عَدَاهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُسْتَدِلُّ تَلَازُمًا بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَبَيْنَ مَحَلٍّ آخَرَ، فَيَنْصِبَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمُوجَبِ وَمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَارَضَةِ: أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى خُرُوجِ الدَّلِيلِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالْمُعَارَضَةُ فِيهَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّ لِلدَّلِيلِ دَلَالَةً عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُمَانَعَةِ، وَلَا بُدَّ فِي "تَوَجُّهِهِ"** مِنْ شَرْطٍ، وَهُوَ أَنْ يُسْنَدَ الْحُكْمُ الَّذِي يُنْصَبُ لَهُ الْعِلَّةُ إِلَى شَيْءٍ، مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَاءِ الزَّعْفَرَانِ: مَاءٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ، وَالْمُخَالَطَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْمَخَالِطُ لَا يمنع، لكنه ليس بماء مطلق٢.
الحواشي
(١) * في "أ": ومكانها: عندي كالمظنون للمستدل.
** في "أ": موجهة.
_________
١ تقدم تخريجه في ٢/ ٣٩٣.
٢ انظر البحر المحيط ٥/ ٣٠٠.стр. 704
قَالَ فِي "الْمَنْخُولِ"١: الْأُصُولِيُّونَ يَقُولُونَ تَارَةً: إِنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ لَيْسَ اعْتِرَاضًا، وَهُوَ لَعَمْرِي كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ؛ لِأَنَّهَا إِذَا جَرَتِ الْعِلَّةُ وَحُكْمُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ فَلَأَنْ تَجْرِي وَحُكْمُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَوْلَى.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إِبْدَاءُ سَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا؟
فَقِيلَ: يَجِبُ لِقُرْبِهِ إِلَى ضَبْطِ الْكَلَامِ، وَصَوْنِهِ عَنِ الْخَبْطِ، وَإِلَّا فَقَدَ يَقُولُ بِالْمُوجَبِ عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى بِمَا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْجَوَابُ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَآخِذِ مَذْهَبِهِ، قَالَ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
الحواشي
(١) ١ انظر المنخول ٤٠٢.стр. 705
الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ: الْفَرْقُ
وَهُوَ إِبْدَاءُ وَصْفٍ فِي الْأَصْلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الْفَرْعِ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ شَبَهًا إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ شَبِيهَةً، بِأَنْ يَجْمَعَ الْمُسْتَدِلُّ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَيُبْدِي الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": الْكَلَامُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَقَدِ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَكَانَ هُوَ هُوَ، وَلَيْسَ كُلَّمَا انْفَرَدَ "بِهِ"* الْأَصْلُ بِوَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ يَكُونُ مُؤَثِّرًا، مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُلْغًى لِلِاعْتِبَارِ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ الْوَصْفُ الْفَارِقِ قَادِحًا.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ قاطعا للجمع: "بأن"** كون أَخَصَّ مِنَ الْجَمْعِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، أَوْ مِثْلَهُ فَيُعَارِضُهُ.
قَالَ جُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ فِي حِدَّهِ: الْفَرْقُ قَطْعُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ؛ إِذِ اللَّفْظُ أَشْعَرُ بِهِ.
وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَقِيقَتُهُ الْمَنْعُ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ، أَوْ فِي الْأَصْلِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ سؤالا على حياله، وإنما هو
الحواشي
(١) *ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في"أ": بين أن.стр. 706
مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ بِمَعْنًى أَوْ مُعَارَضَةُ الْعِلَّةِ الَّتِي نَصَبَهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَهُوَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ، كَمَا اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَجُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَالْفُقَهَاءِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيُعْتَرَضُ عَلَى الْفَارِقِ مَعَ قَبُولِهِ فِي الْأَصْلِ بِمَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ.
стр. 707
الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنُ: الِاسْتِفْسَارُ
وَقَدْ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى الِاعْتِرَاضَاتِ، وَمَعْنَاهُ: طَلَبُ شَرْحِ مَعْنَى اللَّفْظِ إِنْ كَانَ غَرِيبًا، أَوْ مُجْمَلًا، وَيَقَعُ بِهَلْ، أَوِ الْهَمْزَةِ، أَوْ نَحْوِهِمَا، مِمَّا يُطْلَبُ بِهِ شَرْحُ الْمَاهِيَّةِ، وَهُوَ سُؤَالٌ مَقْبُولٌ مُعَوَّلٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ غَلِطَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا، لَمْ يَظْهَرْ وِفَاقٌ وَلَا خِلَافٌ.
وَقَدْ يَرْجِعُ الْمُخَالِفُ إِلَى الْمُوَافَقَةِ "عَنْ* أن يتضح له محل النزاع، ولكن لَا يَقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ اشْتِمَالِ اللَّفْظِ عَلَى إِجْمَالٍ، أَوْ غَرَابَةٍ، فَيَقُولَ الْمُعْتَرِضُ.
أَوَّلًا: اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُجْمَلٌ، أَوْ غَرِيبٌ بِدَلِيلِ كَذَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ التَّفْسِيرُ.
وَحَكَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْجَدَلِيِّينَ أَنْكَرَ كَوْنَهُ اعْتِرَاضًا؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ فَرْعُ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ١.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ لِلِاعْتِرَاضَاتِ قَدْ جَعَلُوهُ طَلِيعَةَ جَيْشِهَا، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا؛ إِذِ الِاعْتِرَاضُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُخْدَشُ بِهِ كَلَامُ الْمُسْتَدِلِّ، وَالِاسْتِفْسَارُ ليس من هذا القبيل.
الحواشي
(١) * في "أ": عند.
_________
١ انظر البحر المحيط ٥/ ٣١٨.стр. 708
الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعُ: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ
أَيْ: أَنَّهُ لَا يمكن اعتبار القياس في ذلك الحكم، لمخالفه للنص، أو الإجماع، أو كان الحكم ما لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ١، أَوْ كَانَ تَرْكِيبُهُ مشعرا بنقيد الحكم المطلوب.
الحواشي
(١) ١ مثاله: إلحاق المصراة بغيرها من العيوب في حكم الرد وعدمه ووجوب بدل لبنها الموجود في الضرع.стр. 709
وَخَصَّ فَسَادَ الِاعْتِبَارِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ بِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ الْحَقُّ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، فَقَدَّمُوا الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَحَدِ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الطَّعْنُ فِي سَنَدِ النَّصِّ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
أَوْ مَنْعُ ظُهُورِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ الْمُسْتَدِلُّ،
أَوْ بَيَانُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ ظاهرة،
وأن مَدْلُولَهُ لَا يُنَافِي حُكْمَ الْقِيَاسِ.
أَوِ الْمُعَارَضَةُ لَهُ بِنَصٍّ آخَرَ حَتَّى يَتَسَاقَطَا، وَيَصِحَّ الْقِيَاسُ.
أَوْ أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَرْجَحُ مِنَ النَّصِّ الَّذِي عُورِضَ "بِهِ"*، وَيُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى ذلك.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 710
الاعتراض العاشر: فساد الوضع ١
وذلك بإبطال ضع الْقِيَاسِ الْمَخْصُوصِ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَخْصُوصِ، بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْجَامِعَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. وَالْوَصْفُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّقِيضَانِ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُضَيَّقًا، وَالْآخِرُ مُوَسَّعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا مُخَفَّفًا، وَالْآخِرُ مُغَلَّظًا، أَوْ أَحَدُهُمَا إِثْبَاتًا، وَالْآخِرُ نَفْيًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الِاعْتِرَاضِ وَالِاعْتِرَاضِ الَّذِي قَبْلَهُ: أَنَّ فَسَادَ الِاعْتِبَارِ أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ، فَكُلُّ فَاسِدِ الْوَضْعِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، وَلَا عَكْسَ
وَجَعَلَهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: هُمَا شَيْئَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّقُوا بينهما، وقالوا: فساد الوضع، وهو: أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى الْعِلَّةِ "ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ، وَفَسَادُ الِاعْتِبَارِ هُوَ: أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى الْعِلَّةِ"* خلاف ما يقتضيه النص.
الحواشي
(١) *ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ انظر المنخول ٤١٥ والبحر المحيط ٥/ ٢١٩. وميزان الأصول ٢/ ١٠٧٠.стр. 711
وَقِيلَ: فَسَادُ الْوَضْعِ: هُوَ إِظْهَارُ كَوْنِ الْوَصْفِ مُلَائِمًا لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ، وَمِنْهُ: الاحتراز عند تَعَدُّدِ الْجِهَاتِ لِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ تَعَدُّدِ الْأَوْصَافِ، وَعَنْ تَرْكِ حُكْمِ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ مُلَاءَمَةِ الْوَصْفِ لِلنَّقِيضِ دُونَ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ؛ إِذْ هُوَ عِنْدَ فَرْضِ اتِّحَادِ الْجِهَةِ خُرُوجٌ عَنْ فَسَادِ الْوَضْعِ إِلَى الْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَذَكَرَ أبو زيد أن هَذَا السُّؤَالَ لَا يَرِدُ إِلَّا عَلَى الطَّرْدِ، وَالطَّرْدُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَقِيلَ: هُوَ أَقْوَى مِنَ النَّقِيضِ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ إِذَا فَسَدَ لَمْ يَبْقَ إلا الانتقال، والنقض يمكن الاحتراز عنه.
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي "شَرْحِ الْمَحْصُولِ": هُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمَنَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ؛ إِذْ لَا تُوَجُّهَ لَهُ لِكَوْنِهِ خَارِجًا عَنِ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ.
وَجَوَابُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِبَيَانِ وُجُودِ الْمَانِعِ فِي أَصْلِ المعترض.
стр. 712
الِاعْتِرَاضُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمَنْعُ
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْمُمَانَعَةُ: أَرْفَعُ سُؤَالٍ عَلَى الْعِلَلِ.
وَقِيلَ: "إِنَّهَا"* أَسَاسُ الْمُنَاظَرَةِ، وَهُوَ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَنْقَسِمُ بِالِاتِّفَاقِ إِلَى مَا يُعَلَّلُ، وَإِلَى مَا لَا يُعَلَّلُ، فَمَنِ ادَّعَى تَعْلِيلَ شَيْءٍ كُلِّفَ بِبَيَانِهِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّمَا "يَتَّجِهُ"** هَذَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيرًا، فَإِنَّ الْفَرْعَ فِي الْعِلَّةِ الْمُحَرَّرَةِ يَرْتَبِطُ بِالْأَصْلِ.
قَالَ إِلِكْيَا: هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ إِذَا أَتَى بِالْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا السُّؤَالِ مَعْنًى,
الثَّانِي:
مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا الِاعْتِرَاضُ يَقْتَضِي انْقِطَاعَ الْمُسْتَدِلِّ أَمْ لَا؟
فَقِيلَ: إِنَّهُ يَقْتَضِي انْقِطَاعَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَبِهِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَإِلِكْيَا الطَّبَرِيُّ.
قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، الْمَشْهُورُ بَيْنَ النُّظَّارِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الحاجب.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": يتوجه.стр. 713
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَنْعُ جَلِيًّا فَهُوَ انْقِطَاعٌ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَقِيلَ: يَتْبَعُ عُرْفَ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُنَاظَرَةُ، فَإِنَّ الْجَدَلَ مَرَاسِيمُ، فَيَجِبُ إِتِّبَاعُ الْعُرْفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ.
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُدْرِكٌ غَيْرُهُ جَازَ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ١
الحواشي
(١) ١ انظر البحث مفصلا في ميزان الأصول ١٠٦٧ والبحر المحيط ٥/ ٣٢٢.стр. 714
الِاعْتِرَاضُ الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّقْسِيمُ
وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ، وَالْآخِرُ مُسَلَّمٌ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا، غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي أَحَدِهِمَا.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعًا، وَالْآخِرُ مُسَلَّمًا، بَلْ قَدْ يَكُونَانِ مُسَلَّمَيْنِ، لَكِنَّ الَّذِي يَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمَا غَيْرُ "مَا"* يَرِدُ عَلَى الْآخَرِ؛ إِذْ لَوِ اتَّحَدَ "مَا"** يَرِدُ عَلَيْهِمَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُهُمَا مَمْنُوعَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ لَا يُفِيدُ.
وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ مِنْ قَبُولِ هَذَا السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ إِبْطَالَ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْ كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ لَا يَكُونُ إِبْطَالًا له؛ إذ لعله غير مراده.
مثال: فِي الصَّحِيحِ الْحَاضِرِ، إِذَا فَقَدَ الْمَاءَ وَجَدَ سَبَبَ جَوَازِ التَّيَمُّمِ -وَهُوَ تَعَذُّرُ الْمَاءِ- فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَا الْمُرَادُ بِكَوْنِ تَعَذُّرِ الْمَاءِ سَبَبًا لِلتَّيَمُّمِ، هَلْ تَعَذُّرُ الْمَاءِ مُطْلَقًا، أَوْ تَعَذُّرُهُ فِي السَّفَرِ، أَوِ الْمَرَضِ؟
الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ مَنْعٌ بَعْدَ تَقْسِيمٍ، فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي صَرِيحِ الْمَنْعِ مِنْ كونه مقبولا أو مردودا، وموجبا لِلِانْقِطَاعِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ.
وَجَوَابُهُ: أَنْ يُعَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَلَوْ عُرْفًا أو ظاهرا.
الحواشي
(١) * في "أ": الذي
** في "أ": الذيстр. 715
الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثَ عَشَرَ: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ
اخْتِلَافُ الضَّابِطِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالْجَامِعِ، كَقَوْلِهِمْ فِي شُهُودِ الْقِصَاصِ:
стр. 716
تَسَبَّبُوا لِلْقَتْلِ عَمْدًا، فَلَزِمَهُمُ الْقِصَاصُ زَجْرًا لَهُمْ عَنِ التَّسَبُّبِ، كَالْمُكْرَهِ، فَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إنما هو الْحِكْمَةِ، وَهِيَ الزَّجْرُ، وَالضَّابِطُ فِي الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ، وَفِي الْأَصْلِ الْإِكْرَاهُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ بِالْحِكْمَةِ وَحْدَهَا، وَضَابِطُ الْفَرْعِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِضَابِطِ الْأَصْلِ فِي الْإِفْضَاءِ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ.
وَجَوَابُهُ: بِبَيَانِ كَوْنِ التَّعْلِيلِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مَضْبُوطًا عُرْفًا، أَوْ بِبَيَانِ الْمُسَاوَاةِ في الضابط١.
الحواشي
(١) ١ قال في البحر: وجوابه بأن يبين بأن التعليل بالقدر المشترك بينهما من السبب المضبوط عرفا أو يبين المساواة في الضابط أو إفضاء الضابط في الفرع أكثر. ا. هـ البحر المحيط ٥/ ٣٣٣.стр. 717
الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعَ عَشَرَ: اخْتِلَافُ حُكْمَيِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ
قِيلَ: إِنَّهُ قَادِحٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ مُمَاثَلَةُ الفرع للأصل في علته وحكمه، فإن اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَمْ تَتَحَقَّقِ الْمُسَاوَاةُ، وَذَلِكَ كَإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فِي نِكَاحِهَا، قِيَاسًا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي مَالِهَا.
стр. 718
الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَنْعُ كَوْنِ مَا يَدَّعِيهِ المستدل علة لحكم الأصل
منع كون ما يدعيه المستدل علة لحكم الأصل، موجودا في الأصل، فضلا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعِلَّةَ.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ فِي الْكَلْبِ: حَيَوَانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا، فَلَا يَقْبَلُ جِلْدَهُ الدَّبَّاغُ، كَالْخِنْزِيرِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِنْزِيرَ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سبعا.
والجواب عن هذا الِاعْتِرَاضِ: بِإِثْبَاتِ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ بِمَا هُوَ طَرِيقُ ثُبُوتِ مِثْلِهِ، إِنْ كَانَ حِسِّيًّا فَبِالْحِسِّ، وَإِنْ كَانَ عَقْلِيًّا فَبِالْعَقْلِ، وَإِنْ كَانَ شرعيا فبالشرع.
стр. 719
الِاعْتِرَاضُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ عِلَّةً
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْئِلَةِ لِعُمُومِهِ، وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهُ، وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدِيٍّ. انْتَهَى.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ فِي الْكَلْبِ: حَيَوَانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سبعا، فلا يقبل جلده الدباغ "كالخنزير، فيقول: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَوْنَ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ لَا يَقْبَلُ الدِّبَاغَ"*، مُعَلَّلًا بِكَوْنِهِ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ.
وَجَوَابُهُ: بِإِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ بِمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِهَا الْمَذْكُورَةِ سابقا.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 720
الِاعْتِرَاضُ السَّابِعَ عَشَرَ: الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ
وَهُوَ إِبْدَاءُ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ، أَوْ مُسَاوِيَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ.
وَجَوَابُهُ: تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ إِجْمَالًا أَوْ تَفْصِيلًا.
стр. 721
الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنَ عَشَرَ: الْقَدْحُ فِي إِفْضَائِهِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ لَهُ
مِثَالُهُ: أَنْ يُقَالَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ مُصَاهَرَةِ الْمَحَارِمِ عَلَى التَّأْبِيدِ: إِنَّهَا الْحَاجَةُ إِلَى ارْتِفَاعِ الْحِجَابِ.
وَوَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ: أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى رَفْعِ الْفُجُورِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ رَفْعَ الْحِجَابِ، وَتَلَاقِيَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يُفْضِي إِلَى الْفُجُورِ، وَأَنَّهُ يَرْتَفِعُ بِتَحْرِيمِ التَّأْبِيدِ؛ إِذْ يَرْتَفِعُ الطَّمَعُ الْمُفْضِي إِلَى مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ وَالنَّظَرِ، الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفُجُورِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ، بَلْ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ أَفْضَى إِلَى الْفُجُورِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ حَرِيصَةٌ عَلَى مَا مُنِعَتْ مِنْهُ، وَقُوَّةُ دَاعِيَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ الْيَأْسِ عَنِ الْحَلِّ مَظَنَّةُ الْفُجُورِ.
وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ الْإِفْضَاءِ إِلَيْهِ، بِأَنْ يَقُولَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: التَّأْبِيدُ يَمْنَعُ عَادَةً مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ وَالنَّظَرِ، وَبِالدَّوَامِ يَصِيرُ كَالْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ.
стр. 722
الِاعْتِرَاضُ التَّاسِعَ عَشَرَ: كَوْنُ الْوَصْفِ غَيْرَ ظَاهِرٍ
كَوْنُ الْوَصْفِ غَيْرَ ظَاهِرٍ، كَالرِّضَا فِي الْعُقُودِ.
وَجَوَابُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِهِ ظَاهِرًا، كَضَبْطِ الرِّضَا بصيغ العقود، ونحو ذلك.
стр. 723
الاعتراض العشرون: كون الوصف غير منضبط
كَوْنُ الْوَصْفِ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، كَالْحِكَمِ، وَالْمَصَالِحِ، مِثْلُ الْحَرَجِ، وَالْمَشَقَّةِ، وَالزَّجْرِ، فَإِنَّهَا أُمُورٌ ذَوَاتُ مَرَاتِبَ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَلَا مُتَمَيِّزَةٍ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالزَّمَانِ، وَالْأَحْوَالِ.
وَجَوَابُهُ بِتَقْرِيرِ الِانْضِبَاطِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ أو بوصفه.
стр. 724
الاعتراض الحادي والعشرون: المعارضة
مدخل
...
الاعتراض الحادي والعشرون: الْمُعَارَضَةِ
وَهِيَ: إِلْزَامُ الْمُسْتَدِلِّ الْجَمْعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، إِثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا.
كَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ.
وَقِيلَ: هِيَ إِلْزَامُ الْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا قَالَ بِنَظِيرِهِ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الِاعْتِرَاضَاتِ، وَهِيَ "أَعَمُّ"* مِنِ اعْتِرَاضِ النَّقْضِ، فَكُلُّ نَقْضٍ مُعَارَضَةٌ، وَلَا عَكْسَ، كَذَا قِيلَ١.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ هُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُخَالِفُ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ.
وَقَدْ أَثْبَتَ اعْتِرَاضَ الْمُعَارَضَةِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَالْجَدَلِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُؤَالٍ صَحِيحٍ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِي الثَّابِتِ مِنْهَا، فَقِيلَ: إِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْهَا مُعَارَضَةُ الدَّلَالَةِ بِالدَّلَالَةِ وَالْعِلَّةِ بِالْعِلَّةِ، وَلَا يَجُوزُ مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى "وَذَكَرَ الْكَعْبِيُّ فِي "جَدَلِهِ"٢ أنه يجوز معارضة الدعوى بالدعوى"**.
الحواشي
(١) * في "أ": أهم.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
_________
١ قال في البحر: والفرق بينه وبين المناقضة من حيث إن كل نقض معارضة بخلاف العكس، وأيضا فالنقض لا يكون بالدليل، المعارضة بالدليل على الدليل صحيحة. ا. هـ البحر المحيط ٥/ ٣٣٣.
٢ واسمه أدب الجدل لأحمد بن عبد الله الكعبي البلخي المتوفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة هـ ولكن ذكره صاحب هدية العارفين باسم عبد الله بن أحمد الكعبي وكذلك ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء. ا. هـ الأعلام ٤/ ٦٥ سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣١٣ هدية العارفين ١/ ٤٤٤.стр. 725
أَقْسَامُ الْمُعَارَضَةِ:
وَالْمُعَارَضَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ.
وَمُعَارَضَةٌ فِي الْفَرْعِ.
وَمُعَارَضَةٌ فِي الْوَصْفِ.
أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ:
فَبِأَنْ يَذْكُرَ عِلَّةً أُخْرَى فِي الْأَصْلِ سِوَى الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا.
стр. 726
الْمُسْتَدِلُّ، وَتَكُونَ تِلْكَ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةً "فِي الْفَرْعِ"* وَيَقُولُ: إِنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا كَانَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُعْتَرِضُ، لَا بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ سُؤَالُ الْفَرْقِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي يُبْدِيهَا الْمُعْتَرِضُ مُسْتَقِلَّةً بِالْحُكْمِ، كَمُعَارَضَةِ الْكَيْلِ بِالطُّعْمِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ، بَلْ هِيَ جُزْءُ عِلَّةٍ، كَزِيَادَةِ الْجَارِحِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْمُعْتَرِضُ مُسَلَّمَةً مِنْ خَصْمِهِ، أَوْ مُحْتَمِلَةً احْتِمَالًا رَاجِحًا، أَمَّا إِذَا تَعَارَضَتِ الِاحْتِمَالَاتُ، فَقِيلَ: يُرَجَّحُ وَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ.
وَقِيلَ: وَصْفُ الْمُعْتَرِضِ.
وَقِيلَ: لَا وَجْهَ لِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، بَلْ هُوَ مِنَ التحكم الْمَحْضِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا مَعَ عَدَمِ التَّرْجِيحِ، هَلْ تَقْتَضِي هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ إِبْطَالَ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ الْأَصْلَ عَنِ الْفَرْعِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّهُ لَا يَجِبُ، بَلْ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُبَيِّنَ ثُبُوتَهُ فِي الْفَرْعِ، لِيَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَإِلَّا بَطَلَ الْجَمْعُ.
الثَّانِي:
أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ الْبَيَانُ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذَلِكَ.
الثَّالِثُ:
أَنَّهُ إِنْ قَصَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَجَوَابُ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ يَكُونُ إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ بِمَنْعِ الْمُنَاسَبَةِ، أَوْ مَنْعِ الشَّبَهِ، إِنْ أَثْبَتَهُ بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ لَا تَتِمُّ مِنَ الْمُعْتَرِضِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْوَصْفُ الَّذِي عَارَضَ بِهِ فِي الْأَصْلِ مُنَاسِبًا، أَوْ "شَبَهًا"**؛ إِذْ لَوْ كَانَ طَرْدِيًّا لَمْ تَصِحَّ الْمُعَارَضَةُ، أَوْ بِمَنْعِ كَوْنِ الْوَصْفِ الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ ظَاهِرًا، أَوْ بِمَنْعِ كَوْنِهِ مُنْضَبِطًا، أَوْ بِبَيَانِ إِلْغَاءِ الْوَصْفِ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْمُعَارَضَةُ، أَوْ بِبَيَانِ رُجُوعِهِ إِلَى عَدَمِ وُجُودِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ، لَا إِلَى ثُبُوتِ مُعَارِضٍ فِي الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الفرع:
فهي أن يعارض حكم الفرع لما يَقْتَضِي نَقِيضَهُ أَوْ ضِدَّهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ بِوُجُودِ مَانِعٍ أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ فَيَقُولُ: مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْوَصْفِ وَإِنِ اقْتَضَى ثُبُوتَ
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".
** في "أ": مشابها.стр. 727
الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ، يَقْتَضِي نَقِيضَهُ، أَوْ ضِدَّهُ، بِنَصٍّ هُوَ كَذَا، أَوْ بإجماع عَلَى كَذَا، أَوْ بِوُجُودِ مَانِعٍ، لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْوَصْفِ، أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ لَهُ.
وَقَدْ قَبِلَ هَذَا الِاعْتِرَاضَ، أَعْنِي: الْمُعَارَضَةَ فِي الْفَرْعِ، بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَقَالُوا: إِنَّ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ قَدْ تَمَّتْ.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ "إِلَّا فِيمَا"* إِذَا كَانَتِ الْمُعَارَضَةُ بِفَوَاتِ شَرْطٍ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْوَصْفِ
فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يَكُونَ بِضِدِّ حُكْمِهِ.
وَالثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنِ حُكْمِهِ، مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْوُضُوءِ: إِنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، فَتَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ.
فَيَقُولُ الْمُعَارِضُ: طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ، فَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَلَا بُدَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّرْجِيحِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: نَفْسُ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ "يَدُلُّ"** عَلَى خِلَافِ مَا تُرِيدُهُ، ثم يوضح ذلك بما يكون محتملا.
الحواشي
(١) * في "أ": الادعاء.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 728
الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ
وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى غَيْرَ مَا عينه المستدل، ويعارضه بم ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُسْتَدِلِّ: مَا عَلَّلْتَ بِهِ، وَإِنْ تَعَدَّى إِلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَكَذَا مَا عَلَّلْتُ بِهِ أَنَا، يَتَعَدَّى إِلَى فَرْعٍ آخَرَ، مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
وذلك كأن يقول المستدل: بكر، فجاز خيراها كَالصَّغِيرَةِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْبَكَارَةُ، وَإِنْ تَعَدَّتْ إِلَى الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، فَالصِّغَرُ مُتَعَدٍّ إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي "قَبُولِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ"*، فَقَبِلَهُ الْبَعْضُ وَرَدَّهُ الْبَعْضُ، وَأَدْرَجَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فِي اعْتِرَاضِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ.
وَجَوَابُهُ: إِبْطَالُ مَا اعترض به وحذفه عن درجة الاعتبار.
الحواشي
(١) * في "أ": في قبول هذا إبطال الاعتراض.стр. 729
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُبَيِّنَ أنه لا أثر لما أشار إِلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ، أَوْ لَا يَجِبُ؟
فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَجِبُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ: يَجِبُ.
стр. 730
الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: سُؤَالُ التَّرْكِيبِ
وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: شَرْطُ حُكْمِ الْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ:
مُرَكَّبُ الْأَصْلِ.
وَمُرَكَّبُ الْوَصْفِ.
وَمَرْجِعُ الْأَوَّلِ: مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، أَوْ مَنْعُ الْعِلَّةِ.
وَمَرْجِعُ الثَّانِي: مَنْعُ الحكم، أو منع وجود العلة في الفرع.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهِ، فَبَعْضُهُمْ قَبِلَهُ، وَبَعْضُهُمْ رده.
стр. 731
الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ به في الفرع
...
الِاعْتِرَاضُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ به في الوصف
كَأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ: أَمَانٌ صَدَرَ عَنْ أَهْلِهِ، كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلْأَمَانِ.
وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ مَا يَثْبُتُ "بِهِ"*أَهْلِيَّتُهُ مِنْ حِسٍّ، أَوْ عَقْلٍ، أَوْ شَرْعٍ، وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مُنْدَرِجًا فِيمَا تقدم.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 732
الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الِاعْتِرَاضِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ
стр. 733
الِاعْتِرَاضُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الْوَصْفِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَيْضًا فِي الِاعْتِرَاضِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُمَا هُنَا وَهُنَاكَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أهل الأصول والجدل جعلوا المعارضة "ثَلَاثَةَ اعْتِرَاضَاتٍ: الْمُعَارَضَةُ"* فِي الْأَصْلِ اعْتِرَاضًا، وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ اعْتِرَاضًا، وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْوَصْفِ اعْتِرَاضًا، وبعضهم جعلوا الثَّلَاثَ الْمُعَارَضَاتِ اعْتِرَاضًا وَاحِدًا، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي مثل ذلك، فهو مجرد اصطلاح.
الحواشي
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ".стр. 734
الِاعْتِرَاضُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ
كَأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: يُحَدُّ اللَّائِطُ كَمَا يُحَدُّ الزَّانِي؛ لِأَنَّهُمَا إِيلَاجٌ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، مشتها طبعا.
فيقول المعترض: المصلح فِي تَحْرِيمِهِمَا مُخْتَلِفَةٌ: فَفِي الزِّنَا مَنْعُ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، وَفِي اللِّوَاطَةِ دَفْعُ رَذِيلَةِ اللِّوَاطَةِ.
وَحَاصِلُهُ: مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ، بِإِبْدَاءِ خُصُوصِيَّةٍ، وَلِهَذَا أَدْرَجَهُ بَعْضُهُمْ فِي اعْتِرَاضِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ اعْتِرَاضًا مُسْتَقِلًّا.
وَجَوَابُهُ بِإِلْغَاءِ الْخُصُوصِيَّةِ.
стр. 735
الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُعْتَرِضُ الْمُخَالَفَةَ بين حكم الأصل وحكم الفرع
مدخل
...
الِاعْتِرَاضُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُعْتَرِضُ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ وَحُكْمِ الْفَرْعِ
أَنْ يَدَّعِيَ الْمُعْتَرِضُ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ حُكْمِ الْأَصْلِ وَحُكْمِ الْفَرْعِ، وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ، فَيُوجَدُ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ كَمَا وُجِدَ فِي الْأَصْلِ.
وَحَاصِلُ هَذَا: أَنَّ دَعْوَى الْمُعْتَرِضِ لِلْمُخَالَفَةِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، فَيَرْجِعُ إِلَى اعْتِرَاضِ الْقَلْبِ، أَوْ بِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ اعْتِرَاضًا خَاصًّا، خَارِجًا عَمَّا تَقَدَّمَ، وَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مُنْدَرِجًا فِيمَا تقدم.
وههنا فوائد متعلقة بهذه الاعتراضات:
стр. 736
الفائدة الأولى: في لزوم إيراد الأسئلة مرتبة
...
الْفَائِدَةُ الْأُولَى:
اخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ أَنْ يورد الأسئلة مرتبة بعضا مُقَدَّمٌ عَلَى الْبَعْضِ إِذَا أَوْرَدَ أَسْئِلَةً مُتَعَدِّدَةً، أَمْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، بَلْ يُقَدِّمُ مَا شَاءَ، وَيُؤَخِّرُ مَا شَاءَ؟
فَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إِيرَادُهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ اتَّفَقَ لَأَدَّى إِلَى التَّنَاقُضِ، كَمَا لَوْ
стр. 737
جَاءَ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ بَعْدَ النَّقْضِ، أَوْ بَعْدَ "الْمُطَالَبَةِ"* فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بَعْدَ تَسْلِيمٍ، وَإِنْكَارٌ بَعْدَ إِقْرَارٍ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ السُّؤَالِ كَالنَّقْضِ، وَالْمُعَارَضَةِ، وَالْمُطَالَبَةِ، جَازَ إِيرَادُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ سُؤَالٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَجْنَاسُهَا، كَالْمَنْعِ مَعَ الْمُطَالَبَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ، وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَهْلِ الْجَدَلِ، وَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْ أَكْثَرِ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْمَنْعَ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةَ، وَنَحْوَهَا، وَلَا يَعْكِسُ هَذَا التَّرْتِيبَ، وَإِلَّا لَزِمَ الْإِنْكَارَ بعد الإقرار.
قال جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ: التَّرْتِيبُ الْمُسْتَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُطَالَبَاتِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُثْبِتْ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ لَمْ يَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ، ثُمَّ بِالْقَوَادِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى صُورَةِ الْأَدِلَّةِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، ثُمَّ إِذَا بَدَأَ بِالْمَنْعِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ مَنْعَ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الدَّعْوَى، ثم منع ظهره، ثُمَّ مَنْعَ انْضِبَاطِهِ، ثُمَّ مَنْعَ كَوْنِهِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْمُنُوعِ شَرَعَ في القوادح، فيبدأ بالقول بالموجب، لِوُضُوحِ مَأْخَذِهِ، ثُمَّ بِفَسَادِ الْوَضْعِ، ثُمَّ بِالْقَدْحِ في المناسبة، ثم بالمعاوضة.
وقال الأكثر من القدماء كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي "أَدَبُ الْجَدَلِ": إِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَنْعِ مِنَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَمْنُوعًا لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ مَمْنُوعًا، أَوْ مُسَلَّمًا، وَلَا كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ، أَوْ بِغَيْرِهَا، ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِإِثْبَاتِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بِتَأْثِيرِهَا ثُمَّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فَاسِدِ الْوَضْعِ، ثُمَّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فَاسِدِ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ بِالْقَلْبِ، ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجَدَلِيِّينَ، وَالْأُصُولِيِّينَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ الِاسْتِفْسَارُ، ثُمَّ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ، ثُمَّ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ مَنْعُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَالْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ، وَالتَّقْسِيمُ، وَعَدَمُ ظُهُورِ الْوَصْفِ، وَانْضِبَاطِهِ وَكَوْنُ الْحُكْمِ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْإِفْضَاءِ إِلَى ذَلِكَ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ النَّقْضُ وَالْكَسْرُ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ، وَالتَّعْدِيَةُ، وَالتَّرْكِيبُ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَمُخَالَفَةُ حُكْمِهِ حُكْمَ الْأَصْلِ، ثُمَّ الْقَلْبُ، ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا١ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ جَمِيعَ الْأَسْئِلَةِ تَرْجِعُ إلى المنع والمعارضة، ووجه ذلك: أنه
الحواشي
(١) * في "أ": المعارضة.
_________
١ انظر صفحة: ٢/ ١٦٨.стр. 738
مَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ، فَقَدْ تَمَّ الدَّلِيلُ، وَحَصَلَ الْغَرَضُ، مِنْ إِثْبَاتِ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ، فَيَكُونُ مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْأَسْئِلَةِ بَاطِلًا، فَلَا يُسْمَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ الْمُنُوعِ إِلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى جَمِيعِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ إِلَّا بِبَيَانِ انْتِفَاءِ الْمُعَارَضَةِ عن جميعها.
стр. 739
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ إلى غيره قبل امام تمام الكلام فيه
...
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ إِلَى غَيْرِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ فِيهِ
مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لَمْ يَتَأَتَّ إِفْحَامُ الْخَصْمِ، وَلَا إِظْهَارُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمُنَاظَرَةِ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْحَقِّ، وَإِفْحَامُ الْمُخَالِفِ لَهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنَ السَّائِلِ، بِأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سُؤَالِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَيَقُولُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَازِمٌ، فَبَانَ خِلَافُهُ، فَمَكِّنُونِي مِنْ سُؤَالٍ آخَرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ انْحِدَارًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، فَإِنْ كَانَ تَرَقِّيًا مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّرَقِّي مِنَ الْمُعَارَضَةِ إِلَى الْمَنْعِ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ، وَقِيلَ: يُمَكَّنُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْإِرْشَادُ.
стр. 740
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ
قَالُوا: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثُ طُرُقٍ:
الْأُولَى:
أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا.
وَالثَّانِيَةُ:
أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ فِي بَعْضِ شُعَبِهَا وَفُصُولِهَا.
وَالثَّالِثَةُ:
أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى غَيْرِهَا.
فَإِنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِعَيْنِهَا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي الْكُلِّ، وَثَبَتَ الدَّلِيلُ فِي بَعْضِهَا، ثَبَتَ فِي الْبَاقِي بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ فِي غَيْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى غَيْرِهَا، فَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا على مسألة فروعية١، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُهَا وَاحِدَةً، أو مختلفة، فإن كانت.
الحواشي
(١) ١ العبارة في البحر المحيط ٢/ ٣٥٦ كما يلي: وإما أن يبنيها على مسألة فرعية.следующие страницы →