← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

"لَا أَعْلَمُ فِيهَا إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ" ١، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَمْثَالُ هَذَا "كَثِيرٌ"*. قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي الْفِقْهِ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عليه في ذَلِكَ، وَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْوَاقِعَ مِنَ الصَّحَابِيِّ إِنْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ كان حجة وشرعا بالتقرير، لَا بِاجْتِهَادِ الصَّحَابِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ كَانَ اجْتِهَادُ الصَّحَابِيِّ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، عِنْدَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ فِي عَصْرِهِ ﷺ "لَا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ، وَإِنْ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ "** وَأَنْكَرَهُ، أَوْ قَالَ بِخِلَافِهِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ فائدة؛ لأنه قد بطل بالشرع.

стр. 807

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَهُ في اجتهاده ويعتمد عليه فعيه أَوَّلًا: أَنْ يَنْظُرَ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ فِيهِمَا قَدَّمَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَخَذَ بِالظَّوَاهِرِ مِنْهُمَا، وَمَا يُسْتَفَادُ بِمَنْطُوقِهِمَا وَمَفْهُومِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَظَرَ في أفعال النبي ﷺ ، ثُمَّ فِي تَقْرِيرَاتِهِ لِبَعْضِ أُمَّتِهِ، ثُمَّ فِي الْإِجْمَاعِ، إِنْ كَانَ يَقُولُ بِحُجِّيَّتِهِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اجْتِهَادُهُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَسَالِكِ الْعِلَّةِ، كُلًّا أَوْ بَعْضًا١. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْغَزَالِيُّ: أَنَّهَا إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لِلْمُجْتَهِدِ، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ عَرْضُهَا عَلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، ثُمَّ الْآحَادِ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ لَمْ يَخُضْ فِي الْقِيَاسِ، بَلْ يَلْتَفِتُ إِلَى ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدَ ظَاهِرًا نَظَرَ فِي الْمُخَصَّصَاتِ، مِنْ قِيَاسٍ، وَخَبَرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُخَصَّصًا حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ظَاهِرٍ، مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، نَظَرَ إِلَى الْمَذَاهِبِ فَإِنْ وَجَدَهَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا اتَّبَعَ الْإِجْمَاعَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِجْمَاعًا خَاضَ فِي الْقِيَاسِ، وَيُلَاحِظُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ أَوَّلًا، وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ، كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، فَتُقَدَّمُ قَاعِدَةُ الرَّدْعِ عَلَى مُرَاعَاةِ الِاسْمِ، فَإِنْ عَدِمَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً نَظَرَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَلْحَقَ بِهِ، وَإِلَّا انْحَدَرَ به إلى الْقِيَاسُ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ تَمَسَّكَ بِالشَّبَهِ، وَلَا يُعَوِّلُ على طرد. انتهى.

стр. 808

وَإِذَا أَعْوَزَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ تَمَسَّكَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَنْ يُقَدِّمَ طَرِيقَ الْجَمْعِ عَلَى وَجْهٍ مَقْبُولٍ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى التَّرْجِيحِ بِالْمُرَجِّحَاتِ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى١. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الاجتهاد بعد النبي ﷺ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ الِاجْتِهَادُ مُسْتَخْرَجًا مِنْ مَعْنَى النَّصِّ، كَاسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الرِّبَا، فَهَذَا صَحِيحٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ. ثانيها: مَا اسْتَخْرَجَهُ مِنْ شِبْهِ النَّصِّ، كَالْعَبْدِ، لِتَرَدُّدِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَشَبَهِهِ بِالْبَهِيمَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ مملوك، فهذا صحيح، غير مدفوع عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ وَالْمُنْكِرِينَ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُنْكِرِينَ لَهُ جَعَلُوهُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ. ثَالِثُهَا: مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ عُمُومِ النَّصِّ، كَالَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٢ فَإِنَّهُ "يَعُمُّ الْأَبَ وَالزَّوْجَ وَالْمُرَادُ بِهِ"* أَحَدُهُمَا، وَهَذَا صَحِيحٌ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِالتَّرْجِيحِ. رَابِعُهَا: مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ إِجْمَاعِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ فِي الْمُتْعَةِ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ٣ فيصح الاجتهاد في قدرة الْمُتْعَةِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ. خَامِسُهَا: مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ أَحْوَالِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ فِي التَّمَتُّعِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ٤ فَاحْتَمَلَ صِيَامَ السَّبْعَةِ إِذَا رَجَعَ فِي طَرِيقِهِ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَيَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي تَغْلِيبِ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. سَادِسُهَا: مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ دَلَائِلِ النَّصِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ٥ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ بِمُدَّيْنِ، بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي فِدْيَةِ الْآدَمِيِّ أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّين، وَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ بِمُدٍّ بِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ، أَنَّ لكل مسكين مدا.

стр. 809

سابعا: مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ أَمَارَاتِ النَّصِّ، كَاسْتِخْرَاجِ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ لِمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ١ فَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ بِالْأَمَارَاتِ وَالدَّلَائِلِ عَلَيْهَا، مِنْ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَطَالِعِ النُّجُومِ. ثَامِنُهَا: مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ وَلَا أَصْلٍ، فَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ، فَقِيلَ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِأَصْلٍ. وَقِيلَ: يَصِحُّ لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ. انْتَهَى. وَعِنْدِي: أَنَّ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْ تَتَبُّعِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَجَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ هِمَّتَهُ، وَاسْتَعَانَ بِاللَّهِ ، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُ التَّوْفِيقَ، وَكَانَ مُعْظَمُ هَمِّهِ، وَمَرْمَى قَصْدِهِ، الْوُقُوفَ عَلَى الْحَقِّ، وَالْعُثُورَ عَلَى الصَّوَابِ، مِنْ دُونِ تَعَصُّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَجَدَ فِيهِمَا مَا يَطْلُبُهُ، فَإِنَّهُمَا الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ، وَالْبَحْرُ الَّذِي لَا يَنْزِفُ، وَالنَّهْرُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ كُلُّ وَارِدٍ عَلَيْهِ الْعَذْبَ الزُّلَالَ، وَالْمُعْتَصَمُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ خَائِفٍ، فَاشْدُدْ يَدَيْكَ عَلَى هَذَا، فَإِنَّكَ إِنْ قَبِلْتَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، وَقَلْبٍ مُوَفَّقٍ، وَعَقْلٍ قَدْ حَلَّتْ بِهِ الْهِدَايَةُ، وَجَدْتَ فِيهِمَا كُلَّ مَا تَطْلُبُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُرِيدُ الْوُقُوفَ عَلَى دَلَائِلِهَا كَائِنًا مَا كَانَ. فَإِنِ اسْتَبْعَدْتَ هَذَا الْمَقَالَ، وَاسْتَعْظَمْتَ هَذَا الْكَلَامَ، وَقُلْتَ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: إِنَّ أَدِلَّةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تَفِي بِجَمِيعِ الْحَوَادِثِ، فَمِنْ نَفْسِكَ أُتيت، وَمِنْ قِبَلِ تَقْصِيرِكَ أُصبت، وَعَلَى نَفْسِهَا بَرَاقِشُ تَجْنِي٢، وَإِنَّمَا تَنْشَرِحُ لِهَذَا الْكَلَامِ صُدُورُ قَوْمٍ "مُوَفَّقِينَ"* وَقُلُوبُ رِجَالٍ مُسْتَعِدِّينَ لِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الْعَلِيَّةِ. لَا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى تكن حَشَاكَ فِي أَحْشَائِهِ٣ لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ ... وَلَا الصَّبَابَةَ إِلَّا مَنْ يُعَانِيهَا٤ دَعْ عَنْكَ تَعْنِيفِي وَذُقْ طَعْمَ الْهَوَى ... فَإِذَا "عشقت"** فعند ذلك عنف٥

стр. 810

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ وَالَّتِي الْحَقُّ فِيهَا مَعَ وَاحِدٍ الفرع الأول: العقليات ... الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي كُلُّ مُجْتَهِدٍ فيه مصيب والتي الحق فيها مع واحد اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، وَالْمَسَائِلُ الَّتِي الْحَقُّ فِيهَا مَعَ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ. وَتَلْخِيصُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ يَحْصُلُ فِي فَرْعَيْنِ. الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: الْعَقْلِيَّاتُ وَهِيَ عَلَى أنواع: الأول: لم يكن الْغَلَطُ فِيهِ مَانِعًا مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا فِي إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ، وَالتَّوْحِيدِ، وَالْعَدْلِ. قَالُوا: فَهَذِهِ الْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ، فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ. النَّوْعُ الثَّانِي: مِثْلُ مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ١، وَخَلْقِ الْقُرْآنِ٢، وَخُرُوجِ الموحدين من النار٣، وما

стр. 811

يُشَابِهُ ذَلِكَ، فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ، فَمَنْ أَصَابَهُ فقد أصاب، ومن أخطأ فقيل: يفكر. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمَسْأَلَةُ دِينِيَّةً، كَمَا فِي تَرَكُّبِ الْأَجْسَامِ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ، وَانْحِصَارِ اللَّفْظِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُؤَلَّفِ، قَالُوا: فَلَيْسَ الْمُخْطِئُ فِيهَا بِآثِمٍ، وَلَا الْمُصِيبُ فِيهَا بِمَأْجُورٍ؛ إِذْ هَذِهِ وَمَا يُشَابِهُهَا يَجْرِي مَجْرَى الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِ "مَكَّةَ"* أَكْبَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "الْمُخْتَصَرِ" أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، ثُمَّ حَكَى عَنِ الْعَنْبَرِيِّ١ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ، وحُكي أَيْضًا عَنِ الْجَاحِظِ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَأَمَّا "الْجَاحِظُ"** فَجَعَلَ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْمُخْطِئَ فِي جَمِيعِهَا غَيْرَ آثِمٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَكَانَ الْعَنْبَرِيُّ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَفِي نَافِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ، وَقَدِ اسْتُبْشِعَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَصْوِيبَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَسَائِرِ الْكُفَّارِ فِي اجْتِهَادِهِمْ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُصُولَ الدِّيَانَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ، كَالرُّؤْيَةِ، وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، كَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسِ؛ فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْقَاضِي فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ": اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الْعَنْبَرِيِّ، فَقَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّمَا أُصَوِّبُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ "فِي الدِّينِ تَجْمَعُهُمُ الْمِلَّةُ"***، وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَلَا يُصوبون، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ صَوَّبَ الْكَافِرِينَ المجتهدين دون الراكبين البدعة.

стр. 812

قَالَ: وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا، يَعْنِي: الْعَنْبَرِيَّ، وَالْجَاحِظَ، فَنَقُولُ: أَنْتُمَا أَوَّلًا: مَحْجُوجَانِ "بِالْإِجْمَاعِ"* قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا. ثَانِيًا: إِنْ أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقَدِ، فَقَدْ خَرَجْتُمَا عَنْ حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ، وَانْخَرَطْتُمَا فِي سِلْكِ الْأَنْعَامِ، وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وَنَفْيِ الْحَرَجِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الْجَاحِظِ، فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ مِنَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، الْخَارِجَةُ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِأَهْلِ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ: مِمَّا خَاضَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ، وَأَجْمَعُوا قَبْلَ الْعَنْبَرِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ إِدْرَاكُ بُطْلَانِهِ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ، إِمَامِ مَذْهَبِ الظَّاهِرِ، أَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الْعَنْبَرِيِّ. وَحَكَى قَوْمٌ عَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ في طلب الحق، ومن أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَحَا الْغَزَالِيُّ "قَرِيبًا مِنْ هَذَا"** الْمَنْحَى فِي كِتَابِ "التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ"١ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نقل عن العنبري، والجاحظ، إن أرادا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْوُسْعَ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْأُصُولِيَّاتِ، يَكُونُ مَعْذُورًا غَيْرَ مُعَاقَبٍ، فَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْتَقَدُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ، وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ، لَزِمَ تَكْلِيفُهُ بِمَا لَا يُطَاقُ. قَالَ: وَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ مِنَ الْإِصَابَةِ فِي الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ، فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ: "كَالْمُجَسِّمَةِ٢"*** فَلَا شَكَّ فِي تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ، وَلِلْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ، وَغَيْرُهُمَا: وَأَظْهَرُ مَذْهَبِهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ اختيار القاضي في كتاب "إكفار"**** المتأولين٣

стр. 813

وَقَالَ ابْنُ عَبدِ السَّلَامِ: رَجَعَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا "بِالْمَوْصُوفَاتِ"*. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ١ لا يفكر، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُكَفِّرُ مَنْ يُكَفِّرُكَ، فَعَادَ إلى القول بالتفكير، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، فَهُمْ يُكَفِّرُونَ خُصُومَهُمْ، وَيُكَفِّرُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمُ الْآخَرَ. وَقَدْ حَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مُعْظَمِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ تَرْكَ التَّكْفِيرِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يُكَفَّرُ مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَ وَجُودَهُ، وَلَكِنْ فَعَلَ فِعْلًا، أَوْ قَالَ قَوْلًا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ كَافِرٍ. انْتَهَى. وَاعْلَمْ: أَنَّ التَّكْفِيرَ لِمُجْتَهَدِي الْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعَقْلِ عَقَبَةٌ كَئُودٌ لَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا إِلَّا مَنْ لَا يُبَالِي بِدِينِهِ، وَلَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَعَلَى ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَغَالِبُ الْقَوْلِ بِهِ نَاشِئٌ عَنِ العصبية، وبعضه ناشئ عن شبه واهية، وليست مِنَ الْحُجَّةِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يَحِلُّ التَّمَسُّكُ بِهَا فِي أَيْسَرِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، فَضْلًا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ مَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ، وَمَدْحَضَةُ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةَ، وَمَذْهَبَ خَيْرِ الْقُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ يَدْفَعُ ذَلِكَ دَفْعًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا شُبْهَةَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى شُبَهَةٍ دَاحِضَةٍ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَقَامُ مَقَامَ بَسْطِ الْكَلَامِ على هذا المرام، فموضعه علم الكلام.

стр. 814

الفرع الثاني: المسائل الشرعية فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَمِنْهُمُ الْأَشْعَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الباقلاني، ومن المعتزلة أبو الهذيل، وأبو علي، وأبو هاشم، وأبتاعهم إِلَى أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَا كان منها قطعيا مَا كَانَ مِنْهَا قَطْعِيًّا مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَتَحْرِيمِ الزِّنَا، وَالْخَمْرِ، فَلَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا بِمُصِيبٍ، بَلِ الْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ، فَالْمُوَافِقُ لَهُ مُصِيبٌ، وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَكَفَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لِمُخَالَفَتِهِ لِلضَّرُورِيِّ، وَإِنْ كَانَ.

стр. 815

فِيهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَلَيْسَتْ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقِيلَ: إِنْ قَصَّرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ آثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَهُوَ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ. قَالَ ابن السعاني: ويشبه أن يكون سبب غموضها امتحان مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ، لِيُفَاضِلَ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَاتِ الْعِلْمِ، وَمَرَاتِبِ الْكَرَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ١ وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٢. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمَسَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا طَوِيلًا، وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَذَهَبَ جَمْعٌ جَمٌّ إِلَى أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا حَقٌّ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُصِيبٌ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، عَنِ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَنَا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَعَيَّنٌ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ، فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ، فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ حَلَالًا وَحَرَامًا، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يُخطِّئ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَعْتَرِضُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ كَانَ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ حَقًّا، لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْطِئَةِ وَجْهٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْمُصِيبَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّ جَمِيعَهَمْ مُخْطِئٌ إِلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَ وَاحِدٍ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِثْلَهُ. وأنكر ذلك أبو سحاق الْمَرْوَزِيِّ، وَقَالَ: إِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ المتأخرين، ممن لا معرفة له بِمَذْهَبِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرَيُّ: وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قال في بعض المسائل كقولنا، وفي بعضها كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابِ مَالِكٍ وَابْنِ "سُرَيْجٍ"*، وَأَبِي حَامِدٍ، بِمِثْلِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ كَجٍّ عَلَى هَذَا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ بَعْضِهِمْ بعضا، فيما اختلفوا فيه،

стр. 816

وَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى خَطَأٍ. قَالَ ابْنُ فورك: في المسألة ثلاثة أقوال: أحدهما: أن الحق في وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ، فَمَنْ وَضَعَ النَّظَرَ مَوْضِعَهُ أَصَابَ، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ وَفَقَدَ الصَّوَابَ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ مَعْذُورٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْذُورَ مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، لِعُذْرٍ فِي تَرْكِهِ، كَالْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ عِنْدَنَا قَدْ كُلِّفَ إِصَابَةَ الْعَيْنِ، لَكِنَّهُ خُفٍّفَ أَمْرُ خِطَابِهِ، وَأُجِرَ عَلَى قَصْدِهِ الصَّوَابَ، وَحُكْمُهُ نَافِذٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ نص في كتاب "الرسالة" و"أدب الْقَاضِي"١. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَتَكَلَّفُوا إِصَابَتَهُ، وَكُلُّهُمْ مُصِيبُونَ لِمَا كُلِّفُوا مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُخْطِئًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كُلِّفُوا الرَّدَّ إِلَى الْأَشْبَهِ عَلَى طَرِيقِ الظَّنِّ. انْتَهَى. وَذَهَبَ قَوْمٌ: إِلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَالْمُخَالِفَ لَهُ مُخْطِئٌ آثِمٌ، وَيَخْتَلِفُ خَطَؤُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ، فَقَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً، وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرَةً. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْأَصَمُّ وَالْمَرِيسِيُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ، وحُكي عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَدْ طَوَّلَ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَوْرَدُوا مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَاسْتَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ"، وَلَمْ يَأْتُوا بما يشفي طالب الحق. وههنا دَلِيلٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ، وَيُوَضِّحُ الْحَقَّ إِيضَاحًا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ رَيْبٌ لِمُرْتَابٍ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ في الصحيح، ومن طُرُقٍ: "أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ، فَلَهُ أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجرا" ٢. فَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُكَ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ يُوَافِقُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: مُصِيبٌ، وَيَسْتَحِقُّ أَجْرَيْنِ، وَبَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ يُخَالِفُهُ، وَيُقَالُ لَهُ مُخْطِئٌ، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه.

стр. 817

مصيبًا، و"إطلاق"* اسْمِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَجْرٌ، فَمَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَجَعَلَ الْحَقَّ مُتَعَدِّدًا بِتَعَدُّدِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً بَيِّنًا، وَخَالَفَ الصَّوَابَ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً، فإن النبي ﷺ جَعَلَ الْمُجْتَهِدِينَ قِسْمَيْنِ، قِسْمًا مُصِيبًا، وَقِسْمًا مخطئا، ولو كان كل واحد مِنْهُمْ مُصِيبًا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّقْسِيمِ مَعْنًى. وَهَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَمُخَالِفَهُ آثم، فإن هذا الْحَدِيثَ يَرُدُّ عَلَيْهِ رَدًّا بَيِّنًا، وَيَدْفَعُهُ دَفْعًا ظاهرا؛ لأن النبي ﷺ سَمَّى مَنْ لَمْ يُوَافِقِ الْحَقَّ فِي اجْتِهَادِهِ مُخْطِئًا، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْأَجْرِ، فَالْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا شُبْهَةَ أن الحق واحد، ومخالفه مخطئ مَأْجُورٌ، إِذَا كَانَ قَدْ وفَّى الِاجْتِهَادَ حَقَّهُ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْبَحْثِ، بَعْدَ إِحْرَازِهِ لِمَا يَكُونُ بِهِ مُجْتَهِدًا. وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى هَذَا حَدِيثُ: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ" ١ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْحَقُّ وَاحِدًا، لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى، ومثله قوله ﷺ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ: "وَإِنْ طَلَبَ مِنْكَ أَهْلُ حِصْنٍ النُّزُولَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا" ٢. وَمَا أَشْنَعَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْجَاعِلُونَ لِحُكْمِ اللَّهِ متعددا بتعدد الْمُجْتَهِدِينَ، تَابِعًا لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الِاجْتِهَادَاتِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَعَ كَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ ، وَمَعَ شَرِيعَتِهِ الْمُطَهَّرَةِ، هِيَ أَيْضًا صَادِرَةٌ عَنْ مَحْضِ الرَّأْيِ، الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ لَهُ دَلِيلٌ، وَلَا عَضَّدَتْهُ شُبْهَةٌ تَقْبَلُهَا الْعُقُولُ، وَهِيَ أَيْضًا مُخَالِفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، سلفها خلفها، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ، مَا زَالُوا يُخَطِّئُونَ مَنْ خَالَفَ فِي اجْتِهَادِهِ مَا هُوَ أَنْهَضُ مِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ، وَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَأَنْكَرَهُ، فَهُوَ لَا يَدْرِي بِمَا فِي بُطُونِ الدَّفَاتِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِأَسْرِهَا مِنَ التَّصْرِيحِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ بتخطئه بعضهم البعض واعتراض بعضهم على بعض.

стр. 818

وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمِثْلِ قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ١ فَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا قَالَهُ سُلَيْمَانُ، فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ٢ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لما كان لتخصيص سليمان بذلك المعنى. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ، مِنَ الْقَطْعِ وَالتَّرْكِ هُوَ بِإِذْنِهِ ، فَأَفَادَ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِخُصُوصِهَا، هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ إِلَّا فِيمَا لَمْ يَرِدِ النَّصُّ فِيهِ "بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ"* بِخُصُوصِهَا، هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ حُكْمَهُ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ أُمُورٍ، يَخْتَارُ الْمُكَلَّفُ مَا شَاءَ مِنْهَا، كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَأَنَّ حُكْمَهُ يَجِبُ على الكل، حتى يفعله البعض، فيسقط عن الْبَاقِينَ، كَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا وَافْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَصْوِيبِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِمَّنْ صَلَّى قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، لِمَنْ خَشِيَ فَوْتَ الْوَقْتِ، وَمِمَّنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﷺ : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" ٤ فَالْجَوَابُ عَنْهُ كَالْجَوَابِ عَمَّا قَبْلَهُ، عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّثْرِيبِ لِمَنْ قَدْ عَمِلَ بِاجْتِهَادِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْحَقَّ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَجْزَأَهُ مَا عَمِلَهُ بِاجْتِهَادِهِ، وَصَحَّ صُدُورُهُ عَنْهُ، لِكَوْنِهِ قَدْ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي تَحَرِّي الْحَقِّ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِصَابَةِ وَالصَّوَابِ، فَإِنَّ إِصَابَةَ الْحَقِّ "هِيَ"** الْمُوَافَقَةُ، بِخِلَافِ الصَّوَابِ فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ وَلَمْ يُصِبْهُ، مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَدْ فَعَلَ مَا كُلِّفَ بِهِ، وَاسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا لِلْحَقِّ وَمُوَافِقًا لَهُ. وَإِذَا عرفت هذا الحق مَعْرِفَتِهِ، لَمْ تَحْتَجْ إِلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَقَدْ حَرَّرَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَذَاهِبِ تَحْرِيرًا جَيِّدًا فَقَالَ: الْوَاقِعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا نَصٌّ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَإِمَّا أَنْ "يَجْتَهِدَ"*** الْمُجْتَهِدُ أَوْ لَا، الثَّانِي عَلَى قِسْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إما أن يقصر في

стр. 819

طَلَبِهِ أَوْ لَا يُقصر، فَإِنْ وَجَدَهُ وَحَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمُقْتَضَاهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِوَجْهِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ، وِفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعِلْمِ، وَلَكِنْ قَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ، بَلْ بَالَغَ في الاستشكاف وَالْبَحْثِ، وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَى وَجْهِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ "مَا إِذَا لَمْ"* يَجِدْهُ، مَعَ الطَّلَبِ الشَّدِيدِ وَسَيَأْتِي١. وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، فإن كان "للتقصير"** فِي الطَّلَبِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ بَالَغَ فِي التَّنْقِيبِ عَنْهُ، وَأَفْرَغَ الْوُسْعَ فِي طَلَبِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْهُ، فَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الرَّاوِي الَّذِي عِنْدَهُ النَّصُّ، أو عرفه و"لكن"*** مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ آثِمٍ قَطْعًا، وَهَلْ هُوَ مُخْطِئٌ أَوْ مُصِيبٌ، عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَالْأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا، وَأَمَّا "الَّتِي لَا نَصَّ"**** فِيهَا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لِلَّهِ فِيهَا قَبْلَ اجتهاد المجتهد حكم معين أو لا، بَلْ "حُكْمُهُ"***** تَابِعٌ لِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَهَذَا الثَّانِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَالْقَاضِي، وَالْغَزَالِيِّ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، كَأَبِي الْهُذَيْلِ، وَأَبِي عَلِيٍّ، وأبي هاشم، وأتباعهم، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا خِلَافُهُ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ، فَهَلْ وُجِدَ فِيهَا مَا لَوْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِحُكْمٍ، لَمَا حُكِمَ إِلَّا بِهِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُصَوِّبِينَ، وَإِلَيْهِ صَارَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وابن سريج، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِي: فقول الخلص من المصوبة. انتهى.

стр. 820

المسألة الثامنة: أنه لا يجوز أن يكون للمجتهد في مسألة واحدة قولان متناقضان في وقت واحد ... المسألة الثامنة: لا يجوز أن يكون للمجتهد فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لا يجوز أن يكون للمجتهد فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُمَا إِنْ تَعَادَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ وَلَا التَّرْجِيحُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَقْفُ، وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَصِيرُ إِلَى الصُّورَةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، تعين عليه الأخذ به، وبهذا تعلم امْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.

стр. 821

وَأَمَّا فِي وَقْتَيْنِ فَجَائِزٌ، لِجَوَازِ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ، وَظُهُورِ مَا هُوَ أَوْلَى، بِأَنْ يَأْخُذَ بِهِ "وَيَدَعَ"* مَا كَانَ قَدْ أَخَذَ بِهِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ، عِنْدَ تَعَادُلِ الْأَمَارَتَيْنِ، فَمَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ جَوَّزَ ذَلِكَ لَهُ. وَمَنْ قَالَ بالوقف لم يجوز. فإن كان لمجتهد قولان واقعان في وقتين فالقول الآخر رجوع عن القول الأول بدلالته على تغيير اجتهاده الأول. وإذا أَفْتَى الْمُجْتَهِدُ مَرَّةً بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، ثُمَّ سُئِلَ ثَانِيًا عَنْ تِلْكَ الْحَادِثَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا يَكُونُ ذَاكِرًا، فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا جَازَ لَهُ الْفَتْوَى بِهِ، وَإِنْ نَسِيَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الِاجْتِهَادَ، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلَافِ فَتْوَاهُ فِي الْأَوَّلِ أَفْتَى بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا، وَإِنْ "أَدَّاهُ"** إِلَى مُوَافَقَةِ مَا قد أفتى به أو لا "أَفْتَى بِهِ"*** وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفِ الِاجْتِهَادَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفَتْوَى. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ كَانَ طَرِيقًا قَوِيًّا، حَصَلَ لَهُ الْآنَ ظَنٌّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوِيَّ حَقٌّ، جَازَ لَهُ الْفَتْوَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ، وَأَمَّا إِذَا حَكَمَ الْمُجْتَهِدُ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَتَرَجَّحَ لَهُ مَا يُخَالِفُ الِاجْتِهَادَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَهَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ باجتهاده مَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ بِاجْتِهَادِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، وَيَتَسَلْسَلُ، وَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحُكَّامِ، وَهِيَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، مَا لَمْ يَكُنْ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلدَّلِيلِ الْقَاطِعِ نَقَضَهُ اتِّفَاقًا، وَإِذَا حَكَمَ الْمُجْتَهِدُ بِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ، فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ بِمَا يُخَالِفُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا آخَرَ، فِيمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا، إِذَا كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا. وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ، فَالْحَقُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ آخَرَ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، لَا فِيمَا لَا يَخُصُّهُ، فَلَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ. وَلِأَهْلِ الْأُصُولِ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ كلام طويل، وليست محتاجة إلى التطوير، فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهَا لَا مُسْتَنَدَ لَهُ إِلَّا محض الرأي.

стр. 822

المسألة التاسعة: في جواز تفويض المجتهد ... المسألة التاسعة: في جوز تَفْوِيضِ الْمُجْتَهِدِ قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تعالى للنبي ﷺ ، أَوْ لِلْعَالِمِ: احْكُمْ، فَإِنَّكَ لَا تَحْكُمُ إلا بالصواب؟ فقطع بوقوعه مويس بْنُ عِمْرَانَ١ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَطَعَ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ بِامْتِنَاعِهِ. وَتَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي امْتِنَاعِهِ وَجَوَازِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفْوِيضِ إلى النبي ﷺ ، أَوِ الْمُجْتَهِدِ، أَنْ يَحْكُمَ بِمَا رَآهُ بِالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَفْوِيضِ الْحُكْمِ بِمَا شَاءَ الْمُفَوَّضُ، وَكَيْفَ اتَّفَقَ لَهُ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ: بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ لِذَاتِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ امْتِنَاعِهِ لِغَيْرِهِ. وَهَذَا الدَّلِيلُ سَاقِطٌ جِدًّا، وَتَفْوِيضُ مَنْ كَانَ ذَا عِلْمٍ، بِأَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، مَعَ كَوْنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَخْتَلِفُ مَسَالِكُهَا، وَتَتَبَايَنُ طَرَائِقُهَا، وَلَا عِلْمَ لِلْعَبْدِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ فِيهَا، وَلَا بِمَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لمسلم أن يقول بجوازه، ولا يردد فِي بُطْلَانِهِ، فَإِنَّ الْعَالِمَ الْجَامِعَ لِعُلُومِ الِاجْتِهَادِ، الْمُتَمَكِّنَ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، إِذَا بَحَثَ وَفَحَصَ، وَأَعْطَى النَّظَرَ حَقَّهُ، فَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الظَّنِّ بِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي رَجَّحَهُ، وَقَالَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ مَا أَرَادَ، وَيَفْعَلَ مَا اخْتَارَ، مِنْ دُونِ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَكَيْفَ يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ ، مَعَ الْقَطْعِ: بِأَنَّ هَذَا الْعَالِمَ الَّذِي زَعَمَ الزَّاعِمُ جَوَازَ تَفْوِيضِهِ مُكَلَّفٌ بِالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِهَا، مَأْخُوذٌ بِمَا أُخِذُوا بِهِ، مَطْلُوبٌ مِنْهُ مَا طُلِبَ مِنْهُمْ، فَمَا الَّذِي رَفَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفَ الَّذِي كُلِّفَ بِهِ غَيْرُهُ، وَمَا الَّذِي أَخْرَجَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْخِطَابِ، بِمَا كُلِّفَ بِهِ، وَهَلْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ إِلَّا مُجَرَّدُ جَهْلٍ بَحْتٍ، وَمُجَازَفَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِتَفْوِيضِ الْعَبْدِ، مَعَ جَهْلِهِ بِمَا فِي أَحْكَامِ اللَّهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ "هَكَذَا"* قَدْ يَقَعُ اخْتِيَارُهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَعَلَى مَا لَا مَصْلَحَةَ فيه.

стр. 823

وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًا لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ١ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْوِيضٌ لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ، وَإِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ نَادِرًا فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَجَمِيعُ إِصْدَارِهِمْ وَإِيرَادِهِمْ هُوَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ يُقَرِّرُهُ اللَّهُ ، وَيَرْضَاهُ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنِ اجْتِهَادَاتِ نَبِيِّنَا ﷺ ، ووقع الْجَوَابَاتِ مِنْهُ عَلَى "مَنْ"* سَأَلَهُ مِنْ دُونِ انْتِظَارِ الْوَحْيِ، وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ : "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ" ٢ وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ لَمَّا سَمِعَ أَبْيَاتِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الحارث"٣: "لَوْ بَلَغَنِي هَذَا لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى أخيها النضر بن الحارث٤ أَحَدِ أَسْرَى بَدْرٍ، وَالْقِصَّةُ وَالشِّعْرُ مَعْرُوفَانِ. وَأَمَّا اعْتِذَارُ مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ، وَلَمْ يَقُلْ بِالْوُقُوعِ، فَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِذَارُ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ تَجْوِيزَ مِثْلِ هَذَا عَلَى اللَّهِ ، مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ بِهِ. وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفْوِيضِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَى الْمُجْتَهِدِينَ بِالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ إِلَّا التَّفْوِيضَ "لِمَنْ"** كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ، وَكَيْفَ اتَّفَقَ، وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ غَالِبَ مَا جَاءُوا بِهِ "فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاقِعٌ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَلَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ، وَلَا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، بَلْ جَمِيعُ مَا جَاءُوا بِهِ"*** جَهْلٌ عَلَى جهل، وظلمات بعضها فوق بعض.

стр. 824

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي التَّقْلِيدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ من أحكام المفتي والمستفتي المسألة الأولى: في حد التقليد، والمفتي، والمستفي ... الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي التَّقْلِيدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ من أحكام المفتي وَالْمُسْتَفْتِي وَفِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حَدِّ التَّقْلِيدِ، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي أَمَّا التَّقْلِيدُ: فَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِلَادَةِ، الَّتِي يُقَلِّدُ غَيْرَهُ بِهَا، وَمِنْهُ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ، فَكَأَنَّ الْمُقَلِّدَ جَعَلَ ذَلِكَ الْحُكْمَ، الَّذِي قَلَّدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدَ كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِ مَنْ قَلَّدَهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ١. فَيَخْرُجُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَمَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَرُجُوعُ الْعَامِّيِّ إِلَى الْمُفْتِي، وَرُجُوعُ الْقَاضِي إِلَى شَهَادَةِ الْعُدُولِ، فَإِنَّهَا قَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ. أَمَّا الْعَمَلُ بِقَوْلِ رسول الله ﷺ ، وَبِالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَقْصِدِ السُّنَّةِ، وَفِي مَقْصِدِ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا رُجُوعُ الْقَاضِي إِلَى قَوْلِ الشُّهُودِ: فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِنَ الْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ، وَالْعَمَلِ بِهَا، وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا رُجُوعُ الْعَامِّيِّ إِلَى قَوْلِ الْمُفْتِي، فَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ. وَيَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ قَبُولُ رِوَايَةِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِهَا، وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا، وَأَيْضًا: لَيْسَتْ قَوْلَ الرَّاوِي، بَلْ قَوْلَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي "التَّحْرِيرِ": التَّقْلِيدُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إِحْدَى الْحُجَجِ بِلَا حُجَّةٍ. وَهَذَا الْحَدُّ أَحْسَنُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: هُوَ قَبُولُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تَظْهَرُ عَلَى قَوْلِهِ. وَقِيلَ: هُوَ قَبُولُ قول الْغَيْرِ دُونَ حُجَّتِهِ، أَيْ: حُجَّةِ الْقَوْلِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ قَبُولُ رَأْيِ مَنْ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ بِلَا حُجَّةٍ. وَفَوَائِدُ هَذِهِ القيود معروفة بما تقدم.

стр. 825

وَأَمَّا الْمُفْتِي فَهُوَ الْمُجْتَهِدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، ومثله قول من قال: إن المفتي الفقيه؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الأصول. والمستفتي من ليس بمجتهد، ومن لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِنْ حَدِّ الْمُقَلِّدِ، عَلَى جَمِيعِ الْحُدُودِ، الْمَذْكُورَةِ، أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ النبي ﷺ وَالْعَمَلَ بِهِ لَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي شيء؛ لأن قوله ﷺ وَفِعْلَهُ نَفْسُ الْحُجَّةِ١. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي "التَّعْلِيقِ": لَا خِلَافَ أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ غير النبي ﷺ ، مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، يُسَمَّى تَقْلِيدًا، وَأَمَّا قبول قوله ﷺ ، فَهَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ "يُبْنَيَانِ"* عَلَى الْخِلَافِ فِي حَقِيقَةِ التَّقْلِيدِ مَا هُوَ؟ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ، مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ، فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . انْتَهَى. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّقْلِيدِ ههنا غَيْرُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ، وَلِهَذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي "الْبَحْرِ": أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَعْلِ القبول من النبي ﷺ تَقْلِيدًا، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقَبُولَ مِنْ غَيْرِ السُّؤَالِ عَنْ وَجْهِهِ، وَفِي وُقُوعِ اسْمِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ هَذَا الِاسْمَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ"٢: وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إلى رجوع الخلاف إلى اللفظ، وبه صرح إمام الحرمين في "التخليص" حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ يَهُونُ موقعها عن ذَوِي التَّحْقِيقِ. انْتَهَى. وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ التَّقْلِيدَ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ "عَلَيْهِ"** لَا يَشْمَلُ ذَلِكَ، وَهُوَ المطلوب. قال ابن دقيق الْعِيدِ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَجْتَهِدُونَ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَ أَقْوَالِهِمُ الْوَحْيُ، فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُمْ يَجْتَهِدُونَ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ السَّبَبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا الْوَحْيُ، أَوِ الِاجْتِهَادُ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَقَدْ عَلِمْنَا السَّبَبَ، وَاجْتِهَادُهُمُ اجْتِهَادٌ مَعْلُومُ الْعِصْمَةِ. انْتَهَى. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ" الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الآخذ بقول النبي ﷺ وَالرَّاجِعَ إِلَيْهِ لَيْسَ بِمُقَلِّدٍ، بَلْ هُوَ صائر إلى دليل وعلم يقين. انتهى.

стр. 826

المسألة الثانية: حكم التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ العقلية، وهي المتعلقة بوجود الباري وَصِفَاتِهِ، هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا أَمْ لَا؟ فَحَكَى الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَمْ يَحْكِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ في "المختصر" إلا عن العنبري. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز. وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي "شَرْحِ التَّرْتِيبِ"١ عَنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي التَّوْحِيدِ. وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الشَّامِلِ"٢: لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إِلَّا الْحَنَابِلَةُ. وَقَالَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا يُخَالِفُ فِيهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ، وَأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَلَا يَدْرِي أَهْوَ صَوَابٌ أَمْ خَطَأٌ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَلَوِ اعْتَقَدَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالدَّلِيلِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، وَإِنْ فُسِّقَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ، وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَخْرُجَ فيها عن جملة المقلدين. انتهى. فيا لله الْعَجَبَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ لَهَا الْجُلُودُ، وَتَرْجُفُ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْأَفْئِدَةُ، فَإِنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى جُمْهُورِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُمْ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ وَلَا يُطِيقُونَهُ، وَقَدْ كَفَى الصَّحَابَةَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، وَلَا قَارَبُوهَا الْإِيمَانُ الْجُمَلِيُّ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ رَسُولُ الله ﷺ ، وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَلَا أَخْرَجَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ الْبُلُوغِ إِلَى العلم بذلك أدلته.

стр. 827

وَمَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ فُسِّقَ، فَلَا يَصِحُّ التَّفْسِيقُ عَنْهُمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلْ مَذْهَبُ سَابِقِهِمْ وَلَاحِقِهِمُ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِيمَانِ الْجُمَلِيِّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ خَيْرُ الْقُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، بَلْ حَرَّمَ كَثِيرٌ منهم النظر إلى ذلك، وجعله في الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَلَمْ يَخْفَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِمْ، حَتَّى عَلَى أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ١: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ غير واجب، وإنما الغرض هو الرجوع إلى قَوْلُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَرَوْنَ الشُّرُوعَ فِي مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ كُفْرًا، وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ وَالنَّظَرَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ إِلَى حُصُولِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ لَا يَتَرَدَّدُ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الِاعْتِقَادُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ قَاطِعَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُؤْمِنًا، وَزَالَ عَنْهُ كُلْفَةُ طَلَبِ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّافِي، مِنَ الشُّبْهَةِ وَالشُّكُوكِ، فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَكْمَلِ أَنْوَاعِ النِّعَمِ وَأَجَلِّهَا، حِينَ لَمْ يَكِله إِلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، لَا سِيَّمَا الْعَوَامُّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجِدُهُ فِي صِيَانَةِ اعْتِقَادِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُشَاهِدُ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ. انْتَهَى. وَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الْعَوَامِّ "وَجَدَ هَذَا"* صَحِيحًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ نَجِدُ الْإِيمَانَ فِي صَدْرِهِ كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِيِّ، وَنَجِدُ بَعْضَ الْمُتَعَلِّقِينَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ، الْمُشْتَغِلِينَ بِهِ، الْخَائِضِينَ فِي مَعْقُولَاتِهِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيهَا أَهْلُهَا لَا يَزَالُ يَنْقُصُ إِيمَانُهُ، وَتَنْتَقِضُ مِنْهُ عُرْوَةٌ عُرْوَةٌ، فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ الْأَلْطَافُ الرَّبَّانِيَّةُ نَجَا، وَإِلَّا هَلَكَ، وَلِهَذَا تَمَنَّى كَثِيرٌ مِنَ الْخَائِضِينَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ، الْمُتَبَحِّرِينَ فِي أَنْوَاعِهَا، فِي آخِرِ أَمْرِهِ، أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِ الْعَجَائِزِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمَنْظُومَةِ وَالْمَنْثُورَةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِطْلَاعٌ عَلَى أَخْبَارِ النَّاسِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْقُشَيْرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، مِنَ الْمُحَقِّقِينَ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ أبي الحسن الْأَشْعَرِيِّ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِيجَابُ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الصَّوَابِ، وَمَتَى أَوْجَبْنَا ذَلِكَ فَمَتَى يُوجَدُ مِنَ الْعَوَامِّ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَتَصْدُرُ عَقِيدَتُهُ عَنْهُ، كَيْفَ وَهُمْ لَوْ عَرَضْتَ عَلَيْهِمْ تِلْكَ "الْأَدِلَّةَ** لَمْ يَفْهَمُوهَا، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَامِّيِّ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَيَلْقَى بِهِ رَبَّهُ، مِنَ الْعُلَمَاءِ يَتْبَعُهُمْ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهَا بِقَلْبٍ طَاهِرٍ عَنِ الْأَهْوَاءِ، وَالْأَدْغَالِ٢، ثُمَّ

стр. 828

يعض عليها بالنواجز، فلا يحول ولا يزول، ولو قطع أربا، فهنيئًا لهم بالسلامة، والبعد عن الشبهات الداخلية عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ، وَالْوَرَطَاتِ الَّتِي تَوَغَّلُوهَا، حَتَّى أَدَّتْ بِهِمْ إِلَى الْمَهَاوِي وَالْمَهَالِكِ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّبُهَاتُ الْعَظِيمَةُ، فَصَارُوا مُتَحَيِّرِينَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِمْ مُتَوَرِّعٌ عَفِيفٌ، إِلَّا الْقَلِيلُ، فَإِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ وَرَعِ الْأَلْسِنَةِ، وَأَرْسَلُوهَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ بِجُرْأَةٍ وَعَدَمِ مَهَابَةٍ وَحُرْمَةٍ. قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ لِفَرِيقٍ مِنْهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ إِلَّا وَلِخُصُومِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الشُّبَهِ الْقَوِيَّةِ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِقَدْرِ مَا يَنَالُ الْمُسَلَّمُ بِهِ بِرَدِّ الْخَاطِرِ، وَإِنَّمَا "الْمُنْكَرُ"* إِيجَابَ التَّوَصُّلِ إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اقتعدوه وَسَامُوا بِهِ الْخَلْقَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ أَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى تَكْفِيرِ الْعَوَامِّ أَجْمَعَ، وَهَذَا هُوَ الْخُطَّةُ الشَّنْعَاءُ، وَالدَّاءُ الْعُضَالُ، وَإِذَا كَانَ السواد الأعظم هم العوام، وبهم قوم الدِّينِ، وَعَلَيْهِمْ مَدَارُ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ، الَّتِي تَجْمَعُ الْمِائَةَ الْأَلْفَ مَنْ يَقُومُ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي يَعْتَبِرُونَهَا، إِلَّا العدد الشاذ النَّادِرُ، وَلَعَلَّهُ لَا يَبْلُغُ عَدَدَ الْعَشْرَةِ. انْتَهَى.

стр. 829

المسألة الثالثة: حكم التقليد في المسائل الشرعية الْفَرْعِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ، هَلْ يجوز التقليد فيها أم لا١؟ المذهب الأول: ذهب جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا٢. قَالَ الْقَرَافِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ، وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ، وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ. قَالَ: وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي، فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ فَاتْرُكُوهُ، وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بكل مسألة تكلمت فيها برأيي سَوْطًا، عَلَى أَنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَى السياط. قال ابن حزم: فههنا مَالِكٌ يَنْهَى عَنِ التَّقْلِيدِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ "مُخْتَصَرِهِ"٣ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَنْهَى عَنْ تقليده، وتقليد غيره. انتهى.

стр. 830

وَقَدْ ذَكَرْتُ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُصَرِّحَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا "الْقَوْلَ الْمُفِيدَ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ" فَلَا نُطَوِّلُ الْمُقَامَ بِذِكْرِ ذَلِكَ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، فَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَمْوَاتِ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْمُجْتَهِدِ بِرَأْيِهِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ، عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَهَذَانِ الْإِجْمَاعَانِ يَجْتَثَّانِ التَّقْلِيدَ مِنْ أَصْلِهِ، فَالْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ، حَيْثُ لَمْ يَحْكُوا هَذَا القول إلا عن بعض المعتزلة. والمذهب الثاني: وَقَابَلَ مَذْهَبَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ بَعْضُ الْحَشْوِيَّةِ وَقَالَ: يَجِبُ مُطْلَقًا١، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَقْنَعُوا بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ، حَتَّى أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ التَّقْلِيدَ جَهْلٌ وَلَيْسَ بِعِلْمٍ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْخِلَافِ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ مُقَلِّدُونَ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ، وَلَا سِيَّمَا وَأَئِمَّتُهُمُ الْأَرْبَعَةُ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ تَقْلِيدِهِمْ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ تَعَسَّفُوا فَحَمَلُوا كَلَامَ أَئِمَّتِهِمْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمُجْتَهِدِينَ من الناس، لا المقلدين، فيا لله الْعَجَبُ. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا: أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْأُصُولِ نَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إلى الأكثر، وجعل الحجة لهم بالإجماع عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ، فَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ خَيْرِ الْقُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، فَتِلْكَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، فَإِنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِيهِمْ أَلْبَتَّةَ، وَلَا عَرَفُوا التَّقْلِيدَ، وَلَا سَمِعُوا بِهِ، بَلْ كَانَ الْمُقَصِّرُ مِنْهُمْ يَسْأَلُ الْعَالِمَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ، فَيُفْتِيهِ بِالنُّصُوصِ الَّتِي يَعْرِفُهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالسُّؤَالِ عَنِ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ عَرَفْتَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ التَّقْلِيدَ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ، لَا بِالرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُوجِبُونَ لِلتَّقْلِيدِ، وَالْمُجَوِّزُونَ لَهُ مِنْ قوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ ٢ إلا السائل عَنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، لَا عَنْ آرَاءِ الرِّجَالِ، هَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي عُمُومِ السُّؤَالِ، كَمَا زَعَمُوا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ وَارِدَةٌ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ، وَهُوَ السُّؤَالُ عَنْ كَوْنِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ رِجَالًا، كَمَا يُفِيدُهُ أَوَّلُ الْآيَةِ وَآخِرُهَا، حَيْثُ قَالَ:

стр. 831

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ ١؛ وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِالْمَنْعِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَوُجُودُ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ مُنْذُ ذلك الوقت إلى هذه الغاية معلوم لكل مَنْ يَعْرِفُ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الْمَنْعَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، إذا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الْمُقَلِّدِينَ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَاصَّةً، فَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي مَقْصِدِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِأَقْوَالِ الْمُقَلِّدِينَ فِي شَيْءٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِمْ إِجْمَاعٌ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مَنْ جَوَّزَ التَّقْلِيدَ، فَضْلًا عَمَّنْ أَوْجَبَهُ، بِحُجَّةٍ يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِجَوَابِهَا قَطُّ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِرَدِّ شَرَائِعِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ، بَلْ أُمِرْنَا بِمَا قَالَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢ أَيْ: كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَأْمُرُ مَنْ يُرْسِلُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ الله، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ٣. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ اسْتِبْعَادِ أَنْ يَفْهَمَ الْمُقَصِّرُونَ نُصُوصَ الشَّرْعِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلتَّقْلِيدِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كما ذكروه، فههنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد، وهي سُؤَالُ الْجَاهِلِ لِلْعَالِمِ عَنِ الشَّرْعِ فِيمَا يَعْرِضُ له، لا عن رأيه البحث وَاجْتِهَادِهِ الْمَحْضِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ عَمَلُ الْمُقَصِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَمَنْ لَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَ أَهْلَ هَذِهِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُقَلِّدِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي كَثِيرٍ من الآيات: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ ٤ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٥، ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ٦، وَأَمْثَالَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَ هَذَا الْبَحْثِ عَلَى التَّمَامِ، فَلْيَرْجِعْ إِلَى الرِّسَالَةِ الَّتِي قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ "أَدَبَ الطَّلَبِ وَمُنْتَهَى الْأَرَبِ". وَمَا أَحْسَنَ مَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ" عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ هَلْ لَكَ مِنْ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ أَبْطَلَ التَّقْلِيدَ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، لَا التَّقْلِيدُ، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ، وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ، وَالْأَمْوَالَ؟، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي أَصَبْتُ وَإِنْ لَمْ أَعْرِفِ الْحُجَّةَ؛ لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ، قِيلَ لَهُ: تَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ؛ لأنه لا يقول

стр. 832

إلا بحجة خفيت عن معلمك، كما لم يقل معلمك إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْكَ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إِلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، "و"* كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نُقِضَ قَوْلُهُ، وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ، وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ، وَأَغْزَرُ عِلْمًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ١. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا إِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ"٢. انْتَهَى. قلت: تتميمًا لهذا الكلام: وعندما يُنْتَهَى إِلَى الْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ: هَذَا الصَّحَابِيُّ أَخَذَ عِلْمَهُ مِنْ أَعْلَمِ الْبَشَرِ، الْمُرْسَلِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادِهِ، الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَتَقْلِيدُهُ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ، الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ عُلُومِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْعِصْمَةِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ، وَلَا فِعْلَهُ، وَلَا اجْتِهَادَهُ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. وَاعْلَمْ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ رَأْيَ الْمُجْتَهِدِ، عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ، يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ فَقْدِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ بِهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلِهَذَا نَهَى كِبَارُ الْأَئِمَّةِ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ، وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ عَرَفْتَ "مِنْ تَحْقِيقِ"** حَالِ الْمُقَلِّدِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بِالرَّأْيِ، لَا بِالرِّوَايَةِ، وَيَتَمَسَّكُ بِمَحْضِ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُطَالِبٍ بِحُجَّةٍ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَأْيَ الْمُجْتَهِدِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَيَسُوغُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، فِيمَا كَلَّفَهُ اللَّهُ، فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الْمُجْتَهِدَ صَاحِبَ شَرْعٍ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَعْدَ نبينا ﷺ وَلَا يَتَمَكَّنُ كَامِلٌ وَلَا مُقَصِّرٌ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى هَذَا بِحُجَّةٍ قَطُّ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الدَّعَاوَى، وَالْمُجَازَفَاتِ فِي شَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَلَوْ جَازَتِ الْأُمُورُ الشَّرْعِيَّةُ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى، لادَّعى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، وَقَالَ مَنْ شاء بما شاء.

стр. 833

المسألة الرابعة: حكم إفتاء المقلد اختلفو هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ إِمَامِهِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ، أَوْ بِمَذْهَبِ إِمَامٍ آخَرَ؟ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَالصَّيْرَفِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَمَوْضُوعُ هَذَا الِاسْمِ، يَعْنِي: الْمُفْتِيَ، لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ و"علم"* حَمْلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَكَذَلِكَ السُّنَنُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ، وَلَمْ يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا، فَمَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ سَمَّوْهُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَمَنِ اسْتَحَقَّهُ أَفْتَى فِيمَا اسْتُفْتِيَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْمُفْتِي مَنِ اسْتُكْمِلَ فِيهِ ثَلَاثُ شَرَائِطَ: الِاجْتِهَادُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالْكَفُّ عَنِ التَّرْخِيصِ وَالتَّسَاهُلِ، قَالَ: وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ فِي الِاجْتِهَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": اخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى بِمَا يَحْكِيهِ عَنِ الْمُفْتِينَ، فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَحْكِيَ عَنْ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ، فَإِنْ حَكَى عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لِلْمَيِّتِ، "بِدَلِيلِ أَنَّ"** الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِلَافِهِ حَيًّا، وَيَنْعَقِدُ عَلَى مَوْتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قَوْلٌ بَعْدَ مَوْتِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ صُنِّفَتْ كُتُبُ الفقه مع فناء أرباها؟ قُلْتُ: لِفَائِدَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: اسْتِفَادَةُ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي الْحَوَادِثِ، وَكَيْفَ بُني بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَلَا يُفتى بِغَيْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَفِي كَلَامِهِ هَذَا التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ مِنْ تَقْلِيدِ الْأَمْوَاتِ، وَقَدْ حَكَى الْغَزَالِيُّ فِي "الْمَنْخُولِ" إِجْمَاعَ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَقْلِيدِ الْأَمْوَاتِ١.

стр. 834

قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي "الْبَحْرِ": إِنَّهُ الْقِيَاسُ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، كَمَنْ تَجَدَّدَ فِسْقُهُ بَعْدَ عَدَالَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى حُكْمُ عَدَالَتِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّ قَوْلَهُ وَصْفٌ لَهُ، وَبَقَاءُ الْوَصْفِ بَعْدَ زَوَالِ الْأَصْلِ مُحَالٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَجْدِيدِهِ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاؤُهُ، عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَتَقْلِيدُهُ بِنَاءً عَلَى وَهْمٍ أَوْ تَرَدُّدٍ، وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِجِوَازِ فَتْوَى الْمُقَلِّدِ، حِكَايَةً عَنْ مُجْتَهِدٍ، لَيْسَ عَلَى إطلاقه. وذهب جماعة إلى أنه يجز لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُفْتِي أَهْلًا لِلنَّظَرِ، مُطَّلِعًا عَلَى مَأْخَذِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ الْقَفَّالِ، وَنَسَبَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى الْأَكْثَرِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، وَبَعْضُهُمْ نَسَبَهُ إِلَى الرَّازِيِّ، وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اخْتِيَارَهُ الْمَنْعُ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِهِ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِفَتَاوَى الْمَوْتَى. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ، وَالْمُجْمِعُونَ لَيْسُوا بِمُجْتَهِدِينَ، فَلَا يُعْتَبَرُ إِجْمَاعُهُمْ بِحَالٍ١. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ، يُفْضِي إِلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ أَوِ اسْتِرْسَالِ الْخَلْقِ فِي أَهْوِيَتِهِمْ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، إِذَا كَانَ عَدْلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ، ثم حكى لمقلد قَوْلَهُ، فَإِنَّهُ يُكتفى بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفُتْيَا، هَذَا مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ كُنَّ يَرْجِعْنَ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ إِلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ أزواجهن عن النبي ﷺ وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ أَرْسَلَ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فِي قِصَّةِ الْمَذْيِ٢، وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ، فَإِنَّ مَرَاجَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ إِذْ ذَاكَ مُمْكِنَةٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْمُقَلِّدِ الْآنَ لِلْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ مُتَعَذِّرَةٌ، وَقَدْ أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ، مَعَ عَدَمِ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ الْيَوْمَ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَفِي كَلَامِ هَذَا الْمُحَقِّقِ ما لا يخف عَلَى الْفَطِنِ، أَمَّا قَوْلُهُ: يُفْضِي إِلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ إِلَخْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ مَنْ حَدَثَتْ لَهُ الْحَادِثَةُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ من يعرف ما شرعه الله في

стр. 835

الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، كَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ يَعْرِفُ مَذْهَبَ مُجْتَهِدٍ مِنَ الْأَمْوَاتِ عَنْ رَأْيِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ فِي حَادِثَتِهِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ عَلَى الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ إِلَخْ، فَمِنْ أَغْرَبِ مَا يَسْمَعُهُ السَّامِعُ، لَا سِيَّمَا عَنْ مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ، وَأَيُّ ظَنٍّ لِهَذَا الْعَامِّيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَيُّ تَأْثِيرٍ لِظُنُونِ الْعَامَّةِ، الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ الشَّرِيعَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ظَنَّ غَالِبِهِمْ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا يُوَافِقُ هَوَاهُ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ١. وَأَمَّا قَوْلُهُ مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، بِأَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ إِلَخْ، فَنَقُولُ: نَعَمْ ذَلِكَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ، فَكَانَ مَاذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِفْتَاءٍ عَنْ رَأْيِ مَنْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بَلِ اسْتِفْتَاءٌ عَنِ الشرع في ذلك الحكم، فإن كان المسول يَعْلَمُهُ رَوَاهُ لِلسَّائِلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ أَحَالَ "السَّائِلَ"* عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ عَلَى مَنْ يَعْلَمُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وهكذا فِيمَنْ بَعْدَهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَطْلُبُ مِنَ الْعَامِّيِّ وَالْمُقَصِّرِ إِذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ وَحَدَثَتْ لَهُ حَادِثَةٌ إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ هَكَذَا، فَيَسْأَلُ عُلَمَاءَ عَصْرِهِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَتَابِعُوهُمْ يَسْأَلُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ فِيهِمْ، وَمَا كَانُوا يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ، ولا عما يقولونه بِمَحْضِ الرَّأْيِ. فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ مُرَادُ هَذَا الْمُحَقِّقِ إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَفْتُونَ الْمُقَلِّدَ عَمَّا صَحَّ لِذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ بِالدَّلِيلِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مُرَادُهُ هَذَا، فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِإِدْخَالِ "الْمُجْتَهِدِ"** فِي الْبَيِّنِ، وَمَا ثَمَرَةُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الثَّابِتِ فِي الشَّرِيعَةِ وَيَكُونُ الْمَسْئُولُ "مِمَّنْ"*** لَا يَجْهَلُهُ، فَيُفْتِيهِ حِينَئِذٍ بِفَتْوَى قُرْآنِيَّةٍ، أَوْ نبوية، ويدع السؤال عن مذاهب النسا، وَيَسْتَغْنِي بِمَذْهَبِ إِمَامِهِمُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا إِرْسَالُ عَلِيٍّ لِلْمِقْدَادِ فَهُوَ إِنَّمَا أَرْسَلَهُ لِيَرْوِيَ لَهُ مَا يَقُولُهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، الْمَعْصُومُ عَنِ الْخَطَأِ، وَأَيْنَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَدْ أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ، مَعَ عَدَمِ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ، فَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ هَذَا الْإِطْبَاقَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَغَيْرُ الْمُجْتَهِدِ لَا يَدْرِي بِحُكْمِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، وَإِذَا لَمْ "يَدْرِ بِهِ"**** فَهُوَ حاكم.

стр. 836

بِالْجَهْلِ، "وَالْحُكْمُ بِالْجَهْلِ"* لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى أَحَدٍ. وذهبت طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ إِذَا عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ آخَرُونَ: إنه يجوز للمقلد الْحَيِّ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا شَافَهَهُ بِهِ أَوْ يَنْقُلَهُ إِلَيْهِ مَوْثُوقٌ بِقَوْلِهِ، أَوْ وَجَدَهُ مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا عَلِمَ الْعَامِّيُّ حُكْمَ الْحَادِثَةِ وَدَلِيلَهَا، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الدَّلِيلُ نَصًّا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ نَظَرًا وَاسْتِنْبَاطًا لَمْ يَجُزْ قَالَا: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ دَلَالَةٌ تُعَارِضُهَا أَقْوَى مِنْهَا. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي "شَرْحِ الرِّسَالَةِ": مَنْ حَفِظَ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ، وَأَقْوَالَ النَّاسِ بِأَسْرِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا وَمَعَانِيَهَا؛ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَقِيسَ، وَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى، وَلَوْ أفتى فإنه لا يجوز.

стр. 837

المسألة الخامسة: حكم سُؤَالِ الْعَالِمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِذَا تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الْعَامِّيَّ يَسْأَلُ الْعَالِمَ، وَالْمُقَصِّرَ يَسْأَلُ الْكَامِلَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِالدِّينِ، وَكَمَالِ الْوَرَعِ، عَنِ الْعَالِمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الْعَارِفِ بِمَا فِيهِمَا، الْمُطَّلِعِ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ في فهمهما، مِنَ الْعُلُومِ الْآلِيَّةِ، حَتَّى يَدُلُّوهُ عَلَيْهِ، وَيُرْشِدُوهُ إِلَيْهِ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ حَادِثَتِهِ "طَالِبًا"* مِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ فِيهَا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ مَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مَعْدِنِهِ، وَيَسْتَفِيدُ الْحُكْمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَيَسْتَرِيحُ مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْمُتَمَسِّكُ بِهِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ، الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ، الْمُبَايِنِ لِلْحَقِّ، وَمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَنْهَجَ، وَمَشَى فِي هَذَا الطَّرِيقِ، لَا يَعْدَمُ مَطْلَبَهُ، وَلَا يَفْقِدُ مَنْ يُرْشِدُهُ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَدَ لِهَذَا الشَّأْنِ مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَيَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَمَا مِنْ مَدِينَةٍ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَّا وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْمُقَصِّرِ حُكْمَ الْمُقَصِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَرْوُونَ النُّصُوصَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى مَا يُرْشِدُونَهُمْ إليه، ويدلونهم عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْأُصُولِ أَنَّهُ يَكْفِي الْعَامِّيَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْفَتْوَى بِأَنْ يَرَى النَّاسَ مُتَّفِقِينَ عَلَى سُؤَالِهِ، مُجْتَمِعِينَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَلَا يَسْتَفْتِي مَنْ "كان"** مجهول.

стр. 838

الْحَالِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَحَكَى فِي "الْمَحْصُولِ" الِاتِّفَاقَ عَلَى الْمَنْعِ، وَشَرَطَ الْقَاضِي أَخْبَارَ مَنْ يُوجِبُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَكْفِي خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، فَاكْتَفَوْا بِخَبَرِ عَدْلَيْنِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ "الْمَنْخُولِ"*، فَقَالَ: وَاشْتِرَاطُ تَوَاتُرِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ امْتِحَانَهُ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَمُرَاجَعَتَهُ فِيهَا، فَإِنْ أَصَابَ فِي الْجَوَابِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا تَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ برهان في "الوجيز": قيل: يقول له مجتهد أَنْتَ، وَأُقَلِّدُكَ؟ فَإِنْ أَجَابَهُ قَلَّدَهُ. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ، وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بأنه يكفيه خبر العدل الواحد من فِقْهِهِ وَأَمَانَتِهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الْأَخْبَارِ. انْتَهَى. وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ جَمَاعَةٌ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، الْمُسَوِّغَةِ لِلْأَخْذِ عَنْهُمْ، فَالْمُسْتَفْتِي مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمْ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ وَإِلْكِيَا: إِنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْأَعْلَمِ مِنْهُمْ، فَيَسْأَلُهُ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَالْقَفَّالُ، قَالُوا: لِأَنَّ الْأَعْلَمَ أَهْدَى إِلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ. وَإِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَتْوَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، فَقِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْقَاضِي، وَالْآمِدِيُّ. وَاسْتَدَلُّوا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمَفْضُولِ، مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالْأَغْلَظِ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالْأَخَفِّ. وَقِيلَ: يَبْحَثُ عَنِ الْأَعْلَمِ مِنْهُمْ، فَيَأْخُذُ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْأَعْلَمِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ يَعْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ دُونَ الرَّأْيِ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا يَأْخُذُ، مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَخَذَ بِالْأَخَفِّ، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ أَخَذَ بِالْأَغْلَظِ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْأَلُ الْمُخْتَلِفِينَ عَنْ حُجَّتِهِمَا إِنِ اتَّسَعَ عَقْلُهُ لِفَهْمِ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ بِأَرْجَحِ الْحُجَّتَيْنِ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ عَقْلُهُ لِذَلِكَ أَخَذَ بِقَوْلِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ، قَالَهُ الكعبي.

стр. 839

المسألة السادسة: حكم الالتزام بمذهب مُعَيَّنٍ اخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ لِلتَّقْلِيدِ، هَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: يَلْزَمُهُ؛ وَرَجَّحَهُ إِلْكِيَا. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَلْزَمُهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ بَرْهَانَ وَالنَّوَوِيُّ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَبَعْضِهِمْ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لَا تَحْمِلِ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِكَ فَيُحرجوا، دَعْهُمْ يَتَرَخَّصُوا بِمَذَاهِبِ النَّاسِ. وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الطَّلَاقِ فَقَالَ: يَقَعُ يَقَعُ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلَ: فَإِنْ أَفْتَانِي أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ يَجُوزُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُقَلِّدُونَ مَنْ شَاءُوا قَبْلَ ظُهُورِ الْمَذَاهِبِ١. وَقَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ: الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ، لَا قَبْلَهُمُ. انْتَهَى. وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَعَ زَعْمِ قَائِلِهِ أَنَّهُ اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَسْمَعُهُ السَّامِعُونَ، وَأَغْرَبِ مَا يَعْتَبِرُ بِهِ الْمُنْصِفُونَ. أَمَّا إِذَا الْتَزَمَ الْعَامِّيُّ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ خلاف آخر، وهو أنه هل يجوز له أَنْ يُخَالِفَ إِمَامَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَيَأْخُذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ؟ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ بِالْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ، وَإِلَّا جَازَ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ الَّتِي قَلَّدَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ، وَإِلَّا جَازَ، وَاخْتَارَ هَذَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَقِيلَ: إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ مَذْهَبَ غَيْرِ إِمَامِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَى مِنْ مَذْهَبِهِ جَازَ لَهُ، وَإِلَّا لم يجز، وبه قال القدوري الحنفي٢.

стр. 840

وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ الَّذِي أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَيْهِ مِمَّا يَنْقُضُ الْحُكْمَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ، وَإِلَّا جَازَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَنْشَرِحَ لَهُ صَدْرُهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاصِدًا لِلتَّلَاعُبِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ نَاقِضًا لِمَا قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. وَقَدِ ادَّعَى الْآمِدِيُّ، وابن الحاجب: أنه يجوز قبل العلم، لَا بَعْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِمَا: بِأَنَّ الْخِلَافَ جار فِيمَا ادَّعَيَا الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. أَمَّا لَوِ اخْتَارَ الْمُقَلِّدُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ مَا هُوَ الْأَهْوَنُ عَلَيْهِ، وَالْأَخَفُّ لَهُ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يُفَسَّقُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُفَسَّقُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ، وَأَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ، كَانَ فَاسِقًا. وَخَصَّ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ التَّفْسِيقَ بِالْمُجْتَهِدِ، إِذَا لَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُ إِلَى الرُّخْصَةِ، وَاتَّبَعَهَا الْعَامِّيُّ الْعَامِلُ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ؛ لِإِخَلَالِهِ بِفَرْضِهِ وَهُوَ التَّقْلِيدُ، فَأَمَّا الْعَامِّيُّ إِذَا قَلَّدَ فِي ذَلِكَ فَلَا يُفَسَّقُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّدَ مَنْ سُوِّغَ اجْتِهَادُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: "إِنَّهُ"* يُنْظَرُ إِلَى الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا اشْتَهَرَ تَحْرِيمُهُ فِي الشَّرْعِ أَثِمَ، وَإِلَّا لَمْ يَأْثَمْ. وَفِي "السُّنَنِ" لِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ: "مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ عَنِ الْإِسْلَامِ". وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "يَتْرُكُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ مَكَّةَ الْمُتْعَةَ، وَالصَّرْفَ، وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ السَّمَاعَ، وَإِتْيَانَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ الْحَرْبَ وَالطَّاعَةَ، وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ النَّبِيذَ"١. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي٢ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى الْمُعْتَضِدِ٣ فرفع إليَّ كتابا

стр. 841

"نَظَرْتُ"* فِيهِ، وَقَدْ جُمِع فِيهِ الرُّخَصَ، مِنْ زَلَلِ الْعُلَمَاءِ وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ، فَقَالَ: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ؟ "فَقُلْتُ: الْأَحَادِيثُ"** عَلَى مَا رُوِيَتْ، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْغِنَاءَ وَالْمُسْكِرَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَلَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.

стр. 842

الْمَقْصِدُ السَّابِعُ: مِنْ مَقَاصِدِ هَذَا الْكِتَابِ فِي التعادل والترجيح الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، وفي شروطه ... المقصد السابع: في التعادل والترجيح الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَاهُمَا، وَفِي الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، وَفِي شُرُوطِهِ أَمَّا التَّعَادُلُ: فَهُوَ التَّسَاوِي، وَفِي الشَّرْعِ اسْتِوَاءُ الْأَمَارَتَيْنِ. وَأَمَّا التَّرْجِيحُ: فَهُوَ إِثْبَاتُ الْفَضْلِ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، أَوْ جَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا، وَيُقَالُ مَجَازًا لِاعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ. وَفِي الاصطلاح: اقتران الأمارة بما تقوى عَلَى مُعَارِضَتِهَا. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": التَّرْجِيحُ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَيُعْلَمُ الْأَقْوَى فَيُعْمَلُ بِهِ، وَيُطْرَحُ الْآخَرُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا طَرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إِلَّا بَعْدَ تَكَامُلِ كَوْنِهِمَا "طَرِيقَيْنِ لَوِ*" انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَرْجِيحُ الطَّرَفِ عَلَى مَا لَيْسَ بِطَرَفٍ. انْتَهَى. وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَصْحِيحُ الصَّحِيحِ، وَإِبْطَالُ الْبَاطِلِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": اعلم أن الله لينصب عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَدِلَّةً قَاطِعَةً، بَلْ جعلها ظنية، قصدا للتوسيع على المتكلفين، لِئَلَّا يَنْحَصِرُوا فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ، فَقَدْ تَتَعَارَضُ فِي الظَّاهِرِ، بِحَسَبِ جَلَائِهَا وَخَفَائِهَا، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا، والعمل الأقوى. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَعْيِينِ الْأَقْوَى أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ دليلان، وأمارتان، فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَا جَمِيعًا، أَوْ "يُلْغَيَا جَمِيعًا، أَوْ"** يُعْمَلَ بِالْمَرْجُوحِ أَوِ الرَّاجِحِ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ. قَالَ: أَمَّا حَقِيقَتُهُ، يَعْنِي التَّعَارُضَ فَهُوَ تَفَاعُلٌ، مِنَ العُرض، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ وَالْجِهَةُ، كَأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَعَارِضَ يَقِفُ بَعْضُهُ فِي عُرض بَعْضٍ، أَيْ نَاحِيَتِهِ وَجِهَتِهِ، فَيَمْنَعُهُ مِنَ النُّفُوذِ إلى حيث وجه.

стр. 843

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ. وَلِلتَّرْجِيحِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: التَّسَاوِي فِي الثُّبُوتِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ إِلَّا مِنْ حيث الأدلة. الثَّانِي: التَّسَاوِي فِي الْقُوَّةِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ، بَلْ يُقَدَّمُ الْمُتَوَاتِرُ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا نَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. الثَّالِثُ: اتِّفَاقُهُمَا فِي الْحُكْمِ، مَعَ اتِّحَادِ الْوَقْتِ وَالْمَحَلِّ وَالْجِهَةِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ مَثَلًا فِي وَقْتِ النِّدَاءِ مَعَ الْإِذْنِ بِهِ فِي غَيْرِهِ. وَحَكَى إمام الحرمين في تعارض الظاهرين من الكتاب والسنة مذاهب: أحدهما: يُقَدَّمُ الْكِتَابُ لِخَبَرِ مُعَاذٍ١. وَثَانِيهُمَا: تُقَدَّمُ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهَا الْمُفَسِّرَةُ لِلْكِتَابِ، وَالْمُبَيِّنَةُ لَهُ. وَثَالِثُهَا: التَّعَارُضُ، وَصَحَّحَهُ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَزَيَّفَ٢ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي السُّنَّةِ الْمُفَسِّرَةِ لِلْكِتَابِ، بَلِ الْمُعَارِضَةِ لَهُ. وَأَقْسَامُ التَّعَادُلِ وَالتَّرْجِيحِ بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَشْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، والإجماع، "والقياس"*. فيقع التعارض بين الكتاب والكتب، وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالْقِيَاسِ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ. وَيَقَعُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ، وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ. وَيَقَعُ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَيْنَ الإجماع والقياس، وبين القياسين؛ فهذه ثلاثة، والجميع عَشَرَةٌ. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": الْأَكْثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالتَّرْجِيحِ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: عِنْدَ التَّعَارُضِ يَلْزَمُ التَّخْيِيرُ، أَوِ التَّوَقُّفُ، لَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيحِ، فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا خَبَرَ عَائِشَةَ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ٣ عَلَى خَبَرِ "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ"٤، وَقَدَّمُوا خَبَرَ مَنْ رَوَى مِنْ أَزْوَاجِهِ أَنَّهُ كان ﷺ

стр. 844

يُصْبِحُ جُنُبًا١ عَلَى مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أنه "من أصبح جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ" ٢. وَقَبِلَ عَلِيٌّ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ يُحَلِّفْهُ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ من غيره إلا بعد تحليفه٣، وقيل أَبُو بَكْرٍ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ لِمُوَافَقَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لَهُ٤. وَقَبِلَ عُمَرُ خَبَرَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ لِمُوَافَقَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَهُ٥. الثَّانِي: أَنَّ الظَّنَّين إِذَا تَعَارَضَا، ثُمَّ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، كَانَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنًا عُرْفًا، فَيَجِبُ شَرْعًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ" ٦. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِالرَّاجِحِ، لَزِمَ الْعَمَلُ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَتَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ مُمْتَنِعٌ فِي بَدَاهَةِ الْعَقْلِ. وَاحْتَجَّ الْمُنْكِرُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرْجِيحَ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْأَمَارَاتِ لَاعْتُبِرَ فِي الْبَيِّنَاتِ وَالْحُكُومَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَتِ الْعِلَّةُ فِي اعْتِبَارِهِ تَرَجِيحَ الْأَظْهَرِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَائِمٌ هُنَا. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٧ وقوله ﷺ : "نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ" ٨ يَقْتَضِي إِلْغَاءَ زِيَادَةِ الظن.

стр. 845

وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ قَطْعِيٌّ، وَالظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ. انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ ههنا صَحِيحٌ إِلَّا حَدِيثَ: "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا" وَحَدِيثَ: "نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ" فَلَا أَصْلَ لَهُمَا، لَكِنَّ مَعْنَاهُمَا صَحِيحٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ لَمَّا قَالَ لَهُ إِنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ مُكْرَهًا، فَقَالَ: "كَانَ ظَاهِرُكَ عَلَيْنَا" ١، وكما في قوله ﷺ : "إِنَّمَا أَقْضِي بِمَا أَسْمَعُ" ٢ وَكَمَا فِي أمره ﷺ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَذَمِّ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا، وَأَمْرِهِ بِلُزُومِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ٣. وَيُجَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ الْمُنْكِرُونَ بِجَوَابٍ أَحْسَنَ مِمَّا ذَكَرَهُ، أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ: فَيُقَالُ: نَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِ مَا ذَكَرْتُمْ، فإن ظَهَرَ التَّرْجِيحُ لِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، أَوْ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي: فَيُقَالُ: لَا دَلَالَةَ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي الْآيَةِ، بِوَجْهٍ مِنَ الوجوه، وما قوله: "نحن نحكم بالظاهر" "فلا يبقى" * الظَّاهِرُ ظَاهِرًا بَعْدَ وُجُودِ مَا هُوَ أَرْجَحُ منه.
следующие страницы →